الآية ٤ من سورة ق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ٤ من سورة ق

قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌۢ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة ق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى رادا عليهم : ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) أي : ما تأكل من أجسادهم في البلى ، نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان ؟

وأين ذهبت ؟

وإلى أين صارت ؟

( وعندنا كتاب حفيظ ) أي : حافظ لذلك ، فالعلم شامل ، والكتاب أيضا فيه كل الأشياء مضبوطة .

قال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) أي : ما تأكل من لحومهم وأبشارهم ، وعظامهم وأشعارهم .

وكذا قال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وغيرهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ ) يقول تعالى ذكره: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم بعد مماتهم, وعندنا كتاب بما تأكل الأرض وتفني من أجسامهم, ولهم كتاب مكتوب مع علمنا بذلك, حافظ لذلك كله, وسماه الله تعالى حفيظا, لأنه لا يدرس ما كتب فيه, ولا يتغير ولا يتبدل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, فال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ ) يقول: ما تأكل الأرض من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد, قوله ( مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ ) قال: من عظامهم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ ) يقول: ما تأكل الأرض منهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ ) قال: يعني الموت, يقول: من يموت منهم, أو قال: ما تأكل الأرض منهم إذا ماتوا.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, قال الله ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ ) يقول: ما أكلت الأرض منهم ونحن عالمون به, وهم عندي مع علمي فيهم في كتاب حفيظ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي : ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا الإعادة .

وفي التنزيل : قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى .

وفي الصحيح : كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب ، منه خلق وفيه يركب وقد تقدم .

وثبت أن الأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم ; حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم .

وقد بينا هذا في كتاب " التذكرة " وتقدم أيضا في هذا الكتاب .

وقال السدي : النقص هنا الموت يقول قد علمنا منهم من يموت ومن يبقى ; لأن من مات دفن فكأن الأرض تنقص من الناس .

وعن ابن عباس : هو من يدخل في الإسلام من المشركين .وعندنا كتاب حفيظ أي : بعدتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل .

وقيل : اللوح المحفوظ أي : محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء .

وقيل : الكتاب عبارة عن العلم والإحصاء ; كما تقول : كتبت عليك هذا أي : حفظته ; وهذا ترك الظاهر من غير ضرورة .

وقيل : أي : وعندنا كتاب حفيظ لأعمال بني آدم لنحاسبهم عليها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الذي يعلم ما تنقص الأرض من أجسادهم مدة مقامهم في برزخهم، وقد أحصى في كتابه الذي هو عنده محفوظ عن التغيير والتبديل، كل ما يجري عليهم في حياتهم، ومماتهم، وهذا الاستدلال، بكمال علمه، وسعته التي لا يحيط بها إلا هو، على قدرته على إحياء الموتى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال الله - عز وجل - : ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) أي تأكل من لحومهم ودمائهم وعظامهم لا يعزب عن علمه شيء .

قال السدي : هو الموت ، يقول : قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى ( وعندنا كتاب حفيظ ) [ محفوظ من الشياطين ومن أن يدرس ويتغير وهو اللوح المحفوظ ، وقيل : حفيظ ] أي : حافظ لعدتهم وأسمائهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قد علمنا ما تنقص الأرض» تأكل «منهم وعندنا كتاب حفيظ» هو اللوح المحفوظ فيه جميع الأشياء المقدرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قد علمنا ما تنقص الأرض وتُفني من أجسامهم، وعندنا كتاب محفوظ من التغيير والتبديل، بكل ما يجري عليهم في حياتهم وبعد مماتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التصوير الأمين لحججهم وأقوالهم ، ساق - سبحانه - الرد الذى يدفع تلك الحجج والأقوال فقال : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ ) .أى : قد علمنا علما تاما دقيقا ما تأكله الأرض من أجسادهم بعد موتهم ، ومن علم ذلك لا يعجزه أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى .وقوله - سبحانه - : ( وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ) تأكيد وتقرير لما قبله .أى : وعندنا بجانب علمنا الشامل الدقيق .

كتاب حافظ لجميع أحوال العباد ، ومسجلة فيه أقوالهم ، والمراد بهذا الكتاب : اللوح المحفوظ .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

إشارة إلى دليل جواز البعث وقدرته تعالى عليه، وذلك لأن الله تعالى بجميع أجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر، وقادر على الجمع والتأليف، فليس الرجوع منه ببعد، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الخلاق العليم  ﴾ حيث جعل للعلم مدخلاً في الإعادة، وقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض ﴾ يعني لا تخفى علينا أجزاؤهم بسبب تشتتها في تخوم الأرضين، وهذا جواب لما كانوا يقولون ﴿ أَءذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض  ﴾ يعني أن ذلك إشارة إلى أنه تعالى كما يعلم أجزاؤهم يعلم أعمالهم من ظلمهم، وتعديهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون، ويحتمل أن يقال معنى قوله تعالى: ﴿ وَعِندَنَا كتاب حَفِيظٌ ﴾ هو أنه عالم بتفاصيل الأشياء، وذلك لأن العلم إجمالي وتفصيلي، فالإجمالي كما يكون عند الإنسان الذي يحفظ كتاباً ويفهمه، ويعلم أنه إذا سئل عن أية مسألة تكون في الكتاب يحضر عنده الجواب، ولكن ذلك لا يكون نصب عينيه حرفاً بحرف، ولا يخطر بباله في حالة باباً باباً، أو فصلاً فصلاً، ولكن عند العرض على الذهن لا يحتاج إلى تجديد فكر وتحديد نظر، والتفصيلي مثل الذي يعبر عن الأشياء، والكتاب الذي كتب فيه تلك المسائل، وهذا لا يوجد عند الإنسان إلا في مسألة أو مسألتين.

أما بالنسبة إلى كتاب فلا يقال: ﴿ وَعِندَنَا كتاب حَفِيظٌ ﴾ يعني العلم عندي كما يكون في الكتاب أعلم جزءاً جزءاً وشيئاً شيئاً، والحفيظ يحتمل أن يكون بمعنى المحفوظ، أي محفوظ من التغيير والتبديل، ويحتمل أن يكون بمعنى الحافظ، أي حافظ أجزاءهم وأعمالهم بحيث لا ينسى شيئاً منها، والثاني هو الأصح لوجهين: أحدهما: أن الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ والله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ ولأن الكتاب على ما ذكرنا للتمثيل فهو يحفظ الأشياء، وهو مستغن عن أن يحفظ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَدْ عَلِمْنَا ﴾ ردّ لاستبعادهم الرجع، لأن من لطف علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم، كان قادراً على رجعهم أحياء كما كانوا.

عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب» ، وعن السدي: ﴿ مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ ﴾ ما يموت فيدفن في الأرض منهم ﴿ كتاب حَفِيظٌ ﴾ محفوظ من الشياطين ومن التغير، وهو اللوح المحفوظ.

أو حافظ لما أودعه وكتب فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِ مَوْتاهُمْ، وهو رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمْ بِإزاحَةِ ما هو الأصْلُ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ القَسَمِ واللّامُ مَحْذُوفٌ لِطُولِ الكَلامِ.

﴿ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ حافِظٌ لِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها، أوْ مَحْفُوظٌ عَنِ التَّغْيِيرِ، والمُرادُ إمّا تَمْثِيلُ عِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ بِعِلْمِ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ مَحْفُوظٌ يُطالِعُهُ، أوْ تَأْكِيدٌ لِعِلْمِهِ بِها بِثُبُوتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ.

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ الثّابِتَةَ بِالمُعْجِزاتِ، أوِ النَّبِيِّ  ، أوِ القُرْآنِ.

﴿ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ وقُرِئَ «لِما» بِالكَسْرِ.

﴿ فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ مُضْطَرِبٍ مِن مَرَجَ الخاتَمُ في أُصْبُعِهِ إذا خَرَجَ، وذَلِكَ قَوْلُهم تارَةً أنَّهُ شاعِرٌ وتارَةً أنَّهُ ساحِرٌ وتارَةً أنَّهُ كاهِنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ} رد لاستبادهم الرجع لأن من لطف علمه حتى علم ما تنقص من الأرض من أجساد الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم كان قادراً على رجعهم أحياء كما كانوا {وَعِندَنَا كتاب حَفِيظٌ} محفوظ من الشياطين ومن التغير وهو اللوح المحفوظ أو حافظ لما أودعه وكتب فيه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ أيْ ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِ مَوْتاهم وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ، وهو رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمْ بِإزاحَةِ ما هو الأصْلُ فِيهِ وهو أنَّ أجَزاءَهم تَفَرَّقَتْ فَلا تُعْلَمُ حَتّى تُعادَ بِزَعْمِهِمُ الفاسِدِ، وقِيلَ: ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم مَن يَمُوتُ فَيُدْفَنُ في الأرْضِ مِنهُمْ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِما ظاهِرٌ والأوَّلُ أظْهَرُ وهو المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ تَعْمِيمٌ لِعِلْمِهِ تَعالى أيْ وعِنْدَنا كِتابٌ حافِظٌ لِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها ويَدْخُلُ فِيها أعْمالُهم أوْ مَحْفُوظٌ عَنِ التَّغَيُّرِ، والمُرادُ إمّا تَمْثِيلُ عِلْمِهِ تَعالى بِكُلِّيّاتِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها بِعِلْمِ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ حَفِيظٌ يَتَلَقّى مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ أوْ تَأْكِيدٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِثُبُوتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ.

