الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٧٠ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 65 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله ، فنقضوا تلك العهود والمواثيق ، واتبعوا آراءهم وأهواءهم وقدموها على الشرائع ، فما وافقهم منها قبلوه ، وما خالفهم ردوه ; ولهذا قال : ( كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون)
القول في تأويل قوله : لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أقسم: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص في توحيدنا، (46) والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه= وأرسلنا إليهم بذلك رسلا ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيلَ من الثواب، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديدَ من العقاب= كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبَّتهم، كذّبوا منهم فريقًا، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا.
(47) --------------- الهوامش: (46) في المطبوعة: "وتوحيدنا" ، وفي المخطوطة: "الإخلاص توحيدنا" ، وكأن الصواب ما أثبت.
(47) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه مخطوطتنا ، وفيها ما نصه: "يتلوهُ: القول في تأويل قوله: { وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا } وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم كثيرًا".
قوله تعالى : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون .قوله تعالى : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا قد تقدم في ( البقرة ) معنى الميثاق وهو ألا يعبدوا إلا الله ، وما يتصل به ، والمعنى في هذه الآية لا تأس على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم ، وأرسلنا الرسل فنقضوا العهود ، وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله : أوفوا بالعقود .
كلما جاءهم أي : اليهود .
رسول بما لا تهوى أنفسهم [ ص: 183 ] لا يوافق هواهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون أي : كذبوا فريقا وقتلوا فريقا ; فمن كذبوه عيسى ومن مثله من الأنبياء ، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء ، وإنما قال : يقتلون لمراعاة رأس الآية ، وقيل : أراد فريقا كذبوا ، وفريقا قتلوا ، وفريقا يكذبون وفريقا يقتلون ، فهذا دأبهم وعادتهم فاختصر ، وقيل : فريقا كذبوا لم يقتلوهم ، وفريقا قتلوهم فكذبوا .
ويقتلون نعت لفريق ، والله أعلم .
يقول تعالى: { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ْ} أي: عهدهم الثقيل بالإيمان بالله، والقيام بواجباته التي تقدم الكلام عليها في قوله: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ْ} إلى آخر الآيات.
{ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ْ} يتوالون عليهم بالدعوة، ويتعاهدونهم بالإرشاد، ولكن ذلك لم ينجع فيهم، ولم يفد { كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ ْ} من الحق كذبوه وعاندوه، وعاملوه أقبح المعاملة { فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ْ}
قوله تعالى : ( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل ) في التوحيد والنبوة ، ( وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا ) عيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما ، ( وفريقا يقتلون ) يحيى وزكريا .
«لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل» على الإيمان بالله ورسله «وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول» منهم «بما لا تهوى أنفسهم» من الحق كذبوه «فريقا» منهم «كذَّبوا وفريقا» منهم «يقتلون» كزكريا ويحيى والتعبير به دون قتلوا حكاية للحال الماضية للفاصلة.
لقد أخذنا العهد المؤكَّد على بني إسرائيل في التوراة بالسمع والطاعة، وأرسلنا إليهم بذلك رسلنا، فَنَقَضوا ما أُخذ عليهم من العهد، واتبعوا أهواءهم، وكانوا كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تشتهيه أنفسهم عادَوْه: فكذبوا فريقًا من الرسل، وقتلوا فريقًا آخر.
المراد بالميثاق في قوله : ( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ ) : العهد الموثق الذي أخذه الله عليهم بواسطة أنبيائهم بأن يؤدوا ما كلفهم به من تكاليف وأن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند ظهوره .وقد أكد الله هذا الميثاق الذي أخذه عليهم بلام القسم وبقد المفيدة للتحقيق أي : بالله لقد أخذنا الميثاق على بني إسرائيل بأن يعبدوني ولا يشركون بي شيئاً ، وبأن ينفذوا ما كلفتهم به من المأمورات والمنهيات والشرائع والأحكام .وقوله ( وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً ) معطوف على ( أَخَذْنَا ) والتنكير في قوله : ( رُسُلاً ) للتكثير والتعظيم .أي : أخذنا العهد المؤكد عليهم بأن يسيروا على الطريق المستقيم ، وأرسلنا إليهم رسلا ذوي عدد كثير ، وألوى شأن خطير ، لكي يتعهدوهم بالتبشير والانذار ، ولكي يرشدوهم إلى ما يأتون وما يذرون من أمور دينهم .فأنت ترى أن الله - تعالى - مع أخذه الميثاق عليهم لم يتركهم هملا ، بل أرسل إليهم الرسل ليعينوهم على تنفيذ ما جاء به .ولم يذكر - سبحانه - هنا موضوع هذا الميثاق ، اكتفاء بذكره في مواطن أخرى كثيرة .
ومن ذلك قوله - تعالى - قبل ذلك في هذه السورة .( وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَآتَيْتُمُ الزكاة وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ) الآية .وقوله : ( كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) بيان لموقفهم الذميم من الميثاق الذي أخذ عليهم ومن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله لهدايتهم وسعادتهم .أي : أخذنا الميثاق المؤكد عليهم ، وأرسلنا إليهم رسلا كثيرين لهدايتهم ولكنهم نقضوا الميثاق ، وعصوا الرسل ، فكانوا ( كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ ) لما لا تشتيه نفوسهم الشقية ، وبما لا تميل إليه قلوبهم الردية ، ناصبوه العداء؛ فكذبوا بعض الرسل ، ولم يكتفوا مع البعض الآخر بالتكذيب بل أضافوا إليه القتل .ولقد كذب اليهود جميع الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ولم يؤمن بهم إلا قلة منهم .
وقتلوا من بين من قتلوا من الرسل بعد أن كذبهم : زكريا ويحيى ، وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - كما حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الله - تعالى - نجاهما من مكرهم وكيدهم .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ ) جملة شرطية وقعت صفة لقوله : ( رُسُلاً ) والرابط محذوف : أي : رسول منهم ( بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ ) أي بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم .فإن قلت : أين جواب الشرط قلت : هو محذوف يدل عليه ( فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) فكأنه قيل : كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه .والتعبير بقوله : ( كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) يدل على أن حال بني إسرائيل بالنسبة للرسل يدور بين أمرين أما التكذيب لهم ، والاستهانة بتعاليمهم وإما أن يجمعوا مع التكذيب قتلهم وإزهاق أرواحهم الشريفة .فكأن التكذيب والقتل قد صار سجيتين لهم لا تتخلفان في أي زمان ومع أي رسول ، وذلك لأن لفظ " كل " يدل على العموم .
" وما " مصدرية ظرفية دالة على الزمان ، فكأنه - سبحانه - يقولك في كل أوقات مجيء الرسل إليهم كذبوا ويقتلون دون أن يفرقوا بين رسول ورسول أو بين زمان وزمان .وقال - سبحانه - ( بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ ) للمبالغة في ذمهم ، إذ هوى النفس ميلها في الغالب إلى الشهوات التي لا تنبغي ، والرسل ما أرسلهم الله - تعالى - إلا الهداية الأنفس ، وكفها عن شهواتها التي يؤدي الوقوع فيها إلى المفاسد .وبنو إسرائيل لا يكذبون الرسل ، ويقتلونهم إلا لأنهم جاءهم بما يخالف هواهم ، ويتعارض مع أنانيتهم وشرهم ومطامعهم الباطلة .وهكذا الأمم عندما تفسد عقولها؛ وتسيطر عليها الأطماع والشهوات ، ترى الحسن قبيحا ، وتحارب من يهيدها إلى الرشاد حتى لكأنه عدو لها .وقدم - سبحانه - المفعول به في قوله ( فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) للاهتمام بتفصيل أحوال بني إسرائيل السيئة ، وبيان ما لقيه الرسل الكرام منهم .وعبر عن التكذيب بالفعل الماضي فقال : ( فَرِيقاً كَذَّبُواْ ) وعن القتل بالفعل المضارع فقال : ( وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) لحكاية الحال الماضية التي صدرت من أسلافهم بتصوير ما حصل في الماضي كأنه حاصل وقت التكلم ، ولاستحضار جريمتهم البشعة في النفوس حتى لكأنها واقعة في الحال ، وفي ذلك ما فيه من النعي عليهم .
والتوبيخ لهم والتعجيب من أحوالهم التي بلغت نهاية الشناعة والقبح .
أعلم أن المقصود بيان عتو بني إسرائيل وشدة تمردهم عن الوفاء بعهد الله، وهو متعلق بما افتتح الله به السورة، وهو قوله: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ فقال: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إسراءيل ﴾ يعني خلقنا الدلائل وخلقنا العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال، وأرسلنا إليهم رسلاً بتعريف الشرائع والأحكام.
وقوله: ﴿ كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُهُمْ ﴾ جملة شرطية وقعت صفة لقوله: ﴿ رُسُلاً ﴾ والراجع محذوف، والتقدير: كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم، أي بما يخالف أهواءهم وما يضاد شهواتهم من مشاق التكليف.
وههنا سؤالات: الأول: أي جواب الشرط؟
فإن قوله: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ لا يصلح أن يكون جواباً لهذا الشرط، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين.
والجواب: أن جواب الشرط محذوف، وإنما جاز حدفه لأن الكلام المذكور دليل عليه، والتقدير: كلما جاءهم رسول ناصبوه، ثم إنه قيل: فكيف ناصبوه؟
فقيل: فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون.
وقوله: الرسول الواحد لا يكون فريقين.
فنقول: إن قوله: ﴿ كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ ﴾ يدل على كثرة الرسل، فلا جرم جعلهم فريقين.
السؤال الثاني: لم ذكر أحد الفعلين ماضياً، والآخر مضارعاً؟
والجواب: أنه تعالى بيّن أنهم كيف كانوا يكذبون عيسى وموسى في كل مقام، وكيف كانوا يتمردون على أوامره وتكاليفه، وأنه عليه السلام إنما توفى في التيه على قول بعضهم لشؤم تمردهم عن قبول قوله في مقاتلة الجبارين.
وأما القتل فهو ما اتفق لهم في حق زكريا ويحيى عليهما السلام، وكانوا قد قصدوا أيضاً قتل عيسى وإن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه، فذكر التكذيب بلفظ الماضي هنا إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام، لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لكون ذلك الزمان قريباً فكان كالحاضر.
السؤال الثالث: ما الفائدة في تقديم المفعول في قوله تعالى: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .
والجواب: قد عرفت أن التقديم إنما يكون لشدة العناية، فالتكذيب والقتل وإن كانا منكرين إلا أن تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقتلهم أقبح، فكان التقديم لهذه الفائدة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا ﴾ ميثاقهم بالتوحيد ﴿ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً ﴾ ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم ﴿ كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ ﴾ جملة شرطية وقعت صفة لرسلاً، والراجع محذوف أي رسول منهم ﴿ بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُهُمْ ﴾ بما يخالف هواهم ويضادّ شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع.
فإن قلت: أين جواب الشرط فإن قوله: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ ناب عن الجواب، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه يحسن أن تقول إن أكرمت أخي أخاك أكرمت؟
قلت: هو محذوف يدل عليه قوله: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه، وقوله: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ ﴾ جواب مستأنف لقائل يقول: كيف فعلوا برسلهم؟
فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضياً وبالآخر مضارعاً؟
قلت: جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها.
قرئ: أن لا يكون، بالنصب على الظاهر.
وبالرفع عن (أن) هي المخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يكون فتنة فخففت (أن) وحذف ضمير الشأن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا ﴾ لِيُذَكِّرُوهم ولِيُبَيِّنُوا لَهم أمْرَ دِينِهِمْ.
﴿ كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ ﴾ بِما يُخالِفُ هَواهم مِنَ الشَّرائِعِ ومَشاقِّ التَّكالِيفِ.
﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ صِفَةُ رُسُلًا والرّاجِعُ مَحْذُوفٍ أيْ رَسُولٍ مِنهم.
وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وهو اسْتِئْنافٌ، وإنَّما جِيءَ بِ يَقْتُلُونَ مَوْضِعَ قَتَلُوا عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لَها واسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن دَيْدَنِهِمْ ماضِيًا ومُسْتَقْبَلًا ومُحافَظَةً عَلى رُؤُوسِ الآيِ.
<div class="verse-tafsir"
{لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} بالتوحيد {وأرسلنا إليهم رسلاً} ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم {كلّما جآءَهُم رسول} جملة شرطية وقعت صفة لرسلا
المائدة (٧٠ _ ٧٣)
والراجع محذوف أي رسول منهم {بما لا تهوى أنفسهم} بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع وجواب الشرط محذوف دل عليه {فريقاً كذَّبُوا وفريقاً يقتلون} كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه وقوله فريقاً كذبوا جواب مستأنف لقائل كأنه يقول كيف فعلوا برسلهم وقال يقتلون بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل وتنبيهاً على أن القتل من شأنهم وانتصب فريقا وفريقا على أنه مفعول كذبوا ويقتلون وقيل التكذيب مشترك بين اليهود والنصارى والقتل مختص باليهود فهم قتلوا زكريا ويحيى
﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمُ المُنادِيَةِ بِاسْتِبْعادِ الإيمانِ مِنهُمْ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مُتَعَلِّقًا بِما افْتَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ السُّورَةَ، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
والمُرادُ بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ العَهْدُ المُؤَكَّدُ الَّذِي أخَذَهُ أنْبِياؤُهم عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واتِّباعِهِ فِيما يَأْتِي ويَذَرُ، أوْ في التَّوْحِيدِ، وسائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ المَكْتُوبَةِ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ.
﴿ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا ﴾ ذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، وأُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ يُعَرِّفُونَهم ذَلِكَ ويَتَعَهَّدُونَهم بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ، ويُطْلِعُونَهم عَلى ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ في دِينِهِمْ ﴿ كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ بِما لا تَمِيلُ إلَيْهِ مِنَ الشَّرائِعِ، ومَشاقِّ التَّكالِيفِ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ دُونَ ( بِما تَكْرَهُهُ أنْفُسُهم ) لِلْمُبالَغَةِ في ذَمِّهِمْ، وكَلِمَةُ كُلَّما - كَما قالَ أبُو حَيّانَ -: مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ لِإضافَتِها إلى ما المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَتْ كَلِمَةَ شَرْطٍ، وقَدْ أطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْها الفُقَهاءُ وأهْلُ المَعْقُولِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ السَّفاقِسِيُّ بِأنَّ تَسْمِيَتَها شَرْطًا لِاقْتِضائِها جَوابًا كالشَّرْطِ الغَيْرِ الجازِمِ، فَهي مِثْلُ ( إذا ) ولا بُعْدَ فِيهِ، وجَوابُها - كَما قِيلَ - قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ .
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، وقَدَّرَهُ ابْنُ المُنِيرِ اسْتَكْبَرُوا؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا ﴾ إلَخْ، والبَعْضُ ناصَبُوهُ؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّوْبِيخِ عَلى ما قابَلُوا بِهِ مَجِيءَ الرَّسُولِ الهادِي لَهُمْ، وأنْسَبُ بِما وقَعَ في التَّفْصِيلِ مُسْتَقْبَحًا غايَةَ الِاسْتِقْباحِ، وهو القَتْلُ - عَلى ما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - فَإنَّ الِاسْتِكْبارَ إنَّما يُفْضِي إلَيْهِ بِواسِطَةِ المُناصَبَةِ.
وأمّا في الآيَةِ الأُخْرى فَقَدْ قُصِدَ إلى اسْتِقْباحِ الِاسْتِكْبارِ؛ نَظَرًا إلَيْهِ في نَفْسِهِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ في الإتْيانِ بِالفاءِ في آيَةِ الِاسْتِكْبارِ إشارَةٌ إلى اعْتِبارِ الواسِطَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ( اسْتَكْبَرْتُمْ فَناصَبْتُمْ فَفَرِيقًا ) إلَخْ، وفِيهِ نَظَرٌ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الجَوابِ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ مُتَعَيَّنًا؛ لِأنَّ الكَلامَ تَفْصِيلٌ لِحُكْمِ أفْرادِ جَمْعِ الرُّسُلِ الواقِعِ قَبْلُ، أيْ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنَ الرُّسُلِ، والمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا ﴾ إلَخْ، يَقْتَضِي أنَّ الجائِي في كُلِّ مَرَّةٍ فَرِيقانِ، فَبَيْنَهُما تَدافُعٌ، وعَلى تَقْدِيرِ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَذا لا يَحْسُنُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ تَقْدِيرُ المَفْعُولِ، مِثْلُ: إنْ أكْرَمْتَ أخِي، أخاكَ أكْرَمْتُ؛ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ المُسْتَلْزِمِ لِلْجَزْمِ بِوُقُوعِ أصْلِ الفِعْلِ مَعَ النِّزاعِ في المَفْعُولِ، وتَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ يُشْعِرُ بِالشَّكِّ في أصْلِ الفِعْلِ، ولِأنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ - عَلى ما قِيلَ: - يُوجِبُ الفاءَ، إمّا لِجَعْلِهِ الفِعْلَ بَعِيدًا عَنِ المُؤَثِّرِ فَيُحْوِجُهُ إلى رابِطٍ، وإمّا لِأنَّهُ بِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ أشْبَهَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ المُفْتَقِرَةَ إلى الفاءِ، وقِيلَ: فِيهِ مانِعٌ آخَرُ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى أنَّهم كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ وقَعَ أحَدُ الأمْرَيْنِ لا كِلاهُما، فَلَوْ كانَ جَوابًا لَكانَ الظّاهِرَ أوْ بَدَلَ الواوِ، ومَن جَعَلَ الجُمْلَةَ جَوابًا لَمْ يَنْظُرْ إلى هَذِهِ المَوانِعِ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لِقَصْدِ التَّغْلِيظِ جُعِلَ قَتْلُ واحِدٍ كَقَتْلِ فَرِيقٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِنْسُهُ الصّادِقُ بِالكَثِيرِ، ويُؤَيِّدُهُ ( كُلَّما ) الدّالَّةُ عَلى الكَثْرَةِ.
وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لا يَقْتَضِي قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ مِثْلَهُ، وما ذُكِرَ مِنَ الوُجُوهِ أوْهامٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها، ولا يُوجَدُ مِثْلُهُ في كُتُبِ النَّحْوِ، ومِنهُ يُعْلَمُ دَفْعُ الأخِيرِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ مَوْلانا شِهابُ الدِّينِ بِأنَّهُ عَجِيبٌ مِنَ المُتَبَحِّرِ الغَفْلَةُ عَنْ مِثْلِ هَذا، وقَدْ قالَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: ( ويَجُوزُ أنْ يَنْطَلِقَ خَيْرًا يَصُبَّ ) خِلافًا لِلْفَرّاءِ، فَقالَ شُرّاحُهُ: أجازَ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ تَقْدِيمَ المَنصُوبِ بِالجَوابِ مَعَ بَقاءِ جَزْمِهِ، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ: ولِلْخَيْرِ أيّامٌ فَمَن يَصْطَبِرْ لَها ويَعْرِفْ لَها أيّامَها الخَيْرُ يَعْقُبِ تَقْدِيرُهُ ( يَعْقُبِ الخَيْرُ ) ومَنَعَ ذَلِكَ الفَرّاءُ مَعَ بَقاءِ الجَزْمِ، وقالَ: بَلْ يَجِبُ الرَّفْعُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أوْ عَلى إضْمارِ الفاءِ، وتَأوَّلَ البَيْتَ بِأنَّ الخَيْرَ صِفَةٌ لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: أيّامُها الصّالِحَةُ.
واخْتارَ ابْنُ مالِكٍ هَذا المَذْهَبَ في بَعْضِ كُتُبِهِ، ولَمّا رَأى الزَّمَخْشَرِيُّ اشْتِراكَ المانِعِ بَيْنَ الشَّرْطِ الجازِمِ وما في مَعْناهُ مالَ إلَيْهِ، خُصُوصًا وقُوَّةُ المَعْنى تَقْتَضِيهِ، فَهو الحَقُّ، انْتَهى.
والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةُ ( رُسُولٌ ) والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ: رَسُولٌ مِنهُمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ جُمْهُورُ المُعْرِبِينَ.
واخْتارَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِأخْذِ المِيثاقِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ؟
فَقِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ بِما لا تُحِبُّهُ أنْفُسُهُمُ المُنْهَمِكَةُ في الغَيِّ والفَسادِ مِنَ الأحْكامِ الحَقَّةِ والشَّرائِعِ عَصَوْهُ وعادُوهُ، واعْتَرَضَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ القَوْلِ بِالوَصْفِيَّةِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ إذا جُعِلَتْ صِفَةً أوْ صِلَةً يُنْسَخُ ما فِيها مِنَ الحُكْمِ، ويُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْصُوفِ وتَتِمَّةً لَهُ، ولِذا وجَبَ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ لَهُ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارَ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ، ولا رَيْبَ في أنَّ ما سِيقَ لَهُ النَّظْمُ إنَّما هو بَيانُ أنَّهم جَعَلُوا كُلَّ مَن جاءَهم مِنَ الرُّسُلِ عُرْضَةً لِلْقَتْلِ والتَّكْذِيبِ حَسْبَما يُفِيدُهُ جَعْلُها اسْتِئْنافًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، لا بَيانُ أنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا مَوْصُوفِينَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنهم كَذَلِكَ، كَما هو مُقْتَضى جَعْلُها صِفَةً، انْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ إلَخْ، مَسُوقٌ لِبَيانِ جِناياتِهِمْ والنَّعْيِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، كَما اعْتَرَفَ بِهِ المُعْتَرِضُ، وهو لا يُفِيدُهُ إلّا بِالنَّظَرِ إلى الصِّفَةِ الَّتِي هي مَرْمى النَّظَرِ، كَما في سائِرِ القُيُودِ، وأمّا كَوْنُها مَعْلُومَةً فَلا ضَيْرَ فِيهِ، فَإنَّكَ إذا وبَّخْتَ شَخْصًا، وقُلْتَ لَهُ: فَعَلْتَ كَيْتَ وكَيْتَ وهو أعْلَمُ بِما فَعَلَ لا يَضُرُّ ذَلِكَ في تَقْرِيعِهِ وتَعْيِيرِهِ، بَلْ هو أقْوى كَما لا يَخْفى عَلى الخَبِيرِ بِأسالِيبِ الكَلامِ، فَلا تَلْتَفِتْ إلى مَثَلِ هَذِهِ الأوْهامِ، انْتَهى.
ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ: ( وهو لا يُفِيدُهُ إلّا بِالنَّظَرِ إلى الصِّفَةِ إلَخْ ) مِنَ المَنعِ الظّاهِرِ، وكَذا جَعْلُ ما نَحْنُ فِيهِ نَظِيرَ قَوْلِكَ لِشَخْصٍ تُرِيدُ تَوْبِيخَهُ: فَعَلْتَ كَيْتَ وكَيْتَ - وهو أعْلَمُ بِما فَعَلَ - فِيهِ خَفاءٌ، والَذى يَحْكُمُ بِهِ الإنْصافُ بَعْدَ التَّأمُّلِ جَوازَ الأمْرَيْنِ، وأنْ ما ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ أوْلى، فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ.
والتَّعْبِيرُ بِـ( يَقْتُلُونَ ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ ( قَتَلُوا ) كَـ( كَذَبُوا ) لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ مِن أسْلافِهِمْ لِلتَّعْجِيبِ مِنها، ولَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ في التَّكْذِيبِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالقَتْلِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا رِعايَةُ الفَواصِلِ، وعَلَّلَ بَعْضُهُمُ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ فِيهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهُمُ المُسْتَمِرُّ، فَهم بَعْدُ يَحُومُونَ حَوْلَ قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واقْتَصَرَ البَعْضُ عَلى قَصْدِ حِكايَةِ الحالِ لِقَرِينَةِ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ، وتَقْدِيمُ ( فَرِيقًا ) في الوَضْعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ وتَشْوِيقِ السّامِعِ إلى ما فَعَلُوا بِهِ لا لِلْقَصْرِ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قال في رواية الكلبي: هم قوم آمنوا بعيسى، ولم يؤمنوا بغيره، ولم يرجعوا.
ويقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم وهم المنافقون.
ويقال: في الآية تقديم يعني: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا من آمن من اليهود والنصارى والصابئين، وَعَمِلَ صالِحاً فلهم أجرهم عند ربهم.
وقال: في هذه السورة وَالصَّابِئُونَ وقال في موضع آخر: وَالصَّابِئِينَ لأنه معطوف على خبر إن وكل اسم معطوف على خبر إن، كان فيه طريقان، إن شاء رفع، وإن شاء نصب، كقوله: «إن زيداً قادم وعمرو» إن شاء نصب الثاني، وإن شاء رفعه، كقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: 3] وقد قرأ: ورسوله ولكنه شاذ، وكذلك هاهنا جاز أن يقول: (والصابئين) وَالصَّابِئُونَ، إلا أن في هذه السورة كتب بالرفع.
ثم قال: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني: لمن آمن، والذين سبق ذكرهم فلهم ثوابهم عند ربهم الجنة فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
قوله تعالى: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: عهدهم في التوراة، وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لاَ تَهْوى أَنْفُسُهُمْ يعني: بما لا يوافق هواهم، فَرِيقاً كَذَّبُوا مثال عيسى ومن قبله، وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ مثل يحيى وزكريا، وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام، فالله تعالى أمر النبي بتبليغ الرسالة، وأمره بأن لا يحزن عَلَيْهِمْ إن لم يؤمنوا، لأنهم من أهل السوء الذين فعلوا هذه الأفعال.
ثم قال: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ يعني: ظنوا أن لا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وقتلهم الأنبياء، ويقال: ظنوا أن لا يعاقبوا، ولا يصيبهم البلاء والشدة والقحط.
ويقال: ظنوا أن قتل الأنبياء لا يكون كفراً.
ويقال: ظنوا أن لا تفسد قلوبهم بالتكذيب وقتل الأنبياء.
قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو: أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ بضم النون.
وقرأ الباقون بالنصب.
فمن قرأ بالنصب، بمعنى أن.
ومن قرأ بالضم يعني: حسبوا أنه لا تكون فتنة.
