الآية ٢٢ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٢٢ من سورة الطور

وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍۢ وَلَحْمٍۢ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ) أي : وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى ، مما يستطاب ويشتهى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يقول تعالى ذكره: وأمددنا هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسوله, واتبعتهم ذريتهم بإيمان في الجنة, بفاكهة ولحم مما يشتهون من اللحمان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي أكثرنا لهم من ذلك زيادة من الله , أمدهم بها غير الذي كان لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَمْدَدْنَاهُمْ } أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، { بِفَاكِهَةٍ } من العنب والرمان والتفاح، وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوتون، { وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } من كل ما طلبوه واشتهته أنفسهم، من لحم الطير وغيرها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" وأمددناهم بفاكهة "، زيادة على ما كان لهم، " ولحم مما يشتهون "، من أنواع اللحمان.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأمددناهم» زدناهم في وقت بعد وقت «بفاكهة ولحم ما يشتهون» وإن لم يصرحوا بطلبه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وزدناهم على ما ذُكر من النعيم فواكه ولحومًا مما يستطاب ويُشتهى، ومن هذا النعيم أنهم يتعاطَوْن في الجنة كأسًا من الخمر، يناول أحدهم صاحبه؛ ليتم بذلك سرورهم، وهذا الشراب مخالف لخمر الدنيا، فلا يزول به عقل صاحبه، ولا يحصل بسببه لغو، ولا كلام فيه إثم أو معصية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من مظاهر فضله على عباده المؤمنين فقال : ( وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ) .

أى : وأمددنا هؤلاء المؤمنين - على سبيل الزيادة عما عندهم بفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وبلحم لذيذ تشتهيه نفوسهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي زدناهم مأكولاً ومشروباً، أما المأكول فالفاكهة واللحم، وأما المشروب فالكأس الذي يتنازعون فيها، وفي تفسيرها لطائف: اللطيفة الأولى: لما قال: ﴿ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذرياتهم  ﴾ بين الزيادة ليكون ذلك جارياً على عادة الملوك في الدنيا إذا زادوا في حق عبد من عبيدهم يزيدون في أقدار أخبازهم وأقطاعهم، واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين، وجمع أوصافاً حسنة في قوله: ﴿ مما يشتهون ﴾ ، لأنه لو ذكر نوعاً فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس فقال كل أحد يعطى ما يشتهي، فإن قيل الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم، نقول ليس كذلك، بل الاشتهاء به اللذة والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون المشتهي حتى يتألم، بل المشتهي حاصل مع الشهوة والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهي، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في الآخرة.

اللطيفة الثانية: لما قال: ﴿ وَمَا ألتناهم ﴾ ونفي النقصان يصدق بحصول المساوي، فقال ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي، بطريق آخر وهو الزيادة والإمداد، فإن قيل أكثر الله من ذكر الأكل والشرب، وبعض العارفين يقولون لخاصة الله بالله شغل شاغل عن الأكل والشرب وكل ما سوى الله، نقول هذا على العمل، ولهذا قال تعالى: ﴿ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ وأما على العلم بذلك فذلك، ولهذا قال: ﴿ لَهُمْ فِيهَا فَٰكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ  سَلَٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ  ﴾ أي للنفوس ما تتفكه به، للأرواح ما تتمناه من القربة والزلفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ معطوف على ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ أي: قرناهم بالحور وبالذين آمنوا، أي: بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله تعالى: ﴿ إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين ﴾ [الحجر: 47] فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين ﴿ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقرّبهم عينه» ثم تلا هذه الآية.

فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، ومزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

ثم قال: ﴿ بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلاً عليهم وعلى آبائهم، لنتم سرورهم ونكمل نعيمهم.

فإن قلت: ما معنى تنكير الإيمان؟

قلت: معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة.

ويجوزأن يراد: إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال: بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم.

وقرئ: ﴿ وأتبعتهم ذريتهم وأتبعتهم ذريتهم ﴾ .

وذرياتهم: وقرئ: ﴿ ذرياتهم ﴾ بكسر الذال.

ووجه آخر: وهو أن يكون ﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ مبتدأ خبره ﴿ بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ ﴾ وما بينهما اعتراض ﴿ وَمَا ألتناهم ﴾ وما نقصناهم.

يعني: وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب والتفضل، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء.

وقيل معناه: وما نقصناهم من ثوابهم شيئاً نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم، إنما ألحقناهم بهم على سبيل التفضل.

قرئ: ﴿ ألتناهم ﴾ وهو من بابين: من ألت يألت، ومن ألات يليت، كأمات يميت.

وآلتناهم، من آلت يؤلت، كآمن يؤمن.

ولتناهم، من لات يليت.

وولتناهم، من ولت يلت.

ومعناهنّ واحد ﴿ كُلُّ امرئ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ ﴾ أي مرهون، كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحاً فكها وخلصها، وإلا أوبقها ﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم في وقت بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم ﴿ كَأْساً ﴾ خمراً ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا ﴾ في شربها ﴿ وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ أي لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث وما لا طائل تحته كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب في سفههم وعربدتهم، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، أي: ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش، وإنما يتكلمون بالحكم والكلام الحسن متلذذين بذلك، لأنّ عقولهم ثابتة غير زائلة، وهم حكماء علماء.

وقرئ: ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم ﴾ ﴿ غِلْمَانٌ لَّهُمْ ﴾ أي مملوكون لهم مخصوصون بهم ﴿ مَّكْنُونٌ ﴾ في الصدف، لأنه رطباً أحسن وأصفى.

أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة.

وقيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» ، وعنه عليه الصلاة والسلام: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه: لبيك لبيك» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ أيْ وزِدْناهم وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ ما يَشْتَهُونَ مِن أنْواعِ التَّنَعُّمِ.

﴿ يَتَنازَعُونَ فِيها ﴾ يَتَعاطَوْنَ هم وجُلَساؤُهم بِتَجاذُبٍ.

﴿ كَأْسًا ﴾ خَمْرًا سَمّاها بِاسْمِ مَحَلِّها ولِذَلِكَ أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ بِلَغْوِ الحَدِيثِ في أثْناءِ شُرْبِها، ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤَثَّمُ بِهِ فاعِلُهُ كَما هو عادَةُ الشّارِبِينَ في الدُّنْيا، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ وقَرَأهُما ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ بِالفَتْحِ.

﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ بِالكَأْسِ.

﴿ غِلْمانٌ لَهُمْ ﴾ أيْ مَمالِيكُ مَخْصُوصُونَ بِهِمْ.

وقِيلَ: هم أوْلادُهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوهم.

﴿ كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴾ مَصُونٌ في الصَّدَفِ مِن بَياضِهِمْ وصَفائِهِمْ.

وَعَنْهُ  : «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ».» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وأمددناهم} وزدناهم في وقت بعد وقت {بفاكهة وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ} وإن لم يقترحوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ أيْ وزِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِن مَبادِي التَّنَعُّمِ وقْتًا فَوَقَتا مِمّا يَشْتَهُونَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ وألْوانِ الآلاءِ، وأصْلُ المَدِّ الجَرُّ، ومِنهُ المُدَّةُ لِلْوَقْتِ المُمْتَدِّ ثُمَّ شاعَ في الزِّيادَةِ، وغَلَبَ الإمْدادُ في المَحْبُوبِ، والمَدُّ في المَكْرُوهِ وكَوْنُهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ مَفْهُومِ المَدِّ نَفْسِهِ ﴿ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا ﴾ أيْ يَتَجاذَبُونَها في الجَنَّةِ هم وجُلَساؤُهم تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّدامى بَيْنَهم في الدُّنْيا لِشِدَّةِ سُرُورِهِمْ قالَ الأخْطَلُ: نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي وقِيلَ: التَّنازُعُ مَجازٌ عَنِ التَّعاطِي، والكَأْسُ مُؤَنَّثٌ سَماعِيٌّ كالخَمْرِ، ولا تُسَمّى كَأْسًا عَلى المَشْهُورِ إلّا إذا امْتَلَأتْ خَمْرًا أوْ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الِامْتِلاءِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الخَمْرِ نَفْسِها مَجازًا لِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ، وقالَ الرّاغِبُ: الكَأْسُ الإناءُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ ويُسَمّى كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ كَأْسًا، وفَسَّرَها بَعْضُهم هُنا بِالإناءِ بِما فِيهِ مِنَ الخَمْرِ، وبَعْضُهم بِالخَمْرِ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِالتَّجاذُبِ، والثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا لَغْوٌ فِيها ﴾ أيْ في شُرْبِها حَيْثُ لا يَتَكَلَّمُونَ في أثْناءِ الشُّرْبِ بِلَغْوِ الحَدِيثِ وسَقْطِ الكَلامِ ﴿ ولا تَأْثِيمٌ ﴾ ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ أيْ يُنْسَبُ إلى الإثْمِ لَوْ فَعَلَهُ في دارِ التَّكْلِيفِ كَما هو دَيْدَنُ النَّدامى في الدُّنْيا وإنَّما يَتَكَلَّمُونَ بِالحِكَمِ وأحاسِنِ الكَلامِ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُهُ الكِرامُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرُو «لا لَغْوَ» «ولا تَأْثِيمَ» بِفَتْحِهِما <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم بيّن حال المتقين فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ يعني: الذين يتقون الشرك، والفواحش في بساتين وَنَعِيمٍ فاكِهِينَ يعني: معجبين.

ويقال: ناعمين.

ويقال: فرحين.

بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ في الجنة من الكرامة وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ يعني: دفع عنهم عذاب النار.

ويقول لهم الخزنة: كُلُوا وَاشْرَبُوا يعني: كلوا من ألوان الطعام، والثمار، واشربوا من ألوان الشراب، هَنِيئاً يعني: لا داء، ولا غائلة فيه، ولا يخاف في الأكل، والشرب، من الآفات ما يكون في الدنيا، بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: هذا الثواب لأعمالكم التي عملتم في الدنيا.

ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ يعني: نائمين على سرر مَصْفُوفَةٍ قد صف بعضها إلى بعض، فكانوا على سرر، وكل من كان، اشتاق إلى صديقه يلتقيان.

قوله تعالى: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يعني: بيض الوجوه.

العين: حسان الأعين.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني: صدقوا بالله، ورسوله، وصدقوا بالبعث وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ يعني: ألحقناهم ذرياتهم.

قرأ أبو عمرو: وأتبعناهم ذرياتهم الحقنا بهم ذرياتهم الثلاثة كلها بالألف.

وقرأ نافع: اثنان بغير ألف، والآخر: بالألف.

وقرأ ابن عامر الأول: بغير ألف.

والآخران: بالألف.

والباقون: كلها ألف.

فمن قرأ: أَتْبَعْناهُمْ معناه: ألحقناهم.

يعني: الذين آمنوا، وجعلنا ذريتهم مؤمنين، ألحقنا بهم ذريتهم في الجنة في درجتهم.

ومن قرأ: وَاتَّبَعَتْهُمْ بغير ألف، يعني: ذريتهم معهم.

ومن قرأ ذرياتهم بالألف، فهو جمع الذرية.

ومن قرأ: بغير ألف، فهو عبارة عن الجنس، ويقع على الجماعة أيضاً.

وقال مقاتل: معناه الذين أدركوا مع آبائهم، وعملوا خيراً في الجنة، ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل، فهم معهم في الجنة.

ويقال: إن أحدهم إذا كان أسفل منه، يلحق بهم، لكي تقر عينه.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يرفع الله المسلم ذريته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه.

ثم قال: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما نقصناهم من عمل الآباء إذا كانوا مع الأبناء، حتى يبلغ بهم ذريتهم، من غير أن ينقص من أجر أولئك شيئاً، ولا من ذريتهم.

كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ يعني: كل نفس مرتهنة بعملها يوم القيامة.

ثم رجع إلى صفة المتقين في التقديم، وكرامتهم، قوله تعالى: وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ يعني: أعطيناهم من ألوان الفاكهة وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يعني: يتمنون.

قرأ ابن كثير: أَلَتْناهُمْ بكسر اللام، وهي لغة لبعض العرب.

واللغة الظاهرة: بالفتح، وهي من آلت يألت وهو النقصان.

قوله عز وجل: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً يعني: يتعاطون في الجنة.

تعطيهم الخدم قدح الشراب، ولا يكون كأس إلا مع الشراب، لاَّ لَغْوٌ فِيها يعني: لا باطل في الجنة وَلا تَأْثِيمٌ يعني: لا إثم في شرب الخمر.

ويقال: لا تَأْثِيمٌ يعني: لا تكذيب فيما بينهم.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لا لَغْواً فِيهَا بنصب الواو، وَلا تَأْثِيماً بنصب الميم.

والباقون: بالضم مع التنوين.

فمن قرأ: بالنصب، فهو على التبرئة.

ومن قرأ: بالضم، فهو على معنى الخبر.

يعني: ليس فيها لغو ولا تأثيم، كما قال: لاَ فِيها غَوْلٌ [الصافات: 47] .

ثم قال عز وجل: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ يعني: في الحسن، والبياض، مثل اللؤلؤ في الصدف لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين.

وروى سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم، فكيف المخدوم؟

فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القَمَرِ ليلة البدر، على سائر الكواكب.

ثم قال: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعني: يتحدثون، ويتساءلون في الجنة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا.

ثم يقول: صرت إلى هذه المنزلة الرفيعة.

قوله تعالى: قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ يعني: في الدنيا فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ يعني: خائفين من العذاب.

ثم قال: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: من علينا بالمغفرة، والرحمة.

وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ يعني: دفع عنا عذاب النار.

قوله عز وجل: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ يعني: في الدنيا ندعو الرب إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الصادق في قوله، وفيما وعد لأوليائه.

ويقال: الْبَرُّ بمعنى النار الرَّحِيمُ قرأ نافع، والكسائي: أنه بالنصب.

ومعناه: إنا كنا من قبل ندعوه بأنه هو البر.

وقرأ الباقون: بالكسر على معنى الاستئناف.

ثم أمر الله تعالى نبيه  بأن يعظ الناس ولا يبالي في قولهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

على الإطلاق هم في هذه الآية قطعاً على اللَّه تعالى بحكم خبره الصادق، وقرأ جمهور الناس: «فاكهين» «١» ومعناه: فَرِحِينَ مسرورين، وقال أبو عُبَيْدَةَ: هو من باب: «لاَبِنٌ» و «تَامِرٌ» ، أي: لهم فاكهة «٢» ، قال ع «٣» : والمعنى الأَوَّلُ أبرع، وقرأ خالد فيما روى أبو حاتم: «فَكِهِينَ» «٤» والفَكِهُ والفاكه: المسرور المتنعم.

وقوله تعالى: بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي: من إنعامه ورضاه عنهم.

وقوله تعالى: وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ هذا متمكن في مُتَّقِي المعاصي، الذي لا يدخل النارَ وَوَقاهُمْ مشتق من الوقاية، وهي الحائل بين الشيء وبين ما يضرُّه.

وقوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، وهَنِيئاً نُصِبَ على المصدر.

وقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ معناه: أَنَّ رُتَبَ الجنة ونعيمها بحسب الأعمال، وأَمَّا نَفْسُ دخولها فهو برحمة اللَّه وفضلِهِ، وأعمالُ العباد الصالحاتُ لا تُوجِبُ على اللَّه تعالى التنعيمَ إيجاباً لكِنَّهُ سبحانه قد جعلها أَمارةً على مَنْ سبق في علمه تنعيمه، وعَلَّقَ الثوابَ والعِقَابَ بالتكسب الذي في الأعمال، والحُورُ: جمع حَوْرَاءُ، وهي البيضاء القويةُ بياضِ بياضِ/ العَيْنِ وَسَوَادِ سَوَادِها، والعِينُ: جمع عَيْنَاءُ، وهي كبيرة العينين مع جمالهما، وفي قراءة ابن مسعود والنَّخَعِيِّ: «وَزَوَّجْنَاهُمْ بِعِيسٍ عِينٍ» «٥» قال أبو الفتح: العيساء:

البيضاء.

قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ اختُلِفَ في معنى الآيةِ، فقال ابن عباس، وابن جبير، والجمهور: أخبر اللَّه تعالى أَنَّ المؤمنين الذين اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يلحق الأبناء في الجنة بمراتب الآباء، وإنْ لم يكن الأبناء في التقوى والأعمال كالآباء كرامةً للآباء «١» ، وقد ورد في هذا المعنى حديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فجعلوا الحديثَ تفسيراً للآية، وكذلك وردت أحاديث تقتضي أَنَّ اللَّه تعالى يرحم الآباء رعياً للأبناء الصالحين، وقال ابن عباس أيضاً والضَّحَّاكُ.

معنى الآية: أَنَّ اللَّه تعالى يلحق الأبناء الصغار بأحكام الآباء المؤمنين، يعني في الموارثة والدفن في مقابر المسلمين، وفي أحكام الآخرة في الجنة «٢» ، وقال منذر بن سعيد: هي في الصغار لا في الكبار «٣» قال ع «٤» : وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأَوَّل لأَنَّ الآياتِ كلَّها في صفة إحسان اللَّه تعالى إلى أهل الجنة، فذكر من جملة إحسانِهِ سبحانه أَنَّه يرْعَى المحسنَ في المسيء، ولفظة أَلْحَقْنا تقتضي أَنَّ لِلْمُلْحَقِ بعضَ التقصير في الأعمال.

ت: وأظهرُ مَنْ هذا ما أشار إليه الثعلبيُّ في بعض أنقاله: أَنَّ اللَّه تعالى يجمع لعبده المؤمن ذُرِّيَّتَهُ في الجنة، كما كانوا في الدنيا، انتهى، ولم يتعرَّضْ لذكر الدرجات في هذا التأويل، وهو أحسن لأَنَّهُ قد تقرَّرَ أَنَّ رفع الدرجات هي بأعمال العاملين، والآياتُ/ والأحاديث مُصَرِّحَةٌ بذلك، ولما يلزم على التأويل الأَوَّلِ أَنْ يكونَ كلّ من دخل الجنة مع آدم ع في درجةٍ واحدة إذ هم كُلُّهم ذرِّيَّتُهُ، وقد فتحتُ لك باباً للبحث في هذا المعنى منعني من إتمامه ما قصدته من الاختصار، وباللَّه التوفيق.

وقوله: وَما أَلَتْناهُمْ أي: نقصناهم، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانهُ يُلْحِقُ الأبناء بالآباء، ولا يُنْقِصُ الآباء من أجورهم شيئاً، وهذا تأويل الجمهور، ويحتمل أَنْ يريدَ: مِنْ عمل الأَبناء من شيء من حسن أو قبيح، وهذا تأويل ابن زيد «٥» ، ويُؤيِّدُهُ قوله سبحانه:

كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ والرهين: المُرْتَهِنُ، وفي هذه الألفاظ وعيد، وأمددتُ الشيءَ: إذا سرّبْتُ إليه شيئا آخر يكثره أو يكثر لديه.

وقوله: مِمَّا يَشْتَهُونَ إشارة إلى ما رُوِيَ من أَنَّ المُنَعَّمَ إذا اشتهى لحماً نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم يحتز، ولا يُتَكَلَّفُ فيه الذبح، والسلخ، والطبخ، وبالجملة لا كلفة في الجنة، ويَتَنازَعُونَ معناه:

يتعاطون ومنه قول الأخطل: [البسيط]

نَازَعْتُهُ طَيِّبَ الَّراحِ الشَّمُولِ وَقَد ...

صَاحَ الدَّجَاجُ وَحَانَتْ وَقْعَةُ السَّارِي «١» ،

قال الفخر «٢» : ويحتمل أنْ يقال: التنازع: التجاذُبُ، وحينئذ يكون تجاذُبُهُمْ تجاذبَ مُلاَعَبَةٍ، لا تجاذب منازعة، وفيه نوعُ لَذَّةٍ، وهو بيان لما عليه حال الشُرَّابِ في الدنيا فإنَّهم يتفاخرون بكثرة الشرب، ولا يتفاخرون بكثرة الأكل، انتهى، والكأس: الإِناء فيه الشراب، ولا يقال في فارغ كأس قاله الزَّجَّاج «٣» ، واللغو: السَّقَطُ من القول، والتأثيم:

يلحق خَمْرَ الدنيا في نفس شُرْبِهَا وفي الأفعال التي تكون من شاربيها، وذلك كُلُّه/ مُنْتَفٍ في الآخرة.

ت: قال الثعلبيُّ: وقال ابن عطاء: أيُّ لغوٍ يكون في مجلس: مَحَلُّهُ جَنَّةُ عدن، والساقي فيه الملائكة، وشربُهم على ذكر اللَّه، ورَيحانُهم تحيَّةٌ من عند اللَّه، والقومُ أضياف اللَّه.

وَلا تَأْثِيمٌ أي: فعل يُؤْثِمُهُمْ، وهو تفعيل من الإثم، أي: لا يأثمونَ في شربها، انتهى، واللؤلؤ المكنون أجملُ اللؤلؤ لأَنَّ الصون والكَنُّ يُحَسِّنُهُ، قال ابن جبير: أراد الذي في الصّدَفِ لم تنله الأيدي «٤» ، وقيل للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا كَانَ الْغِلْمَانُ كَاللُّؤْلُؤ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟

قال: هُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» «٥» .

ت: وهذا تقريب للأفهام، وإلاَّ فجمال أهلِ الجَنَّةِ أَعْظَمُ من هذا، يَدُلُّ على ذلك أحاديث صحيحة ففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرةَ- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ- وفي رِوَايَةٍ: «مِنْ أُمَّتِي» عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ على أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ إضَاءَةً» «١» ، وفي رواية:

«ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ» الحديثَ، وفي «صحيح مسلم» أيضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ في الجَنَّةَ لَسُوقاً يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو في وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، وَيَزْدَادُونَ حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: واللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً!

فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ واللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً» «٢» ، انتهى، وقد أشار الغَزَّاليُّ وغيره إلى طَرَفٍ من هذا المعنى، لَمَّا تكلَّم على رؤية العارفين للَّه سبحانه في الآخرة، قال بعد كلام: ولا يَبْعُدُ أَنْ تكونَ ألطاف الكشف والنظر في الآخرة متواليةً إلى غير نهاية، فلا يزالُ النعيمُ واللَّذَّةُ متزايداً أبَدَ الآبادِ، وللشيخ أبي الحسن الشاذلي هنا كلام حسن قال: لو كُشِفَ عن نور المؤمن لعبد من دون اللَّه، ولو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي لطبق السماء والأرض، / فكيف بنور المؤمن المطيع؟!

نقل كلامه هذا ابن عطاء اللَّه وابن عَبَّاد، انظره.

ثم وصف تعالى عنهم أَنَّهُم في جملة تنعمهم يَتَساءَلُونَ أي: عن أحوالهم وما نال كُلَّ واحد منهم، وأَنَّهم يتذكرون حالَ الدنيا وخشيتَهم عذابَ الآخرة، والإشفاقُ أشدّ الخشية ورقّة القلب، والسَّمُومِ: الحارّ، ونَدْعُوهُ: يحتمل أَنْ يريد: الدعاءَ على بابه، ويحتمل أنْ يريد نعبده، وقرأ نافع والكسائيُّ: «أَنَّهُ» - بفتح الهمزة-، والباقون بكسرها «٣» والْبَرُّ الذي يبرّ ويحسن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿ بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ واحِدَةً أيْضًا.

وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ.

واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ﴿ واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ﴾ ، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ.

ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ.

والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ألَتْناهُمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ.

ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها.

وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ.

﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ.

وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمْدَدْناهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَنازَعُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا.

فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا.

وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ.

والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ.

﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.

«وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟

فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا ﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ.

وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ.

وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿ إنَّهُ هو البَرُّ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ ﴿ وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ ﴿ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ﴾ ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴾ ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ ﴾ ﴿ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ ﴾ ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ".

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ  ﴾ ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ ، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ.

وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ.

و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ  : إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ.

وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ في جنات ونعيم ﴾ [الطور: 17] الخ.

والإِمداد: إعطاء المَدَد وهو الزيادة من نوع نافع فيما زيد فيه، أي زدناهم على ما ذكر من النعيم والأكل والشرب الهنيء فاكهةً ولحماً مما يشتهون من الفواكه واللحوم التي يشتهونها، أي ليوتي لهم بشيء لا يرغبون فيه فلكل منهم ما اشتهى.

وخص الفاكهة واللحم تمهيداً لقوله: ﴿ يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم ﴾ منحهم الله في الآخرة لذة نشوة الخمر والمنادمة على شربها لأنها من أحسن اللذات فيما ألفتْهُ نفوسهم، وكان أهل الترف في الدنيا إذا شربوا الخمر كَسروا سورة حدتها في البطن بالشِواء من اللحم قال النابغة يصف قرن الثور: سفُّود شَرْب نَسُوه عند مُفْتَأد *** ويدفعون لذغ الخمر عن أفواههم بأكل الفواكه ويسمونها النُّقْل بضم النون وفتحها ويكون من ثمار ومقاث.

ولذلك جيء بقوله: ﴿ يتنازعون ﴾ حالاً من ضمير الغائب في ﴿ أمددناهم بفاكهة ﴾ الخ.

والتنازع أطلق على التداول والتعاطي.

وأصله تفاعل من نزع الدلو من البئر عند الاستقاء فإن الناس كانوا إذا وردوا للاستقاء نزع أحدهم دلواً من الماء ثم ناول الدلو لمن حوله وربما كان الرجل القوي الشديد ينزع من البئر للمستقين كلهم يكفيهم تعب النزع، ويسمى الماتح بمثناة فوقية.

وقد ذكر الله تعالى نزع موسى عليه السلام لابنتي شعيب لما رأى انقباضهما عن الاندماج في الرعاء.

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه نَزْعَه على القليب ثم نَزْعَ أبي بكر رضي الله عنه ثم نزع عمر رضي الله عنه.

ثم استعير أو جعل مجازاً عن المداولة والمعاورة في مناولة أكؤس الشراب، قال الأعشى: نازعتهم قُضب الريحان متكئاً *** وخمرةً مُزَّة راووقها خَضل والمعنى: أن بعضهم يصبّ لبعضضٍ الخمرَ ويناوله إيثاراً وكرامة.

وقيل: تنازعهم الكأس مجاذبة بعضهم كأس بعض إلى نفسه للمداعبة كما قال امرؤ القيس في المداعبة على الطعام: فظل العذارى يرتَمينَ بلَحْمِها *** وشحم كهُدَّاب الدمقس المفتَّل والكأس: إناء تشربَ فيه الخمر لا عروة له ولا خرطوم، وهو مؤنث، فيجوز أن يكون هنا مراداً به الإِناء المعروف ومراداً به الجنس، وتقدم قوله في سورة الصافات (45) ﴿ يطاف عليهم بكأس من معين ﴾ وليس المراد أنهم يشربون في كأس واحدة بأخذ أحدهم من آخر كأسه.

ويجوز أن يراد بالكأس الخمر، وهو من إطلاق اسم المحل على الحالّ مثل قولهم: سَال الوادي وكما قال الأعشى: نازعتُهم قضُب الريحان متكئاً.

*** وجملة ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم ﴾ يجوز أن تكون صفة ل«كأس» وضمير ﴿ لا لغو فيها ﴾ عائداً إلى «كأس» ووصف الكأس ب ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم ﴾ .

إن فُهم الكأس بمعنى الإِناء المعروف فهو على تقدير: لا لغو ولا تأثيم يصاحبها، فإن (في) للظرفية المجازية التي تؤوّل بالملابسة، كقوله تعالى: ﴿ وجاهدوا في اللَّه حق جهاده ﴾ [الحج: 78] وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ففيهما أي والديك فجاهد " أي جاهد ببرهما، أو تُأوَّل (في) بمعنى التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم " دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً ".

وإن فهم الكأس مراداً به الخمر كانت (في) مستعارة للسببية، أي لا لغو يقع بسبب شربها.

والمعنى على كلا الوجهين أنها لا يخالط شاربيها اللغوُ والإِثم بالسباب والضرب ونحوه، أي أن الخمر التي استعملت الكأس لها ليست كخمور الدنيا، ويجوز أن تكون جملة ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم ﴾ مستأنفة ناشئة عن جملة ﴿ يتنازعون فيها كأساً ﴾ ، ويكون ضمير ﴿ فيها ﴾ عائداً إلى ﴿ جنات ﴾ من قوله: ﴿ إن المتقين في جنات ﴾ [الطور: 17] مثل ضمير ﴿ فيها كأساً ﴾ ، فتكون في الجملة معنى التذييل لأنه إذا انتفى اللغو والتأثيم عن أن يكونا في الجنة انتفى أن يكونا في كأس شُرب أهل الجنة.

ومثل هذين الوجهين يأتي في قوله تعالى: ﴿ إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً ﴾ في سورة النبأ (31 35).

واللغو: سِقْط الكلام والهذيان الذي يصدر عن خلل العقل.

والتأثيم: ما يؤثَّم به فاعله شَرعاً أو عادة من فعل أو قول مثل الضرب والشتم وتمزيق الثياب وما يشبه أفعال المجانين من آثار العربدة مما لا يخلو عنه الندامى غالباً، فأهل الجنة منزهون عن ذلك كله لأنهم من عالم الحقائق والكمالات فهم حكماء علماء، وقد تمدَّحَ أصحاب الأحلام من أهل الجاهلية بالتنزه عن مثل ذلك، ومنهم من اتقى ما يعرض من الفلتات فحرَّم على نفسه الخمر مثل قيس بن عاصم.

وقرأ الجمهور ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم ﴾ برفعهما على أن (لا) مشبهَّة ب (ليس).

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتحهما على أن (لا) مشبهة ب (إنَّ) وهما وجهان في نفي النكرة إذا كانت إرادة الواحد غيرَ محتمَلة ومثله قولها في حديث أم زرع: «زوجي كَلَيلِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة» رُويت النكرات الأربع بالرفع وبالنصب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الذُّرِّيَّةَ بِإيمانِ الآباءِ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي الذُّرِّيَّةَ مِثْلَ أُجُورِ الآباءِ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ الآباءُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ البالِغُونَ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ مَعَ آبائِهِمْ فَألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِآبائِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا أدْرَكَ أبْناؤُهُمُ الأعْمالَ الَّتِي عَمِلُوها تَبِعُوهم عَلَيْها فَصارُوا مِثْلَهم فِيها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما نَقَصْناهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ رُؤْبَةُ ولَيْلَةٍ ذاتِ سِرًى سَرَيْتُ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سِراها لَيْتُ أيْ لَمْ يُنْقِصْنِي، ومَعْنى الكَلامِ: ولَمْ يُنْقَصِ الآباءُ بِما أعْطَيْنا الأبْناءَ.

الثّانِي: مَعْناهُ وما ظَلَمْناهم، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ أبْلِغْ سَراةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْدَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبًا أيْ لا ظُلْمًا، ولا كَذِبًا.

وَمَعْنى الكَلامِ: لَمْ نَظْلِمِ الآباءَ بِما أعْطَيْنا الأبْناءَ، وإنَّما فَعَلَ تَعالى ذَلِكَ بِالأبْناءِ كَرَمَةً لِلْآباءِ.

﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُؤاخَذَةٌ كَما تُؤْخَذُ الحُقُوقُ مِنَ الرُّهُونِ.

الثّانِي: أنَّهُ يُحْبَسُ، ومِنهُ الرَّهْنُ لِاحْتِباسِهِ بِالحَقِّ قالَ الشّاعِرُ وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ رَهِينَةً ∗∗∗ لِأحْمَرَ قِبْطِيٍّ مِنَ القَوْمِ مُعْتَقِ ﴿ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا ﴾ أيْ، يَتَعاطَوْنَ ويَتَساقَوْنَ بِأنْ يُناوِلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وهو المُؤْمِنُ وزَوْجاتُهُ وخَدَمُهُ في الجَنَّةِ.

والكَأْسُ إناءٌ مَمْلُوءٌ مِن شَرابٍ وغَيْرِهِ فَهو كَأْسٌ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، وشاهِدُ التَّنازُعِ والكَأْسِ في اللُّغَةِ قَوْلُ الأخْطَلِ وشارِبٍ مِرْبَحٌ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحُضُورِ ولا فِيها بِسِوارِ ∗∗∗ نازَعَتْهُ طِيبُ الرّاحِ السُّمُولُ وقَدِ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعُهُ السّارِي.

﴿ لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا باطِلٌ في الخَمْرِ ولا مَأْثَمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وإنَّما ذَلِكَ في الدُّنْيا مِنَ الشَّيْطانِ.

الثّانِي: لا كَذِبٌ فِيها ولا خُلْفٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: لا يَتَسابُّونَ عَلَيْها ولا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: لا لَغْوٌ في الجَنَّةِ ولا كَذِبٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

واللَّغْوُ هاهُنا فُحْشُ الكَلامِ كَما قالَ ذُو الرُّمَّةِ فَلا الفُحْشُ فِيهِ يَرْهَبُونَ ولا الخَنا ∗∗∗ عَلَيْهِمْ ولَكِنْ هَيْبَةٌ هِي ما هِيا ∗∗∗ بِمُسْتَحْكَمٍ جَزْلِ المُرُوءَةِ مُؤْمِنٍ ∗∗∗ مِنَ القَوْمِ لا يَهْوى الكَلامَ اللَّواغِيا ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ بَحْرٍ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الأطْفالُ مِن أوْلادِهِمُ الَّذِينَ سَبَقُوهم، فَأقَرَّ اللَّهُ بِهِمْ أعْيُنَهم.

الثّانِي: أنَّهم مَن أخْدَمَهُمُ اللَّهُ إيّاهم مِن أوْلادِ غَيْرِهِمْ.

﴿ كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴾ أيْ مَصُونٌ بِالكَنِّ والغِطاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ قَدْ كُنْتُ أُعْطِيهِمْ مالًا وأمْنَعُهم ∗∗∗ عِرْضِي، ووُدُّهم في الصَّدْرِ مَكْنُونٌ قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّهُ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الخَدَمُ مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟

قالَ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَفَضْلِ ما بَيْنَهم، كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةِ البَدْرِ عَلى النُّجُومِ» .

﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالجَنَّةِ والنَّعِيمِ.

الثّانِي: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.

﴿ وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَقالَ الأصَمُّ: السَّمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

الثّانِي: أنَّهُ وهَجُ جَهَنَّمَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: لَفْحُ الشَّمْسِ والحَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في لَفْحِ البَرْدِ، كَما قالَ الرّاجِزُ اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ ∗∗∗ مِن جَزِعَ اليَوْمِ فَلا نَلُومُهُ ﴿ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البَرَّ الصّادِقُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: اللَّطِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ فاعِلُ البِرِّ المَعْرُوفُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: قال ابن عباس في قول الله لأهل الجنة ﴿ كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون ﴾ قوله هنيئاً أي لا تموتون فيها، فعندها قالوا ﴿ أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ﴾ [ الصافات: 58-59].

أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم، هل تزاور أهل الجنة؟.

قال: أي والذي بعثني بالحق إنهم ليتزاورون على النوق الدمك عليها حشايا الديباج يزور الأعلون الأسفلين، ولا يزور الأسفلون الأعلين، قال: هم درجات، قال: وإنهم ليضعون مرافقهم فيتكئون ويأكلون ويشربون ويتنعمون ويتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم لا يصدّعون عنها ولا ينزفون مقدار سبعين خريفاً، ما يرفع أحدهم مرفقه من اتكائه، قال: يا رسول الله هل ينكحون؟

قال: أي والذي بعثني بالحق دحاماً دحاماً وأشار بيده، ولكن لا مني ولا منية ولا يمتخطون فيها ولا يتغوّطون رجيعهم رشح كحبوب المسك مجامرهم الالوة، وأمشاطهم الذهب والفضة، آنيتهم من الذهب والفضة يسبحون الله بكرة وعشياً قلوبهم على قلب رجل واحد، لا غل بينهم ولا تباغض يسبحون الله تعالى بكرة وعشياً» .

وأخرج الحاكم وصححه عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم عينه، ثم قرأ ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ الآية.

وأخرج البزار وابن مردويه عن ابن عباس رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع ذرية المؤمن إليه في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ﴾ قال: وما نقصنا الآباء بما أعطينا البنين» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وذريته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به» وقرأ ابن عباس ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ الآية، قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإِسلام، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم لحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوا شيئاً.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد المسند عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ » الآية.

وأخرج هناد وابن المنذر عن إبراهيم في الآية قال: أعطي الآباء مثل ما أعطي الأبناء وأعطي الأبناء مثل ما أعطي الآباء.

وأخرج ابن المنذر عن أبي مجلز في الآية قال: يجمع الله له ذريته كما يحب أن يجمعوا له في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما ألتناهم ﴾ قال: ما نقصناهم.

وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما ألتناهم ﴾ قال: لم ننقصهم من عملهم شيئاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وما ألتناهم ﴾ يقول: وما ظلمناهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ قال ابن عباس: يعني غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها (١) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 18، "معالم التنزيل" 4/ 239.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ ﴾ الإمداد هو الزيادة مرة بعد مرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ...

﴾ الآية.

يحتمل: في جحنات وفي نعيم.

ويحتمل: في جنات فيها نعيم؛ فتكون الواو بمعنى "مع"، أي: في جنات مع نعيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ناعمين متنعمين.

وقال بعضهم: معجبين وهما واحد المعجب به والناعم سواء؛ لأنه إذاكان ناعما متنعما، كان معجبا مسروراً.

وقال بعضهم: ﴿ فَاكِهِينَ ﴾ : ناعمين، و ﴿ فَاكِهِينَ ﴾ معجبين بذلك؛ وهو قول القتبي.

ثم ذكر هاهنا: ﴿ فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ ، وذكر في سورة الذاريات: ﴿ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ  ﴾ فالفاكهة ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ  ﴾ .

أي: آخذين ما آتاهم ربهم بالشكر منه والحمد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: وقاهم، أي: عصمهم في الدنيا عن الأعمال التي توبقهم وتهلكم لو أتوا بها وعملوها، فإذا عصمهم عن ذلك، وقاهم عن عذاب الجحيم، والله أعلم.

والثاني: وقاهم أي: عفا عنهم في الآخرة، وصفح عما عملوا من الأعمال الموبقات في الدنيا ما لولا عفوه إياهم، لكانت توبقهم، ويستوجبون ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم لما أدخلوا الجنة، ونزلوا منازلهم: كانوا واشربواز وقوله: ﴿ هَنِيئَاً ﴾ أي: ليس عليهم في ذلك خوف التبعة، ولا خوف حدوث مكروه، في أنفسهم ولا آفة؛ لأن ذلك ينقص عليهم ذلك، ليس كما يؤكل في الدنيا، فيه خوف التبعة، وخوف حدوث المكروه والآفات في أنفسهم والضرر، فأخبر: ألا يكومن لهم في الجنة ذلك؛ لئلا ينقص عليهم نعمها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ ذكر [أن] لهم في الجنة جميع ما ترغب إليه أنفسهم في الدنيا، و يتمنون بها، كقوله  : ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً  وَكَأْساً دِهَاقاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ  وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ  وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ  وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ  ﴾ ، وأشباه ذلك مما يكثر عده مما تحدث به أنفسهم في الدنيا، ورغبهم فيه، ليرغبوا في طلبها وليتركوا ما في الدنيا من ذلك؛ ليصفوا لهم ذلك في الآخرة.

وهذه الأحوال التي ذكر وأخبر أنه تكون لهم في الآخرة من الاتكاء على السرر، والمقابلة في المجلس وغير ذلك من الأشياء التي ذكرها في الكتاب.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ .

كما يقال: تزوجت: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: أحدها: ما قال أبو بكر الكيساني: أي: يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء والأمهات، ولو قصرت أعمال الذرية من أعمال الآباء والأمهات لأن الدرجات إنما تكمون بالأعمال، فهم وإن لم يبلغوا فلي الأعمال مبلغ آبائهم؛ فإنهم يلحقون بهم في الدرجات، والله أعلم.

وقال بعضهم: إن الذرية التقنوا الإيمان من آبائهم وأمهاتهم، وأخذوه منهم، ولم يبحثوا عن حجة وبرهانه حتى يكون أخذهم وقبولهم عن البحث عن الحجة والبرهان، فهم وإن كانوا مقلدين أباءهم في الإيمان، متلقنين منهم فإنهم يلحقون بآبائهم وإن كان الإيمان عن الحجة أفضل من الإيمان بالتقليد والالتقان.

وقال بعضهم: إن الذرية وإن لم يبلغوا مبلغا يكون منهم الإيمان، فإنهم يلحقون بآبائهم وأمهاتهم في إيمانهم، وإن لم يكن منهم الإيمان ولم يأتوا به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .

على تأويل أبي بكر: أي وما ألتنا من أعمال الذرية من شيء؛ أي: ما نقصنا أعمال آبائهم في الثواب وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم، بل يبلغون درجات آبائهم، ويوقرون كما يوقر على آبائهم؛ وتأويله أبعد هذه التأويلات التي ذكرنا.

وعلى تأويل غيره: ما نقصنا من أعمال آبائهم شيئاً، أي: إنهم وإن بلغوا مبلغ الآباء، فإن الآباء لا ينقصون من أعمالهم شيئاً، ذكر هذا لا يظن أنه ينقص من ثواب آبائهم ويعطي ذلك لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ ﴾ .

قال بعضهم: هذا صلة قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ، ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ  ﴾ وهو يرد قول من يقول بأن الرهن لصاحبه، له أنه يحلبه، وأن يركبه، وأن ينتفع به، ثم يرد إلى المرتهن، ولو كان له هذا، لكان لا يكون وهنا؛ إذ أخبر: أنه رهين - أي: محبوس - فالرهن هو الذي يحبس في كل وقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ ﴾ .

أي: وأمددناهم فاكهة، وإلباء في (الفاكهة) زائدة كما ذكرنا في قوله  : ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ .

ثم يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم ﴾ إخباراً عن دوامها وكثرتها، أي: لا تنقطع ولا تقل، وليس كفواكه الدنيا أنها لا توجد في كل وقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ .

أخبر أنهم يأكلون جميع ما يشتهون، ويجدون ما يتمنون، ليس كالدنيا، ربما يشتهي شيئاً لا يحده، ويجد ما لا بشتهيه، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً ﴾ أي: يتعاطون فيها كأسا، ويأخذ بعضهم من بعض، كما يكمون في الدنيا لا يكون لكل أحد كأس على حدة، وهو كما روي في الخبر: أن نبي الله  كان يغتسل مع بعض أوزاج وربما تتنازع أيديهما.

وقال أبو بكر الكيساني: الكأس هو الخمر.

وقال غيره: هو الإناء المملوء من الخمر، وأما الذي لا شراب فيه فهو الإناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ قرئ: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ بالرفع والتنوين.

قال أبو عبيدة: إنه خبر بأنه ليس فيها لغو ولا تأثيم كما قال: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ  ﴾ .

وقرئ بالنصب فيهما على التنزيه، وهو وجه غير مدفوع.

وتأويل الآية: أي: لا يكون منهم من اللغو، وما يؤثم من القول؛ كما يكون في شراب الدنيا من اللغو وقول الإثم.

وقيل: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ ؛ لأنها أحلت لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .

يرغبهم فيها [كما] رغب إليهم أنفسهم في الدنيا من الخدم، والفواكه، والبسط ليطلبوها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: يتساءلون عن المعاصي التي كانت منهم في الدنيا، واستدل بقوله على أثر هذه الآية: ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ يحتمل قول: ﴿ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: إنا كنا قبل وأهلنا مشفقين كقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ .

والثاني: أي: إنا كنا قبل على أنفسنا وأهلنا مشفقين، أي: خائفين على ما كان منا من الجنايات والمعاصي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: والله أعلم -: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين على أنفسنا؛ لجناياتنا وراجعين رحمته بقوله  : ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ، وصف الله  في غير آي من القرآن بالإشفاق والخشية، والطمع والرجاء: كقوله  : ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً  ﴾ ، ونحو ذلك.

ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ قرئ: (أَنَّه هو البر) بنصب الألف وخفضه؛ فمن كسره، حمله على الابتداء؛ أي: ربنا كذلك على كل حال، ومن نصب أراد: يدعوه ثانيا؛ لأنه هو البر الرحيم، أي: يدعوه لأجل أنه كذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ﴾ : أن لله أن يعذبهم بعذاب السموم، لكنه بمنه وفضله وقاهم، ولو كان عليه ذلك كما قالت المعتزلة لم يكن لذكر المنة معنى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأمددنا أهل الجنة هؤلاء بصنوف من الفاكهة، وأمددناهم بكل ما اشتهوه من لحم.

<div class="verse-tafsir" id="91.10Bpw"

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل