الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ١١ من سورة الطور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 56 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فويل يومئذ للمكذبين ) أي : ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم ، وعقابه لهم .
القول في تأويل قوله تعالى : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) يقول تعالى ذكره: فالوادي الذي يسيل من قيح وصديد في جهنم, يوم تمور السماء مورا, وذلك يوم القيامة للمكذّبين بوقوع عذاب الله للكافرين, يوم تمور السماء مورا.
وكان بعض نحويّي البصرة يقول: أدخلت الفاء في قوله: ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) لأنه في معنى إذا كان كذا وكذا, فأشبه المجازاة, لأن المجازاة يكون خبرها بالفاء.
وقال بعض نحويّي الكوفة: الأوقات تكون كلها جزاء مع الاستقبال, فهذا من ذاك, لأنهم قد شبهوا " إن " وهي أصل الجزاء بحين, وقال: إن مع يوم إضمار فعل, وإن كان التأويل جزاء, لأن الإعراب يأخذ ظاهر الكلام, وإن كان المعنى جزاء.
" ويل " كلمة تقال للهالك , وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة .
{ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } والويل: كلمة جامعة لكل عقوبة وحزن وعذاب وخوف.
( فويل ) فشدة عذاب ( يومئذ للمكذبين)
«فويل» شدة عذاب «يومئذ للمكذبين» للرسل.
فهلاك في هذا اليوم واقع بالمكذبين الذين هم في خوض بالباطل يلعبون به، ويتخذون دينهم هزوًا ولعبًا.
وقوله : ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) أى : فهلاك وحسرة فى هذا اليوم للمكذبين به .
أي إذا علم أن عذاب الله واقع وأنه ليس له دافع فويل إذاً للمكذبين، فالفاء لاتصال المعنى، وهو الإيذان بأمان أهل الإيمان، وذلك لأنه لما قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ لم يبين بأن موقعه بمن، فلما قال: ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ علم المخصوص به وهو المكذب، وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا قلت بأن قوله: ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ بيان لمن يقع به العذاب وينزل عليه فمن لا يكذب لا يعذب، فأهل الكبائر لا يعذبون لأنهم لا يكذبون، نقول ذلك العذاب لا يقع على أهل الكبائر وهذا كما في قوله تعالى: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلْغَيْظِ كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ كَبِيرٍ ﴾ فنقول المؤمن لا يلقى فيها إلقاء بهوان، وإنما يدخل فيها ليظهر إدخال مع نوع إكرام، فكذلك الويل للمكذبين، والويل ينبئ عن الشدة وتركيب حروف الواو والياء واللام لا ينفك عن نوع شدة، منه لوى إذا دفع ولوى يلوي إذا كان قوياً والولي فيه القوة على المولى عليه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ فإن المكذب يدع والمصدق لا يدع، وقد ذكرنا جواز التنكير في قوله: ﴿ وَيْلٌ ﴾ مع كونه مبتدأ لأنه في تقدير المنصوب لأنه دعاء ومضى، وجهه في قوله تعالى: ﴿ قَالَ سلام ﴾ والخوض نفسه خص في استعمال القرآن بالاندفاع في الأباطيل، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين ﴾ وتنكير الخوض يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون للتكثير أي في خوض كامل عظيم ثانيهما: أن يكون التنوين تعويضاً عن المضاف إليه، كما في قوله تعالى: ﴿ إِلاً ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّ كُلاًّ ﴾ و ﴿ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ﴾ .
والأصل في خوضهم المعروف منهم وقوله: ﴿ الذين هُمْ فِي خَوْضٍ ﴾ ليس وصفاً للمكذبين بما يميزهم، وإنما هو للذم كما أنك تقول الشيطان الرجيم ولا تريد فصله عن الشيطان الذي ليس برجيم بخلاف قولك أكرم الرجل العالم، فالوصف بالرجيم للذم به لا للتعريف وتقول في المدح: الله الذي خلق، والله العظيم للمدح لا للتمييز ولا للتعريف عن إله لم يخلق أو إله ليس بعظيم، فإن الله واحد لا غير.
<div class="verse-tafsir"
غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين ﴾ [المدثر: 45] ، ﴿ وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ ﴾ [التوبة: 69] الدع: الدفع العنيف، وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزخاً في أقفيتهم.
وقرأ زيد بن عليّ ﴿ يدعون ﴾ من الدعاء أي يقال لهم: هلموا إلى النار، وادخلوا النار ﴿ دَعًّا ﴾ مدعوعين، يقال لهم: هذه النار ﴿ أَفَسِحْرٌ هذا ﴾ يعني كنتم تقولون للوحي هذا سحر، أفسحر هذا؟
يريد: أهذا المصداق أيضاً سحر؟
ودخلت الفاء لهذا المعنى ﴿ أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، يعني: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عمياً عن الخبر، وهذا تقريع وتهكم ﴿ سَوَآءٌ ﴾ خبر محذوف، أي: سواء عليكم الأمران: الصبر وعدمه، فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ؟
قلت: لأنّ الصبر إنما يكون له مزية على الجزع، لنفعه في العاقبة بأن يجازي عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ إذا وقَعَ ذَلِكَ فَوَيْلٌ لَهم.
﴿ الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ أيْ في الخَوْضِ في الباطِلِ.
﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا بِعُنْفٍ، وذَلِكَ بِأنْ تُغَلَّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعَ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ فَيُدْفَعُونَ إلى النّارِ.
وقُرِئَ «يَدْعُونَ» مِنَ الدُّعاءِ فَيَكُونُ دَعا حالًا بِمَعْنى مَدْعُوِّينَ، ويَوْمَ بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَمُورُ أوْ ظَرْفٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مُحْكِيهِ.
﴿ هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ إذا وقَعَ ذَلِكَ أوْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَوَيْلٌ يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ ﴿ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ أيْ في انْدِفاعٍ عَجِيبٍ في الأباطِيلِ والأكاذِيبِ يَلْهُونَ، وأصْلُ الخَوْضِ المَشْيُ في الماءِ ثُمَّ تُجَوَّزُ فِيهِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وغُلِبَ في الخَوْضِ في الباطِرِ كالإحْضارِ عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ غُلِبَ اسْتِعْمالُهُ في الإحْضارِ لِلْعَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي أربعون وتسع آيات مكية قوله تعالى: وَالطُّورِ أقسم الله تعالى بالجبل وكل جبل فهو طور بلغة النبط.
ويقال: بلغة السريانية.
ولكن عني به الجبل الذي كلم الله عليه موسى- - بمدين.
ثم قال: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ يعني: في اللوح المحفوظ.
ويقال: أعمال بني آدم فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ يعني: في صحيفة منشورة، كما قال: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء: 13] يعني: مفتوحا يقرءونه.
ويقال: كِتابٍ مَسْطُورٍ يعني: القرآن.
فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ يعني: المصاحف.
ويقال: في اللوح المحفوظ.
ثم قال: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وهو في السماء السابعة.
ويقال: في السماء السادسة ويقال: في السماء الرابعة.
وروى وكيع بإسناده عن علي، وابن عباس في قوله: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قالا: هو بيت في السماء حيال الكعبة، يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه إلى يَوْمِ القيامة.
قال بعضهم: بناه الملائكة قبل أن يخلق آدم- - وقال بعضهم: هو البيت الذي بناه آدم بمكة، فرفعه الله تعالى في أيام الطوفان إلى السماء بحيال الكعبة.
وقال بعضهم: أنزل الله بيتاً من ياقوتة في زمان آدم- - ووضع بمكة، فكان آدم يطوف به وذريته من بعده إلى زمن الطوفان، فرفع إلى السماء، وهو الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ طوله كما بين السماء والأرض.
ثم قال: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ يعني: السماء المرتفعة من الأرض مقدار خمسمائة عام وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ يعني: البحر الممتلئ تحت العرش، وهو بحر مكفوف.
يقال له: الحيوان يحمي الله به الموتى يوم القيامة، فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء.
ويقال: أقسم بخالق هذه الأشياء إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ يعني: العذاب الذي أوقع الكفار فهو كائن مَّا لَهُ مِنْ دافِعٍ يعني: لا يقدر أحد أن يرفع عنهم العذاب.
ثم بيّن أن ذلك العذاب في أي يوم يكون فقال: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً يعني: تدور السماء بأهلها دوراً، وتموج بعضهم في بعض من الخوف.
صار اليوم نصباً لنزع الخافض.
ومعناه: أن عذاب ربك لواقع في يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً يعني: في يوم القيامة وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً يعني: تَسِيرُ على وجه الأرض سَيْراً مثل السحاب حتى تستوي بالأرض فَوَيْلٌ الشدة من العذاب يَوْمَئِذٍ يعني: يوم القيامة لِلْمُكَذِّبِينَ بيوم القيامة.
ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يعني: في باطل يلهون، ويستهزئون.
قوله عز وجل: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا يعني: تدفعهم خزنة جهنم.
ويقال: يُدَعُّونَ يعني: يزعجون إليها إزعاجاً شديداً، ويدفعون دفعاً عنيفاً.
ومنه قوله تعالى: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: 2] أي: يدفع عما يجب.
ويقال: دعاً يعني: دفعاً على وجوههم يجرون، فإذا دنوا منها، قالت لهم الخزنة: هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ يعني: لم تصدقوا بها، ولم تأمنوا بها في الدنيا.
أَفَسِحْرٌ هذا العذاب الذي ترون لأنفسكم، لأنكم قلتم في الدنيا للرسول ساحراً، ومجنون.
أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ النار.
ويقال: بل أنتم لا تعقلون.
ثم قال لهم: اصْلَوْها يعني: ادخلوا فيها فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا يعني: فإن صبرتم، أو لم تصبروا، فهو سَواءٌ عَلَيْكُمْ اللفظ لفظ الأمر، المراد به الخبر.
يعني: إن صبرتم أو لم تصبروا، فلا تنجون منها أبداً إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا من الكفر والتكذيب.
<div class="verse-tafsir"
لَواقِعٌ يريد: عذاب الآخرة واقع للكافرين قاله قتادة «١» ، قال الشيخ عبد الحق في «العاقبة» : وَيُرْوَى أَنَّ عمر بن الخطاب- رضي اللَّه عنه- سَمِعَ قارئاً يقرأ:
وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ قال: هذا قسم حقّ، فلمّا بلغ القارئ إلى قوله- عز وجل-: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ظنَّ أَنَّ العذاب قد وقع به فغشي عليه، انتهى، وتَمُورُ معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعةً مُتَفَتِّتَةً، وسير الجبال: هو في أَوَّلِ الأمر، ثم تتفتَّتُ حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش، ويُدَعُّونَ قال ابن عباس وغيره «٢» : معناه:
يُدْفَعُونَ في أعناقهم بشدة وإهانة وتَعْتَعَةٍ، ومنه: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: ٢] ، وفي الكلام محذوف، تقديره: يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون توبيخاً وتقريعاً لهم، ثم وقفهم سبحانه بقوله: أَفَسِحْرٌ هذا ...
الآية: ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم:
اصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سواء عليكم، أي: عذابكم حتم، فسواء جَزَعُكُمِ/ وَصَبْرُكُمْ، لا بدّ من جزاء أعمالكم.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)
وقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ...
الآية: يحتمل أَنْ يكونَ من خطاب أهل النار، فيكون إخبارُهم بذلك زيادةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالهم، نعوذ باللَّه من سخطه!
ويحتمل، وهو الأظهر، أن يكون إخبارا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعاصريه، لما فَرَغَ من ذكر عذاب الكفار عَقَّبَ بذكر نعيم المتقين- جعلنا اللَّه منهم بفضله- ليبين الفرقَ، ويقعَ التحريضُ على الإيمان، والمتقون هنا: مُتَّقُو الشرك لأَنَّهم لا بُدَّ من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قَوِيَ الحصولُ في حكم الآية، حتّى إنّ المتقين
سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطُّورِ ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] .
﴿ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: التَّوْراةُ.
والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي رَقٍّ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ.
فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ.
وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟
[فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ .
وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" .
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا.
والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ.
والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَحْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي ﴿ المَسْجُورِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ.
وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿ المَسْجُورِ ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ.
والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم.
وَ ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿ يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿ هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ أفَسِحْرٌ هَذا ﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟
فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿ أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ النّارَ؟
فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿ اصْلَوْها ﴾ .
وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿ اصْلَوْها ﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿ فاصْبِرُوا ﴾ عَلى العَذابِ ﴿ أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿ إنَّما تُجْزَوْنَ ﴾ جَزاءَ ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والطُورِ ﴾ ﴿ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ ﴿ فِي رَقٍّ مَنشُورٍ ﴾ ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ ﴿ والسَقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ ﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ ﴿ ما لَهُ مِن دافِعٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا ﴾ ﴿ وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا ﴾ ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ﴿ هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى.
و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ.
و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ.
و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟
فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ : « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ.
ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ..............
∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ أرادَ مُضِيَّها.
وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ.
وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ ﴾ ، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يتعلق ﴿ يوم تمور السماء ﴾ بقوله: ﴿ لواقع ﴾ [الذاريات: 7] على أنه ظرف له فيكون قوله: ﴿ فويل يومئذٍ للمكذبين ﴾ تفريعاً على الجملة كلها ويكون العذاب عذاب الآخرة.
ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ [الذاريات: 7]، فيكون ﴿ يوم ﴾ متعلقاً بالكون الذي بين المبتدأ والخبر في قوله: ﴿ فويل يومئذٍ للمكذبين ﴾ وقدم الظرف على عامله للاهتمام، فلما قدم الظرف اكتسب معنى الشرطية وهو استعمال متبع في الظروف والمجرورات التي تُقدم على عواملها فلذلك قرنت الجملة بعده بالفاء على تقدير: إن حَلَّ ذلك اليوم فويل للمكذبين.
وقوله: ﴿ يومئذٍ ﴾ على هذا الوجه أريد به التأكيد للظرف فحصل تحقيق الخبر بطريقين طريق المجازاة، وطريق التأكيد في قوله: ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ الآية، تصريح بيوم البعث بعد أن أشير إليه تضمناً بقوله: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ فحصل بذلك تأكيده أيضاً.
والمور بفتح الميم وسكون الواو: التحرك باضطراب، ومور السماء هو اضطراب أجسامها من الكواكب واختلال نظامها وذلك عند انقراض عالم الحياة الدنيا.
وسيْر الجبال: انتقالها من مواضعها بالزلازل التي تحدث عند انقراض عالم الدنيا، قال تعالى: ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ إلى قوله: ﴿ يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم ﴾ [الزلزلة: 1 6].
وتأكيد فعلي ﴿ تمور ﴾ و ﴿ تسير ﴾ بمصدري ﴿ مَوْراً ﴾ و ﴿ سَيْراً ﴾ لرفع احتمال المجاز، أي هو مور حقيقي وتنقل حقيقي.
والويل: سوء الحال البالغ منتهى السوء، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ في سورة البقرة (79) وتقدم قريباً في آخر الذاريات.
والمعنى: فويل يومئذٍ للذين يكذبون الآن.
وحذف متعلق للمكذبين لعلمه من المقام، أي الذين يكذبون بما جاءهم به الرسول من توحيد الله والبعث والجزاء والقرآن فاسم الفاعل في زمن الحال.
والخوض: الاندفاع في الكلام الباطل والكذب.
والمراد خوضهم في تكذيبهم بالقرآن مثل ما حكى الله عنهم: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ [فصلت: 26] وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ [الأنعام: 68].
و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية وهي الملابسة الشديدة كملابسة الظرف للمظروف، أي الذين تمكن منهم الخوض حتى كأنه أحاط بهم.
و ﴿ يلعبون ﴾ حاليّة.
واللعب: الاستهزاء، قال تعالى: ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أباللَّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ﴾ [التوبة: 65].
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الطُّورِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطُّورِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلْجَبَلِ بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: يُسَمّى هَذا الطُّورُ زَبِيرَ.
الثّانِي: أنَّ الطُّورَ ما أنْبَتَ، وما لا يُنْبِتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الشّاعِرُ لَوْ مَرَّ بِالطُّورِ بَعْضُ ناعِقَةٍ ما أنْبَتَ الطُّورُ فَوْقَهُ ورَقَةً ثُمَّ في هَذا الطُّورِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ طُورُ سَيْناءَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ الطُّورُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ جَبَلٌ مُبْهَمٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَأقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَذْكِيرًا بِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ.
وَقالَ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ: إنَّ الطُّورَ ما يُطْوى عَلى قُلُوبِ الخائِفِينَ.
﴿ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ أيْ مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ في السَّماءِ يَقْرَؤُونَ فِيهِ ما كانَ وما يَكُونُ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الثّالِثُ: هي صَحائِفُ الأعْمالِ فَمَن آخِذٌ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، ومَن آخِذٌ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: التَّوْراةُ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ فِي رَقٍّ مَنشُورٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الصَّحِيفَةُ المَبْسُوطَةُ وهي الَّتِي تُخْرِجُ لِلنّاسِ أعْمالَهم، وكُلُّ صَحِيفَةٍ فَهي رَقٌّ لِرِقَّةِ حَواشِيها، قالَ المُتَلَمِّسُ فَكَأنَّما هي مِن تَقادُمِ عَهْدِها ∗∗∗ رَقٌّ أُتِيحَ كِتابُها مَسْطُورُ الثّانِي: هو ورَقٌ مَكْتُوبٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: هو ما بَيْنَ الَمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (أُتِيَ بِي إلى السَّماءِ فَرُفِعَ لَنا البَيْتُ المَعْمُورُ، فَإذا هو حِيالَ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ خَّرَّ عَلَيْها، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجُوا مِنهُ لَمْ يَعُودُوا إلَيْهِ» قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما قالَهُ السُّدِّيُّ: أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ، هو بَيْتٌ فَوْقَ سِتِّ سَمَواتٍ، ودُونَ السّابِعَةِ، يُدْعى الضُّراحَ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مِن قَبِيلَةِ إبْلِيسَ لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ أبَدًا، وهو بِحِذاءِ البَيْتِ العَتِيقِ.
الثّالِثُ: ما قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ كانَ في الأرْضِ في مَوْضِعِ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، حَتّى إذا كانَ زَمانُ نُوحٍ أمَرَهم أنْ يَحُجُّوا، فَأبَوْا عَلَيْهِ وعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذائِهِ في السَّماءِ الدُّنْيا، فَيُعَمِّرُهُ، فَبَوَّأ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ حَيْثُ كانَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ ﴾ الآيَةَ.
الرّابِعُ: ما قالَهُ الحَسَنُ أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ هو البَيْتُ الحَرامُ.
وَفِي ﴿ المَعْمُورِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَعْمُورٌ بِالقَصْدِ إلَيْهِ.
الثّانِي: بِالمُقامِ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ عَمَّرَ البَيْتَ عامِرٌ ∗∗∗ إذْ أتَتْهُ جَآذِرُ ∗∗∗ مِن ظِباءٍ رَوائِحُ ∗∗∗ وظِباءٌ تُباكِرُ وَتَأوَّلَ سَهْلٌ أنَّهُ القَلْبُ، عِمارَتُهُ إخْلاصُهُ، وهو بَعِيدٌ.
﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّانِي: أنَّهُ العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَهَنَّمُ، رَواهُ صَفْوانُ بْنُ يَعْلى عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: هو بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: هو بَحْرُ الأرْضِ، وهو الظّاهِرُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ المَسْجُورِ ﴾ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المَحْبُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ المُرْسَلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: المُوقَدُ نارًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المُمْتَلِئُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُخْتَلِطُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
السّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ويَبُسَ، رَواهُ ابْنُ أبِي وحْشِيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
السّابِعُ: هو الَّذِي لا يُشْرَبُ مِن مائِهِ ولا يُسْقى بِهِ زَرْعٌ، قالَهُ العَلاءُ بْنُ زَيْدٍ.
هَذا آخِرُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ رَوى الكَلْبِيُّ: «أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعَمٍ قَدِمَ المَدِينَةَ لِيَفْدِي حِرِّيفًا لَهُ يُقالُ لَهُ مالِكٌ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ في صَلاةِ [المَغْرِبِ] يَقْرَأُ ﴿ والطُّورِ ﴾ فَجَلَسَ مُسْتَمِعًا، حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ فَأسْلَمَ جُبَيْرٌ خَوْفًا مِنَ العَذابِ، وجَعَلَ يَقُولُ: ما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي، حَتّى يَقَعَ بِي العَذابُ.
» ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ أحَدُها: مَعْناهُ تَدُورُ دَوْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ طَرْفَةُ بْنُ العَبْدِ صُهابِيَّةُ العُثْنُونِ مُوجَدَةُ القَرا ∗∗∗ بَعِيدَةُ وخْدِ الرِّجْلِ مَوّارَةُ اليَدِ.
الثّانِي: تَمُوجُ مَوْجًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: تَشَقَّقُ السَّماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعالى فَإذا بُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا الآيَةَ.
الرّابِعُ: تَجْرِي السَّماءُ جَرْيًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ وما زالَتِ القَتْلى تَمُورُ دِماؤُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أُشْكِلَ الخامِسُ: تَتَكَفَّأُ بِأهْلِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ بَيْتَ الأعْشى: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ السّادِسُ: تَنْقَلِبُ انْقِلابًا.
السّابِعُ: أنَّ السَّماءَ هاهُنا الفَلَكُ، ومَوْرُهُ اضْطِرابُ نَظْمِهِ واخْتِلافُ سَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ يَدَعُهُ بِصَفْحَتِي حَيْزُومِهِ ∗∗∗ دَعِ الوَصِيَّ جانِبَيْ يَتِيمِهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: يُزْعَجُونَ إزْعاجًا، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَدْعُهم زَبانِيَتُها بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد عن جبير بن مطعم قال: قدمت المدينة في أسارى بدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقرأ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ فكأنما صدع قلبي.
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن أن عمر بن الخطاب قرأ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ فربا لها ربوة عيد لها عشرين يوماً.
وأخرج أحمد في الزهد عن مالك بن مغول قال: قرأ عمر ﴿ والطور وكتاب مسطور في رق منشور ﴾ قال: قسم إلى قوله: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ فبكى ثم بكى حتى عيد من وجعه ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ قال: وقع القسم هنا وذاك يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ الآيات.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ قال: تحرك، وفي قوله: ﴿ يوم يدعون ﴾ قال: يدفعون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ قال: تدور دوراً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يدعون إلى نار جهنم ﴾ قال: يدفع في أعناقهم حتى يرِدوا النار.
وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً ﴾ قال: يدفعون إليها دفعا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ قال الكلبي: الشدة من العذاب يومئذ للمكذبين بالإيمان (١) (٢) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 185."معالم التنزيل" 4/ 238.
(٢) عند تفسيره لآية (79) من سورة البقرة.
قال: قال ابن عباس.
الويل شدة العذاب.
وقال الزجاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هلكة وأصله في اللغة العذاب.
وقال ابن قتيبه: قال الأصمعي: الويل تقبيح.
وروى الأزهري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: (ويله) كان أصلها (روي) وصلت بـ (له) ومعنى (روي) حزن له ومنه قولهم: ويه، معناه حزن أخرج مخرج الندب.
والويل: حلول الشر، والويله: الفضيحه، والبلية.
والويل كلمة عذاب.
والهلاك يُدعى بمن له وقع في هلكة يستحقها.
وانظر: "اللسان" 3/ 997 (ويل).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْراً ﴾ أي: تجيء وتذهب، وقيل: تدور، وقيل: تتشقق، والعامل في الظرف واقع ودافع أو محذوف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.
وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.
الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.
ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.
وابن عامر والآخرون: بالصاد.
وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.
والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.
وقيل: اللوح المحفوظ.
وقيل: صحيفة الأعمال.
والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.
والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.
قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.
﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.
والدع الدفع العنيف.
قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.
والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.
قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.
وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.
وقد مر في أول "النساء".
وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.
قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.
وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.
﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.
ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.
قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.
فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.
وقيل: هذا يعود إلى الكفار.
والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.
وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.
﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.
ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.
والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.
وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟
فقال: قال رسول الله "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.
وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.
والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.
وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .
ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.
وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.
والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.
والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.
ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.
ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.
قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.
وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.
والمعنى مثل ما قلنا.
وقيل: التسبيح التهجد.
ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.
أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ...
﴾ الآية.
ثم اختلف بالقسم بالطور وما ذكر، قال قائلون: القسم إنما هو بمنشئ هذه الأشياء الذي ذكر، لا بهذه الأشياء أنفسها، إذ الله نهى الخلق أن يقسموا بغايره، فكيف يقسم بنفسه.
وقال قائلون: يجوز أن يقسم - جل وعلا - بما شاء وممن شاء، بالذي عظم قدره عندهم.
وقد ذكرنا: أن الأقسام إنما تكون بالأشياء التي عظمت أقدارها ومحلها عند الخلق، يقسم بها لدفع الشبه التي تمنع وقوع العلم لهم بذلك والمعرفة بالذي اشتبه عليهم والتبس؛ ليعرفوا أن ذلك كائن لا محالة، وأنه بالذي اشتبه عليهم والتبس، وأنه حق، بما لو تفكروا في تلك الأشياء وأمعنوا النظر فيها على غير قسم، لوقع لهم العلم بذلك وتحقق، والله أعلم.
ثم الله أقسم بأشياء سواه، وليس للخلق ذلك؛ لأ، قسم الخلق يخرج مخرج الزع إليه والتضرع، ولا يجوز الفزع إلا من سواه والاستعانة به، فأما القسم من الله حقيقة فهو على التذكير والتنبيه للخلق، وتأكيد ما وعد لهم من الجزاء؛ فيجوز له القسم بكل ما يكون لهم التذكير والتنبيه والتأكيد، وإن كان بغيره وسواه مما لذلك خطر ومحل عند الناس وعند الله ، والله أعلم.
ولأن القسم المذكور في القرآن لإثبات صدق أخبار الرسل إليهم، وأنهم رسله، وأنهم إذا فعلوا كذا ينزل عليهم من العذاب كذا؛ لأن أولئك الكفرة لم يكذبوا الله في خبر حتى يكون قسمه لإثبات صدق خبره، وإنما يتحقق صدق خبرهم بما أقاموا من المعجزات والبراهين، لكن يتأكد بالقسم فيحصل ذلك بذكر ما له خطر ومحل عندهم، فأما قسم الخلق لإثبات أصل الصدق؛ فيجب أن يقسموا بذكر مما هو النهاية في العظمة والقدر في القلوب، وهو أ سماء الله وصفاته، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون القسم بهذه الأشياء من الرسل - عليهم السلام - فإن كان كذلك فهو على الإضمار؛ كأنهم قالوا: بمنشئ الطور، وكتاب مسطور وما ذكر إ لى أخره؛ إذ القسم من البشر يكون بالله - وتعالى - وصفاته، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطُّورِ ﴾ جائز أن يكون القسم واقعا بالجبال كلها؛ لما أن الله أنشأ الأرض خلقاً تميد بأهلها، وأرسى فيها هذه الجبال ووتدها حتى استقرت وسكنت، حتى وصل الخلائق إلى الانتفاع بهذه الأرض والقرار عليها، وصارت مهادا لهم، وفراشا له؛ على ماذكر؛ يتقلبون فيها، ويتصرفون كيف شاءوا وإن أرادوا ذا، أرادوا حيث أحبوا، ثم إذا عرفوا ذلك، لزمهم أن يعرفوا أن عليهم شكر ما أنعم عليهم، فإذا تركوا ذلك لزمهم عقوبة الكفران وجزاؤه، وأوعد لهم ذلك؛ فيؤكد ماذكر من القسم وقوع ما ذكر من العذاب بهم؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِع ﴾ .
ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبل خاص، وهو الجبل الذي كلم الله - وتعالى - موسى عليه، وأنزل عليه التوراة، وهو طور سيناء، وذلك جبل مما عظم قدره عند بني إسرائيل حتى عرفوا قدره وفضله، فأقسم بذلك الجبل ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ .
ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبال خاصة، وهي الجبال التي أوحى عليها إلى رسله - عليهم الصلاة والسلام - على ما روي في الخبر: "أوحى الله إلى موسى - - في جبل ساعور، وإلى محمد في جبل فاران"، قأقسم بها أن ما وعد من العذاب واقع بهم، والله أعلم.
وفي الآية دلالة إثبات الرسالة؛ فإنه أخبر - عليه الصلاة والسلام - عن أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال ومعرفة ذلك إنماه و من الكتب المتقدمة، وهم قد أحاطوا العلم بأنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن له معرفة بتلك الكتب حتى يعلم منه؛ فدل أنه بالله - عز وجل - عرف أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ...
﴾ الآية.
يحتمل القسم بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إذ بها يوصل إلى معرفة آيات الرسل - عليهم السلام - وإلى معرفة ما يؤتى ويتقى، وإلى أخبار السماء، ومعرفة الأحكام والحدود، وغير ذلك من أحكام من وجوه الحكمة، أقسم بها أن العذاب واقع بهم، والله أعلم.
ويحتمل أن القسم يرجع إلى عدد من الكتب: كالتوراة، والإنجيل، والزبور - المعروفة التي عرف أهل الإيمان بها حقها ونزولها من السماء.
ويحتمل أنه راجع إلى خاص من الكتب، وهو القرآن بما عظم قدره عندهم، لما يعجز البشر عن إتيان مثله؛ على ما ذكرنا في الطور، والله أعلم.
ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: أنها الكتب التي يكتب فيها أعمال بني آدم، ولم يذكروا جهة السم بها، ولست أعرف وجهه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ ﴾ أي: غير مطوي.
وقال أبو عبيدة: الرق: الورق.
وقال أبو عوسجة: الرق: الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ ﴾ .
يحتمل البيوت كلها جملة، وهي البيوت التي جعل الله للخلق، يسكنون فيها، ويتقون بها من الحر والبرد، ويأمنون فيها، وهو ما قال الله : ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً...
﴾ الآية [النحل: 80].
ما عرف كل منافعها، وعظم نعمة الله عليهم في ذلك؛ ليستأدي بذلك شكرا، فأقسم بما ذكر أن [من] لم يقم بوفاء الشكر، استوجب العذاب والعقوبة، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون القسم بالبيت المعمور هو الكعبة، وهو معمور، قد عظم الله شأنه وأمره في قلوب الناس كافة، في قلوب الكفار والمؤمنين جميعاً، حتى كانت قريش وسائر العرب يحجونه ويزورونه، ويعظمونه، فأقسم به؛ على ما ذكر، والله أعلم.
وقال أبو عبيدة: البيت المعمور: الكثير الأهل.
وأهل التأويل يقولون: البيت المعمور هو في السماء، يزوره أهل السماء، ويطوفونه، لكن القسم به يبعد؛ لما لم يسبق لهم المعرفة والمشاهدة به، فكيف أقسم بشيء لم يعرفوه، ولا وقع لهم العلم بالمشاهدة؛ إلا أن يقال: إن القسم به لأهل الكتاب، وذلك في كتبهم يعرفونه، فأما من لم يسبق له الخبر والمعرفة بذلك مشاهدة فيعبد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ ﴾ هو السماء التي رفعها بلا عمد يرونها من أسفل، ولا تعليق من الأعلى، على بعدما من الأررض وسعتها وعرضها وشدتها وغلظها؛ ليعلم أن من فعل هذا، لا يفعله لغير شيء؛ بل ليمتحن، ويأمر، وينهى، وليستأذى شكره، فمن خالف أمره ونهيه، وكفر نعمه، وانتهك محارمه، استوجب ما ذكر، والله أعلم.
وليعلم أن من قدر على ما ذكرنا قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، يذكر سلطانه وقدرته وعظمته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ ﴾ .
قال أهل الادب: هو البحر الملآن الحار؛ لأنه - جل وعلا - منذ أنشأه، أنشأه حارّاً ممتلئاً، عميقاً، لم يتغير في وقت من الأوقات، ولا في حال من الأحوال، بل كان على حالة واحدة حارّاً، مالحاً ممتلئاً عميقا عريضا، ليس كسائر الأنهار التي ربما تتغير عن جهتها من قلة الماء وسكونه وغورها في الأرض وامتلائها من الطين، وحاجتها إلى الجفر، وغير ذلك من التغير الذي يكون بها، فأما البحر على حالة واحدة في الأحوال كلها، فأقسم به: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً ﴾ .
بين القوت الذي ينزل بهم العذاب الموعود حين قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ ، ودل أن وقت تعذيب هذه الأمة يوم القيامة، وهو ما قال - عزو جل -: ﴿ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ .
وفيه وصف ذلك اليوم بالأهوال والشدة؛ لأنه ذكر أن السماء تمور موراً، أي: تستدير استدارة، وتتحرك تحركاً، وذكر سير الجبال وما ذكر، وهذه الأشياء من أشد الخلائق وأصلبها، فهول ذلك اليوم وشدته عمل فيها ذكر من التحرك والسير والتغير و غير ذلك.
وفيه أن هذا العالم كله أنشأه بحيث يفنيه وينشئ عالماً آخر؛؛ لأنه ذكر فيه التغير من حال إلى حال، لأنه ذكر مرة سيرها وتحركها حيث قال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ ﴾ ، وذكر السماء وتحركها ومورها، وذكر للأرض انشقاقها، حيث قال: ﴿ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ ﴾ ، وقال ي آية أخرى: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ ، وقال: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ ، وقال هاهنا: ﴿ وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً ﴾ ، وكذلك قال في السماء والأرض اختلاف الأحوال، فقال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ ؛ فدل إثبات التغير في هذه الآشياء على هلاكها، كما دل أنواع الأمراض التغير من حال إ لى حال في أهلها على هلاكها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ...
﴾ الآية، أي: المكذبين لرسلهم، عليهم السلام.
ويحتمل: لتوحيده، أو لحججه، أو للبعث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ .
نعتهم ووصف أمرهم، حيث قال: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ، والخوض: هو البحث عن الشيء، إلا أن الخوض المطلق ذكروه واستعملوه في الباطل خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ .
أي: يدفعون في النار على وجوههم.
وقال أبو عبيدة: يدفعون دفعاً في القفا خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .
هو على الإضمار؛ كأنه يقال له: هذه النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .
يقال لهم في الآخرة لما ألقوا في النار: أفسحر هذا؟!
مقابل ما قالوا هم للحجج والبراهين في الدنيا إنها سحر.
﴿ أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقال لهم لما أدخلوا النار: لعل ما أنتم فيه ليس بعذاب، وأنها ليست بنار، وأنتم لا تبصرون لذلك؛ كما أخبر عنهم في الدنيا: أنهم يقولون لحججه؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا...
﴾ الآية [الحجر: 14-15]، فقال مقابل ذلك ﴿ فَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أي: لعلكم لا تبصرون.
والثاني: يقول: ﴿ فَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ في الدنيا: أن هذا ينزل بكم في الأخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا كما قال إبليس: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أصبرتم أو جزعتم؛ فلا ينفعكم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: ذلك استوجبتم بأعمالكم، لا أن أوجبت عليكم شيئاً لم تستوجبوه.
<div class="verse-tafsir"
فهلاك وخسار في ذلك اليوم للمكذبين بما وعد الله الكافرين به من العذاب.
<div class="verse-tafsir" id="91.Jv1ke"