معناه: حسبوا أن فعلهم غير فاتن لهم.
ثم قال تعالى: فَعَمُوا وَصَمُّوا يعني: عموا عن الحق، وصمّوا عن الهدى، فلم يسمعوه، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يقول: تجاوز عنهم، ورفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ويقال: معناه تاب الله على كثير منهم، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ويقال: من تاب الله عليهم، يعني: بعث محمدا ليدعوهم إلى التوراة ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا بتكذيب محمد ، ويقال: عَمُوا وَصَمُّوا حين عبدوا العجل، ثم تاب الله عليهم بعد ما قتلوا سبعين ألفاً وهذا على جهة المثل.
يعني: لم يعملوا بما سمعوا، ولم يعتبروا بما أبصروا، فصاروا كالعمي والصمي.
ثم قال: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ بقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل يعني: عليم بمجازاتهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نزِلَتْ هذه الآيةُ بسبب الأعرابيِّ الذي اخترط سيْفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ليقتُلَهُ به «١» .
قال ابنُ العربيِّ: قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ: معناه: يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك كَعِصَامِ الْقِرْبَةِ الذي يَمْنَعُ سَيَلاَنَ الماءِ منها، ولعلمائنا في الآية تأويلاتٌ.
أصحها: أنَّ العصمة عامَّة في كلِّ مكروهٍ، وأنَّ الآية نزلَتْ بعد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته صلّى الله عليه وسلّم «٢» .
وقيل: إنه أراد مِنَ القتل خاصَّة، والأول أصحّ، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم.
انتهى من كتابه في تفسير أفعال اللَّه الواقعة في القرآن.
ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقولَ لأهْل الكتابِ الحاضِرِينَ معه: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، أيْ: على شيءٍ مستقيمٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وفي إقامتهما الإيمانُ بنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، قلْتُ: وهذه الآية عنْدِي مِنْ أَخْوَفِ آية في القرآنِ كما أشار إلى ذلك سفيانُ، فتأمَّلها حقَّ التأمُّل.
وقوله سبحانه: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ...
الآية: يعني به القرآن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم في التَّوْراةِ بِأنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فِيمَن كُذِّبُوا، مُحَمَّدٌ، وعِيسى، وفِيمَن قُتِلُوا، زَكَرِيّا، ويَحْيى.
قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا التَّكْذِيبُ، فاليَهُودُ، والنَّصارى يَشْتَرِكُونَ فِيهِ.
وأمّا القَتْلُ فَيَخْتَصُّ اليَهُودَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصابِئُونَ والنَصارى مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ "اَلَّذِينَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ؛ ومِن غَيْرِها مِنَ المِلَلِ؛ فَكَأنَّ ألْفاظَ الآيَةِ حُصِرَ بِها الناسُ كُلُّهُمْ؛ وبَيَّنَتِ الطَوائِفَ عَلى اخْتِلافِها؛ وهَذا تَأْوِيلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ اَلْمُنافِقُونَ؛ فالمَعْنى: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ ألْفاظَ الآيَةِ عَدَّتِ الطَوائِفَ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تَنْتَقِلَ إلى الإيمانِ؛ ثُمَّ نَفى عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ؛ بِشَرْطِ انْتِقالِهِمْ إلى الإيمانِ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: "مَن آمَنَ"؛ في حَيِّزِ المُؤْمِنِينَ؛ بِمَعْنى: ثَبَتَ؛ واسْتَمَرَّ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: "هادُوا"؛ وتَفْسِيرُ "اَلصّابِئِينَ"؛ وتَفْسِيرُ "اَلنَّصارى"؛ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إعْرابِ "اَلصّابِئِينَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقَرَأ الجُمْهُورُ: "والصابِئُونَ"؛ بِالرَفْعِ؛ وعَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ؛ والقُرّاءُ السَبْعَةُ؛ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والجَحْدَرِيُّ: "والصابِئِينَ"؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ بَيِّنَةُ الإعْرابِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والزُهْرِيُّ: "والصابِيُونَ"؛ بِكَسْرِ الباءِ؛ وضَمِّ الياءِ؛ دُونَ هَمْزٍ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "والصابِئُونَ"؛ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ ؛ والخَلِيلِ ؛ ونُحاةِ البَصْرَةِ؛ أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ الَّذِي مَعْناهُ التَأْخِيرُ؛ وهو المُرادُ بِهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ ولا هم يَحْزَنُونَ؛ والصابِئُونَ والنَصارى كَذَلِكَ"؛ وأنْشَدَ الزَجّاجُ نَظِيرًا في ذَلِكَ: وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ فَقَوْلُهُ: "وَأنْتُمْ"؛ مُقَدَّمٌ في اللَفْظِ؛ مُؤَخَّرٌ في المَعْنى؛ أيْ: "وَأنْتُمْ كَذَلِكَ".
وحَكى الزَجّاجُ عَنِ الكِسائِيِّ ؛ والفَرّاءِ أنَّهُما قالا: "والصابِئُونَ"؛ عُطِفَ عَلى "والَّذِينَ"؛ إذِ الأصْلُ في "اَلَّذِينَ"؛ اَلرَّفْعُ؛ وإذْ نَصْبُ "إنَّ" ضَعِيفٌ؛ وخَطَّأ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ: "إنَّ" أقْوى النَواصِبِ؛ وحُكِيَ أيْضًا عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: "والصابِئُونَ"؛ عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "هادُوا"؛ والتَقْدِيرُ: "هادُوا هم والصابِئُونَ"؛ وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ المَعْنى: لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الصابِئِينَ هادُوا؛ وقِيلَ: "إنَّ"؛ بِمَعْنى "نِعْمَ"؛ وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ: ["والصابُونَ"؛ بِلا هَمْزَةٍ].
واتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها هو أنْ قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ الحَقُّ في نَفْسِهِ عَلى ما تَزْعُمُونَ مِن أنَّكم أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ؛ بَلْ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ مُسْتَقِيمٍ حَتّى تُؤْمِنُوا وتُقِيمُوا الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ بِأنَّهُ مَن آمَنَ في كُلِّ العالَمِ فَهو الفائِزُ الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اسْتِئْنافُ خَبَرٍ بِفِعْلِ أوائِلِهِمْ؛ وما نَقَضُوا مِنَ العُهُودِ؛ واجْتَرَحُوا مِنَ الجَرائِمِ؛ أيْ: "إنَّ العَصا مِنَ العُصَيَّةِ"؛ وهَؤُلاءِ يا مُحَمَّدُ مِن أُولَئِكَ؛ فَلَيْسَ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ بِبِدْعٍ.
و"كُلَّما"؛ ظَرْفٌ؛ والعامِلُ فِيهِ: "كَذَّبُوا"؛ و"يَقْتُلُونَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ هَواهم كانَ غَيْرَ الحَقِّ؛ وهو ظاهِرُ هَوى النَفْسِ مَتى أُطْلِقَ؛ فَمَتى قُيِّدَ بِالخَيْرِ ساغَ ذَلِكَ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في قِصَّةِ أُسارى بَدْرٍ: «فَهَوى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ أنا.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا ﴾ ؛ مَعْناهُ: كَذَّبُوهُ فَقَطْ؛ يُرِيدُ: اَلْفَرِيقُ مِنَ الرُسُلِ؛ ولَمْ يَقْتُلُوهُ؛ وفَرِيقًا مِنَ الرُسُلِ كَذَّبُوهُ؛ وقَتَلُوهُ؛ فاكْتَفى بِذِكْرِ القَتْلِ؛ إذْ هو يَسْتَغْرِقُ التَكْذِيبَ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف عاد به الكلام على أحوال اليهود وجراءتهم على الله وعلى رسله.
وذلك تعريض باليأس من هديهم بما جاء به محمّد صلى الله عليه وسلم وبأنّ ما قابلوا به دعوته ليس بدعاً منهم بل ذلك دأبهم جيلاً بعد جيل.
وقد تقدّم الكلام على أخذ الميثاق على اليهود غير مرّة.
أُولاها في سورة البقرة (83).
والرسل الّذين أرسلوا إليهم هم موسى وهارون ومن جاء بعدهما مثل يوشع بن نون وأشعيا وأرْميا وحزقيال وداوود وعيسى.
فالمراد بالرّسل هنا الأنبياء: من جاء منهم بشرع وكتاب، مثل موسى وداوود وعيسى، ومن جاء معزّزاً للشّرع مبيّنا له، مثل يوشع وأشعيا وأرميا.
وإطلاق الرّسول على النّبيء الّذي لم يجئ بشريعة إطلاق شائع في القرآن كما تقدّم، لأنّه لمَّا ذكر أنّهم قَتَلوا فريقاً من الرسل تعيَّن تأويل الرسل بالأنبياء فإنّهم ما قتلوا إلاّ أنبياء لا رسلاً.
وقوله: ﴿ كلّما جاءهم رسول بما لا تهوَى أنفسهم فريقاً كذّبوا ﴾ إلخ انتصب ﴿ كلّما ﴾ على الظرفيّة، لأنّه دالّ على استغراق أزمنة مَجيء الرسل إليهم فيدلّ على استغراق الرسل تبعاً لاستغراق أزمنة مجيئهم، إذْ استغراق أزمنة وجود شَيْء يستلزم استغراق أفراد ذلك الشيء، فما ظرفية مصدريّة دالّة على الزّمان.
وانتصب (كلَّ) على النّيابة عن الزّمان لإضافته إلى اسم الزّمان المبهم، وهو (مَا) الظرفية المصدرية.
والتقدير: في كلّ أوقات مجيء الرّسل إليهم كَذّبوا ويَقتلون.
وانتصب ﴿ كلَّما ﴾ بالفعلين وهو ﴿ كَذّبوا ﴾ و ﴿ يَقْتلون ﴾ على التّنازع.
وتقديم ﴿ كلّما ﴾ على العامل استعمال شائع لا يكاد يتخلّف، لأنّهم يريدون بتقديمه الاهتمام به، ليظهر أنّه هو محلّ الغرض المسوقة له جملتهُ، فإنّ استمرار صنيعهم ذلك مع جميع الرّسل في جميع الأوقات دليل على أنّ التّكذيب والقتل صارا سجيتين لهم لا تتخلّفان، إذ لم ينظروا إلى حال رسول دون آخر ولا إلى زمان دون آخر، وذلك أظهر في فظاعة حالهم، وهي المقصود هنا.
وبهذا التّقديم يُشرَبُ ظرف ﴿ كلّما ﴾ معنى الشرطية فيصير العامل فيه بمنزلة الجواب له، كما تصير أسماء الشّرط متقدّمة على أفعالها وأجوبتها في نحو ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ [النساء: 78].
إلاّ أنّ ﴿ كُلّما ﴾ لم يسمع الجزم بعدها ولذلك لم تعدّ في أسماء الشرط لأنّ (كلّ) بعيد عن معنى الشرطية.
والحقّ أنّ إطلاق الشرط عليها في كلام بعض النّحاة تسامح.
وقد أطلقه صاحب «الكشاف» في هذه الآية، لأنّه لم يجد لها سبباً لفظياً يوجب تقديمها بخلاف ما في قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ في سورة البقرة: (87)، وفي قوله: ﴿ أو كُلّما عاهدوا عهداً نبذة فريق منهم ﴾ (100) في تلك السورة، فإنّ التّقديم فيهما تبع لوقوعهما متّصلتين بهمزة الاستفهام كما ذكرناه هنالك، وإن كان قد سكت عليهما في الكشاف } لظهور أمرهما في تينك الآيتين.
فالأحسن أن تكون جملة ﴿ فريقاً كذّبوا ﴾ حالاً من ضمير ﴿ إليهم ﴾ لاقترانها بضمير موافِق لصاحب الحال، ولأنّ المقصود من الخبر تفظيع حال بني إسرائيل في سوء معاملتهم لهداتهم، وذلك لا يحصل إلاّ باعتبار كون المرسَل إليهم هذه حالهم مع رسلهم.
وليست جملة ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ وما تقدّمها من متعلّقها استئنافاً، إذ ليس المقصود الإخبار بأنّ الله أرسل إليهم رسلاً بل بمدلول هذا الحال.
وبهذا يظهر لك أنّ التّقسيم في قوله: ﴿ فريقاً كذّبوا وفريقاً يقتلون ﴾ ليس لرسول من قوله: ﴿ كلّما جاءهم رسول ﴾ بل ل ﴿ رُسلاً ﴾ ، لأنَّنا اعتبرنا قوله: ﴿ كلّما جاءهم رسول ﴾ مقدّماً من تأخير.
والتقدير: وأرسلنا إليهم رسلاً كذّبوا منهم فريقاً وقتلوا فريقاً كُلّما جاءهم رسول من الرسل.
وبهذا نستغني عن تكلّفات وتقدير في نظم الآية الآتي على أبرع وجوه الإيجاز وأوضح المعاني.
وقوله: ﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ أي بما لا تحبّه.
يقال: هَوِي يهوَى بمعنى أحبّ ومَالت نفسه إلى ملابسة شيء.
إنّ بعثة الرسل القصد منها كبح الأنفس عن كثير من هواها الموقع لها في الفساد عاجلاً والخسران آجلاً، ولولا ذلك لتُرك النّاس وما يهوَوْن، فالشرائع مشتملة لا محالة على كثير من منع النّفوس من هواها.
ولمّا وصفت بنو إسرائيل بأنّهم يكذّبون الرسل ويقتلونهم إذا جاؤوهم بما يخالف هواهم علمنا أنّه لم يَخْلُ رسول جاءهم من أحد الأمرين أو كليهما: وهما التّكذيب والقتل.
وذلك مستفاد من ﴿ كلّما جاءهم رسول ﴾ ، فلم يبق لقوله: ﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ فائدة إلاّ الإشارة إلى زيادة تفظيع حالهم من أنّهم يكذّبون الرسل أو يقتلونهم في غير حالة يلتمسون لأنفسهم فيها عُذراً من تكليففٍ بمشقّة فادحة، أو من حدوث حادثثِ ثائرة، أو من أجل التّمسّك بدين يأبون مفارقته، كما فعل المشركون من العرب في مجيء الإسلام، بل لمجرّد مخالفة هوى أنفسهم بعد أن أخذ عليهم الميثاق فقبلوه فتتعطّل بتمرّدهم فائدة التّشريع وفائدة طاعة الأمّة لهُداتها.
وهذا تعليم عظيم من القرآن بأنّ من حقّ الأمم أن تكون سائرة في طريق إرشاد علمائها وهداتها، وأنّها إذا رامت حمل علمائها وهدَاتها على مسايرة أهوئها، بحيث يُعْصَوْن إذا دَعوا إلى ما يخالف هوى الأقوام فقد حقّ عليهم الخسران كما حقّ على بني إسرائيل، لأنّ في ذلك قلباً للحقائق ومحاولة انقلاب التّابع متبوعاً والقائد مقوداً، وأنّ قادة الأمم وعلماءها ونصحاءها إذا سايروا الأمم على هذا الخُلق كانوا غاشِّين لهم، وزالت فائدة علمهم وحكمتهم واختلط المَرْعِيّ بالهَمَل والحَابِلُ بالنابل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من استرعاه الله رعيّة فغشّها لم يَشُمّ رائحةَ الجنّة» فالمشركون من العرب أقرب إلى المعذرة لأنّهم قابلوا الرسول من أوّل وهلة بقولهم: ﴿ إنّا وجدنا آباءَنَا على أمّة وإنَّا على آثارهم مهتدون ﴾ [الزخرف: 22]، وقال قوم شعيب ﴿ أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ﴾ [هود: 87]، بخلاف اليهود آمنوا برسلهم ابتداء ثُمّ انتقضوا عليهم بالتّكذيب والتّقتيل إذا حملوهم على ما فيه خيرهم ممّا لا يهُوونه.
وتقديم المفعول في قوله: ﴿ فريقاً كذّبوا ﴾ لمجرّد الاهتمام بالتفصيل لأنّ الكلام مَسوق مساق التّفصيل لأحوال رُسل بني إسرائيل باعتبار ما لاَقوه من قومهم، ولأنّ في تقديم مفعول ﴿ يقتلون ﴾ رعاية على فاصلة الآي، فقدّم مفعول ﴿ كَذّبوا ﴾ ليكون المفعولان على وتيرة واحدة.
وجيء في قوله: ﴿ يَقتلون ﴾ بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار تلك الحالة الفظيعة إبلاغاً في التعجيب من شناعة فاعليها.
والضّمائر كلّها راجعة إلى بني إسرائيل باعتبار أنّهم أمّة يخلُف بعضُ أجيالها بعضاً، وأنّها رسخت فيها أخلاق متماثلة وعوائدُ متّبعة بحيث يكون الخَلف منهم فيها على ما كان عليه السلف؛ فلذلك أسندت الأفعال الواقعة في عصور متفاوتة إلى ضمائرهم مع اختلاف الفاعِلين، فإنّ الّذين قتلوا بعض الأنبياء فريق غير الّذين اقتصروا على التكذيب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّ المِيثاقَ آياتٌ مُبَيَّنَةٌ يُقَرِّرُها عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهم.
والثّانِي: أنَّ المِيثاقَ أيْمانٌ أخَذَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْمَلُوا بِها وأُمِرُوا بِتَصْدِيقِ رُسُلِهِ.
﴿ وَأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا ﴾ يَعْنِي بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ.
﴿ كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ ﴾ هَوى النَّفْسِ مَقْصُورٌ، وهَواءُ الجَوِّ مَمْدُودٌ، وهُما يَشْتَرِكانِ في مَعْنى الِاسْمِ لِأنَّ النَّفْسَ تَسْتَمْتِعُ بِهَواها كَما تَسْتَمْتِعُ بِهَواءِ الجَوِّ.
﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ يَعْنِي أنَّ الأنْبِياءَ إذا لَمْ يَحِلُّوا لَهم ما يَهْوُونَهُ في الدِّينِ كَذَّبُوا فَرِيقًا في الدِّينِ، كَذَّبُوا فَرِيقًا وقَتَلُوا فَرِيقًا، وهم قَدْ كَذَّبُوا مَن قَتَلُوهُ ولَكِنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنَّهُمُ اقْتَصَرُوا عَلى تَكْذِيبِ فَرِيقٍ وتَجاوَزُوا إلى قَتْلِ فَرِيقٍ.
﴿ وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها العُقُوبَةُ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.
والثّانِي: ما ابْتُلُوا بِهِ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِهِمْ.
والثّالِثُ: ما بُلُوا بِهِ مِن جِهَةِ المُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ.
﴿ فَعَمُوا وصَمُّوا ﴾ يَعْنِي، فَعَمُوا عَنِ المُرْشِدِ وصَمُّوا عَنِ المَوْعِظَةِ حَتّى تَسَرَّعُوا إلى قَتْلِ أنْبِيائِهِمْ حِينَ حَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ.
﴿ ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي أنَّهم تابُوا بَعْدَ مُعايَنَةِ الفِتْنَةِ فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم.
﴿ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا ﴾ يَعْنِي أنَّهم عادُوا بَعْدَ التَّوْبَةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَها، والعَوْدُ إنَّما كانَ مِن أكْثَرِهِمْ لا مِن جَمِيعِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: جاء رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، قالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من حق الله؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم «بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، كتمتم منها ما أمرتم أن تبينوا للناس فبرئت من أحداثكم» .
قالوا: فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله فيهم ﴿ قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ﴾ إلى قوله: ﴿ القوم الكافرين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ ، إن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي؟، الجواب: ليدل على أن ذلك من شأنهم، ففيه معنى: كذبوا وقتلوا، ويكذبون ويقتلون، مع أن قوله: (يقتلون) فاصلة يجب أن يكون موافقًا لرؤوس الآي.
ويمكن أن يقال التقدير فيه: فريقًا كذبوا لم يقتلوه، وفريقًا كذبوا يقتلون، فيكون (يقتلون) صفة للفريق، فلم يكن فيه عطف المستقبل على الماضي، وفي الجواب الأول لم يكن (كذبوا) ولا (يقتلون) صفة للفريق؛ لأن التقدير كذبوا فريقًا ويقتلون فريقًا، والفريق غير موصوف، وفي الجواب الثاني الفريق موصوف، وذكرنا تفسير الفريقين في البقرة عند قوله تعالى: ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ ﴾ تقدم الكلام على نظيرتها في [البقرة: 62] ﴿ والصابئون ﴾ قراءة السبعة بالواو وهي مشكلة حتى قالت عائشة: هي من لحن كتاب المصحف، وإعرابها عند أهل البصرة مبتدأ وخبره محذوف تقديره: والصائبون كذلك وهو مقدم في نية التأخير، وأجاز بعض الكوفيين أن يكون معطوفاً على موضع اسم إن، وقيل: إن هنا بمعنى نعم وما بعدها مرفوع بالابتداء وهو ضعيف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن لا تكون ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف غير سهل وحفص وأبي بكر وحماد.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ رسلاً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ لا لأن عامل ﴿ كلما ﴾ قوله ﴿ كذبوا ﴾ ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ كثير منهم ﴾ ط ﴿ بما يعملون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ من أنصار ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ واحد ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ويستغفرونه ﴾ ط والوصل أيضاً حسن بناء على أن الواو للحال أي هلا يستغفرونه وهو غفور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ الرسل ﴾ ط لأن الواو للاستنئاف لا للعطل ﴿ صدّيقة ﴾ ط لأن ما بعده لا يصلح للصفة لأن الضمير في ﴿ كانا ﴾ مثنى ﴿ الطعام ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ولا نفعاً ﴾ ط والوصل يحسن على أن الواو للحال أي يعبدون ما لا ينفع ولا يضر والحال أن الله يسمع دعاء المضطر ويعلم رجاء المعتر ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه ﴿ فعلوه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ أشركوا ﴾ ج لطول الكلام والفصل بين الوصفين المتضادين ﴿ نصارى ﴾ ط ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ من الحق ﴾ ج لاحتمال ما يتلوه الحال والاستئناف ﴿ الشاهدين ﴾ 5 ﴿ من الحق ﴾ لا لأن الواو بعده للحال.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه.
/التفسير: افتتح الله السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وانجر الكلام إلى ما انجرّ والآن عاد إلى ما بدأ به والمقصود بيان عتوّ بني إسرائيل وشدة تمردهم أي أخذنا ميثاقهم بخلق الدلائل وخلق العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ لتعريف الشرائع والأحكام.
قال في الكشاف ﴿ كلما جاءهم رسول ﴾ الخ جملة شرطية وقعت صفة لـ ﴿ رسلاً ﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي رسول منهم.
وأقول: الأصوب جعلها جملة مستأنفة جواباً لسائل يسأل كيف فعلوا برسلهم؟
ولهذا كان الوقف على ﴿ رسلاً ﴾ مطلقاً، أما جواب الشرط فاختار في الكشاف أنه محذوف لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن يقال: إن أكرمت أخي أخاك أكرمت فالتقدير: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه أو عادوه وقوله ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ جواب قائل: كيف فعلوا؟
وأقول أما أن التركيب المذكور غير مستحسن فعين النزاع، وأما أن الرسول الواحد لا يكون فريقين فتغليط لأن قوله ﴿ كلما ﴾ يدل على كثرة مجيء الرسل فلهذا صح جعلهم فريقين ومعنى ﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ بما يضاد شهواتهم لرغبتهم عن التكاليف، وفائدة تقديم المفعول وإيراد ﴿ يقتلون ﴾ مضارعاً ذكرناها في سورة البقرة وزعم في التفسير الكبير أنه ذكر التكذيب بلفظ الماضي لأنه إشارة إلى معاملتهم مع موسى في ألبتة وتمردهم عن قبول قوله وقد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المستقبل لأنه رمز إلى ما فعلوا بزكريا ويحيى وعيسى على زعمهم وإن ذلك الزمان قريب فكان كالحاضر.
﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ قال علماء الأدب: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء كالعلم والتيقن فيقع بعده أن المشددة الدالة على ثبات الشيء أيضاً لتأكيد مقتضاه كقوله: ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين ﴾ فإن خففت ودخلت على الفعل لم يجز إلا أن يكون مع فعله "قد" أو "سوف" أو "السين" أو حرف نفي ليكون كالعوض من إحدى النونين وقيل: من حذف ضمير الشأن مثل ﴿ علم أن سيكون ﴾ وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار نحو "أطمع" و "أخاف" و "أرجو" فلا يجيء معه إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ وفعل يحتمل المعنيين فيجوز فيه كلا الوجهين كقوله ﴿ وحسبوا أن لا تكون ﴾ قرىء بالنصب على أن المصدرية، وكون الحسبان بمعنى الظن وبالرفع على أن المخففة أي أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم، وما يشتمل عليه صلة "أن" و "أنّ" من المسند والمسند إليه سد مسد المفعولين و "كان" تامة.
والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا تقع فتنة وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
وعذاب الدنيا أقسام منها: القحط/ ومنها الوباء ومنها القتل ومنها العداوة والبغضاء فيما بينهم ومنها الإدبار والنحوسة وكل ذلك قد وقع بهم وقد فسرت الفتنة بكل ذلك، وحسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول أنهم كانوا يعتقدون أن لا نسخ لشريعة موسى، وأن كل رسول جاء بعده يجب تكذيبه، والثاني أنهم اعتقدوا كونهم مخطئين في التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأن نبوّة إسلافهم تدفع العقاب عنهم.
ثم إن الآية تدل على أن عماهم عن الدين وصممهم عن الحق حصل مرتين، فقال بعض المفسرين: إنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب الله على بعضهم حيث وفقهم للإيمان به ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ في زمان محمد فأنكروا نبوّته إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
وقوله ﴿ كثير منهم ﴾ بدل عن الضمير كقولك: رأيت القوم أكثرهم، وقيل: إنه على لغة من يقول "أكلوني البراغيث" وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم، وقال بعضهم: ﴿ عموا وصموا ﴾ حين عبدوا العجل ثم تابوا منه فتاب الله عليهم ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ بالتعنت وهو طلب رؤية الله جهرة.
وقال القفال: إنه يجوز أن يكون إشارة إلى ما في سورة بني إسرائيل ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما ﴾ ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وقرئ ﴿ فعموا وصموا ﴾ بالضم أي رماهم الله وضربهم بالعمى والصمم كما يقال: ركبته إذا ضربته بالركبة.
ثم إنه لما استقصى الكلام مع اليهود شرع في حكاية كلام النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم ﴿ قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ وهذا قول اليعقوبية القائلين إن مريم ولدت إلهاً، ولعل مرادهم أنه حل في ذات عيسى أو اتحد به.
ثم حكى عن المسيح ما حكى ليكون حجة قاطعة على فساد ما اعقتدوا فيه وذلك أنه لم يفرق بين نفسه وبين غيره في المربوبية وفي ظهور دلائل الحدوث عليه، ثم أكد ذلك المعنى بقوله: ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ أي في العبادة أو في تجويز الحلول أو الاتحاد أو في إجراء وصفه في المخلوقين أو بالعكس ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ التي هي دار الموحدين أي منعه منها ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ من كلام الله أو من حكاية قول عيسى لهم وقد مر تفسيره في آخر سورة آل عمران, وفيه تقريع لهم لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم أنصاراً كثيرة فيما يقولون ويعتقدون فنفى الله أو عيسى ذلك وإن كانوا يريدون بذلك تعظيمه.
قال المفسرون ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ معناه ثالث آلهة ثلاثة ليلزم الكفر وإلا فما من شيئين وإلا والله ثالثهما.
يحكى أن النصارى يقولون أب وابن وروح قدس والثلاثة إله واحد كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة.
وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، قالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء/ بالخمر، وزعموا أن الأب إله واحد، والابن إله واحد، والروح إله واحد، والكل إله واحد.
واعلم أن هذا معلوم البطلان بالبديهة لأن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة فلا جرم رد الله مقالتهم بقوله: ﴿ وما من إله إلا إله واحد ﴾ فزاد من الاستغراقية.
والمعنى ما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك.
ثم زجرهم بقوله ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا ﴾ قال الزجاج: يعني الذين أقاموا على هذا الدين لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية فـ "من" في قوله ﴿ منهم ﴾ للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان والمراد ليمسنهم، ولكن أقيم الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر ورمزاً إلى أنهم من الكفر بمكان حتى لو فسر الكفار المعذبون عنوا بذلك خاصة.
ومعنى ﴿ عذاب أليم ﴾ نوع شديد الألم من العذاب ﴿ أفلا يتوبون ﴾ قال الفراء: إنه أمر بلفظ الاستفهام وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر بعد الوعيد الشديد.
ثم احتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن لأنه منعهم من الكفر أوّلاً، ثم حثهم على الإسلام ثانياً، ثم شرع في حل شبههم ثالثاً، ومن هنا قيل: إن المرتد يستتاب بلا مهل ومناظرة إن عنت له شبهة بل يسلم أوّلاً ثم تحل شبهته ثانياً، والمعنى ما هو إلا رسول من جنس الرسل الماضين لا يتخطى الرسالة إلى الإلهية كما لم يتخطوا، فإن خلق من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وإن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فقد جعل موسى العصا حية تسعى إلى غير ذلك من آيات ربه الكبرى ﴿ وأمه صديقة ﴾ كبعض النساء المؤمنات بالأنبياء الصادقات في أقوالهن وأفعالهن وأحوالهن قال في وصفها: ﴿ وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ﴾ أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في إقامة مراسم العبودية.
ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلهاً، وفيه تكذيب لليهود المفرّطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات، وإلى الكذب في أن عيسى خلق من غير أب.
وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان مخلوقاً لا إلهاً.
ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ فإن المحتاج إلى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض، وكل هذه الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان.
ثم عجب من غاية غوايتهم ﴿ انظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر ﴿ كيف نبين لهم الآيات ﴾ الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم.
والعامل في ﴿ كيف ﴾ قوله ﴿ نبين ﴾ ومفعول ﴿ انظر ﴾ مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله ﴿ ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق.
أفكه بالفتح يأفكه/ بالكسر أفكاً بالفتح والسكون صرفه عن الشيء.
ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه مصروف عن الحق، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر.
ومعنى "ثم" التراخي والبون بين العجبين أي بينا لهم الآيات بياناً عجيباً ولكن إعراضهم عنها أعجب، ثم الصارف عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة، وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك مراراً.
ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى فقال ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ﴾ أي شيئاً لا يستطيع أو الذي لا يقدر على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئاً من ذلك لنفسه، فإن اليهود كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم.
ومن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان مصروف الهمة إلى عبادة الله ولو كان إلهاً كان معبوداً فقط لا عابداً له ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ يسمع أباطيلهم ويعلم ضمائرهم ليجازيهم عليه وفيه من الوعيد ما فيه.
ثم عاد إلى مخاطبة الفريقين فقال ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا ﴾ والغلو مجاوزة حد الاعتدال وأنه شامل لطرفي الإفراط والتفريط وإن كان قد يخص بطرف الإفراط ويجعل مقابلاً للتقصير.
ولعل المراد ههنا هو الأول فاليهود فرطوا فيه حيث نسبوه إلى الزنا والكذب، والنصارى أفرطوا فيه حيث ادعوا فيه الإلهية.
قال في الكشاف: قوله ﴿ غير الحق ﴾ صفة للمصدر أي غلوا غير الحق، ولزمه القول بأن الغلو في الدين غلو، إن حق وهو أن يبالغ في تقرير الحق وتوضيحه واستكشاف حقائقة، وباطل وهو أن يتبع الشبهات على حسب الشهوت، والثاني منهي عنه دون الأوّل، وأقول: لما كان الغلو مجاوزة الحد وكل شيء جاوز حدّه شابه ضدّه فكيف يتصوّر غلو حق ولّله در القائل: كلا طرفي قصد الأمور ذميم *** فالأصوب أن يقال: انتصب ﴿ غير الحق ﴾ على أنه صفة قائمة مقام المصدر أي لا تغلوا غلواً كقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي إفساداً وكقولهم: تعال جائياً وقم قائماً.
ولو سلم أن المصدر محذوف كان ﴿ غير الحق ﴾ صفة مؤكدة مثل ﴿ نفخة واحدة ﴾ و "أمس الدابر" لا صفة مميزة فافهم ﴿ ولا تتبعوا أهواء قوم ﴾ هي المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.
قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه ﴿ ولا تتبع الهوى فيضلك ﴾ ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ قال أبو عبيد: لم نجد للهوى موضعاً إلا في/الشر.
لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال إنما يقال يريد الخير ويحبه.
وقيل: سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.
وقال رجل لابن عباس: الحمد لّله الذي جعل هواي على هواك.
فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة ﴿ قد ضلوا من قبل ﴾ يعني أئمتهم في النصرانية واليهودية قبل بعث النبي ﴿ وأضلوا كثيراً ﴾ ممن شايعهم على التثليث أو التفريط في شأن مريم وابنها ﴿ وضلوا عن سواء السبيل ﴾ عند مبعث النبي فكذبوه.
والغرض بيان استمرارهم على الضلال قديماً وحديثاً.
وقيل: الضلال الأوّل عن الدين، والضلال الثاني عن الجنة.
وقيل: الضلال الثاني اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق ﴿ لعنهم الله ﴾ في الزبور على لسان داود وفي الإنجيل على لسان عيسى، وفيه تعيير لهم حيث ادعوا أنهم أولاد الأنبياء وقد لعنوا على ألسنتهم، وقال كثير من المفسرين: إن أصحاب أيلة كما سيجيء في الأعراف لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة.
وإن أصحاب المائدة لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي.
وعن الأصم أن داود وعيسى بشرا بمحمد ولعنا من يكذبه، وذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم.
ثم فسّر المعصية والاعتداء بقوله ﴿ كانوا لا يتناهون ﴾ وللتناهي معنيان: أحدهما وعليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً.
عن ابن مسعود أن النبي قال: " "من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم" وذلك أن في التناهي المأمور به حسماً للفساد فكان الإخلال به معصية وظلماً.
والثاني أنه بمعنى الانتهاء أي لا يمتنعون ولا ينتهون.
والمراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه لأن النهي بعد الفعل لا يفيد، أو المراد لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته، أو لا ينتهون أو لا ينهون عن الإصرار على منكر فعلوه.
ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً بالقسم المقدر فقال ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ ثم لما وصف أسلافهم بما وصف شرع في نعت الحاضرين بأن كثيراً منهم يتولون المشركين والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله وقد مر في تفسير سورة النساء عند قوله ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ ﴿ لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم ﴾ من العمل لمعادهم.
ومحل ﴿ أن سخط ﴾ رفع على أنه مخصوص بالذم أي بئس الزاد إلى الآخرة سخط الله يعني موجب سخط الله وسببه، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدّعون واتخذوا المشركين أولياء لأن تحريم ذلك متأكد في شريعة موسى ﴿ ولكن كثيراً منهم فاسقون ﴾ في دينهم لأن مرادهم تحصيل الرياسة والجاه بأي طريق قدروا عليه لا تقرير دين موسى.
ويحتمل أن يراد ولو كان هؤلاء اليهود المنافقون مؤمنين بالله وبمحمد والقرآن إيماناً خالصاً ما اتخذوا المشركين أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون متمردون في كفرهم ونفاقهم فلهذا يتولون المشركين.
وقال القفال: ولو أن هؤلاء المشركين يؤمنون بالله وبمحمد ما اتخذهم اليهود أولياء.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .
هذا - والله أعلم - وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث: منهم من يقول: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .
ومنهم من كان يخوفه ويمكر به، ليقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30].
ومنهم من كان يعرض عليه النساء والأموال؛ ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى دينه الذي هو عليه.
كانوا على الوجوه التي ذكرنا؛ فأمر الله - عز وجل - أن يقوم على تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله؛ لأن المرء قد يمتنع عن القيام بما عليه إذا خشي هلاكه أو لطلب مودة وصلة.
أو يمتنع عن القيام بما عليه إذا كُذِّبَ في القول، ولحقه أذى لذلك؛ فأمر الله - عز وجل - نبيه بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول، والأذى وترك طلب الموالاة، أي: لا يمنعك شيء من ذلك عن تبليغ ما أنزل إليك.
أو أن يكون الأمر بتبليغ الرسالة في حادث الوقت: أن بلغ ما أنزل إليك في حادث الوقت؛ كما بلغت في الماضي من الوقت.
أو أن يكون الأمر بتبليغ ما أنزل إليه أمراً بتبليغ البيان، أي: بلغ ما أنزل إليك من البيان كما بلغت تنزيلا؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ أخبر - عز وجل - أنه إنما أرسل الرسل على لسان قومهم؛ ليبينوا لهم؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .
أي: وإن [لم] تبلغ ما أنزل إليك؛ لما تخشى من الهلاك والمكر بك - كان كأن لم تبلغ الرسالة رأساً.
لم يعذر نبيه في ترك تبليغ الرسالة إليهم، وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له أن يتكلم بكلام الكفر، بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بالإيمان إذا خاف الهلاك على نفسه.
ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة وإن خشي على نفسه الهلاك؛ ذلك - والله أعلم - أن تبليغ الرسالة تعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون اللسان؛ فإذا أكره على الكفر إبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله مطمئناً بالإيمان.
وأما الرسالة: فلا سبيل له أن يبلغها إلا باللسان؛ لذلك لم يبح له تركها وإن خاف الهلاك؛ وهذا يدل لقولنا في المكره بالطلاق والعتاق أنه إذا تكلم به عمل؛ لتعلقهما باللسان دون القلب؛ فالإكراه لا يمنع نفاذ ما تعلق باللسان دون القلب كالرسالة التي ذكرنا، والله أعلم.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ﴾ ، أي: لم تبلغ الرسالة في حادث الوقت كأن لم تبلغ فيما مضى.
أو إن لم تبلغ البيان كما بلغت التنزيل فما بلغت الرسالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
فيه دليل إثبات رسالته لأنه - عز وجل - أخبر أنه عصمه من الناس؛ فكان ما قال؛ فدل أنه علم ذلك بالله، وكذلك في قوله - -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ : كان يقول بين ظهراني الكفرة: كيدوني جميعاً، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء؛ دل أنه كان ذلك بالله .
وعن عائشة - ا -: "كان النبي ليحرس، فلما نزل قوله - -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ قال: "انْصَرِفُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ" ؛ فانصرفوا.
ويحتمل قوله - -: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: بلغ ما أنزل إليك من الآيات والحجج والبراهين، التي جعلها الله أعلاما لرسالتك، وآثارا لنبوتك؛ ليلزمهم الحجة بذلك، والله أعلم.
قوله : ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ .
لا يُبْتَدَأُ الكلام بمثل هذا إلا عن قول أو دعوى تسبق، وليس في الآية بيان ما كان منهم؛ فيشبه أن يكون الذي كان منهم ما ادَّعُوْا أنهم على دين الله وعلى ولايته، أو ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، أو ما قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، أو نحو ذلك من أمانيهم ودعاويهم التي ادعوا لأنفسهم؛ فقال لرسوله: قل لهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قال الحسن: قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ ، أي: حتى تقيموا ما قد حرفتم وغيرتم من التوراة والإنجيل وبدلتم، وتثبتوا على ما أنزل وتؤمنوا به.
وقال غيره: [قوله - -]: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ بالشهادة والتصديق لما فيهما.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ...
﴾ : حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل من صفة محمد ونعته ومبعثه ونبوته ، وتبينوه للناس ولا تكتموه.
وهو وما ذكرنا واحد.
﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
من كتب أنبيائكم، وحتى تقيموا - أيضاً - ما أنزل من الكتب: كتب الرسل أجمع؛ لأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض - لا ينفع؛ حتى يؤمن بالرسل كلهم وبالكتب جملة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ : قد ذكرنا هذا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ : القرآن في أمر الرجم والقصاص ﴿ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ هو ما أمر الله نبيه أن يبلغ ما أنزل عليه بقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: لا تحزن على كفرهم؛ كقوله - -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، ونحو قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...ِ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: هم الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم.
وقال بعضهم: هم الذين آمنوا ببعض الرسل لم يتسموا باليهودية ولا بالنصرانية.
﴿ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم مَنْ هُمْ؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر ﴾ .
تأويل الآية - والله أعلم -: [وإن اختلفت] أديانهم، وتفرقت مذاهبهم لو آمنوا بالله وما ذكر، فلا خوف عليهم بما كان منهم في حال كفرهم؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : على فوت ما أعطاهم، أي: لا يفوتهم ذلك، والله أعلم.
قوله : ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .
قد أخذ الله - عز وجل - الميثاق على جميع البشر، وخصهم به دون غيرهم من الخلائق؛ لما رَكَّبَ فيهم ما يَعْرِفُ كُلٌّ به شهادة الخلقة على وحدانية ربه؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ .
ثم خص بني إسرائيل من البشر بفضل الميثاق؛ لما أرسل إليهم الرسل منهم، وهو قوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً ﴾ ، وكأنهم قد قبلوا تلك المواثيق؛ كقوله - - ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ إلى آخره؛ وكقوله - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ كان من الله لهم عهد [ومنهم لله عهد]، فأخبر أنهم إذا أوفوا بعهده يوفي بعهدهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .
في الآية دلالة أنهم كانوا يخالفون دين الرسل بأجمعهم؛ لما أحدثوا من اتباع أهوائهم، وأن الرسل - وإن اختلفت أوقات مجيئهم - فإنهم إنما يدعون بأجمعهم إلى دين واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ : منهم من كذب، ومنهم من قتل، لكن القتل إن كان فهو في الأنبياء غير الرسل؛ لأنه - - قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ أخبر أنه ينصر رسله، وليس في القتل نصر.
ويحتمل قوله: ﴿ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ ، أي: فريقاً قصدوا قصد قتلهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
قوله : ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : ولم يبين ما الفتنة التي حسبوا ألا تكون، فأهل التأويل اختلفوا فيها: قال قائلون: الفتنة: المحنة التي فيها الشدة، حسبوا ألا يأتيهم الرسل بامتحانهم على خلاف هواهم، بل جاءتهم الرسل؛ ليمتحنوا على خلاف ما أحدثوا من هوى أنفسهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: هلاك وعذاب بتكذيبهم الرسل، وقصدهم قصد قتلهم.
وقال ابن عباس - -: "ألا يكون شرك".
وقيل: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: حسبوا ألا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وبقتلهم الأنبياء بالبلاء والقحط، فعموا عن الهدى، فلم يبصروه، وصموا عن الهدى فلم يسمعوه؛ لما لم ينتفعوا به، ثم تاب الله عليهم فرفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد رفع البلاء.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ﴾ : ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ إلى قوله : ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [الإسراء: 6]؛ تابوا مرة ثم رجعوا ثم تابوا؛ فذلك قوله: ﴿ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ...
﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
لقد أخذنا العهود المؤكدة على بني إسرائيل بالسمع والطاعة، فنقضوا ما أخِذَ عليهم منها، واتبعوا ما تمليه أهواؤهم من الإعراض عما جاءتهم به رسلهم، ومن تكذيبهم بعضًا وقتلهم بعضا.
من فوائد الآيات العمل بما أنزل الله تعالى سبب لتكفير السيئات ودخول الجنة وسعة الأرزاق.
توجيه الدعاة إلى أن التبليغ المُعتَدَّ به والمُبْرِئ للذمة هو ما كان كاملًا غير منقوص، وفي ضوء ما ورد به الوحي.
لا يُعْتد بأي معتقد ما لم يُقِمْ صاحبه دليلًا على أنه من عند الله تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.W30m7"