الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٦٣ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٣ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قوله : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) يعني : هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك .
والربانيون وهم : العلماء العمال أرباب الولايات عليهم ، والأحبار : وهم العلماء فقط .
( لبئس ما كانوا يصنعون ) وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني الربانيين ، أنهم : بئس ما كانوا يصنعون .
يعني : في تركهم ذلك .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال لهؤلاء حين لم ينهوا ، ولهؤلاء حين علموا .
قال : وذلك الأركان .
قال : " ويعملون " و " يصنعون " واحد .
رواه ابن أبي حاتم .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن عطية ، حدثنا قيس ، عن العلاء بن المسيب ، عن خالد بن دينار عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) قال : كذا قرأ .
وكذا قال الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها : إنا لا ننهى .
رواه ابن جرير .
وقال ابن أبي حاتم : ذكره يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن مسلم ، عن أبي الوضاح ، حدثنا ثابت بن سعيد الهمداني قال : رأيته بالري فحدث عن يحيى بن يعمر قال : خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ، ولم ينههم الربانيون والأحبار ، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات .
فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم ، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن المنذر بن جرير عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع ، لم يغيروا ، إلا أصابهم الله منه بعذاب " .
تفرد به أحمد من هذا الوجه .
ورواه أبو داود ، عن مسدد ، عن أبي الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن المنذر بن جرير ، عن جرير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي ، يقدرون أن يغيروا عليه ، فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا " .
وقد رواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد ، عن وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبيد الله بن جرير عن أبيه ، به .
قال الحافظ المزي : وهكذا رواه شعبة ، عن إسحاق به .
القول في تأويل قوله : لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الرشى في الحكم، من اليهود من بني إسرائيل، (49) ربانيوهم= وهم أئمتهم المؤمنون، وساستهم العلماء بسياستهم (50) = وأحبارهم، وهم علماؤهم وقوادهم (51) =" عن قولهم الإثم " يعني: عن قول الكذب والزور، وذلك أنهم كانوا يحكمون فيهم بغير حكم الله، ويكتبون كتبًا بأيديهم ثم يقولون: " هذا من حكم الله، وهذا من كتبه ".
يقول الله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [سورة البقرة: 79].
* * * وأما قوله: " وأكلهم السحت "، فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به.
* * * وقد بينا معنى " الربانيين " و " الأحبار " ومعنى " السحت "، بشواهد ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(52) * * * =" لبئس ما كانوا يصنعون "، وهذا قسم من الله أقسم به، يقول تعالى ذكره: أقسم: لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار، في تركهم نهيَ الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت، عما كانوا يفعلون من ذلك.
* * * وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوفَ عليهم منها.
12238 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم " قال: ما في القرآن آية، أخوف عندي منها: أَنَّا لا ننهى.
(53) 12239 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا من هذه الآية: ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ) قال: كذا قرأ.
(54) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 12240 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت " [قال: " الربانيون والأحبار "، فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم.
قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية!].
(55) 12241 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون "، يعني: الربانيين، أنهم: لبئس ما كانوا يصنعون.
------------------- الهوامش : (43) انظر تفسير"المسارعة" فيما سلف 10: 404 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(44) انظر تفسير"الإثم" فيما سلف 9: 196 ، 197 ، ثم سائر فهارس اللغة.
(45) في المطبوعة: "في أحكام اليهود" ، والصواب من المخطوطة.
(46) قوله: "وذلك الإدهان"حذفت من المطبوعة ، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة هكذا: "قال: وذلك الإركان" ، وصواب قراءته ما أثبت.
و"الإدهان": اللين والمصانعة ، في الدين وفي كل شيء ، وفي التنزيل: "ودوا لو تدهن فيدهنون".
(47) انظر تفسير"العدوان" فيما سلف 9: 362 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(48) انظر تفسير"السحت" فيما سلف 10: 317- 324.
(49) انظر تفسير"لولا" بمعنى: "هلا" ، فيما سلف 2: 552 ، 553.
(50) انظر تفسير"الربانيون" فيما سلف 5: 540- 544/10: 341- 343 (51) انظر تفسير"الأحبار" فيما سلف 6: 543 ، 544/10: 341- 343 (52) انظر التعليقات السالفة قريبًا.
(53) الأثر: 12238-"عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الهمداني" ، أبو عبد الرحمن الخريبي.
كان ثقة عابدًا ، وكان عسرًا في الرواية.
مترجم في التهذيب.
(54) الأثر: 12239-"ابن عطية" هو: "الحسن بن عطية بن نجيح القرشي" ، أبو علي البزار مضى برقم: 1939 ، 4962 ، 7535 ، 8961 ، 8962.
وهو الذي يروي عنه أبو كريب ويقول: "ابن عطية" ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أبو عطية".
وهو خطأ.
و"قيس" ، هو"قيس بن الربيع الأسدي" ، مضى برقم: 159 ، 4842 ، 5413 ، 6892 ، 7535.
و"العلاء بن المسيب بن رافع الأسدي" ، مضى برقم: 3789.
و"خالد بن دينار التميمي السعدي" مضى برقم: 44 ، ولم يدرك ابن عباس.
(55) الأثر: 12240- كان في المطبوعة"...
وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون" ، أتم الآية ، وليس للخبر تتمة.
أما المخطوطة ، فليس فيها تتمة الآية ولا تتمة الخبر ، والذي أثبته من الدر المنثور 1: 296 قال: "وأخرج عبد بن حميد من طريق سلمة بن نبيط..." ، وساق الأثر كما أثبته.
قوله تعالى : لولا ينهاهم الربانيون والأحبار لولا بمعنى فلا .
ينهاهم يزجرهم .
الربانيون علماء النصارى .
والأحبار ) علماء اليهود قاله الحسن ، وقيل الكل في اليهود ; لأن هذه الآيات فيهم .
ثم وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال : لبئس ما كانوا يصنعون كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله : لبئس ما كانوا يعملون ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر ; فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد مضى القول في هذا المعنى في ( البقرة ) و ( آل عمران ) ، وروى سفيان بن عيينة قال : حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال : بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال : يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه : ( أن به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط ) ، وفي صحيح الترمذي : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) ، وسيأتي .
والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة ; يقال : سيف صنيع إذا جود عمله .
{ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ْ} أي: هلا ينهاهم العلماء المتصدون لنفع الناس، الذين من الله عليهم بالعلم والحكمة -عن المعاصي التي تصدر منهم، ليزول ما عندهم من الجهل، وتقوم حجة الله عليهم، فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبونهم في الخير ويرهبونهم من الشر { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ْ}
( لولا ) هلا ( ينهاهم الربانيون والأحبار ) يعني : العلماء ، قيل : الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود ، ( عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) .
«لولا» هلا «ينهاهم الربَّانيون والأحبار» منهم «عن قولهم الإثم» الكذب «وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعونـ» ـه ترك نهيهم.
هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان أئمتُهم وعلماؤهم، عن قول الكذب والزور، وأكل أموال الناس بالباطل، لقد ساء صنيعهم حين تركوا النهي عن المنكر.
ثم وبخ - سبحانه - رؤساء هؤلاء اليهود على سكوتهم على المنكر فقال :( لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت ) .و ( لولا ) هنا للحض على الفعل في المستقبل ، وللتوبيخ على تركه في الماضي فهي لتوبيخ علماء اليهود على تركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الماضي .
ولحضهم على مباشرتهم في المستقبل .
وهي هنا بمعنى هلا .والربانيون : كما يقول ابن جرير - جمع رباني .
وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس ، وتدبير أمورهم ، والقيام بمصالحهم .والأحبار - جمع حبر - وهم علماء اليهود وفقهاؤهم المفسرون لما ورد في التوراة من أقوال وأحكام .والمعنى : إن هؤلاء دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام ، فهلا ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة ، وعن تلك المآكل الخبيثة التي أكلوها عن طريق السحت .والسحت - كما سبق أن بينا - هو المال الحرام كالربا والرشوة .
سمي سحتا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة أي مقطوعها .
أو لأنه يذهب فضيلة الإِنسان ويستأصلها واليهود أرغب الناس في المال الحرام وأحرصهم عليه .وقد وبخ الله - تعالى - علماء اليهود وفقهاءهم على عدم نهيهم لهم عن قولهم الإِثم وأكلهم السحت ، لأن هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل ، إذ القول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه الإِنسان هانت عليه الفضائل ، وقال في الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء .وأكل السحت يقتل في نفسه المروءة والشرف ، ويجعله يستهين بحقوق الناس وأموالهم .ولقد ألف علماء اليهود أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن هذا الأكل سيغفره الله لهم ، ألا ترى قول الله - تعالى - : ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) قال بعض العلماء : واقتصر - سبحانه - في توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن قول الإِثم وأكل السحت ، ولم يذكر العدوان - الذي ورد في الآية السابقة إيماء إلى أن العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون في زجرهم إلى غيرهم لأن الاعتماد في النصرة على غير المجني عليه ضعف .وقوله : ( لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) تذييل قصد به ذم علماء اليهود بسبب تركهم لفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .وقوله : ( يَصْنَعُونَ ) من الصنع وهو العمل بدقة ومهارة وإحكام .أي : والله لبئس الصنع صنعهم حيث تركوا نهى عامتهم عن قول الإِثم وأكل السحت .وقد تكلم المفسرون عن السر في أن الله تعالى - ذم اليهود بقوله : ( لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) وذم علماءهم وفقهاءهم بقوله : ( لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) .وقد أجاد الكلام عن ذلك الإِمام الرازي فقال : والمعنى ، أن الله - تعالى - استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ام نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي ، وذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، لأنه - تعالى - ذم الفريقين .
.
بل نقول : إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى ، لأنه - سبحانه - قال في المقدمين على الإِثم والعدوان وأكل السحت ( لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر ( لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) والصنع أقوى من العمل ، لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار راسخا متمكنا ، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ .
وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا .
والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن المعصية مرض الروح ، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه ، فإذا حصل هذا العلم ومازالت المعصية كان كمثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء إلا أن المرض بقي كما هو .وقال ابن جرير : كان العلماء يقولون : ما في القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ، ولا أخوف عليهم منها .وقال ابن كثير : روى الإِمام أحمد عن جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل المعاصي ، هم أعز منه وأمنع ، ولم يغيروا ، إلا أصابهم الله منه بعذاب " .وروى ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر قال : خطب علي بن أبي طالب ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس!!
إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار .
فلما تمادوا أخذتهم العقوبات .
فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم .
واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ، ولا يقرب أجلا .وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد وبخت اليهود على حسدهم للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله ، ووصفتهم بجملة من الصفات الذميمة حتى يحذرهم المؤمنون ، ويجعلوا ولاءهم لله ولرسوله ولإِخوانهم في العقيدة والدين .
معنى ﴿ لَوْلاَ ﴾ هاهنا التحضيض والتوبيخ، وهو بمعنى هلا، والكلام في تفسير الربانيين والأحبار قد تقدم.
قال الحسن: الربانيون علماء أهل الإنجيل، والأحبار علماء أهل التوراة.
وقال غيره: كله في اليهود لأنه متصل بذكرهم، والمعنى أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي، وذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه، لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد، بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقراً راسخاً متمكناً، فجعل جرم العاملين ذنباً غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنباً راسخاً، والأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال، فكما أن هناك يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول، فكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دلّ على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة، وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن، وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الإثم الكذب بدليل قوله تعالى: ﴿ عَن قَوْلِهِمُ الإثم ﴾ .
﴿ والعدوان ﴾ الظلم.
وقيل: الإثم كلمة الشرك.
وقولهم عزير ابن الله.
وقيل: الإثم ما يختص بهم.
والعدوان: ما يتعداهم إلى غيرهم.
والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة ﴿ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير لأن كل عامل لا يسمى صانعاً، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرّب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشدّ حالاً من المواقع.
ولعمري إن هذه الآية مما يقد السامع وينعي على العلماء توانيهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي أشدّ آية في القرآن.
وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ تَحْضِيضٌ لِعُلَمائِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّ لَوْلا إذا دَخَلَ عَلى الماضِي أفادَ التَّوْبِيخَ وإذا دَخَلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ أفادَ التَّحْضِيضَ.
﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَبِئْسَ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ مِن حَيْثُ إنَّ الصُّنْعَ عَمَلُ الإنْسانِ بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ، ولِذَلِكَ ذَمَّ بِهِ خَواصَّهم ولِأنَّ تَرْكَ الحِسْبَةِ أقْبَحُ مِن مَواقَعَةِ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ النَّفْسَ تَلْتَذُّ بِها وتَمِيلُ إلَيْها ولا كَذَلِكَ تَرْكُ الإنْكارِ عَلَيْها فَكانَ جَدِيرًا بِأبْلَغَ الذَّمِّ.
<div class="verse-tafsir"
لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)
{لولا} هلا وهو تخصيض
المائدة (٦٣ _ ٦٥)
{ينهاهم الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} هذا ذم للعلماء والأول للعامة وعن ابن عباس رضى الله عنهما هي أشد آية في القرآن حيث أنزل تارك النهي عن المنكر منزلة مرتكب المنكر فى الوعيد
﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ التَّوْراةِ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلُّهم في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ يَتَّصِلُ بِذِكْرِهِمْ، و( لَوْلا ) الدّاخِلَةُ عَلى المُضارِعِ - كَما قَرَّرَهُ ابْنُ الحاجِبِ وغَيْرُهُ - لِلتَّحْضِيضِ، والدّاخِلَةُ عَلى الماضِي لِلتَّوْبِيخِ، والمُرادُ هُنا تَحْضِيضُ الَّذِينَ يَقْتَدِي بِهِمْ أفَناؤُهم - ويَعْلَمُونَ قَباحَةَ ما هم فِيهِ، وسُوءَ مَغَبَّتِهِ - عَلى نَهْيِ أسافِلِهِمْ.
﴿ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقُبْحِهِما، واطِّلاعِهِمْ عَلى مُباشَرَتِهِمْ لَهُما، وفي البَحْرِ: إنَّ هَذا التَّحْضِيضَ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَهم عَلى السُّكُوتِ وتَرْكِ النَّهْيِ ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ السّابِقِ في نَظِيرِهِ، خَلا أنَّ هَذا أبْلَغُ مِمّا تَقَدَّمَ في حَقِّ العامَّةِ؛ لِما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ أنَّ الفِعْلَ ما صَدَرَ عَنِ الحَيَوانِ مُطْلَقًا، فَإنْ كانَ عَنْ قَصْدٍ سُمِّيَ عَمَلًا، ثُمَّ إنْ حَصَلَ بِمُزاوَلَةٍ وتَكَرُّرٍ حَتّى رَسَخَ وصارَ مَلِكَةً لَهُ سُمِّيَ صُنْعًا وصَنْعَةً وصِناعَةً، فَلِذا كانَ الصُّنْعُ أبْلُغَ لِاقْتِضائِهِ الرُّسُوخَ، ولِذا يُقالُ لِلْحاذِقِ: صانِعٌ، ولِلثَّوْبِ الجَيِّدِ النَّسْجِ: صَنِيعٌ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ أقْبَحُ مِنَ الِارْتِكابِ، ووُجِّهَ بِأنَّ المُرْتَكِبَ لَهُ في المَعْصِيَةِ لَذَّةٌ وقَضاءُ وطَرٍ بِخِلافِ المُقِرِّ لَهُ، ولِذا ورَدَ: إنَّ جُرْمَ الدَّيُّوثِ أعْظَمُ مِنَ الزّانِيَيْنِ.
واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ عَنِ الزِّنا والقَتْلِ أشَدُّ إثْمًا مِنهُما، وهو بَعِيدٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ إثْمُ تَرْكِ النَّهْيِ - مِمَّنْ يُؤَثِّرُ نَهْيُهُ كَفَّ المَنهِيِّ عَنْ فِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ - أشَدَّ مِن إثْمِ المُرْتَكِبِ كَيْفَما كانَ مُرْتَكَبُهُ قَتْلًا أوْ زِنًا أوْ غَيْرَهُما.
وقالَ الشِّهابُ: إنَّ قَيْدَ الأشَدِّيَّةِ يَخْتَلِفُ بِالِاعْتِبارِ، فَكَوْنُهُ أشَدَّ بِاعْتِبارِ ارْتِكابِ ما لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ يُنافِي كَوْنَ المُباشِرَةِ أكْثَرَ إثْمًا مِنهُ، فَتَأمَّلْ.
وفِي الآيَةِ مِمّا يُنْعى عَلى العُلَماءِ تَوانِيهِمْ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ ما لا يَخْفى، ومِن هُنا قالَ الضَّحّاكُ: ما أخْوَفَنِي مِن هَذِهِ الآيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وقُرِئَ: ( لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ العُدْوانَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ).
<div class="verse-tafsir"
وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ يعني: المعصية وَالْعُدْوانِ يعني: الظلم، وهو الشرك، وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني: الرشوة في الأحكام، لَبِئْسَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: لبئس ما كانوا يتزودون من دنياهم لآخرتهم.
ثم قال: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ يعني: هلاّ ينهاهم الربانيون يعني: علماؤهم وعبادهم.
وإنما شكا من علماء السوء الذين لا يأمرون بالمعروف، ويجالسونهم، ويؤاكلونهم، وكل عالم لم يأمر بالمعروف، ويجالس أهل الظلم، والمعصية، فإنه يدخل في هذه الآية، فقال: وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ حين لم ينهوهم عن قولهم الإثم، وأكلهم السحت، ورضوا بفعلهم.
قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وذلك أن الله تعالى قد بسط عليهم الرزق، فلما عصوه وجحدوا نعمته، قتر عليهم الرزق، فقالوا عند ذلك: يد الله محبوسة عن البسط، فأمسك عنا الرزق.
قال الله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ يعني: أمسكت أيديهم عن الخير، ويقال: هذا وعيد لهم، غلت أيديهم في نار جهنم.
ويقال: جُعِلوا بخلاء، فلا يعطون الناس شيئاً مما أعطاهم الله تعالى.
ثم قال: وَلُعِنُوا بِما قالُوا يعني: عُذِّبوا وطُرِدوا من رحمة الله، لقولهم ذلك.
ثم قال: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يعني: رزقه واسع باسط على خلقه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ يقول: يرزق لمن يشاء مقدار ما يشاء، فله خزائن السموات والأرض.
وهذا كما روي عن رسول الله أنه قال: «قَالَ الله تَعَالى: لَوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، سَأَلَ كُلُّ رَجُلٍ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ، لَمْ يَنْقُصْ ذلك مِنْ خَزَائِنِ مُلْكِي مِقْدَارَ مَا يُغْتَرَفُ مِنَ البَحْرِ بِرَأسِ إبْرَةٍ وَاحِدَةٍ» .
ثم قال تعالى: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ يعني: من اليهود، مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن، مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً يعني: تمادياً بالمعصية، وَكُفْراً وجحوداً بالقرآن يعني: كل ما نزل عليك شيء من القرآن كفروا به، فيزيد جحودهم في طغيانهم، وإنما نسب ذلك إلى ما أنزله، لأن ذلك سبب لطغيانهم وجحودهم.
وهذا كما قال في آية أخرى: وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: 82] يعني: أن ذلك سبب لخسرانهم.
ثم قال تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: جعلهم الله مختلفين في دينهم، متباغضين كما قال في آية أخرى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: 14] .
ثم قال: كُلَّما أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ يقول: كلما أجمعوا أمرهم على المكر بمحمد وأصحابه فرقه الله تعالى، وأطفأ نار مكرهم، أي: يسكته الله تعالى، ووهن أمرهم، وهذا على وجه الكناية كما قال: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي، كانَتْ عَلَيْهِمْ ثم قال: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً يعني: يعملون فيها بالمعاصي، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله تعالى، وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ يعني: لا يرضى بعمل الذين يعملون بالمعاصي، والله لا يحب أهل الفساد، ولا عملهم.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
أَكْثَرَكُمْ، من حيث إنَّ فيهم مَنْ آمن كابن سلام وغيره.
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)
وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً، يعني: مرجعاً عند اللَّه يوم القيامة ومنه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ [البقرة: ١٢٥] ، ومشى المفسِّرون في هذه الآية على أنَّ الذين أُمِرَ- عليه السلام- أنْ يقول لهم: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ هم اليهودُ والكُفَّار المتَّخِذُون دينَنَا هُزُواً ولعباً قال ذلك «١» الطبريُّ «٢» ، وتُوبِعَ عليه، ولم يُسْنِدْ في ذلك إلى متقدِّم شيئاً، والآيةُ تحتملُ أنْ يكون القول للمؤمنين، أي: قُلْ يا محمَّد، للمؤمنين: هَلْ أنبئكم بِشَرٍّ مِنْ حال هؤُلاء الفاسِقِينَ في وَقْتِ المَرْجِعَ إلى اللَّهِ أولئك أسلافهم الَّذين لعنهم اللَّه، وغَضِبَ عليهم.
وقوله سبحانه: وَجَعَلَ، هِيَ بمعنى «صَيَّرَ» ، وقد تقدَّم قصص مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في «البقرة» ، وعَبَدَ الطَّاغُوتَ: تقديره: ومَنْ عبَدَ الطاغوتَ، وقرأ حمزةُ وحده «٣» «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» - بفتحِ العين، وضمِّ الباءِ، وكسرِ التاء مِنَ الطاغوت- وذلك أنَّ «عَبُدَ» لفظُ مبالغةٍ كقَدُسَ.
قال الفَخْر: قيل: الطاغوتُ هنا: العِجْلُ، وقيل: الطاغوتُ أحبارهم، وكلُّ من أطاع أحداً في معصية اللَّهِ فقد عبده.
انتهى.
ومَكاناً: يحتمل أن يريد في الآخرةِ، فالمكان على وجْهه، أي: المحلّ إذْ محلُّهم جهنَّم، ويحتملُ أنْ يريد في الدنيا، فهي استعارةٌ للمكانةِ، والحالة.
وقوله سبحانه: وَإِذا جاؤُكُمْ يعني: اليهودَ، وخاصَّة المنافقين منهم قاله ابن
﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ "لَوْلا": بِمَعْنى: "هَلّا"، و "الرَّبّانِيُّونَ" مَذْكُورُونَ في (آلِ عِمْرانَ)، و "الأحْبارُ" قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في هَذِهِ السُّورَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن أشَدِّ الآياتِ عَلى تارِكِي الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ فاعِلِ المُنْكَرِ وتارِكِ الإنْكارِ في الذَّمِّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ﴾ ﴿ وَتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ عن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كُلَّما أوقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا واللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "جاؤُوكُمْ"؛ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وخاصَّةً لِلْمُنافِقِينَ؛ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم دَخَلُوا وهم كُفّارٌ؛ وخَرَجُوا كَذَلِكَ؛ لَمْ تَنْفَعْهُمُ المَوْعِظَةُ؛ ولا نَفَعَ فِيهِمُ التَذْكِيرُ؛ وقَوْلُهُ: "وَهُمْ"؛ تَخْلِيصٌ مِنَ احْتِمالِ العِبادَةِ أنْ يَدْخُلَ قَوْمٌ بِالكُفْرِ ثُمَّ يُؤْمِنُوا؛ ويَخْرُجَ قَوْمٌ وهم كَفَرَةٌ؛ فَكانَ يَنْطَبِقُ عَلى الجَمِيعِ: "وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وقَدْ خَرَجُوا بِهِ"؛ فَأزالَ الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ ﴾ ؛ أيْ: هم بِأعْيانِهِمْ؛ ثُمَّ فَضَحَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ: "وَتَرى"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي: "يُسارِعُونَ"؛ وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ "يُسارِعُونَ" حالٌ.
و"فِي الإثْمِ"؛ مَعْناهُ: في مُوجِباتِ الإثْمِ؛ إذِ الإثْمُ إنَّما هو الحُكْمُ المُعَلَّقُ بِصاحِبِ المَعْصِيَةِ؛ والنِسْبَةُ الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها إذا وقَعَ الذَنْبُ؛ وهو مِن هَؤُلاءِ: كُفْرُهُمْ؛ و"والعُدْوانِ"؛ مَصْدَرٌ مِن: "عَدا الرَجُلُ"؛ إذا ظَلَمَ؛ وتَجاوَزَ الحَدَّ؛ و"اَلسُّحْتَ"؛ هو الرِشا؛ وَسائِرُ مَكْسَبِهِمُ الخَبِيثِ؛ واللامُ في "لَبِئْسَ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "والعِدْوانِ" بِكَسْرِ العَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ ؛ تَخْصِيصٌ في ضِمْنِهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ إذْ تَرَكُوا اللازِمَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: كُلُّ العُلَماءِ يَقُولُونَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ هي أشَدُّ تَوْبِيخًا لِلْعُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا أخْوَفُ عَلَيْهِمْ مِنها؛ وقالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفُ عِنْدِي مِنها؛ أنّا لا نَنْهى؛ وقالَ نَحْوَ هَذا ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَرَأ الجَرّاحُ؛ وأبُو واقِدٍ: "اَلرَّبّانِيُّونَ"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ واحِدُهُمْ: رِبِّيٌ؛ إمّا مَنسُوبٌ إلى عِلْمِ الرَبِّ؛ وإمّا مِن تَرْبِيَةِ الناسِ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ؛ وزِيدَتِ النُونُ في نِسْبَتِهِ مُبالَغَةً؛ كَـ "شَعْرانِيٌّ"؛ و"مَنظَرانِيٌّ"؛ و"مَخْبَرانِيٌّ"؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلرَّبّانِيُّ: عالِمُ الإنْجِيلِ؛ والحَبْرُ: عالِمُ التَوْراةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ في "اَلرَّبّانِيُّ"؛ شاذٌّ بَعِيدٌ.
و"اَلْأحْبارُ": واحِدُهم "حَبْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وفَتْحِها؛ وهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ لا يُعْنُونَ لِإصْلاحِ الناسِ؛ ولا يَكْلُفُونَ ذَلِكَ؛ والرَبّانِيُّ هو العالِمُ المُدَبِّرُ المُصْلِحُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن قَوْلِهِمُ الإثْمَ ﴾ ؛ ظاهِرٌ أنَّ الإثْمَ هُنا يُرادُ بِهِ الكُفْرُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سائِرُ أقْوالِهِمُ المُنْكَرَةِ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "بِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ"؛ بِغَيْرِ لامِ قَسَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ كَبِيرَةٍ مِن أقْوالِهِمْ وكُفْرِهِمْ؛ أيْ: "فَمَن يَقُولُ هَذِهِ العَظِيمَةَ فَلا يُسْتَنْكَرُ عَلَيْهِ أنْ يُنافِقَ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ؛ ويَسْعى في رَدِّ أمْرِ اللهِ الَّذِي أوحاهُ إلَيْكَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمُ التَبْخِيلُ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَحِقَتْهم سِنَةٌ وجَهْدٌ؛ فَقالُوا هَذِهِ العِبارَةَ؛ يَعْنُونَ بِها أنَّ اللهَ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالرِزْقِ؛ والتَوْسِعَةِ؛ وهَذا المَعْنى يُشْبِهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ﴾ ؛ فَإنَّما المُرادُ: "لا تَبْخَلْ"؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ..."؛» اَلْحَدِيثَ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ والنَقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في "فِنْحاصٍ"؛ اَلْيَهُودِيِّ؛ وأنَّهُ قالَها؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: قَوْلُهُمْ: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ؛ إنَّما يُرِيدُونَ: "عن عَذابِهِمْ"؛ فَهي - عَلى هَذا - في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؛ وقالَ السُدِّيُّ: أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْنا مُلْكَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّهم عَنَوْا أنَّ قُوَّتَهُ تَعالى نَقَصَتْ؛ حَتّى غُلِبُوا عَلى مُلْكِهِمْ؛ وظاهِرُ مَذْهَبِ اليَهُودِ -لَعَنَهُمُ اللهُ- في هَذِهِ المَقالَةِ: اَلتَّجْسِيمُ؛ وكَذَلِكَ يُعْطِي كَثِيرٌ مِن أقْوالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ ويَصِحُّ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وأنْ يُرادَ بِهِ الآخِرَةُ؛ وإذا كانَ خَبَرًا عَنِ الدُنْيا فالمَعْنى: "غُلَّتْ أيْدِيهِمْ عَنِ الخَيْرِ؛ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ ؛ ونَحْوِهِ"؛ وإذا كانَ خَبَرًا عَنِ الآخِرَةِ فالمَعْنى: "غُلَّتْ في نارِ جَهَنَّمَ"؛ أيْ: "حُتِمَ هَذا عَلَيْهِمْ؛ ونَفَذَ بِهِ القَضاءُ؛ كَما حُتِمَتْ عَلَيْهِمُ اللَعْنَةُ بِقَوْلِهِمْ هَذا؛ وبِما جَرى مُجْراهُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "وَلُعْنُوا"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وذَلِكَ قَصْدٌ لِلتَّخْفِيفِ؛ لا سِيَّما هُنا لِلْهُبُوطِ مِن ضَمَّةٍ إلى كَسْرَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ ؛ اَلْعَقِيدَةُ في هَذا المَعْنى نَفْيُ التَشْبِيهِ عَنِ اللهِ تَعالى؛ وأنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ ولا لَهُ جارِحَةٌ؛ ولا يُشَبَّهُ؛ ولا يُكَيَّفُ؛ ولا يُتَحَيَّزُ في جِهَةٍ كالجَواهِرِ؛ ولا تُحِلُّهُ الحَوادِثُ؛ تَعالى عَمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ يَداهُ ﴾ ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِيَدَيَّ ﴾ ؛ ﴿ عَمِلَتْ أيْدِينا ﴾ ؛ ﴿ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ ؛ ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ ؛ ﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ ؛ و ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ ؛ ونَحْوِ هَذا؛ فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهُمُ الشَعْبِيُّ ؛ وابْنُ المُسَيِّبِ ؛ وسُفْيانُ -: "يُؤْمَنُ بِهَذِهِ الأشْياءِ؛ وتُقْرَأُ كَما نَصَّها اللهُ ؛ ولا يُعَنُّ لِتَفْسِيرِها؛ ولا يُشَقَّقُ النَظَرُ فِيها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ يَضْطَرِبُ؛ لِأنَّ القائِلِينَ بِهِ يُجْمِعُونَ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عَلى ظاهِرِها في كَلامِ العَرَبِ؛ فَإذا فَعَلُوا هَذا فَقَدْ نَظَرُوا؛ وصارَ السُكُوتُ عَنِ الأمْرِ بَعْدَ هَذا مِمّا يُوهِمُ العَوامَّ؛ ويُتِيهُ الجَهَلَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: "بَلْ تُفَسَّرُ هَذِهِ الأُمُورُ عَلى قَوانِينِ اللُغَةِ؛ ومَجازِ الِاسْتِعارَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفانِينِ كَلامِ العَرَبِ"؛ فَقالُوا في "اَلْعَيْنُ"؛ و"اَلْأعْيُنُ": إنَّها عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ؛ والإدْراكِ؛ كَما يُقالُ: "فُلانٌ مِن فُلانٍ بِمَرْأى ومَسْمَعٍ"؛ إذا كانَ يُعْنى بِأُمُورِهِ؛ وإنْ كانَ غائِبًا عنهُ؛ وقالُوا في "اَلْوَجْهُ": إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ؛ وصِفاتِها؛ وقالُوا في "اَلْيَدُ"؛ و"اَلْيَمِينُ"؛ و"اَلْأيْدِي": إنَّها تَأْتِي مَرَّةً بِمَعْنى "اَلْقُدْرَةُ"؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "لا يَدَ لِي بِكَذا"؛ ومَرَّةً بِمَعْنى "اَلنِّعْمَةُ"؛ كَما يُقالُ: "لِفُلانٍ عِنْدَ فُلانٍ يَدٌ"؛ وتَكُونُ بِمَعْنى "اَلْمِلْكُ"؛ كَما تَقُولُ: "يَدُ فُلانٍ عَلى أرْضِهِ"؛ وهَذِهِ المَعانِي إذا ورَدَتْ عَنِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى- عُبِّرَ عنها بِاليَدِ؛ أوِ الأيْدِي؛ أوِ اليَدَيْنِ؛ اسْتِعْمالًا لِفَصاحَةِ العَرَبِ؛ ولِما في ذَلِكَ مِنَ الإيجازِ؛ وهَذا مَذْهَبُ أبِي المَعالِي؛ والحُذّاقِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهُمُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ -: هَذِهِ كُلُّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى الذاتِ؛ ثابِتَةٌ لِلَّهِ دُونَ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ تَشْبِيهٌ ولا تَحْدِيدٌ؛ وذَكَرَ هَذا الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - في هَذِهِ الآيَةِ -: يَداهُ: نِعْمَتاهُ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في تَعْيِينِ النِعْمَتَيْنِ؛ فَقِيلَ: نِعْمَةُ الدُنْيا؛ ونِعْمَةُ الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: اَلنِّعْمَةُ الظاهِرَةُ؛ والنِعْمَةُ الباطِنَةُ؛ وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ؛ ونِعْمَةُ النَباتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ ؛ عِبارَةٌ عن إنْعامِهِ عَلى الجُمْلَةِ؛ وعَبَّرَ عنهُ بِيَدَيْنِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: "فُلانٌ يُنْفِقُ بِكِلْتا يَدَيْهِ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ - وهو الأعْشى -: يَداكَ يَدا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ ∗∗∗ وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بِالمالِ تُنْفِقُ ويُؤَيِّدُ أنَّ اليَدَيْنِ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ قَرِينَةُ الإنْفاقِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ: "بَلْ يَداهُ بَسْطَتانِ"؛ يُقالُ: "يَدٌ بَسْطَةٌ"؛ أيْ: مُطْلَقَةٌ؛ ورُوِيَ عنهُ: "بَسْطانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ ؛ إعْلامٌ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ مِنَ العُتُوِّ والبُعْدِ عَنِ الحَقِّ بِحَيْثُ إذا سَمِعُوا هَذِهِ الأسْرارَ الَّتِي لَهُمْ؛ والأقْوالَ الَّتِي لا يَعْلَمُها غَيْرُهم تَنْزِلُ عَلَيْكَ؛ طَغَوْا وكَفَرُوا؛ وكانَ نَوْلُهم أنْ يُؤْمِنُوا؛ إذْ يَعْلَمُونَ أنَّكَ لا تَعْرِفُها إلّا مِن قِبَلِ اللهِ ؛ لَكِنَّهم مِنَ العُتُوِّ بِحَيْثُ يَزِيدُهم ذَلِكَ طُغْيانًا؛ وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ الكَثِيرِ؛ إذْ فِيهِمْ مَن آمَنَ بِاللهِ ومَن لا يَطْغى كُلَّ الطُغْيانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ ﴾ ؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ ﴾ ؛ فَهي قَصَصٌ يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ؛ والعَداوَةُ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ فَهو يُبْغِضُ؛ وقَدْ يُبْغِضُ مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ؛ وكَأنَّ العَداوَةَ شَيْءٌ مُشْتَهَرٌ يَكُونُ عنهُ عَمَلٌ وحَرْبٌ؛ والبَغْضاءُ قَدْ لا تُجاوِزُ النُفُوسَ؛ وقَدْ ألْقى اللهُ الأمْرَيْنِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما أوقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ تُنْبِئُ عن فَضِّ جُمُوعِهِمْ؛ وتَشْتِيتِ آرائِهِمْ؛ وتَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ؛ والآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا عن حالِ أسْلافِهِمْ؛ أيْ: مُنْذُ عَصَوْا؛ وعَتَوْا؛ وهَدَّ اللهُ مُلْكَهُمْ؛ رَماهم بِهَذِهِ الأُمُورِ؛ فَهم لا تَرْتَفِعُ لَهم رايَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ولا يُقاتِلُونَ جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ؛ هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ؛ والسُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِما؛ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُلَّما أوقَدُوا نارًا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ أطْفَأها اللهُ ؛ فالآيَةُ عَلى هَذا تَبْشِيرٌ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ وإشارَةٌ إلى حاضِرِيهِ مِنَ اليَهُودِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْعَوْنَ"؛ ﴾ مَعْنى السَعْيِ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْعَمَلُ؛ والفِعْلُ؛ وقَدْ يَجِيءُ السَعْيُ بِمَعْنى الِانْتِقالِ عَلى القَدَمِ؛ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ ﴾ ؛ وإنْ كانَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - قَدْ قالَ في "اَلْمُوَطَّأُ": "إنَّ السَعْيَ في قَوْلِهِ: ﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ ﴾ ؛ إنَّهُ العَمَلُ؛ والفِعْلُ"؛ ولَكِنَّ غَيْرَهُ مِن أهْلِ العِلْمِ جَعَلَهُ: عَلى الأقْدامِ؛ وهو الظاهِرُ بِقَرِينَةِ ضِيقِ الوَقْتِ؛ وبِالتَعْدِيَةِ بِـ "إلى"؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن أفْعالِهِ في الدُنْيا والآخِرَةِ ما يَقْتَضِي المَحَبَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف ﴿ وإذا جاؤوكم ﴾ على قوله: ﴿ وإذا ناديتم إلى الصّلاة اتّخذوها هزؤاً ﴾ [المائدة: 58] الآية، وخصّ بهذه الصّفات المنافقون من اليهود من جملة الّذين اتّخذوا الدّين هزوءاً ولعباً، فاستُكمِل بذلك التّحذيرُ ممّن هذه صفتهم المعلنين منهم والمنافقين.
ولا يصحّ عطفه على صفات أهل الكتاب في قوله: ﴿ وجَعَلَ منهم القردة ﴾ [المائدة: 60] لعدم استقامة المعنى، وبذلك يستغني عن تكلّف وجه لهذا العطف.
ومعنى قوله: ﴿ وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ﴾ أنّ الإيمان لم يخالط قلوبهم طَرْفَةَ عين، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك، لشدّة قسوة قلوبهم، فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما، لأنّ ذلك هو المتعارف، إذ الحالة إذا تبدّلت استمرّ تبدّلها، ففي ذلك تسجيل الكذب في قولهم: آمنّا، والعرب تقول: خرج بغير الوَجه الذي دخل به.
والرؤية في قوله: ﴿ وترى ﴾ بصرية، أي أنّ حالهم في ذلك بحيث لا يخفى على أحد.
والخطاب لكّل من يسمع.
وتقدّم معنى ﴿ يسارعون ﴾ عند قوله: ﴿ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ [النساء: 41].
والإثم: المفاسد من قوللٍ وعمللٍ، أريد به هنا الكذب، كما دلّ عليه قوله: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ .
والعدوانُ: الظلم، والمراد به الاعتداء علي المسلمين إن استطاعوه.
والسحت تقدّم في قوله: ﴿ سمّاعون للكذب أكّالون للسحت ﴾ [المائدة: 42].
و ﴿ لولا ﴾ تحْضيض أريد منه التّوبيخ.
و ﴿ الربّانيون والأحبار ﴾ تقدّم بيان معناهما في قوله تعالى: ﴿ يحكم بها النبيئون ﴾ [المائدة: 44] الآية.
واقتصر في توبيخ الربّانيين على ترك نهيهم عن قول الإثم وأكللِ السحت، ولم يذكر العُدوان إيماء إلى أنّ العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون في زجرهم إلى غيرهم، لأنّ الاعتماد في النصرة على غير المجني عليه، ضعف.
وجملة ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ مستأنفة، ذمّ لصنيع الربّانيين والأحبار في سكوتهم عن تغيير المنكر، و ﴿ يصنعون ﴾ بمعنى يعْلمون، وإنّما خولف هنا ما تقدّم فيّ الآية قبلها للتّفنن، وقيل: لأنّ ﴿ يصنعون ﴾ أدلّ على التمكّن في العمل من ﴿ يعملون ﴾ .
واللام للقسم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ ﴾ يُرِيدُ بِالإثْمِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ والعُدْوانِ ﴾ أيْ ظُلْمِ النّاسِ.
﴿ وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الرُّشا.
والثّانِي: الرِّبا.
﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ أيْ لَبِئْسَ صَنِيعُ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ إذْ لَمْ يَنْهَوْهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا لِلْعُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها: ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْلا ﴾ بِمَعْنى هَلّا.
والرَّبّانِيُّونَ: هم عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ: هم عُلَماءُ التَّوْراةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان ﴾ قال: هؤلاء اليهود ﴿ لبئس ما كانوا يعملون، لولا ينهاهم الربانيون ﴾ إلى قوله: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ ويعملون واحد.
قال: هؤلاء لم ينهوا كما قال لهؤلاء حين عملوا.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت ﴾ قال: كان هذا في أحكام اليهود بين أيديكم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ﴾ وهم الفقهاء والعلماء.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ لولا ينهاهم ﴾ العلماء والأحبار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ قال: حيث لم ينهوهم عن قولهم الإثم وأكلهم السحت.
وأخرج ابن أبي حاتم أن علي رضي الله عنه أنه قال في خطبته: أيها الناس، إنما هلك من هلك قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً ولا يقرِّب أجلاً.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم العدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ﴾ هكذا قرأ.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك ابن مزاحم قال: ما في القرآن آية أخوف عندي من هذه الآية ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ أساء الثناء على الفريقين جميعاً.
وأخرج عبد بن حميد من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ﴾ قال: ﴿ الربانيون والأحبار ﴾ فقهاؤهم وعلماؤهم قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية.
وأخرج أبو داود وابن ماجة عن جرير.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل من المعاصي هم أعز منه وأمنع من أن يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴾ ، معنى لولا ههنا التحضيض والتوبيخ، وهو بمعنى: هلا (١) ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ ، والكلام في الأحبار قد ذكرناه (٢) ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ ﴾ (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ، قال العلماء وأصحاب المعاني: أنزل الله العلماء بترك النكير على سفلتهم فيما صنعوا منزلتهم، لأنه ذم أولئك بقوله: ﴿ ولبئس ما كانوا يعملون ﴾ وذم هؤلاء بمثل تلك اللفظة، فالآية تدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه (٦) (٧) (١) انظر: "زاد المسير" 2/ 391.
(٢) في (ج): (ذكرنا) دون هاء الضمير.
(٣) قد يكون هذا سبقًا أو وهمًا، لأن هذه الآية متأخرة ولأن المؤلف رحمه الله تكلم عن الأحبار بالتفصيل عند قوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴾ الآية 44 من هذه السورة.
(٤) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 76.
(٥) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 205.
(٦) قال الطبري رحمه الله: "وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها" ثم ساق ما يؤيد ذلك بسنده عن ابن عباس والضحاك، "تفسير الطبري" 6/ 298، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 447، "الدر المنثور" 2/ 524.
(٧) "تهذيب اللغة" 2/ 2066 (صنع).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا ﴾ نزلت في منافقين من اليهود ﴿ وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر ﴾ تقديره: ملتبسين بالكفر، والمعنى: دخلوا كفاراً وخرجوا كفاراً، ودخلت قد على دخلوا وخرجوا: تقريباً للماضي من الحال أي ذلك حالهم في دخولهم وخروجهم على الدوام ﴿ الإثم ﴾ الكذب وسائر المعاصي ﴿ والعدوان ﴾ الظلم ﴿ السحت ﴾ الحرام ﴿ لَوْلاَ ينهاهم ﴾ عرض وتحضيض وتقريع ﴿ لَبِئْسَ ﴾ اللام في الموضعين للقسم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هل تنقمون ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام ﴿ وعبد الطاعون ﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة.
الباقون بنصب الطاغوت على أن.
﴿ عبد ﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.
﴿ مبصوطتان ﴾ بالصاد مثل ﴿ وزاده بصطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ رسالته ﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون ﴿ رسالاته ﴾ .
الوقوف: ﴿ من قبل ﴾ لا لعطف ﴿ وأن أكثركم ﴾ على ﴿ أن آمنا ﴾ .
﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿ من لعنه الله ﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿ شر ﴾ لم يقف.
﴿ الطاغوت ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ خرجوا به ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ مغلولة ﴾ ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: ﴿ غلت ﴾ وهو جزاء قولهم ﴿ يد الله مغلولة ﴾ .
﴿ بما قالوا ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ مفعول ﴿ قالوا ﴾ .
﴿ مبسوطتان ﴾ ط لأن قوله: ﴿ ينفق ﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف.
﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ أطفأها الله ﴾ لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر ﴿ فساداً ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ أرجلهم ﴾ ط ﴿ مقتصدة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ رسالته ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب.
﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه.
التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين.
نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته.
وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.
والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟
وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض.
ثم عطف عليه: ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم.
وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر.
ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.
ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.
ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف.
وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك.
والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.
قال ابن عباس: "أتى نفر من اليهود إلى رسول الله فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟
فقال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ﴾ إلى قوله ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ " يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و ﴿ مثوبة ﴾ نصب على التمييز من ﴿ شر ﴾ وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة.
واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.
قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى .
ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.
أما قوله: ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة.
قال الشاعر: أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ *** إلاّ يداً ليست لها عضد وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع.
وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة.
وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل.
والطاغوت ههنا قيل: هو العجل.
وقيل: هو الأحبار.
والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده.
احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله .
وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ أو أنه خذلهم حتى عبدوها ﴿ أولئك ﴾ المعلونون الممسوخون ﴿ شر مكاناً ﴾ من المؤمنين.
قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه.
وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان.
﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ قصده ووسطه.
كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط.
وقوله: ﴿ بالكفر ﴾ وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: ﴿ وقد دخلوا ﴾ ﴿ وهم قد خرجوا ﴾ ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً.
وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله متوقعاً لإظهار الله أسرارهم.
والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: ﴿ دخلوا ﴾ و ﴿ خرجوا ﴾ أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.
وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم.
ونفى أن يكون من النبي في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.
وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي.
﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ.
الإثم الكذب كقوله بعد: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم.
وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله.
وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك.
ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات.
ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت.
وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب.
وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة.
وإنما قال ههنا: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ وفي الأول ﴿ يعملون ﴾ لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ.
وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال.
وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن.
وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة.
والجواب أن الله صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك.
وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب.
وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد.
وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ.
وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ﴾ وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال.
وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: قد أصبحت بيد الشمال زمامها *** /فجازاهم الله بقوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ﴾ وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً.
قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز.
وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره.
﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.
ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله.
ثم إنه ردّ على اليهود بقوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة.
يقال: لفلان عندي يد أشكرها له.
وعلى القوة مثل: ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا.
والمعنى سلب كمال القدرة.
وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال : ﴿ بيده عقدة النكاح ﴾ وقد يراد به شدة العناية قال: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً.
ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها.
وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله.
وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: ﴿ مما عملت أيدينا أنعاماً ﴾ ووجه التوحيد والجمع ظاهر.
وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد.
ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به.
﴿ وليزيدن ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ كثيراً منهم ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ ما أنزل إليك من ربك ﴾ من القرآن والحجج ﴿ طغياناً وكفراً ﴾ مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً ﴿ وألقينا بينهم ﴾ بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود ﴿ العداوة والبغضاء ﴾ لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين.
وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا.
وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ يستخفون كيداً للإسلام وذويه ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي.
وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة.
ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً ﴿ لكفرنا عنهم ﴾ تلك السيآت سترناها عليهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين ﴿ جنات النعيم ﴾ من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله وما أعظم عفوه وغفرانه ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد ، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف.
﴿ وما أنزل إليهم من ربهم ﴾ يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها.
﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض.
ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.
والحاصل أنه وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها.
ثم فصل حالهم فقال: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى.
﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.
ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ عن أبي سعيد الخدري "أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.
اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.
فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" .
وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.
وروي "أنه نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟
فقال: الله.
فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ " وقيل: لما نزلت آية التخيير: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش.
وقيل: لما نزل ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ سكت رسول الله عن عيب آلهتهم فنزلت.
أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها.
وقيل: إنه لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع.
قال: هل بلغت؟
قالوا: نعم.
فقال : "اللهم اشهد" .
فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين.
وقال الحسن: إن نبي الله قال: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوف" .
وقالت عائشة "سهر رسول الله ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟
قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة.
قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟
قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك.
فنام رسول الله حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .
وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية.
فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس" .
ومعنى قوله: ﴿ ما أنزل إليك ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ﴿ وإن لم تفعل ﴾ ما أمرتك به كما أمرتك به ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع.
ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة.
فإن قيل: معنى قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟
فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها.
أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه قال: "بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " .
فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟
فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد.
أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون.
ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: ﴿ لستم على شيء ﴾ أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد.
ومعنى ﴿ فلا تأس ﴾ لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك.
يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن.
ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف.
وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف.
وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: ﴿ والصابئون ﴾ عطف على ماذا؟
فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل ﴿ الذين ﴾ لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان.
وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان.
وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال.
فإذن ﴿ الصابئون ﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.
التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.
﴿ أولئك شر مكاناً ﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.
الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة.
﴿ غلت أيديهم ﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وكل إناء يرشح بما فيه.
ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية قال: " "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء" بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/الكافرين من العواية والخذلان.
﴿ وألقينا بينهم العداوة ﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن.
ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ إلى أعلى مقاماتهم.
من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة.
فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه.
فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة.
وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ ﴿ والله يعصمك ﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله.
يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج.
فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله : ﴿ وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ الآية.يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ : من ملوكهم وعوامهم.
﴿ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ ﴾ ، أي: في قول الكفر والعدوان، والعدوان: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، ويسارعون - أيضاً - في أكل السحت.
والسحت، قيل: هو كل محرم، وقيل: هو الرشوة في الحكم، عن عمر - - أنه قال: الرشوة: هي الكفر، وأما السحت: هو أن يرفع حاجة أخيه إلى السلطان فيأكل عنده، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
ثم قال على أثر ذلك: قوله : ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ .
عاتب الله - عز وجل - الربانيين والأحبار عن تركهم نهي أولئك عن صنيعهم، وأشركهم في الإثم شرعاً سواء؛ ليعلموا أن العامل بالإثم والمعصية والراضي به والتارك النهي عن ذلك - سواء، وفيه دلالة أن تارك النهي عن المنكر يلحقه من الإثم ما يلحق الفاعل به.
والربانيون والأحبار قد ذكرنا فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
هلَّا يزجرهم أئمتهم وعلماؤهم عما يسارعون إليه من قول الكذب وشهادة الزور وكل أموال الناس بالباطل، لقد ساء صنيع أئمتهم وعلمائهم الذين لا ينهونهم عن المنكر.
<div class="verse-tafsir" id="91.Ojv2k"