الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٤٨ من سورة الطور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٨ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) أي : اصبر على أذاهم ولا تبالهم ، فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا ، والله يعصمك من الناس .
وقوله : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) قال الضحاك : أي إلى الصلاة : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك .
وقد روي مثله عن الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهما .
وروى مسلم في صحيحه ، عن عمر أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة .
ورواه أحمد وأهل السنن ، عن أبي سعيد وغيره ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول ذلك .
وقال أبو الجوزاء : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) أي : من نومك من فراشك .
واختاره ابن جرير : ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني عمير بن هانئ ، حدثني جنادة بن أبي أمية ، حدثنا عبادة بن الصامت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من تعار من الليل فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير .
سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : رب اغفر لي - أو قال : ثم دعا - استجيب له ، فإن عزم فتوضأ ، ثم صلى تقبلت صلاته " .
وأخرجه البخاري في صحيحه ، وأهل السنن من حديث الوليد بن مسلم ، به .
وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) قال : من كل مجلس .
وقال الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) قال : إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال : سبحانك اللهم وبحمدك .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي ، حدثنا محمد بن شعيب ، أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي ، عن عطاء بن أبي رباح ; أنه حدثه عن قول الله : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) يقول : حين تقوم من كل مجلس ، إن كنت أحسنت ازددت خيرا ، وإن كان غير ذلك كان هذا كفارة له .
وقد قال عبد الرزاق في جامعه : أخبرنا معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن أبي عثمان الفقير ; أن جبريل علم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من مجلسه أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك .
قال معمر : وسمعت غيره يقول : هذا القول كفارة المجالس وهذا مرسل ، وقد وردت أحاديث مسندة من طرق - يقوي بعضها بعضا - بذلك ، فمن ذلك حديث ابن جريج ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك " .
رواه الترمذي - وهذا لفظه - والنسائي في اليوم والليلة ، من حديث ابن جريج .
وقال الترمذي : حسن صحيح .
وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال : إسناد على شرط مسلم ، إلا أن البخاري علله .
قلت : علله الإمام أحمد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة ، والدارقطني ، وغيرهم .
ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج .
على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، ورواه أبو داود - واللفظ له - والنسائي ، والحاكم في المستدرك ، من طريق الحجاج بن دينار ، عن هاشم عن أبي العالية ، عن أبي برزة الأسلمي قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس : " سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك " .
فقال رجل : يا رسول الله ، إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى ؟
!
قال : " كفارة لما يكون في المجلس " .
وقد روي مرسلا عن أبي العالية ، والله أعلم .
وهكذا رواه النسائي والحاكم ، من حديث الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن رافع بن خديج ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله سواء ، وروي مرسلا أيضا ، والله أعلم .
وكذا رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ; أنه قال : " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات ، إلا كفر بهن عنه ، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم له بهن كما يختم بالخاتم على الصحيفة : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك " وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة ، وصححه ، ومن رواية جبير بن مطعم ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد أفردت لذلك جزءا على حدة بذكر طرقه وألفاظه وعلله ، وما يتعلق به ، ولله الحمد والمنة
القول في تأويل قوله تعالى : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) يا محمد الذي حكم به عليك, وامض لأمره ونهيه, وبلغ رسالاته ( فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) يقول جلّ ثناؤه: فإنك بمرأى منا نراك ونرى عملك, ونحن نحوطك ونحفظك, فلا يصل إليك من أرادك بسوء من المشركين.
وقوله: ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: إذا قمت من نومك فقل: سبحان الله وبحمده.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, في قوله: ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) قال: من كل منامة, يقول حين يريد أن يقوم: سبحانَك وبحمدك.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص عوف بن مالك ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) قال: سبحان الله وبحمده.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) قال: إذا قام لصلاة من ليل أو نهار.
وقرأ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قال: من نوم.
ذكره عن أبيه.
وقال بعضهم: بل معنى ذلك: إذا قمت إلى الصلاة المفروضة فقل: سبحانك اللهمّ وبحمدك.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن جُوَيبر, عن الضحاك ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) قال: إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهمّ وبحمدك, وتبارك اسمك ولا إله غيرك.
وَحُدِّثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) إلى الصلاة المفروضة.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وصلّ بحمد ربك حين تقوم من مَنامك, وذلك نوم القائلة, وإنما عنى صلاة الظهر.
وإنما قلت: هذا القول أولى القولين بالصواب, لأن الجميع مجمعون على أنه غير واجب أن يقال في الصلاة: سبحانك وبحمدك, وما روي عن الضحاك عند القيام إلى الصلاة, فلو كان القول كما قاله الضحاك لكان فرضا أن يُقال لأن قوله ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) أمر من الله تعالى بالتسبيح, وفي إجماع الجميع على أن ذلك غير واجب الدليل الواضح على أن القول في ذلك غير الذي قاله الضحاك.
فإن قال قائل: ولعله أريد به الندب والإرشاد.
قيل: لا دلالة في الآية على ذلك, ولم تقم حجة بأن ذلك معنيّ به ما قاله الضحاك, فيحمل إجماع الجميع على أن التسبيح عند القيام إلى الصلاة مما خير المسلمون فيه دليلا لنا على أنه أُريد به الندب والإرشاد.
وإنما قلنا: عُني به القيام من نوم القائلة, لأنه لا صلاة تجب فرضا بعد وقت من أوقات نوم الناس المعروف إلا بعد نوم الليل, وذلك صلاة الفجر, أو بعد نوم القائلة, وذلك صلاة الظهر; فلما أمر بعد قوله ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) بالتسبيح بعد إدبار النجوم, وذلك ركعتا الفجر بعد قيام الناس من نومها ليلا عُلِم أن الأمر بالتسبيح بعد القيام من النوم هو أمر بالصلاة التي تجب بعد قيام من نوم القائلة على ما ذكرنا دون القيام من نوم الليل.
قوله تعالى : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا فيه مسألتان :الأولى : واصبر لحكم ربك قيل : لقضاء ربك فيما حملك من رسالته .
وقيل : لبلائه فيما ابتلاك به من قومك ; ثم نسخ بآية السيف .الثانية : قوله تعالى : فإنك بأعيننا أي بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل .
وقيل : بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك .
والمعنى واحد .
ومنه قوله تعالى لموسى عليه السلام : ولتصنع على عيني أي بحفظي وحراستي وقد تقدم .قوله تعالى : وسبح بحمد ربك حين تقوم فيه :قوله تعالى : وسبح بحمد ربك حين تقوم اختلف في تأويل قوله : حين تقوم فقال عون بن مالك وابن مسعود وعطاء وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو الأحوص : يسبح الله حين يقوم من مجلسه ; فيقول : سبحان الله وبحمده ، أو سبحانك اللهم وبحمدك ; فإن كان المجلس خيرا ازددت ثناء حسنا ، وإن كان غير ذلك كان كفارة له ; ودليل هذا التأويل ما خرجه الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك قال : حديث حسن صحيح غريب .
وفيه عن ابن عمر قال : كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم : رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور قال : حديث حسن صحيح غريب .وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع : المعنى حين تقوم إلى الصلاة .
قال الضحاك : يقول : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا .
قال الكيا الطبري : وهذا فيه بعد ; فإن قوله : حين تقوم لا يدل على التسبيح بعد التكبير ، فإن التكبير هو الذي يكون بعد القيام ، والتسبيح يكون وراء ذلك ، فدل على أن المراد فيه حين تقوم من كل مكان كما قال ابن مسعود رضي الله عنه .
وقال أبو الجوزاء وحسان بن عطية : المعنى حين تقوم من منامك .
قال حسان : ليكون مفتتحا لعمله بذكر الله .
وقال الكلبي : واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة وهي صلاة الفجر .وفي هذا روايات مختلفات صحاح ; منها حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم : من تعار في الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال : اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ وصلى قبلت صلاته خرجه البخاري .
تعار الرجل من الليل : إذا هب من نومه مع صوت ; ومنه عار الظليم يعار عرارا وهو صوته ; وبعضهم يقول : عر الظليم يعر عرارا ، كما قالوا زمر النعام يزمر زمارا .
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل : اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت [ ص: 74 ] قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وعليك توكلت وبك آمنت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك متفق عليه .وعن ابن عباس أيضا أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ من الليل مسح النوم من وجهه ; ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة " آل عمران " .
وقال زيد بن أسلم : المعنى حين تقوم من نوم القائلة لصلاة الظهر .
قال ابن العربي : أما نوم القائلة فليس فيه أثر وهو ملحق بنوم الليل .
وقال الضحاك : إنه التسبيح في الصلاة إذا قام إليها .
الماوردي : وفي هذا التسبيح قولان ؛ أحدهما : وهو قوله سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الأعلى في السجود .
الثاني : أنه التوجه في الصلاة يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك .
قال ابن العربي : من قال إنه التسبيح للصلاة فهذا أفضله ، والآثار في ذلك كثيرة أعظمها ما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال وجهت وجهي الحديث .
وقد ذكرناه وغيره في آخر سورة " الأنعام " .
وفي البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : قلت يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي ; فقال : قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم .
ولما بين تعالى الحجج والبراهين على بطلان أقوال المكذبين، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يعبأ بهم شيئا، وأن يصبر لحكم ربه القدري والشرعي بلزومه والاستقامة عليه، ووعده الله بالكفاية بقوله: { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } أي: بمرأى منا وحفظ، واعتناء بأمرك، وأمره أن يستعين على الصبر بالذكر والعبادة، فقال: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } أي: من الليل.
( واصبر لحكم ربك ) إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم ( فإنك بأعيننا ) أي بمرأى منا ، قال ابن عباس : نرى ما يعمل بك .
وقال الزجاج : إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك .
( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) قال سعيد بن جبير وعطاء : أي : قل حين تقوم من مجلسك : سبحانك اللهم وبحمدك ، فإن كان المجلس خيرا ازددت فيه إحسانا ، وإن كان غير ذلك كان كفارة له .
أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد القفال ، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البرونجردي ، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي ، حدثنا أحمد بن عبد الله القرشي ، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من جلس مجلسا وكثر فيه لغطه ، فقال قبل أن يقوم : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، إلا كان كفارة لما بينهما " .
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : معناه صل لله حين تقوم من مقامك .
وقال الضحاك والربيع : إذا قمت إلى الصلاة فقل : " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " .
أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أخبرنا أبو محمد الجراحي ، حدثنا أبو العباس المحبوبي ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى قال : حدثنا أبو معاوية عن حارثة بن أبي الرجال ، عن عمرة عن عائشة قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة قال : " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " .
وقال الكلبي : هو ذكر الله باللسان حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة .
أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني ، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلئي ، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، حدثنا محمد بن نافع ، حدثنا زيد بن حباب ، أخبرني معاوية بن صالح ، أخبرنا أزهر بن سعيد الحرازي عن عاصم بن حميد قال : سألت عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء كان يفتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيام الليل ؟
فقالت : كان إذا قام كبر الله عشرا ، وحمد الله عشرا ، وسبح الله عشرا ، وهلل عشرا ، واستغفر عشرا ، وقال : اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني ، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة " .
«واصبر لحكم ربك» بإمهالهم ولا يضق صدرك «فإنك بأعيننا» بمرأى منا نراك ونحفظك «وسبح» متلبسا «بحمد ربك» أي قل: سبحان الله وبحمده «حين تقوم» من منامك أو من مجلسك.
واصبر -أيها الرسول- لحكم ربك وأمره فيما حَمَّلك من الرسالة، وعلى ما يلحقك من أذى قومك، فإنك بمرأى منا وحفظ واعتناء، وسبِّح بحمد ربك حين تقوم إلى الصلاة، وحين تقوم من نومك، ومن الليل فسبِّح بحمد ربك وعظِّمه، وصلِّ له، وافعل ذلك عند صلاة الصبح وقت إدبار النجوم.
وفي هذه الآية إثبات لصفة العينين لله تعالى بما يليق به، دون تشبيه بخلقه أو تكييف لذاته، سبحانه وبحمده، كما ثبت ذلك بالسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، واللفظ ورد هنا بصيغة الجمع للتعظيم.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بتلك التسلية الرقيقة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( واصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا .
.
) .أى : واصبر - أيها الرسول الكريم - ( لِحُكْمِ رَبِّكَ ) إلى أن ننزل بهم عقابنا فى الوقت الذى نشاؤه ونختاره ( فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) أى : فإنم بمرأى منا وتحت رعايتنا وحمايتنا وحفظنا .( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) أى : وأكثر من تسبيح ربك وتنزيهه عن كل مالا يليق به حين تقوم من منامك ، أو من مجلسك ، أو حين تقوم للصلاة .
وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس ﴾ ونشير إلى بعضه هاهنا فإن طول العهد ينسي، فنقول لما قال تعالى: ﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ كان فيه الإشارة إلى أنه لم يبق في نصحهم نفع ولا سيما وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ السماء ﴾ وكان ذلك مما يحمل النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء كما قال نوح عليه السلام ﴿ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ﴾ وكما دعا يونس عليه السلام فقال تعالى: ﴿ واصبر ﴾ وبدل اللعن بالتسبيح ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ بدل قولك اللّهم أهلكهم ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ فيه وجوه: الأول: أنه تعالى لما بيّن أنهم يكيدونه كان ذلك مما يقتضي في العرف المبادرة إلى إهلاكهم لئلا يتم كيدهم فقال: اصبر ولا تخف، فإنك محفوظ بأعيننا ثانيها: أنه تعالى قال فاصبر ولا تدع عليهم فإنك بمرأى منا نراك وهذه الحالة تقتضي أن تكون على أفضل ما يكون من الأحوال لكن كونك مسبحاً لنا أفضل من كونك داعياً على عباد خلقناهم، فاختر الأفضل فإنك بمرأى منا ثالثها: أن من يشكو حاله عند غيره يكون فيه إنباء عن عدم علم المشكو إليه بحال الشاكي فقال تعالى: اصبر ولا تشك حالك فإنك بأعيننا نراك فلا فائدة في شكواك، وفيه مسائل مختصة بهذا الموضع لا توجد في قوله: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ .
المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ واصبر لِحُكْمِ ﴾ تحتمل وجوهاً: الأول: هي بمعنى إلى أي اصبر إلى أن يحكم الله الثاني: الصبر فيه معنى الثبات، فكأنه يقول فاثبت لحكم ربك يقال ثبت فلان لحمل قرنه الثالث: هي اللام التي تستعمل بمعنى السبب يقال لم خرجت فيقال لحكم فلان علي بالخروج فقال: ﴿ واصبر ﴾ واجعل سبب الصبر امتثال الأمر حيث قال واصبر لهذا الحكم عليك لا لشيء آخر.
المسألة الثانية: قال هاهنا ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ وقال في مواضع أخر ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى ﴾ نقول لما وحد الضمير هناك وهو ياء المتكلم وحده وحد العين ولما ذكر هاهنا ضمير الجمع في قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ وهو النون جمع العين، وقال: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فلأن الحفظ هاهنا أتم لأن الصبر مطية الرحمة بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث اجتمع له الناس وجمعوا له مكايد وتشاوروا في أمره، وكذلك أمره بالفلك وأمره بالاتخاذ عند عدم الماء وحفظه من الغرق مع كون كل البقاع مغمورة تحت الماء تحتاج إلى حفظ عظيم في نظر الخلق فقال: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ .
المسألة الثالثة: ما وجه تعلق الباء هاهنا قلنا قد ظهر من جميع الوجوه، أما إن قلنا بأنه للحفظ فتقديره محفوظ بأعيننا، وإن قلنا للعلم فمعناه بمرأى منا أي بمكان نراك وتقديره فإنك بأعيننا مرئي وحينئذ هو كقول القائل رأيته بعيني كما يقال كتب بالقلم الآلة وإن كان رؤية الله ليست بآلة، فإن قيل فما الفرق في الموضعين حيث قال في طه ﴿ على عَيْنِى ﴾ وقال هاهنا ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ وما الفرق بين على وبين الباء نقول معنى على هناك هو أنه يرى على ما يرضاه الله تعالى، كما يقول أفعله على عيني أي على رضاي تقديره على وجه يدخل في عيني وألتفت إليه فإن من يفعل شيئاً لغيره ولا يرتضيه لا ينظر فيه ولا يقلب عينه إليه والباء في قوله: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ قد ذكرناها وقوله: ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ فيه وجوه: الأول: تقوم من موضعك والمراد قبل القيام حين ما تعزم على القيام وحين مجيء القيام، وقد ورد في الخبر أن من قال: سبحان الله من قبل أن يقوم من مجلسه يكتب ذلك كفارة لما يكون قد صدر منه من اللفظ واللغو في ذلك المجلس الثاني: حين تقوم من النوم، وقد ورد أيضاً فيه خبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح بعد الانتباه الثالث: حين تقوم إلى الصلاة وقد ورد في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في افتتاح الصلاة: «سبحانك اللّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» الرابع: حين تقوم لأمر ما ولا سيما إذا قمت منتصباً لمجاهدة قومك ومعاداتهم والدعاء عليهم ﴿ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ وبدل قيامك للمعاداة وانتصابك للانتقام بقيامك لذكر الله وتسبيحه الخامس: ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ أي بالنهار، فإن الليل محل السكون والنهار محل الابتغاء وهو بالقيام أولى، ويكون كقوله: ﴿ وَمِنَ اليل فَسَبّحْهُ ﴾ إشارة إلى ما بقي من الزمان وكذلك ﴿ وإدبار النجوم ﴾ وهو أول الصبح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِحُكْمِ رَبّكَ ﴾ بإمهالهم وما يلحقك فيه من المشقة والكلفة ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ مثل، أي: بحيث نراك ونكلؤك.
وجمع العين لأنّ الضمير بلفظ ضمير الجماعة.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى ﴾ [طه: 39] .
وقرئ: ﴿ بأعينا ﴾ ، بالإدغام ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ من أي مكان قمت.
وقيل: من منامك ﴿ وإدبار النجوم ﴾ وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل.
وقرئ: ﴿ وأدبار ﴾ ، بالفتح بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت، والمراد الأمر بقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات.
وقيل التسبيح: الصلاة إذا قام من نومه، ومن الليل: صلاة العشاءين، وأدبار النجوم: صلاة الفجر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الطور كان حقاً على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته» .
﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ بِإمْهالِهِمْ وإبْقائِكَ في عَنائِهِمْ.
﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ في حِفْظِنا بِحَيْثُ نَراكَ ونَكْلَؤُكَ وجَمَعَ العَيْنَ لِجَمْعِ الضَّمِيرِ والمُبالَغَةِ بِكَثْرَةِ أسْبابِ الحِفْظِ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ مِن أيِّ مَكانٍ قُمْتَ أوْ مِن مَنامِكَ أوْ إلى الصَّلاةِ.
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ فَإنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ عَلى النَّفْسِ وأبْعَدُ مِنَ الرِّياءِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ وقَدَّمَهُ عَلى الفِعْلِ ﴿ وَإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ وإذا أدْبَرَتِ النُّجُومُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْ في أعْقابِها إذا غَرَبَتْ أوْ خَفِيَتْ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : «مَن قَرَأ سُورَةَ والطُّورِ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُؤَمِّنَهُ مِن عَذابِهِ وأنْ يُنَعِّمَهُ في جَنَّتِهِ».»
{واصبر لحكم ربك} بامهالهم وبما يلحق فيه من المشقة فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا أي بحيث نراك ونكاؤك وجمع العين لأن الضمير بلفظ الجماعة ألا ترى الى قوله ولتصنع على عينى {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ حِينَ تَقُومُ} للصلاة وهو ما يقال بعد التكبير سبحانك اللهم وبحمدك أو من أي مكان قمت أو من منامك
﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ بِإمْهالِهِمْ إلى يَوْمِهِمُ المَوْعُودِ وإبْقائِكَ فِيما بَيْنَهم مَعَ مُقاساةِ الأحْزانِ ومُعاناةِ الهُمُومِ ﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ أيْ في حِفْظِنا وحِراسَتِنا، فالعَيْنُ مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ، ويُتَجَوَّزُ بِها أيْضًا عَنِ الحافِظِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ، وفي الكَشّافِ هو مِثْلَ أيْ بِحَيْثُ نَراكَ ونَكْلُؤُكَ، وجَمْعُ العَيْنِ هُنا لِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ ووَحَّدَ في «طَهَ» لِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ، ولَوَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ - في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ - إلى أنَّ فائِدَةَ الجَمْعِ الدَّلالَةُ عَلى المُبالَغَةِ في الحِفْظِ كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حِفاظًا يَكْلُؤُونَهُ بِأعْيُنِهِمْ، وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: إنَّهُ أفْرَدَ هُنالِكَ لِإفْرادِ الفِعْلِ وهو كِلاءَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وها هُنا لَمّا كانَ لِتَصْبِيرِ الحَبِيبِ عَلى المَكايِدِ ومَشاقِّ التَّكالِيفِ والطّاعاتِ ناسِبَ الجَمْعِ لِأنَّها أفْعالٌ كَثِيرَةٌ كُلٌّ مِنها يَحْتاجُ إلى حِراسَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ انْتَهى، ومَن نَظَرَ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ عَلِمَ مِنَ الآيَتَيْنِ الفَرْقَ بَيْنَ الحَبِيبِ والكَلِيمِ عَلَيْهِما أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ إنَّ الكَلامَ في نَظِيرِ هَذا عَلى مَذْهَبِ السَّلَفِ مَشْهُورٌ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «بِأعْيُنّا» بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ ﴿ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أيْ قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى نَعْمائِهِ الفائِتَةِ الحَصْرَ، والمُرادُ سَبِّحْهُ تَعالى واحْمَدْهُ ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ قالَهُ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَدْ صُحَّ مِن رِوايَةِ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ إذا أرادَ أنْ يَقُومَ مِنَ المَجْلِسِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ»» والآثارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقِيلَ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ، أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «حَقٌّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ حِينَ يَقُومُ إلى الصَّلاةِ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهُ وبِحَمْدِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ » وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: حِينَ تَقُومُ إلى صَلاةٍ تَقُولُ هَؤُلاءِ الكَلِماتِ «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ» وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ أنَّهُ قالَ: «سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومَ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَلاةِ» ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ السّائِبِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: «حِينَ تَقُومَ مِنَ القائِلَةِ والتَّسْبِيحَ إذْ ذاكَ هو صَلاةُ الظُّهْرِ» <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ.
ثم بيّن جهلهم، وقلة أحلامهم، أنهم يجعلون لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ لأنفسهم.
قال عز وجل: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً ومعناه: أن الحجة واجبة عليهم من كل وجه، لأنك قد أتيتهم بالبيان والبرهان، ولم تسألهم على ذلك أجرا.
فقال: أَمْ تَسْأَلُهُمْ يعني: أتطلب منهم أَجْراً بما تعلمهم من الأحكام، والشرائع.
فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ يعني: من أجل المغرم، يمتنعون عن الإيمان.
يعني: لا حجة لهم في الامتناع، لأنك لا تسأل منهم أجراً، فيثقل عليهم لأجل الأجر.
قوله عز وجل: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ يعني: عندهم الغيب بأن الله لا يبعثهم فَهُمْ يَكْتُبُونَ يعني: أمعهم كتاب يكتبون بما شاؤوا؟
يعني: ما في اللوح المحفوظ، فهذا كله لفظ الاستفهام، والمراد به: الزجر.
ثم قال عز وجل: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً بل يريدون وعيدا بالنبي فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ يعني: بل هم المعذبون، الهالكون.
قوله عز وجل: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يعني: ألهم خالق غير الله يخلق، ويرزق، ويمنعهم من عذابنا سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: تنزيها لله تعالى عما يصفون من الشريك، والولد.
ثم ذكر قسوة قلوبهم فقال: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يعني: جانباً من السماء ساقطاً عليهم يَقُولُوا يعني: لقالوا من تكذيبهم سَحابٌ مَرْكُومٌ يعني: متراكماً بعضه على بعض، لأنهم كانوا يقولون: لا نؤمن بك حتى تسقط علينا كسفاً.
ثم قال الله تعالى: لو فعلنا ذلك، لم يؤمنوا، ولا ينفعهم من قسوة قلوبهم.
ثم قال: فَذَرْهُمْ يعني: فتخل عنهم يا محمد حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ يعني: يعاينوا يومهم الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يعني: يموتون.
ويقال: يعذبون.
قرأ عاصم، وابن عامر، يُصْعَقُونَ بضم الياء والباقون.
يُصْعَقُونَ بنصب الياء، وكلاهما واحد، وهما لغتان.
ثم وصف حالهم في ذلك اليوم فقال: يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً يعني: لا ينفعهم صنيعهم شيئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعني: لا يمنعون مما نزل بهم من العذاب.
ثم قال عز وجل: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ يعني: من قبل عذاب النار قد روى عبد الله بن عباس ما قال: عذاب القبر وقال معمر عن قتادة: قال: عذاب القبر في القرآن.
ثم قرأ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ ويقال عَذاباً دُونَ ذلِكَ يعني: القتل.
ويقال: الشدائد، والعقوبات في الدنيا.
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون بالعذاب.
ثم عزى نبيه ليصبر على أذاهم فقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني: لما أمرك ربك، ونهاك عنه.
ويقال: واصبر على تكذيبهم، وأذاهم.
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا يعني: فإنك بمنظر منا، والله تعالى يرى أحوالك، ولا يخفى عليه شيء.
وقال الزجاج: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا بمعنى فإنك بحيث نراك، ونحفظك، ولا يصلون إلى مكرك.
ويقال: نرى ما يصنع بك.
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ يعني: صل بأمر ربك قبل طلوع الشمس.
يعني: صلاة الفجر وقبل الغروب.
يعني: صلاة العصر.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ يعني: صل صلاة المغرب والعشاء ويقال: حين تقوم صلاة الفجر، والظهر، والعصر.
ومعناه: صل صلاة النهار، وصلاة الليل.
ويقال: سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ يعني: قل سبحانك اللهم وبحمدك إذا قمت إلى الصلاة وهذا قول ربيع بن أنس.
وَإِدْبارَ النُّجُومِ يعني: ركعتي الفجر.
وروى سعيد بن جبير، عن زاذان، عن عمر : لا صلاة بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر، وهما إدبار النجوم.
وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: أَدْبارَ السُّجُودِ الركعتان بعد المغرب، وَإِدْبارَ النُّجُومِ الركعتان قبل الفجر.
وروى وكيع عن ابن عباس أنه قال: بت ذات ليلة عند رسول الله ، فصلى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى الصلاة.
فقال ابن عباس: الركعتان اللتان قبل الفجر، إِدْبارَ النُّجُومِ واللاتي بعد المغرب أَدْبارَ السُّجُودِ وفي الآية، دليل على أن تأخير صلاة الفجر أفضل، لأنه أمر بركعتي الفجر بعد ما أدبرت النجوم، وإنما أدبرت النجوم بعد ما أسفر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء في جميع الأمور؟
والمصيطر: القاهر، وبذلك فسر ابن عباس «١» الآية، والسُّلَّمُ: السبب الذي يُصْعَدُ به، كان ما كان من خشب، أو بناء، أو حبال، أو غير ذلك، والمعنى: ألهم سُلَّمٌ إِلى السماء يستمعون فيه، أي: عليه أو منه، وهذه حروف يَسُدُّ بعضُها مَسَدَّ بعض، والمعنى:
يستمعون الخبر بِصِحَّةِ ما يدعونه، فليأتوا بالحُجَّةِ المبينة في ذلك.
وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ الآية، قال ابن عباس «٢» : يعني أَمْ عندهم اللوحُ المحفوظ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ: ما فيه، ويخبرون به، ثم قال: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً: بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنَّهم هُمُ الْمَكِيدُونَ أي: هم المغلوبون، فَسَمَّى غَلَبَتَهُمْ كيداً إذ كانت عقوبةُ الكَيْدِ، ثم قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ: يعصمهم ويمنعهم من الهلاك، قال الثعلبيُّ: قال الخليل: ما في سورة الطور كُلِّها من ذكر «أم» كُلُّه استفهام لهم، انتهى.
ثم نَزَّهَ تعالى نفسه: عَمَّا يُشْرِكُونَ به.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)
وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً أي: قطعةً يقولون لشدة معاندتهم هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ:
بعضُه على بعض، وهذا جوابٌ لقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [الشعراء: ١٨٧] وقولهم: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الإسراء: ٩٢] يقول: لو فعلنا هذا بهم لما/ آمنوا، ولقالوا: سحاب مركوم.
وقوله تعالى: فَذَرْهُمْ، وما جرى مَجْرَاهُ من الموادعة- منسوخ بآية السيف،
والجمهورُ أَنَّ يومهم الذي فيه يُصْعَقُونَ، هو يوم القيامة، وقيل: هو موتهم واحداً واحداً، ويحتمل أن يكون يوم بدر لأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فيه، والصعق: التعذيب في الجملة، وإنْ كان الاستعمالُ قد كَثُرَ فيما يصيب الإنسانَ من الصَّيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونحوه، ثُمَّ أخبر تعالى بِأَنَّ لهم دُونَ هذا اليوم، أي: قبله عَذاباً واخْتُلِفَ في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره «١» : هو بدر ونحوه، وقال مجاهد «٢» : هو الجُوعُ الذي أصابهم، وقال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وابن عباس أيضاً «٣» : هو عذاب القبر، وقال ابن زيد «٤» : هي مصائب الدنيا، إذْ هي لهم عذاب.
ت: ويحتمل أَنْ يكونَ المراد الجميع قال الفخر «٥» : إنْ قلنا إنَّ العذابَ هو بدر فالذين ظلموا هم أهل مَكَّةَ، وإنْ قلنا: العذابُ هو عذابُ القبر، فالذين ظلموا عامٌّ في كل ظالم، انتهى.
ثم قال تعالى لنبيِّهِ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي: بمرأى ومنظر، نرى ونَسْمَعُ ما تقول، وأَنَّك في حفظنا وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه المَلِكُ بعين، وهذه الآية ينبغي أَنْ يُقَرِّرَهَا كُلُّ مؤمن في نفسه فإنها تُفَسِّحُ مضايق الدنيا.
وقوله سبحانه: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال أبو الأحوص «٦» : هو التسبيح المعروف، يقول في كل قيام: سبحان اللَّهِ وبحمدِهِ، وقال عطاء «٧» : المعنى حين تقومُ من كُلِّ مجلس.
ت: وفي تفسير أحمدَ بن نصر الداوديّ قال: وعن ابن المُسَيِّبِ قال: حَقٌّ على كل مسلم أنْ يقول حين يقومُ إِلى الصلاة: سبحان اللَّهِ وبحمده لقولِ اللَّه سبحانه لِنَبِيِّهِ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، انتهى، / وقال ابن زيد «٨» : هي صلاة النوافل، وقال
الضَّحَّاكُ «١» : هي الصلوات المفروضة، وَمَنْ قال هي النوافل جعلَ أدبار النجوم رَكْعَتَيِ الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وقد رُوِيَ مرفوعاً، ومَنْ جعله التسبيحَ المعروفَ جعل قوله: حِينَ تَقُومُ مثالاً، أي: حين تقومُ وحينَ تَقْعُدُ، وفي كل تَصَرُّفِكَ، وحكى منذر عن الضَّحَّاكِ أَنَّ المعنى: حين تقومُ في الصلاة [بعد] تكبيرة الإحرام، فقل: «سُبْحَانَكَ اللهمّ، وبحمدك، وتبارك اسمك» «٢» الحديث.
ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا ﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ يَوْمَهُمُ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ.
والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ.
والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَمُوتُونَ.
والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ ، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿ عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ.
﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.
والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿ وَإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها.
وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ.
وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي عنهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَذَرْهُمْ" وما جَرى مَجْراهُ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يُلْقُوا"، والجُمْهُورُ عَلى "يُلاقُوا".
واخْتَلَفَ الناسُ في اليَوْمِ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو مَوْتُهم واحِدًا واحِدًا، وهَذا عَلى تَجَوُّزٍ، و"الصَعْقُ": التَعْذِيبُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ قَدْ كَثُرَ فِيهِ فِيما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، وقالَ الجُمْهُور: التَوَعُّدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ فِيهِ صَعْقَةً تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا مَحالَةَ أنَّ بَيْنَ صَعْقَةِ المُؤْمِنِ وصَعْقَةِ الكافِرِ فَرْقًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَصْعَقُونَ" مِن: صَعِقَ الرَجُلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ -فِي قَوْلِ شِبْلٍ-: "يُصْعَقُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، وذَلِكَ مِن:أصْعَقَ الرَجُلُ غَيْرَهُ، وحَكى الأخْفَشُ: "صُعِقَ الرَجُلُ" بِضَمِّ الصادِ وكَسْرِ العَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَهو مِثْلُ "يَصْرِفُونَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وفَتَحَ أهْلُ مَكَّةَ الياءَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ.
و"يُغْنِي" مَعْناهُ: يَكُونُ مِنهُ غِناءٌ ودِفاعٌ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم لَهم دُونَ هَذا اليَوْمِ -أيْ: قَبْلَهُ - عَذابٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو بَدْرٌ والفَتْحُ ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ، ونَزَعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وُجُودُ عَذابِ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا في الأجْسامِ وفي الأحِبَّةِ وفي الأمْوالِ، هي لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَبْرِ لِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والمُضِيِّ عَلى نِذارَتِهِ ووَعْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ ، ومَعْناهُ: بِإدْراكِنا وأعْيُنِ حِفْظِنا وحَيْطَتِنا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْعاهُ المَلِكُ بِعَيْنٍ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَها كُلُّ مُؤْمِنٍ في نَفْسِهِ فَإنَّها تُفْسِحُ مَضايِقَ الدُنْيا، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنا" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ، فَقالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَسْبِيحُ المَعْرُوفُ، أنْ يَقُولَ في كُلِّ قِيامٍ: سُبْحانَ اللهَ وبِحَمْدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَسْبِيحُ هُنا هو صَلاةُ النَوافِلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ": الظُهْرُ والعَصْرُ، أيْ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإدْبارَ النُجُومِ ﴾ :الصُبْحُ، ومَن قالَ هي النَوافِلُ جَعَلَ "إدْبارَ النُجُومِ" رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، ومَن جَعَلَهُ التَسْبِيحَ المَعْرُوفَ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ" مِثالًا، أيْ: وحِينَ تَقْعُدُ وفي كُلِّ تَصَرُّفِكَ، وحَكى مُنْذِرٌ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ المَعْنى: حِينَ تَقُومُ في الصَلاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ فَقُلْ: « "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ..."» الحَدِيثُ.
وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ويَعْقُوبُ: "وَأدْبارَ النُجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: وأعْقابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: : فَأصْبَحْتُ مِن لَيْلى الغَداةَ كَناظِرٍ..
مَعَ الصُبْحِ في أعْقابِ نَجْمٍ مُغَرِّبِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإدْبارَ النُجُومِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطُورِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿ واصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ .
عطف على جملة ﴿ فذرهم حتى يلاقوا يومهم ﴾ [الطور: 45] الخ، وما بينهما اعتراض وكان مفتتح السورة خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم ابتداء من قوله تعالى: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ [الطور: 7] المسوق مساق التسلية له، وكان في معظم ما في السورة من الأخبار ما يخالطه في نفسه صلى الله عليه وسلم من الكدر والأسف على ضلال قومه وبعدهم عما جاءهم به من الهدى ختمَت السورة بأمره بالصبر تسلية له وبأمره بالتسبيح وحمدِ الله شكراً له على تفضيله بالرسالة.
والمراد ب ﴿ حكم ربك ﴾ ما حكم به وقدره من انتفاء إجابَة بعضهم ومن إبطاء إجابة أكثرهم.
فاللام في قوله: ﴿ لحكم ربك ﴾ يجوز أن تكون بمعنى (على) فيكون لتعدية فعل ﴿ اصبر ﴾ كقوله تعالى: ﴿ واصبر على ما يقولون ﴾ [المزمل: 10].
ويجوز فيها معنى (إلى) أي اصبر إلى أن يحكم الله بينك وبينهم فيكون في معنى قوله: ﴿ واصبر حتى يحكم اللَّه ﴾ [يونس: 109] ويجوز أن تكون للتعليل فيكون ﴿ لحكم ربك ﴾ هو ما حكَم به من إرساله إلى الناس، أي اصبر لأنك تقوم بما وجب عليك.
فلللام في هذا المكان موقع جامع لا يفيد غيرُ اللام مثلَه.
والتفريع في قوله: ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ تفريع العلة على المعلول ﴿ اصبر ﴾ لأنك بأعيننا، أي بمحل العناية والكلاءة منا، نحن نعلم ما تلاقيه وما يريدونه بك فنحن نجازيك على ما تلقاه ونحرسك من شرهم وننتقم لك منهم، وقد وفى بهذا كله التمثيلُ في قوله: ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ ، فإن الباء للإِلصاق المجَازي، أي لا نغفل عنك، يقال: هو بمرأى مني ومسمع، أي لا يخفى عليّ شأنه.
وذكر العين تمثيل لشدة الملاحظة وهذا التمثيل كناية عن لازم الملاحظة من النصر والجزاء والحفظ.
وقد آذن بذلك قوله: ﴿ لحكم ربك ﴾ دون أن يقول: واصبر لحكمنا، أو لحكم الله، فإن المربوبية تؤذن بالعناية بالمربوب.
وجمعُ الأعين: إما مبالغة في التمثيل كأنَّ الملاحظة بأعين عديدة كقوله: ﴿ واصنع الفلك بأعيننا ﴾ [هود: 37] وهو من قبيل ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ [الذاريات: 47].
ولك أن تجعل الجمع باعتبار تعدد متعلَّقات الملاحظة فملاحظةٌ للذب عنه، وملاحظة لتوجيه الثواب ورفع الدرجة، وملاحظة لجزاء أعدائه بما يستحقونه، وملاحظة لنصره عليهم بعموم الإيمان به، وهذا الجمع على نحو قوله تعالى في قصة نوح: ﴿ وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا ﴾ [القمر: 13، 14] لأن عناية الله بأهل السفينة تتعلّق بإجرائها وتجنيب الغرق عنها وسلامة ركابها واختيار الوقت لإِرسائها وسلامة الركاب في هبوطهم، وذلك خلاف قوله في قصة موسى ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ [طه: 39] فإنه تعلق واحد بمشي أخته إلى آل فرعون وقولها: ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ [طه: 40].
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اليل فَسَبِّحْهُ وإدبار النجوم ﴾ .
التسبيح: التنزيه، والمراد ما يدل عليه من قول، وأشهر ذلك هو قول: «سبحان الله» وما يرادفه من الألفاظ، ولذلك كثر إطلاق التسبيح وما يشتق منه على الصلوات في آيات كثيرة وآثار.
والباء في قوله: ﴿ بحمد ربك ﴾ للمصاحبة جمعاً بين تعظيم الله بالتنزيه عن النقائص وبين الثناء عليه بأوصاف الكمال.
و ﴿ حين تقوم ﴾ وقت الهبوب من النوم، وهو وقت استقبال أعمال اليوم وعنده تتجدد الأسباب التي من أجلها أُمر بالصبر والتسبيح والحمد.
فالتسبيح مراد به: الصلاة، والقيام: جعل وقت للصلوات: إمّا للنوافل، وإما لصلاة الفريضة وهي الصبح.
وقيل: التسبيح قوله: «سبحان الله»، والقيام: الاستعداد للصلاة أو الهبوب من النوم.
وروي ذلك عن عوف بن مالك وابن زيد والضحاك على تقارب بين أقوالهم، أي يقول القائم: «سبحان الله وبحمده» أو يقول: «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك ولا إله غيرك».
وعن عوف بن مالك وابن مسعود وجماعة: أن المراد بالقيام القيام من المجلس لما روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من جلس مجلساً فكثر فيه لَغَظُه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك " ولم يذكر أنه قرأ هذه الآية.
و ﴿ من الليل ﴾ أي زمناً هو بعض الليل، فيشمل وقت النهي للنوم وفيه تتوارد على الإنسان ذكريات مهماته، ويشمل وقت التهجد في الليل.
وقوله: ﴿ فسبحه ﴾ اكتفاء، أي واحمده.
وانتصب ﴿ وإدبار النجوم ﴾ على الظرفية لأنه على تقدير: ووقت إدبار النجوم.
والإِدبار: رجوع الشيء من حيث جاء لأنه ينقلب إلى جهة الدُبر، أي الظهر.
وإدبار النجوم: سقوط طوالعها، فإطلاق الإِدبار هنا مجاز في المفارقة والمزايلة، أي عند احتجاب النجوم.
وفي الحديث: " إذا أقبل الليل من ههنا (الإِشارة إلى المشرق) وأدْبر النهار من ههنا (الإِشارة إلى جهة المغرب) فقد أفطر الصائم ".
وسقوط طوالعها التي تطلع: أنها تسقط في جهة المغرب عند الفجر إذا أضاء عليها ابتداء ظهور شعاع الشمس، فإدبار النجوم: وقت السحر، وهو وقت يستوفي فيه الإِنسان حظه من النوم، ويبقى فيه ميل إلى استصحاب الدَّعَة، فأمر بالتسبيح فيه ليفصل بين النوم المحتاج إليه وبين التناوم الناشئ عن التكاسل، ثم إن وجد في نفسه بعد التسبيح حاجة إلى غفوة من النوم اضطجع قليلاً إلى أن يحين وقت صلاة الصبح، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد صلاة الفجر حتى يأتيه المؤذن بصلاة الصبح.
والنجوم: جمع نجم وهو الكوكب الذي يضيء في الليل غير القمر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ﴾ في سورة النحل (12).
والآية تشير إلى أوقات الرغائب من النوافل وهي صلاة الفجر والأشفاع بعد العشاء وقيام آخر الليل.
وقيل: إشارت إلى الصلوات الخمس بوجه الإِجمال وبيّنتهُ السنة.
﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قِطَعًا مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: جانِبًا مِنَ السَّماءِ.
الثّالِثُ: عَذابًا مِنَ السَّماءِ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
وَسُمِّيَ كِسْفًا لِتَغْطِيَتِهِ، والكِسْفُ: التَّغْطِيَةُ، ومِنهُ أخْذُ كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
﴿ يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ﴾ في مَرْكُومٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلِيظُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الكَثِيرُ المُتَراكِبُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لَوْ رَأوْا سُقُوطَ كِسْفٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ عِقابًا لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا ولَقالُوا إنَّهُ سَحابٌ مَرْكُومٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضِهِ.
﴿ فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَوْمَ يَمُوتُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: النَّفْخَةُ الأُولى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: يَوْمَ القِيامَةِ يَغْشى عَلَيْهِمْ مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ أيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّانِي: الجُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مُصابُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفي المُرادِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الصَّغائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ.
الثّانِي: أنَّهم مُرْتَكِبُو الحُدُودِ مِنهم.
﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِقَضائِهِ فِيما حَمَّلَكَ مِن رِسالَتِهِ.
الثّانِي: لِبَلائِهِ فِيما ابْتَلاكَ بِهِ مِن قَوْمِكَ.
﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِعِلْمِنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: بِمَرْأى مِنّا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: بِحِفْظِنا وحِراسَتِنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ بِحِفْظِي وحِراسَتِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ، لِيَكُونَ تَكْفِيرًا لِما أجْرى في يَوْمِهِ.
الثّانِي: حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، لِيَكُونَ مُفْتَتَحًا لِعَمَلِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
الثّالِثُ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ لِصَلاةِ الظُّهْرِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في الصَّلاةِ، إذا قامَ إلَيْها.
وَفي هَذا التَّسْبِيحُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، في الرُّكُوعِ، وسُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، في السُّجُودِ.
الثّانِي: التَّوَجُّهُ في الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ [وَتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ]، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ.
الثّانِي: التَّسْبِيحُ فِيها.
الثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في صَلاةٍ وغَيْرِ صَلاةٍ.
وَأمّا ﴿ وَإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ)» .
الثّانِي: أنَّها رَكْعَتا الفَجْرِ قَبْلَ الغَداةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الصَّلاةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا صَلاةَ بَعْدَ الفَجْرِ إلّا رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ قال: عذاب القبر قبل يوم القيامة.
وأخرج هناد عن زاذان مثله.
وأخرج ابن جرير عن قتادة أن ابن عباس قال: إن عذاب القبر في القرآن، ثم تلا ﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ قال: الجوع لقريش في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ .
أخرج الفريابي وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قال: من كل مجلس.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قال: إذا قمت فقل: سبحان الله وبحمده.
وأخرج عبد الرزاق في جامعه عن أبي عثمان الفقير رضي الله عنه أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بآخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك، فقال رجل يا رسول الله: إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى، قال: كفارة لما يكون في المجلس» .
وأخرج ابن أبي شيبة «عن زياد بن الحصين قال: دخلت على أبي العالية، فلما أردت أن أخرج من عنده قال: ألا أزودك كلمات علمهن جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم؟
قلت: بلى، قال: فإنه لما كان بآخرة كان إذا قام من مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقيل: يا رسول الله ما هؤلاء الكلمات التي تقولهن؟
قال: هن كلمات علمنيهن جبريل كفارات لما يكون في المجلس» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن جعدة قال: كفارة المجلس سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قال: حين تقوم إلى الصلاة تقول هؤلاء الكلمات: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: حق على كل مسلم حين يقوم إلى الصلاة أن يقول: سبحان الله وبحمده لأن الله يقول لنبيه ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قال: حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ﴾ .
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الليل فسبحه وإدبار النجومِ ﴾ قال: الركعتان قبل صلاة الصبح.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإدبار النجوم ﴾ قال: ركعتي الفجر.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وإدبار النجوم ﴾ قال: صلاة الغداة.
قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم، فإنا نرى ما تقاسي منهم.
وهو قوله: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ قال ابن عباس: يريد أرى وأسمع ما يعمل بك (١) وقال أبو إسحاق: أي إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إلى مكروهك (٢) -.
قوله تعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ أكثر المفسرين على أنه أمر أن يقول حين يقوم من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وهو قول أبي الأحوص، وسعيد بن جبير، وعطاء (٣) قال ابن عباس: صلِّ لله حين تقوم من منامك، يعني: صلاة الصبح (٤) وقال الكلبي: سبِّح الله حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة (٥) وقال الضحاك: أمران يقول حين يقوم للصلاة: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا (٦) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 191، "معالم التنزيل" 4/ 243.
(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 191.
(٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 249، "جامع البيان" 27/ 22، "معالم التنزيل" 4/ 243.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 289، "معالم التنزيل" 4/ 243.
(٥) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 243، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 79.
(٦) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 79، "فتح القدير" 5/ 103.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ أي اصبر على تكذيبهم لك وإمهالنا فإنا نراك ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه قول سبحان الله، ومعنى ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ من كل مجلس، وقيل: أراد حين تقوم وتقعد، وفي كل حال وجعل القيام مثالاً: الثاني أنه الصلوات النوافل؛ والثالث أنه الصلوات الفرائض، فحين تقوم الظهر والعصر: أي حين تقوم من نوم القائلة، ومن الليل المغرب والعشاء، وإدبار النجوم: الصبح ومن قال: هي النوافل، جعل إدبار النجوم ركعتين الفجر.
القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.
وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.
الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.
ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.
وابن عامر والآخرون: بالصاد.
وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.
والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.
وقيل: اللوح المحفوظ.
وقيل: صحيفة الأعمال.
والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.
والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.
قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.
﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.
والدع الدفع العنيف.
قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.
والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.
قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.
وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.
وقد مر في أول "النساء".
وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.
قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.
وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.
﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.
ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.
قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.
فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.
وقيل: هذا يعود إلى الكفار.
والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.
وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.
﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.
ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.
والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.
وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟
فقال: قال رسول الله "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.
وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.
والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.
وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .
ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.
وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.
والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.
والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.
ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.
ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.
قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.
وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.
والمعنى مثل ما قلنا.
وقيل: التسبيح التهجد.
ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.
أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ﴾ .
يخبر عن عناد أولئك الرؤساء ومكابرتهم، وإنما قالوا ما قالوا على التعنت، لا على الاسترشاد، وأن هذه الآيات من قوله: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ...
﴾ إلى قوله: - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ كلها محاجة مع أولئك الرؤساء المعاندين؛ يبين ذلك قوله : ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ﴾ يقول: إنهم وإن يروا ما توعدوهم من عذاب ينزل بهم يقولوا - لتعنتهم ومكابرتهم -: إنه سحاب، ليس بعذاب، وهو كما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ ﴾ ، يخبر عن عنادهم، وكقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ لا يؤمنون، ويقولون: ما ذكر إنه سحاب مركوم؛ تعنتا ومكابرة.
ثم أمر رسوله بأن يعرض عنهم وألا يشتغل بهم؛ لما علم الله أنهم لا يؤمنون، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ يؤيس رسوله عن إيمانهم، ويأمره بالصبر على أذاهم، وترك المكافأة لهم، ويخبر أنهم لا يؤمنون إلا في اليوم الذي فيه يصعقون، أي: يموتون.
ثم قرئ قوله: ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ بفتشح الياء وضمه؛ فمن قال بالنصب، احتج بقوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولم قل فَصُعِق.
ثم يحتمل الصعقة التي ذكر: ما ذكرنا، أي: يموتون.
ويحتمل: أي: تنزل بهم الشدائد والأوجاع، ولكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ ﴾ .
برسول الله عما ينزل بهم يومئذ؛ جزاء على كيدهم برسول الله .
ويحتمل ألا يغنيهم من عذاب الله الأصنام التي عبدوها؛ رجاء أن تشفع لهم، أو تقربهم إلى الله زلفى؛ كما أخبر - عز وجل -، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ﴾ .
قال أهل التأويل: أي: لمشركي أهل مكة عذاب دون عذاب النار، وهو القتل بالسيف يوم بدر.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: للكفرة عذاب في الدنيا دون الذي ذكر في يوم القيامة؛ حيث قال: ﴿ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ﴾ ، وهم ما داما كفارا فهم في عذاب، يكونون في خوف وذل وخزي؛ فذلك كله عذاب الله ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا في أسباب العلم، ولم يتفكروا فيها؛ حتى يمنعهم ويزجرهم عن صنيعهم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ .
دل هذا الحرف أن النبي قد كلف أمرا شديداً شاقّاً عليه حتى قال: ﴿ وَٱصْبِرْ ﴾ ؛ أذ الأمر بالصبر لا يكون إلا في أمور شاقة شديدة؛ ولذلك قال له: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ أمره بالصبر على ما كلفه، كما صبر إخوانه على ما لحقهم من الأمور الشاقة، وما قال ﴿ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ أخبر أنه لو صبر إنما يصبر بتوفيق الله إياه، أو فيه، أنه إذا صبر يكون صبره لله ؛ حتى يسهل عليه احتمال ذلك، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ ، يحتمل وجوها: أحدها: ما أمر من تبليغ الرسالة إلى الفراعنة الذين كانت همتهم القتل لمن خالفهم، فذلك أمر شديد؛ فأمره بالصبر على ذلك، والتبليغ إلى أولئك.
والثاني: أمره بالصبر على أذاهم واستهزائهم به، وترك المكافأة لهم.
ويحتمل أن يكون الأمر بالصبر على الأمور التي كانت عليه في خالص نهيه من احتمال غصة التكذيب، وحزنه على تركهم التوحيد والإيمان، وإنما ذلك كله حكم الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ .
أي: بمنظر وعلم منا، فإن كان الأمر بالصبر على القيام بتبليغ الرسالة إلى من ذكرنا؛ فيخرج قوله: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ مخرج وعد النصر والمعونة؛ كقوله : ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
وإن كان الأمر بالصبر على ترك مكافأتهم، أو على القيام بالأمور التي فيما بينه وبين ربه ؛ فيصير كأنه قال: على علم منا بما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء والأذى، كفلناك، لا عن جهل منا بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .
أي: نزهه عن معاني الخلق، وعما لا يليق، واذكر الثناء عليه بما هو أهله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ .
يحتمل: ح ين تقوم من مجلسك، أو من منامك، أو حين تقوم للتعيش والانتشار.
فإن كان المراد: حين تقوم من مجلسك؛ فيكون التسبيح ما ذكر في الخبر عن رسول الله أنه قال: "من جلس مجلساً كثر فيه لغطه، فليقل قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك" ولم يذكر الآية.
وإن كان المراد: حين تقم من منامك، فجائز أن يكون المراد منه: الصلاة.
وإن كان حين تقوم للانتشار والتعيش؛ فيصير كأنه أمر بالتسبيح بالنهار في وقت الانتشار؛ وعلى هذا قوله: ﴿ وَمِنَ ٱللَّيْلِ ﴾ أي: سبح بالليل في وقت الراحة، فيصير كأنه قال: وسبح بحمد ربك في الأوقات كلها، بالليل والنهار، في وقت الراحة، وفي وقت الانتشار.
وروى الضحاك عن عمر - - أنه قال: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ \[تقول\] في الصلاة المفروضة قبل أن تكبر: "سبحانك اللهم وبحمدك..." إلى آخر.
وورى الضحاك: أن النبي كان إذا دخل في الصلاة، قال ذلك؛ وذلك قوله : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ .
وروى أبو سعيد وعائشة - ما - عن النبي أنه [كان] إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" ].
وروي عن مجاهد أنه قال: حين تقوم من كل مجلس، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ ﴾ : قال أهل التأويل: هو ركعتا الفجر [كما] روي عن جماعة من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.
وعن ابن عباس - ما - مرفوعاً: أنه أراد بإدبار النجوم: الركعتين قبل الفجر، وأدبار السجود: الركعتين بعد المغرب، فإن ثبت فهو التأويل، فإن كان على هذا فهو يدل على تأخير صلاة الفجر؛ لأن إدبار النجوم إنما يكون ذهابها وانقضاءها، وذلك لا يكون بأول وقت طلوع الفجر، وإنما يكون وقت الإسفار؛ فيكون حجة لنا، والله أعلم.
واصبر -أيها الرسول- لقضاء ربك، ولحكمه الشرعي، فإنك بمرأى منا وحفظ، وسبح بحمد ربك حين تقوم من نومك.
<div class="verse-tafsir" id="91.AOvyn"