هَذا وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى رَدِّ شُبْهَةٍ تَمَسَّكَ بِها مَن يَرى اسْتِحالَةَ إعادَةِ المَعْدُومِ وفي البَعْثِ لِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ أجْزاءَ المَيِّتِ تَعْدَمُ ولا تَتَفَرَّقُ فَقَطْ، وحاصِلُها أنَّ الشَّيْءَ إذا عُدِمَ ولَمْ يَسْتَمِرَّ وُجُودُهُ في الزَّمانِ الثّانِي ثُمَّ أُعِيدَ في الزَّمانِ الثّالِثِ لَزِمَ التَّحَكُّمُ الباطِلُ في الحُكْمِ بِأنَّ هَذا المَوْجُودَ المُتَأخِّرَ هو بِعَيْنِهِ المَوْجُودُ السّابِقُ لا مَوْجُودَ آخَرَ مِثْلَهُ مُسْتَأْنِفٌ إذْ لَمّا فَقَدَ هُوِيَّةَ المَوْجُودِ الأوَّلِ لَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ المَوْضُوعِ والعَوارِضِ الشَّخْصِيَّةِ حَتّى يَكُونَ المَوْجُودُ الثّانِي مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ ويَكُونَ مُرَجِّحًا لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ ويَنْدَفِعَ التَّحَكُّمُ.

وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِيمٌ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها يَعْلَمُ كُلِّيّاتِها وجُزْئِيّاتِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ.

فَلِلْمَعْدُومِ صُورَةٌ جُزْئِيَّةٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ فَهو مَحْفُوظٌ بِعَوارِضِهِ الشَّخْصِيَّةِ في عِلْمِهِ تَعالى البَلِيغِ عَلى وجْهٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنِ المُسْتَأْنِفِ فَلا يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ، ويَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ انْحِفاظِ وحْدَةِ الصُّورَةِ الخَيالِيَّةِ فِينا بَعْدَ غَيْبَةِ المَحْسُوسِ عَنِ الحِسِّ كَما إذا رَأيْنا شَخْصًا فَغابَ عَنْ بَصَرِنا ثُمَّ رَأيْناهُ ثانِيًا فَإنّا نَحْكُمُ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ هو مَن رَأيْناهُ سابِقًا وهو حُكْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ مَبْنِيٌّ عَلى انْحِفاظِ وحَدْةِ الصُّورَةِ الخَيالِيَّةِ قَطْعًا ولا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وقالَ بَعْضُ الأشاعِرَةِ: إنَّ لِلْمَعْدُومِ صُورَةً جُزْئِيَّةً حاصِلَةً بِتَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ مِنَ المُوجِدِ وهو اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ لِلْمُسْتَأْنِفِ وُجُودِهِ فَإنَّ صُورَتَهُ وإنْ كانَتْ جُزْئِيَّةً حَقِيقِيَّةً أيْضًا إلّا أنَّها لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ ولا شَكَّ أنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ أكْمَلُ مِن غَيْرِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ فَبَيْنَ الصُّورَتَيْنِ تَمايُزٌ واضِحٌ، وإذا انْحَفَظَ وحَدْةُ المَوْجُودِ الخارِجِيِّ بِالصُّوَرِ الجُزْئِيَّةِ الخَيالِيَّةِ لَنا فانْحِفاظُها بِالصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ الحاصِلَةِ لَهُ تَعالى بِواسِطَةِ تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى انْتَهى، وهو حَسَنٌ لَكِنْ لا تُشِيرُ الآيَةُ إلَيْهِ.

وأيْضًا لا يَتِمُّ عِنْدَ القائِلِينَ بِعَدَمِ رُؤْيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ المَعْدُوَماتِ مُطْلَقًا إلّا أنَّ أُولَئِكَ قائِلُونَ بِثُبُوتِ هُوِيّاتِ المَعْدُوماتِ مُتَمايِزَةً تَمايُزًا ذاتِيًّا حالَ العَدَمِ فَلا تَرِدُ عَلَيْهِمُ الشُّبْهَةُ السّابِقَةُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ صِفَةَ البَصَرِ تَرْجِعُ إلى صِفَةِ العِلْمِ وتَعَلُّقاتُهُ مُخْتَلِفَةٌ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِعِلْمِهِ تَعالى تَعَلُّقًا خاصًّا بِالمَوْجُودِ الَّذِي عُدِمَ غَيْرَ تَعَلُّقِهِ بِالمُسْتَأْنِفِ في حالِ عَدَمِهِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الِامْتِيازُ ويَنْدَفِعُ التَّحَكُّمُ، ويُقالُ عَلى مَذْهَبِ الحُكَماءِ: إنَّ صُورَةَ المَعْدُومِ السّابِقِ مُرْتَسِمَةٌ في القُوى المُنْطَبِعَةِ لِلْأفْلاكِ بِناءً عَلى أنَّ صُوَرَ جَمِيعِ الحَوادِثِ الجُسْمانِيَّةِ مُنْطَبِعَةٌ فِيها عِنْدَهم فَلَهُ صُورَةٌ خَيالِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ مَحْفُوظَةُ الوَحْدَةِ الشَّخْصِيَّةِ بَعْدَ فَنائِهِ بِخِلافِ المُسْتَأْنِفِ إذْ لَيْسَ تِلْكَ الصُّورَةُ قَبْلَ وُجُودِهِ وإنَّما لَهُ الصُّوَرُ الكُلِّيَّةُ في الأذْهانِ العالِيَةِ والسّافِلَةِ فَإذا أُوجِدَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ الجُزْئِيَّةُ كانَ مَعادًا وإذا أُوجِدَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ الكُلِّيَّةُ كانَ مُسْتَأْنِفًا ورُبَّما يَدَّعِي الإسْلامِيُّ المُتَفَلْسِفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ رَمْزًا إلى ذَلِكَ، ولِلْجَلالِ الدَّوانِيُّ كَلامٌ في هَذا المَقامِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ عِنْدَ ذَوِي الأفْهامِ، ثُمَّ إنَّ البَعْثَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى صِحَّةِ إعادَةِ المَعْدُومِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِأنَّهم لا يَقُولُونَ إلّا بِتَفَرُّقِ أجْزاءِ المَيِّتِ دُونَ انْعِدامِها بِالكُلِّيَّةِ، ولَعَلَّ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُنْكِرِيهِ: ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَيْسَ مِنَ الإنْسانِ شَيْءٌ لا يَبْلى إلّا عَظْمٌ واحِدٌ وهو عَجْبُ الذَّنَبِ مِنهُ يَرْكَبُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ)».

ولَيْسَ نَصًّا في انْعِدامِ ما عَدا العَجْبِ بِالمَرَّةِ لِاحْتِمالِ أنْ يُرادَ بِبَلا غَيْرِهِ مِنَ الأجْزاءِ انْحِلالُها إلى ما تَرَكَّبَتْ مِنهُ مِنَ العَناصِرِ وأمّا هو فَيَبْقى عَلى العَظْمِيَّةِ وهو جُزْءٌ صَغِيرٌ في العَظْمِ الَّذِي في أسْفَلِ الصُّلْبِ، ومِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ العَجَبُ أمْرُهُ عَجَبٌ هو أوَّلُ ما يُخْلَقُ وآخِرُ ما يُخْلَقُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعني: من أهل مكة فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ يعني: أمر عجيب أن يكون محمد رسولاً، وهو من نسبهم.

قوله تعالى: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً بعد الموت، نجدد بعد ما متنا، نصير خلقاً جديداً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يعني: رد طويل لا يكون أبداً.

ويقال: رجع يرجع رجعاً إذا رجعه غيره، ورجع يرجع رجوعاً إذا رجع بنفسه، كقوله: صد يصد صدوداً، وصد يصد صداً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ أي: ذلك صرف بعيد.

قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ يعني: ما تأكل الأرض من لحومهم، وعروقهم، وما بقي منهم، ويقال: تأكل الأرض جميع البدن إلا العصعص، وهو عجب الذنب، وذلك العظم آخر ما يبقى من البدن.

فأول ما يعود، ذلك العظم ويركب عليه سائر البدن وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ يعني: اللوح المحفوظ.

قوله عز وجل: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني: كذبوا بالقرآن، وبمحمد  ، والبعث.

لَمَّا جاءَهُمْ أي: حين جاءهم فَهُمْ يعني: قريش فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ يعني: في قول مختلف، ملتبس.

المريج أن يقلق الشيء فلا يستقر.

ويقال: مرج الخاتم في يدي مرجاً إذا قلق للهزال.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي: من ترك الحق.

يقال: من ترك الحق أمرج عليه رأيه، والتبس عليه دينه.

ثم دلهم على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه، الذي يدل على وحدانيته فقال: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها بغير عمد وَزَيَّنَّاها بالكواكب وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ يعني: شقوق، وصدوع، وخلل.

قوله تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها يعني: بسطناها مسير خمسمائة عام من تحت الكعبة، وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت.

قوله: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ يعني: حسن طيب من الثمار، والنبات.

قوله تعالى: تَبْصِرَةً يعني: في هذا الذي ذكره من خلقه، تَبْصِرَةً لتبصروا به.

ويقال: عبرة.

وَذِكْرى يعني: تفكراً، وعظة.

لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني: مخلص بالتوحيد.

ويقال: راجع إلى ربه.

قوله تعالى: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء مُبارَكاً يعني: المطر فيه البركة حياة لكل شيء، فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ يعني: البساتين وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني: حين ما يخرج من سنبله.

ويقال: ما يحصد، وما لا يحصد، كل ما كان له حب.

ويقال: هي الحبوب التي تحصد.

قوله عز وجل: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ يعني: أطوال لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ يعني: الكفري نضيد.

يعني: مجتمع.

يقال: نضد بعضه على بعض.

ويقال: ثمر منضود إذا كان متراكباً بعضه على بعض.

ويقال: إنما يسمى نضيداً ما كان في الغلاف رِزْقاً لِلْعِبادِ يعني: جعلناه طعاماً للخلق.

يعني: الحبوب، والثمر.

وَأَحْيَيْنا بِهِ يعني: بالماء بَلْدَةً مَيْتاً إذا لم يكن فيها نبات، فهذا كله صفات بركة المطر.

ثم قال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ يعني: هكذا الخروج من القبر.

كما أحييت الأرض الميتة بالنبات، فكذلك لما ماتوا، وبقيت الأرض خالية، أمطرت السماء أربعين ليلة كمني الرجل، فدخل في الأرض، فتنبت لحومهم، وعروقهم، وعظامهم من ذلك، ثم يحييهم.

فذلك قوله: كَذلِكَ الْخُرُوجُ.

ثم عزى النبيّ  ليصبر على إيذاء الكفار.

يعني: لا تحزن بتكذيب الكفار إياك، لأنك لست بأول نبي، وكل أمة كذبت رسلها، مثل نوح، وهود- عليهم السلام- وغيرهم فقال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وخَصَّ هذا الصنف بالذكر تشريفاً لهم من حيثُ انتفاعُهُم بالتبصرة والذكرى، وَحَبَّ الْحَصِيدِ: البُرُّ، والشعير، ونحوُهُ مِمَّا هو نبات مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ قال أبو حيان «١» : وَحَبَّ الْحَصِيدِ من إضافة الموصوف إلى صفته على قول الكوفيين، أو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقَامه، أي: حب الزرع الحصيد على قول البصريين، وباسِقاتٍ حال مُقَدَّرَةٌ لأَنَّهَا حالةَ الإنبات ليست طوالاً، انتهى، وباسِقاتٍ: معناه طويلات ذاهبات في السماء، والطَّلْعُ أول ظهور التمر في الكفرّى، قال البخاريّ: ونَضِيدٌ معناه: مَنْضُودٌ بعضُه على بعض، انتهى، ووصف البلدة بالميت على تقدير القطر والبلد.

ثم بَيَّنَ سبحانه موضع الشَّبَهِ فقال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ يعني: من القبور، وهذه الآيات كلها إنَّما هي أَمْثِلَة وأَدِلَّة على البعث، وَأَصْحابُ الرَّسِّ: قوم كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرَّسُّ، وكُلُّ ما لم يُطْوَ من بئر، أو مَعْدِنٍ، أو نحوه فهو رَسٌّ، وجاءهم نبيٌّ/ يُسَمَّى حَنْظَلَةَ بن سفيان- فيما رُوِيَ- فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه، فأهلكهم اللَّهُ، وقال الضّحّاك: الرّسّ بئر قتل فيها صاحب «يس» «٢» ، وقيل: إنَّهم قوم عاد، واللَّه أعلم.

وقوله: كُلٌّ قال سيبويه: التقدير: كُلُّهم، والوعيد الذي حَقَّ: هو ما سبق به القضاءُ من تعذيبهم.

وقوله سبحانه: أَفَعَيِينا توقيف للكفار، وتوبيخ، والخلق الأَوَّلُ: إنشاء الإنسان من نُطْفَةٍ على التدريج المعلوم، وقال الحسن «٣» : الخلق الأول: آدم، واللَّبْسُ: الشَّكُّ والريب، واختلاط النظر، والخَلْقُ الجديد: البعث من القبور.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ...

الآية: الإنسان: اسم جنس، وتُوَسْوِسُ معناه: تتحدث في فكرتها، والوسوسةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غير الخير.

وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ: عبارة عن قُدْرَةِ الله على العبد،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ ق وَيُقالُ لَها: سُورَةُ الباسِقاتِ رَوى العَوْفِيُّ [وَغَيْرُهُ] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرَمَةُ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ [ق: ٣٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: "ق" قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الفاءِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: "قافَ" بِنَصْبِ الفاءِ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ: "قافُ" بِرَفْعِ الفاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "قافِ" بِكَسْرِ الفاءِ.

وفي "ق" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ جَبَلٌ مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ جَبَلًا يُقالُ لَهُ: "ق" مُحِيطٌ بِالعالَمِ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً، أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ.

وقالَ مُجاهِدٌ.

هو جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالأرْضِ.

ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، وعَلَيْهِ كَنَفا السَّماءِ، وخُضْرَةُ السَّماءِ مِنهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جَبَلٌ مِن نارٍ، في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن كَلِمَةٍ.

ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ افْتِتاحُ اسْمِهِ "قَدِيرٍ" قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ افْتِتاحُ أسْمائِهِ: القَدِيرِ والقاهِرِ والقَرِيبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ افْتِتاحُ "قُضِيَ الأمْرُ"، وأنْشَدُوا: قُلْنا لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ مَعْناهُ: أقِفُ، فاكْتَفَتْ بِالقافِ مِن "أقِفُ" حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا، ولا تَعْدُهُما، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

والخامِسُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَجِيدُ: الكَرِيمُ.

وفي جَوابِ هَذا القَسَمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: لَيُبْعَثُنَّ بَعْدَ المَوْتِ.

قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الكُفّارِ: ﴿ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: [قافْ] والقُرْآنِ المَجِيدِ لَقَدْ عَلِمْنا، فَحُذِفَتِ اللّامُ لِأنَّ ما قَبْلَها عِوَضٌ مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ .

.

.

.

﴿ قَدْ أفْلَحَ  ﴾ أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ، أجازَ هَذا القَوْلَ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ حُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ في سُورَةٍ أُخْرى، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ولَمْ يُبَيِّنْ في أيِّ سُورَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا ﴾ مُفَسَّرٌ في [ص: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ أيْ: مُعْجِبٍ.

﴿ أإذا مِتْنا ﴾ قالَ الأخْفَشُ: هَذا الكَلامُ عَلى جَوابٍ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: إنَّكم تَرْجِعُونَ، فَقالُوا: أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا؟

وقالَ غَيْرُهُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: قْ والقُرْآنِ لَيُبْعَثُنَّ، فَقالَ: أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا؛ والمَعْنى: أنُبَعَثُ إذا كُنّا كَذَلِكَ؟!

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَمّا تَعَجَّبُوا مِن وعِيدِ اللَّهِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  فَقالُوا: هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ، كانَ كَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: سَتَعْلَمُونَ إذا بُعِثْتُمْ ما يَكُونُ حالُكم في تَكْذِيبِكم مُحَمَّدًا، فَقالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ رَجْعٌ ﴾ أيْ: رَدٌّ إلى الحَياةِ "بَعِيدٌ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا يَكُونُ.

﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ ودِمائِهِمْ وأشْعارِهِمْ إذا ماتُوا، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ ﴿ وَعِنْدَنا ﴾ مَعَ عِلْمِنا بِذَلِكَ ﴿ كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ قَدْ أُثْبِتَ فِيهِ ما يَكُونُ.

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ ﴾ وهو القُرْآنُ.

والمَرِيجُ: المُخْتَلِطُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: مَرَجَ [أمْرُ] النّاسِ، ومَرَجَ الدِّينُ، وأصْلُ هَذا أنْ يَقْلَقَ الشَّيْءُ، ولا يَسْتَقِرُّ، يُقالُ: مَرَجَ الخاتَمُ في يَدِي: إذا قَلِقَ، لِلْهُزالِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى اخْتِلاطِ أمْرِهِمْ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ  مَرَّةً: ساحِرٌ، ومَرَّةً: شاعِرٌ، وَمَرَّةً: مُعَلَّمٌ، ويَقُولُونَ لِلْقُرْآنِ مَرَّةً: سِحْرٌ،وَمَرَّةً: مُفْتَرًى، ومَرَّةً: رَجَزٌ، فَكانَ أمْرُهم مُلْتَبِسًا مُخْتَلِطًا عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ ق هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، رَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ ق هَوَّنَ اللهُ عَلَيْهِ المَوْتَ وسَكَراتِهِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ ق والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ ﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: [ق] اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، وقالَ أيْضًا: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقالَ قَتادَةُ والشَعْبِيُّ: هو اسْمُ السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: هُمُ اسْمُ الجَبَلِ المُحِيطِ بِالدُنْيا، وهو فِيما يَزْعُمُونَ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، مِنها خُضْرَةُ السَماءِ وخُضْرَةُ البَحْرِ.

و"المَجِيدُ": الكَرِيمُ في أوصافِهِ الَّذِي جَمَعَ كُلَّ عِلِيٍّ، و[ق] -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ- مُقْسَمٌ بِهِ وبِالقُرْآنِ المَجِيدِ، وجَوابُ القَسَمِ مُنْتَظَرٌ، واخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ  ﴾ ، وقِيلَ: الجَوابُ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى  ﴾ ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، عن سَعِيدٍ الأخْفَشِ: الجَوابُ ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ ، وضَعَّفَهُ النُحاسُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ مِنَ النُحاةِ: الجَوابُ "بَلْ عَجِبُوا"، والمَعْنى: لَقَدْ عَجِبُوا قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ  ﴾ ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكَلُّفٌ وتَحَكُّمٌ عَلى اللِسانِ، وقالَ الزَجّاجُ، والمُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: الجَوابُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "ق والقُرْآنُ المَجِيدُ لَتُبْعَثُنَّ"، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ الَّذِي يَقَعُ عنهُ الإضْرابُ بِـ "بَلْ"،كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والقُرْآنِ المَجِيدِ ما رَدُّوا أمَرَكَ بِحُجَّةٍ، أو ما كَذَبُوكَ بِبُرْهانٍ، ونَحْوُ هَذا مِمّا لا بُدَّ لَكَ مِن تَقْدِيرِهِ بَعْدَ الَّذِي قَدَّرَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّك إذا قُلْتَ "الجَوابُ "لَتُبْعَثُنَّ" فَلا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تُقَدِّرَ خَبَرًا عنهُ يَقَعُ الإضْرابُ، وهَذا الَّذِي جَعَلْناهُ جَوابًا وجاءَ في المُقَدَّرِ أخْصَرُ.

وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى [ق]: إنَّهُ حَرْفٌ دالٌّ عَلى الكَلِمَةِ نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافِ..................

واخْتَلَفُوا بَعْدُ، فَقالَ القُرْطُبِيُّ: هو دالٌّ عَلى أسْماءِ اللهِ تَعالى هِيَ: قادِرٌ وقاهِرٌ وقَرِيبٌ وقاضٍ وقابِضٌ.

وقِيلَ: المَعْنى: قُضِيَ الأمْرُ مِن رِسالَتِكَ ونَحْوِهِ.

"والقُرْآنُ المَجِيدُ"، فَجَوابُ القَسَمِ في الكَلامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ق]، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا، وقِيلَ: المَعْنى: قُهِرَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، وهَذا أيْضًا وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قِيامُهم مِنَ القُبُورِ حَقٌّ "والقُرْآنِ المَجِيدِ"، فَيَكُونُ أوَّلَ السُورَةِ مِنَ المَعْنى الَّذِي اطَّرَدَ بَعْدُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ، فَثَمَّ كَلامٌ مُضْمَرٌ وقَعَ عنهُ الإضْرابُ، وهو خَبَرٌ عنهُمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كَذَّبُوكَ بِبُرْهانٍ، أوَنَحْوِ هَذا مِمّا يَلِيقُ مُظْهَرًا.

وقَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ القُرّاءِ: "ق" بِسُكُونِ الفاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ غَيْرُها إلّا جَوازَ سُوءٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْسُنُ مَعَ أنْ تَكُونُ [ق] حَرْفًا دالًّا عَلى كَلِمَةٍ.

وقَرَأ الثَقَفِيُّ، وعِيسى: "قافَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهَذِهِ تَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِأنَّها اسْمٌ لِلْقُرْآنِ أو لِلَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قافِ" بِكَسْرِ الفاءِ، وهي في رُتْبَةِ الَّتِي قَبْلَها في أنَّ الحَرَكَةَ لِلِالتِقاءِ، وفي أنَّها اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، و"المَجِيدِ" الكَرِيمِ الأوصافِ الكَثِيرِ الخَيْرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ في "عَجِبُوا"، لِمَن هُوَ؟

فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو لِجَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مَفْطُورٍ عَجِبَ مِن بَعْثَةِ بِشْرٍ رَسُولًا لِلَّهِ، لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ نَظَرُوا واهْتَدَوْا، والكافِرُونَ بَقُوا في عَمايَتِهِمْ وصُمُّوا وحاجُّوا بِذَلِكَ العَجَبِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الضَمِيرُ في "عَجِبُوا" لِلْكافِرِينَ، كَرَّرَ الكَلامَ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً، والإشارَةُ بِـ "هَذا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى نَفْسِ مَجِيءِ البَشَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الإنْذارُ وهو الخَبَرُ بِالبَعْثِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ ما يَأْتِي بَعْدُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أئِذا"، وقَرَأ الأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "إذا" عَلى الخَبَرِ دُونَ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنُبْعَثُ إذًا؟

وإلى هَذا الفِعْلِ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: "ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ"، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أإذا مِتْنا بَعْدَ رَجْعِنا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ "رَجْعٌ بَعِيدٌ" عَلى هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو "بَعْدُ" ويَحِلُّ مَحَلَّ الجَوابِ لِقَوْلِهِمْ: "إذا".

وَ"الرَجْعُ" مَصْدَرُ رَجَعَتْهُ، وقَوْلُهُمْ: "بَعِيدٌ" مَعْناهُ: بَعِيدٌ في الأفْهامِ والفِكْرِ كَوْنُهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى -رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ- بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما تَأْكُلُ الأرْضُ مِنَ ابْنِ آدَمَ وما تُبْقِي مِنهُ، وإنَّ ذَلِكَ في الكِتابِ، وكَذَلِكَ يَعُودُ في الحَشْرِ مَعْلُومًا ذَلِكَ كُلُّهُ، و"الحَفِيظُ": الجامِعُ الَّذِي لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ، وقالَ الرُمّانِيُّ: حَفِيظٌ: مَنِيعٌ مِن أنْ يَذْهَبَ بِبِلًى ودُرُوسٍ، ورُوِيَ في الخَبَرِ الثابِتِ أنَّ الأرْضَ تَأْكُلُ ابْنَ آدَمَ إلّا عَجَبُ الذَنَبِ وهو عَظَمٌ كالخَرْدَلَةِ فَمِنهُ يَرْكَبُ ابْنُ آدَمَ، وحِفْظُ ما تَنْقُصُ الأرْضُ إنَّما هو لِيَعُودَ بِعَيْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا هو الحَقُّ، وذَهَبَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ إلى أنَّ الأجْسادَ المَبْعُوثَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ هَذِهِ، وهَذا عِنْدِي خِلافٌ لِظاهِرِ كِتابِ اللهِ تَعالى، ولَوْ كانَتْ غَيْرُها فَكَيْفَ كانَتْ تَشْهَدُ الجُلُودُ والأيْدِي والأرْجُلُ عَلى الكَفَرَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ أجْسادَ الدُنْيا هي الَّتِي تَعُودُ؟

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ: المَعْنى: ما تَنْقُصُ مِن لُحُومِهِمْ وأبْشارِهِمْ وعِظامِهِمْ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ" ﴾ أيْ: ما يَحْصُلُ في بَطْنِ الأرْضِ مِن مَوْتاهُمْ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ مُضَمِّنُهُ الوَعِيدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أيْضًا -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: مَعْناهُ: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ بِالإيمانِ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ في الإيمانِ، وهَذا قَوْلٌ أجْنَبِيٌّ مِنَ المَعْنى الَّذِي قَبْلُ وبَعْدُ.

وقَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: "بَلْ كَذَّبُوا" مُضْمَرٌ عنهُ وقَعَ الإضْرابُ، تَقْدِيرُهُ: ما أجادُوا النَظَرَ، أو نَحْوَ هَذا، والَّذِي يَقَعُ عنهُ الإضْرابُ بِـ "بَلْ" الأغْلَبُ فِيهِ أنَّهُ مَنفِيٌّ تَقْضِي "بَلْ" بِفَسادِهِ، وقَدْ يَكُونُ أمْرًا مُوجِبًا تَقْضِي "بَلْ" بِتَرْكِ القَوْلِ فِيهِ لا بِفَسادِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمّا" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي كَقَوْلِهِمْ: "أعْطَيْتُهُ لِما سَألَ"، وكَما في التارِيخِ "لِخَمْسٍ خَلَوْنَ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ................

∗∗∗ إذا هَبَّتْ لِقارِبِها الرِياحُ و"المَرِيجُ" مَعْناهُ: المُخْتَلِطُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: بَعْضُهم يَقُولُ ساحِرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ كاهِنٌ، وبَعْضُهم شاعِرٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَخْلِيطِهِمْ، وكَذَلِكَ عادَتْ فِكْرَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُخْتَلِطَةً في نَفْسِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَرِيجُ: المُنْكَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْتَبِسُ، والمَرِيجُ: المُضْطَرِبُ أيْضًا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ومِنهُ في الحَدِيثِ: « "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ،» ومِنَ الأوَّلِ: "مَرَجَ البَحْرَيْنِ"، وقالَ الشاعِرُ: مَرِجَ الدِينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ∗∗∗ مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ ثُمَّ دَلَّ تَعالى عَلى العِبْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ الآيَةُ.

و"زَيَّنّاها" مَعْناهُ: بِالنُجُومِ، و"الفُرُوجُ": الفُطُورُ خِلالَها وأثْناءَها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وحَكى النَقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُعْطِي أنَّ السَماءَ مُسْتَدِيرَةٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حُكِيَ إذا تُدُبِّرَ اللَفْظُ وما يَقْتَضِي.

و"الرَواسِي": الجِبالُ، و"الزَوْجُ": النَوْعُ، و"البَهِيجُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الحَسَنُ المَنظِرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: ﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، و"المُنِيبُ": الراجِعُ إلى الحَقِّ عن فِكْرَةٍ ونَظَرٍ، قالَ قَتادَةُ: هو المُقْبِلُ بِقَلْبِهِ إلى اللهِ وخَصَّ تَعالى هَذِهِ الصُنَيْفَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا مِن حَيْثُ هي المُنْتَفِعَةُ بِالتَبْصِرَةِ والذِكْرى، وإلّا فَهَذِهِ المَخْلُوقاتُ هي تَبْصِرَةٌ وذِكْرى لِكُلِّ بَشَرٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "تَبْصِرَةً وذِكْرى" مَفْعُولانِ مِن أجْلِهِما، وهَذا مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ أرْجَحُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ردٌّ لقولهم: ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ [ق: 3] فإن إحالتهم البعث ناشئة عن عدة شبه منها: أن تفرق أجزاء الأجساد في مناحِي الأرض ومهابّ الرياح لا تُبقي أملا في إمكان جمعها إذ لا يحيط بها محيط وأنها لو علمت مواقعها لتعذر التقاطها وجمعها، ولو جمعت كيف تعود إلى صورها التي كانت مشكَّلة بها، وأنها لو عادت كيف تعود إليها، فاقتصر في إقلاع شبههم على إقلاع أصلها وهو عدم العلم بمواقع تلك الأجزاء وذرّاتها.

وفُصِلت الجملة بدون عطف لأنها ابتداء كلام لرد كلامهم، وهذا هو الأليق بنظم الكلام.

وقيل هي جواب القسم كما علمته آنفا وأيًّا مَّا كان فهو رد لقولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .

والمعنى: أن جمع أجزاء الأجسام ممكن لا يعزب عن علم الله، وإذا كان عالماً بتلك الأجزاء كما هو مقتضى عموم العلم الإلهي وكان قد أراد إحياء أصحابها كما أخبر به، فلا يعظم على قدرته جمعها وتركيبها أجساماً كأجسام أصحابها حين فارقوا الحياة فقوله: ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ﴾ إيماء إلى دليل الإمكان لأن مرجعه إلى عموم العلم كما قلنا.

فأساس مبنى الرد هو عموم علم الله تعالى لأن يجمع إبطال الاحتمالات التي تنشأ عن شبهتهم فلو قال، نحن قادرون على إرجاع ما تنقص الأرض منهم لخطر في وساوس نفوسهم شبهة أن الله وإن سلمنا أنه قادر فإن أجزاء الأجساد إذا تفرقت لا يعلمها الله حتى تتسلط على جمعها قدرتُه فكان البناء على عموم العلم أقطع لاحتمالاتهم.

واعلم أن هذا الكلام بيان للإمكان رعيا لما تضمنه كلامهم من الإحالة لأن ثبوت الإمكان يَقلع اعتقاد الاستحالة من نفوسهم وهو كاف لإبطال تكذيبهم ولاستدعائهم للنظر في الدعوة، ثم يبقى النظر في كيفية الإعادة، وهي أمر لم نكلف بالبحث عنه وقد اختلف فيها أيمة أهل السنة فقال جمهور أهل السنة والمعتزلة تعاد الأجسام بعد عدمها.

ومعنى إعادتها.

إعادة أمثالها بأن يخلق الله أجساداً مثل الأولى تودع فيها الأرواح التي كانت في الدنيا حالّة في الأجساد المعدومة الآن فيصير ذلك الجسم لصاحب الروح في الدنيا وبذلك يحق أن يقال: إن هذا هو فلان الذي عرفناه في الدنيا إذ الإنسان كان إنساناً بالعقل والنطق، وهما مَظهر الروح.

وأما الجسد فإنه يتغير بتغيرات كثيرة ابتداء من وقت كونه جنينا، ثم من وقت الطفولة ثم ما بعدها من الأطوَار فتخلف أجزاؤُه المتجددة أجزاءَه المتقضيّة، وبرهان ذلك مبيّن في علم الطّبيعيات، لكن ذلك التغير لم يمنع من اعتبار الذات ذاتا واحدة لأن هُوية الذات حاصلة من الحقيقة النوعية والمشخصات المشاهدة التي تتجدد بدون شعور مَن يشاهدها.

فلذا كانت حقيقة الشخص هي الروح وهي التي تُكتسَى عند البعث جسد صاحبها في الدنيا، فإن الناس الذين يموتون قبل قيام الساعة بزمن قليل لا تَبلى في مثله أجسامهم تُرجَّع أرواحهم إلى أجسادهم الباقية دون تجديدِ خلقها، ولذلك فتسمية هذا الإيجاد معاداً أو رجْعاً أو بعثاً إنما هي تسمية باعتبار حال الأرواح، وبهذا الاعتبار أيضاً تشهد على الكفار ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون لأن الشاهد في الحقيقية هو ما به إدراك الأعمال من الروح المبثوثة في الأعضاء.

وأدلة الكتاب أكثرها ظاهر في تأييد هذا الرأي كقوله تعالى: ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ [الأنبياء: 104]، وفي معناه قوله تعالى: ﴿ كُلّما نضِجت جلودهم بدّلْنَاهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ [النساء: 56].

وقال شذوذ: تُعاد الأجسام بجمع الأجزاء المتفرقة يجمعها الله العليم بها ويركبها كما كانت يوم الوفاة.

وهذا بعيد لأن أجزاء الجسم الإنساني إذا تفرقت دخلت في أجزاء من أجسام أخرى من مختلف الموجودات ومنها أجسام أناس آخرين.

وورد في الآثار " أن كل ابن آدم يفنى إلاّ عجْب الذنب منه خُلق ومنهُ يركب " رواه مسلم.

وعلى هذا تكون نسبة الأجساد المعادة كنسبة النخلة من النواة.

وهذا واسطة بين القول بأن الإعادة عن عدم والقول بأنها عن تفرق.

ولا قائل من العقلاء بأن المعدوم يعاد بعينه وإنما المراد ما ذكرنا وما عداه مجازفة في التعبير.

وذكر الجلال الدواني في «شرح العقيدة العضدية» أن أبَيَّ بن خلف لما سمع ما في القرآن من الإعادة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبيده عظم قد رمَّ ففتته بيده وقال: يا محمد أتُرَى يحييني بعد أن أصير كهذا العظم؟

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " نعم ويبعثك ويدخلك النار ".

وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يُحْيي العظام وهي رميم ﴾ [يس: 78].

وعُبر ب ﴿ تنقص الأرض ﴾ دون التعبير بالإعدام لأن للأجساد درجات من الاضمحلال تَدخل تحت حقيقة النقص فقد يفنى بعض أجزاء الجسد ويبقى بعضه، وقد يأتي الفناء على جميع أجزائه، على أنه إذا صح أن عَجْب الذنب لا يفني كان فناء الأجساد نقصاً لا انعداماً.

وعطف على قوله: ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ﴾ قوله: ﴿ وعندنا كتاب حفيظ ﴾ عطف الأعم على الأخص، وهو بمعنى تذييل لجملة ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ﴾ أي وعندنا علمٌ بكل شيء علماً ثابتاً فتنكير ﴿ كتاب ﴾ للتعظيم، وهو تعظيم التعميم، أي عندنا كتاب كل شيء.

و ﴿ حفيظ ﴾ فعيل: إما بمعنى فاعل، أي حافظ لما جعل لإحصائه من أسماء الذوات ومصائرها.

وتعيين جميع الأرواح لذواتها التي كانت مودعَة فيها بحيث لا يفوت واحد منها عن الملائكة الموكلين بالبعث وإعادة الأجساد وبث الأرواح فيها.

وإمّا بمعنى مفعول، أي محفوظ ما فيه مما قد يعتري الكتب المألوفة من المحو والتغيير والزيادة والتشطيب ونحو ذلك.

والكتاب: المكتوب، ويطلق على مجموع الصحائف.

ثم يجوز أن يكون الكتاب حقيقة بأن جعل الله كتباً وأودعها إلى ملائكة يسجّلون فيها الناس حين وفياتهم ومواضع أجسادهم ومقارّ أرواحهم وانتساب كل روح إلى جسدها المعيّن الذي كانت حالّة فيه حال الحياة الدنيا صادقاً بكتب عديدة لكل إنسان كتابُه، وتكون مثل صحائف الأعمال الذي جاء فيه قوله تعالى: ﴿ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ [ق: 17، 18]، وقوله: ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفَى بنفسك اليوم عليك حسيبا ﴾ [الإسراء: 13، 14].

ويجوز أن يكون مجموع قوله: ﴿ وعندنا كتاب ﴾ تمثيلاً لعلم الله تعالى بحال علم من عنده كتاب حفيظ يعلم به جميع أعمال الناس.

والعندية في قوله: ﴿ وعندنا كتاب ﴾ مستعارة للحياطة والحفظ من أن يتطرق إليه ما يغيّر ما فيه أو من يبطل ما عيّن له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ ق مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما ﴾ الآيَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ق ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أقْسَمَ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ قَضى واللَّهِ، كَما قِيلَ في حم: حم واللَّهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ المُحِيطِ بِالدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وعُرُوقُ الجِبالِ كُلُّها مِنهُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ قِفْ; كَما قالَ الشّاعِرُ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ أيْ وقَفْتُ.

وَيَحْتَمِلُ ما أُرِيدَ بِوَقْفِهِ عَلَيْهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قِفْ عَلى إبْلاغِ الرِّسالَةِ لِئَلّا تَضْجَرَ بِالتَّكْذِيبِ.

الثّانِي: قِفْ عَلى العَمَلِ بِما يُوحى إلَيْكَ لِئَلّا تَعْجَلَ عَلى ما لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ.

﴿ والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكَرِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَثْرَةِ القُدْرَةِ والمَنزِلَةِ، لا مِن كَثْرَةِ العَدَدِ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ كَثِيرٌ في النُّفُوسِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في المَثَلِ السّائِرِ: لَها في كُلِّ الشَّجَرِ نارٌ، واسْتَجْمَدَ المَرْخُ والعَفارُ، أيِ اسْتَكْثَرَ هَذانِ النَّوْعانِ مِنَ النّارِ وزادَ عَلى سائِرِ الشَّجَرِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ العَظِيمُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ مَجَدَتِ الإبِلُ إذا أُعْظِمَتْ بُطُونُها مِن كَلَأِ الرَّبِيعِ.

﴿ والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَعْظِيمًا لِخَطَرِهِ لِأنَّ عادَةً جارِيَةً في القَسَمِ ألّا يَكُونَ إلّا بِالمُعَظَّمِ.

وَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هو أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ  بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ الثّانِي: أنَّكم مَبْعُوثُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا  .

﴿ فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم عَجِبُوا أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم، مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.

الثّالِثُ: أنَّهم عَجِبُوا مِن إنْذارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن يَمُوتُ مِنهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي ما تَأْكُلُهُ الأرْضُ مِن لُحُومِهِمْ وتُبْلِيهِ مِن عِظامِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.

وَفي حَفِيظٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَفِيظٌ لِأعْمالِهِمْ.

الثّانِي: لِما يَأْكُلُهُ التُّرابُ مِن لُحُومِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهو الَّذِي تَنْقُصُهُ الأرْضُ مِنهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ الآيَةَ.

الحَقُّ يَعْنِي القُرْآنَ في قَوْلِ الجَمِيعِ.

﴿ مَرِيجٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَرِيجَ المُخْتَلَطُ.

قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: المُخْتَلَفُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: المُلْتَبِسُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: الفاسِدُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

وَمِنهُ قَوْلُ أبِي دَؤادٍ ؎ مَرِجَ الدِّينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ∗∗∗ مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ق ﴾ قال: هو اسم من أسماء الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً بها ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له ﴿ ق ﴾ السماء الدنيا مترفرفة عليه، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له ق السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سموات، قال: وذلك قوله: ﴿ والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ﴾ [ لقمان: 27] .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿ ق ﴾ قال: جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كتفا السماء.

وأخرج ابن أبي الدنيا في العقوبات وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: خلق الله جبلاً يقال له ﴿ ق ﴾ محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها، فمن ثم تحرك القرية دون القرية.

وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: ﴿ ق ﴾ جبل محيط بالأرض.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ ق ﴾ إسم من أسماء القرآن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والقرآن المجيد ﴾ قال: الكريم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ والقرآن المجيد ﴾ ليس شيء أحسن منه ولا أفضل منه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ قال: أنكروا البعث فقالوا: من يستطيع أن يرجعنا ويحيينا؟.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ﴾ قال: من أجسادهم وما يذهب منها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ﴾ قال: ما تأكل الأرض من لحومهم وأشعارهم وعظامهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في الآية قال: يعني الموتى تأكلهم الأرض إذا ماتوا.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ وعندنا كتاب حفيظ ﴾ قال: لعدتهم وأسمائهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ في أمر مريج ﴾ يقول: مختلف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق أبي جمرة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ في أمر مريج ﴾ يقول: الشيء المريج الشيء المنكر المتغير، أما سمعت قول الشاعر: فجالت والتمست به حشاها ** فخر كأنه خوط مريج وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ في أمر مريج ﴾ يقول: في أمر ضلالة.

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف، والخطيب في تالي التلخيص، والطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ في أمر مريج ﴾ قال: مختلط.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: فراغت فانتفذت به حشاها ** فخر كأنه خوط مريج وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ في أمر مريج ﴾ قال: ملتبس وفي قوله: ﴿ ما لها من فروج ﴾ قال: شقوق.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ من كل زوج بهيج ﴾ قال: الزوج الواحد والبهيج الحسن.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: وكل زوج من الديباج يلبسه ** أبو قدامة محبوك يداه معاً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كل زوج بهيج ﴾ قال: حسن ﴿ تبصرة ﴾ قال: نعم تبصرة للعباد ﴿ وذكرى لكل عبد منيب ﴾ قال: المنيب المقبل قلبه إلى الله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ تبصرة ﴾ قال: بصيرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء في قوله: ﴿ لكل عبد منيب ﴾ قال: مخبت.

وأخرج في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا أمطرت السماء يقول: يا جارية أخرجي سرجي أخرجي ثيابي، ويقول ﴿ وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك في قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً ﴾ قال: المطر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وحب الحصيد ﴾ قال: الحنطة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وحب الحصيد ﴾ قال: هو البر والشعير.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن قطبة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح فلما أتى على هذه الآية ﴿ والنخل باسقات لها طلع نضيد ﴾ قال قطبة: فجعلت أقول ما أطولها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والنخل باسقات ﴾ قال: الطول.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: سألت عكرمة عن ﴿ النخل باسقات ﴾ فقلت: ما بسوقها؟

قال: بسوقها طلعها، ألم تر أنه يقال للشاة إذا حان ولادها بسقت؟

قال: فرجعت إلى سعيد بن جبير، فقلت له: فقال: كذب، بسوقها طولها في كلام العرب ألم تر أن الله قال: ﴿ والنخل باسقات ﴾ ثم قال: ﴿ طلع نضيد ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن شداد في قوله: ﴿ والنخل باسقات ﴾ قال: استقامتها.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: بسوقها التفافها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لها طلع نضيد ﴾ قال: متراكم بعضه على بعض.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم وأبدانهم.

وهذا قول الحسن، ومجاهد، ومقاتل، والكلبي (١) وقال السدي: قد علمنا من يموت منهم (٢) (٣) ثم ذكر أن عنده بذلك كتابًا فقال: ﴿ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ (٤) وقال الضحاك: وعندنا كتاب محفوظ بعدتهم وأسمائهم (٥) وقال مقاتل: محفوظ من الشياطين، يعني اللوح المحفوظ (٦) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ، "جامع البيان" 26/ 94، "معالم التنزيل" 4/ 220.

(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 4.

(٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 236، "جامع البيان" 26/ 94.

(٤) انظر: "الكشف والبيان" 10/ 175 ب، "غرائب القرآن" 26/ 107 ولم ينسبه لقائل.

(٥) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 221، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 4، "الدر" 6/ 102.

(٦) انظر:"تفسير مقاتل" 124 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ ﴾ هذا رد على الكفار في إنكارهم للبعث معناه: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم من لحومهم وعظامهم فلا يصعب علينا بعثهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل جسد ابن آدم تأكله الأرض، إلا عَجْبُ الذنب منه خلق وفيه يركب» وقيل: المعنى قد علمنا ما يحصل في بطن الأرض من موتاهم، والأول قول ابن عباس والجمهور وهو أظهر ﴿ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ يعني اللوح المحفوظ، ومعنى حفيظ: جامع لا يشذ عنه شيء.

وقيل: معناه محفوظ من التغيير والتبديل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .

﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.

قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.

﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.

التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.

وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.

وقيل: قضي الأمر.

وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.

والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.

ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.

وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.

والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.

ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.

ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.

وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.

والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله  بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.

عن النبي  " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.

ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.

والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد  مثل ذلك.

ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.

وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.

نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.

وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.

ومنه مدّ الأرض أي دحوها.

ومنها خلق الجبال الرواسخ.

ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.

ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.

والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.

والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.

ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون  ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.

وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".

وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب  ﴾ وفيه تسلية للنبي  .

ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟

واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.

ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله  وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.

والوسوسة الصوت الخفي.

والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.

والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.

والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.

والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.

والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.

قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.

وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.

عن النبي  "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.

والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.

وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.

قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.

وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.

وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.

وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.

ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.

قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.

والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.

ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.

ثم يقال للإنسان.

﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.

وقال ابن زيد: الخطاب للنبي  كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.

ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان  ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.

إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.

ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".

وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.

وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.

نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.

وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .

﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.

﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.

قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.

ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟

فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً  ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.

قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.

أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.

قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.

قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.

وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.

وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.

وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.

والمعاني كما مرت.

ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.

ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.

فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.

وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله  ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟

ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.

وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله  ذليل متواضع لله.

وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع  فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.

قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله  عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.

وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.

ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.

قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.

فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.

وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله  إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.

ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال  : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.

فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه  ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.

ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله  في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.

ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.

ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.

وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.

والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.

والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.

قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.

قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن  ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً  ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.

ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.

ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله  ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .

ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.

وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.

قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله  خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.

ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.

وفيه لطيفة وهي أن الله  مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟

بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.

وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله  وتقديسه.

قيل: النوافل بعد المكتوبات.

وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.

ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".

قال أهل النظم: إن النبي  له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.

فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.

ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.

قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي  قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.

والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم  ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.

والمكان القريب صخرة بيت المقدس.

يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.

وقيل: من تحت أقدامهم.

وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع  ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.

ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.

وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.

قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .

﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي  ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.

ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.

وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.

والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ قۤ ﴾ اسم هذه السورة، ولله -  - أن يسمي السور بما شاء: ﴿ قۤ ﴾ كناية؛ كما سمى كتابه: قرآنا، وزبوراً، وتوراة، وإنجيلا؛ أقسم بهذه السورة والقرآن جملة.

ويحتمل أن يذكر ﴿ قۤ ﴾ كتابة عن جميع الحروف المقطعة، والقرآن هو اسم الحروف المجموعة المقطعة؛ أقسم بالحروف المقطعة والمجموعة جميعاً.

ومن الناس من يقول: ﴿ قۤ ﴾ اسم للجبل المحيط بالأرض، وهو ياقوتة خضراء أو ياقوتة حمراء، فخضرة السماء من ذلك؛ أقسم الله -  - به وبالقرآن.

والأول أشبه وأقرب؛ لأن العرب لم تعرف جبل قاف، ولم تعرف عظمته، والقسم في الأصل لتأكيد الخبر، فإنما يتحقق بما يعرفه من أريد القسم في حقه، فأما إذا لم يعرف ولم يعظم ذلك في عينه يخرج القسم مخرج العبث  الله عن ذلك، إلا أن يقال: أن يكون هذا القسم في حق أهل الكتاب، فإنه قد كان لهم كتاب يعرفون ذلك، وكانت لهم رسل قد بلغتهم ذلك، وكذا الظاهر أن القسم في حق العرب فدل أن الأول أشبه.

ثم هذه الحروف المقطعة لم يظهر في الأخبار تفسيرها عن رسول الله  بطريق التواتر والاشتهار، ولم يثبت عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أنهم سألوا رسول الله  عن ذلك، فسبيله الوقف فيها؛ لأنه معلوم ألا يقف أحد على المراد بالحروف المقطعة إلا من جهة السمع، فلما لم يظهر [ذلك] من أصحاب رسول الله  دل أنهم تركوا ذلك، وإنما تركوه لوجوه: إما لأن هذه الحروف المقطعة كانت بيان أحكام في نوازل عرفوها وتركوا سؤالها؛ لما عرفوا تلك الأحكام والنوازل.

وإما أن تركوا ذلك لما كان ذلك من السرائر التي لم يطلع الله -  - الخلق على ذلك، وهو المتشابه الذي يجب الإيمان به، ولا يطلب له تفسير، وكأن ذلك مما اختص الرسول  بمعرفته؛ لقوله -  -: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ  ﴾ فلم يسألوا منه بيان ذلك.

وإما أن كان ذلك عندهم أسماء السور لتعريف السور، وأسماء الأعلام لا يطلب فيها المعاني؛ لذلك لم يسألوا معانيها، ولم يرد التعليم من النبي  كما أن أصحاب رسول الله  تركوا سؤال التفسير للآيات إما لأن في وسعهم الوصول إلى معرفة ما تصمنته الآيات، وعرفوا المراد مها باللسان، وعرفوا مواقع النوازل، ففهموا المراد، فلم يحتاجوا إلى السؤال.

وإما أن تركوا لما أنها تضمنت أحكاماً عرفوها، فتركوا السؤال، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم ذكر القسم ولم يبين موضع القسم، واختلف فيه: قال بعضهم: موضع القسم في آخر السورة: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ...

﴾ الآية [ق: 16].

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية [ق: 38].

وقال بعضهم: موضع القسم قوله -  -: ﴿ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أقسم بقوله: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ بأن الكفرة في أمر مريج.

ويحتمل أن يكون موضع القسم هو ما عجبوا؛ كما قال: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ ذكر - هاهنا - عجبهم من شيئين.

أحدهما: ما ذكر ﴿ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من البشر ﴿ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ وهو كقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ وقولهم: ﴿ مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ لا يزالون ينكرون الرسالة في البشر.

والثاني: من الإحياء بعد الموت؛ لقولهم ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ وقد ذكرنا في غير آي من القرآن عجبهم وإنكارهم البعث بعد الموت، فجائز أن يكون موضع القسم ما عجبوا أو أنكروا أن يكون من البشر رسول أو يحيون بعد الموت، أقسم بما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ أنه يكون ذلك ردّاً لإنكارهم وتعجبهم، والله أعلم.

ثم إنكار الكفرة وعجبهم أن كيف بُعِثَ من البشر رسول؟

أو كيف لا اختار بعث الرسل ممن عنده - وهم الملائكة - وأبداً إنما بعث الرسل من كان عند المرسل، لا ممن كان هذا مبعوثا إليهم في الشاهد إلا لمعنى، ولا ينبغي لهم أن ينكروا بعث الرسول ممن هو عند المبعوث إليهم، وإن تعجبوا منه؛ لأن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم والمبعوث إليهم في معرفة صدقة وحقيقة دعواه أقرب من أن يكون من خلاف جنسهم؛ لأنهم إنما يعرفون رسالته بآيات ودلالات يقيمها على رسالته بحيث يخرج عن وسعهم إقامتها، ولا يعرفون صدق تلك الآيات وحقيقتها إذا كانت تلك من غير جنسهم بما لعل أن ما آتاهم به وزعم أنها آيات ليست بآيات؛ لما في وسعه إتيان مثلها، وليس في وسعهم ذلك؛ لما أن القوى تختلف عند اختلاف الجنس؛ فدل أن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم أحق وأقرب إلى معرفة صدق الآيات والمعجزات، والله الموفق.

ولأن كل ذي نوع من نوعه، وكل ذي شكل من شكله أميل، وبه آنس من خلاف جنسه ونوعه، كفان الغرض وهو التأليف والأجتماع في هذا أقرب إلى الحصول، والله أعلم.

ثم قولهم: هلا بعث إلينا الرسل ممن هو عنده فاسد؛ لأن الخلائق جميعاً من حيث العند لله -  - واحد، لا يوصف أحد من الخلائق أنه عنده إلا من حيث القرب به بالطاعة له، والائتمار بأمره، وترك الخلاف له، فأما على ما يوصف المخلوق عند مخلوق فلا، إذ ذاك وصف المتمكن في المكان،  الله عن ذلك علوّاً كبيرا.

فإذا كان المراد من عنده من حيث القرب به بالطاعة والقيام بأمره مما يثبت أهلية الرسالة وصلاحها فذلك مما لايوجب الفضل بين البشر والملاكئة؛ بل من جهة البشر أحق؛ لما هم يفعلون عن غيب الدلائل أجمع دون العيان - والله أعلم - بحجتهم أنه لو أراد إحياءنا كيف أماتنا؟

ولا أحد في الشاهد يبني بناء فيهدمه ويبني مثله فليس بشيء؛ لأنه لو لم يكن إماتة ثم إحياء لكان الجزاء بالأعمال يكون حضرة الأفعال، وذلك يوجب أن يكون إيمانهم إيمان اضطرار، لا إيمان اختيار وإيثار؛ لأن من عاين أنه يدخل النار يعذب فيها أبد الآبدين لا يعمل ذلك العمل الذي أوعد به؛ بل يتركه، وكذا أن من عاين أن من آمن بالله -  - وعمل طاعة وعبادة يدخل الجنة ويكرم أبد الآبدين لا يعمل غير ذلك العمل، فترتفع المحنة، ويكون الإيمان بحق الاضطرار، فأخر ذلك؛ ليكون الإيمان بحق الاختيار حتى يكن له قيمة.

ثم قوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ وصف القرآن مرة بأنه كريم، ومرة بأنه حكيم، ومرة بأنه مجيد، يحتمل أنما سماه بهذه الأسماء على معنى أن من تمسك به يصير مجيداً، كريماً، حكيماً؛ أي: منزلة مجيد، كريم، حكيم.

ويحتمل أن تكون هذه صفات القرآن راجعة إلى عينه كما يقال: كلام حكمة، وكلام سفه، وإنمنا يراد به عينه؛ فعلى هذا يحتمل، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: المجيد: الماجد، والتمجيد: التعظيم، وأمجدت الدابة من الملف: إذا أكثرت [من] ذلك، وأمجد القوم: إذا أكثروا من الطعام والشراب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ قد ذكرنا تأويله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ أي: لا يكون؛ كنوا بالبعيد عما لا يكون عندهم؛ كذلك قال القتبي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ أي: رد، يقال: رجع رجعً: إذا رد، ورجع رجوعاً: إذا انصرف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾ ظاهر هذا أن يكون هذا قول أولئك الكفرة؛ قالوا ذلك على سبيل الاحتجاج لما أنكروا من البعث؛ أي: قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومنا، وتأكل من أنفسنا، فأنى نحيا بعد ذلك؟!!

وهو كقولهم: ﴿ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ﴾ ونحوه.

لكن أهل التأويل بأجمعهم صرفوا هذا القول إلى الله -  - أنه قال ذلك جواباً لقولهم: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ فقال: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي: عن علم منا بما تأكل منكم وتنقص قلنا: إنكم تبعثون وتحيون، وعلى علم منا بذلك أخبركم الرسل بالإحياء والبعث بعد الموت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ أي: عندنا كتاب يحفظ أحوالهم وأفعالهم وجميع ما يكون منهم.

وقال بعضهم: أي: مع علمي فيهم هم عندنا في كتاب حفيظ.

وقال قتادجة: ما أكلت الأرض منهم وكانوا تراباً، ونحن عالمون، وهم مع علمنا في كتاب حفيظ، وهو مثل الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: بالقرآن.

ويحتمل: أي: محمد  وقد كذبوا بهما جميعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّرِيجٍ ﴾ قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أي: مختلط؛ يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدين، وأصل المرج أن يقلق الشيء فلا يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي مرجاً: إذا قلب للهزل، أي: تحرك.

وقيل: مضطرب مختلف؛ وهكذا كان قولهم مختلفاً مضطرباً مختلطاً في القرآن والرسول جميعاً؛ قالوا في الرسول  أقوالا مضطربة مختلفة: مرة نسبوه إلى السحر، ومرة إلى الشعر، ومرة إلى الجنون، ومرة إلى الافتراء على الله -  - وأنه يتلقاه من فلان، ونحو ذلك من أقوال مختلفة مضطربة فيما يدفع كل واحد من ذلك للآخر، وكذلك قالوا في القرآن مرة: إنه سحر، ومرة إنه شعر؛ وإنه من أساطير الأولين، وإنه مفترى، وإنه اختلاق، وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا، وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أي: في ضلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ...

﴾ الآية.

يحتمل أن تكون هذه الآيات صلة ما ذكر من عجبهم من بعث الرسل من البشر، والبعث بعد الموت بقوله: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ كأنه يقول: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها مرتفعة، ملتصقة بعضا ببعض، منضدة بلا فروج ولا عماد مع صلابتها وكثافتها وغلظها، وألم ينظروا إلى الأرض كيف بسطناها وألقينا فيها الجبال الرواسي أوتاداً؛ لئلا تميد بأهلها، حتى عرفوا أن من قدر على رفع السماء بلا عمد مع ارتفاعها وغلظها وصلابتها حتى لا ينتهي أحد إلى طرف من أطرافها، ولا علم نهايتها، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما - لقادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأن من فعل هذا لا يفعله عبثاً باطلا، ولكن يفعله عن حكمة وتدبير، ولو كان على ما قالوا أن لا بعث ولا جزاء كان خلق ذلك عبثاً باطلا، ويكون فعل ذلك فعل سفه، لا فعل حكمة، فلما كان فعل ذلك لكه على التدبير الذي ذكر، وعلى الاتساق الذي جرى حكمه إن شاء ذلك من غير تفاوت - دل أنه لم ينشئ الخلق من المكلفين ليتركهم سدى، لا يأمر، ولا ينهى، ولا يمتحن، فيكون عبثاً؛ بل ليمتحنهم بالأمر والنهي؛ ليكون فعله في العقلاء على نهج الحكمة كما في غيرهم من الخلائق، وإذا كان كذلك فلا بد من رسول يخبرهم ويعلمهم ما لا يقف عليه العقل من كيفية شكر المنعم، ومقداره، ووقته، ونحو ذلك، يؤكد ذلك الأمر والنهي بالوعد والوعيد، ثم كان له وضع الرسالة فيمن شاء، وفي أي جنس شاء؛ لأنه حكيم عليم، لا يكون منه الخطأ من التدبير والجهل بالأصلح والأوفق بالحكمة؛ فدل ذلك على إثبات الرسالة والبعث بعد الموت، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: انظروا إلى ما ذكر.

والثاني: قد نظروا بأبصارهم، لكن لم ينظروا نظر معتبر بنظر القلب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾ قيل: من صدوع وشقوق، والواحد: فرج، وهو الموضع بين الموضعين، والفرجة من الفرج، ومنه يقال: فوجت عنه الغمّ؛ أي: كشف، وهو كقوله -  -: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ  ﴾ أخبر أنكم لم تروا في السماء شقوقاً وفطوراً، وفي الشاهد البناء وإن عظم وأحكم لا يخلو من نقصان أو شقوق ترد عليه، فإذا لم تروا ذلك فهلا دلكم ذلك على أن خالقه قادر على الكمال لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ اسم الزوج يقع على الشكل والضد، وكل ذي شكل هو ذو ضدّ.

والبهيج ما يبهج به، فمعناه: أنبتنا من كل زوج ما يبهج به أهله ويسرون بذلك من ألوان النبات وجواهرها.

وقال القتبي: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ ما يبهج به أهله؛ أي: من كل جنس حسن؛ يقال: بَهُجَ يَبْهُج بهجاً فهو بهيج؛ أي: حسن، وأما من السرور، فيقال: بَهج يَبْهج بهجاً فهو بهيج؛ أي: سرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ أي: تبصر ذل كل عبد منيب؛ أي: منفعة ذلك تكون لمن ذكر، وهو العبد المنيب إلى الله -  - والمقبل على طاعته، فأمّا من اعتقد الخلاف له فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً ﴾ سماه: مباركاً؛ لأنه يستعمل في أمر الدين والدنيا، ويطهر به كل شيء ويزين، وبه حياة كل شيء ونماؤه، والمبارك كل خير يكون على النماء والزيادة في كل وقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ يقول: أنبتنا بذلك الماء المبارك المنزل من السماء ﴿ جَنَّٰتٍ ﴾ أي: بساتين، والمكان الذي جمع فيه كل انواع الشجر سمي: بستاناً وجنّة.

وقوله: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ أي: أنبت ذلك الماء كل حب حصيد، فدخل تحت قوله: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ أنواع الشجر والغربي والبنات.

ثم قوله -  -: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ الحب الحصيد هو الحب نفسه، لكن أضاف الحبّ إلى الحصيد، ويجوز مثل هذا؛ كما يقال صلاة الأولى، ومسجد الجامع.

وقال بعضهم: هما غيران؛ الحب: ما يخرج منه، والحصيد: ما يحصد من العصف الذي يصير نبتاً؛ لأن الحب لا يحصد، وإنما يحصد الساق منه؛ لذلك أضاف الحب إلى الحصيد، وهو شجرة وقوامه؛ لذلك أضيف إليه؛ كما يقال: ثمر الشجر، ونحو ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ .

قوله: ﴿ وَٱلنَّخْلَ ﴾ أي: طوال؛ يقال: بسق الشيء بسوقاً إذا طال.

وقال أبو عوسجة: ﴿ بَاسِقَاتٍ ﴾ أي: حوائل.

يخبر الله - عز وجل - عن بركة الماء أنه بلطفه جعل الماء بحيث تظهر بركته ونماؤه وأثره على رأس النخل، وإن طال يسقى الأصل؛ لما جعل في سيرته من البركة، والمعنى ما يظهر ذلك، ولا يعلم حقيقة ذلك المعنى.

وقوله: ﴿ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ أي: منضود، والطلع: أول ما يخرج من النخل فيحمل، والتنضيد: هو التأليف والتركيب؛ أي: يؤلف بعضه إلى بعض ويركب، ويسمى ذلك: كُفُرَّى، وإذا نضج استوجب الطلع ويعرف وصار رطباً.

وقال أبو عوسجة ﴿ نَّضِيدٌ ﴾ أي: متراكم بعضه من على بعض، والميل المتراكم يقال له: منضود، والتنضيد: هو جعل [الشيء] بعضه فوق بعض، ونضد الشيء بنفسه فهو نضيد.

وقيل: ﴿ نَّضِيدٌ ﴾ أي: كثير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ ﴾ أخبر أن ذلك كله إنما أنبته وأخرجه رزقاً للعباد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْيَيْنَا بِهِ ﴾ أي: بالماء ﴿ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ أي: أحيا بالماء كل بلدة ميت، وكل بقعة ميتة، وكل غرس، فصار به كل حي ونماء كل شيء.

ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ ﴾ ، أي: كما قدر على إحياء ما ذكر من الأرض بعد موتها، وإحياء النبات والغرس، وكل شيء بعد موته بذلك الماء، فعلى ذلك قادر على إحيائكم بعد موتكم، وبعدما صرتم تراباً.

والأعجوبة في إحياء ما ذكر كله من الأرض والنبات والغرس إن لم تكن أكثر لم تكن دن ما في إحياء الناس من بعد موتهم، فإذ قد عرفوا قدرته في إحياء ما ذكر وأقروا به، كذلك لزمهم أن يقروا به في إحياء كل شيء، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم بعد موتهم وتفنيه، لم يخف علينا منه شيء، وعندنا كتاب حافظ لكل ما يقدره الله عليهم في حياتهم وبعد موتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.WAwjQ"

مزيد من التفاسير لسورة ق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر