الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٦٩ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٩ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( إن الذين آمنوا ) وهم : المسلمون ( والذين هادوا ) وهم : حملة التوراة ( والصابئون ) - لما طال الفصل حسن العطف بالرفع .
والصابئون : طائفة بين النصارى والمجوس ليس لهم دين .
قاله مجاهد وعنه : بين اليهود والمجوس .
وقال سعيد بن جبير : بين اليهود والنصارى وعن الحسن [ والحكم ] إنهم كالمجوس .
وقال قتادة : هم قوم يعبدون الملائكة ، ويصلون إلى غير القبلة ، ويقرءون الزبور .
وقال وهب بن منبه : هم قوم يعرفون الله وحده ، وليست لهم شريعة يعملون بها ، ولم يحدثوا كفرا .
وقال ابن وهب : أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه قال : الصابئون : قوم مما يلي العراق وهم بكوثى وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ، ويصومون كل سنة ثلاثين يوما ، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات .
وقيل غير ذلك .
وأما النصارى فمعروفون ، وهم حملة الإنجيل .
والمقصود : أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر ، وهو المعاد والجزاء يوم الدين ، وعملت عملا صالحا ، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك ( فلا خوف عليهم ) فيما يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ( ولا هم يحزنون ) وقد تقدم الكلام على نظيراتها في سورة البقرة ، بما أغنى عن إعادته .
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام=" والذين هادوا "، وهم اليهود (42) = " والصابئون "، وقد بينا أمرهم (43) =" والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر "، فصدّق بالبعث بعد الممات=" وعمل "، من العمل=" صالحًا " لمعاده " فلا خوف عليهم "، فيما قَدِموا عليه من أهوال القيامة=" ولا هم يحزنون "، على ما خلَّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه.
(44) * * * وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.
(45) ----------------- الهوامش : (42) انظر تفسير"هاد" فيما سلف ص: 341 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(43) انظر تفسير"الصابئون" فيما سلف 2: 145- 147.
(44) انظر تفسير"عمل صالحًا" فيما سلف 2: 148 (وفهارس اللغة).
= وتفسير"اليوم الآخر" ، فيما سلف من فهارس اللغة (أخر).
= وتفسير"لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" فيما سلف 2: 150 ، وسائر فهارس اللغة.
(45) انظر ما سلف 3: 352- 354/ ثم انظر الموضع الذي أشار إليه 9: 395- 399.
ثم انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1: 105- 108 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 172 ، ومشكل القرآن لابن قتيبة: 36- 39.
قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنونتقدم الكلام في هذا كله فلا معنى لإعادته .
والذين هادوا معطوف ، وكذا والصابئون معطوف على المضمر في هادوا في قول الكسائي والأخفش .
قال النحاس : سمعت الزجاج يقول : وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي : هذا خطأ من جهتين ; إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكد .
والجهة الأخرى أن المعطوف [ ص: 182 ] شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال ، وقال الفراء : إنما جاز الرفع في والصابئون لأن إن ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر ; والذين هنا لا يتبين فيه الإعراب فجرى على جهة واحدة الأمران ، فجاز رفع الصابئين رجوعا إلى أصل الكلام .
قال الزجاج : وسبيل ما يتبين فيه الإعراب وما لا يتبين فيه الإعراب واحد ، وقال الخليل وسيبويه : الرفع محمول على التقديم والتأخير ; والتقدير : إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك ، وأنشد سيبويه وهو نظيره :وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاقوقال ضابئ البرجمي :فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريبوقيل : إن بمعنى " نعم " فالصابئون مرتفع بالابتداء ، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه ، فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الاسم والخبر ، وقال قيس الرقيات :بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنهويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنهقال الأخفش : ( إنه ) بمعنى ( نعم ) ، وهذه ( الهاء ) أدخلت للسكت .
يخبر تعالى عن أهل الكتب من أهل القرآن والتوراة والإنجيل، أن سعادتهم ونجاتهم في طريق واحد، وأصل واحد، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر [والعمل الصالح] فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فله النجاة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا منها.
وهذا الحكم المذكور يشمل سائر الأزمنة.
( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى ) وكان حقه : ) ( والصابئين ) وقد ذكرنا في سورة البقرة وجه ارتفاعه .
وقال سيبويه : فيه تقديم وتأخير تقديره : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله إلى آخر الآية ، والصابئون كذلك ، وقوله : ( إن الذين آمنوا ) أي : باللسان ، وقوله : ( من آمن بالله ) أي : بالقلب ، وقيل : الذين آمنوا على حقيقة الإيمان ( من آمن بالله ) أي : ثبت على الإيمان ، ( واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
«إن الذين آمنوا والذين هادوا» هم اليهود مبتدأ «والصابئون» فرقة منهم «والنصارى» ويبدل من المبتدأ «من آمن» منهم «بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» في الآخرة خبر المبتدأ ودال على خبر إن.
إن الذين آمنوا (وهم المسلمون) واليهود، والصابئين (وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه) والنصارى (وهم أتباع المسيح) من آمن منهم بالله الإيمان الكامل، وهو توحيد الله والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وآمن باليوم الآخر، وعمل العمل الصالح، فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما تركوه وراءهم في الدنيا.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الناس أمامه سواء وأنه لا تفاضل بينهم إلا بالإِيمان والعمل الصالح ، وأن الإِيمان الحق يقطع ما قبله من عقائد زائفة .
وأفعال سيئة فقال - تعالى - :( إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين .
.
.
)الآية الكريمة تبين أن أساس النجاة يوم القيامة هو الإِيمان بالله واليوم الآخر ، وما يستتبع ذلك من أفعال طيبة وأعمال صالحة .وقد ذكر - سبحانه - في هذه الآية أربع فوق من الناس :أما الفرقة الأولى : فهي فرقة المؤمنين ، وهم الذين عبر عنهم - سبحانه - بقوله : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ ) أي : آمنوا إيمانا صادقاً ، بأن أذعنوا للحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وابتعوه في كل ما جاء به .وقد ابتدأ القرآن بهم لشرفهم وعلو منزلتهم وللإِشعار بأن دين الإِسلام دين قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإِيمان الصادق والعمل الصالح ، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك .والفرقة الثانية : فرقة الذين هادوا .
أي اليهود .
يقال : هاد وتهود إذا دخل في اليهودية .
وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب - عليه السلام - وقد قلبت الذل في كلمة يهوذا دالا في التعريب .
أو سموا حين تابوا من عبادة العجل من هاد يهود هودا بمعنى تاب ومنه قوله - تعالى - ( إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ) أي : تبنا ورجعنا إليك .والفرقة الثالثة : فرقة الصائبين جمع صابئ وهو الخارج من دين إلى دين .
يقال صبا الظلف والناب والنجم - منع وكرم- إذا طلع .والمراد بهم قوم يعبدون الملائكة ، أو الكواكب ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم ، ولا تزال بقية منهم تعيش في تخوم العراق ، ومن العسير الجزم بحقيقة معتقدهم ، لأنهم أكتم الناس لعقائدهم .وأما الفرقة الرابعة : فهي فرقة النصارى جمع نصران بمعنى نصراني قيل سموا بذلك لأنهم ادعوا أنهم أنصار عيسى - عليه السلام - وقيل مسوا بذلك نسبة إلى قرية الناصرة التي ظهر بها عيسى - عليه السلام - واتبعه بعض أهلها .والإِيمان المشار إليه في قوله : ( مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ) يفسره بعض العلماء بالنسبة لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإِيمان منهم على النحو الذي قرره الإِسلام .
فمن لم تبلغه منهم دعوة الإِسلام ، وكان ينتمي إلى دين صحيح في أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقوم بالعمل الصالح على الوجه الذي يرشده إليه دينه ، فله أجره على ذلك عند ربه .أما الذين بلغتهم دعوة الإِسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها؛ فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا أنهم يؤمنون بغيرها؛ لأن شريعة الإِسلام قد نسخت ما قبلها ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " .ويفسرونه - أي الإِيمان المشار إليه سابقا - بالنسبة للمؤمنين الذين عبر الله عنهم بقوله : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ ) على أنه بمعنى الثبات والدوام والإِذعان ، وبذلك ينتظم عطف قوله - تعالى - ( وعَمِلَ صَالِحاً ) على قوله ( آمَنَ ) مع مشاركته هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق إيمانا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه .قالوا : لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإِسلام ، وأما بيان من ماضى على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام ، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات .وقوله : ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون ) بيان الحسن عاقبتهم ، وجزيل ثوابهم .أي : فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة بل هم في مأمن منها ، ولا هم يحزنون على ما مضى من أعمارهم لأنهم أنفقوها في العمل الصالح .هذا وقد قرأ جمهور القراء ( والصابئون ) بالرفع .
وقرأ ابن كثير بالنصب .وقد ذكر النحويون وجوها من الإِعراب لتخريج قراءة الرفع التي قرأها الرفع التي قرأها الأكثرون ، ولعل خير هذه الوجوه ما ذكره الشيخ الجمل في قوله : وقوله : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ ) أي : إيمانا حقا لا نفاقا .
وخبر إن محذوف تقديره : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
دل عليه المذكور ، وقوله : ( والذين هَادُواْ ) مبتدأ .
فالواو لعطف الجمل أو للاستئناف وقوله ( والصابئون والنصارى ) عطف على هذا المبتدأ .
وقوله ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) .
خبر عن هذه المبتدآت الثلاثة .
وقوله : ( مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ) بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص .
فكأنه قال : الذين آمنوا من اليهود والنصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
فالأخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر مشروط بالإِيمان لا مطلقا .وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال : قوله : ( والصابئون ) رفع على الابتداء وخبره محذوف .
والنية به التأخير عما في حيز ( إن ) من اسمها وخبرها .
كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا .
والصابئون كذلك .ثم قال : فإن قلت ما التأخير والتقديم إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم؟قلت : فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإِيمان والعمل الصالح فما الظن بغيرهم؟
وذلك لأن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا ، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أي : خرجوا .والخلاصة ، أن الآية الكريمة مسوقة للترغيب في الإِيمان والعمل الصالح ببيان أن كل من آمن بالله واليوم الآخر ، واتبع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم واستمر على هذا الإِيمان وهذا الاتباع إلى أن فارق هذه الحياة ، فإن الله - تعالى - يرضى عنه ويثيبه ثوابا حسنا ، وبتجاوز عما فرط منه من ذنوب ، لأن الإِيمان الصادق يجب ما قبله ، من عقائد زائفة ، وأعمال باطلة وأقوال فاسدة .وبعد أن فتح - سبحانه - باب الإِيمان أمام أهل الكتاب وغيرهم لكي يدخلوه فينالوا رضاه ومثوبته .
عقب ذلك باستئناف الحديث من أنواع أخرى من الرذائل التي عرفت عن بني إسرائيل فقال - تعالى - :( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ .
.
.
)
قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة، وبقي هاهنا مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الأعراب يقتضي أن يقال: والصابئين، وهكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وابن كثير، وللنحويين في علة القراءة المشهورة وجوه: الأول: وهو مذهب الخليل وسيبويه ارتفع الصائبون بالابتداء على نية التأخير، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصائبون كذلك، فحذف خبره، والفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو أن الصابئين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالاً، فكأنه قيل: كل هؤلاء الفرق إن آمنوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم وأزال ذنبهم، حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضاً كذلك.
الوجه الثاني: وهو قول الفراء أن كلمة ﴿ إن ﴾ ضعيفة في العمل هاهنا، وبيانه من وجوه: الأول: أن كلمة ﴿ إن ﴾ إنما تعمل لكونها مشابهة للفعل، ومعلوم أن المشابهة بين الفعل وبين الحرف ضعيفة.
الثاني: أنها وإن كانت تعمل لكن إنما تعمل في الإسم فقط، أما الخبر فإنه بقي مرفوعاً بكونه خبر المبتدأ، وليس لهذا الحرف في رفع الخبر تأثير، وهذا مذهب الكوفيين، وقد بيناه بالدليل في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ ﴾ الثالث: أنها إنما يظهر أثرها في بعض الأسماء، أما الأسماء التي لا يتغير حالها عند اختلاف العوامل فلا يظهر أثر هذا الحرف فيها، والأمر هاهنا كذلك، لأن الاسم هاهنا هو قوله: ﴿ الذين ﴾ وهذه الكلمة لا يظهر فيها أثر الرفع والنصب والخفض.
إذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا كان اسم ﴿ إن ﴾ بحيث لا يظهر فيه أثر الإعراب، فالذي يعطف عليه يجوز النصب على إعمال هذا الحرف، والرفع على إسقاط عمله، فلا يجوز أن يقال: إن زيداً وعمرو قائمان لأن زيداً ظهر فيه أثر الإعراب، لكن إنما يجوز أن يقال: إن هؤلاء وإخوتك يكرموننا، وإن هذا نفسه شجاع، وإن قطام وهند عندنا، والسبب في جواز ذلك أن كلمة ﴿ إن ﴾ كانت في الأصل ضعيفة العمل، وإذا صارت بحيث لا يظهر لها أثر في اسمها صارت في غاية الضعف، فجاز الرفع بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه، وهو كونه مبتدأ، فهذا تقرير قول الفراء، وهو مذهب حسن وأولى من مذهب البصريين، لأن الذي قالوه يقتضي أن كلام الله على الترتيب الذي ورد عليه ليس بصحيح، وإنما تحصل الصحة عند تفكيك هذا النظم، وأما على قول الفراء فلا حاجة إليه، فكان ذلك أولى.
المسألة الثانية: قال بعض النحويين: لا شك أن كلمة إن من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، وكون المبتدأ مبتدأ والخبر خبراً وصف حقيقي ثابت حال دخول هذا الحرف وقبله، وكونه مبتدأ يقتضي الرفع.
إذا ثبت هذا فنقول: المعطوف على اسم إن يجوز انتصابه بناء على إعمال هذا الحرف، ويجوز ارتفاعه أيضاً لكونه في الحقيقة مبتدأ محدثاً عنه ومخبراً عنه.
طعن صاحب الكشاف فيه وقال: إنما يجوز ارتفاعه على العطف على محل (إن واسمها) بعد ذكر الخبر، تقول: إن زيداً منطلق وعمراً وعمرو بالنصب على اللفظ، والرفع على موضع (إن) واسمها، لأن الخبر قد تقدم، وأما قبل ذلك الخبر فهو غير جائز، لأنا لو رفعناه على محل (إن واسمها) لكان العامل في خبرهما هو المبتدأ، ولو كان كذلك لكان العامل في خبرهما هو الابتداء، لأن الابتداء هو المؤثر في المبتدأ والخبر معاً، وحينئذٍ يلزم في الخبر المتأخر أن يكون مرفوعاً بحرف (إن) وبمعنى الاتبداء فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان، وأنه محال.
وأعلم أن هذا الكلام ضعيف، وبيانه من وجوه: الأول: أن هذه الأشياء التي يسميها النحويون: رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو لأعيانها، فإن هذا لا يقوله عاقل، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير محال، ألا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود الله تعالى.
والوجه الثاني: في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة (أن) مؤثرة في نصب الإسم ورفع الخبر، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولون: لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر ألبتة، وقد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة.
والوجه الثالث: وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبراً عنها، لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان صفته، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة.
وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وإن كان في اللفظ واحداً إلا أنه في التقدير متعدد، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنية، وإذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعاً بالحرف والبعض بالابتداء، وبهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد.
والذي يحقق ذلك أنه سلم أن بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه، ولا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبراً، وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالاتبداء.
وإذا ثبت هذا فنقول: إن قبل ذكر الخبر إذا عطفنا اسماً على حكم اسم صريح العقل أنه لابد من الحكم بتقدير الخبر، وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام والله أعلم.
المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بيّن أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا، بين أن هذا الحكم عام في الكل، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، وذلك لأن الإنسان له قوتان: القوة النظرية، والقوة العملية، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير، وأعظم المعارف شرفاً معرفة أشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى، وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادراً على الحشر والنشر، فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران: المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق كما قال عليه الصلاة والسلام: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ثم بيّن تعالى أن كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل فإنه يرد القيامة من غير خوف ولا حزن.
والفائدة في ذكرهما أن الخوف يتعلق بالمستقبل، والحزن بالماضي، فقال: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف وأطيب مما كانت لهم حاصلة في الدنيا، ومن كان كذلك فإنه لا يحزن بسبب طيبات الدنيا.
فإن قيل: كيف يمكن خلو المكلف الذي لا يكون معصوماً عن أهوال القيامة؟
والجواب من وجيهن: الأول: أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح، ولا يكون آتياً بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركاً لجميع المعاصي، والثاني: أنه إن حصل خوف فذلك عارض قليل لا يعتد به.
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: أنه تعالى شرط عدم الخوف وعدم الحزن بالإيمان والعمل الصالح، والمشروط بشيء عدم عند عدم الشرط، فلزم أن من لم يأت مع الإيمان بالعمل الصالح فإنه يحصل له الخوف والحزن، وذلك يمنع من العفو عن صاحب الكبيرة.
والجواب: أن صاحب الكبيرة لا يقطع بأن الله يعفو عنه لا محالة، فكان الخوف والحزن حاصلاً قبل إظهار العفو.
المسألة الخامسة: أنه تعالى قال في أول الآية ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ ثم قال في آخر الآية ﴿ مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ وفي هذا التكرير فائدتان، الأولى: أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، فالفائدة في هذا التكرير إخراجهم عن وعد عدم الخوف وعدم الحزن.
الفائدة الثانية: أنه تعالى أطلق لفظ الإيمان، والإيمان يدخل تحته أقسام، وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر، فكانت الفائدة في الإعادة التنبيه على أن هذين القسمين أشرف أقسام الإيمان، وقد ذكرنا وجوهاً كثيرة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكلها صالحة لهذا الموضع.
المسألة السادسة: الراجع إلى اسم ﴿ إن ﴾ محذوف، والتقدير: من آمن منهم، إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوماً، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والصابئون ﴾ رفع على الابتداء وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهداً له: وإلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُم ** بُغَاةٌ مَا بَقِيْنَا فِي شِقَاقِ أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، فإن قلت: هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل إن واسمها؟
قلت: لا يصحّ ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول: إن زيداً وعمرو منطلقان.
فإن قلت لم لا يصحّ والنية به التأخير، فكأنك قلت: إن زيداً منطلق وعمرو؟
قلت: لأني إذا رفعته رفعته عطفاً على محل إن واسمها، والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها (إن) في عملها؛ فلو رفعت الصابئون المنويّ به التأخير بالابتداء وقد رفعت الخبر بأنّ، لأعملت فيهما رافعين مختلفين.
فإن قلت: فقوله والصابئون معطوف لابد له من معطوف عليه فما هو؟
قلت: هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ...
﴾ الخ ولا محل لها، كما لا محل للتي عطفت عليها، فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟
قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح، فما الظنّ بغيرهم.
وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدّهم غياً، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، أي خرجوا، كما أن الشاعر قدم قوله: (وأنتم) تنبيهاً على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغاة من قومه، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو (بغاة) لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم، مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدماً فإن قلت: فلو قيل: والصابئين وإياكم لكان التقديم حاصلاً.
قلت: لو قيل: هكذا لم يكن من التقديم في شيء، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما يقال مقدّم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه.
ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام، فإن قلت: كيف قال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ ثم قال: ﴿ مَنْ ءامَنَ ﴾ ؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد بالذين آمنوا: الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون وأن يراد بمن آمن.
من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه.
فإن قلت: ما محل من آمن قلت: إما الرفع على الابتداء وخبره ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر إن، وإما النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه.
فإن قلت: فأين الراجع إلى اسم إن؟
قلت: هو محذوف تقديره من آمن منهم، كما جاء في موضع آخر.
وقرئ: ﴿ والصابيون ﴾ ، بياء صريحة، وهو من تخفيف الهمزة، كقراءة من قرأ: ﴿ يستهزيون ﴾ .
﴿ والصابون ﴾ : وهو من صبوت، لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع.
وفي قراءة أبيّ رضي الله عنه: ﴿ والصابئين ﴾ ، بالنصب.
وبها قرأ ابن كثير.
وقرأ عبد الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «البَقَرَةِ» والصّابِئُونَ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والنِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ عَمّا في حَيِّزِ إنَّ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى حُكْمُهم كَذا والصّابِئُونَ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ وقَوْلِهِ: وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، وهو كاعْتِراضٍ دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الصّابِئُونَ مَعَ ظُهُورِ ضَلالِهِمْ ومَيْلِهِمْ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها يُتابُ عَلَيْهِمْ إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، كانَ غَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ والنَّصارى مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ومَن آمَنَ خَبَرُهُما وخَبَرُ إنَّ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها فَإنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالفَراغِ مِنَ الخَبَرِ، إذْ لَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ كانَ الخَبَرُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ وخَبَرَ إنَّ مَعًا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عامِلانِ ولا عَلى الضَّمِيرِ في هادُوا لِعَدَمِ التَّأْكِيدِ والفَصْلِ، ولِأنَّهُ يُوجِبُ كَوْنَ الصّابِئِينَ هُودًا.
وقِيلَ إنَّ بِمَعْنى نَعَمْ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ.
وقِيلَ الصّابِئُونَ مَنصُوبٌ بِالفَتْحَةِ وذَلِكَ كَما جُوزَ بِالياءِ جُوزَ بِالواوِ.
﴿ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرِهِ.
﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ كَما مَرَّ والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن آمَنَ مِنهُمْ، أوِ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
وقُرِئَ و «الصّابِئِينَ» وهو الظّاهِرُ و «الصّابِيُّونَ» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً و «الصّابُونَ» بِحَذْفِها مِن صَبا بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا، أوْ مِن صَبَوْتُ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولَمْ يَتَّبِعُوا شَرْعًا ولا عَقْلًا.
<div class="verse-tafsir"
{إنَّ الّذين آمَنُوا} بألسنتهم وهم المنافقون ودل عليه قوله لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا امنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم {والذين هادوا والصابئون والنّصارى} قال سيبويه وجميع البصريين ارتفع الصابئون بالابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها كأنه قيل إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى {من آمن باللهِ واليومِ الآخر وعمل صالحاً فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} والصابئون كذلك أي من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم فقدم وحذف الخبر كقوله ...
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ...
فإني وقيار بها لغريب ...
أي فإني لغريب وقيار كذلك ودل اللام على أنه خبر إن ولا يرتفع بالعطف على محل إن واسمها لأن ذا لا يصح قبل الفراغ من الخبر
لا تقول إن زيدا وعمر ومنطلقان وإنما يجوز إن زيداً منطلق وعمرو والصابئون مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله إن الذين آمنوا إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها وفائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين وهم أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدهم غياً يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان فما الظن بغيرهم ومحل من آمن الرفع على الابتداء وخبره فلا خوف عليهم والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر أن والراجع إلى اسم إن محذوف تقديره من آمن منهم
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، مَسُوقٌ لِلتَّرْغِيبِ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في آيَةِ البَقَرَةِ الِاخْتِلافُ في المُرادِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، والمَرْوِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وهُمُ المُنافِقُونَ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، واخْتارَ القاضِي أنَّ المُرادَ بِهِمُ المُتَدَيِّنُونَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُخْلِصِينَ كانُوا أوْ مُنافِقِينَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ أيْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ ﴿ والصّابِئُونَ ﴾ وهم - كَما قالَ حَسَنٌ جَلَبِيٌّ وغَيْرُهُ -: قَوْمٌ خَرَجُوا عَنْ دِينِ اليَهُودِ والنَّصارىِ وعَبَدُوا المَلائِكَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.
وفِي حُسْنِ المُحاضَرَةِ في أخْبارِ مِصْرَ والقاهِرَةِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ ما لَفْظُهُ: ذَكَرَ أئِمَّةُ التّارِيخِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْصى لِابْنِهِ شِيثٍ - وكانَ فِيهِ وفي بَنِيهِ النُّبُوَّةُ والدِّينُ - وأُنْزِلَ عَلَيْهِ تِسْعٌ وعِشْرُونَ صَحِيفَةً، وأنَّهُ جاءَ إلى مِصْرَ وكانَتْ تُدْعى بايَلُونَ فَنَزَلَها هو وأوْلادُ أخِيهِ، فَسَكَنَ شِيثٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وسَكَنَ أوْلادُ قابِيلَ أسْفَلَ الوادِي، واسْتَخْلَفَ شِيثٌ ابْنَهُ أنْوَشَ، واسْتَخْلَفَ أنْوَشُ ابْنَهُ قَوْنانَ، واسْتَخْلَفَ قَوْنانُ ابْنَهُ مَهْلائِيلَ، واسْتَخْلَفَ مَهْلائِيلَ ابْنَهُ يَرْدَ، ودَفَعَ الوَصِيَّةَ إلَيْهِ وعَلَّمَهُ جَمِيعَ العُلُومِ، وأخْبَرَهُ بِما يَحْدُثُ في العالَمِ، ونَظَرَ في النُّجُومِ، وفي الكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووُلِدَ لِيَرْدَ أُخْنُوخُ، وهو إدْرِيسُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُقالُ لَهُ هُرْمُسُ، وكانَ المَلِكُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَحْوِيلَ بْنَ أُخْنُوخَ بْنِ قابِيلَ، وتَنَبَّأ إدْرِيسُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأرادَ المَلِكُ بِهِ سُوءًا فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنْزَلَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، ودَفَعَ إلَيْهِ أبُوهُ وصِيَّةَ جَدِّهِ، والعُلُومَ الَّتِي عِنْدَهُ، وكانَ قَدْ وُلِدَ بِمِصْرَ، وخَرَجَ مِنها، وطافَ الأرْضَ كُلَّها، ورَجَعَ، فَدَعا الخَلْقَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَأجابُوهُ حَتّى عَمَّتْ مِلَّتُهُ الأرْضَ، وكانَتْ مِلَّتُهُ الصّابِئَةَ، وهي تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى، والطَّهارَةُ والصَّوْمُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن رُسُومِ التَّعَبُّداتِ، وكانَ في رِحْلَتِهِ إلى المَشْرِقِ قَدْ أطاعَهُ جَمِيعُ مُلُوكِها، وابْتَنى مِائَةً وأرْبَعِينَ مَدِينَةً، أصْغَرُها الرَّها، ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ وأطاعَهُ مَلِكُها، وآمَنَ بِهِ، إلى آخِرِ ما قالَهُ، ونَقَلَهُ عَنِ التِّيفاشِيِّ، ويُفْهَمُ مِنهُ قَوْلٌ في الصّابِئَةِ غَيْرُ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ.
وفِي شَذَراتِ الذَّهَبِ لِعَبْدِ الحَيِّ بْنِ أحْمَدَ بْنِ العِمادِ الحَنْبَلِيِّ في تَرْجَمَةِ أبِي إسْحاقَ الصّابِئِيِّ ما نَصُّهُ: والصّابِئِيُّ بِهَمْزِ آخِرِهِ قِيلَ: نِسْبَةٌ إلى صابِئِيِّ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانَ عَلى الحَنِيفِيَّةِ الأُولى، وقِيلَ: الصّابِئِيِّ بْنِ ماوِي، وكانَ في عَصْرِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ: الصّابِئِيُّ عِنْدَ العَرَبِ مَن خَرَجَ عَنْ دِينِ قَوْمِهِ، انْتَهى.
والنَّصارى جَمْعُ نَصْرانٍ، وقَدْ مَرَّ تَفْضِيلُهُ، ورُفِعَ ( الصّابِئُونَ ) عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ ( إنَّ ) عَلَيْهِ، والنِّيَّةُ فِيهِ التَّأْخِيرُ عَمّا في خَبَرِ ( إنَّ ) والتَّقْدِيرُ: ( إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى) حُكْمُهم كَيْتَ وكَيْتَ ( والصّابِئُونَ ) كَذَلِكَ، بِناءً عَلى أنَّ المَحْذُوفَ في ( إنَّ زَيْدًا، وعَمْرٌو قائِمٌ ) خَبَرُ الثّانِي لا الأوَّلِ، كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ النُّحاةِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ صابِئِ بْنِ الحارِثِ البُرْجُمِيِّ: فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ فَإنَّ قَوْلَهُ: ( لَغَرِيبُ ) خَبَرُ ( إنَّ ) ولِذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ؛ لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ ( إنَّ ) لا عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ إلّا شُذُوذًا، وقِيلَ: إنَّ ( غَرِيبُ ) فِيهِ خَبَرٌ عَنِ الِاسْمَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، نَحْوُ: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ورَدَّهُ الخَلْخالِيُّ بِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ لِلِاثْنَيْنِ، وإنْ ورَدَ لِلْجَمْعِ، وأجابَ عَنْهُ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ﴾ : إنَّ المُرادَ قَعِيدانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى الِاثْنَيْنِ أيْضًا، فالصَّوابُ مَنعُ هَذا الوَجْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَوارُدُ عامِلَيْنِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ، ومِثْلُهُ لا يَصِحُّ عَلى الأصَحِّ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، ويَقُولُ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: إذا جُزَّتْ نَواصِي آلِ بَدْرٍ ∗∗∗ فَأدُّوها وأسْرى في الوَثاقِ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقٍ فَإنَّ قَوْلَهُ: ( بُغاةٌ ما بَقِينا ) خَبَرُ ( إنَّ ) ولَوْ كانَ خَبَرَ ( أنْتُمْ ) لَقالَ: ما بَقِيتُمْ، و( بُغاةٌ ) جَمْعٌ بِمَعْنى الطّالِبِ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ باغٍ، مِنَ البَغْيِ والتَّعَدِّي، وأنْتُمْ بُغاةٌ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَقُولُ في قَوْمِهِ إنَّهم بُغاةٌ، و( ما بَقِينا في شِقاقِ ) خَبَرُ إنَّ، وحِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ البَيْتُ شاهِدًا لِما ذُكِرَ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في مَحَلِّهِ، وإنَّما وُسِّطَتِ الجُمْلَةُ هُنا بَيْنَ إنَّ وخَبَرِها مَعَ اعْتِبارِ نِيَّةِ التَّأْخِيرِ؛ لِيَسْلَمَ الكَلامُ عَنِ الفَصْلِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، ولِيُعْلَمَ أنَّ الخَبَرَ ذا دَلالَةٍ - كَما قِيلَ - عَلى أنَّ الصّابِئِينَ - مَعَ ظُهُورِ ضَلالِهِمْ وزَيْغِهِمْ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها - حَيْثُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهم إنَّ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ فَغَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ كاعْتِراضٍ دُلَّ بِهِ عَلى ما ذُكِرَ، وإنَّما لَمْ تُجْعَلِ اعْتِراضًا حَقِيقَةً؛ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( إنَّ الَّذِينَ ) وخَبَرِها، وأُورِدَ عَلَيْهِ ما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ مِن أنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى بَعْضِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، وإنَّما يَتَقَدَّمُ المَعْطُوفُ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الشِّعْرِ، فَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ عَلى بَعْضِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَلْ هو أوْلى مِنهُ بِالمَنعِ، وأمّا ما أجابَ بِهِ عَنْهُ بِأنَّ الواوَ واوُ الِاسْتِئْنافِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ ﴾ إلَخْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لا مَعْطُوفَةٌ فَلا يَتَمَشّى فِيما نَحْنُ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يُفَوِّتُ نُكْتَةَ التَّقْدِيمِ مِنَ التَّأْخِيرِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها؛ لِأنَّها إذا كانَتْ مُعْتَرِضَةً لا تَكُونُ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ صَرَفَ الخَبَرَ المَذْكُورِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( والصّابِئُونَ ) وجَعَلَ خَبَرَ إنَّ مَحْذُوفًا، وهو القَوْلُ الآخَرُ لِلنُّحاةِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وهو مُوافِقٌ لِلِاسْتِعْمالِ أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ فَإنَّ قَوْلَهُ: ( راضٍ ) خَبَرُ ( أنْتَ ) وخَبَرُ نَحْنُ مَحْذُوفٌ، ورُجِّحَ بِأنَّ الإلْحاقَ بِالأقْرَبِ أقْرَبُ، وبِأنَّهُ خالٍ عَمّا يَلْزَمُ عَنِ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ، نَعَمْ، غايَةُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ الأكْثَرَ الحَذْفُ مِنَ الثّانِي لِدَلالَةِ الأوَّلِ، وعَكْسُهُ قَلِيلٌ لَكِنَّهُ جائِزٌ، وعُورِضَ بِأنَّ الكَلامَ فِيما نَحْنُ فِيهِ مَسُوقٌ لِبَيانِ أهْلِ الكِتابِ، فَصَرْفُ الخَبَرِ إلَيْهِمْ أوْلى، وفي تَوْسِيطِ بَيانِ حالِ الصّابِئِينَ ما عَلِمْتَ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأيْضًا في صَرْفِ الخَبَرِ إلى الثّانِي فَصْلٌ لِلنَّصارى عَنِ اليَهُودِ، وتَفْرِقَةٌ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( والصّابِئُونَ ) قَطْعًا، نَعَمْ، لَوْ صَحَّ أنَّ المُنافِقِينَ واليَهُودَ أوْغَلُ المَعْدُودِينَ في الضَّلالِ، والصّابِئِينَ والنَّصارى أسْهَلُ حَسُنَ تَعاطُفِهِما، وجُعِلَ المَذْكُورُ خَبَرًا عَنْهُما، وتَرْكُ كَلِمَةِ التَّحْقِيقِ المَذْكُورَةِ في الأوَّلَيْنِ دَلِيلًا عَلى هَذا المَعْنى، وقِيلَ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ( إنَّ ) واسْمِها، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم مُطْلَقًا، وبَعْضُهم مَنَعَهُ مُطْلَقًا، وفَصَّلَ آخَرُونَ فَقالُوا: يَمْتَنِعُ قَبْلَ مُضِيِّ الخَبَرِ، ويَجُوزُ بَعْدَهُ.
وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ إنْ خَفِيَ إعْرابُ الِاسْمِ جازَ لِزَوالِ الكَراهَةِ اللَّفْظِيَّةِ، نَحْوُ: إنَّكَ وزَيْدٌ ذاهِبانِ، وإلّا امْتَنَعَ، والمانِعُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لُزُومُ تَوارُدِ عامِلَيْنِ وهُما ( إنَّ ) والِابْتِداءُ، أوِ المُبْتَدَأُ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ وهو الخَبَرُ، ولِهَذا ضَعَّفُوا هَذا القَوْلَ في الآيَةِ، وبَنَوْا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وكَوْنُ خَبَرِ المَعْطُوفِ فِيها مَحْذُوفًا - وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ التَّوارُدُ - لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ العَطْفِ عَلى المَحَلِّ في شَيْءٍ، ومَن قالَ: إنَّ خَبَرَ ( إنَّ ) مَرْفُوعٌ بِما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ قَبْلَ دُخُولِها لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ حَدِيثُ التَّوارُدِ.
ونُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ: إنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ في ( هادُوا ) وخَطَّأهُ الزَّجّاجُ بِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، وبِأنَّهُ لَوْ عُطِفَ عَلى الفاعِلِ لَكانَ التَّقْدِيرُ ( وهادَ الصّابِئُونَ ) فَيَقْتَضِي أنَّهم هُودٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، ولَعَلَّ الكِسائِيُّ يَرى صِحَّةَ العَطْفِ مِن غَيْرِ فاصِلٍ، فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضُ الأوَّلُ، وقِيلَ: ( إنَّ ) بِمَعْنى نَعَمِ الجَوابِيَّةِ، ولا عَمَلَ لَها حِينَئِذٍ، فَما بَعْدَها مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، والمَرْفُوعُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وضَعَّفَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ثُبُوتَ ( إنَّ ) بِمَعْنى ( نَعَمْ ) فِيهِ خِلاٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ.
وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَيُحْتاجُ إلى شَيْءٍ يَتَقَدَّمُها، تَكُونُ تَصْدِيقًا لَهُ، ولا يَجِيءُ أوَّلَ الكَلامِ، والجَوابُ بِأنَّ ثَمَّةَ سُؤالًا مُقَدَّرًا بَعِيدٌ رَكِيكٌ، وقِيلَ: إنَّ الصّابِئِينَ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ بِحَذْفِ الصَّدْرِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الصّابِئُونَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وإنْ عُدَّ أحْسَنَ الوُجُوهِ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى الواوِ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ لُغَةَ بَلْحارِثِ وغَيْرِهِمُ - الَّذِينَ جَعَلُوا المُثَنّى دائِمًا بِالألِفِ، نَحْوُ رَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأعْرَبُوهُ بِحَرَكاتٍ مُقَدَّرَةٍ - إنَّما هي في المُثَنّى خاصَّةً، ولَمْ يُنْقَلْ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْهم في الجَمْعِ، خِلافًا لِما يَقْتَضِيهِ عِبارَةُ أبِي البَقاءِ، والمَسْألَةُ مِمّا لا يَجْرِي فِيها القِياسُ، فَلا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى ذَلِكَ.
وقَرَأ أُبَيٌّ، وكَذا ابْنُ كَثِيرٍ ( والصّابِئِينَ ) وهو الظّاهِرُ، ( والصّابِيُونَ ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً عَلى خِلافِ القِياسِ، ( والصّابُونَ ) بِحَذْفِها مِن صَبا بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَهو كَـ( رامُونَ ) مِن رَمى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ ).
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ إمّا في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الأخِيرَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ، كَما أنَّ إفْرادَ ما في صِلَتِهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ( إنَّ ) أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلى كُلٍّ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ العائِدِ، أيْ: مَن آمَنَ مِنهم.
وإمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ ( إنَّ ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ، أوْ ما عُطِفَ عَلَيْهِ فَقَطْ، وهو بَدَلُ بَعْضٍ، ولا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ كَما تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ، فَيُقَدَّرُ أيْضًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا خَوْفٌ ﴾ إلَخْ، خَبَرٌ، والفاءُ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ الآيَةَ، والمَعْنى - كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُؤْمِنِينَ بِألْسِنَتِهِمْ، وهُمُ المُنافِقُونَ - مَن أحْدَثَ مِن هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا بِالمَبْدَأِ والمَعادِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ - لا كَما يَزْعُمُهُ أهْلُ الكِتابِ - فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) حِينَ يَخافُ الكافِرُ العِقابَ ( ولا هم يَحْزَنُونَ ) حِينَ يَحْزَنُ المُقَصِّرُونَ عَلى تَضْيِيعِ العُمُرِ وتَفْوِيتِ الثَّوابِ، والمُرادُ بَيانُ انْتِفاءِ الأمْرَيْنِ لا انْتِفاءِ دَوامِهِما عَلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُخْلِصِينَ كانُوا أوْ مُنافِقِينَ فالمُرادُ بِـ( مَن آمَنَ ) مَنِ اتَّصَفَ مِنهم بِالإيمانِ الخالِصِ بِما ذُكِرَ عَلى الإطْلاقِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ كَما في المُخْلِصِينَ أوْ بِطْرِيقِ الإحْداثِ والإنْشاءِ كَما هو حالُ مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ وسائِرِ الطَّوائِفِ، ولَيْسَ هُناكَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ - كَما لا يَخْفى - لِأنَّ الثَّباتَ عَلى الإيمانِ والإحْداثَ فَرْدانِ مِن مُطْلَقِ الإيمانِ، إلّا أنَّ في هَذا الوَجْهِ ضَمَّ المُخْلِصِينَ إلى الكَفَرَةِ وفِيهِ إخْلالٌ بِتَكْرِيمِهِمْ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ بِبَيانِ أنَّ تَأخُّرَهم في الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ الأعْلامِ، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ مَرَّ في آيَةِ البَقَرَةِ، فَلْيُراجَعْ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قال في رواية الكلبي: هم قوم آمنوا بعيسى، ولم يؤمنوا بغيره، ولم يرجعوا.
ويقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم وهم المنافقون.
ويقال: في الآية تقديم يعني: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا من آمن من اليهود والنصارى والصابئين، وَعَمِلَ صالِحاً فلهم أجرهم عند ربهم.
وقال: في هذه السورة وَالصَّابِئُونَ وقال في موضع آخر: وَالصَّابِئِينَ لأنه معطوف على خبر إن وكل اسم معطوف على خبر إن، كان فيه طريقان، إن شاء رفع، وإن شاء نصب، كقوله: «إن زيداً قادم وعمرو» إن شاء نصب الثاني، وإن شاء رفعه، كقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: 3] وقد قرأ: ورسوله ولكنه شاذ، وكذلك هاهنا جاز أن يقول: (والصابئين) وَالصَّابِئُونَ، إلا أن في هذه السورة كتب بالرفع.
ثم قال: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني: لمن آمن، والذين سبق ذكرهم فلهم ثوابهم عند ربهم الجنة فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
قوله تعالى: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: عهدهم في التوراة، وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لاَ تَهْوى أَنْفُسُهُمْ يعني: بما لا يوافق هواهم، فَرِيقاً كَذَّبُوا مثال عيسى ومن قبله، وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ مثل يحيى وزكريا، وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام، فالله تعالى أمر النبي بتبليغ الرسالة، وأمره بأن لا يحزن عَلَيْهِمْ إن لم يؤمنوا، لأنهم من أهل السوء الذين فعلوا هذه الأفعال.
ثم قال: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ يعني: ظنوا أن لا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وقتلهم الأنبياء، ويقال: ظنوا أن لا يعاقبوا، ولا يصيبهم البلاء والشدة والقحط.
ويقال: ظنوا أن قتل الأنبياء لا يكون كفراً.
ويقال: ظنوا أن لا تفسد قلوبهم بالتكذيب وقتل الأنبياء.
قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو: أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ بضم النون.
وقرأ الباقون بالنصب.
فمن قرأ بالنصب، بمعنى أن.
ومن قرأ بالضم يعني: حسبوا أنه لا تكون فتنة.
معناه: حسبوا أن فعلهم غير فاتن لهم.
ثم قال تعالى: فَعَمُوا وَصَمُّوا يعني: عموا عن الحق، وصمّوا عن الهدى، فلم يسمعوه، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يقول: تجاوز عنهم، ورفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ويقال: معناه تاب الله على كثير منهم، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ويقال: من تاب الله عليهم، يعني: بعث محمدا ليدعوهم إلى التوراة ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا بتكذيب محمد ، ويقال: عَمُوا وَصَمُّوا حين عبدوا العجل، ثم تاب الله عليهم بعد ما قتلوا سبعين ألفاً وهذا على جهة المثل.
يعني: لم يعملوا بما سمعوا، ولم يعتبروا بما أبصروا، فصاروا كالعمي والصمي.
ثم قال: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ بقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل يعني: عليم بمجازاتهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نزِلَتْ هذه الآيةُ بسبب الأعرابيِّ الذي اخترط سيْفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ليقتُلَهُ به «١» .
قال ابنُ العربيِّ: قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ: معناه: يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك كَعِصَامِ الْقِرْبَةِ الذي يَمْنَعُ سَيَلاَنَ الماءِ منها، ولعلمائنا في الآية تأويلاتٌ.
أصحها: أنَّ العصمة عامَّة في كلِّ مكروهٍ، وأنَّ الآية نزلَتْ بعد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته صلّى الله عليه وسلّم «٢» .
وقيل: إنه أراد مِنَ القتل خاصَّة، والأول أصحّ، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم.
انتهى من كتابه في تفسير أفعال اللَّه الواقعة في القرآن.
ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقولَ لأهْل الكتابِ الحاضِرِينَ معه: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، أيْ: على شيءٍ مستقيمٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وفي إقامتهما الإيمانُ بنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، قلْتُ: وهذه الآية عنْدِي مِنْ أَخْوَفِ آية في القرآنِ كما أشار إلى ذلك سفيانُ، فتأمَّلها حقَّ التأمُّل.
وقوله سبحانه: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ...
الآية: يعني به القرآن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَها في (البَقَرَةِ) .
وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في إحْكامِها ونَسْخِها كَما بَيَّنّا هُناكَ.
فَأمّا رَفْعُ "الصّابِئِينَ" فَذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنِ البَصْرِيِّينَ، مِنهُمُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: "والصّابِئُونَ" مَحْمُولٌ عَلى التَّأْخِيرِ، ومَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ.
والمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.
والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ أيْضًا، وأنْشَدُوا: وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ المَعْنى: فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقٍ، وأنْتُمْ أيْضًا كَذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصابِئُونَ والنَصارى مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ "اَلَّذِينَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ؛ ومِن غَيْرِها مِنَ المِلَلِ؛ فَكَأنَّ ألْفاظَ الآيَةِ حُصِرَ بِها الناسُ كُلُّهُمْ؛ وبَيَّنَتِ الطَوائِفَ عَلى اخْتِلافِها؛ وهَذا تَأْوِيلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ اَلْمُنافِقُونَ؛ فالمَعْنى: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ ألْفاظَ الآيَةِ عَدَّتِ الطَوائِفَ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تَنْتَقِلَ إلى الإيمانِ؛ ثُمَّ نَفى عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ؛ بِشَرْطِ انْتِقالِهِمْ إلى الإيمانِ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: "مَن آمَنَ"؛ في حَيِّزِ المُؤْمِنِينَ؛ بِمَعْنى: ثَبَتَ؛ واسْتَمَرَّ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: "هادُوا"؛ وتَفْسِيرُ "اَلصّابِئِينَ"؛ وتَفْسِيرُ "اَلنَّصارى"؛ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إعْرابِ "اَلصّابِئِينَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقَرَأ الجُمْهُورُ: "والصابِئُونَ"؛ بِالرَفْعِ؛ وعَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ؛ والقُرّاءُ السَبْعَةُ؛ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والجَحْدَرِيُّ: "والصابِئِينَ"؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ بَيِّنَةُ الإعْرابِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والزُهْرِيُّ: "والصابِيُونَ"؛ بِكَسْرِ الباءِ؛ وضَمِّ الياءِ؛ دُونَ هَمْزٍ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "والصابِئُونَ"؛ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ ؛ والخَلِيلِ ؛ ونُحاةِ البَصْرَةِ؛ أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ الَّذِي مَعْناهُ التَأْخِيرُ؛ وهو المُرادُ بِهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ ولا هم يَحْزَنُونَ؛ والصابِئُونَ والنَصارى كَذَلِكَ"؛ وأنْشَدَ الزَجّاجُ نَظِيرًا في ذَلِكَ: وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ فَقَوْلُهُ: "وَأنْتُمْ"؛ مُقَدَّمٌ في اللَفْظِ؛ مُؤَخَّرٌ في المَعْنى؛ أيْ: "وَأنْتُمْ كَذَلِكَ".
وحَكى الزَجّاجُ عَنِ الكِسائِيِّ ؛ والفَرّاءِ أنَّهُما قالا: "والصابِئُونَ"؛ عُطِفَ عَلى "والَّذِينَ"؛ إذِ الأصْلُ في "اَلَّذِينَ"؛ اَلرَّفْعُ؛ وإذْ نَصْبُ "إنَّ" ضَعِيفٌ؛ وخَطَّأ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ: "إنَّ" أقْوى النَواصِبِ؛ وحُكِيَ أيْضًا عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: "والصابِئُونَ"؛ عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "هادُوا"؛ والتَقْدِيرُ: "هادُوا هم والصابِئُونَ"؛ وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ المَعْنى: لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الصابِئِينَ هادُوا؛ وقِيلَ: "إنَّ"؛ بِمَعْنى "نِعْمَ"؛ وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ: ["والصابُونَ"؛ بِلا هَمْزَةٍ].
واتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها هو أنْ قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ الحَقُّ في نَفْسِهِ عَلى ما تَزْعُمُونَ مِن أنَّكم أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ؛ بَلْ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ مُسْتَقِيمٍ حَتّى تُؤْمِنُوا وتُقِيمُوا الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ بِأنَّهُ مَن آمَنَ في كُلِّ العالَمِ فَهو الفائِزُ الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اسْتِئْنافُ خَبَرٍ بِفِعْلِ أوائِلِهِمْ؛ وما نَقَضُوا مِنَ العُهُودِ؛ واجْتَرَحُوا مِنَ الجَرائِمِ؛ أيْ: "إنَّ العَصا مِنَ العُصَيَّةِ"؛ وهَؤُلاءِ يا مُحَمَّدُ مِن أُولَئِكَ؛ فَلَيْسَ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ بِبِدْعٍ.
و"كُلَّما"؛ ظَرْفٌ؛ والعامِلُ فِيهِ: "كَذَّبُوا"؛ و"يَقْتُلُونَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ هَواهم كانَ غَيْرَ الحَقِّ؛ وهو ظاهِرُ هَوى النَفْسِ مَتى أُطْلِقَ؛ فَمَتى قُيِّدَ بِالخَيْرِ ساغَ ذَلِكَ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في قِصَّةِ أُسارى بَدْرٍ: «فَهَوى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ أنا.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا ﴾ ؛ مَعْناهُ: كَذَّبُوهُ فَقَطْ؛ يُرِيدُ: اَلْفَرِيقُ مِنَ الرُسُلِ؛ ولَمْ يَقْتُلُوهُ؛ وفَرِيقًا مِنَ الرُسُلِ كَذَّبُوهُ؛ وقَتَلُوهُ؛ فاكْتَفى بِذِكْرِ القَتْلِ؛ إذْ هو يَسْتَغْرِقُ التَكْذِيبَ.
<div class="verse-tafsir"
موقع هذه الآية دقيق، ومعناها أدقّ، وإعرابها تابع لدقّة الأمرين.
فموقعها أدقّ من موقع نظيرتها المتقدّمة في سورة البقرة (62)، فلم يكن ما تقدّم من البيان في نظيرتها بمغن عن بيان ما يختصّ بموقع هذه.
ومعناها يزيد دقّة على معنى نظيرتها تبعاً لدقّة موقع هذه.
وإعرابها يتعقّد إشكاله بوقوع قوله: ﴿ والصابون ﴾ بحالة رفع بالواو في حين أنّه معطوف على اسم ﴿ إنّ ﴾ في ظاهر الكلام.
فحقّ علينا أن نخصّها من البيان بما لم يسبق لنا مثله في نظيرتها ولنبدأ بموقعها فإنّه مَعْقَد معناها: فاعلم أنّ هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً على تقدير سؤال يخطر في نفس السامع لِقوله: ﴿ قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتّى تقيموا التّوراة والإنجيل ﴾ [المائدة: 68] فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجيء الإسلام: هل هم على شيء أو ليسوا على شيء، وهل نفعهم اتّباع دينهم أيّامئذٍ؛ فوقع قوله: ﴿ إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا ﴾ الآية جواباً لهذا السؤال المقدّر.
والمراد بالّذين آمنوا المؤمنون بالله وبمحمّد صلى الله عليه وسلم أي المسلمون.
وإنّما المقصود من الإخبار الّذين هَادوا والصابون والنّصارى، وأمّا التعرّض لذكر الّذين آمنوا فلاهْتماممٍ بهم سنبيّنه قريباً.
ويجوز أن تكون هذه الجملة مؤكِّدة لجملة ﴿ ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا واتّقوا ﴾ [المائدة: 65] الخ، فبعد أن أُتبعت تلك الجملة بما أُتبعت به من الجُمل عاد الكلام بما يفيد معنى تلك الجملة تأكيداً للوعد، ووصلاً لربط الكلام، وليُلحق بأهل الكتاب الصابئون، وليظهر الاهتمام بذكر حال المسلمين في جنّات النّعيم.
فالتّصدير بذكر الّذين آمنوا في طالعة المعدودين إدماج للتنويه بالمسلمين في هذه المناسبة، لأنّ المسلمين هم المثال الصّالح في كمال الإيمان والتحرّز عن الغرور وعن تسرّب مسارب الشرك إلى عقائدهم (كما بشّر بذلك النّبيء صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع بقوله: «إنّ الشيطان قد يَئس أن يُعبد من دون الله في أرضكم هذه») فكان المسلمون، لأنّهم الأوحدون في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصّالح، أوّلين في هذا الفضل.
وأمّا معنى الآية فافتتاحها بحرف ﴿ إنّ ﴾ هنا للاهتمام بالخبر لعروّ المقام عن إرادة ردّ إنكار أو تردّد في الحكم أو تنزيل غير المتردّد منزلة المتردّد.
وقد تحيّر النّاظرون في الإخبار عن جميع المذكورين بقوله: ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ ، إذ من جملة المذكورين المؤمنون، وهل الإيمان إلاّ بالله واليوم الآخر؟
وذهب النّاظرون في تأويله مذاهب: فقيل: أريد بالّذين آمنوا من آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، وهم المنافقون، وقيل: أريد بمن آمن من دام على إيمانه ولم يرتد.
وقيل: غير ذلك.
والوجه عندي أنّ المراد بالَّذين آمنوا أصحاب الوصف المعروف بالإيمان واشتهر به المسلمون، ولا يكون إلاّ بالقلب واللّسان لأنّ هذا الكلام وعد بجزاء الله تعالى، فهو راجع إلى علم الله، والله يعلم المؤمن الحقّ والمتظاهر بالإيمان نِفاقاً.
فالّذي أراه أن يجعل خبر (إنّ) محذوفاً.
وحذفُ خبر (إنّ) وارد في الكلام الفصيح غير قليل، كما ذكر سيبويه في «كتابه».
وقد دلّ على الخبر ما ذكر بعده من قوله: ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ إلخ.
ويكون قوله: ﴿ والّذين هادوا ﴾ عطفَ جملة على جملة، فيجعل ﴿ الّذين هادوا ﴾ مبتدأ، ولذلك حقّ رفع ما عُطف عليه، وهو ﴿ والصابُون ﴾ .
وهذا أولى من جعل ﴿ والصابون ﴾ مَبْدأ الجملة وتقدير خبر له، أي والصابون كذلك، كما ذهب إليه الأكثرون لأنّ ذلك يفضي إلى اختلاف المتعاطفات في الحكم وتشتيتها مع إمكان التفصّي عن ذلك، ويكون قوله: ﴿ من آمن بالله ﴾ مبتدأ ثانياً، وتكون (من) موصولة، والرّابط للجملة بالّتي قبلها محذوفاً، أي من آمن منهم، وجملة ﴿ فلا خوف عليهم (1) ﴾ خبراً عن (مَن) الموصولة، واقترانها بالفاء لأنّ الموصول شبيه بالشرط.
وذلك كثير في الكلام، كقوله تعالى: ﴿ إنّ الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم ﴾ [البروج: 10] الآية، ووجود الفاء فيه يعيّن كونه خبراً عن (مَن) الموصولة وليس خبر إنّ على عكس قول ضابي بن الحارث: ومن يَك أمسى بالمدينة رحلُه *** فإنّي وقبّار بها لغريب فإنّ وجود لام الابتداء في قوله: «لغريب» عيَّن أنّه خبر (إنّ) وتقديرَ خبر عن قبّار، فلا ينظّر به قوله تعالى: ﴿ والصابون ﴾ .
ومعنى ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ من آمن ودَام، وهم الّذين لم يغيّروا أديانهم بالإشراك وإنكارِ البعث؛ فإنّ كثيراً من اليهود خلطوا أمور الشرك بأديانهم وعبدوا الآلهة كما تقول التّوراة.
ومنهم من جعل عُزيراً ابناً لله، وإنّ النّصارى ألَّهوا عيسى وعبدوه، والصابئة عبدوا الكواكب بعد أن كانوا على دين له كتاب.
وقد مضى بيان دينهم في تفسير نظير هذه الآية من سورة البقرة (62).
ثمّ إنّ اليهود والنّصارى قد أحْدثوا في عقيدتهم من الغرور في نجاتهم من عذاب الآخرة بقولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحِبَّاؤه ﴾ [المائدة: 18] وقولِهم ﴿ لن تمسّنا النّار إلاّ أيَّاماً معدودة ﴾ [البقرة: 80]، وقول النّصارى: إنّ عيسى قد كفَّر خطايا البشر بما تحمّله من عذاب الطّعن والإهانة والصّلب والقتل، فصاروا بمنزلة من لا يؤمن باليوم الآخر، لأنّهم عطّلوا الجزاء وهو الحكمة الّتي قُدّر البعث لتحقيقها.
وجمهور المفسّرين جعلوا قوله ﴿ والصابون ﴾ مبتدأ وجعلوه مقدّماً من وتأخير وقدّروا له خبراً محذوفاً لدلالة خبر (إنّ) عليه، وأنّ أصل النظم: أنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنّصارى لهم أجْرهم إلخ، والصابون كذلك، جعلوه كقول ضابي بن الحارث: فإنّي وقبّار بها لغريب *** وبعض المفسّرين قدّروا تقادير أخرى أنهاها الألوسي إلى خمسة.
والّذي سلكناه أوضح وأجرى على أسلوب النّظم وأليق بمعنى هذه الآية.
وبعدُ فممّا يجب أن يُوقن به أنّ هذا اللّفظ كذلك نزل، وكذلك نطق به النّبيء صلى الله عليه وسلم وكذلك تلقّاه المسلمون منه وقرؤوه، وكُتب في المصاحف، وهم عَرب خلّص، فكان لنا أصلاً نتعرّف منه أسلوباً من أساليب استعمال العرب في العطف وإن كان استعمالاً غير شائع لكنّه من الفصاحة والإيجاز بمكان، وذلك أنّ من الشائع في الكلام أنّه إذا أتي بكلام موكّد بحرف (إنّ) وأتي باسم إنّ وخبرها وأريد أن يعطفوا على اسمها معطوفاً هو غريب عن ذلك الحكم جيء بالمعطوف الغريب مرفوعاً ليدلّوا بذلك على أنّهم أرادوا عطف الجمل لا عطف المفردات، فيقدّرَ السامع خبراً يقدّره بحسب سياق الكلام.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ أنّ الله بريء من المشركين ورسولُه ﴾ [التوبة: 3]، أي ورسوله كذلك، فإنّ براءته منهم في حال كونه من ذي نسبهم وصهرهم أمر كالغريب ليظهر منه أنّ آصرة الدّين أعظم من جميع تلك الأواصر، وكذلك هذا المعطوف هنا لمّا كان الصابون أبعد عن الهدى من اليهود والنّصارى في حال الجاهلية قبل مجيء الإسلام، لأنّهم التزموا عبادة الكواكب، وكانوا مع ذلك تحقّ لهم النّجاة إن آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً، كان الإتيان بلفظهم مرفوعاً تنبيهاً على ذلك.
لكن كان الجري على الغالب يقتضي أن لا يؤتى بهذا المعطوف مرفوعاً إلاّ بعد أن تستوفي (إنّ) خبرها، إنَّما كان الغالب في كلام العرب أن يؤتى بالاسم المقصود به هذا الحكم مؤخّراً، فأمّا تقديمه كما في هذه الآية فقد يتراءى للنّاصر أنّه ينافي المقصد الّذي لأجله خولف حكم إعرابه، ولكن هذا أيضاً استعمال عزيز، وهو أن يجمع بين مقتضيي حالين، وهما للدّلالة على غرابة المُخبر عنه في هذا الحكم.
والتّنبيه على تعجيل الإعلام بهذا الخبر فإنّ الصابئين يكادون ييأسون من هذا الحكم أو ييأس منهم من يسمع الحكم على المسلمين واليهود.
فنبّه الكلّ على أنّ عفو الله عظيم لا يضيق عن شمولهم، فهذا موجب التّقديم مع الرّفع، ولو لم يقدّم ما حصل ذلك الاعتبار، كما أنّه لو لم يرفع لصار معطوفاً على اسم (إنّ) فلم يكن عطفه عطف جملة.
وقد جاء ذكر الصابين في سورة الحجّ مقدّماً على النّصارى ومنصوباً، فحصل هناك مقتضى حال واحدة وهو المبادرة بتعجيل الإعلام بشمول فصل القضاء بينهم وأنّهم أمام عدل الله يساوون غيرهم.
ثمّ عقّب ذلك كلّه بقوله: ﴿ وعمل صالحاً ﴾ ، وهو المقصود بالذّات من ربط السلامة من الخوف والحزن، به، فهو قيد في المذكورين كلّهم من المسلمين وغيرهم، وأوّل الأعمال الصّالحة تصديق الرّسول والإيمان بالقرآن، ثم يأتي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات كما قال تعالى: ﴿ وما أدراك ما العقبة إلى قوله ثم كان من الّذين آمنوا ﴾ [البلد: 12 17].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّ المِيثاقَ آياتٌ مُبَيَّنَةٌ يُقَرِّرُها عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهم.
والثّانِي: أنَّ المِيثاقَ أيْمانٌ أخَذَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْمَلُوا بِها وأُمِرُوا بِتَصْدِيقِ رُسُلِهِ.
﴿ وَأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا ﴾ يَعْنِي بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ.
﴿ كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ ﴾ هَوى النَّفْسِ مَقْصُورٌ، وهَواءُ الجَوِّ مَمْدُودٌ، وهُما يَشْتَرِكانِ في مَعْنى الِاسْمِ لِأنَّ النَّفْسَ تَسْتَمْتِعُ بِهَواها كَما تَسْتَمْتِعُ بِهَواءِ الجَوِّ.
﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ يَعْنِي أنَّ الأنْبِياءَ إذا لَمْ يَحِلُّوا لَهم ما يَهْوُونَهُ في الدِّينِ كَذَّبُوا فَرِيقًا في الدِّينِ، كَذَّبُوا فَرِيقًا وقَتَلُوا فَرِيقًا، وهم قَدْ كَذَّبُوا مَن قَتَلُوهُ ولَكِنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنَّهُمُ اقْتَصَرُوا عَلى تَكْذِيبِ فَرِيقٍ وتَجاوَزُوا إلى قَتْلِ فَرِيقٍ.
﴿ وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها العُقُوبَةُ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.
والثّانِي: ما ابْتُلُوا بِهِ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِهِمْ.
والثّالِثُ: ما بُلُوا بِهِ مِن جِهَةِ المُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ.
﴿ فَعَمُوا وصَمُّوا ﴾ يَعْنِي، فَعَمُوا عَنِ المُرْشِدِ وصَمُّوا عَنِ المَوْعِظَةِ حَتّى تَسَرَّعُوا إلى قَتْلِ أنْبِيائِهِمْ حِينَ حَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ.
﴿ ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي أنَّهم تابُوا بَعْدَ مُعايَنَةِ الفِتْنَةِ فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم.
﴿ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا ﴾ يَعْنِي أنَّهم عادُوا بَعْدَ التَّوْبَةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَها، والعَوْدُ إنَّما كانَ مِن أكْثَرِهِمْ لا مِن جَمِيعِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: جاء رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، قالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من حق الله؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم «بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، كتمتم منها ما أمرتم أن تبينوا للناس فبرئت من أحداثكم» .
قالوا: فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله فيهم ﴿ قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ﴾ إلى قوله: ﴿ القوم الكافرين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾ ، قد مضى تفسير هذه الآية مشروحًا مستقصًى في البقرة (١) وقوله تعالى: ﴿ وَالصَّابِئُونَ ﴾ ، اختلفوا في وجه ارتفاعه، فقال الكسائي: هو نسق على ما في ﴿ هَادُوا ﴾ كأنه قيل: هادوا هم والصابئون (٢) ﴿ هَادُوا ﴾ بمعنى: تابوا، من قوله: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ لا من اليهودية، ويكون المعنى: تابوا هم والصابئون، فالتفسير قد جاء بغير ذلك، لأن معنى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في هذه الآية إنما هو إيمان بأفواهم، لأنه يعني به المنافقون؛ لأنه وصف الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى فقال: من آمن منهم بالله فله كذا، فجعلهم يهودًا ونصارى، فلو كانوا مؤمنين لم يُحتج أن يقال: (من آمن منهم فلهم أجرهم) (٣) (٤) (٥) أجاز الكسائي: "إنّ عبد الله وزيد قائمان" لضعف إن (٦) قال الفراء: ولا أستحب ذلك لتبيين الإعراب في عبد الله، وأجازا معًا: (أنك نفسُك عالم)، (وأنا أنفسنا عالمان)، (وأنه نفسه متكلم)، (وأنهم أجمعون منطلقون)، (وأنك ومحمد في الدار)، وعند الفراء إذا دخلت (إن) على اسم لم يتبين عملها فيه يجوز أن ينسق عليه بالرفع والنصب جميعًا، وكذلك التوكيد، من ذلك أن تقول: إن قطام وهندٌ عندنا، وإن هؤلاء وإخوتُك يكرموننا، وإن هذا نفسه عالم، وذلك أن هذه الأسماء لا يتغير إعرابهنَّ ولا يظهر فيها عمل (إن)، فإذا دخلت إن على اسم يتبين عملها فيه وولي الاسم التوكيد والنعت والنسق، لم يكن فيها إلا النصب عند الفراء، كقولك: (إن زيدًا نفسه عالم)، (وإن محمدًا وأخاك منطلقان)، (وإن القوم وعبد الله عندنا)، ويجوز الرفع عند الكسائي، ومما جاء في أشعار العرب يشهد لمذهب الفراء قول بشر بن أبي خازم (٧) وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم ...
بُغاةٌ ما حيينا في شِقَاقِ (٨) يا ليتني وأنتِ بالميسُ ...
ببلدةٍ ليس بها أنيسُ (٩) رفع (أنتِ) وهو نسق على الياء إذ لم يتبين فيها الإعراب، وقال آخر: يا ليتنا وهما نخلوا بمنزلة ...
حتى يرى بعضنا بعضًا ويأتلف (١٠) وأنشدوا أيضًا لضابىء البرجُمي (١١) فمن يكُ أمسى بالمدينة رحلُهُ ...
فإني وقَيَّارٌ بها لغريبُ (١٢) هذا كله مذهب الكوفيين، وأنكر البصريون جميع ذلك، أما قول الكسائي فقد ذكرنا وجه بطلانه، وأما قول الفراء: نصب (إن) ضعيف، لأنها إنما تغير الاسم ولا تغير الخبر "فقال أبو إسحاق: هذا غلط، لأن (إن) قد عملت عملين: النصب والرفع، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع؛ لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل إلا فيما لم يُسَمَّ فاعله، وكيف يكون نصب (إن) ضعيفًا وهي تتخطى الظروف فتنصب ما بعدها نحو قولك: إن أمامك زيدًا، وإن عندك عمروًا، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾ ونصب (إنَّ) من أقوى المنصوبات (١٣) (١٤) إن عبد الله ومحمد قائم، تريد: إن عبد الله قائم ومحمد كذلك أيضًا (١٥) عقاب عقبناه كأن وظيفها ...
وخرطومُها الأعلى بنار مُلَوّح (١٦) أراد كأنَّ وظيفها مُلوِّح وخرطومها كذلك أيضاً، وعلى هذا حملوا أيضًا ما أنشده الكوفيون، أما قول بشر فالمعنى فيه: فاعلموا أنا بغاة ما بغينا في شقاق وأنتم أيضًا كذلك، وكذلك سائر الأبيات.
وأما قوله: فإني وقيَّارٌ فإن رواية البصريين: "وقَيَّارًا" بالنصب، وإن رفع كان محمولًا على التقدير الذي ذكرنا، وأما ما أجازه الفراء من قولهم: إنهم أجمعون ذاهبون، فحمله سيبويه على الغلط، وقال: إن قومًا من العرب يغلطون فيقولون إنك وزيدٌ ذاهبان، وإنهم أجمعون منطلقون، فجعله غلطًا (١٧) وحكى أبو بكر بن الأنباري في الآية قولًا رابعًا لأبي عبد الله هشام بن معاوية (١٨) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ﴾ (والمعنى: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) (١٩) (٢٠) (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾ الآية (62) البقرة.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 194.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 194 بتصرف.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192 ، 193 (٥) في (ج): (ضعيف).
(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192، 193.
(٧) هو: بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، شاعر جاهلي شجاع من أهل نجد، توفي سنة 22 قبل الهجرة.
"الأعلام" 2/ 54.
(٨) البيت في الكتاب 2/ 156، "معاني الزجاج" 2/ 193.
(٩) لم أقف عليه.
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) هو ضابئ بن الحارث بن أرطأة التميمي البُرجمي شاعر جاهلي أدرك الإسلام ، حبسه عثمان حتى مات نحو سنة 30 هـ "الأعلام" 3/ 212.
(١٢) البيت في الكتاب 1/ 75، "الإنصاف" لابن الأنباري ص 85.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 193.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 193.
(١٥) هذا تمثيل، وليس عند الزجاج.
(١٦) لم أقف على قائله.
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 193.
(١٨) هو أبو عبد الله هشام بن معاوية الكوفي الضرير، نحوي، صحب الكسائي وأخذ عنه كثيرًا من النحو، وله تصانيف، توفي سنة 209 هـ انظر: "الفهرست" ص 105، "معجم المؤلفين" 4/ 64.
(١٩) ما بين القوسين متكرر في النسختين.
(٢٠) انظر: "البحر المحيط" 3/ 531 - 533.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ ﴾ تقدم الكلام على نظيرتها في [البقرة: 62] ﴿ والصابئون ﴾ قراءة السبعة بالواو وهي مشكلة حتى قالت عائشة: هي من لحن كتاب المصحف، وإعرابها عند أهل البصرة مبتدأ وخبره محذوف تقديره: والصائبون كذلك وهو مقدم في نية التأخير، وأجاز بعض الكوفيين أن يكون معطوفاً على موضع اسم إن، وقيل: إن هنا بمعنى نعم وما بعدها مرفوع بالابتداء وهو ضعيف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هل تنقمون ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام ﴿ وعبد الطاعون ﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة.
الباقون بنصب الطاغوت على أن.
﴿ عبد ﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.
﴿ مبصوطتان ﴾ بالصاد مثل ﴿ وزاده بصطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ رسالته ﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون ﴿ رسالاته ﴾ .
الوقوف: ﴿ من قبل ﴾ لا لعطف ﴿ وأن أكثركم ﴾ على ﴿ أن آمنا ﴾ .
﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿ من لعنه الله ﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿ شر ﴾ لم يقف.
﴿ الطاغوت ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ خرجوا به ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ مغلولة ﴾ ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: ﴿ غلت ﴾ وهو جزاء قولهم ﴿ يد الله مغلولة ﴾ .
﴿ بما قالوا ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ مفعول ﴿ قالوا ﴾ .
﴿ مبسوطتان ﴾ ط لأن قوله: ﴿ ينفق ﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف.
﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ أطفأها الله ﴾ لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر ﴿ فساداً ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ أرجلهم ﴾ ط ﴿ مقتصدة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ رسالته ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب.
﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه.
التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين.
نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته.
وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.
والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟
وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض.
ثم عطف عليه: ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم.
وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر.
ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.
ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.
ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف.
وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك.
والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.
قال ابن عباس: "أتى نفر من اليهود إلى رسول الله فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟
فقال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ﴾ إلى قوله ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ " يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و ﴿ مثوبة ﴾ نصب على التمييز من ﴿ شر ﴾ وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة.
واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.
قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى .
ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.
أما قوله: ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة.
قال الشاعر: أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ *** إلاّ يداً ليست لها عضد وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع.
وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة.
وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل.
والطاغوت ههنا قيل: هو العجل.
وقيل: هو الأحبار.
والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده.
احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله .
وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ أو أنه خذلهم حتى عبدوها ﴿ أولئك ﴾ المعلونون الممسوخون ﴿ شر مكاناً ﴾ من المؤمنين.
قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه.
وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان.
﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ قصده ووسطه.
كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط.
وقوله: ﴿ بالكفر ﴾ وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: ﴿ وقد دخلوا ﴾ ﴿ وهم قد خرجوا ﴾ ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً.
وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله متوقعاً لإظهار الله أسرارهم.
والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: ﴿ دخلوا ﴾ و ﴿ خرجوا ﴾ أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.
وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم.
ونفى أن يكون من النبي في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.
وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي.
﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ.
الإثم الكذب كقوله بعد: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم.
وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله.
وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك.
ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات.
ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت.
وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب.
وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة.
وإنما قال ههنا: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ وفي الأول ﴿ يعملون ﴾ لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ.
وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال.
وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن.
وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة.
والجواب أن الله صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك.
وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب.
وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد.
وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ.
وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ﴾ وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال.
وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: قد أصبحت بيد الشمال زمامها *** /فجازاهم الله بقوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ﴾ وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً.
قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز.
وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره.
﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.
ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله.
ثم إنه ردّ على اليهود بقوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة.
يقال: لفلان عندي يد أشكرها له.
وعلى القوة مثل: ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا.
والمعنى سلب كمال القدرة.
وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال : ﴿ بيده عقدة النكاح ﴾ وقد يراد به شدة العناية قال: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً.
ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها.
وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله.
وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: ﴿ مما عملت أيدينا أنعاماً ﴾ ووجه التوحيد والجمع ظاهر.
وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد.
ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به.
﴿ وليزيدن ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ كثيراً منهم ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ ما أنزل إليك من ربك ﴾ من القرآن والحجج ﴿ طغياناً وكفراً ﴾ مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً ﴿ وألقينا بينهم ﴾ بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود ﴿ العداوة والبغضاء ﴾ لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين.
وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا.
وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ يستخفون كيداً للإسلام وذويه ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي.
وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة.
ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً ﴿ لكفرنا عنهم ﴾ تلك السيآت سترناها عليهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين ﴿ جنات النعيم ﴾ من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله وما أعظم عفوه وغفرانه ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد ، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف.
﴿ وما أنزل إليهم من ربهم ﴾ يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها.
﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض.
ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.
والحاصل أنه وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها.
ثم فصل حالهم فقال: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى.
﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.
ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ عن أبي سعيد الخدري "أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.
اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.
فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" .
وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.
وروي "أنه نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟
فقال: الله.
فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ " وقيل: لما نزلت آية التخيير: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش.
وقيل: لما نزل ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ سكت رسول الله عن عيب آلهتهم فنزلت.
أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها.
وقيل: إنه لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع.
قال: هل بلغت؟
قالوا: نعم.
فقال : "اللهم اشهد" .
فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين.
وقال الحسن: إن نبي الله قال: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوف" .
وقالت عائشة "سهر رسول الله ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟
قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة.
قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟
قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك.
فنام رسول الله حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .
وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية.
فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس" .
ومعنى قوله: ﴿ ما أنزل إليك ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ﴿ وإن لم تفعل ﴾ ما أمرتك به كما أمرتك به ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع.
ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة.
فإن قيل: معنى قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟
فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها.
أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه قال: "بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " .
فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟
فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد.
أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون.
ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: ﴿ لستم على شيء ﴾ أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد.
ومعنى ﴿ فلا تأس ﴾ لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك.
يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن.
ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف.
وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف.
وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: ﴿ والصابئون ﴾ عطف على ماذا؟
فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل ﴿ الذين ﴾ لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان.
وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان.
وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال.
فإذن ﴿ الصابئون ﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.
التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.
﴿ أولئك شر مكاناً ﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.
الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة.
﴿ غلت أيديهم ﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وكل إناء يرشح بما فيه.
ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية قال: " "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء" بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/الكافرين من العواية والخذلان.
﴿ وألقينا بينهم العداوة ﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن.
ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ إلى أعلى مقاماتهم.
من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة.
فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه.
فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة.
وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ ﴿ والله يعصمك ﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله.
يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج.
فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .
هذا - والله أعلم - وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث: منهم من يقول: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .
ومنهم من كان يخوفه ويمكر به، ليقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30].
ومنهم من كان يعرض عليه النساء والأموال؛ ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى دينه الذي هو عليه.
كانوا على الوجوه التي ذكرنا؛ فأمر الله - عز وجل - أن يقوم على تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله؛ لأن المرء قد يمتنع عن القيام بما عليه إذا خشي هلاكه أو لطلب مودة وصلة.
أو يمتنع عن القيام بما عليه إذا كُذِّبَ في القول، ولحقه أذى لذلك؛ فأمر الله - عز وجل - نبيه بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول، والأذى وترك طلب الموالاة، أي: لا يمنعك شيء من ذلك عن تبليغ ما أنزل إليك.
أو أن يكون الأمر بتبليغ الرسالة في حادث الوقت: أن بلغ ما أنزل إليك في حادث الوقت؛ كما بلغت في الماضي من الوقت.
أو أن يكون الأمر بتبليغ ما أنزل إليه أمراً بتبليغ البيان، أي: بلغ ما أنزل إليك من البيان كما بلغت تنزيلا؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ أخبر - عز وجل - أنه إنما أرسل الرسل على لسان قومهم؛ ليبينوا لهم؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .
أي: وإن [لم] تبلغ ما أنزل إليك؛ لما تخشى من الهلاك والمكر بك - كان كأن لم تبلغ الرسالة رأساً.
لم يعذر نبيه في ترك تبليغ الرسالة إليهم، وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له أن يتكلم بكلام الكفر، بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بالإيمان إذا خاف الهلاك على نفسه.
ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة وإن خشي على نفسه الهلاك؛ ذلك - والله أعلم - أن تبليغ الرسالة تعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون اللسان؛ فإذا أكره على الكفر إبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله مطمئناً بالإيمان.
وأما الرسالة: فلا سبيل له أن يبلغها إلا باللسان؛ لذلك لم يبح له تركها وإن خاف الهلاك؛ وهذا يدل لقولنا في المكره بالطلاق والعتاق أنه إذا تكلم به عمل؛ لتعلقهما باللسان دون القلب؛ فالإكراه لا يمنع نفاذ ما تعلق باللسان دون القلب كالرسالة التي ذكرنا، والله أعلم.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ﴾ ، أي: لم تبلغ الرسالة في حادث الوقت كأن لم تبلغ فيما مضى.
أو إن لم تبلغ البيان كما بلغت التنزيل فما بلغت الرسالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
فيه دليل إثبات رسالته لأنه - عز وجل - أخبر أنه عصمه من الناس؛ فكان ما قال؛ فدل أنه علم ذلك بالله، وكذلك في قوله - -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ : كان يقول بين ظهراني الكفرة: كيدوني جميعاً، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء؛ دل أنه كان ذلك بالله .
وعن عائشة - ا -: "كان النبي ليحرس، فلما نزل قوله - -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ قال: "انْصَرِفُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ" ؛ فانصرفوا.
ويحتمل قوله - -: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: بلغ ما أنزل إليك من الآيات والحجج والبراهين، التي جعلها الله أعلاما لرسالتك، وآثارا لنبوتك؛ ليلزمهم الحجة بذلك، والله أعلم.
قوله : ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ .
لا يُبْتَدَأُ الكلام بمثل هذا إلا عن قول أو دعوى تسبق، وليس في الآية بيان ما كان منهم؛ فيشبه أن يكون الذي كان منهم ما ادَّعُوْا أنهم على دين الله وعلى ولايته، أو ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، أو ما قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، أو نحو ذلك من أمانيهم ودعاويهم التي ادعوا لأنفسهم؛ فقال لرسوله: قل لهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قال الحسن: قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ ، أي: حتى تقيموا ما قد حرفتم وغيرتم من التوراة والإنجيل وبدلتم، وتثبتوا على ما أنزل وتؤمنوا به.
وقال غيره: [قوله - -]: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ بالشهادة والتصديق لما فيهما.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ...
﴾ : حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل من صفة محمد ونعته ومبعثه ونبوته ، وتبينوه للناس ولا تكتموه.
وهو وما ذكرنا واحد.
﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
من كتب أنبيائكم، وحتى تقيموا - أيضاً - ما أنزل من الكتب: كتب الرسل أجمع؛ لأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض - لا ينفع؛ حتى يؤمن بالرسل كلهم وبالكتب جملة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ : قد ذكرنا هذا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ : القرآن في أمر الرجم والقصاص ﴿ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ هو ما أمر الله نبيه أن يبلغ ما أنزل عليه بقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: لا تحزن على كفرهم؛ كقوله - -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، ونحو قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...ِ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: هم الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم.
وقال بعضهم: هم الذين آمنوا ببعض الرسل لم يتسموا باليهودية ولا بالنصرانية.
﴿ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم مَنْ هُمْ؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر ﴾ .
تأويل الآية - والله أعلم -: [وإن اختلفت] أديانهم، وتفرقت مذاهبهم لو آمنوا بالله وما ذكر، فلا خوف عليهم بما كان منهم في حال كفرهم؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : على فوت ما أعطاهم، أي: لا يفوتهم ذلك، والله أعلم.
قوله : ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .
قد أخذ الله - عز وجل - الميثاق على جميع البشر، وخصهم به دون غيرهم من الخلائق؛ لما رَكَّبَ فيهم ما يَعْرِفُ كُلٌّ به شهادة الخلقة على وحدانية ربه؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ .
ثم خص بني إسرائيل من البشر بفضل الميثاق؛ لما أرسل إليهم الرسل منهم، وهو قوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً ﴾ ، وكأنهم قد قبلوا تلك المواثيق؛ كقوله - - ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ إلى آخره؛ وكقوله - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ كان من الله لهم عهد [ومنهم لله عهد]، فأخبر أنهم إذا أوفوا بعهده يوفي بعهدهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .
في الآية دلالة أنهم كانوا يخالفون دين الرسل بأجمعهم؛ لما أحدثوا من اتباع أهوائهم، وأن الرسل - وإن اختلفت أوقات مجيئهم - فإنهم إنما يدعون بأجمعهم إلى دين واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ : منهم من كذب، ومنهم من قتل، لكن القتل إن كان فهو في الأنبياء غير الرسل؛ لأنه - - قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ أخبر أنه ينصر رسله، وليس في القتل نصر.
ويحتمل قوله: ﴿ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ ، أي: فريقاً قصدوا قصد قتلهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
قوله : ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : ولم يبين ما الفتنة التي حسبوا ألا تكون، فأهل التأويل اختلفوا فيها: قال قائلون: الفتنة: المحنة التي فيها الشدة، حسبوا ألا يأتيهم الرسل بامتحانهم على خلاف هواهم، بل جاءتهم الرسل؛ ليمتحنوا على خلاف ما أحدثوا من هوى أنفسهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: هلاك وعذاب بتكذيبهم الرسل، وقصدهم قصد قتلهم.
وقال ابن عباس - -: "ألا يكون شرك".
وقيل: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: حسبوا ألا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وبقتلهم الأنبياء بالبلاء والقحط، فعموا عن الهدى، فلم يبصروه، وصموا عن الهدى فلم يسمعوه؛ لما لم ينتفعوا به، ثم تاب الله عليهم فرفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد رفع البلاء.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ﴾ : ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ إلى قوله : ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [الإسراء: 6]؛ تابوا مرة ثم رجعوا ثم تابوا؛ فذلك قوله: ﴿ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ...
﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
إن المؤمنين واليهود والصابئين وهم طائفة من أتباع بعض الأنبياء والنصارى، من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل الأعمال الصالحة، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZXmJB"