الآية ٢٩ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٢٩ من سورة الطور

فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍۢ وَلَا مَجْنُونٍ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 51 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه ، بأن يبلغ رسالته إلى عباده ، وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه .

ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والفجور فقال : ( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ) أي : لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار قريش .

والكاهن : الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء ، ( ولا مجنون ) : وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فذكر يا محمد من أرسلت إليه من قومك وغيرهم, وعظهم بنعم الله عندهم ( فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ) يقول فلست بنعمة الله عليك بكاهن تتكهن, ولا مجنون له رئيّ يخبر عنه قومه ما أخبره به, ولكنك رسول الله, والله لا يخذلك, ولكنه ينصرك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فذكر أي فذكر يا محمد قومك بالقرآن .فما أنت بنعمة ربك يعني برسالة ربك بكاهن تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي .ولا مجنون وهذا رد لقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم ; فعقبة بن أبي معيط قال : إنه مجنون ، وشيبة بن ربيعة قال : إنه ساحر ، وغيرهما قال : كاهن ; فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم .

ثم قيل : إن معنى فما أنت بنعمة ربك القسم ; أي : وبنعمة الله ما أنت بكاهن ولا مجنون .

وقيل : ليس قسما ، وإنما هو كما تقول : ما أنت بحمد الله بجاهل ; أي قد برأك الله من ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس، مسلمهم وكافرهم، لتقوم حجة الله على الظالمين، ويهتدي بتذكيره الموفقون، وأنه لا يبالي بقول المشركين المكذبين وأذيتهم وأقوالهم التي يصدون بها الناس عن اتباعه، مع علمهم أنه أبعد الناس عنها، ولهذا نفى عنه كل نقص رموه به فقال: { فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } أي: منه ولطفه، { بِكَاهِنٍ } أي: له رئي من الجن، يأتيه بأخبار بعض الغيوب، التي يضم إليها مائة كذبة، { وَلَا مَجْنُونٍ } فاقد للعقل، بل أنت أكمل الناس عقلا، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقا، وأجلهم وأكملهم،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فذكر ) يا محمد بالقرآن أهل مكة ( فما أنت بنعمة ربك ) برحمته وعصمته ( بكاهن ) تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي ( ولا مجنون ) نزلت في الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكهانة والسحر والجنون والشعر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فذكِّر» دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنه لقولهم لك كاهن مجنون «فما أنت بنعمة ربك» بإنعامه عليك «بكاهن» خبر ما «ولا مجنون» معطوف عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فذكِّر -أيها الرسول- مَن أُرسلت إليهم بالقرآن، فما أنت بإنعام الله عليك بالنبوة ورجاحة العقل بكاهن يخبر بالغيب دون علم، ولا مجنون لا يعقل ما يقول كما يَدَّعون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن الكافرين ، فأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يمضى فى طريقه دون أن يهتم بأكاذيبهم ، وحكت جانبا من هذه الأكاذيب التى قالوها فى حقه - صلى الله عليه وسلم - ولقتنه الجواب المزهق لها .

.

.

فقال - تعالى - : ( فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ .

.

.

) .الفاء فى قوله - سبحانه - : ( فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ) للإفصاح .

والكاهن : هو الإنسان الذى يزعم أنه يخبر عن الأشياء المغيبة ، والمجنون : هو الإنسان الذى سلب عقله ، فصار لا يعى ما يقول .أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك قبل ذلك - أيها الرسول الكريم - فاثبت على ما أنت عليه من التذكير بما أوحينا إليك .

.

فما أنت بسبب إنعام الله عليك بكاهن ولا مجنون كما يزعم أولئك الكافرون .قال الجمل : والباء فى قوله ( بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) للسببية ، وهى متعلقة بالنفى الذى أفادته " ما " أى : انتفى كونك كاهنا أو مجنونا ، بسبب إنعام الله عليك بالعقل الراجح ، وعلو الهمة ، وكرم الفعال ، وطهارة الأخلاق ، وهم معترفون بذلك لك قبل النبوة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وتعلق الآية بما قبلها ظاهر لأنه تعالى بيّن أن في الوجود قوماً يخافون الله ويشفقون في أهليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى بقوله: ﴿ فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ  ﴾ فحقق من يذكره فوجب التذكير، وأما الرسول عليه السلام فليس له إلا الإتيان بما أمر به، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الفاء في قوله: ﴿ فَذَكّرْ ﴾ قد علم تعلقه بما قبله فحسن ذكره بالفاء.

المسألة الثانية: معنى الفاء في قوله: ﴿ فَمَا أَنتَ ﴾ أيضاً قد علم أي أنك لست بكاهن فلا تتغير ولا تتبع أهواءهم، فإن ذلك سيرة المزور فذكر فإنك لست بمزور، وذلك سبب التذكير.

المسألة الثالثة: ما وجه تعلق قوله: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون ﴾ بقوله: ﴿ شَاعِرٌ ﴾ ؟

نقول فيه وجهان الأول: أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء وتتقي ألسنتهم، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون، وقالوا لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره، وإنما سبيلنا الصبر وتربص موته الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الحق دين الله، وإن الشرع الذي أتيت به يبقى أبد الدهر وكتابي يتلى إلى قيام الساعة، فقالوا ليس كذلك إنما هو شاعر، والذي يذكره في حق آلهتنا شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهلاك فنتربص به ذلك.

المسألة الرابعة: ما معنى ريب المنون؟

نقول قيل هو اسم للموت فعول من المن وهو القطع والموت قطوع، ولهذا سمي بمنون، وقيل المنون الدهر وريبه حوادثه، وعلى هذا قولهم: ﴿ نَتَرَبَّصُ ﴾ يحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعراً فصروف الزمان ربما تضعف ذهنه وتورث وهنه فيتبين لكل فساد أمره وكساد شعره.

المسألة الخامسة: كيف قال: ﴿ تَرَبَّصُواْ ﴾ بلفظ الأمر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوجب المأمور (به) أو يفيد جوازه، وتربصهم ذلك كان حراماً؟

نقول ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد معناه تربصوا ذلك فإنا نتربص الهلاك بكم على حد ما يقول السيد الغضبان لعبده افعل ما شئت فإني لست عنك بغافل وهو أمر لتهوين الأمر على النفس، كما يقول القائل لمن يهدده برجل ويقول أشكوك إلى زيد فيقول اشكني أي لا يهمني ذلك وفيه زيادة فائدة، وذلك لأنه لو قال لا تشكني لكان ذلك دليل الخوف وينافيه معناه، فأتى بجواب تام من حيث اللفظ والمعنى، فإن قيل لو كان كذلك لقال تربصوا أو لا تربصوا كما قال: ﴿ فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ  ﴾ نقول ليس كذلك لأنه إذا قال القائل فيما ذكرناه من المثال اشكني أو لا تشكني يكون ذلك مفيداً عدم خوفه منه، فإذا قال اشكني يكون أدل على عدم الخوف، فكأنه يقول أنا فارغ عنه، وإنما أنت تتوهم أنه يفيد فافعل حتى يبطل اعتقادك.

المسألة السادسة: في قوله تعالى: ﴿ فَإِنّى مَعَكُمْ مّنَ المتربصين ﴾ وهو يحتمل وجوهاً أحدها: إني معكم من المتربصين أتربص هلاككم وقد أهلكوا يوم بدر وفي غيره من الأيام هذا ما عليه الأكثرون والذي نقوله في هذا المقام هو أن الكلام يحتمل وجوهاً وبيانها هو أن قوله تعالى: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون ﴾ إن كان المراد من المنون الموت فقوله: ﴿ إِنّى مَعَكُم مّنَ المتربصين ﴾ معناه إني أخاف الموت ولا أتمناه لا لنفسي ولا لأحد، لعدم علمي بما قدمت يداه وإنما أنا نذير وأنا أقول ما قال ربي ﴿ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم  ﴾ فتربصوا موتي وأنا متربصه ولا يسركم ذلك لعدم حصول ما تتوقعون بعدي، ويحتمل أن يكون كما قيل تربصوا موتي فإني متربص موتكم بالعذاب، وإن قلنا المراد من ريب المنون صروف الدهر فمعناه إنكار كون صروف الدهر مؤثرة فكأنه يقول أنا من المتربصين حتى أبصر ماذا يأتي به دهركم الذي تجعلونه مهلكاً وماذا يصيبني منه، وعلى التقديرين فنقول النبي صلى الله عليه وسلم يتربص ما يتربصون، غير أن في الأول: تربصه مع اعتقاد الوقوع، وفي الثاني: تربصه مع اعتقاد عدم التأثير، على طريقة من يقول أنا أيضاً أنتظر ما ينتظره حتى أرى ماذا يكون منكراً عليه وقوع ما يتوقع وقوعه، وإنما هذا لأن ترك المفعول في قوله: ﴿ إِنّى مَعَكُم مّنَ المتربصين ﴾ لكونه مذكوراً وهو ريب المنون أولى من تركه وإرادة غير المذكور وهو العذاب الثاني: أتربص صروف الدهر ليظهر عدم تأثيرها فهو لم يتربص بهم شيئاً على الوجهين، وعلى هذا الوجه يتربص بقاءه بعدهم وارتفاع كلمته فلم يتربص بهم شيئاً على الوجوه التي اخترناها فقال: ﴿ إِنّى مَعَكُم مّنَ المتربصين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَذَكِّرْ ﴾ فأثبت على تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبطنك قولهم: كاهن أو مجنون، ولا تبال به فإنه قول باطل متناقض لأنّ الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله.

وما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بصدق النبوّة ورجاحة العقل أحد هذين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَذَكِّرْ ﴾ فاثْبُتْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تَكْتَرِثْ بِقَوْلِهِمْ.

﴿ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ ﴾ بِحَمْدِ اللَّهِ وإنْعامِهِ.

﴿ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ﴾ كَما يَقُولُونَ.

أمْ ﴿ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ ما يُقْلِقُ النُّفُوسَ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ، وقِيلَ: المَنُونُ المَوْتُ فَعُولٌ مِن مَنَّهُ إذا قَطَعَهُ.

﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ أتَرَبَّصُ هَلاكَكم كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي.

﴿ أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ ﴾ عُقُولُهم.

﴿ بِهَذا ﴾ بِهَذا التَّناقُضِ في القَوْلِ فَإنَّ الكاهِنَ يَكُونُ ذا فِطْنَةٍ ودِقَّةِ نَظَرٍ، والمَجْنُونُ مُغَطًّى عَقْلُهُ والشّاعِرُ يَكُونُ ذا كَلامٍ مَوْزُونٍ مُتَّسِقٍ مُخَيَّلٍ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ مِنَ المَجْنُونِ وأمْرُ الأحْلامِ بِهِ مَجازٌ عَنْ أدائِها إلَيْهِ.

﴿ أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ وقُرِئَ «بَلْ هُمْ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فذكر} فاثبت على تذكر الناس وموعظتهم {فما أنت بنعمة ربك} برحمة ربك وانعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل {بكاهن وَلاَ مَجْنُونٍ} كما

زعموا وهو في موضع الحال والتقدير لست كاهنا ولا مجنونا متلبسا بنعمة ربك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَذَكِّرْ ﴾ فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ ولا تَكْتَرِثْ بِما يَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأباطِيلِ.

﴿ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ﴾ هو الَّذِي يُخْبِرُ بِالغَيْبِ بِضَرْبٍ مِنَ الظَّنِّ، وخُصَّ الرّاغِبُ الكاهِنُ بِمَن يُخْبِرُ بِالأخْبارِ الماضِيَةِ الخَفِيَّةِ كَذَلِكَ، ( والعَرّافِ ) بِمَن يُخْبِرُ بِالأخْبارِ المُسْتَقْبِلَةِ كَذَلِكَ، والمَشْهُورُ في الكِهانَةِ الِاسْتِمْدادُ مِنَ الجِنِّ في الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ، والباءُ في ( بِكاهِنٍ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أيْ ما أنْتَ كاهِنٌ ﴿ ولا مَجْنُونٍ ﴾ واخْتُلِفَ في باءِ ( بِنِعْمَةِ ) فَقالَ أبُو البَقاءِ: لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ والعامِلُ فِيهِ كاهِنٌ، أوْ مَجْنُونٌ، والتَّقْدِيرُ ما أنْتَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ وهي حالٌ لازِمَةٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما زالَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِلْقَسَمِ فَنِعْمَةُ رَبِّكَ مُقْسَمُ بِهِ، وجَوابُ القَسَمِ ما عُلِمَ مِنَ الكَلامِ وهو - ما أنْتَ بَكاهِنٍّ ولا مَجْنُونٍ - وهَذا كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ واللَّهِ بِقائِمٍ وهو بَعِيدٌ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الكَلامِ، والمَعْنى انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، وهَذا كَما تَقُولُ ما أنا مُعْسِرٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى وإغْنائِهِ، والمُرادُ الرَّدَّ عَلى قائِلِ ِذَلِكَ، وإبْطالُ مَقالَتِهِمْ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإلّا فَلا امْتِنانَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِانْتِفاءِ ما ذُكِرَ مَعَ انْتِفائِهِ عَنْ أكْثَرِ النّاسِ، وقِيلَ: الِامْتِنانُ بِانْتِفاءِ ذَلِكَ بِسَبَبِ النِّعْمَةِ المُرادِ بِها ما أُوتِيَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن صِدْقِ النُّبُوَّةِ ورَجاحَةِ العَقْلِ الَّتِي لَمَّ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ، والقائِلُونَ بِذَلِكَ هُمُ الكَفَرَةُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، ومِمَّنْ قالَ كاهِنٌ: شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومِمَّنْ قالَ مَجْنُونٌ: عَقَبَةُ بْنُ أبِي مِعْيَطِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: فَذَكِّرْ يعني: فعظ بالقرآن فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ يعني: برحمة ربك.

ويقال: هو كقوله: ما أنت بحمد الله مجنون.

وقال أبو سهل: متعظ بالقرآن، ولست أنت والحمد الله بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ويقال: فذكر.

يعني: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين المتقين، وبما أعتدنا للضالين الكافرين فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ يعني: لست تقول بقول الكهنة، ولا تنطق إلا بالوحي.

ثم قال: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ يعني: أيقولون هو شاعر يأتي من قبل نفسه، وهو قول الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأصحابهما.

نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ يعني: أوجاع الموت، وحوادثه.

قال قتادة: رَيْبَ الْمَنُونِ الموت.

وقال مجاهد: رَيْبَ الْمَنُونِ حوادث الدهر.

وقال القتبي: حوادث الدهر، وأوجاعه، ومصائبه.

ويقال: إنهم كانوا يقولون: قد مات أبوه شاباً، وهم ينتظرون موته قُلْ تَرَبَّصُوا يعني: انتظروا هلاكي فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ وذكر في التفسير، أن الذين قالوا هكذا ماتوا كلهم قبل رسول الله  .

قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا يعني: أتأمرهم عقولهم، وتدلهم على التكذيب، والإيذاء بمحمد  .

أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني: بل هم قوم عاتون في معصية الله تعالى.

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ يعني: أيقولون أن محمداً  يقول من ذات نفسه.

واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر والوعيد.

ثم قال: بَلْ لاَّ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بالرَّسول، والكتاب، عناداً وحسداً منهم.

قوله عز وجل: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ يعني: إن قلتم إن محمداً  يقول: من ذات نفسه، فأتوا بمثل هذا القرآن كما جاء به إِنْ كانُوا صادِقِينَ في قولهم.

ثم قال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: من غير رب.

كانوا هكذا خلقاً من غير شيء.

ومعناه: كيف لا يعتبرون بأن الله تعالى خلقهم، فيوحدونه، ويعبدونه.

ويقال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: لغير شيء.

ومعناه: أخلقوا باطلاً لا يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون.

ثم قال: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يعني: أهم خلقوا الخلق؟

أم الله تعالى؟

ومعناه: أن الله تعالى خلق الخلق، وهو الذي يبعثهم يوم القيامة.

ثم قال: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: بل الله تعالى خلقهم بَلْ لاَّ يُوقِنُونَ بتوحيد الله الذي خلقهما، أنه واحد لا شريك له.

ثم قال أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ يعني: مفاتيح رزق ربك.

ويقال: مفاتيح ربك الرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا، ولكن الله يختار من يشاء، كقولهم: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (5) [القمر: 25] .

ثم قال: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ يعني: أهم المسلطون عليهم، يحملونهم حيث شاؤوا على الناس، فيجبرونهم بما شاؤوا.

قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي، في إحدى الروايتين: المسيطرون بالسين.

والباقون: بالصاد.

وقرأ حمزة: المزيطرون بإشمام الزاء.

وقال الزجاج: تسيطر علينا، وتصيطر.

وأصله السين، وكل سين بعدها طاء، يجوز أن تقلب صاداً، مثل مسيطر، ويبسط.

ثم قالوا: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يعني: سبباً إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ يعني: يرتقون عليه، فيستمعون القول من رب العالمين فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: بحجة بينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)

وقوله سبحانه: فَذَكِّرْ أمر لنبيّه ع بإدامة الدعاء إلى الله عز وجل، ثم قال مؤنساً له: فَما أَنْتَ: بإِنعام اللَّه عليك ولُطْفِهِ بك- كاهِنٌ ولا مجنون.

وقوله سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ أي: بل يَقُولُونَ شاعِرٌ ...

الآية: رُوِيَ أَنَّ قريشاً اجتمعت في دار الندوة، فكثرت آراؤهم في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حَتَّى قال قائل منهم: تَرَبَّصُوا به رَيْبَ المَنُونِ، أي: حوادِثَ الدهر، فَيَهْلِكَ كما هَلَكَ من قبله من الشُّعَرَاءِ: زُهَيْرٌ، والنَّابِغَةُ، وَالأَعْشَى، وغيرُهم، فافترقوا على هذه المقالة، فنزلت الآية في ذلك، والتَّرَبُّصُ: الانتظار، والمنون: من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس «١» ، وهو أيضاً من أسماء الدهر، وبه فَسَّرَ مجاهد «٢» ، والرَّيْبُ هنا: الحوادث والمصائب: ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا» «٣» الحديثَ.

وقوله: قُلْ تَرَبَّصُوا وعيد في صيغة أمر.

وقوله سبحانه: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا الأحلام: العقول، وقوله: بِهذا يحتمل أنْ يشيرَ إلى هذه المقالة: هو شاعر، ويحتمل أَنْ يشير إلى ما هم عليه من الكُفْرِ وعبادة/ الأصنام، وتَقَوَّلَهُ معناه: قال عن الغير أَنَّهُ قاله، فهي عبارة عن كَذِبٍ مخصوص، ثم عَجَّزَهُمْ سبحانه بقوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ والضمير في مِثْلِهِ عائد على القرآن.

وقوله: إِنْ كانُوا صادِقِينَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ.

والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ.

﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟!

قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا ﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿ فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ.

وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.

وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟!

فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أمْ تَأْمُرُهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أمْ هُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟!

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟

لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟

والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا.

فَلْيَأْتُوا ﴿ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ ﴿ أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ ﴿ أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ  بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ مُحَمَّدًا  إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ  ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ...............

∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..................

∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗.....................

وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ  بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ.

ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ  ؟

فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ.

والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟

وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟

وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟

ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على ما تقدم كله من قوله: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ [الطور: 7] لأنه تضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المكذبين والافتراء عليه، وعقب بهذا لأن من الناس مؤمنين به متيقنين أن الله أرسله مع ما أعد لكلا الفريقين فكان ما تضمنه ذلك يقتضي أن في استمرار التذكير حكمة أرادها الله، وهي ارعواء بعض المكذبين عن تكذيبهم وازدياد المصدقين توغلاً في إيمانهم، ففرع على ذلك أن أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم بالدوام على التذكير.

فالأمر مستعمل في طلب الدوام مثل ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا باللَّه ورسوله ﴾ [النساء: 136].

ولما كان أثر التذكير أَهمَّ بالنسبة إلى فريق المكذبين ليهتدي من شرح قلبه للإِيمان رُوعي ما يَزيد النبي صلى الله عليه وسلم ثباتاً على التذكير من تبرئته مما يواجهونه من قولهم له: هو كاهن أو هو مجنون، فربط الله جَأش رسوله صلى الله عليه وسلم وأعلمه بأن براءته من ذلك نعمة أنعم بها عليه ربه تعالى ففرع هذا الخبر على الأمر بالتذكير بقوله: ﴿ فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون ﴾ .

والباء في ﴿ بنعمت ربك ﴾ للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير ﴿ أنت ﴾ .

ونفي هاذين الوصفين عنه في خطاب أمثاله ممن يستحق الوصف بصفات الكمال يدل على أن المراد من النفي غرض آخر وهو هنا إبطال نسبة من نسبه إلى ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ [التكوير: 22]، ولذلك حسن تعقيبه بقوله: ﴿ أم يقولون شاعر ﴾ [الطور: 30] مصرحاً فيه ببعض أقوالهم، فعلم أن المنفي عنه فيما قبله مقالة من مقالهم.

وقد اشتملت هاته الكلمة الطيبة على خصائص تناسب تعظيم من وجهت إليه وهي أنها صيغت في نظم الجملة الاسمية فقيل فيها «ما أنت بكاهن» دون: فلست بكاهن، لتدل على ثبات مضمون هذا الخبر.

وقدم فيها المسند إليه مع أن مقتضى الظاهر أن يقدم المسند وهو ﴿ كاهن ﴾ أو ﴿ مجنون ﴾ لأن المقام يقتضي الاهتمام بالمسند ولكن الاهتمام بالضمير المسند إليه كان أرجح هنا لما فيه من استحضار معاده المشعر بأنه شيء عظيم وأفاد مع ذلك أن المقصود أنه متصف بالخبر لا نفس الإِخبار عنه بالخبر كقولنا: الرسول يأكل الطعام ويتزوج النساء.

وأفاد أيضاً قصراً إضافياً بقرينة المقام لقلب ما يقولونه أو يعتقدونه من قولهم: هو كاهن أو مجنون، على طريقة قوله تعالى: ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ [هود: 91].

وقرن الخبر المنفي بالباء الزائدة لتحقيق النفي فحصل في الكلام تقويتان، وجيء بالحال قبل الخبر، أو بالجملة المعترضة بين المبتدأ والخبر، لتعجيل المسرة وإظهار أن الله أنعم عليه بالبراءة من هذين الوصفين.

وعدل عن استحضار الجلالة بالاسم العلم إلى تعريفه بالإِضافة وبوصفه الرب لإِفادة لطفه تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم لأنه ربه فهو يربُّه ويدبر نفعه، ولتفيد الإضافة تشريف المضاف إليه.

وقوله تعالى: ﴿ فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون ﴾ ردّ على مقالة شَيبة بن ربيعة قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كاهن، وعلى عقبة بن أبي معيط إذ قال: هو مجنون، ويدل لكونه رداً على مقالة سبقت أنه أتبعه بقوله: ﴿ أم يقولون شاعر ﴾ [الطور: 30] ما سيكون وما خفي مما هو كائن.

والكاهن: الذي ينتحل معرفة ما سيحدث من الأمور وما خفي مما هو كائن ويخبر به بكلام ذي أسْجاع قصيرة.

وكان أصل الكلمة موضوعة لهذا المعنى غير مشتقة، ونظيرها في العبرية (الكوهين) وهو حافظ الشريعة والمفتي بها، وهو من بني (لاوي)، وتقدم ذكر الكهانة عند قوله تعالى: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ في سورة الشعراء (210).

وقد اكتُفي في إبطال كونه كاهناً أو مجنوناً بمجرد النفي دون استدلال عليه، لأن مجرد التأمل في حال النبي صلى الله عليه وسلم كاففٍ في تحقق انتفاء ذينك الوصفين عنه فلا يحتاج في إبطال اتصافه بهما إلى أكثر من الإِخبار بنفيهما لأن دليله المشاهدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَذَكِّرْ ﴾ يَعْنِي بِالقُرْآنِ.

﴿ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي بِرِسالَةِ رَبِّكَ.

﴿ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ﴾ تَكِّذِيبًا لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ حَيْثُ قالَ إنَّهُ ساحِرٌ، وتَكْذِيبًا لِعُقْبَةَ بْنِ مَعِيطٍ، حَيْثُ قالَ: إنَّهُ مَجْنُونٌ.

﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: قالَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ: تَرَبَّصُوا بِمُحَمَّدٍ المَوْتَ يَكْفِيكُمُوهُ، كَما كَفاكم شاعِرَ بَنِي فُلانٍ، وشاعِرَ بَنِي فُلانٍ، قالَ الضَّحّاكُ: هَؤُلاءِ بَنُو عَبْدِ الدّارِ، نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ شاعِرٌ.

وَفِي ﴿ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

المَنُونُ: الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ ؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج في قوله: ﴿ يتنازعون فيها كأساً ﴾ قال: الرجل وأزواجه وخدمه يتنازعون أخذه من خدمة الكأس ومن زوجته وأخذ خدمة الكأس منه ومن زوجته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا لغو فيها ﴾ يقول: لا باطل فيها ﴿ ولا تأثيم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا لغو فيها ﴾ قال: لا يستبون ﴿ ولا تأثيم ﴾ قال: لا يغوون.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ كأنهم لؤلؤ مكنون ﴾ قال: الذي لم تمر عليه الأيدي.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر «عن قتادة في قوله: ﴿ كأنهم لؤلؤ مكنون ﴾ قال: بلغني أنه قيل: يا رسول الله هذا الخدم مثل اللؤلؤ فكيف بمخدوم؟

قال: والذي نفسي بيده إن فضل ما بينهما كفضل القمر ليلة البدر على النجوم» وفي لفظ لابن جرير «إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» .

وأخرج الترمذي وحسنة وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر، يطوف عليّ ألف خادم ﴿ كأنهم لؤلؤ مكنون ﴾ » .

قوله تعالى: ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ الآيات.

أخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإِخوان فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدثان فيتكئ ذا ويتكئ ذا فيتحدثان بما كانا في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا، يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ووقانا عذاب السموم ﴾ قال: وهج النار.

وخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو فتح الله من عذاب السموم على أهل الأرض مثل الأنملة أحرقت الأرض ومن عليها» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة أنها قرأت هذه الآية ﴿ فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ﴾ فقالت: اللهم منَّ علينا وقنا عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم وذلك في الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن أسماء أنها قرأت هذه الآية فوقعت عليها فجعلت تستعيذ وتدعو.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه هو البر ﴾ قال: اللطيف.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إنه هو البر ﴾ قال: الصادق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ قال المفسرون: فعظ بالقرآن أهل مكة.

والمعنى: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين والكافرين.

﴿ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: برحمة ربك عليك (١) (٢) قوله: ﴿ بِكَاهِنٍ ﴾ يقال: كَهَنَ الرجل يَكْهَنُ كَهانةً، مثل: كتب يكتب كتابة، وقَلّ ما يقال إلا تَكَهَّنَ الرجل، ويقال: كهن لهم، إذا قال لهم قول الكهنة (٣)  - فلما بعث ومنعت الشياطين من استراق السمع بطل علم الكهانة (٤) قال المفسرون: ما أنت بكاهن تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي.

أي لست تقول ما تقوله (٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ، "معالم التنزيل" 4/ 240.

(٢) وفي "تنوير المقباس" 5/ 286، قال: بالنبوة والإسلام.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 24، "اللسان" 3/ 309 (كهن) وهو قول الليث.

(٤) انظر: "فتح الباري" 10/ 216 - 219، ومما نقله عن القرطبي قوله: (كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم ..).

(٥) في (ك): (مقول).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ﴾ هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي ذكِّر الناس، ثم نفى عنه ما نسبه إليه الكفار من الكهانة والجنون.

ومعنى: ﴿ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾ : بسبب إنعام الله عليك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ﴾ .

أي: بما أنعم عليك من النبوة والقرآن لست بكاهن ولا مجنون.

ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنك لم تقابل نعمة ربك [بذلك،] عوفيت وعصمت عما ذكروا من الجنون، والسحر وغير ذلك، والله أعلم.

دلت هذه الآية على أنهم قالوا له: إنه كاهن، ومجنون، وكذا كانت عادة أولئك أنهم ينسبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف الرسل - عليهم السلام - لقادتهم وفراعنتهم إلى الجنون، والكلام المستملح والنظم الجيد إلى الشعر؛ تلبيسا للأمر على أتباعهم، هذه كانت عادتهم، مع العلم منهم أن رسول الله  ليس كذلك، ولا اختلف إلى أحد من الكهان ولا السحرة ولا كان القرآن على نظم الشعر؛ إذ عجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين، لم لم عجزوا عن مقابلة ما آتاهم من الحجج قالوا: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ ﴾ ، أي: عن قريب يرجعون إلى ديننا، وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب رسول الله  : إن محمداً يموت ويصير الأمر لنا؛ فترجعون إلينا؛ فقال  : ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ ﴾ ، أي: تربصوا ذلك؛ فإني متربص ذلك بكم؛ فكانوا جميعاً أو عامتهم - أعني: الذين قالوا لرسول الله  : إنه شاعر نتربص به ريب المنون - أهلكوا قبل وفاة رسول الله  - فحل بهم ما ظنوا برسول الله  ، والله أعلم.

قال القتبي: ريب المنون: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، والمنون: الدهر.

وقال أبو عوسجة: ريب المنون، أي: المنية، وريبها: ما تأتي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع معنى حرف "أم" أي: ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أي: من يأمر بهذا فليس بعاقل.

والثاني: على تسفيه أحلامهم، أي: أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن عبادة الله  ؟!

أي: لا عقل يأمر به.

وقوله: ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .

أي: طاغون في ذلك، والطغيان: هو المجاوزة عن الحد في العداوة.

وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يعلمون أنك لست بمتقول، ولكن ينسبونك إلى التقول، لتكذيبهم بآيات الله  ؛ وهو وما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ يقول: إنهم لا يقولون: إنك كاذب فيما تقول، ولا ينسبونك إلى الكذب، ولكن إنما يكذبون الآيات، ويعتقدون كذبها؛ فعلى ذلك تقوله على علم منهم: أنك لم تتقول، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها، فيقولون: إنك تتقول من [عند نفسك]، قال: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ ، أي: لو كانوا صادقين بأن محمداً يتقول على الله، فليأتوا بمثل ما أتى به محمد.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ﴾ وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر، فهو في الحقيقة ليس بأمر؛ لأنه لا يحمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب والافتراء، ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله.

والثاني: على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول الله  من الافتراء والتقول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أم خلقوا من غير أب، ولكن ليس فيما ذكروا كثير فائدة، لو خلقوا من غير أب، إلا أن يريدوا بذلك: حتى لم يعرفوا من خلقهم، وممن خلقوا، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم مخلوقون، وليسوا بخالقين، أن كلام نحوه، فكيف يتكلمون بما هو سفه، وكيف يصرون عليه.

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء، إذ [لو] خلقوا من تراب، ولغير معنى وحكمة، لكان خلقهم عبثاً باطلا، وهم يعلمون أنهم لم يخلقوا لعباً باطلا.

والثاني: يقال: لا يلخو إما أن يكون خلقوا من غير شيء، أو خلقوا من تراب وماء، فكيفما كان، فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

أي: ليسوا هم بخالقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوهما.

وقوله: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن ما يقولون إما يقولون على الظن لا على اليقين.

والثاني: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ أي: لا يصدقون، وذلك في قوة علم الله  بأنهم لا يؤمنون.

فإن كان التأويل هذا، ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ حيث أخبر عن الغيب.

وإن كان التأويل هو الأول، ففيه أن جميع ما يقولون، إنما يقولون على الظن والجهل، لا على اليقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ...

﴾ الآية؛ أي: ليس عندهم خزائن ربك، على ما ذكرنا في قوله  : ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: لم يخلقوا؛ فعلى ذلك هذا: ليس عندهم خزائن ربك، ولا هم المصيطرون.

ثم الآية تحتمل وجوها أيضاً: تحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: الذي منعهم عن اتباع رسول الله  هو المنعة التي عندهم، ليس ذلك عند رسول الله  ؛ فيكونون هم الذلك أحق بالرسالة، أي: ليسوا بأحق.

ويحتمل قوله  : ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم الغيب، أطلعوا على ذلك فعلموا أن رسول الله  قد تقوَّلَ على الله  ؟!

أي: ليس لهم علم الغيب.

ويحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: علم الغيب، ليس ذلك عند رسول الله  ، بل عند رسوله ما يخبره ربه - جل وعلا - ليس عندهم شيء من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ ﴾ .

أي: ليس هم المسلطين على أرزاقهم، ولا أرزاق غيرهم.

وقال بعضهم: المسيطر: الرب  ، يقال: سيطر فلان، أي: صار ربا؛ وهو قول القتبي.

وقال الزجاج: المسطير: المسلط؛ يقال: سيطر، اي: تسلط.

وقال أبو بكر: المسيطر: الغالب القاهر، لكن الغلبة والقهر بالحجة عليهم، وهذا يخرج على المقابلة برسول الله  ما ذكر، ويحتمل على غير المقابلة والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أم لهم سبب وقوة؛ فيصعدون السماء؛ فيستمعون من أخبارها؛ فعلموا بذلك أن محمداً  تقول على الله  .

والثاني: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ ، أي: لهم حجة وبرهان يستمعون يه أن رسول الله  على ما ذكروا، فإن قالوا: نعم لنا ذلك، يقال لهم عند ذلك: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: بحجة بينة، ليس لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ...

﴾ الآية.

هذا ليس من نوع ما سبق ذكره؛ لأن ما تقدم من الآيات بينهم وبين رسول الله  على المقابلة، وهذا راجع إلى الله  في الظاهر على ما سبق منهم القول: إن الملائكة بنات الله، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ ، يذكر سفههم في نسبتهم البنات إلى الله - عز وجل - وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيسكن بذلك صدر رسول الله  ، ويصبره على أذاهم، أي: إنهم يقولون فيَّ ما قالوا؛ فاصبر على ما يقولون فيك، والله أعلم.

ويحتمل أن خرج ما ذكرنا من المقابلة برسول الله  ، [و]معناه: أم لرسول الله البنات، ولكم البنون؛ فتتركون اتباعه لذلك؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ .

أي: لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعهم ذلك عن اتباعك، يذكر أن ليس لهم أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنتا ومكابرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ، أي: عندهم علم الغيب؛ فيعلمون أن رسول الله  تقوله؛ بل ليس عندهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ ﴾ .

أي: يريدون كيدا برسول الله  ، لكن هم المكيدون، أي: إليهم يرجع ذلك الكيد، والذي أرادوا برسول الله  .

ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر - عز وجل - أنه عليهم في الدنيا؛ على ما قاله أهل التأويل: إنهم قتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أم لهم إله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  ؟

أي: أم لهم إله غير الله يمنعهم ن عذاب الله  ؟!

أي: ليس لهم.

ويحتمل: أم لهم إله غير الله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  من التقول على الله  ، أو يطعلهم على ذلك؟

أي: ليس لهم إله يطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ  مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ  ﴾ .

ثم نزه نفسه عما أشركوا معه من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة، فقال: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فذكّر -أيها الرسول- بلقرآن، فلست بما أنعم الله عليك به من الإيمان والعقل بكاهنٍ لكَ رَئِيٌّ من الجن، ولست بمجنون.

<div class="verse-tafsir" id="91.5NAg8"

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد