الآية ٦٤ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٦٤ من سورة المائدة

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 174 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - بأنهم وصفوا الله عز وجل وتعالى عن قولهم علوا كبيرا ، بأنه بخيل .

كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء ، وعبروا عن البخل بقولهم : ( يد الله مغلولة ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الطهراني ، حدثنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : قال ابن عباس : ( مغلولة ) أي : بخيلة .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) قال : لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون : بخيل أمسك ما عنده ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .

وكذا روي عن عكرمة وقتادة والسدي ومجاهد والضحاك وقرأ : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) [ الإسراء : 29 ] .

يعني : أنه ينهى عن البخل وعن التبذير ، وهو الزيادة في الإنفاق في غير محله ، وعبر عن البخل بقوله : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) .

وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله .

وقد قال عكرمة : إنها نزلت في فنحاص اليهودي عليه لعنة الله .

وقد تقدم أنه الذي قال : ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) [ آل عمران : 181 ] فضربه أبو بكر الصديق رضي الله عنه .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال : قال رجل من اليهود يقال له : شاس بن قيس : إن ربك بخيل لا ينفق ، فأنزل الله : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) وقد رد الله عز وجل عليهم ما قالوه ، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه ، فقال : ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) وهكذا وقع لهم ، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم ، كما قال تعالى : ( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله [ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ] ) [ النساء : 53 - 55 ] وقال تعالى : ( ضربت عليهم الذلة [ أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ] ) الآية [ آل عمران : 112 ] .

ثم قال تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) أي : بل هو الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه ، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له ، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه ، في ليلنا ونهارنا ، وحضرنا وسفرنا ، وفي جميع أحوالنا ، كما قال [ تعالى ] ( وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) الآية [ إبراهيم : 34 ] .

والآيات في هذا كثيرة ، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يمينه " قال : " وعرشه على الماء ، وفي يده الأخرى القبض ، يرفع ويخفض " : قال : قال الله تعالى : " أنفق أنفق عليك " أخرجاه في الصحيحين ، البخاري في " التوحيد " عن علي ابن المديني ، ومسلم فيه عن محمد بن رافع وكلاهما عن عبد الرزاق به .

وقوله : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) أي : يكون ما أتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم ، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا ، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك ) طغيانا ) وهو : المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء ) وكفرا ) أي : تكذيبا ، كما قال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] وقال تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] .

وقوله : ( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) يعني : أنه لا تجتمع قلوبهم ، بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائما لأنهم لا يجتمعون على حق ، وقد خالفوك وكذبوك .

وقال إبراهيم النخعي : ( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ) قال : الخصومات والجدال في الدين .

رواه ابن أبي حاتم .

وقوله : ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) أي : كلما عقدوا أسبابا يكيدونك بها ، وكلما أبرموا أمورا يحاربونك بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم ، ويحيق مكرهم السيئ بهم .

( ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ) أي : من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في الأرض ، والله لا يحب من هذه صفته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم قديمَ جهلهم واغترارهم به، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم= واحتجاجًا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه له نبيٌّ مبعوث ورسول مرسل: أنْ كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيِّ علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلا عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرأوا كتابًا، ولاوَعَوْا من علوم أهل الكتاب علمًا، فأطلع الله على ذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليقرر عندهم صدقه، ويقطع بذلك حجتهم.

* * * يقول تعالى ذكره: " وقالت اليهود "، من بني إسرائيل=" يد الله مغلولة "، يعنون: أن خير الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى &; 10-451 &; ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [سورة الإسراء: 29].

* * * وإنما وصف تعالى ذكره " اليد " بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالبَ بأيديهم.

فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في مدح رجل: يَــدَاكَ يَــدَا مَجْـدٍ, فَكَـفٌ مُفِيـدَةٌ وَكَـفٌّ إذَا مَـا ضُـنَّ بِـالزَّادِ تُنْفِـقُ (56) فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى " اليد ".

ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى.

فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم فقال: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، يعني بذلك: أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا، ويمنعنا فضله فلا يُفْضِل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطَها بعطاء ولا بذلِ معروف، تعالى الله عما قالوا، أعداءَ الله!

(57) فقال الله مكذِّبَهم ومخبرَهم بسخَطه عليهم: " غلت أيديهم "، يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقُبِضت عن الانبساط بالعطيات=" ولعنوا بما قالوا "، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر، وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب والإفك (58) =" بل يداه مبسوطتان "، يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غيُر مغلولتين ولا مقبوضتين (59) =" ينفق كيف يشاء "، يقول: يعطي هذا، ويمنع هذا فيقتِّر عليه.

(60) * * * وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12242 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا "، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيًرا.

12243 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " يد الله مغلولة "، قالوا: لقد تَجَهَّدنا الله = يا بني إسرائيل، (61) حتى &; 10-453 &; جعل الله يده إلى نحره!

وكذبوا!

12244 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يد الله مغلولة "، قال: اليهود تقوله: (62) لقد تجهَّدنا الله يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب، (63) حتى إن يده إلى نحره=" بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء ".

12245 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا " إلى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، أما قوله: " يد الله مغلولة "، قالوا: الله بخيل غير جواد!

قال الله: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ".

12246 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء "، قالوا: إن الله وضع يده على صدره، فلا يبسطها حتى يردّ علينا ملكنا.

* * * = وأما قوله: " ينفق كيف يشاء "، يقول: يرزق كيف يشاء.

12247 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة: " وقالت اليهود يد الله مغلولة " الآية، نـزلت في فنْحاص اليهوديّ.

12248 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله: " يد الله مغلولة "، يقولون: إنه &; 10-454 &; بخيل ليس بجواد!

قال الله: " غلت أيديهم "، أمسكت أيديهم عن النفقة والخير.

ثم قال يعني نفسه: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ".

وقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [سورة الإسراء: 29]، يقول: لا تمسك يدك عن النفقة.

* * * قال أبو جعفر: واختلف أهل الجدل في تأويل قوله: " بل يداه مبسوطتان ".

(64) فقال بعضهم: عنى بذلك: نِعمتاه.

وقال: ذلك بمعنى: " يد الله على خلقه "، وذلك نعمه عليهم.

وقال: إن العرب تقول: " لك عندي يد "، يعنون بذلك: نعمةٌ.

* * * وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة.

وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي [سورة ص: 45].

* * * وقال آخرون منهم: بل " يده "، ملكه.

وقال: معنى قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، ملكه وخزائنه.

قالوا: وذلك كقول العرب للمملوك: " هو ملك يمينه "، و " فلان بيده عُقدة نكاح فلانة "، أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ، [سورة المجادلة: 12].

* * * وقال آخرون منهم: بل " يد الله " صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم.

قالوا: وذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ عن خصوصه آدم بما خصّه به من خلقه إياه بيده.

(65) قالوا: ولو كان [معنى " اليد "، النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصِه] آدم بذلك وجه مفهوم، (66) إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه في خلقه تعمةٌ، وهو لجميعهم مالك.

قالوا: وإذ كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقَه إياه بيده دون غيره من عباده، كان معلومًا أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق.

قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى " اليد " من الله، القوة والنعمة أو الملك، في هذا الموضع.

قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون أن: " يد الله " في قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، هي نعمته، لقيل: " بل يده مبسوطة "، ولم يقل: " بل يداه "، لأن نعمة الله لا تحصى كثرة.

(67) وبذلك جاء التنـزيل، يقول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [سورة إبراهيم: 34 وسورة النحل: 18] قالوا: ولو كانت نعمتين، كانتا محصاتين.

قالوا: فإن ظن ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة، فذلك منه خطأ، وذلك أنّ العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه، وذلك كقول الله تعالى ذكره: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [سورة العصر: 1، 2] وكقوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ)، [سورة الحجر: 26] وقوله: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [سورة الفرقان: 55]، قال: فلم يُرَدْ بـ" الإنسان " و " الكافر " في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدَّى عن جنسه، كما تقول العرب: " ما أكثر الدرهم في أيدي الناس "، وكذلك قوله: وَكَانَ الْكَافِرُ معناه: وكان الذين كفروا.

قالوا: فأما إذا ثنَّى الاسم، فلا يؤدي عن الجنس، ولا يؤدّي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما.

(68) قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال: " ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس "، بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم.

قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثنِّي لا يؤدي في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما.

قالوا: وغيرُ محال: " ما أكثر الدرهم في أيدي الناس "، و " ما أكثر الدراهم في أيديهم "، لأن الواحد يؤدي عن الجميع.

قالوا: ففي قول الله تعالى: " بل يداه مبسوطتان "، مع إعلامه عبادَه أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤدّيان عن الجميع= ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى " اليد "، في هذا الموضع، النعمة= وصحةِ قول من قال: إن " يد الله "، هي له صفة.

قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به العلماء وأهل التأويل.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفيِّ أمور هؤلاء اليهود، مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم، &; 10-457 &; احتجاجًا عليهم لصحة نبوتك، وقطعًا لعذر قائلٍ منهم أن يقول: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ =: " ليزيدن كثيرًا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا ".

يعني بـ" الطغيان ": الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتمادي في ذلك=" وكفرًا "، يقول: ويزيدهم مع غلوِّهم في إنكار ذلك، جحودَهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته، بأن ينسبوه إلى البخل، ويقولوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ .

وإنما أعلم تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنهم أهل عتوّ وتمرُّدٍ على ربهم، وأنهم لا يذعنون لحقّ وإن علموا صحته، ولكنهم يعاندونه، يسلِّي بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الموجِدة بهم في ذهابهم عن الله، وتكذيبهم إياه.

* * * وقد بينت معنى " الطغيان " فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته.

(69) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12249 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وليزيدن كثيرًا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، حملهم حسدُ محمد صلى الله عليه وسلم والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم.

* * * القول في تأويل قوله : وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة "، بين اليهود و النصارى، كما:- 12250 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة "، اليهود والنصارى.

* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء "، جعلت " الهاء والميم " في قوله: " بينهم "، كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟

قيل: قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، [سورة المائدة: 51]، جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء "، ثم قصد بقوله: " ألقينا بينهم "، الخبرَ عن الفريقين.

* * * القول في تأويل قوله : كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى، فأرادوا مناهضة من ناوأهم، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وخُبْثِ نياتهم، (70) كالذي:- 12251 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [سورة الإسراء: 4- 6]، قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوًّا فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخرَّبوا المسجد.

فغَبَرُوا زمانًا، (71) ثم بعث الله فيهم نبيًّا وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان.

ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُخْت نصَّر، فقتل من قتل منهم، وسبى من سبى، وخرب المسجد.

فكان بخت نصر الفسادَ الثاني= قال: و " الفساد "، المعصية= ثم قال، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ إلى قوله: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [سورة الإسراء: 7، 8] فبعث الله لهم عُزَيْرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره وكتبها لهم.

فقام بها ذلك القرن، ولبثوا فنسوا.

(72) ومات عزير، وكانت أحداثٌ، ونسوا العهد وبَخَّلوا ربهم، وقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ، وقالوا في عزير: " إن الله اتخذه ولدًا "، وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح، فخالفوا ما نَهَوْا عنه، وعملوا بما كانوا يكفِّرون عليه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لن يظهروا على عدوٍّ آخرَ الدهر، (73) فقال: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين "، فبعث الله عليهم المجوس الثالثةَ أربابًا، (74) فلم يزالوا كذلك والمجوس &; 10-460 &; على رقابهم، وهم يقولون: " يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، عسى الله أن يفكَّنا به من المجوس والعذاب الهون "!

فبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم= واسمه " محمد "، واسمه في الإنجيل " أحمد "= فلما جاءهم وعرفوا، (75) كفروا به، قال: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [سورة البقرة: 89]، وقال: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، بسورة البقرة: 90].

(76) 12252 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، هم اليهود.

12253 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا "، أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، فلن تلقَى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذلّ أهله.

لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغضِ خلقه إليه.

12254 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، قال: كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرَّقه الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، (77) وقذف في قلوبهم الرعب.

* * * وقال مجاهد بما:- 12255 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، قال: حربُ محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * القول في تأويل قوله : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيُهم فيها بالفساد= " والله لا يحب المفسدين "، يقول: والله لا يحب من كان عامِلا بمعاصيه في أرضه.

(78) * * * --------------- الهوامش: (56) ديوانه: 150 ، وغيره.

من قصيدته الغالية التي رفعت المحلق وطارت بذكره في الآفاق ، يقول له: لَعَمْـرِي لَقَـدْ لاحَـتْ عُيُـونٌ كَثِـيرَةٌ إلَـى ضَـوْءِ نـارٍ فـي يَفَـاٍع تُحَرَّقُ تُشَــبُّ لمقْــرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهِــا وَبَـاتَ عَـلَى النَّـارِ النَّـدَى والمحَلَّقُ رَضِيعَــيْ لِبَــانٍ ثَـدْيَ أُمٍّ تَحَالفَـا بِأَسْــحَمَ عَـوْضَ الدَّهْـرِ لا نَتَفَـرَّقُ تَـرَى الجُودَ يَجْرِيِ ظَاهِرًا فَوْقَ وَجْهِهِ كَمَــا زَانَ مَتْـنَ الهُنْـدُوَانِيِّ رَوْنَـقُ يَــدَاهُ يَـدَا صِـدْقٍ، فَكـفٌّ مُفِيـدَةٌ وَكَـفٌّ إذَا مَـا ضُـنَّ بِالْمَـالِ تُنْفِـقُ هذه رواية مخطوطة ديوانه التي صورتها حديثًا ، ورواية هذه المخطوطة تخالف الرواية المطبوعة في أشياء كثيرة ، ولا سيما في ترتيب أبيات الشعر.

(57) في المطبوعة: "عما قال أعداء الله" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقوله: "أعداء الله" منصوب على الذم.

(58) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 10: 437 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(59) انظر تفسير"البسط" فيما سلف 5: 288 ، 290 ، 313.

(60) انظر تفسير"الإنفاق" فيما سلف 7: 134 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك ، ثم سائر فهارس اللغة.

(61) في المطبوعة ، حذف ما وضعته بين الخطين ، وكان في المخطوطة: "لقد تجهدنا الله ، أي تجهدنا الله يا بني إسرائيل" ، ورجحت أن صوابها كما أثبتها.

ولم يذكر في كتب اللغة"تجهد" (مشددة الهاء) بمعنى: ألح عليه في السؤال حتى أفنى ما عنده ، وكأنه من أجل ذلك فسره بقوله (كما قرأته): "أي جهدنا الله" من قولهم"جهد الرجل" (ثلاثيا): إذا ألح عليه في السؤال.

هذا ما رأيته ، وفوق كل ذي علم عليم.

وانظر الأثر التالي.

(62) في المطبوعة: "اليهود تقول" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(63) انظر التعليق السالف ص: 452 ، رقم: 4.

(64) هذه أول مرة يذكر فيها أبو جعفر أصحاب الكلام ويسميهم"أهل الجدل".

(65) في المطبوعة: "عن خصوصية آدم" ، وأعاد"خصوصية" بالنسب في جميع ما سيأتي ، وهو عبث من المصحح ، وأثبت ما في المخطوطة.

(66) هذه الزيادة بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام ، استظهرتها من سياق هذه الحجج ما استطعت ، وإسقاطها مفسد للكلام.

(67) في المطبوعة: "لا تحصى بكثرة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(68) في المطبوعة والمخطوطة: "فلا يؤدي إلا عن اثنين" ، وهو لا يستقيم بالفاء ، إنما يستقيم بالواو كما أثبته.

(69) انظر تفسير"الطغيان" فيما سلف 1: 308 ، 309/5: 419.

(70) انظر تفسير"أوقد" فيما سلف 1: 320 ، 380/6: 222.

(71) في المطبوعة: "فغيروا" بالياء ، وهو خطأ."غبروا زمانا": لبثوا زمانًا.

(72) في المطبوعة: "ونسوا" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(73) في المطبوعة والمخطوطة: "لم يظهروا" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(74) في المطبوعة: "المجوس الثلاثة أربابًا" ، والصواب ما في المخطوطة ، ويعني وعد الآخرة ، وهي المرة الثالثة.

(75) في المطبوعة: "فلما جاءهم ما عرفوا..." كنص آية البقرة: 89 ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب أيضًا ، لا يريد الآية ، بل أراد معناها.

(76) الأثر: 12251- هذا الأثر ، لم يذكره أبو جعفر في تفسير آيات"سورة الإسراء: 4- 8" في تفسيره 15: 17- 35 (بولاق).

وهذا أحد الأدلة على اختصار التفسير.

(77) "الحد": البأس والنفاذ.

و"حد الظهيرة": شدة توقدها.

(78) انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف: 287 ، 416/ ثم 10: 257 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

= وتفسير"السعي" فيما سلف 4: 238 ، وفي سائر فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدينقوله تعالى : وقالت اليهود يد الله مغلولة قال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء ، لعنه الله ، وأصحابه ، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قل مالهم ; فقالوا : إن الله بخيل ، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء ; فالآية خاصة في بعضهم ، وقيل : لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا ، وقال الحسن : المعنى يد الله مقبوضة عن [ ص: 175 ] عذابنا ، وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات قالوا : إن إله محمد فقير ، وربما قالوا : بخيل ; وهذا معنى قولهم : يد الله مغلولة فهذا على التمثيل كقوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ، ويقال للبخيل : جعد الأنامل ، ومقبوض الكف ، وكز الأصابع ، ومغلول اليد ; قال الشاعر :كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها وكل باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت بعده جعدا أناملهكأنما وجهه بالخل منضوحواليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى : وخذ بيدك ضغثا وهذا محال على الله تعالى ، وتكون للنعمة ; تقول العرب : كم يد لي عند فلان ، أي : كم من نعمة لي قد أسديتها له ، وتكون للقوة ; قال الله عز وجل : واذكر عبدنا داود ذا الأيد ، أي : ذا القوة وتكون للملك والقدرة ; قال الله تعالى : قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء .

وتكون بمعنى الصلة ، قال الله تعالى : مما عملت أيدينا أنعاما أي : مما عملنا نحن ، وقال : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح البقرة : 2 أي الذي له عقدة النكاح ، وتكون بمعنى التأييد والنصرة ، ومن قوله عليه السلام : يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم ، وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له وتكريما ; قال الله تعالى : يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فلا يجوز أن يحمل على الجارحة ; لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض ، ولا على القوة والملك والنعمة والصلة ، لأن الاشتراك يقع حينئذ .

بين وليه آدم وعدوه إبليس ، ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه ; لبطلان معنى التخصيص ، فلم يبق إلا أن تحمل على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور ، لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة ; ومثله ما روي أنه عز اسمه وتعالى علاه وجده أنه كتب التوراة بيده ، وغرس دار الكرامة بيده لأهل الجنة ، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها .[ ص: 176 ] قوله تعالى : غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا حذفت الضمة من الياء لثقلها ; أي : غلت في الآخرة ، ويجوز أن يكون دعاء عليهم ، وكذا ولعنوا بما قالوا والمقصود تعليمنا كما قال : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ; علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله : تبت يدا أبي لهب وقيل : المراد أنهم أبخل الخلق ; فلا ترى يهوديا غير لئيم ، وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو ; أي : قالوا : يد الله مغلولة وغلت أيديهم .

واللعن الإبعاد ، وقد تقدم .قوله تعالى : بل يداه مبسوطتان ابتداء وخبر ; أي : بل نعمته مبسوطة ; فاليد بمعنى النعمة .

قال بعضهم : هذا غلط ; لقوله : بل يداه مبسوطتان فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان ؟

وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد ; فيكون مثل قوله عليه السلام : مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين .

فأحد الجنسين نعمة الدنيا ، والثاني نعمة الآخرة .

وقيل : نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة ; كما قال : وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة .

وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال فيه : النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك ، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك ، وقيل : نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما .

وقيل : إن النعمة للمبالغة ; كقول العرب : ( لبيك وسعديك ) وليس يريد الاقتصار على مرتين ; وقد يقول القائل : ما لي بهذا الأمر يد أي : قوة .

قال السدي ; معنى قوله يداه قوتاه بالثواب والعقاب ، بخلاف ما قالت اليهود : إن يده مقبوضة عن عذابهم ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض .

السح الصب الكثير ، ويغيض ينقص ; ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره : والله يقبض ويبسط .

وأما هذه الآية ففي قراءة ابن مسعود [ ص: 177 ] " بل يداه بسطان " حكاه الأخفش ، وقال يقال : يد بسطة ، أي : منطلقة منبسطة .

ينفق كيف يشاء أي : يرزق كما يريد ، ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة ; أي : قدرته شاملة ، فإن شاء وسع وإن شاء قتر .

وليزيدن كثيرا منهم لام قسم .

ما أنزل إليك من ربك أي : بالذي أنزل إليك .

طغيانا وكفرا أي : إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ازداد كفرهم .

وألقينا بينهم قال مجاهد : أي : بين اليهود والنصارى ; لأنه قال قبل هذا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، وقيل : أي : ألقينا بين طوائف اليهود ، كما قال : تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى فهم متباغضون غير متفقين ; فهم أبغض خلق الله إلى الناس .

كلما أوقدوا نارا للحرب يريد اليهود .

وكلما ظرف أي : كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم ، وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله - التوراة - أرسل الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الرومي ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين ; فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا أي : أهاجوا شرا ، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم أطفأها الله وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار .

قال قتادة : أذلهم الله عز وجل ; فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي المجوس ، ثم قال جل وعز : ويسعون في الأرض فسادا أي : يسعون في إبطال الإسلام ، وذلك من أعظم الفساد ، والله أعلم وقيل : المراد بالنار هنا نار الغضب ، أي : كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتدام نار الغضب أطفأها الله حتى يضعفوا ; وذلك بما جعله من الرعب نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن مقالة اليهود الشنيعة، وعقيدتهم الفظيعة، فقال: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ْ} أي: عن الخير والإحسان والبر.

{ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ْ} وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم.

فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم، بالبخل وعدم الإحسان.

فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم.

فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا، وأسوأهم ظنا بالله، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي.

ولهذا قال: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ْ} لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم.

فيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارا، يفرج كربا، ويزيل غما، ويغني فقيرا، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا, ويجيب سائلا، ويعطي فقيرا عائلا، ويجيب المضطرين، ويستجيب للسائلين.

وينعم على من لم يسأله، ويعافي من طلب العافية، ولا يحرم من خيره عاصيا، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها، ويضيفها إليهم، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف، ولا يخطر على بال العبد، ويلطف بهم في جميع أمورهم، ويوصل إليهم من الإحسان، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه، وإليه يجأرون في دفع المكاره، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه, بل هو كما أثنى على نفسه، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده.

وقبَّح الله من استغنى بجهله عن ربه، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم، لهلكوا، وشقوا في دنياهم، ولكنهم يقولون تلك الأقوال، وهو تعالى, يحلم عنهم، ويصفح، ويمهلهم ولا يهملهم.

وقوله { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ْ} وهذا أعظم العقوبات على العبد، أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله، الذي فيه حياة القلب والروح، وسعادة الدنيا والآخرة, وفلاح الدارين، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده, توجب عليهم المبادرة إلى قبولها, والاستسلام لله بها, وشكرا لله عليها, أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه، وطغيان إلى طغيانه، وكفر إلى كفره، وذلك بسبب إعراضه عنها، ورده لها، ومعاندته إياها، ومعارضته لها بالشبه الباطلة.

{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ْ} فلا يتآلفون، ولا يتناصرون, ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم, متعادين بأفعالهم, إلى يوم القيامة { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ ْ} ليكيدوا بها الإسلام وأهله، وأبدوا وأعادوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم { أَطْفَأَهَا اللَّهُ ْ} بخذلانهم وتفرق جنودهم, وانتصار المسلمين عليهم.

{ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ْ} أي: يجتهدون ويجدون، ولكن بالفساد في الأرض، بعمل المعاصي، والدعوة إلى دينهم الباطل، والتعويق عن الدخول في الإسلام.

{ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ْ} بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم على ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة : إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة ، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء : يد الله مغلولة ، أي : محبوسة مقبوضة عن الرزق نسبوه إلى البخل ، تعالى الله عن ذلك .

قيل : إنما قال هذه المقالة فنحاص ، فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله أشركهم الله فيها .

وقال الحسن : معناه " يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا ما تبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل .

والأول أولى لقوله : " ينفق كيف يشاء " .

( غلت أيديهم ) أي : [ أمسكت ] أيديهم عن الخيرات .

وقال الزجاج : أجابهم الله تعالى فقال : أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسكة .

وقيل : هو من الغل في النار يوم القيامة لقوله تعالى : " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل " ( غافر ، 71 ) .

) ( ولعنوا ) عذبوا ، ) ( بما قالوا ) فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا وفي الآخرة بالنار ، ( بل يداه مبسوطتان ) ويد الله صفة من [ صفاته ] كالسمع ، والبصر والوجه ، وقال جل ذكره : " لما خلقت بيدي " ( ص ، 75 ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلتا يديه يمين " والله أعلم بصفاته ، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم .

وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات : " أمروها كما جاءت بلا كيف " .

) ( ينفق ) يرزق ، ( كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) أي : كلما نزلت آية كفروا بها وازدادوا طغيانا وكفرا ، [ كلما نزلت آية ] ( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ) يعني : بين اليهود والنصارى ، قاله الحسن ومجاهد : وقيل بين طوائف اليهود جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين ( إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) يعني : اليهود أفسدوا وخالفوا حكم التوراة ، فبعث الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم طيطوس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين .

وقيل : كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأوقدوا نار المحاربة أطفأها الله ، فردهم وقهرهم ونصر نبيه ودينه ، هذا معنى قول الحسن ، وقال قتادة : هذا عام في كل حرب طلبته اليهود فلا تلقى اليهود في البلد إلا وجدتهم من أذل الناس ، ( ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالت اليهود» لما ضيق عليهم بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا أكثر الناس مالا «يد الله مغلولة» مقبوضة عن إدرار الرزق علينا كنوا به عن البخل - تعالى الله عن ذلك- قال تعالى: «غُلَّتْ» أمسكت «أيديهم» عن فعل الخيرات دعاء عليهم «ولُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان» مبالغة في الوصف بالجود وثنى اليد لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه «ينفق كيف يشاء» من توسيع وتضيق لا اعتراض عليه «وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك» من القرآن «طغيانا وكفرا» لكفرهم به «وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة» فكل فرقة منهم تخالف الأخرى «كلما أوقدوا نارا للحرب» أي لحرب النبي صلى الله عليه وسلم «أطفأها الله» أي كلما أرادوه ردهم «ويسعَون في الأرض فسادا» أي مفسدين بالمعاصي «والله لا يحب المفسدين» بمعنى أنه يعاقبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يُطلع الله نَبِيَّه على شيء من مآثم اليهود -وكان مما يُسرُّونه فيما بينهم- أنهم قالوا: يد الله محبوسة عن فعل الخيرات، بَخِلَ علينا بالرزق والتوسعة، وذلك حين لحقهم جَدْب وقحط.

غُلَّتْ أيديهم، أي: حبست أيديهم هم عن فِعْلِ الخيرات، وطردهم الله من رحمته بسبب قولهم.

وليس الأمر كما يفترونه على ربهم، بل يداه مبسوطتان لا حَجْرَ عليه، ولا مانع يمنعه من الإنفاق، فإنه الجواد الكريم، ينفق على مقتضى الحكمة وما فيه مصلحة العباد.

وفي الآية إثبات لصفة اليدين لله سبحانه وتعالى كما يليق به من غير تشبيه ولا تكييف.

لكنهم سوف يزدادون طغيانًا وكفرًا بسبب حقدهم وحسدهم؛ لأن الله قد اصطفاك بالرسالة.

ويخبر تعالى أن طوائف اليهود سيظلون إلى يوم القيامة يعادي بعضهم بعضًا، وينفر بعضهم من بعض، كلما تآمروا على الكيد للمسلمين بإثارة الفتن وإشعال نار الحرب ردَّ الله كيدهم، وفرَّق شملهم، ولا يزال اليهود يعملون بمعاصي الله مما ينشأ عنها الفساد والاضطراب في الأرض.

والله تعالى لا يحب المفسدين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من سوء معتقد اليهود ، وخبث طويتهم ، وسوء أدبهم مع الله - تعالى - فقال :( وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ .

.

.

)قال ابن عباس : قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس : يا محمد إن ربك بخيل لا ينفق .

فأنزل الله هذه الآية .وقد أضاف - سبحانه - المقالة إلى اليهود جميعا ، لأنهم لم ينكروا على القائل ما قاله ورضوا به .وقال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه .

فقد كانت لهم أموال فلما كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قل ما لهم ، فقالوا ما قالوا .وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا ( مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً ) قالوا : إن إله محمد بخيل .وقوله - تعالى - حكاية عنهم : ( وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ) إخبار من الهل عن جراءة اليهود عليه - سبحانه - وسوء أدبهم معه ، وتوبيخ لهم على جحودهم نعمه التي لا تحصى .وأرادوا بقولهم : ( يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ) : أنه - سبحانه - بخيل عليهم ، ممسك خيره عنهم ، مانع فضله عن أن يصل إلهم ، حابس عطاءه عن الاتساع لهم ، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف .وأصل الغل - كما يقول الراغب - تدرع الشيء وتوسطه ، ومنه الغلل للماء الجاري بين الشجر .

والغل مختص بما يقيد به الشخص فيجعل الأعضاء وسطه ، وجمعه أغلال .وليس المراد باليد هنا الجارحة المعروفة بهذا الاسم ، لأن الله - تعالى - منزه عن مشابهة الحوادث .

وإنما غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن التقتير والعطاء .والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال ، لا سيما في دفع المال وإنفاقه .

فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والكف فقيل للجواد فياض اليد ، مبسوط الكف ، وقيل للبخيل : مقبوض اليد ، كز الكف .وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله : " غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود " ومنه قوله - تعالى - ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط ) ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط .

ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه ، لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة ، حتى إنه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قد ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وقبضها وبسطها .

ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا : ما أبسط يده بالنوال ، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان معاقبتان البخل والجود .وقد استعملوها حيث لا تصح اليد كقول القائل :جاد الحمى بسط اليدين بوابل ...

شكرت نداه تلاعه ووهادهويقال : بسط اليأس كفيه في صدري ، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفين .وقد علق صاحب الانتصاف على قول صاحب الكشاف " غل اليد وبسطها مجاز " فقال : والنكتة في استعمال هذا المجاز تصوير الحقيقة المعنوية بصورة حسية تلزمها غالبا ، وهي بسط اليد للجود وقبضها للبخل ، ولا شيء أثبت من الصور الحسية في الذهن ، فلما كان الجود والبخل معنيين لا يدركان بالحس .عبر عنهما بلازمهما لفائدة الإِيضاح والانتقال من المعنويات إلى المحسوسات .وقوله : ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُوا ) دعاء عليهم بالشح المرير والبخل الشنيع بأن يخلق - سبحانه - فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من الناس ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الله ، وحكم عليهم بالطرد من رحمة الله - تعالى - بسبب سوء أدبهم معه - سبحانه - وجحودهم لنعمه .وهذه الجملة تعليم من الله لنا بأن ندعو على من فسدت قلوبهم ، وأساءوا الأدب مع خالقهم ورازقهم ، فقالوا في شأنه ما هو منزه عنه - ( وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ) قال الآلوسي ما ملخصه : ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدي الحقيقة ، بأن يغلو في الدنيا أسارى - وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم .

ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فقد فيكون تجنيسا .

وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقوله : سبني سب الله دابره أي قطعه ، لأن السب أصله القطع .وقوله : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) معطوف على مقدر يقتضيه المقام ، وتكذيب لهم فيما قالوه من باطل .والمعنى : كلا - أيها اليهود - ليس الأمر كما زعمتم من قول باطل ، بل هو - سبحانه - الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه .فبسط اليد هنا كناية عن الجواد والفضل والإِنعام منه - سبحانه - على خلقه .وعبر بالمثنى فقال : ( بَلْ يَدَاهُ ) للإِشارة إلى كثرة الفيض والإِنعام ، لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء أعطى بكلتا يديه .قال ابن كثير قوله : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) أي : بل هو الواسع الفضل .

الذي ما يخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له .

كما قال : ( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) والآيات في هذا كثيرة .وقد روى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة - أي لا ينقصها الإِنفاق - سحاء - أي مليئة - الليل والنهار .

أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يمينه .

وكان عرشه على الماء ، وفي يده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض وقال : يقول الله - تعالى - : أنفق أنفق عليك " .وقوله : ( يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ) جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده ، والدلالة على أنه على مقتضى حكمته ومشيئته فهو - سبحانه - يبسط الرزق لمن يشاء أن يبسطه له ويقبضه عمن يشاء أن يقبضه عنه ، وقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه لا ينافي سعة كرمه ، لأنه يعطي ويمنع على حسب مشيئته التي أقام بها نظام خلقه .ثم بين - سبحانه - موقفهم الجحودي مما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : ( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ) .أي : إن ما أنزلنا عليك يا محمد من قرآن كريم ، وما أطلعناك عليه من خفى أمور هؤلاء اليهود ، ومن أحوال سلفهم كل ذلك ليزيدن الكثيرين منهم كفرا على كفرهم ، وطغيانا على طغيانهم ، وذلك لأنهم قوم أكل الحقد قلوبهم ، واستولى الحسد على نفوسهم .وإذا كان ما أنزلناه إليك يا محمد فيه الشفاء لنفوس المؤمنين ، فإنه بالنسبة لهؤلاء اليهود يزيديهم بغيا وظلما وكفرا .قال - تعالى - : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً ) فالجملة الكريمة بيان لموقف اليهود الجحودي من الآيات التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وهي في الوقت ذاته تسلية له صلى الله عليه وسلم عما يلقاه منهم .وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بالقسم المطوي ، وباللام الموطئة له ، ونون التوكيد الثقيلة لكي ينتفي الرجاء في إيمانهم ، وليعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه على أساس مكنون نفوسهم الخبيثة ، وقلوبهم المريضة بالحسد والخداع .وقوله ( كثيراً ) هو المفعول الأول لقوله ( وليزيدن ) وفاعله ما الموصولة في قوله ( ما أنزل ) وقوله ( طغيانا ) هو المفعول الثاني .ثم زاد - سبحانه - في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم فأصدر حكمه فيهم بدوام العداوة والبغضاء بين طوائفهم وفرقهم فقال : ( وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة ) فالضمير في قوله ( بينهم ) يعود إلى فرق اليهود المختلفة من فريسيين وصدوقيين وقرائين ، وكتبة وغير ذلك من فرقهم المتعددة .وقيل : الضمير يعود إلى طائفتي اليهود والنصارى .والأول أرجح لأن الحديث في هذه الآية عن اليهود الذين وصفوا الله - تعالى - بما هو منزه عنه .والعداوة والبغضاء يرى بعضهم أنهما اسمان لمعنى واحد .ويرى آخرون أن معناهما مختلف .

فالعداوة معناها المناوأة الظاهرة ، والبغضاء هي الكراهية التي تكون في القلب .

فهما معنيان متغايران وإن كانا متلازمين أحيانا .

فلا عداوة من غير بغضاء ، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلان للعداوة .قال أبو حيان : والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس بعدو .

وقال ابن عطية : وكأن العداوة شيء يشهد ، يكون عنه عمل وحرب ، والبغضاء لا تتجاوز النفوس .والمعنى : وألقينا بين طوائف اليهود المتعددة العداوة الدائمة ، والبغضاء المستمرة ، فأنت تراهم كلمتهم مختلفة ، وقلوبهم شتى وكل فرقة منهم تلصق النقائص بالأخرى ، وهم على هذه الحال إلى يوم القيامة .وما أظهره اليهود في هذا العصر من تعاون وتساند جعلهم ينشئون دولة لهم بفلسطين ، هو أمر مؤقت ، فإن هذه الدولة لن تستمر طويلا ، بل ستعود إلى أهلها المسلمين متى صدقوا في جهادهم واتبعوا تعاليم دينهم .قال الفخر الرازي : واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أنه - تعالى - بين أن هؤلاء اليهود إنما ينكرون نبوته صلى الله عليه وسلم بعد ظهورالدلائل على صحتها ، لأجل الحسد .

ولأجل حب الجاه والمال .

ثم إنه - تعالى - بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة ، لا جرم أنه - تعالى - كما حرمهم سعادة الدين ، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا ، لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته .

.

فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم .

وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا .

ويحارب بعضهم بعضاً .فإن قلت : فهذا المعنى حاصل أيضاً بين فرق المسلمين فكيف يمكن جعله عيبا على الكتابين حتى يذموا عليه؟قلنا : بدعة التفرق التي حصلت في المسلمين إنما حدثت بعد عصر النبوة وعصر الصحابة والتابعين .

أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم فحسن جعل ذلك عيباً على الكتابين في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن .وقوله : ( كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ) أي : كلما أرادوا حرب الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهيأوا الأسباب لذلك وحاولوا تفريق كلمتهم وإثارة العداوة بينهم .

كلما فعلوا ذلك أفسد الله عليهم خطتهم ، وأحبط مكرهم ، وألقى الرعب في قلوبهم .والتعبير بهذه الجملة الكريمة جاء على وفق ما جرى عليه العرب من أنهم كانوا إذا أرادوا حرباً بالإِغارة على غيرهم أوقدوا ناراً يسمونها نار الحرب .والتعبير هنا لذلك على سبيل المجاز إذ عبر - سبحانه - عن إثارة الحروب بإيقاد نارها .

باعتبارها أن الحروب في ذاتها وبما تشتمل عليه من مذابح بشرية تشبه النار المستعمرة في أخطارها ومصائبها .وقوله : ( وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً والله لاَ يُحِبُّ المفسدين ) تذييل مقرر لما قبله من الصفات الذميمة التي دمغ الله - تعالى - بها اليهود .أي : أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون في الكيد للاسلام وأهله وأنهم يسعون سعيا حثيثاً للافساد في الأرض عن طريق إثارة الفتن ، وإيقاظ الأحقاد بين الناس .

والله - تعالى - لا يحب المفسدين بل يبغضهم ويمقتهم ، لإِيثارهم الضلالة على الهدى ، والشر على الخير .وبهذا نرى الآية الكريمة قد ردت على اليهود في نسبتهم البخل إلى الله - تعالى - وبينت أنه - سبحانه - هو الواسع الفضل ، الجزيل العطاء وكشفت عن جوانب من رذائلهم وعنادهم وأوضحت أنه - سبحانه - يبغضهم لأنهم يفسدون في الأرض ولايصلحون .ولقد بسطنا القول في مظاهر فسادهم في الأرض في غير هذا الموطن فارجع إليه إن شئت .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ﴾ .

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: في هذا الموضع إشكال وهو أن الله تعالى حكى عن اليهود أنهم قالوا ذلك، ولا شك في أن الله تعالى صادق في كل ما أخبر عنه، ونرى اليهود مطبقين متفقين على أنا لا نقول ذلك ولا نعتقده ألبتة، وأيضاً المذهب الذي يحكى عن العقلاء لابد وأن يكون معلوم البطلان بضرورة العقل، والقول بأن يد الله مغلولة قول باطل ببديهة العقل، لأن قولنا (الله) اسم لموجود قديم، وقادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته مقيدة وقاصرة، وإلا فكيف يمكنه مع القدرة الناقصة حفظ العالم وتدبيره.

إذا ثبت هذا فنقول: حصل الاشكال الشديد في كيفية تصحيح هذا النقل وهذه الرواية فنقول: عندنا فيه وجوه: الأول: لعلّ القوم إنما قالوا هذا على سبيل الإلزام، فإنهم لما سمعوا قوله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ قالوا: لو احتاج إلى القرض لكان فقيراً عاجزاً، فلما حكموا بأن الإله الذي يستقرض شيئاً من عباده فقير مغلول اليدين، لا جرم حكى الله عنهم هذا الكلام الثاني: لعلّ القوم لما رأوا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء: إن إله محمد فقير مغلول اليد، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام الثالث: قال المفسرون: اليهود كانوا أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً وكذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ.

الرابع: لعلّه كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة، وهو أنه تعالى مموجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد، وأنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد.

الخامس: قال بعضهم: المراد هو قول اليهود: إن الله لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها، إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة، واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية الأدب، وهذا قول الحسن فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه والله أعلم.

المسألة الثانية: غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط  ﴾ قالوا: والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولإنفاقه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل.

فقيل للجواد: فياض الكف مبسوط اليد، وبسط البنان تره الأنامل.

ويقال للبخيل: كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل.

فإن قيل: فلما كان قوله: ﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ المراد منه البخل وجب أن يكون قوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ المراد منه أيضاً البخل لتصح المطابقة، والبخل من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك؟

قلنا: قوله: ﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ عبارة عن عدم المكنة من البذل والإعطاء، ثم إن عدم المكنة من الاعطاء تارة يكون لأجل البخل وتارة يكون لأجل الفقر، وتارة يكون لأجل العجز، فكذلك قوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل، وعلى هذا التقدير فإنه يزول الاشكال.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه دعاء عليهم، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاسثناء في قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ  ﴾ وكما علمنا الدعاء عللى المنافقين في قوله: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا  ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ  ﴾ الثاني: أنه إخبار.

قال الحسن: غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة، أي شدت إلى أعناقهم جزاءً لهم على هذا القول.

فإن قيل: فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاءً لهم على هذا القول، فكان ينبغي أن يقال: فغلت أيديهم.

قلنا: حذف العطف وإن كان مضمراً إلا أنه حذف لفائدة، وهي أنه لما حذف كان قوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ كالكلام المبتدأ به، وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ ولم يقل: فقالوا أتتخذنا هزواً.

وأما قوله: ﴿ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ﴾ قال الحسن عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.

ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ .

واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد.

قال تعالى: ﴿ يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ وتارة بإثبات اليدين لله تعالى: منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ  ﴾ وتارة بإثبات الأيدي.

قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى، فقالت المجسمة: إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد، واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ ألَهُمْ أرجل يمشون بها أم لهم أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا  ﴾ وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلها، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له قالوا وأيضاً اسم اليد موضوع لهذا العضو، فحمله على شيء آخر ترك للغة، وإنه لا يجوز.

واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار، وكل ما كان متناهياً في المقدار فهو محدث، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء، وكل ما كان كذلك كان قابلاً للتركيب والانحلال، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركّبه ويؤلفه، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسماً، فيمتنع أن تكون يده عضواً جسمانياً.

وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان: الأول: قول من يقول: القرآن لما دلّ على إثبات اليد لله تعالى آمنا به، والعقل لما دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض آمنا به، فأما أن اليد ما هي وما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى الله تعالى، وهذا هو طريقة السلف.

وأما المتكلمون فقالوا: اليد تذكر في اللغة على وجوه: أحدها: الجارحة وهو معلوم.

وثانيها: النعمة، تقول: لفلان عندي يد أشكره عليها.

وثالثها: القوة قال تعالى: ﴿ أُوْلِى الأيدى والأبصار  ﴾ فسروه بذوي القوى والعقول، وحكى سيبويه أنهم قالوا: لا يد لك بهذا، والمعنى سلب كمال القدرة.

ورابعها: الملك، يقال: هذه الضيعة في يد فلان، أي في ملكه.

قال تعالى: ﴿ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح  ﴾ أي يملك ذلك.

وخامسها: شدة العناية والاختصاص.

قال تعالى: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ  ﴾ والمراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات.

ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئاً.

إذا عرفت هذا فنقول: اليد في حق الله يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة، وأما سائر المعاني فكلها حاصلة.

وهاهنا قول آخر، وهو أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى، وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال: والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم واصطفائه، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات، فلابد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء، وأكثر العلماء زعموا أن اليد في حق الله تعالى عبارة عن القدرة وعن النعمة.

فإن قيل: إن فسرتم اليد في حق الله تعالى بالقدرة فهذا مشكل؛ لأن قدرة الله تعالى واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة، وبإثبات الأيدي أخرى، وإن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين، ونعم الله غير محدودة كما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ [النحل: 18].

والجواب: إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الاشكال المذكور أن القوم جعلوا قولهم: ﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ كناية عن البخل، فأجيبوا على وفق كلامهم، فقيل ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل، بل هو جواد على سبيل الكمال.

فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل الوجوه، وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجواب عن الاشكال المذكور من وجهين: الأول: أنه نسبة بحسب الجنس، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها، فقيل: نعمتاه نعمة الدين ونعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء.

الثاني: أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة، ألا ترى أن قولهم (لبيك) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة، وكذلك (سعديك) معناه مساعدة بعد مساعدة، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين.

فكذلك الآية: المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة.

ثم قال تعالى: ﴿ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ﴾ أي يرزق ويخلق كيف يشاء، إن شاء قتر، وإن شاء وسع.

وقال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء  ﴾ وقال: ﴿ يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ  ﴾ وقال: ﴿ قل الّلهم مالك الملك ﴾ إلى قوله: ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الخير  ﴾ .

واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة، وذلك لأنهم قالوا: يجب على الله تعالى إعطاء الثواب للمطيع، ويجب عليه أن لا يعاقبه، ويجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه، وليس لأحد عليه استحقاق، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً  ﴾ فقوله سبحانه: ﴿ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ﴾ لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بالكثير علماء اليهود، يعني ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج شدة في الكفر وغلواً في الانكار، كما يقال: ما زادتك موعظتي إلا شراً.

وقيل: إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر.

المسألة الثانية: قال أصحابنا: دلّت الآية على أنه تعالى لا يراعي مصالح الدين والدنيا لأنه تعالى لما علم أنهم يزدادون عند إنزال تلك الآيات كفراً وضلالاً، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح للعباد لامتنع عليه إنزال تلك الآيات، فلما أنزلها علمنا أنه تعالى لا يراعي مصالح العباد، ونظيره قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ  ﴾ .

فإن قالوا: علم الله تعالى من حالهم أنهم سواء أنزلها أو لم ينزلها فإنهم يأتون بتلك الزيادة من الكفر، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها.

قلنا: فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل إنزال تلك الآيات، وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدياد الكفر إلى إنزال تلك الآيات باطلاً، وذلك تكذيب لنص القرآن.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة ﴾ .

واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بيّن أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة.

ثم إنه تعالى بيّن أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة لا جرم أن الله تعالى كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدينا، لأن كل فريق منهم بقي مصراً على مذهبه ومقالته، يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات تعظيماً لنفسه وترويجاً لمذهبه، فصار ذلك سبباً لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم، وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضاً ويغزو بعضهم بعضاً، وفي قوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء ﴾ قولان: الأول: المراد منه ما بين اليهود والنصارى من العداوة لأنه جرى ذكرهم في قوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى  ﴾ وهو قول الحسن ومجاهد.

الثاني: أن المراد وقوع العداوة بين فرق اليهود، فإن بعضهم جبرية، وبعضهم قدرية، وبعضهم موحدة، وبعضهم مشبهة، وكذلك بين فرق النصارى: كالملكانية والنسطورية واليعقوبية.

فإن قيل: فهذا المعنى حاصل بتمامه بين فرق المسلمين، فكيف يمكن جعله عيباً على اليهود والنصارى؟

قلنا: هذه البدع إنما حدثت بعد عصر الصحابة والتابعين، أما في ذلك الزمان فلم يك شيء من ذلك حاصلاً، فلا جرم حسن من الرسول ومن أصحابه جعل ذلك عيباً على اليهود والنصارى.

ثم قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ﴾ .

وهذا شرح نوع آخر من أنواع المحن عن اليهود، وهو أنهم كلما هموا بأمر من الأمور رجعوا خائبين خاسرين مقهورين ملعونين كما قال تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَمَا ثُقِفُواْ  ﴾ قال قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتم من أذل الناس.

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ أي ليس يحصل في أمرهم قوة من العزة والمنعة، إلا أنهم يسعون في الأرض فساداً، وذلك بأن يخدعوا ضعيفاً، ويستخرجوا نوعاً من المكر والكيد على سبيل الخفية.

وقيل: إنهم لما خالفوا حكم التوراة سلّط عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلّط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلّط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلّط عليهم المسلمين.

ثم قال تعالى: ﴿ والله لا يُحِبُّ المفسدين ﴾ وذلك يدل على أن الساعي في الأرض بالفساد ممقوت عند الله تعالى ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط ﴾ [الإسراء: 29] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه لأنهما كلامان متعقبان على حقيقة واحدة، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلاً لقالوا: ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوهما حيث لا تصحّ اليد كقوله: جَادَ الْحِمَى بَسْطُ الْيَدَيْنِ بِوَابِل ** شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلاَعُه وَوِهَادُهُ ولقد جعل لبيد للشمال يداً في قوله: إذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا ويقال بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان.

ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به.

فإن قلت: قد صحّ أن قولهم: ﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ عبارة عن البخل.

فما تصنع بقوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ ؟

ومن حقه أن يطابق ما تقدمه وإلا تنافر الكلام وزل عن سننه؟

قلت: يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم.

ونحوه بيت الأشتر: بَقِيتُ وَفْرى وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلا ** وَلَقِيتُ أَضْيَافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم: والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول: سبني سب الله دابره، أي قطعه؛ لأنَّ السَّب أصله القطع.

فإن قلت: كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد؟

قلت: المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلاً إلى بخلهم ونكداً إلى نكدهم، أو بما هو مسبب عن البخل والنكد من لصوق العار بهم وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم.

فإن قلت: لم ثنيت اليد في قوله تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ وهي مفردة في ﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ ؟

قلت: ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه.

وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعاً فبني المجاز على ذلك.

وقرئ: ﴿ ولعنوا ﴾ بسكون العين.

وفي مصحف عبد الله: ﴿ بل يداه بسطان ﴾ .

يقال: يده بسط بالمعروف.

ونحوه مشية شحح وناقة صرح ﴿ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ﴾ تأكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة.

روي أن الله تبارك وتعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً، فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف الله تعالى ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص ابن عازوراء: يد الله مغلولة، ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ ﴾ أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفروا بآيات الله ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة ﴾ فكلمهم أبداً مختلف، وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً ﴾ كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله على أحد قط، وقد أتاهم الإسلام في ملك المجوس.

وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين.

وقيل: كلما حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر عليهم.

وعن قتادة رضي الله عنه لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس ﴿ وَيَسْعَوْنَ ﴾ ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ أيْ هو مُمْسِكٌ يُقَتِّرُ بِالرِّزْقِ وغَلُّ اليَدِ وبَسْطُها مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ ولا قَصْدَ فِيهِ إلى إثْباتِ يَدٍ وغِلٍّ وبَسْطٍ ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: جادَ الحِمى بَسَطَ اليَدَيْنِ بِوابِلَ ∗∗∗ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ وَنَظِيرُهُ مِنَ المَجازاتِ المُرَكَّبَةِ: شابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ.

وقِيلَ مَعْناهُ إنَّهُ فَقِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ ﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ والنَّكَدِ أوْ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ، أوْ بِغَلِّ الأيْدِي حَقِيقَةً يُغَلُّونَ أسارى في الدُّنْيا ومَسْحُوبِينَ إلى النّارِ في الآخِرَةِ فَتَكُونُ المُطابَقَةُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ الأصْلِ كَقَوْلِكَ: سَبَّنِي سَبَّ اللَّهُ دابِرَهُ.

﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ ثَنّى اليَدَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ ونَفْيِ البُخْلِ عَنْهُ تَعالى وإثْباتًا لِغايَةِ الجُودِ، فَإنَّ غايَةَ ما يَبْذُلُهُ السَّخِيُّ مِن مالِهِ أنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ، وتَنْبِيهًا عَلى مَنحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وعَلى ما يُعْطِي لِلِاسْتِدْراجِ وما يُعْطِي لِلْإكْرامِ.

﴿ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ أيْ هو مُخْتارٌ في إنْفاقِهِ يُوَسِّعُ تارَةً ويُضَيِّقُ أُخْرى عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ، لا عَلى تَعاقُبِ سِعَةٍ وضِيقٍ في ذاتِ يَدٍ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الهاءِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِأنَّها مُضافٌ إلَيْها، ولا مِنَ اليَدَيْنِ إذْ لا ضَمِيرَ لَهُما فِيهِ ولا مِن ضَمِيرِهِما لِذَلِكَ.

والآيَةُ نَزَلَتْ في فِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ فَإنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَمّا كَفَّ اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ ما بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السِّعَةِ بِشُؤْمِ تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا  وأشْرَكَ فِيهِ الآخَرُونَ لِأنَّهم رَضُوا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ أيْ هم طاغُونَ كافِرُونَ ويَزْدادُونَ طُغْيانًا وكُفْرًا بِما يَسْمَعُونَ مِنَ القُرْآنِ كَما يَزْدادُ المَرِيضُ مَرَضًا مِن تَناوُلِ الغِذاءِ الصّالِحِ لِلْأصِحّاءِ.

﴿ وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ فَلا تَتَوافَقُ قُلُوبُهم ولا تَتَطابَقُ أقْوالُهم.

﴿ كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ ﴾ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ الرَّسُولِ  وإثارَةَ شَرٍّ عَلَيْهِ رَدَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنْ أوْقَعَ بَيْنَهم مُنازَعَةً كَفَّ بِها عَنْهُ شَرَّهُمْ، أوْ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ أحَدٍ غُلِبُوا فَإنَّهم لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِخْتَنْصَرَ ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ فَطْرَسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ، ولِلْحَرْبِ صِلَةُ أوْقَدُوا أوْ صِفَةُ نارًا.

﴿ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ أيْ لِلْفَسادِ وهو اجْتِهادُهم في الكَيْدِ وإثارَةِ الحُرُوبِ والفِتَنِ وهَتْكِ المَحارِمِ.

﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ فَلا يُجازِيهِمْ إلّا شَرًّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} روي أن اليهود لعنهم الله لما كذبوا محمد عليه السلام كف الله ما بسط عليهم من السعة وكانوا من أكثر الناس مالاً فعند ذلك قال فخاص يد الله مغلولة ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى إنه يستعمل في ملك يعطي ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزلاً لقالوا ما أبسط يده بالنوال وقد استعمل حيث لا تصح اليد يقال بسط البأس كفيه في صدري فجعل للبأس الذي هو من المعاني كفان ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية وقوله غلت أيديهم دعاء عليهم بالبخل ومن ثم كانوا أبخل خلق الله أو تغل في جهنم فهي كأنها غلت وإنما ثنيت اليد في بل يداه مبسوطتان وهي مفردة في يد الله مغلولة ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه فغاية ما يبذله السخي أن يعطيه بيديه {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} تأكيد للوصف بالسخاء ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم} من اليهود {مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً} أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفراً بآيات الله وهذا من إضافة الفعل إلى السبب كما

قال فزادتهم رجساً إلى رجسهم {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة} فكلمتهم أبدا مختلفة وقلوبهم شتى لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله} كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا لم يقم لهم نصر من الله على أحد قط وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس وقيل كلما حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر عليهم عن قتادة لا تلقي يهودياً فى بلدا إلا وقد وجدته من أذل الناس {وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً} ويجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي عليه السلام من كتبهم {والله لاَ يُحِبُّ المفسدين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَتِ اليَهُودُ ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَسَطَ لِلْيَهُودِ الرِّزْقَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَفَّ عَنْهم ما كانَ بَسَطَ لَهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، رَأْسُ يَهُودِ قَيْنُقاعَ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - النَّبّاشُ بْنُ قَيْسٍ ﴿ يَدُ اللَّهِ ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مَغْلُولَةٌ ﴾ وحَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ عَلى القائِلِ الآخَرُونَ ورَضُوا بِهِ نُسِبَتْ تِلْكَ العَظِيمَةُ إلى الكُلِّ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنها، وأرادُوا بِذَلِكَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ سُبْحانَهُ مُمْسِكٌ ما عِنْدَهُ، بَخِيلٌ بِهِ - تَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإنَّ كُلًّا مِن غِلِّ اليَدِ وبَسْطِها مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ لا تَصِحُّ يَدٌ كَقَوْلِهِ: جادَ الحِمى بَسَطَ اليَدَيْنِ بِوابِلٍ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ ولَقَدْ جَعَلُوا لِلشَّمالِ يَدًا كَما في قَوْلِهِ: أضَلَّ صِوارَهُ وتَضَيَّفَتْهُ ∗∗∗ نَطُوفٌ أمْرُها بِيَدِ الشَّمالِ وقَوْلِ لَبِيدٍ: وغَداةِ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقِرَّةٍ ∗∗∗ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها ويُقالُ: بَسَطَ اليَأْسُ كَفَّيْهِ في صَدْرِ فُلانٍ، فَيُجْعَلُ لِلْيَأْسِ الَّذِي هو مِنَ المَعانِي لا مِنَ الأعْيانِ كَفّانِ، قالَ الشّاعِرُ: وقَدْ رابَنِي وهَنُ المُنى وانْقِباضُها ∗∗∗ وبَسْطُ جَدِيدِ اليَأْسِ كَفَّيْهِ في صَدْرِي وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَقِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ وقِيلَ: اليَدُ هُنا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، أيْ: إنَّ نِعْمَتَهُ مَقْبُوضَةٌ عَنّا.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى أنَّ يَدَ اللَّهِ تَعالى مَكْفُوفَةٌ عَنْ عَذابِنا، فَلَيْسَ يُعَذِّبُنا إلّا بِما يَبَرُّ بِهِ قَسَمَهُ قَدْرَ ما عَبَدَ آباؤُنا العِجْلَ، وكَأنَّهُ حَمَلَ اليَدَ عَلى القُدْرَةِ، والغِلَّ عَلى عَدَمِ التَّعَلُّقِ.

وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَقْصِدُوا اليَدَ الجارِحَةَ؛ فَإنَّهم مُجَسِّمَةٌ، وقَدْ حُكِيَ عَنْهم أنَّهم زَعَمُوا أنَّ رَبَّهم أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، قاعِدٌ عَلى كُرْسِيٍّ، وأنَّهُ فَرَغَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، واسْتَلْقى عَلى ظَهْرِهِ واضِعًا إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى، وإحْدى يَدَيْهِ عَلى صَدْرِهِ لِلِاسْتِراحَةِ مِمّا عَراهُ مِنَ النَّصَبِ في خَلْقِ ذَلِكَ - تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - والأقْوالُ كُلُّها كَما تَرى، وكُلُّ العَجَبِ مِنَ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن قَوْلِ ذَلِكَ ولَيْتَهُ لَمْ يَقُلْ غَيْرَ الحَسَنِ، ولَعَلَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، والَذى تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ ويَشْهَدُ لَهُ مَساقُ الكَلامِ القَوْلُ الأوَّلُ، ولا يَبْعُدُ مِن قَوْمٍ قالُوا لِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ وعَبَدُوا العِجْلَ أنْ يَعْتَقِدُوا اتِّصافَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -بِالبُخْلِ، ويَقُولُوا ما قالُوا.

وقالَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَهُودُ قالُوا قَوْلًا واعْتَقَدُوا مَذْهَبًا يُؤَدِّي مَعْناهُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى - عَزَّ شَأْنُهُ - يَبْخَلُ في حالٍ ويَجُودُ في حالٍ آخَرَ، فَحُكِيَ عَنْهم عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ مِنهم والتَّكْذِيبِ لَهم.

وقالَ آخَرُ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزْءِ، حَيْثُ لَمْ يُوَسِّعُ سُبْحانَهُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ لا يُساعِدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِغْرابِ، والمُرادُ يَدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَغْلُولَةٌ عَنّا، حَيْثُ قَتَّرَ المَعِيشَةَ عَلَيْنا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ المَذْمُومِ - كَما قالَهُ الزَّجّاجُ - ودُعاؤُهُ بِذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِهِ الشُّحَّ في قُلُوبِهِمْ، والقَبْضَ في أيْدِيهِمْ، ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ عَلى ما مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ، وقِيلَ: تُغَلُّ الأيْدِي حَقِيقَةً، يُغَلُّونَ في الدُّنْيا أُسارى، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبِينَ في أغْلالِ جَهَنَّمَ، ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ حِينَئِذٍ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، فَيَكُونُ تَجْنِيسًا، وقِيلَ: هي مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ أصْلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: سَبَّنِي، سَبَّ اللَّهُ تَعالى دابِرَهُ، أيْ قَطَعَهُ؛ لِأنَّ السَّبَبَ أصْلُهُ القَطْعُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتَطْيَبَهُ الطِّيبِيُّ، وقالَ: إنَّ هَذِهِ مُشاكَلَةٌ لَطِيفَةٌ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: قالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نَجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ∗∗∗ قُلْتُ: اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا واخْتارَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ شُدَّتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ في جَهَنَّمَ جَزاءَ هَذِهِ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ثُمَّ قالَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ الفاءِ أوِ الواوِ، فَقَدْ تَمَّ كَلامُهم واسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ، ومِن عادَتِهِمْ أنْ يَحْذِفُوا فِيما يَجْرِي هَذا المَجْرى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، ولا حاجَةَ فِيهِ إلى تَجَشُّمِ مَؤُونَةِ التَّقْدِيرِ، عَلى أنَّ كَلامَ الحَسَنِ - فِيما نَرى - لَيْسَ نَصًّا في كَوْنِ الجُمْلَةِ إخْبارِيَّةً؛ إذْ قُصارى ما قالَ: ( غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ) في جَهَنَّمَ، وهو مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ﴿ ولُعِنُوا ﴾ أيْ أُبْعِدُوا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ ﴿ بِما قالُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ، أوْ بِالَّذِي قالُوهُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ، وهَذا دُعاءٌ ثانٍ مَعْطُوفٌ عَلى الدُّعاءِ الأوَّلِ، والقائِلُ بِخَبَرِيَّتِهِ قائِلٌ بِخَيْرِيَّتِهِ، وقُرِئَ: ( ولُعْنُوا ) بِسُكُونِ العَيْنِ.

﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: كَلّا، لَيْسَ الشَّأْنُ كَما زَعَمُوا، بَلْ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وإلَيْهِ - كَما قِيلَ - أُشِيرَ بِتَثْنِيَةِ اليَدِ، فَإنَّ أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأسْخِياءِ أنْ يُعْطُوا بِكِلْتا يَدَيْهِمْ، وقِيلَ: اليَدُ هُنا أيْضًا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ نِعَمُ الدُّنْيا ونِعَمُ الآخِرَةِ، أوِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والنِّعَمُ الباطِنَةُ، أوْ ما يُعْطى لِلِاسْتِدْراجِ وما يُعْطى لِلْإكْرامِ، وقِيلَ - ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - أنَّها بِمَعْنى القُدْرَةِ كاليَدِ الأُولى، وتَثْنِيَتُها بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِالثَّوابِ وتَعَلُّقِها بِالعِقابِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ التَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما في ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ والمُرادُ مِنَ التَّكْثِيرِ مُجَرَّدُ المُبالَغَةِ في كَمالِ القُدْرَةِ وسِعَتِها، لا أنَّها مُتَعَدِّدَةٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَسُرَّتْ أسِرَّةُ طُرَّتَيْهِ فَغُوِّرَتْ ∗∗∗ في الخَصْرِ مِنهُ وأنْجَدَتْ في نَجْدِهِ فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ ذَلِكَ الرَّشادَ طُرَّتَيْنِ، إذْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا طُرَّةٌ واحِدَةٌ، وإنَّما أرادَ المُبالَغَةَ.

وقالَ سَلَفُ الأُمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّ هَذا مِنَ المُتَشابَهِ، وتَفْوِيضُ تَأْوِيلِهِ إلى اللَّهِ تَعالى هو الأسْلَمُ، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ أثْبَتَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَدَيْنِ، وقالَ: ««وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ»» ولَمْ يُرْوَ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ أوَّلَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ أوْ بِالقُدْرَةِ، بَلْ أبْقَوْها كَما ورَدَتْ، وسَكَتُوا، ولَئِنْ كانَ الكَلامُ مِن فِضَّةٍ فالسُّكُوتُ مِن ذَهَبٍ، لاسِيَّما في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ.

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( بَلْ يَداهُ بُسُطانِ ) يُقالُ: يَدٌ بُسُطٌ بِالمَعْرُوفِ، ونَحْوُهُ: مِشْيَةٌ سُجُحٌ، وناقَةٌ سُرُحٌ.

﴿ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ كَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْمِيمِ الأحْوالِ المُسْتَفادِ مِن ( كَيْفَ ) و( فِيها ) تَنْبِيهٌ عَلى سِرِّ ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مِن غايَةِ جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ ذَرِيعَةً إلى الِاجْتِراءِ عَلى كَلِمَةٍ مَلَأ الفَضاءَ قُبْحُها، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِقُصُورٍ في فَيْضِهِ، بَلْ لِأنَّ إنْفاقَهُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي عَلَيْها تَدُورُ أفْلاكُ المَعاشِ والمَعادِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ - إذْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وكَذَّبُوا رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، و( كَيْفَ ) ظَرْفٌ لِـ( يَشاءُ ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ( يُنْفِقُ ) أيْ: يُنْفِقُ كائِنًا عَلى أيِّ حالٍ يَشاءُ، أيْ: عَلى مَشِيئَتِهِ، أيْ مُرِيدًا، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ( يُنْفِقُ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( يَداهُ ) واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِالخَبَرِ، وبِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والحالُ لا يَجِيءُ مِنهُ، ورُدَّ بِأنَّ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها لَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ إذْ قِيلَ: إنَّ ( شَيْخًا ) حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والعامِلُ فِيهِ التَّنْبِيهُ، وأنَّ المَمْنُوعَ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ جُزْءًا أوْ كَجُزْءٍ أوْ عامِلًا، وها هُنا المُضافُ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ كَجُزْءٍ، فَلَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ اليَدَيْنِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِما، ورُدَّ بِأنَّهُ لا ضَمِيرَ لَهُما فِيها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ لَهُما، أيْ يُنْفِقُ بِهِما، ومِن هُنا قِيلَ بِجَوازِ كَوْنِها خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ، نَعَمِ، التَّقْدِيرُ خِلافُ الأصْلِ والظّاهِرِ، وهو إنَّما يَقْتَضِي المَرْجُوحِيَّةَ لا الِامْتِناعَ، وتَرَكَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ ما يُنْفِقُهُ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

﴿ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ ﴾ وهم عُلَماؤُهم ورُؤَساؤُهُمْ، أوِ المُقِيمُونَ عَلى الكُفْرِ مِنهم مُطْلَقًا ﴿ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الآياتِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( أُنْزِلَ ) كَما أنَّ ( إلَيْكَ ) كَذَلِكَ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ - مَعَ أنَّ حَقَّ المُبْتَدَأِ أنْ يُقَدَّمَ عَلى المُنْتَهى لِاقْتِضاءِ المَقامِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - الِاهْتِمامُ بِبَيانِ المُنْتَهى؛ لِأنَّ مَدارَ الزِّيادَةِ هو النُّزُولُ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لا يَخْفى مِنَ التَّشْرِيفِ.

والمَوْصُولُ فاعِلُ ( لَيَزِيدَنَّ ) والإسْنادُ مَجازِيٌّ، و( كَثِيرًا ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، و( مِنهم ) صِفَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي، أيْ لَيَزِيدَنَّهم طُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا عَلى كُفْرِهِمُ القَدِيمَيْنِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ المَزِيدِ عَلَيْهِ قَبْلَها، وهَذِهِ الزِّيادَةُ إمّا مِن حَيْثُ الشِّدَّةِ والغُلُوِّ، وإمّا مِن حَيْثُ الكَمِّ والكَثْرَةِ، إذْ كَلَّما نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِها، فَيَزْدادُ طُغْيانُهم وكُفْرُهم بِحَسَبِ المِقْدارِ، وهَذا كَما أنَّ الطَّعامَ الصّالِحَ لِلْأصِحّاءِ يَزِيدُ المَرْضى مَرَضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ( ما أُنْزِلَ ) النِّعَمُ الَّتِي مَنَحَها اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ أنَّهم كَفَرُوا وتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ، وقالُوا ما قالُوا حَيْثُ ضَيَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَفَّ عَنْهم ما بَسَطَ لَهُمْ، فَمَتّى رَأوْا مَعَ ذَلِكَ بَسْطَ نَعْمائِهِ وتَواتُرَ آلائِهِ عَلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّذِي هو أعْدى أعْدائِهِمُ ازْدادُوا غَيْظًا وحَنَقًا عَلى رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، فَضَمُّوا إلى طُغْيانِهِمُ الأوَّلِ طُغْيانًا، وإلى كُفْرِهِمْ كَفْرًا، وحِينَئِذٍ تُلائِمُ الآيَةُ ما قَبْلَها أشَدَّ مُلائَمَةٍ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، ولَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ.

﴿ وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ ﴾ أيِ: اليَهُودِ، وقالَ في البَحْرِ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى ﴾ ولِشُمُولِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.

﴿ العَداوَةَ والبَغْضاءَ ﴾ فَلا تَكادُ تَتَوافَقُ قُلُوبُهُمْ، ولا تَتَّحِدُ كَلِمَتُهُمْ، فَمِنَ اليَهُودِ جَبْرِيَّةٌ، ومِنهم قَدَرِيَّةٌ، ومِنهم مُرْجِئَةٌ، ومِنهم مُشَبِّهَةٌ، و( العَداوَةُ والبَغْضاءُ ) بَيْنَ فِرْقَةٍ وفِرْقَةِ قائِمَتانِ عَلى ساقٍ، وكَذا مِنَ النَّصارى المَلْكانِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ، وحالُهم حالُهم في ذَلِكَ، وحالُ اليَهُودِ مَعَ النَّصارى أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى، ورُجِّحَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى اليَهُودِ بِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وفائِدَةُ هَذا الإخْبارِ هُنا إزاحَةُ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن ذِكْرِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى أمْرٍ يُؤَدِّي إلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ - بَعْدَ أنْ أرْجَعَ الضَّمِيرَ لِلطّائِفَتَيْنِ -: إنَّ المَعْنى: لايَزالُ اليَهُودُ والنَّصارى مُتَباغِضِينَ مُتَعادِينَ، قَلَّما تُوافِقُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ الأُخْرى، ولا تَجْتَمِعانِ عَلى قِتالِكَ وحَرْبِكَ، وفي ذَلِكَ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، فَإنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ جَيْشُ يَهُودَ ونَصارى مُنْذُ سُلَّ سَيْفُ الإسْلامِ.

وفَرَّقَ السَّمِينُ بَيْنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، بِأنَّ العَداوَةَ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ مُبْغِضٌ، وقَدْ يُبْغِضُ مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ ﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( ألْقَيْنا ) وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالبَغْضاءِ، أيْ: إنَّ التَّباغُضَ بَيْنَهم مُسْتَمِرٌّ ما دامُوا، ولَيْسَتْ حَقِيقَةُ الغايَةِ مُرادَّةً، ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالعَداوَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المُصَدِّرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ.

﴿ كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ وُصُولِ غائِلَةِ ما هم فِيهِ إلى المُسْلِمِينَ، والمُرادُ: كُلَّما أرادُوا مُحارَبَةَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ورَتَّبُوا مَبادِيَها رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى وقَهَرَهُمْ، بِتَفَرُّقِ آرائِهِمْ، وحَلِّ عَزائِمِهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَإيقادُ النّارِ كِنايَةٌ عَنْ إرادَةِ الحَرْبِ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ إذا تَواعَدَتْ لِلْقِتالِ جَعَلُوا عَلامَتَهم إيقادَ نارٍ عَلى جَبَلٍ أوْ رَبْوَةٍ، ويُسَمُّونَها نارَ الحَرْبِ، وهي إحْدى نِيرانٍ مَشْهُورَةٍ عِنْدَهُمْ، وإطْفاؤُها عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ شَرِّهِمْ، وحَكى في البَحْرِ قَوْلَيْنِ في الآيَةِ: فَعَنْ قَوْمٍ أنَّ الإيقادَ حَقِيقَةٌ، وكَذا الإطْفاءُ، أيْ أنَّهم كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْمُحارَبَةِ أُلْقِيَ عَلَيْهِمُ الرُّعْبُ فَتَقاعَدُوا وأطْفَئُوها، وإضافَةُ الإطْفاءِ إلَيْهِ تَعالى إضافَةُ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ الأصْلِيِّ.

وعَنِ الجُمْهُورِ أنَّ الكَلامَ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، والمُرادُ مِن إيقادِ النّارِ إظْهارُ الكَيْدِ بِالمُؤْمِنِينَ الشَّبِيهِ بِالنّارِ في الإضْرارِ، ومِن إطْفائِها صَرْفُ ذَلِكَ عَنِ المُؤْمِنِينَ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِالكِنايَةِ ألْطَفُ مِنهُما، وكَوْنُ المُرادِ مِنَ الحَرْبِ مُحارَبَةَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، أيْ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ أحَدٍ غُلِبُوا، فَإنَّ اليَهُودَ لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فُطْرُسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ - جَلَّ شَأْنُهُ - عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأبادَ خَضْراءَهُمْ، واسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُمْ، وفَرَّقَ جَمْعَهُمْ، وأذَلَّهُمْ، فَأجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ، وقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأسَرَ أهْلَ خَيْبَرَ، وغَلَبَ عَلى فَدَكَ، ودانَ لَهُ أهْلُ وادِي القُرى، وضَرَبَ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ الجِزْيَةَ، وأبْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذُلٍّ لا يُعَزُّونَ بَعْدَهُ أبَدًا، وإطْفاءُ النّارِ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى - و( لِلْحَرْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( أوْقَدُوا ) واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِنارٍ، وهو الأوْفَقُ بِالتَّسْمِيَةِ.

﴿ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ أيْ يَجْتَهِدُونَ في الكَيْدِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ وإثارَةِ الشَّرِّ والفِتْنَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، مِمّا يُغايِرُ ما عُبِّرَ عَنْهُ بِإيقادِ نارِ الحَرْبِ، كَتَغْيِيرِ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإدْخالِ الشُّبَهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ مَعَ الِافْتِراءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، و( فَسادًا ) إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو البَقاءِ، أوْ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَسْعَوْنَ ) أيْ: يَسْعَوْنَ لِلْفَسادِ، أوْ سَعْيَ فَسادٍ، أوْ مُفْسِدِينَ.

﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ بَلْ يُبْغِضُهُمْ، ولِذَلِكَ أطْفَأ نائِرَةَ فَسادِهِمْ، واللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّعْلِيلِ، وبَيانِ كَوْنِهِمْ راسِخِينَ في الإفْسادِ.

والجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ مَسُوقَةٌ لِإزاحَةِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن تَأْثِيرِ اجْتِهادِهِمْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ، وجَعَلَها بَعْضُهم في مَوْضِعِ الحالِ، وفائِدَتُها مَزِيدُ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وتَفْظِيعِ شَأْنِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ يعني: المعصية وَالْعُدْوانِ يعني: الظلم، وهو الشرك، وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني: الرشوة في الأحكام، لَبِئْسَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: لبئس ما كانوا يتزودون من دنياهم لآخرتهم.

ثم قال: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ يعني: هلاّ ينهاهم الربانيون يعني: علماؤهم وعبادهم.

وإنما شكا من علماء السوء الذين لا يأمرون بالمعروف، ويجالسونهم، ويؤاكلونهم، وكل عالم لم يأمر بالمعروف، ويجالس أهل الظلم، والمعصية، فإنه يدخل في هذه الآية، فقال: وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ حين لم ينهوهم عن قولهم الإثم، وأكلهم السحت، ورضوا بفعلهم.

قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وذلك أن الله تعالى قد بسط عليهم الرزق، فلما عصوه وجحدوا نعمته، قتر عليهم الرزق، فقالوا عند ذلك: يد الله محبوسة عن البسط، فأمسك عنا الرزق.

قال الله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ يعني: أمسكت أيديهم عن الخير، ويقال: هذا وعيد لهم، غلت أيديهم في نار جهنم.

ويقال: جُعِلوا بخلاء، فلا يعطون الناس شيئاً مما أعطاهم الله تعالى.

ثم قال: وَلُعِنُوا بِما قالُوا يعني: عُذِّبوا وطُرِدوا من رحمة الله، لقولهم ذلك.

ثم قال: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يعني: رزقه واسع باسط على خلقه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ يقول: يرزق لمن يشاء مقدار ما يشاء، فله خزائن السموات والأرض.

وهذا كما روي عن رسول الله  أنه قال: «قَالَ الله تَعَالى: لَوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، سَأَلَ كُلُّ رَجُلٍ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ، لَمْ يَنْقُصْ ذلك مِنْ خَزَائِنِ مُلْكِي مِقْدَارَ مَا يُغْتَرَفُ مِنَ البَحْرِ بِرَأسِ إبْرَةٍ وَاحِدَةٍ» .

ثم قال تعالى: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ يعني: من اليهود، مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن، مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً يعني: تمادياً بالمعصية، وَكُفْراً وجحوداً بالقرآن يعني: كل ما نزل عليك شيء من القرآن كفروا به، فيزيد جحودهم في طغيانهم، وإنما نسب ذلك إلى ما أنزله، لأن ذلك سبب لطغيانهم وجحودهم.

وهذا كما قال في آية أخرى: وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: 82] يعني: أن ذلك سبب لخسرانهم.

ثم قال تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: جعلهم الله مختلفين في دينهم، متباغضين كما قال في آية أخرى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: 14] .

ثم قال: كُلَّما أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ يقول: كلما أجمعوا أمرهم على المكر بمحمد  وأصحابه فرقه الله تعالى، وأطفأ نار مكرهم، أي: يسكته الله تعالى، ووهن أمرهم، وهذا على وجه الكناية كما قال: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي، كانَتْ عَلَيْهِمْ ثم قال: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً يعني: يعملون فيها بالمعاصي، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله تعالى، وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ يعني: لا يرضى بعمل الذين يعملون بالمعاصي، والله لا يحب أهل الفساد، ولا عملهم.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عباس «١» وغيره.

وقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ: أي: من الكُفْر، والرؤيةُ هنا تَحْتملُ أن تكون قلبية، وأن تكون بصريّة، وفِي الْإِثْمِ، أي: موجباتِ الإثمِ، واللامُ في:

لَبِئْسَ: لام قَسَم.

وقوله تعالى: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ: تحضيضٌ في ضمنه توبيخٌ لهم، قال الفَخْر «٢» : والمعنى: هَلاَّ ينهاهم.

انتهى.

قال الطبريُّ «٣» : كان العلماءُ يقُولُون: ما في القرآن آيةٌ هي أشَدُّ توبيخاً للعلماءِ من هذه الآية، ولا أخْوَفُ عليهم منْها.

وقال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: ما في القُرآنِ آيةٌ أخْوَفُ عندي منها «٤» إنَّا لا ننهى وقال نحو هذا ابنُ عَبَّاس «٥» .

وقوله سبحانه: عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ: ظاهره أنَّ الإثم هنا يرادُ به الكُفْر، ويحتمل أن يراد سَائِرُ أقوالهم المُنْكَرَة في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، وقرأ «٦» ابن عباس: «بِئْسَ مَا كَانُوا يصنعون» بغير لام قسم.

وقوله سبحانه وتعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ ...

إلى قوله: لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ: هذه الآيةُ تعديدُ كبيرةٍ في أقوالهم وكُفْرهم، أي: فَمَنْ يقول هذه العظيمة، فلا

يُسْتنكَرُ نفاقُهُ وسعْيُهُ في رَدِّ أمر اللَّه تعالى.

قال ابن عباس وجماعة: معنى قولهم: التبخيلُ وذلك أنهم لحقَتْهم سَنَةٌ وجَهْدٌ، فقالوا هذه المقالة، يعْنُونَ بها أنَّ اللَّه بَخِلَ عليهم بالرِّزْقِ والتوسعَةِ، تعالَى اللَّه عن قَوْلِهِمْ «١» ، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الإسراء: ٢٩] فإن المراد: لا تَبْخَلْ ومنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ ...

»

الحديثَ، وذكر الطبري والنَّقَّاش أن هذه الآية نزلَتْ في فِنْحَاص اليَهُودِيِّ، وأنه قالها «٢» .

وقوله سبحانه: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ: خبرٌ يحتملُ في الدنيا، ويحتمل في الآخرة، فإن كان خبراً عن الدنيا، فالمعنى: غُلَّت أيديهم عن الخَيْرِ والإنفاقِ في وجوه البِرِّ ونحوه، وإذا كان خبراً عن الآخرة، فالمعنى: غُلَّتْ في النار، قلْتُ: ويَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ معاً.

وقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ: العقيدةُ في هذا المعنى: نَفْيُ التشبيه عن اللَّه سبحانه، وأنه ليس بِجِسْمٍ، ولا له جارِحَةٌ، ولا يُشَبَّهُ، ولا يُكَيَّفُ، ولا يَتحيَّز، ولا تَحُلُّهُ الحوادثُ، تعالى عما يقول المبطلون عُلُوًّا كبيراً، قال ابن عبَّاس في هذه الآية: يَداهُ:

نعمتاه «٣» ، ثم اختلفت عبارة النَّاس في تَعْيِين «٤» النعمتَيْن:

فقيل: نعمةُ الدنيا، ونعمةُ الآخرةِ، وقيل: النعمة الظاهرة، والنعمة الباطنةُ، والظاهر أن قوله سبحانه: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ عبارةٌ عن إنعامه على الجملة، وعبَّر عنها باليدَيْن جرياً على طريقة العرب في قولهم: فُلاَنٌ يُنْفِقُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ ومنه قول الأعشى: [الطويل]

يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَة ...

وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالمَالِ تُنْفِقُ «١»

ويؤيِّد أن اليدَيْن هنا بمعنى الإنعامِ- قرينةُ الإنفاق، ثم قال تعالى لنبيِّه- عليه السلام-: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ، يعني: اليهودَ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً، ثم قال سبحانه: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، العداوة: أخصُّ من البغضاء لأن كلَّ عدوٍّ، فهو يُبْغضُ، وقد يُبْغضُ مَنْ ليس بعدُوٍّ، والبغضاء: قد لا تتجاوَزُ النفوسَ، وقد ألقى اللَّه سبحانه الأمرَيْن على بني إسرائيل.

قال الفَخْر «٢» : وقد أوقع اللَّه بَيْنَ فِرَقِهِمْ الخصومةَ الشَّديدة، وانتهى أمرهم إلى أنْ يُكَفِّرَ بعضهم بعضاً، وفي قوله: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ ...

الآية: قولان:

أحدهما: أن المراد ما بَيْن اليهودِ والنصارى من العداوةِ لأنه جرى ذكْرُهُمْ في قوله:

لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١] ، وهذا/ قول الحسنِ ومُجَاهد «٣» .

والثاني: ما وقع من العداوة بين فِرَقِ اليهود، فإنَّ بعضهم جبريَّةٌ وبعضهم قَدَرية، وبعضهم مُوَحِّدة، وبعضهم مُشَبِّهة، وكذلك بَيْن فرقِ النصارى كالمَلْكَانِيَّة، والنُّسْطُورِيَّة، واليَعْقُوبيَّة «٤» .

انتهى.

وقوله سبحانه: كُلَّما أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ: استعارة بليغة، قال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في فُنْحاصَ اليَهُودِيِّ وأصْحابِهِ، قالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.

وقالَ مُقاتِلٌ: فَنُحاصُ وابْنُ صَلُوبا، وعازِرُ بْنُ أبِي عازِرٍ.

وفي سَبَبِ قَوْلِهِمْ هَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ بَسَطَ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمّا عَصَوُا اللَّهَ تَعالى في أمْرِ مُحَمَّدٍ  وكَفَرُوا بِهِ كَفَّ عَنْهم بَعْضَ ما كانَ بَسَطَ لَهم، فَقالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى اسْتَقْرَضَ مِنهم كَما اسْتَقْرَضَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ بَخِيلٌ، ويَدَهُ مَغْلُولَةٌ فَهو يَسْتَقْرِضُنا، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ النَّصارى لَمّا أعانُوا بُخْتُنَصَّرَ المَجُوسِيَّ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَتِ اليَهُودُ: لَوْ كانَ اللَّهُ صَحِيحًا، لَمَنَعَنا مِنهُ، فَيَدُهُ مَغْلُولَةٌ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ أيْضًا.

والمَغْلُولَةُ: المُمْسِكَةُ المُنْقَبِضَةُ.

وعَنْ ماذا عَنَوْا أنَّها مُمْسِكَةٌ، فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَنِ العَطاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: مُمْسِكَةٌ عَنْ عَذابِنا، فَلا يُعَذِّبُنا إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ بِقَدْرِ عِبادَتِنا العِجْلَ، قالَهُ الحَسَنُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: غُلَّتْ في جَهَنَّمَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أمْسَكَتْ عَنِ الخَيْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: جُعِلُوا بُخَلاءَ، فَهم أبْخَلُ قَوْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا خَبَرٌ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَلْقَ أنَّ هَذا قَدْ نَزَلَ بِهِمْ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلى مَعْنى الحالِ.

تَقْدِيرُهُ: قالَتِ اليَهُودُ هَذا في حالِ حُكْمِ اللَّهِ بِغَلِّ أيْدِيهِمْ، ولَعْنَتِهِ إيّاهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَغُلَّتْ أيْدِيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءً، مَعْناهُ: تَعْلِيمُ اللَّهِ لَنا كَيْفَ نَدْعُو عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ \[اللَّهَبِ: ١ \] وقَوْلِهِ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ  ﴾ .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.

والثّانِي: عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجِزْيَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.

والثّالِثُ: مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ.

ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "مَن لَعَنَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلَعْنِهِ أهْلًا رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى اليَهُودِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ إيّاهُمْ" .» قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مَعْنى "يَدُ اللَّهِ": نِعْمَتُهُ، وهَذا خَطَأٌ يَنْقُضُهُ ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى قَوْلِهِمْ: نِعْمَتاهُ، ونِعَمُ اللَّهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ : أنَّهُ جَوادٌ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ شاءَ وسَّعَ في الرِّزْقِ، وإنْ شاءَ قَتَّرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كُلَّما أُنْزِلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، كَفَرُوا بِهِ، فَيَزِيدُ كُفْرُهم.

و "الطُّغْيانُ" هاهُنا: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ولِيَزِيدَنَّ بَنِي النَّضِيرِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ مِن أمْرِ الرَّجْمِ والدِّماءِ طُغْيانًا وكُفْرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ ﴾ فَيْمَن عُنِيَ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ ذِكْرُ النَّصارى؟

فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ ﴾ ذِكْرُ إيقادِ النّارِ مَثَلٌ ضُرِبَ لِاجْتِهادِهِمْ في المُحارَبَةِ، وقِيلَ: إنَّ الأصْلَ في اسْتِعارَةِ اسْمِ النّارِ لِلْحَرْبِ أنَّ القَبِيلَةَ مِنَ العَرَبِ كانَتْ إذا أرادَتْ حَرْبَ أُخْرى أوْقَدَتِ النّارَ عَلى رُؤُوسِ الجِبالِ، والمَواضِعِ المُرْتَفِعَةِ، لِيُعْلَمَ اسْتِعْدادُهم لِلْحَرْبِ، فَيَتَأهَّبَ مَن يُرِيدُ إعانَتَهم.

وقِيلَ: كانُوا إذا تَحالَفُوا عَلى الجِدِّ في حَرْبِهِمْ، أوْقَدُوا نارًا، وتَحالَفُوا.

وَفِي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كُلَّما جَمَعُوا لِحَرْبِ النَّبِيِّ  فَرَّقَهُمُ اللَّهُ.

والثّانِي: كُلَّما مَكَرُوا مَكْرًا رَدَّهُ اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالمَعاصِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِمَحْوِ ذِكْرِ النَّبِيِّ  مَن كُتُبِهِمْ، ودَفْعِ الإسْلامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: بِالكُفْرِ.

والرّابِعُ: بِالظُّلْمِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ﴾ ﴿ وَتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ عن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كُلَّما أوقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا واللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "جاؤُوكُمْ"؛ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وخاصَّةً لِلْمُنافِقِينَ؛ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم دَخَلُوا وهم كُفّارٌ؛ وخَرَجُوا كَذَلِكَ؛ لَمْ تَنْفَعْهُمُ المَوْعِظَةُ؛ ولا نَفَعَ فِيهِمُ التَذْكِيرُ؛ وقَوْلُهُ: "وَهُمْ"؛ تَخْلِيصٌ مِنَ احْتِمالِ العِبادَةِ أنْ يَدْخُلَ قَوْمٌ بِالكُفْرِ ثُمَّ يُؤْمِنُوا؛ ويَخْرُجَ قَوْمٌ وهم كَفَرَةٌ؛ فَكانَ يَنْطَبِقُ عَلى الجَمِيعِ: "وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وقَدْ خَرَجُوا بِهِ"؛ فَأزالَ الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ ﴾ ؛ أيْ: هم بِأعْيانِهِمْ؛ ثُمَّ فَضَحَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ: "وَتَرى"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي: "يُسارِعُونَ"؛ وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ "يُسارِعُونَ" حالٌ.

و"فِي الإثْمِ"؛ مَعْناهُ: في مُوجِباتِ الإثْمِ؛ إذِ الإثْمُ إنَّما هو الحُكْمُ المُعَلَّقُ بِصاحِبِ المَعْصِيَةِ؛ والنِسْبَةُ الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها إذا وقَعَ الذَنْبُ؛ وهو مِن هَؤُلاءِ: كُفْرُهُمْ؛ و"والعُدْوانِ"؛ مَصْدَرٌ مِن: "عَدا الرَجُلُ"؛ إذا ظَلَمَ؛ وتَجاوَزَ الحَدَّ؛ و"اَلسُّحْتَ"؛ هو الرِشا؛ وَسائِرُ مَكْسَبِهِمُ الخَبِيثِ؛ واللامُ في "لَبِئْسَ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "والعِدْوانِ" بِكَسْرِ العَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ ؛ تَخْصِيصٌ في ضِمْنِهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ إذْ تَرَكُوا اللازِمَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: كُلُّ العُلَماءِ يَقُولُونَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ هي أشَدُّ تَوْبِيخًا لِلْعُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا أخْوَفُ عَلَيْهِمْ مِنها؛ وقالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفُ عِنْدِي مِنها؛ أنّا لا نَنْهى؛ وقالَ نَحْوَ هَذا ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَرَأ الجَرّاحُ؛ وأبُو واقِدٍ: "اَلرَّبّانِيُّونَ"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ واحِدُهُمْ: رِبِّيٌ؛ إمّا مَنسُوبٌ إلى عِلْمِ الرَبِّ؛ وإمّا مِن تَرْبِيَةِ الناسِ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ؛ وزِيدَتِ النُونُ في نِسْبَتِهِ مُبالَغَةً؛ كَـ "شَعْرانِيٌّ"؛ و"مَنظَرانِيٌّ"؛ و"مَخْبَرانِيٌّ"؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلرَّبّانِيُّ: عالِمُ الإنْجِيلِ؛ والحَبْرُ: عالِمُ التَوْراةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ في "اَلرَّبّانِيُّ"؛ شاذٌّ بَعِيدٌ.

و"اَلْأحْبارُ": واحِدُهم "حَبْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وفَتْحِها؛ وهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ لا يُعْنُونَ لِإصْلاحِ الناسِ؛ ولا يَكْلُفُونَ ذَلِكَ؛ والرَبّانِيُّ هو العالِمُ المُدَبِّرُ المُصْلِحُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن قَوْلِهِمُ الإثْمَ ﴾ ؛ ظاهِرٌ أنَّ الإثْمَ هُنا يُرادُ بِهِ الكُفْرُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سائِرُ أقْوالِهِمُ المُنْكَرَةِ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "بِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ"؛ بِغَيْرِ لامِ قَسَمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ كَبِيرَةٍ مِن أقْوالِهِمْ وكُفْرِهِمْ؛ أيْ: "فَمَن يَقُولُ هَذِهِ العَظِيمَةَ فَلا يُسْتَنْكَرُ عَلَيْهِ أنْ يُنافِقَ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ؛ ويَسْعى في رَدِّ أمْرِ اللهِ الَّذِي أوحاهُ إلَيْكَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمُ التَبْخِيلُ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَحِقَتْهم سِنَةٌ وجَهْدٌ؛ فَقالُوا هَذِهِ العِبارَةَ؛ يَعْنُونَ بِها أنَّ اللهَ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالرِزْقِ؛ والتَوْسِعَةِ؛ وهَذا المَعْنى يُشْبِهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ  ﴾ ؛ فَإنَّما المُرادُ: "لا تَبْخَلْ"؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ..."؛» اَلْحَدِيثَ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ والنَقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في "فِنْحاصٍ"؛ اَلْيَهُودِيِّ؛ وأنَّهُ قالَها؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: قَوْلُهُمْ: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ؛ إنَّما يُرِيدُونَ: "عن عَذابِهِمْ"؛ فَهي - عَلى هَذا - في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ  ﴾ ؛ وقالَ السُدِّيُّ: أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْنا مُلْكَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّهم عَنَوْا أنَّ قُوَّتَهُ تَعالى نَقَصَتْ؛ حَتّى غُلِبُوا عَلى مُلْكِهِمْ؛ وظاهِرُ مَذْهَبِ اليَهُودِ -لَعَنَهُمُ اللهُ- في هَذِهِ المَقالَةِ: اَلتَّجْسِيمُ؛ وكَذَلِكَ يُعْطِي كَثِيرٌ مِن أقْوالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ ويَصِحُّ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وأنْ يُرادَ بِهِ الآخِرَةُ؛ وإذا كانَ خَبَرًا عَنِ الدُنْيا فالمَعْنى: "غُلَّتْ أيْدِيهِمْ عَنِ الخَيْرِ؛ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ ؛ ونَحْوِهِ"؛ وإذا كانَ خَبَرًا عَنِ الآخِرَةِ فالمَعْنى: "غُلَّتْ في نارِ جَهَنَّمَ"؛ أيْ: "حُتِمَ هَذا عَلَيْهِمْ؛ ونَفَذَ بِهِ القَضاءُ؛ كَما حُتِمَتْ عَلَيْهِمُ اللَعْنَةُ بِقَوْلِهِمْ هَذا؛ وبِما جَرى مُجْراهُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "وَلُعْنُوا"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وذَلِكَ قَصْدٌ لِلتَّخْفِيفِ؛ لا سِيَّما هُنا لِلْهُبُوطِ مِن ضَمَّةٍ إلى كَسْرَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ ؛ اَلْعَقِيدَةُ في هَذا المَعْنى نَفْيُ التَشْبِيهِ عَنِ اللهِ تَعالى؛ وأنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ ولا لَهُ جارِحَةٌ؛ ولا يُشَبَّهُ؛ ولا يُكَيَّفُ؛ ولا يُتَحَيَّزُ في جِهَةٍ كالجَواهِرِ؛ ولا تُحِلُّهُ الحَوادِثُ؛ تَعالى عَمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ يَداهُ ﴾ ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِيَدَيَّ  ﴾ ؛ ﴿ عَمِلَتْ أيْدِينا  ﴾ ؛ ﴿ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ  ﴾ ؛ ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي  ﴾ ؛ ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا  ﴾ ؛ ﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا  ﴾ ؛ و ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ  ﴾ ؛ ونَحْوِ هَذا؛ فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهُمُ الشَعْبِيُّ ؛ وابْنُ المُسَيِّبِ ؛ وسُفْيانُ -: "يُؤْمَنُ بِهَذِهِ الأشْياءِ؛ وتُقْرَأُ كَما نَصَّها اللهُ ؛ ولا يُعَنُّ لِتَفْسِيرِها؛ ولا يُشَقَّقُ النَظَرُ فِيها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ يَضْطَرِبُ؛ لِأنَّ القائِلِينَ بِهِ يُجْمِعُونَ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عَلى ظاهِرِها في كَلامِ العَرَبِ؛ فَإذا فَعَلُوا هَذا فَقَدْ نَظَرُوا؛ وصارَ السُكُوتُ عَنِ الأمْرِ بَعْدَ هَذا مِمّا يُوهِمُ العَوامَّ؛ ويُتِيهُ الجَهَلَةَ.

وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: "بَلْ تُفَسَّرُ هَذِهِ الأُمُورُ عَلى قَوانِينِ اللُغَةِ؛ ومَجازِ الِاسْتِعارَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفانِينِ كَلامِ العَرَبِ"؛ فَقالُوا في "اَلْعَيْنُ"؛ و"اَلْأعْيُنُ": إنَّها عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ؛ والإدْراكِ؛ كَما يُقالُ: "فُلانٌ مِن فُلانٍ بِمَرْأى ومَسْمَعٍ"؛ إذا كانَ يُعْنى بِأُمُورِهِ؛ وإنْ كانَ غائِبًا عنهُ؛ وقالُوا في "اَلْوَجْهُ": إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ؛ وصِفاتِها؛ وقالُوا في "اَلْيَدُ"؛ و"اَلْيَمِينُ"؛ و"اَلْأيْدِي": إنَّها تَأْتِي مَرَّةً بِمَعْنى "اَلْقُدْرَةُ"؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "لا يَدَ لِي بِكَذا"؛ ومَرَّةً بِمَعْنى "اَلنِّعْمَةُ"؛ كَما يُقالُ: "لِفُلانٍ عِنْدَ فُلانٍ يَدٌ"؛ وتَكُونُ بِمَعْنى "اَلْمِلْكُ"؛ كَما تَقُولُ: "يَدُ فُلانٍ عَلى أرْضِهِ"؛ وهَذِهِ المَعانِي إذا ورَدَتْ عَنِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى- عُبِّرَ عنها بِاليَدِ؛ أوِ الأيْدِي؛ أوِ اليَدَيْنِ؛ اسْتِعْمالًا لِفَصاحَةِ العَرَبِ؛ ولِما في ذَلِكَ مِنَ الإيجازِ؛ وهَذا مَذْهَبُ أبِي المَعالِي؛ والحُذّاقِ.

وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهُمُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ -: هَذِهِ كُلُّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى الذاتِ؛ ثابِتَةٌ لِلَّهِ دُونَ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ تَشْبِيهٌ ولا تَحْدِيدٌ؛ وذَكَرَ هَذا الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - في هَذِهِ الآيَةِ -: يَداهُ: نِعْمَتاهُ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في تَعْيِينِ النِعْمَتَيْنِ؛ فَقِيلَ: نِعْمَةُ الدُنْيا؛ ونِعْمَةُ الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: اَلنِّعْمَةُ الظاهِرَةُ؛ والنِعْمَةُ الباطِنَةُ؛ وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ؛ ونِعْمَةُ النَباتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ ؛ عِبارَةٌ عن إنْعامِهِ عَلى الجُمْلَةِ؛ وعَبَّرَ عنهُ بِيَدَيْنِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: "فُلانٌ يُنْفِقُ بِكِلْتا يَدَيْهِ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ - وهو الأعْشى -: يَداكَ يَدا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ ∗∗∗ وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بِالمالِ تُنْفِقُ ويُؤَيِّدُ أنَّ اليَدَيْنِ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ قَرِينَةُ الإنْفاقِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ: "بَلْ يَداهُ بَسْطَتانِ"؛ يُقالُ: "يَدٌ بَسْطَةٌ"؛ أيْ: مُطْلَقَةٌ؛ ورُوِيَ عنهُ: "بَسْطانِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ ؛ إعْلامٌ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ مِنَ العُتُوِّ والبُعْدِ عَنِ الحَقِّ بِحَيْثُ إذا سَمِعُوا هَذِهِ الأسْرارَ الَّتِي لَهُمْ؛ والأقْوالَ الَّتِي لا يَعْلَمُها غَيْرُهم تَنْزِلُ عَلَيْكَ؛ طَغَوْا وكَفَرُوا؛ وكانَ نَوْلُهم أنْ يُؤْمِنُوا؛ إذْ يَعْلَمُونَ أنَّكَ لا تَعْرِفُها إلّا مِن قِبَلِ اللهِ ؛ لَكِنَّهم مِنَ العُتُوِّ بِحَيْثُ يَزِيدُهم ذَلِكَ طُغْيانًا؛ وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ الكَثِيرِ؛ إذْ فِيهِمْ مَن آمَنَ بِاللهِ ومَن لا يَطْغى كُلَّ الطُغْيانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ ﴾ ؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ ﴾ ؛ فَهي قَصَصٌ يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ؛ والعَداوَةُ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ فَهو يُبْغِضُ؛ وقَدْ يُبْغِضُ مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ؛ وكَأنَّ العَداوَةَ شَيْءٌ مُشْتَهَرٌ يَكُونُ عنهُ عَمَلٌ وحَرْبٌ؛ والبَغْضاءُ قَدْ لا تُجاوِزُ النُفُوسَ؛ وقَدْ ألْقى اللهُ الأمْرَيْنِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما أوقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ تُنْبِئُ عن فَضِّ جُمُوعِهِمْ؛ وتَشْتِيتِ آرائِهِمْ؛ وتَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ؛ والآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا عن حالِ أسْلافِهِمْ؛ أيْ: مُنْذُ عَصَوْا؛ وعَتَوْا؛ وهَدَّ اللهُ مُلْكَهُمْ؛ رَماهم بِهَذِهِ الأُمُورِ؛ فَهم لا تَرْتَفِعُ لَهم رايَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ولا يُقاتِلُونَ جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ؛ هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ؛ والسُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِما؛ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُلَّما أوقَدُوا نارًا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ أطْفَأها اللهُ ؛ فالآيَةُ عَلى هَذا تَبْشِيرٌ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ وإشارَةٌ إلى حاضِرِيهِ مِنَ اليَهُودِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْعَوْنَ"؛ ﴾ مَعْنى السَعْيِ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْعَمَلُ؛ والفِعْلُ؛ وقَدْ يَجِيءُ السَعْيُ بِمَعْنى الِانْتِقالِ عَلى القَدَمِ؛ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ  ﴾ ؛ وإنْ كانَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - قَدْ قالَ في "اَلْمُوَطَّأُ": "إنَّ السَعْيَ في قَوْلِهِ: ﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ  ﴾ ؛ إنَّهُ العَمَلُ؛ والفِعْلُ"؛ ولَكِنَّ غَيْرَهُ مِن أهْلِ العِلْمِ جَعَلَهُ: عَلى الأقْدامِ؛ وهو الظاهِرُ بِقَرِينَةِ ضِيقِ الوَقْتِ؛ وبِالتَعْدِيَةِ بِـ "إلى"؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن أفْعالِهِ في الدُنْيا والآخِرَةِ ما يَقْتَضِي المَحَبَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا ﴾ [المائدة: 61]، فإنّه لمّا كان أولئك من اليهود والمنافقين انتقل إلى سوء معتقدهم وخبث طويتهم ليظهر فرط التنافي بين معتقدهم ومعتقد أهل الإسلام، وهذا قول اليهود الصرحاء غير المنافقين فلذلك أسند إلى اسم (اليهود).

ومعنى ﴿ يد الله مغلولة ﴾ الوصف بالبخل في العطاء لأنّ العرب يجعلون العطاء معبَّراً عنه باليد، ويجعلون بَسْط اليد استعارة للبذل والكرم، ويجعلون ضدّ البسط استعارة للبخل فيقولون: أمسك يدَه وقبَض يده، ولم نسمع منهم: غَلّ يدَه، إلاّ في القرآن كما هنا، وقوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عُنقك ﴾ في سورة الإسراء (29)، وهي استعارة قويّة لأنّ مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقلّ الأزمان، فلا جرم أن تكون استعارة لأشدّ البخل والشحّ.

واليهودُ أهل إيمان ودين فلا يجوز في دينهم وصف الله تعالى بصفات الذمّ.

فقولهم هذا: إمّا أن يكون جرى مجرى التهكّم بالمسلمين إلزاماً لهذا القول الفاسد لهم، كما روي أنّهم قالوا ذلك لمّا كان المسلمون في أوّل زمن الهجرة في شدّة، وفَرَض الرسول عليهم الصدقات، وربّما استعان باليهود في الديات.

وكما روي أنّهم قالوه لمّا نزل قوله تعالى: ﴿ من ذا الّذي يُقرض الله قرضاً حسناً ﴾ [البقرة: 245] فقالوا: إنّ ربّ محمّد فقير وبخيل.

وقد حكي عنهم نظيره في قوله تعالى: ﴿ لقد سمع الله قول الّذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء ﴾ [البقرة: 181].

ويؤيّد هذا قوله عقبهُ ﴿ وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً ﴾ .

وإمّا أن يكونوا قالوه في حالة غضب ويأس؛ فقد روي في سبب نزولها أنّ اليهود نزلت بهم شدّة وأصابتهم مجاعة وجَهد، فقال فنحاص بن عَازُورا هذه المقالة، فإمّا تلقَّفُوها منه على عادة جهل العامّة، وإمّا نسب قول حبرهم إلى جميعهم لأنّهم يقلّدونه ويقتدون به.

وقد ذمّهم الله تعالى على كلا التقديرين، إذ الأول استخفاف بالإسلام وبدينهم أيضاً، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن هذه المقالات، ولو كانت على نيّة إلزام الخصم، والثّاني ظاهر ما فيه من العجرفة والتأفّف من تصرّف الله، فقابل الله قولهم بالدّعاء عليهم.

وذلك ذمّ على طريقة العَرب.

وجملة ﴿ غُلَّت أيديهم ﴾ معترضة بين جملة ﴿ وقالت اليهود ﴾ وبين جملة ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ .

وهي إنشاء سبّ لهم.

وأخذ لهم من الغُلّ المجازي مُقابِلُه الغلّ الحقيقي في الدعاء على طريقة العرب في انتزاع الدعاء من لفظ سببه أو نحوه، كقول النّبيء صلى الله عليه وسلم «عُصَيَّةُ عَصت الله ورسوله، وأسلم سَلَّمها الله، وغِفَار غَفر الله لها» وجملة ﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ يجوز أن تكون إنشاء دعاء عليهم، ويجوز أن تكون إخباراً بأنّ الله لعنهم لأجل قولهم هذا، نظير ما في قوله تعالى: ﴿ وإن يَدْعون إلاّ شيطاناً مريداً لعنه الله ﴾ في سورة النّساء (117، 118).

وقوله: بل يداه مبسوطتان} نقض لكلامهم وإثبات سعة فضله تعالى.

وبسط اليدين تمثيل للعطاء، وهو يتضمّن تشبيه الإنعام بأشياء تعطى باليدين.

وذكر اليد هنا بطريقة التثنية لزيادة المبالغة في الجُود، وإلاّ فاليَدُ في حال الاستعارة للجود أو للبُخل لا يقصد منها مفرد ولا عدد، فالتثنية مستعملة في مطلق التّكرير، كقوله تعالى: ﴿ ثُم ارجع البصر كرّتين ﴾ [الملك: 4]، وقولهم: «لبّيك وسعديك».

وقال الشّاعر (أنشده في «الكشاف» ولم يعْزه هو ولا شارحوه): جَادَ الْحِمَى بَسِطُ اليدَيْن بوابلٍ *** شكرَتْ نَدَاه تلاعُه ووهَاده وجملة ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ بيان لاستعارة ﴿ يداه مبسوطتان ﴾ .

و ﴿ كيف ﴾ اسم دالّ على الحالة وهو مبني في محلّ نصب على الحال.

وفي قوله: ﴿ كيف يشاء ﴾ زيادة إشارة إلى أن تقتيره الرزق على بعض عبيده لمصلحة، مثل العقاب على كفران النعمة، قال تعالى: ﴿ ولو بَسط الله الرزق لعباده لبَغَوا في الأرض ﴾ [الشورى: 27].

﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طغيانا وَكُفْراً ﴾ .

عطف على جملة ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ .

وقع معترضاً بين الردّ عليهم بجملة ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ وبين جملة ﴿ وألقيْنا بينهم العداوة والبغضاء ﴾ ، وهذا بيان للسبب الّذي بعثهم على تلك المقالة الشنيعة، أي أعماهم الحسد فزادهم طغياناً وكفراً، وفي هذا إعداد للرسول عليه الصلاة والسلام لأخذ الحذر منهم، وتسلية له بأنّ فَرط حنقهم هو الّذي أنطقهم بذلك القول الفظيع.

﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة ﴾ .

عطف على جملة ﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ عطفَ الخبر على الإنشاء على أحد الوجهين فيه.

وفي هذا الخبر الإيماء إلى أنّ الله عاقبهم في الدّنيا على بغضهم المسلمين بأن ألقَى البغضاء بين بعضهم وبعض، فهو جزاء من جنس العمل، وهو تسلية للرّسول صلى الله عليه وسلم أن لا يهمّه أمر عداوتهم له، فإنّ البغضاء سجيتهم حتّى بين أقوامهم وأنّ هذا الوصف دائم لهم شأنَ الأوصاف الّتي عمي أصحابها عن مداواتها بالتخلّق الحسن.

وتقدّم القول في نظيره آنفاً.

﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً والله لاَ يُحِبُّ المفسدين ﴾ .

تركيب ﴿ أوقدوا ناراً للحرب أطفاها الله ﴾ تمثيل، شُبّه به حال التهيّؤ للحرب والاستعداد لها والحَزَامةِ في أمرها، بحال من يُوقد النّار لحاجة بها فتنطفئ، فإنّه شاعت استعارات معاني التسعير والحَمْي والنّار ونحوها للحرب، ومنه حَمِيَ الوَطيس، وفلان مِسْعَرُ حرب، ومِحَشّ حرب، فقوله: ﴿ أوقدوا ناراً للحرب ﴾ كذلك، ولا نارَ في الحقيقة، إذ لم يُؤْثر عن العرب أنّ لهم ناراً تختصّ بالحرب تُعَدّ في نِيرَان العرب الّتي يُوقِدُونها لأغراض.

وقد وهم من ظنّها حقيقة، ونبَّه المحقّقون على وهمه.

وشبّه حال انحلال عزمهم أو انهزامُهم وسرعةُ ارتدادهم عنها، وإحجامُهم عن مصابحة أعدائهم، بحال من انطفأت ناره الّتي أوقدها.

ومن بداعة هذا التمثيل أنّه صالحٌ لأن يعتبر فيه جَمْعُه وتفريقه، بأن يُجعل تمثيلاً واحداً لِحالة مجموعة أو تمثيلين لحالتين، وقبول التمثيل للتفريق أتمّ بلاغة.

والمعنى أنّهم لا يلتئم لهم أمر حرب ولا يستطيعون نكاية عدوّ، ولو حاربوا أو حُوربوا انهزموا، فيكون معنى الآية على هذا كقوله: ﴿ ضُرِبت عليهم الذلّة أينَما ثُقِفوا ﴾ [آل عمران: 112].

وأمّا ما يروى أنّ مَعَدّا كلّها لمّا حاربوا مذبح يوم (خَزَازَى)، وسيادتُهم لِتغلب وقائدُهم كُليب، أمر كليب أن يوقدوا ناراً على جبل خَزَازَى ليهتدي بها الجيش لكثرته، وجعلوا العلامة بينهم أنّهم إذا دهمتهم جيوش مذحج أوقدوا نارين على (خَزَازَى)، فلمّا دهمتهم مَذحج أوقدوا النّار فتجمّعت مَعدّ كلّها إلى ساحة القتال وانهزمت مَذحج.

وهذا الّذي أشار إليه عمرو بن كلثوم بقوله: وَنَحْنُ غداة أوقِدَ في خَزازَى *** رَفَدْنَا فَوْقَ رفْد الرافِدِينَا فتلك شعار خاصّ تواضعوا عليه يومئذٍ فلا يعدّ عادة في جميع الحروب.

وحيث لا تعْرف نار للحرب تعيّن الحَمْل على التمثيل، ولذلك أجمع عليه المفسّرون في هذه الآية فليس الكلامُ بحقيقة ولا كناية.

وقوله: ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ القولُ فيه كالقول في نظيره المتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً ﴾ [المائدة: 33].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ مَقْبُوضَةٌ عَنِ العَطاءِ عَلى جِهَةِ البُخْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: مَقْبُوضَةٌ عَنْ عَذابِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: القائِلُ لِذَلِكَ فَنْحاسُ وأصْحابُهُ مِن يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ.

﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ إلْزامًا لَهُمُ البُخْلَ عَلى مُطابَقَةِ الكَلامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ في جَهَنَّمَ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي يُعَذِّبُهم بِالجِزْيَةِ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَعْنُهم هو طَرْدَهم حِينَ أُجْلُوا مِن دِيارِهِمْ.

﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ اليَدَيْنِ ها هُنا النِّعْمَةُ مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ أيْ نِعْمَةٌ، ومَعْناهُ بَلْ نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، نِعْمَةُ الدِّينِ، ونِعْمَةُ الدُّنْيا.

والثّانِي: اليَدُ ها هُنا القُوَّةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ  ﴾ ومَعْناهُ بَلْ قُوَّتانِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَدَ ها هُنا المَلْكُ مِن قَوْلِهِمْ في مَمْلُوكِ الرَّجُلِ هُوَ: مِلْكُ يَمِينِهِ، ومَعْناهُ مِلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والرّابِعُ: أنَّ التَّثْنِيَةَ لِلْمُبالَغَةِ في صِفَةِ النِّعْمَةِ كَما تَقُولُ العَرَبُ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وكَقَوْلِ الأعْشى: يَداكَ يَدا مُجِدٍّ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بِالزّادِ تُنْفِقُ ﴿ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى أنَّهُ يُعْطِي مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا عَلِمَ أنَّ في إعْطائِهِ مَصْلَحَةَ دِينِهِ.

والثّانِي: يُنْعِمُ عَلى مَن يَشاءُ بِما يُصْلِحُهُ في دِينِهِ.

﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ يَعْنِي حَسَدَهم إيّاهُ وعِنادَهم لَهُ.

﴿ وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى اليَهُودَ بِما حَصَلَ مِنهم مِنَ الخِلافِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى في تَبايُنِ قَوْلِهِمْ في المَسِيحِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أقامُوها نُصْبَ أعْيُنِهِمْ حَتّى إذا نَظَرُوا ما فِيها مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأوامِرِهِ لَمْ يَزِلُّوا.

والثّانِي: إنَّ إقامَتَها العَمَلَ بِما فِيها مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَبْدِيلٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ لِأنَّهم لَمّا خُوطِبُوا بِهِ صارَ مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ.

﴿ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ هو في الخَيْرِ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ.

والثّانِي: لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ بِإنْزالِ المَطَرِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ بِإنْباتِ الثَّمَرِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُقْتَصِدَةٌ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عادِلَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق والطبراني في الكبير وابن مردويه عن ابن عباس.

قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق.

فأنزل الله: ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ نزلت في فنحاص رأس يهود قينقاع.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة...

﴾ الآية.

قال: نزلت في فنحاص اليهودي.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قال: أي بخيلة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثوقة ولكن يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ مغلولة ﴾ يقولون: إنه بخيل ليس بجواد.

وفي قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ قال: أمسكت عن النفقة والخير.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً: «أن يحيى بن زكريا سأل ربه فقال: يا رب، اجعلني ممن لا يقع الناس فيه.

فأوحى الله يا يحيى هذا شيء لم أستخلصه لنفسي كيف أفعله بك؟

اقرأ في المحكم تجد فيه ﴿ وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ﴾ [ التوبة: 30] .

وقالوا ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وقالوا وقالوا...» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال: إذا بلغك عن أخيك شيء يسوءك فلا تغتم، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة أجلت، وإن كانت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها.

قال: وقال موسى: يا رب، أسالك أن لا يذكرني أحد إلا بخير.

قال: «ما فعلت ذلك لنفسي» .

وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: قال موسى: يا رب، أسألك أن لا يذكرني أحد إلا بخير.

قال: «ما فعلت ذلك لنفسي» .

وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: قال موسى: يا رب، احبس عني كلام الناس.

فقال الله عزوجل لو فعلت هذا بأحد لفعلته بي.

قوله تعالى ﴿ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ﴾ .

أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذرعن ابن مسعود قرأ ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سخاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه.

قال: وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى القبض يرفع ويخفض» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً ﴾ قال: حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه، وهم يجدونه عندهم مكتوباً.

وأخرج أبو الشيخ عن الربيع قال: قالت العلماء فيما حفظوا وعلموا: أنه ليس على الأرض قوم حكموا بغير ما أنزل الله إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء، وقال: ذلك في اليهود حيث حكموا بغير ما أنزل الله: ﴿ وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ﴾ قال: اليهود والنصارى.

وفي قوله: ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ قال: حرب محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ قال: كلما اجمعوا أمرهم على شيء فرّقه الله وأطفأ حدهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ قال: أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله، لقد جاء الإسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس، وهم أبغض خلق الله تعمية وتصغيراً باعمالهم أعمال السوء.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وفي قوله عن الحسن ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ قال: كلما اجتمعت السفلة على قتل العرب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد الإمساك عن الرزق" (١) (٢) قال المفسرون: إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً وأخصبهم ناحية، فلما عصوا الله في محمد وكذبوا به، كف الله عنهم ما بسط عليهم من النعمة، فعند ذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، أي مقوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل، وهذا قول الضحاك وعكرمة وقتادة والكلبي (٣) قال الفراء: أرادوا ممسكة عن الإنفاق، والإسباغ علينا (٤) وقال الزجاج: أخبر الله عز وجل بعظيم فريتهم فقال: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ أي: يده ممسكة عن الإسباغ علينا، كما قال الله جل وعز: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ  ﴾ ، تأويله: لا تمسكها عن الإنفاق (٥) وقوله تعالى: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي جعلوا بخلاء وألزموا البخل، فهم أبخل قوم، فلا يُلقى يهودي أبدًا غير لئيم راضع بخيل.

وهذا قول الزجاج (٦) ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ أرادت فقالوا، فأضمر الفاء، وقد ذكرنا مثل هذا فيما تقدم.

وقال الحسن: "غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة" (٧) (٨) ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ  ﴾ فجرى الدعاء من الله مجرى الاستثناء منه، وكلاهما توقيف وتأديب، كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ  ﴾ ، وقد علا وعز أن يكون فوقه مدعو.

وقوله تعالى: ﴿ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ﴾ ، قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار (٩) وقوله تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، حكى الزجاج عن بعض أهل اللغة أن هذا جواب لليهود، أجيبوا على قدر كلامهم فقيل: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ .

أي هو جواد ينفق كيف يشاء.

انتهى كلامه (١٠) (١١) (١٢) ولن أذكُرَ النعمان إلا بصالحٍ ...

فإن لهُ عِندي يَدِيًّا وأنعُما (١٣) جمع يدًا على: يديٍّ، كالكلِيْبِ والعبيد.

فقوله: (يَدِيًّا وأنعُمًا) اليدي هي الأنعم في المعنى، وحسن التكرير لاختلاف اللفظين، كقوله: أقوى وأفْقَرَ بعدَ أُمِّ الهَيْثَمِ (١٤) ويستعمل اليد للقوة (١٥) ﴿ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ  ﴾ فسروه: ذوي القوى والعقول (١٦) اعمِد لما تعلُو فما لَكَ بالذي ...

لا تستطيعُ من الأمورِ يَدَانِ (١٧) يريد ليس لك به قوة، ألا ترى أنه لا مذهب للجارحة ولا للنعمة هنا، وعلى هذا ما ذكره سيبويه من قولهم: (لا يدينِ بها لك)، ومعنى هذه التثنية: المبالغة في نفي الاقتدار والقوة على الشيء، وليس المراد بالتثنية الاثنين الناقص عن الثلاثة، إنما هو الكثرة، ويستعمل بمعنى الملك، يقال: هذه الضيعة في يد فلان، أي في ملكه (١٨) ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ  ﴾ ، ويستعمل بمعنى التولي للشيء وتحقيق إضافة الفعل، كقوله تعالى: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ أي لما توليت خلقه (١٩) (٢٠)  أنه قال: "وهم يد على من سواهم" (٢١) (٢٢) وكذلك قوله  : "أنا وبنو (٢٣) (٢٤) (٢٥) أَلاَ طَرَقَت ميٌّ هَيُومًا بِذكرِها ...

وأيدي الثُّريا جُنَّحٌ في المَغَاربِ (٢٦) فقوله: "أيدي الثُّريا" استعارة واتساع، وذلك أن اليد إذا مالتَ نحو الشيء ودنت إليه، دلل على قربها منه، ودَنوِّها نحوه، وإنما أراد قرب الثريا من المغرب لأفولها، فجعل له يدِيًّا جُنَّحًا نحوها، وأصل هذه الاستعارة لثعلبة بن صُعَير (٢٧) ألقت ذُكَاءُ يمِينَهَا في كافِرِ (٢٨) فجعل للشمس يدًا في المغيب لما أراد أن يصفها بالغروب.

ثم للبيد في قوله: حتى إذا ألقت يدًا في كافر.

يعني الشمس بدأت في المغيب، واعلم أن يدًا وزنها: (فَعْلٌ)، يدل على ذلك قولهم: أَيْدٍ، وجمعهم على أفعُل يدل على أنه: (فَعْلٌ)، لأنه أفْعُلًا جمع فَعْل المختص (٢٩) (٣٠) (٣١) يديت على حُسحَاس بن وَهْبِ (٣٢) فيد في الأصل يَدْيٌ (٣٣) (٣٤) يديان بيضاوان عند مُحُلَّم ...

قد تمنعانك بينهم أن تهضما (٣٥) وقال آخر في الواحد: يا رُبَّ سارٍ سار ما توَسَّدَا ...

إلا ذرع العنس أو كف اليدا (٣٦) هذا هو الكلام في أصل هذا الحرف ومعانيه في اللغة على حد الاختصار، وقد تستعمل اليد وتستعار في مواضع كثيرة يطول بذكرها الكلام، ولما كان الجواد يفرق المال وينفقه بيده، والبخيل يمسك اليد عن الانفاق أسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل، فقيل للجواد: فيَّاض الكف، مبسوط اليد، سبي البنان، ثرة الأنامل، في ألفاظ كثير معروفة في أشعارهم.

ويقال في ضد ذلك للبخيل: كزّ الأصابع، مقبوض الكف، جعد الأنامل في أشباه لهذا كثيرة.

واليهود لعنهم الله وصفوا الله تعالى بالبخل فقالوا: يد الله مغلولة.

على ما بينا في تفسيره في أول الآية، فأجيبوا (٣٧) ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل، بل هو جواد، فليس لذكر اليد في الآية على هذا المعنى معنًى إلا إفادة معنى الجود والبخل (٣٨) وذهب بعض أهل اللغة أن معنى اليد في هذه الآية النعمة (٣٩) ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ معناه: نعمة الله مقبوضة، وأنكر أبو عبيد والزجاج وابن الأنباري هذا القول، فقال أبو عبيد: من قال هذا فقد زعم أنه ليس لله على العباد إلا نعمتان، لأنه يلزمه أن يقول في قوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ أي: نعمتاه.

وقال الزجاج: هذا القول خطأ، ينقضه ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، فيكون المعنى: نعمتاه مبسوطتان، ونعم الله أكثر من أن تحصى.

وقال أبو بكر: هذا القول محال في هذه الآية، لأن نعم الله تعالى لا يحاط بعددها، وآلاؤه تفوق الإحصاء، فكيف يقول: نعمتاه مبسوطتان، فيوقع التثنية في الشيء الذي يُقَصِّر كل جمع عنه.

الدليل على ما نَصِف قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا  ﴾ (٤٠) فهؤلاء الأئمة أنكروا هذا القول، وهو صحيح، وإن أنكروا وذهب عليهم وجه صحته.

قال أبو علي فيما أصلح علي أبي إسحاق: قد دل كلام أبي إسحاق في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ على أن المراد به الإمساك، لأنه شبه ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ  ﴾ ، وإذا كان ما حكى عن اليهود من هذا المراد به تبخيل الله تعالى عن ذلك فقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ رد لم افتروه وإبطال لما بهتوا فيه ونفي له، يدلك على ذلك عطفه بالحرف الدال على الإضراب عما قبله والإثبات لما بعده، فإذا كان المراد بالأول التبخيل والإمساك وكان هذا الثاني نفيًا للأول، وجب أن يكون المراد به إثبات النعمة التي أنكروها وادعوا أنها مقبوضة عنهم، فإنكاره على من قال: إن معنى ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ نعمته مقبوضة عني (٤١) ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ فيكون المعنى: نعمتاه مبسوطتان، ونعم الله أكثر من أن تحصى، فقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ لا يدل على تقليل النعمة وعلى أن نعمته نعمتان ثنتان ليس غيرهما، ولكنه يدل على الكثرة والمبالغة، وقد جاء التثنية يراد بها الكثرة والمبالغة وتعداد المَثْنَى، لا المعنى الذي يشفع الواحد المفرد، ألا ترى أن قولهم: "لبّيك" إنما هو إقامة على طاعتك بعد إقامة، وكذلك: "سعديك" إنما هو مساعدة بعد مساعدة، وليس المراد بذلك طاعتين ثنتين، ولا مساعدتين ثنتين (٤٢) وإن شئت حملت المثنى على أنه تثنية جنس، لا تثنية واحد مفرد، ويكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا والآخر نعمة الآخرة ونعمة الدين، فلا تكون التثنية على هذا مرادًا بها اثنتين، وقد جاء تثنية اسم الجنس في كلامهم مجيئًا واسعًا (٤٣) وكُلُّ رفيقي كُلِّ رحلٍ وإن هُما ...

تعاطَى القَنَا قوماهما أخوَانِ (٤٤) فتأويل الرفيقين في البيت العموم والإشاعة، ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون رفيقان اثنان لكل رحل.

وبعد، فإذا كانوا قد استجازوا تثنية الجمع الذي على بناء الكثرة كقوله: لأصْبَحَ القومُ أوتادًا ولم يجِدوا ...

عندَ التفرُّق في الهيجَا جمَالينِ وكقول أبي النجم: بين رماحي مالك ونهشل ونحو ما حكاه سيبويه من قولهم: "لقاحان سوداوان" فأن يجوز تثنية اسم الجنس أجدر، لأنه على لفظ الواحد، فالتثنية فيه أحسن، إذ هو أشبه بألفاظ الأفراد، فإذا بان أن هذه التثنية لا تقتضي قول هذا القائل: نعمة الله مقبوضة ولا تنافيه، ولم ينكر اليد في اللغة بمعنى النعمة صح قوله الذي أنكره أبو إسحاق (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ ، أي: يرزق كما يريد، إن شاء قتر وإن شاء وسع (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴾ ، قال أبو إسحاق: أي كلما أنزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ ، أي بين اليهود والنصارى عن الحسن (٥١) (٥٢) ﴿ لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ  ﴾ (٥٣) وقيل: أراد طوائف اليهود (٥٤) ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى  ﴾ وهو أحد الأسباب التي أذهب الله بها جَدَّهم وشوكتهم (٥٥) وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ﴾ ، أي لحرب محمد  (٥٦) (٥٧) (٥٨)  والمسلمين، وأعدوا لحربهم، فرق الله جمعهم وأفسد ذات بينهم (٥٩) قال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود، فلا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد سفكوا الدماء، واستحلوا المحارم" (٦١) وقال الزجاج: أي يجتهدون في دفع الإسلام، ومحو ذكر النبي  من كتبهم (٦٢) (١) "زاد المسير" 2/ 392، "الدر المنثور" 2/ 525.

(٢) أخرجه الطبري 6/ 3001، وعزاه في "الدهر المنثور" 2/ 525 أيضًا إلى ابن أبي حاتم.

(٣) "تفسير الطبري" 6/ 300، "بحر العلوم" 1/ 447، "النكت والعيون" 2/ 51، "تفسير البغوي" 3/ 76، "زاد المسير" 2/ 391، "الدر المنثور" 2/ 525.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 315.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 189.

(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(٧) "النكت والعيون" 2/ 51، "تفسير الوسيط" 2/ 206، وانظر: "زاد المسير" 2/ 392، وتفسير الحسن البصري 1/ 333.

(٨) في (ج): (عن).

(٩) انظر: "النكت والعيون" 2/ 51، "تفسير الوسيط" 2/ 206، "زاد التفسير" 2/ 393.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(١١) انظر: تهذيب اللغة 4/ 3975 (يدي).

(١٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أبو زيد، فإن البيت في النوادر لأبي زيد ص 53 منسوبًا لضمرة النهشلي كما سيأتي في عزوه.

(١٣) البيت في "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص 53 نسبه لضمرة بن ضمرة النهشلي.

وأفاد منه في "المسائل الحلبيات" ص 30، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 240، و"اللسان" 3/ 1874 (زنم).

(١٤) لم أقف على قائله.

(١٥) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 27 - 97.

(١٦) "النكت والعيون" 2/ 51.

(١٧) البيت في "الأضداد" للأصمعي (ثلاثة كتب في "الأضداد" ص7)، و"المسائل الحلبيات" ص 28.

(١٨) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 29.

(١٩) هنا تعسف ظاهر، والتثنية لليدين تدل على إثبات صفة اليد لله عز وجل، بل تؤكد ذلك!.

(٢٠) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3975 (يدي).

(٢١) أخرجه من حديث علي بن أبي طالب  الإمام أحمد في مسنده 1/ 122، وأبو داود (4530) كتاب: الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟.

وأخرجه ابن ماجه (2683) كتاب: الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم من حديث ابن عباس ومعقل بن يسار  .

(٢٢) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 30، "تهذيب اللغة" 4/ 3977 (يدي).

(٢٣) في (ج): (بني).

(٢٤) أخرجه بنحوه الإِمام أحمد في مسنده 4/ 81 من حديث جبير بن مطعم، والنسائي 7/ 130 - 131 كتاب قسم الفيء.

(٢٥) تقدم تخريجه قريبًا.

(٢٦) "ديوانه" ص 55.

(٢٧) ثعلبة بن صُعَير بن خزاعي المازني المري، شاعر جاهلي من شعراء المفضليات، "الأعلام" 2/ 99.

(٢٨) لم أقف عليه.

(٢٩) في (ج): (المختصر).

(٣٠) في (ج): (ألعب).

(٣١) بياض في (ج)، (ش).

(٣٢) لم أقف عليه.

(٣٣) انظر: "الممتع في التصريف" 2/ 624.

(٣٤) لم أقف على كلام أبي علي، وانظر: "الممتع في التصريف" 1/ 60، 409، 2/ 562، 624.

(٣٥) لم أقف عليه.

(٣٦) لم أقف عليه.

(٣٧) سقطت بعض أحرف هذه الكلمة في (ج).

(٣٨) المؤلف عفا الله عنه أول اليد هنا بالجود، والذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة إثبات صفة اليد لله عز وجل حسبما دلت عليه هذه الآية وغيرها على ما يليق بجلال الله وعظمته، قال الطبري رحمه الله في تفسيره: "ففي قول الله تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع ما ينبىء عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع النعمة وصحة قول من قال: إن "يد الله" هي له صفة ...

وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله وقال به العلماء وأهل التأويل "تفسير الطبري" 6/ 302، وقال البغوي في "تفسيره" 3/ 76، 77: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ويد الله صفة من صفاته كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ ، وقال النبي  : "كلتا يديه يمين" والله أعلم بصفاته فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم".

وسيأتي في سياق المؤلف كلام أبي عبيد والزجاج وأبي بكر بن الأنباري في إثبات صفة اليد والرد على من أولها، وإن كان المؤلف لم يأبه بتقريرهم، وتعلق بما عليه الأشاعرة من التعسّف في التأويل.

(٣٩) هذا مذهب الأشاعرة!!

وسبق من كلام الأئمة كالطبري، والبغوي ما يبين ضعفه ورده.

(٤٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 393.

(٤١) في النسختين: (عنا).

(٤٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 51، "تفسير القرطبي" 6/ 239.

(٤٣) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 68،"تفسير القرطبي" 6/ 239.

(٤٤) البيت في "المسائل الحلبيات" ص 68 ونسبه المحقق إلى: "ديوان الفرزدق" 2/ 329.

(٤٥) يعني الزجاج، وقد تقدم إنكاره لتفسير اليد هنا بالنعمه، وأن الزجاج ذهب مذهب أهل السنة وهو منهم في إثبات صفات اليد لله عز وجل على ما وصف به نفسه كما في هذه الآية، ووصفه بها رسوله  .

(٤٦) بل إن المؤلف ومن أخذ عنه كأبي علي الفارسي هم المتحاملون على أهل السنة في تفسير هذه الآية الجلية في إثبات صفة اليد لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته.

(٤٧) لم أقف عليه فيما بين يدي من مؤلفات لأبي علي الفارسي، وكذا ما نسبه لسيبويه والخليل.

(٤٨) المتوفى سنة 242 هـ وهو حنفي فاضل، حدث عن وكيع لكنه غير مشهور، ولم أقف له على تفسير، انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 172، "معجم المؤلفين" 3/ 730.

(٤٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 490، "تفسير الطبري" 6/ 300، "بحر العلوم" 1/ 448.

(٥٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(٥١) "النكت والعيون" 2/ 52، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 77.

(٥٢) أخرجه عن مجاهد "تفسير الطبري" 6/ 302، "تفسير الوسيط" 2/ 207، "تفسير البغوي" 3/ 77، "زاد المسير" 2/ 394.

(٥٣) "تفسير الطبري" 6/ 302، "زاد المسير" 2/ 394.

(٥٤) "النكت والعيون" 2/ 52، "تفسير البغوي" 3/ 77.

(٥٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(٥٦) "تفسير الطبري" 6/ 304.

(٥٧) "تفسير الوسيط" 2/ 207، ونسبه محققه إلى تفسير ابن عباس ص 97، "زاد المسير" 2/ 394.

(٥٨) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 77، "الدر المنثور" 2/ 526.

(٥٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(٦٠) أخرجه الطبري 6/ 303، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 336، "تفسير البغوي" 3/ 77.

(٦١) انظر: "زاد المسير" 2/ 394، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 118.

(٦٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 191.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ غل اليد كناية عن البخل، وبسطها كناية عن الجود ومنه: ولا تجعل يدك مغلولة: أي لا تبخل كل البخل، ولا تبسطها كل البسط: أي لا تجد كل الجود، وروي أنّ اليهود أصابتهم سنة جهد فقالوا هذه المقالة الشنيعة، وكان الذي قالها فنحاص، ونسبت إلى جملة اليهود، لأنهم رضوا بقوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون دعاء أو خبراً، ويحتمل أن يكون في الدنيا أو في الآخرة، فإن كان في الدنيا، فيحتمل أن يراد به البخل أو غل أيديهم في الأسر، وإن كان في الآخرة، فهو جعل الأغلال في جهنم ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ عبارة عن إنعامه وجوده، وإنما ثنيت اليدان هنا وأفردت في قول اليهود: يد الله مغلولة، ليكون رداً عليهم ومبالغة في وصفه تعالى بالجود: كقول القرب: فلان يعطي بكلتا يديه إذا كان عظيم السخاء ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ﴾ إيقاد النار عبارة عن محاولة الحرب، وإطفاؤها عبارة عن خذلانهم وعدم نصرهم، ويحتمل أن يراد بذلك أسلافهم، أو يراد من كان معاصراً للنبي صلى الله عليه وسلم منهم، ومن يأت بعدهم، فيكون على هذا إخبار بغيب، وبشارة للمسلمين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تنقمون ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام ﴿ وعبد الطاعون ﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة.

الباقون بنصب الطاغوت على أن.

﴿ عبد ﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.

﴿ مبصوطتان ﴾ بالصاد مثل ﴿ وزاده بصطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ رسالته ﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون ﴿ رسالاته ﴾ .

الوقوف: ﴿ من قبل ﴾ لا لعطف ﴿ وأن أكثركم ﴾ على ﴿ أن آمنا ﴾ .

﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿ من لعنه الله ﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿ شر ﴾ لم يقف.

﴿ الطاغوت ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ خرجوا به ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ مغلولة ﴾ ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: ﴿ غلت ﴾ وهو جزاء قولهم ﴿ يد الله مغلولة ﴾ .

﴿ بما قالوا ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ مفعول ﴿ قالوا ﴾ .

﴿ مبسوطتان ﴾ ط لأن قوله: ﴿ ينفق ﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف.

﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ أطفأها الله ﴾ لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر ﴿ فساداً ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ أرجلهم ﴾ ط ﴿ مقتصدة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ رسالته ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين.

نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته.

وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.

والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟

وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد  وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض.

ثم عطف عليه: ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم.

وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر.

ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.

ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.

ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف.

وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك.

والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.

قال ابن عباس: "أتى نفر من اليهود إلى رسول الله  فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟

فقال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ إلى قوله ﴿ ونحن له مسلمون  ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله  : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ " يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و ﴿ مثوبة ﴾ نصب على التمييز من ﴿ شر ﴾ وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة.

واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.

قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى  .

ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.

أما قوله: ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة.

قال الشاعر: أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ *** إلاّ يداً ليست لها عضد وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع.

وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة.

وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل.

والطاغوت ههنا قيل: هو العجل.

وقيل: هو الأحبار.

والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله  .

وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ أو أنه خذلهم حتى عبدوها ﴿ أولئك ﴾ المعلونون الممسوخون ﴿ شر مكاناً ﴾ من المؤمنين.

قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه.

وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان.

﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ قصده ووسطه.

كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله  يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط.

وقوله: ﴿ بالكفر ﴾ وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: ﴿ وقد دخلوا ﴾ ﴿ وهم قد خرجوا ﴾ ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً.

وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله  متوقعاً لإظهار الله أسرارهم.

والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: ﴿ دخلوا ﴾ و ﴿ خرجوا ﴾ أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.

وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم.

ونفى أن يكون من النبي  في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.

وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي.

﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ.

الإثم الكذب كقوله بعد: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم.

وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله.

وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك.

ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات.

ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت.

وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب.

وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة.

وإنما قال ههنا: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ وفي الأول ﴿ يعملون ﴾ لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ.

وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال.

وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن.

وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة.

والجواب أن الله  صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد  في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك.

وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه  غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب.

وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه  موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد.

وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً  وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ.

وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط  ﴾ وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال.

وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: قد أصبحت بيد الشمال زمامها *** /فجازاهم الله  بقوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين  ﴾ وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً  ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب  ﴾ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً.

قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز.

وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره.

﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.

ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله.

ثم إنه  ردّ على اليهود بقوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة.

يقال: لفلان عندي يد أشكرها له.

وعلى القوة مثل: ﴿ أولي الأيدي والأبصار  ﴾ فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا.

والمعنى سلب كمال القدرة.

وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال  : ﴿ بيده عقدة النكاح  ﴾ وقد يراد به شدة العناية قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً.

ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه  محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها.

وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله.

وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: ﴿ يد الله فوق أيديهم  ﴾ وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: ﴿ مما عملت أيدينا أنعاماً  ﴾ ووجه التوحيد والجمع ظاهر.

وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد.

ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به.

﴿ وليزيدن ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ كثيراً منهم ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ ما أنزل إليك من ربك ﴾ من القرآن والحجج ﴿ طغياناً وكفراً ﴾ مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً ﴿ وألقينا بينهم ﴾ بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود ﴿ العداوة والبغضاء ﴾ لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين.

وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا.

وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ يستخفون كيداً للإسلام وذويه ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي.

وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة.

ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد  وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً ﴿ لكفرنا عنهم ﴾ تلك السيآت سترناها عليهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين ﴿ جنات النعيم ﴾ من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله  وما أعظم عفوه وغفرانه ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله  ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد  ، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف.

﴿ وما أنزل إليهم من ربهم ﴾ يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد  وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها.

﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض.

ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.

والحاصل أنه  وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد  وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها.

ثم فصل حالهم فقال: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى.

﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.

ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ عن أبي سعيد الخدري "أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب  وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله  بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.

اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" .

وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.

وروي "أنه  نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟

فقال: الله.

فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ " وقيل: لما نزلت آية التخيير: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك  ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش.

وقيل: لما نزل ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله  ﴾ سكت رسول الله  عن عيب آلهتهم فنزلت.

أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها.

وقيل: إنه  لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع.

قال: هل بلغت؟

قالوا: نعم.

فقال  : "اللهم اشهد" .

فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين.

وقال الحسن: إن نبي الله قال: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوف" .

وقالت عائشة "سهر رسول الله  ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟

قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة.

قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟

قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك.

فنام رسول الله  حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله  رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .

وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله  يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية.

فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله  قد عصمني من الجن والإنس" .

ومعنى قوله: ﴿ ما أنزل إليك ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ﴿ وإن لم تفعل ﴾ ما أمرتك به كما أمرتك به ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع.

ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة.

فإن قيل: معنى قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟

فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها.

أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه  قال: "بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " .

فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟

فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد.

أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون.

ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: ﴿ لستم على شيء ﴾ أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد.

ومعنى ﴿ فلا تأس ﴾ لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك.

يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن.

ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: ﴿ والصابئون ﴾ عطف على ماذا؟

فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل ﴿ الذين ﴾ لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان.

وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان.

وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال.

فإذن ﴿ الصابئون ﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.

التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.

﴿ أولئك شر مكاناً ﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.

الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة.

﴿ غلت أيديهم ﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وكل إناء يرشح بما فيه.

ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية  قال: " "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء" بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/الكافرين من العواية والخذلان.

﴿ وألقينا بينهم العداوة ﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن.

ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ إلى أعلى مقاماتهم.

من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة.

فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه.

فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة.

وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ ﴿ والله يعصمك ﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله.

يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج.

فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ...

﴾ \[الآية\].

قال الحسن: [قول اليهود]: "يد الله مغلولة"، أي: محبوسة ممنوعة عن تعذيبنا؛ لقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

في الآخرة بالسلاسل إلى أعناقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ .

بالمغفرة والتعذيب؛ يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.

قال ابن عباس -  -: "قولهم: "يد الله مغلولة": لا يعنون بذلك أن يده موثقة مغلولة حقيقة اليد والغل؛ ولكن وصفوه بالبخل، وقالوا: أمسك ما عنده؛ بخلا منه،  الله عن ذلك.

وقال آخرون: إن الله - تبارك وتعالى - قد كان بسط على اليهود الرزق؛ فكانت من أخصب الناس وأكثرهم خيراً، فلما عصوا الله في محمد  ، وكفروا به، وبدلوا نعمة الله كفراً بالنعمة - كف الله -  - عنهم بعض الذي كان بسط عليهم من السعة في الرزق؛ فعند ذلك قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، لم يقولوا: يده مغلولة إلى عنقه، ولكن ممسكة عنهم الرزق، فلا يبسط كما كان يبسط؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ : نهى عن البخل في الإنفاق، لا أنه أراد حقيقة غل اليد إلى عنقه؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ : كناية عن البخل ووصف به، لا حقيقة الغل، وبالله العصمة.

وتأويل قوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ على هذا التأويل، أي: أيديهم هي الممسكة عن الإنفاق، وهم الموصوفون بالبخل والشح.

﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، أي: نعمه مبسوطة: يوسع على من يشاء، ويقتر على من يشاء.

وفي حرف ابن مسعود -  -: بل يداه يبسطان.

قال الفراء: يقال: وجه مبسوط، ووجه بسط.

ثم لا يحتمل أن يفهم من إضافة اليد إلى الله ما يفهم من الخلق؛ لما وجد إضافة اليد إلى من لا يحتمل أن يكون له اليد، من ذلك قوله -  -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ : لا يفهم من القرآن اليد كما يفهم من الخلق؛ فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من إضافة اليد إلى الله -  - كما يفهم من الخلق؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  ﴾ و ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، لم يفهم منه اليد نفسها؛ وكذلك قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، لكن أضيف ذلك إلى اليد؛ لما باليد يقدم ويعطي ويكسب؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ ، ومعلوم أنه لم يفهم من اليد: اليد نفسها، ولكن أضيف ذلك إليها؛ لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ﴾ .

قيل: عذبوا بما قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، واللعن - في اللغة -: هو الطرد؛ كأنه قال: طردوا عن رحمة الله وأيسوا عنها حتى لا ينالوها أبداً بقولهم الذي قالوا.

وقيل: فيه إخبار: أنهم يموتون على ذلك، ولا يؤمنون، فماتوا على ذلك؛ فذلك دليل رسالته، عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يريد ما أنزل [الله] إليك من القرآن، ﴿ كَثِيراً مِّنْهُم ﴾ ، يعني: اليهود ﴿ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .

وقيل: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ : من البيان عما كتموا من نعته وصفته التي كانت في كتابهم، وما حرفوا فيه وغيروه من الأحكام؛ فذلك مما زادهم طغياناً وكفرا.

قيل: ﴿ طُغْيَاناً ﴾ ، أي: تمادياً بالمعصية، ﴿ وَكُفْراً ﴾ : بالقرآن.

وقيل: الطغيان: هو العدوان، وهو المجاوزة عن الحدِّ الذي حد.

فإن قيل: ما معنى إضافة زيادة الطغيان إلى القرآن، والقرآن لا يزيد طغياناً ولا كفراً؟: قيل: إضافة الأفعال إلى الأشياء تكون لوجوه ثلاثة: منها: ما يضاف لحقيقة الفعل بها.

ومنها: ما يضاف للأحوال.

ومنها: ما يضاف لمكان ما به يكون الفعل، وهاهنا أضيف ذلك إلى القرآن؛ لما كان فيهم من الطغيان والكفر لمكان ما أنزل إليهم بالكفر الذي كان فيهم؛ وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ : إنهن لا يضللن أحداً في الحقيقة؛ ولكن لما صاروا بهن ضلالا أضيف إليهن، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ والحياة الدنيا لا تغر أحداً؛ ولكن لما [لو] كانت لها حواس لكان ما أبدت من الزينة لغرت.

وقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ﴾ : بين اليهود والنصارى، أي: لا يحب اليهودي نصرانيّاً، ولا النصراني يهوديّاً.

وقال آخرون: ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ ، أي: بين اليهود؛ لأن اليهود على مذاهب مختلفة وأهواء مشتتة: منهم من يقول: عزير ابن الله، ومنهم من يذهب مذهب التشبيه.

هم على أهواء مختلفة، فبينهم عداوة وبغضاء، على ما ذكرنا الاختلاف الواقع بينهم.

ثم معنى ما أضاف من إلقاء العداوة بينهم إلى نفسه لا يخلو: إما أن يكون له في نفس العداوة فعل، أو أن يكون في سبب العداوة، ولا يجوز أن يكون له في فعل العداوة صنع؛ لأنه فعلهم، ولا في سبب العداوة - أيضاً - لأن سببه الاختلاف، والاختلاف فعلهم - أيضاً - فإذا بطل أن يكون له في واحد من هذين صنع؛ دل أن له ذلك من الوجه الآخر، وهو أن خلق فعل العداوة وسبب العداوة منهم، وبالله التوفيق والعصمة.

فإن قيل: ذكر هاهنا أنه  ألقى بينهم العداوة والبغضاء، وذكر في آية أخرى أن بعضهم أولياء بعض بقوله -  -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ كيف يجمع بينهما؟!: قيل: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ في أصل الدين وهو الكفر، وبينهم عداوة؛ لاختلاف الأهواء والمذاهب، والله أعلم.

وفي الآية دلالة الامتنان على رسول الله  بما أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء، ولو كانوا على مذهب واحد، ولم يكن بينهم اختلاف وعداوة - لكان ذلك عليه أشد، وفي المقام بينهم أصعب، لكن مَنَّ عليه بالاختلاف فيما بينهم؛ لما جعل الاختلاف والتنازع سبب الفشل؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 46].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: كلما أرادوا مكر رسول الله  وأجمعوا أمرهم على قتله، أطلع الله نبيه - عليه الصلاة والسلام - على ذلك؛ حتى لم يقدروا على مكره.

والثاني: كلما انتصبوا للحرب مع رسول الله  واجتمعوا عليه، فرق الله شملهم، وجعلهم بحيث لا يجتمعون على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ .

يحتمل وجهين - أيضاً -: يحتمل: السعي بالفساد على حقيقة المشي على الأقدام، وهو ما كانوا يسعون في نصب الحرب مع المؤمنين، والاتصال بغيرهم من الكفرة، والاستعانة بهم؛ فذلك هو السعي في الأرض بالفساد.

والثاني: ما كتموا من نعت رسول الله  وصفته وحرفوا ما في كتبهم من أعلام نبوته وآيات رسالته، ودعوا الناس إلى غير ما نزل فيه؛ وذلك سعي في الأرض بالفساد، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .

لأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .

عامل الله - عز وجل - خلقه معاملة أكرم الأكرمين؛ حيث وعد لهم المغفرة، وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر، وقولهم في الله من القبيح الوَخْش؛ لو آمنوا واتقوا الذي قالوا في الله؛ وهو كما قال الله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ : وذلك - والله أعلم - أنه لما تاب ورجع عن صنيعه يرجع عن جميع ما كان منه، ويندم على ذلك، ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر: خيراً؛ فهو كقوله -  -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ؛ لأنهم يندمون على تلك السيئات التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيراً لا شرّاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أنزل إليهم من القرآن - لأكلوا من كذا مما ذكر.

ويحتمل: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ : على ما أنزل، ورجعوا عما حرفوا فيها وغيروه وكتموه من نعت [نبينا] محمد  وصفته، وما فيها من الأحكام - لكان لهم ما ذكر، والله أعلم.

وذلك أنهم كانوا يخافون الضيق إذا أسلموا وهو - والله أعلم - قوله: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ  ﴾ فأخبر الله - عز وجل - أنهم لو آمنوا واتقوا الشرك، لوسع عليهم العيش.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ .

ليس على حقيقة الأكل؛ ولكن يخرج على المبالغة في الوصف والذكر؛ كما يقال: فلان من قرن رأسه إلى قدمه في نعمة: ليس على حقيقة ما وصف؛ ولكن على المبالغة في الوصف بالسعة.

ويحتمل: أن يكون على حقيقة الأكل: أما ما يخرج من تحت الأرجل: فهو ما يخرج من الأرض من المأكول والمشروب، ومن فوقهم: من الثمار والفواكه يخرج من الأشجار.

ويحتمل: ما ذكر ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ : وهو الجبال، و ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ : الأرض، إخبار أن يكون لهم نزل الجبل والسهل جميعاً.

وقيل: ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ، أي: أرسل الله عليهم مدراراً، ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ : تخرج الأرض بركتها، وتنبت لهم الثمرة.

وقال قتادة: لأعطتهم الأرض نباتها، والسماء بركتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ من أسلم منهم.

وقيل: منهم أمة مقتصدة على كتاب الله لم يحرفوه، ولا غيروه، ولا كتموا شيئاً، ولا سعوا في الأرض بالفساد على ما عمل أكثرهم من التحريف والتغيير، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقالت اليهود لَمَّا أصابهم جَهْدٌ وجَدْبٌ: يد الله مقبوضة عن بذل الخير والعطاء، أمسك عنا ما عنده، ألا حُبِسَتْ أيديهم عن فعل الخير والعطاء، وطُرِدُوا من رحمة الله بقولهم هذا، بل يداه عز وجل مبسوطتان بالخير والعطاء، ينفق كيف يشاء، يبسط ويقبض، لا حاجر عليه ولا مُكْره له، ولا يزيد اليهود ما أنزل إليك -أيها الرسول- إلا تجاوزًا للحد وجحودًا؛ ذلك لِمَا هم عليه من الحسد، وأَلقينا بين طوائف اليهود العداوة والبغضاء، كلما جمعوا للحرب، وأعدوا لها عدة، أو تآمروا لإشعالها شَتَّتَ الله جمعهم، وأذهب قوتهم، ولا يزالون يجتهدون في ارتكاب ما فيه فساد في الأرض من السعي لإبطال الإسلام والكيد له والله لا يحب أهل الفساد.

من فوائد الآيات ذمُّ العالم على سكوته عن معاصي قومه وعدم بيانه لمنكراتهم وتحذيرهم منها.

سوء أدب اليهود مع الله تعالى، ذلك لأنهم وصفوه سبحانه بأنه مغلول اليد للخير.

إثبات صفة اليدين، على وجه يليق بذاته وجلاله وعظيم سلطانه.

الإشارة لما وقع فيه بعض طرائف اليهود من الشقاق والاختلاف والعداوة بينهم نتيجة لكفرهم وميلهم عن الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.JAn1N"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله