الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ١٣ من سورة الحديد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 139 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الحديد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ) وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة ، والزلازل العظيمة ، والأمور الفظيعة وإنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله ، وعمل بما أمر الله به ، وترك ما عنه زجر .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبدة بن سليمان ، حدثنا ابن المبارك ، حدثنا صفوان بن عمرو ، حدثني سليم بن عامر قال : خرجنا على جنازة في باب دمشق ، ومعنا أبو أمامة الباهلي ، فلما صلى على الجنازة ، وأخذوا في دفنها ، قال أبو أمامة : أيها الناس ، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات ، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر ، وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة ، وبيت الظلمة ، وبيت الدود ، وبيت الضيق ، إلا ما وسع الله ، تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة ، فإنكم في بعض تلك المواطن [ حتى ] يغشى الناس أمر من الله ، فتبيض وجوه وتسود وجوه ، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة ، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا ، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه ، قال ( أو كظلمات في بحر لجي ) إلى قوله : ( فما له من نور ) [ النور : 40 ] ، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير ، ويقول المنافقون للذين آمنوا : ( انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ) وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال : ( يخادعون الله وهو خادعهم ) [ النساء : 142 ] .
فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور ، فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب ، ( باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) الآية .
يقول سليم بن عامر : فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور ، ويميز الله بين المؤمن والمنافق .
ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا ابن حيوة ، حدثنا أرطأة بن المنذر ، حدثنا يوسف بن الحجاج ، عن أبي أمامة قال : تبعث ظلمة يوم القيامة ، فما من مؤمن ، ولا كافر يرى كفه ، حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم ، فيتبعهم المنافقون فيقولون : ( انظرونا نقتبس من نوركم ) .
وقال العوفي ، والضحاك ، وغيرهما ، عن ابن عباس : بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورا فلما رأي المؤمنون النور توجهوا نحوه ، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة ، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم ، فأظلم الله على المنافقين ، فقالوا حينئذ : ( انظرونا نقتبس من نوركم ) فإنا كنا معكم في الدنيا .
قال المؤمنون : ( ارجعوا ) من حيث جئتم من الظلمة ، فالتمسوا هنالك النور .
وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا الحسن بن علويه القطان ، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار ، حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة ، حدثنا ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على عباده ، وأما عند الصراط فإن الله يعطي كل مؤمن نورا ، وكل منافق نورا ، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات ، فقال المنافقون : ( انظرونا نقتبس من نوركم ) وقال المؤمنون : ( ربنا أتمم لنا نورنا ) [ التحريم : 8 ] .
فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا " وقوله : ( فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) قال الحسن ، وقتادة : هو حائط بين الجنة النار .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو الذي قال الله تعالى : ( وبينهما حجاب ) [ الأعراف : 46 ] .
وهكذا روي عن مجاهد ، رحمه الله ، وغير واحد ، وهو الصحيح .
( باطنه فيه الرحمة ) أي : الجنة وما فيها ( وظاهره من قبله العذاب ) أي : النار .
قاله قتادة ، وابن زيد ، وغيرهما .
قال ابن جرير : وقد قيل : إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم .
ثم قال : حدثنا ابن البرقي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن سعيد بن عطية بن قيس ، عن أبي العوام - مؤذن بيت المقدس - قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : إن السور الذي ذكر الله في القرآن : ( فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) هو السور الشرقي باطنه المسجد وما يليه ، وظاهره وادي جهنم .
ثم روي عن عبادة بن الصامت ، وكعب الأحبار ، وعلي بن الحسين زين العابدين ، نحو ذلك .
وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالا لذلك ، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين ، ونفس المسجد وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم ; فإن الجنة في السماوات في أعلى عليين ، والنار في الدركات أسفل سافلين .
وقول كعب الأحبار : إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد ، فهذا من إسرائيلياته وترهاته .
وإنما المراد بذلك : سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين ، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه ، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب ، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة
يقول تعالى ذكره: هو الفوز العظيم في يوم يقول المنافقون والمنافقات، واليوم من صلة الفوز للذين آمنوا بالله ورسله: انظرونا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( انْظُرُونَا )، فقرأت ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: ( انْظُرُونَا )، موصولة بمعنى انتظرونا، وقرأته عامة قرّاء الكوفة: ( أنْظِرُونا ) مقطوعة الألف من أنظرت بمعنى: أخرونا، وذكر الفرّاء أن العرب تقول: أنظرني وهم يريدون.
انتظرني قليلا؛ وأنشد في ذلك بيت عمرو بن كلثوم: أبــا هِنْــدٍ فَــلا تَعْجَـلْ عَلَيْنـا وأنْظِرْنـــا نُخَـــبّرْكَ اليَقِينَـــا (1) قال: فمعنى هذا: انتظرنا قليلا نخبرك، لأنه ليس ها هنا تأخير، إنما هو استماع كقولك للرجل: اسمع مني حتى أخبرك.
والصواب من القراءة في ذلك عندي الوصل، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب إذا أريد به انتظرنا، وليس للتأخير في هذا الموضع معنى، فيقال: أنظرونا، بفتح الألف وهمزها.
وقوله: ( نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) يقول: نستصبح من نوركم، والقبس: الشعلة.
وقوله: ( قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ) يقول جلّ ثناؤه: فيجابون بأن يقال لهم: ارجعوا من حيث جئتم، واطلبوا لأنفسكم هنالك نورًا، فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ ) ...
إلى قوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ قال ابن عباس: بينما الناس في ظلمة، إذ بعث الله نورا، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة؛ فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا، تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم، فإنا كنا معكم في الدنيا؛ قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) ...
الآية، كان ابن عباس يقول: بينما الناس في ظلمة، ثم ذكر نحوه.
وقوله: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) يقول تعالى ذكره: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسُور، وهو حاجز بين أهل الجنة وأهل النار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( بِسُورٍ لَهُ بَابٌ ) قال: كالحجاب في الأعراف.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ ) السور: حائط بين الجنة والنار.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ ) قال: هذا السور الذي قال الله وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ .
وقد قيل: إن ذلك السور ببيت المقدس عند وادي جهنم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا الحسن بن بلال، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنا أبو سنان، قال: كنت مع عليّ بن عبد الله بن عباس، عند وادي جهنم، فحدث عن أبيه قال ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) فقال: هذا موضع السور عند وادي جهنم.
حدثني إبراهيم بن عطية بن رُدَيح بن عطية، قال: ثني عمي محمد بن رُدَيح بن عطية، عن سعيد بن عبد العزيز، عن أبي العوّام، عن عُبادة بن الصامت، أنه كان يقول: ( بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) , قال: هذا باب الرحمة.
حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوّام مؤذّنِ بيت المقدس، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) هو السور الشرقيّ، باطنه المسجد، وظاهره وادي جهنم.
حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المُغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا شريح أن كعبا كان يقول في الباب الذي في بيت المقدس: إنه الباب الذي قال الله ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) .
وقوله: ( لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ) يقول تعالى ذكره: لذلك السور باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبل ذلك الظاهر العذاب: يعني النار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) : أي النار.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ) قال: الجنة وما فيها.
------------------------ الهوامش: (1) هذا البيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي (انظره في شرحي الزوزني والتبريزي)، يخاطب عمرو بن هند مالك الحيرة.
وهو من شواهد الفراء في معاني القرآن.
قال عند قوله تعالى "للذين آمنوا انظرونا" : وقرأها يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: "أنظرونا" من أنظرت.
وسائر القراء على (انظرونا) بتخفيف الألف.
ومعنى (انظرونا): انتظرونا.
ومعنى "أنظرونا": أخرونا، كما قال: "أنظرني إلى يوم يبعثون" .
وقد تقول العرب "أنظرني"، وهم يريدون انتظروني، تقوية لقراءة يحيى.
قال الشاعر: "أبا هند ...
البيت"، فمعنى هذه: انتظرنا قليلا نخبرك، لأنه ليس هاهنا تأخير، إنما هو استماع، كقولك للرجل: اسمع مني حتى أخبرك.
ا هـ.
وفي (اللسان: نظر) والنظر: الانتظار.
يقال: نظرت فلانا وانتظرته: بمعنى واحد فإذا قلت: انتظرت، فلم يجاوزك فعلك، فمعناه: وقفت وتمهلت.
ومنه قوله تعالى "انظرونا نقتبس من نوركم" قرئ انظرونا وأنظرونا بقطع الألف.
فمن قرأ "انظرونا" بضم الألف، فمعناه: انتظرونا.
ومن قرأ "أنظرونا" فمعناه: أخرونا.
وقال الزجاج" قيل معنى "أنظرونا" انتظرونا أيضا.
ومنه قول عمرو بن كلثوم: "أبا هند ...
البيت".
ا هـ .
قوله تعالى : يوم يقول المنافقون العامل في " يوم " ذلك هو الفوز العظيم .
وقيل : هو بدل من اليوم الأول .
انظرونا نقتبس قراءة العامة بوصل الألف مضمومة الظاء [ ص: 222 ] من نظر ، والنظر الانتظار أي : انتظرونا .
وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب " أنظرونا " بقطع الألف وكسر الظاء من الإنظار .
أي : أمهلونا وأخرونا ، أنظرته أخرته ، واستنظرته أي : استمهلته .
وقال الفراء : تقول العرب : أنظرني : انتظرني ، وأنشد لعمرو بن كلثوم :أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقيناأي : انتظرنا .نقتبس من نوركم أي : نستضيء من نوركم .
قال ابن عباس وأبو أمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة - قال الماوردي : أظنها بعد فصل القضاء - ثم يعطون نورا يمشون فيه .
قال المفسرون : يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم ، دليله قوله تعالى : وهو خادعهم .
وقيل : إنما يعطون النور ، لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر ، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه ؛ قاله ابن عباس .
وقال أبو أمامة : يعطى المؤمن النور ويترك الكافر والمنافق بلا نور .
وقال الكلبي : بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور ، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحا وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين ، فذلك قوله تعالى : ربنا أتمم لنا نورنا يقوله المؤمنون ، خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون ، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين : انظرونا نقتبس من نوركم .قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا أي : قالت لهم الملائكة " ارجعوا " .
وقيل : بل هو قول المؤمنين لهم ارجعوا وراءكم إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا فإنكم لا تقتبسون من نورنا .
فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور فضرب بينهم بسور وقيل : أي : هلا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا .
بسور أي : سور ، والباء صلة ؛ قاله الكسائي .
والسور حاجز بين الجنة والنار .
وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم .
باطنه فيه الرحمة يعني ما يلي منه المؤمنين وظاهره من قبله العذاب يعني ما يلي المنافقين .
قال كعب الأحبار : هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة .
وقال عبد الله بن عمرو : إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب يعني جهنم .
ونحوه عن ابن عباس .
وقال زياد بن أبي سوادة : قام عبادة بن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى ، وقال : من هاهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم .
وقال قتادة : هو حائط بين الجنة والنار باطنه فيه الرحمة يعني الجنة وظاهره من قبله العذاب يعني جهنم .
وقال مجاهد : إنه حجاب كما في ( الأعراف ) وقد مضى القول فيه .[ ص: 223 ] وقد قيل : إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين ، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين .
فإذا رأى المنافقون نور المؤمنين يمشون به وهم قد طفئ نورهم وبقوا في الظلمات حائرين، قالوا للمؤمنين: { انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } أي: أمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، فـ { قِيلَ } لهم: { ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا } أي: إن كان ذلك ممكنا، والحال أن ذلك غير ممكن، بل هو من المحالات، { فَضُرِبَ } بين المؤمنين والمنافقين { بِسُورٍ } أي: حائط منيع، وحصن حصين، { لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } وهو الذي يلي المؤمنين { وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } وهو الذي يلي المنافقين، فينادي المنافقون المؤمنين،
( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا ) قرأ الأعمش وحمزة : " أنظرونا " بفتح الهمزة وكسر الظاء يعني أمهلونا .
وقيل انتظرونا .
وقرأ الآخرون بحذف الألف في الوصل وضمها في الابتداء وضم الظاء ، تقول العرب : انظرني وأنظرني ، يعني انتظرني .
( نقتبس من نوركم ) نستضيء من نوركم ، وذلك أن الله تعالى يعطي المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم ، وهو قوله - عز وجل - " وهو خادعهم " ( النساء - 141 ) فبينا هم يمشون إذ بعث الله عليهم ريحا وظلمة فأطفأت نور المنافقين ، فذلك قوله : " يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا " ( التحريم - 8 ) مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين .
وقال الكلبي : بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ، ولا يعطون النور ، فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين ، انظرونا نقتبس من نوركم ( قيل ارجعوا وراءكم ) قال ابن عباس : يقول لهم المؤمنون وقال قتادة : تقول لهم الملائكة : ارجعوا وراءكم من حيث جئتم ( فالتمسوا نورا ) فاطلبوا هناك لأنفسكم نورا فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا ، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين ، وهو قوله : ( فضرب بينهم بسور ) أي سور ، و " الباء " صلة يعني بين المؤمنين والمنافقين وهو حائط بين الجنة والنار ( له ) أي لذلك السور ( باب باطنه فيه الرحمة ) أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة ( وظاهره ) أي خارج ذلك السور ( من قبله ) أي من قبل ذلك الظاهر ( العذاب ) وهو النار .
«يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا» أبصرونا وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الظاء: أمهلونا «نقتبس» نأخذ القبس والإضاءة «من نوركم قيل» لهم استهزاءً بهم «ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا» فرجعوا «فضرب بينهم» وبين المؤمنين «بسور» قيل هو سور الأعراف «له باب باطنه فيه الرحمة» من جهة المؤمنين «وظاهره» من جهة المنافقين «من قبله العذاب».
يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا، وهم على الصراط: انتظرونا نستضئْ من نوركم، فتقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم فاطلبوا نورًا (سخرية منهم)، فَفُصِل بينهم بسور له باب، باطنه مما يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره مما يلي المنافقين من جهته العذاب.
وقوله - عز وجل - : ( يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات ) بدل من قوله - تعالى - ( يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات ) .أى : واذكر - أيها العاقل - أيضا - يوم يقول المنافقون والمنافقات ، الذين أظهروا الإسلام ، وأبطنوا الكفر ، يقولون للذين آمنوا ، على سبيل التذلل والتحسر .( انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ) أى انتظرونا وتريثوا فى سيركم لكى نلحق بكم ، فنستنير بنوركم الذى حرمنا منه ، وننتفع بالاقتباس من نوركم الذى أكرمكم الله - تعالى - به .قال الآلوسى : ( انظرونا ) أى : انتظرونا ( نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ) نصب منه ، وذلك بأن يلحقوا بهم ، فيستنيروا به .
.
واصل الاقتباس طلب القبس ، أى الجذوة من النار .وقولهم للمؤمنين ذلك ، لأنهم فى ظلمة لا يدرون كيف يمشون فيها .
وروى أن ذلك يكون على الصراط .وقوله - سبحانه - ( قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً ) حكاية لما يرد به عليهم المؤمنون ، أو الملائكة .أى : قال المؤمنون فى ردهم على هؤلاء المنافقين : ارجعوا وراءكم حيث الموقف الذى كنا واقفين فيه فالتمسوا منه النور ، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً ، عن طريق تحصيل سببه وهو الإيمان ، أو ارجعوا خائبين فلا نور لكم عندنا .وهذا القول من المؤمنين لهم ، على سبيل التهكم بهم ، إذا لا نور وراء المنافقين .وقوله : ( وَرَآءَكُمْ ) تأكيد لمعنى ( ارجعوا ) إذ الرجوع يستلزم الوراء .ثم بين - سبحانه - ما حدث للمنافقين بعد ذلك فقال : ( فالتمسوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب ) .أى : فضرب بين المؤمنين وبين المنافقين يحاجز عظيم ، هذا الحاجز العظيم ، والسور الكبير ( لَّهُ بَابٌ ) باطن هذا الباب مما يلى المؤمنين ( فِيهِ الرحمة ) أى : فيه الجنة ، وظاهر هذا الباب مما يلى المنافقين ( مِن قِبَلِهِ العذاب ) .أى : بأنى من جهته العذاب .
قالوا : وهذا السور ، هو الحجاب المذكور فى سورة الأعراف فى قوله - تعالى - : ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ) والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان أن المؤمنين فى مكان آمن تحيط به الجنة ، أما المنافقون ففى مكان مظلم يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار .
قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُوراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ ﴾ ، بدل من ﴿ يَوْمَ تَرَى ﴾ ، أو هو أيضاً منصوب باذكر تقديراً.
المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده (أنظرونا) مكسورة الظاء، والباقون (أنظروا)، قال أبو علي الفارسي لفظ النظر يستعمل على ضروب أحدها: أن تريد به نظرت إلى الشيء، فيحذف الجار ويوصل الفعل، كما أنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك.
وثانيها: أن تريد به تأملت وتدبرت، ومنه قولك: إذهب فانظر زيداً أيؤمن، فهذا يراد به التأمل، ومنه قوله تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال ﴾ ، ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ ، ﴿ انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ قال: وقد يتعدى هذا بإلى كقوله: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ وهذا نص على التأمل، وبين وجه الحكمة فيه، وقد يتعدى بفي، كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السموات والأرض ﴾ ، ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ ﴾ .
وثالثها: أن يراد بالنظر الرؤية كما في قوله: ولما بدا حوران والآل دونه *** نظرت فلم تنظر بعينك منظراً والمعنى نظرت، فلم تر بعينك منظراً تعرفه في الآل قال: إلا أن هذا على سبيل المجاز، لأنه دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، فلما كانت الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالباً أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب قال: ويجوز أن يكون قوله: نظرت فلم تنظر، كما يقال: تكلمت وما تكلمت، أي ما تكلمت بكلام مفيد، فكذا هنا نظرت وما نظرت نظراً مفيداً.
ورابعها: أن يكون النظر بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاه ﴾ أي غير منتظرين إدراكه وبلوغه، وعلى هذا الوجه يكون نظرت معناه انتظرت، ومجيء فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير، كقولهم: شويت واشتويت، وحقرت واحتقرت، إذا عرفت هذا فقوله: ﴿ انظرونا ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أنظرونا، أي انتظرونا، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة كالبروق الخاطفة، والمنافقون مشاة والثاني: أنظرونا أي أنظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، والنور بين أيديهم فيستضيئون به، وأما قراءة (أنظرونا) مكسورة الظاء فهي من النظرة والإمهال، ومنه قوله تعالى: ﴿ أَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنظار المعسر، والمعنى أنه جعل اتئادهم في المشي إلى أن يلحقوا بهم إنظاراً لهم.
واعلم أن أبا عبيدة والأخفش كانا يطعنان في حصة هذه القراءة، وقد ظهر الآن وجه صحتها.
المسألة الثالثة: اعلم أن الاحتمالات في هذا الباب ثلاثة أحدها: أن يكون الناس كلهم في الظلمات، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار، والمنافقون يطلبونها منهم.
وثانيها: أن تكون الناس كلهم في الأنوار، ثم إن المؤمنين يكونون في الجنات فيمرون سريعاً، والمنافقون يبقون وراءهم فيطلبون منهم الانتظار.
وثالثها: أن يكون المؤمنون في النور والمنافقون في الظلمات، ثم المنافقون يطلبون النور مع المؤمنين، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الاحتمالات قوم، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند الموقف، فالمراد من قوله: ﴿ انظرونا ﴾ انظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم، فقد أقبلوا عليهم، ومتى أقبلوا عليهم وكانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار، وإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة، كان المراد من قوله: ﴿ انظرونا ﴾ يحتمل أن يكون هو الانتظار وأن يكون النظر إليهم.
المسألة الرابعة: القبس: الشعلة من النار أو السراج، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا وهو منهم جهل، لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا، فلما لم توجد تلك الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة، قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم ومما فيه من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق، فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء، ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفئ نور المنافقين، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين: ﴿ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ كقبس النار.
المسألة الخامسة: ذكروا في المراد من قوله تعالى: ﴿ قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُوراً ﴾ وجوهاً أحدها: أن المراد منه: ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق الذميمة، والمراد من ضرب السور، هو امتناع العود إلى الدنيا.
وثانيها: قال أبو أمامة: الناس يكونون في ظلمة شديدة، ثم المؤمنون يعطون الأنوار، فإذا أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق: ﴿ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ فيقال لهم: ﴿ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُوراً ﴾ قال: وهي خدعة خدع بها المنافقون، كما قال: ﴿ يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين.
وثالثها: قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين: ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة، كقول الرجل لمن يريد القرب منه: وراءك أوسع لك، فعلى هذا القول المقصود من قوله: ﴿ ارجعوا ﴾ أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتة، لا أنه أمر لهم بالرجوع.
قوله تعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وظاهره مِن قِبَلِهِ العذاب ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في السور، فمنهم من قال: المراد منه الحجاب والحيلولة أي المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين، وقال آخرون: بل المراد حائط بين الجنة والنار، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: هو حجاب الأعراف.
المسألة الثانية: الباء في قوله: ﴿ بِسُورٍ ﴾ صلة وهو للتأكيد والتقدير: ضرب بينهم سور كذا، قاله الأخفش، ثم قال: ﴿ لَّهُ بَابٌ ﴾ أي لذلك السور باب ﴿ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة ﴾ أي في باطن ذلك السور الرحمة، والمراد من الرحمة الجنة التي فيها المؤمنين ﴿ وظاهره ﴾ يعني وخارج السور ﴿ مِن قِبَلِهِ العذاب ﴾ أي من قبله يأتيهم العذاب، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب، والحاصل أن بين الجنة والنار حائط وهو السور، ولذلك السور باب، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور، والكافرون يبقون في العذاب والنار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَقُولُ ﴾ بدل من يوم ترى ﴿ انظرونا ﴾ انتظرونا، لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف بهم.
وهؤلاء مشاة.
وانظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به.
وقرئ: ﴿ أنظرونا ﴾ من النظرة وهي الإمهال: جعل اتئادهم في المضيّ إلى أن يلحقوا بهم أنظاراً لهم ﴿ نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ نصب منه؛ وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به ﴿ قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُوراً ﴾ طرد لهم وتهكم بهم، أي: ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك، فمن ثم يقتبس.
أو ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان.
أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا، فالتمسوا نوراً آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم؛ وإنما هو تخييب وإقناط لهم ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ ﴾ بين المؤمنين والمنافقين بحائط حائل بين شقّ الجنة وشق النار.
وقيل: هو الأعراف لذلك السور ﴿ بَابٌ ﴾ لأهل الجنة يدخلون منه ﴿ بَاطِنُهُ ﴾ باطن السور أو الباب، وهو الشق الذي يلى الجنة ﴿ وظاهره ﴾ ما ظهر لأهل النار ﴿ مِن قِبَلِهِ ﴾ من عنده ومن جهته ﴿ العذاب ﴾ وهو الظلمة والنار.
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما: ﴿ فضرب بينهم ﴾ على البناء للفاعل ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ يريدون موافقتهم في الظاهر ﴿ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ محنتموها بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وَغرَّتْكُمُ الامانى ﴾ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار ﴿ حتى جَاءَ أَمْرُ الله ﴾ وهو الموت ﴿ وَغَرَّكُم بالله الغرور ﴾ وغرّكم الشيطان بأنّ الله عفوّ كريم لا يعذبكم.
وقرئ: ﴿ الغرور ﴾ بالضم ﴿ فِدْيَةٌ ﴾ ما يفتدى به ﴿ هِىَ مولاكم ﴾ قيل: هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد: فَغَدَتْ كِلاَ الْفَرَجَيْنِ تَحْسِبُ أَنَّهُ ** مُولِي المَخَافَةَ خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وحقيقة مولاكم: محراكم ومقمنكم.
أي: مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، كما قيل: هو مئنة للكرم، أي مكان؛ لقول القائل: إنه الكريم.
ويجوز أن يراد: هي ناصركم، أي لا ناصر لكم غيرها.
والمراد: نفي الناصر على البتات.
ونحوه قولهم: أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع.
ومنه قوله تعالى: ﴿ يغاثوا بماء كالمهل ﴾ [الكهف: 9] وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَرى.
﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا ﴾ انْتَظِرُونا فَإنَّهم يُسْرَعُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ كالبَرْقِ الخاطِفِ، أوِ انْظُرُوا إلَيْنا فَإنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ فَيَسْتَضِيئُونَ بِنُورٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ «أنْظِرُونا» عَلى أنَّ اتِّئادَهم لِيَلْحَقُوا بِهِمْ إمْهالٌ لَهم.
﴿ نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ ﴾ نُصِبْ مِنهُ.
﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكُمْ ﴾ إلى الدُّنْيا.
﴿ فالتَمِسُوا نُورًا ﴾ بِتَحْصِيلِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فَإنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنها أوْ إلى المَوْقِفِ فَإنَّهُ مِن ثَمَّةَ يُقْتَبَسُ، أوْ إلى حَيْثُ شِئْتُمْ فاطْلُبُوا نُورًا آخَرَ فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لَكم إلى هَذا، وهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَخْيِيبٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوِ المَلائِكَةِ ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ ﴾ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ.
﴿ بِسُورٍ ﴾ بِحائِطٍ.
﴿ لَهُ بابٌ ﴾ يَدْخُلُ مِنهُ المُؤْمِنُونَ.
﴿ باطِنُهُ ﴾ باطِنُ السُّورِ أوِ البابِ.
﴿ فِيهِ الرَّحْمَةُ ﴾ لِأنَّهُ يَلِي الجَنَّةَ.
﴿ وَظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ مِن جِهَتِهِ لِأنَّهُ يَلِي النّارَ.
<div class="verse-tafsir"
{يَوْمَ يَقُولُ} هو بدل من يَوْمَ تَرَى {المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا} أي انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة انظر ونا حمزة من النظرة وهي الامهال جعل انثادهم في المضي الى ان يحلقو بهم إنظاراً لهم {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيتسنيروا به {قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُوراً} طرد لهم وتهكم بهم أي تقول لهم الملائكة اوالمؤمنون ارجعوا الى الموقت حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك فمن ثم يقتبس أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا بتحصيل سببه وهو الإيمان {فَضُرِبَ بَيْنَهُم} بين المؤمنين والمنافقين {بِسُورٍ} بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار قيل هو الأعراف {لَهُ} لذلك السور {بَابٍ} لأهل الجنة يدخلون منه
{بَاطِنُهُ} باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة أي النور أو الجنة {وظاهره} ما ظهر لأهل النار {مِن قِبَلِهِ} من عنده ومن جهته {العذاب} أي الظلمة والنار
﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَ تَرى ﴾ ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِاذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَظْهَرُ لِي أنَّ العامِلَ فِيهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، ويَكُونُ مَعْنى الفَوْزِ عَلَيْهِ أعْظَمَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ يَوْمَ يَعْتَرِي المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ كَذا وكَذا لِأنَّ ظُهُورَ المَرْءِ يَوْمَ خُمُولِ عَدُوِّهِ مُضادُّهُ أبْدَعُ وأفْخَمُ.
وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ ظاهِرَ تَقْرِيرِهِ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِالفَوْزِ وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ فَلا يَجُوزُ إعْمالُهُ ولَوْ أُعْمِلَ وصْفُهُ وهو العَظِيمُ لَجازَ - أيِ الفَوْزُ الَّذِي عَظُمَ - أيْ قَدْرُهُ يَوْمَ انْتَهى، وفي عَدَمِ جَوازِ إعْمالِ مِثْلِ هَذا المَصْدَرِ في مِثْلِ هَذا المَعْمُولِ خِلافٌ، ثُمَّ إنَّ تَعَلُّقَ هَذا الظَّرْفِ بِشَيْءٍ مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا ﴾ أيِ انْتَظِرُونا ﴿ نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ ﴾ نُصِبْ مِنهُ وذَلِكَ أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَيَسْتَنِيرُوا بِهِ.
وقِيلَ: فَيَأْخُذُوا شَيْئًا مِنهُ يَكُونُ مَعَهم تَخَيَّلُوا تَأتِّي ذَلِكَ فَقالُوهُ، وأصْلُ الِاقْتِباسِ طَلَبُ القَبَسِ أيِ الجَذْوَةِ مِنَ النّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى انْظُرُوا إلَيْنا نَقْتَبِسْ إلَخْ لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ والنُّورُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَسْتَضِيئُونَ بِهِ فانْظُرُونا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ لِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ يَتَعَدّى بِإلى فَإنْ أُرِيدَ التَّأمُّلُ تَعَدّى بِفي لَكِنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ وقَوْلُهم: لِلْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ لِأنَّهم في ظُلْمَةٍ لا يَدْرُونَ كَيْفَ يَمْشُونَ فِيها، ورُوِيَ أنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى الصِّراطِ.
وفِي الآثارِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَكُونُ لَهم نُورٌ فَيُطْفَأُ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««إنَّ اللَّهَ يَدْعُو النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ سَتْرًا مِنهُ عَلى عِبادِهِ وأمّا عِنْدُ الصِّراطِ قالَ اللَّهُ يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا وكُلَّ مُنافِقٍ نُورًا فَإذا اسْتَوَوْا عَلى الصِّراطِ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: أتْمِمْ لَنا نُورَنا فَلا يَذْكُرُ عِنْدَ ذَلِكَ أحَدٌ أحَدًا»».
وفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ عَنْهُ أيْضًا «إنَّ نُورَ المُنافِقِ يُطْفَأُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ الصِّراطَ».
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي فاخِتَةَ «يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ ويُرْسِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى النّاسِ ظُلْمَةً فَيَسْتَغِيثُونَ رَبَّهم فَيُؤْتِي اللَّهُ تَعالى كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنهم نُورًا ويُؤْتِي المُنافِقِينَ نُورًا فَيَنْطَلِقُونَ جَمِيعًا مُتَوَجِّهِينَ إلى الجَنَّةِ مَعَهم نُورُهم فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ فَيَتَرَدَّدُونَ في الظُّلْمَةِ ويَسْبِقُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُونَ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمُ الخَبَرَ»، والأخْبارُ في إيتاءِ المُنافِقِ نُورًا ثُمَّ إطْفائِهِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَأْباهُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ «أنْظِرُونا» بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها وكَسْرِ الظّاءِ مِنَ النَّظِرَةِ وهي الإمْهالُ يُقالُ: أنْظِرِ المَدْيُونُ أيْ أمْهِلْهُ، وضْعُ ( أنْظِرُونا ) بِمَعْنى المُهْلَةِ وإنْظارِ الدّائِنِ المَدْيُونِ مَوْضِعَ اتِّئادِ الرَّفِيقِ ومَشْيِهِ الهُوَيْنا لِيَلْحَقَهُ رَفِيقُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بَعْدَ سَبْقِ تَشْبِيهِ الحالَةِ بِالحالَةِ مُبالَغَةٌ في العَجْزِ وإظْهارِ الِافْتِقارِ، وقِيلَ: هو مِن أنْظَرَ أيْ أخَّرَ، والمُرادُ اجْعَلُونا في آخِرِكم ولا تَسْبِقُونا بِحَيْثُ تَفُوتُونا ولا نَلْحَقُ بِكم.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: «أنْظِرُونا» «وانْظُرُونا» بِمَعْنى وهُما مِنَ الِانْتِظارِ تَقُولُ العَرَبُ: أنْظَرْتُهُ بِكَذا وانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ والمَعْنى أمْهِلُونا ﴿ قِيلَ ﴾ القائِلُونَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُؤْمِنُونَ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿ ارْجِعُوا وراءَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ أوْ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ عَلى ما صَحَّ عَنْ أبِي أُمامَةَ ﴿ فالتَمِسُوا نُورًا ﴾ هُناكَ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ كَما اسْتَهْزَؤُوا بِالمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيا حِينَ قالُوا آمَنّا ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ أيْ حِينَ يُقالُ لَهُمُ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا، وقالَ أبُو أُمامَةَ: يَرْجِعُونَ حِينَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ وقَدْ ضُرِبَ بَيْنَهم بِسُوَرٍ وهي خُدْعَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي خَدَعَ بِها المُنافِقِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ ﴾ ، وقِيلَ: المُرادُ ارْجِعُوا إلى الدُّنْيا والتَمِسُوا نُورًا أيْ بِتَحْصِيلِ سَبَبِهِ وهو الإيمانُ أوْ تَنَحَّوْا عَنّا والتَمِسُوا نُورًا غَيْرَ هَذا فَلا سَبِيلَ لَكم إلى الِاقْتِباسِ مِنهُ، والغَرَضُ التَّهَكُّمُ والِاسْتِهْزاءُ أيْضًا.
وقِيلَ: أرادُوا بِالنُّورِ ما وراءَهم مِنَ الظُّلْمَةِ الكَثِيفَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ وراءَكم مَعْمُولٌ لِارْجِعُوا.
وقِيلَ: لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى ارْجِعُوا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ارْجِعُوا ارْجِعُوا كَقَوْلِهِمْ وراءَكَ أوْسَعُ لَكَ أيِ ارْجِعْ تَجِدْ مَكانًا أوْسَعَ لَكَ ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَضَرَبَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ فَضَرَبَ هو أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ بِسُورٍ ﴾ أيْ بِحاجِزٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الأعْرافُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: حاجِزٌ غَيْرُهُ والباءُ مَزِيدَةٌ ﴿ لَهُ بابٌ باطِنُهُ ﴾ أيِ البابُ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أوِ السُّورُ وهو الجانِبُ الَّذِي يَلِي مَكانَ المُؤْمِنِينَ أعْنِي الجَنَّةَ ﴿ فِيهِ الرَّحْمَةُ ﴾ الثَّوابُ والنَّعِيمُ الَّذِي لا يُكْتَنَهُ ﴿ وظاهِرُهُ ﴾ الجانِبُ الَّذِي يَلِي مَكانَ المُنافِقِينَ أعْنِي النّارَ ﴿ مِن قِبَلِهِ ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ ﴿ العَذابُ ﴾ وهَذا السُّورُ قِيلَ: يَكُونُ في تِلْكَ النَّشْأةِ وتَبَدُّلِ هَذا العالَمِ واخْتِلافِ أوْضاعِهِ في مَوْضِعِ الجِدارِ الشَّرْقِيِّ مِن مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ يَعْنِي المَكانَ المَعْرُوفَ عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَحَدَّثَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ، وقَدْ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ ﴾ هَذا مَوْضِعُ السُّورِ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: إنَّ السُّورَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ ﴾ هو سُورُ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيُّ ﴿ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ﴾ المَسْجِدُ ﴿ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ يَعْنِي وادِيَ جَهَنَّمَ وما يَلِيَهُ.
وأخْرَجَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّهُ كانَ عَلى سُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ فَبَكى فَقِيلَ: ما يُبْكِيكَ ؟
فَقالَ: ها هُنا أخْبَرَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ.
ولا يَخْفى أنَّ هَذا ونَظائِرَهُ أُمُورٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اخْتِلافِ العالَمَيْنِ وتَغايُرِ النَّشْأتَيْنِ عَلى وجْهٍ لا تَصِلُ العُقُولُ إلى إدْراكِ كَيْفِيَّتِهِ والوُقُوفِ عَلى تَفاصِيلِهِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ لَمْ يَسَعْنا إلّا الإيمانُ لِعَدَمِ خُرُوجِ الأمْرِ عَنْ دائِرَةِ الإمْكانِ، وأبُو حَيّانَ حَكى عَمَّنْ سَمِعْتُ وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ الجِدارُ الشَّرْقِيُّ مِن مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ واسْتَبْعَدَهُ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُمْ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: في يوم القيامة على الصراط يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يعني: بتصديقهم في الدنيا، وبأعمالهم الصالحة، فيعطى لهم النور، يمضون به على الصراط، فيكون النور بين أيديهم، وأيمانهم، وعن شمائلهم، إلا أن ذكر الشمائل مضمر.
وتقول لهم الملائكة: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ يعني: أبشروا هذا اليوم بكرامة الله تعالى.
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يعني: مقيمين في الجنة، ونجوا من العذاب ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ يعني: نُصِبْ من نوركم، فتضيء معكم.
وروي عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: «بينما العباد يوم القيامة عند الصراط، إذ غشيتهم ظلمة.
ثم يقسم الله تعالى النور بين عباده، فيعطي الله المؤمن نوراً، ويبقى الكافر والمنافق لا يعطيان نوراً، فكما لا يستضيء الأعمى بنور البصر، كذلك لا يستضيء الكافر والمنافق بنور الإيمان، فيقولان: انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ، فيقال لهم: قِيلَ ارْجِعُوا حيث قسم النور فيرجعون، فلا يجدون شيئاً، فيرجعون، وقد ضرب بينهم بسور.
وعن الحسن البصري قال: إِنَّ المنافقين يخادعون الله، وهو خادعهم، لأنه يعطي المؤمن والمنافق نوراً، فإذا بلغوا الصِّراط، اطفىء نور المنافق، فيقول: المنافقون انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قال: فيشفق المؤمنون حين طفئ نور المنافقين، فيقولون: عند ذلك رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا.
قرأ حمزة انْظُرُونا بنصب الألف، وكسر الظاء المعجمة.
والباقون: بالضم.
فمن قرأ: بالنصب، فمعناه: أمهلونا.
ومن قرأ بالضم، فمعناه: انتظرونا.
فقال لهم المؤمنون: ارجعوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً يعني: ارجعوا إلى الدنيا، فإنا جعلنا النور في الدنيا.
ويقال: ارجعوا إلى المحشر حيث أعطينا النور، واطلبوا نوراً، فيرجعون في طلب النور، فلم يجدوا شيئاً، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ يعني: ظهر لهم.
ويقال: بين أيديهم بسور.
يعني: بحائط بين أهل الجنة، وأهل النار، لَهُ بابٌ باطِنُهُ يعني: باطن السور فِيهِ الرَّحْمَةُ يعني: الجنة وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يعني: النار.
ويقال: هو السور الذي عليه أصحاب الأعراف، فيظهر بين الجنة، والنار.
باب يعني: عليه: باب فيجاوز فيه المؤمنون، ويبقى المنافقون على الصراط في الظلمة يُنادُونَهُمْ من وراء السور أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ يعني: ألم نكن معكم في الدنيا على دينكم، وكنا معكم في الجماعات، والصلوات، فيجيبهم المؤمنون.
قالُوا بَلى يعني: قد كنتم معنا في الدنيا، أو في الظاهر.
وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني: قد أصبتم أنفسكم حيث كفرتم في السر.
ويقال: فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني: ثبتم على الكفر الأول في السر وَتَرَبَّصْتُمْ يعني: انتظرتم موت نبيكم.
ويقال: تَرَبَّصْتُمْ يعني: أخرتم التوبة، وسوّفْتُمْ فيها.
وَارْتَبْتُمْ يعني: شككتم في الدين، وشككتم في البعث وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ يعني: أباطيل الدنيا حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: القيامة وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: الشياطين.
وقال الزجاج: الْغَرُورُ على ميزان فَعُول، وهو من أسماء المبالغة، وكذلك الشياطين الْغَرُورُ لأنه يغري ابن آدم كثيراً.
ثم قال: فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ يعني: في هذا اليوم وهو يوم القيامة.
وقرأ ابن عامر: فاليوم لا تؤخذ بالتاء لأن الفدية مؤنثة.
وقرأ الباقون: بالياء.
وجمع على المعنى، لأن معنى الفدية فداء، ومعناه: لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ الفداء يعني: المنافقين وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: الذين جحدوا بتوحيد الله تعالى، مَأْواكُمُ النَّارُ يعني: مَصِيرَكُمْ إِلَى النار يعني: المنافقين، والكافرين هِيَ مَوْلاكُمْ يعني: هي أولى بكم بما أسلفتم من الذنوب وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس المرجع النار للكافرين، والمنافقين.
<div class="verse-tafsir"
وقتادة «١» ، والقرض: السلف، والتضعيفُ من اللَّه تعالى هو في الحسنات، وقد مَرَّ ذِكْرُ ذلك، والأجر الكريم الذي يقترن به رضى وإقبال، وهذا معنى الدعاء ب «يا كريم» العفو، أي: إنّ مع عفوه رضى وتنعيما.
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣)
وقوله سبحانه: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ...
الآية، العامل في يَوْمَ قوله: وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ والرؤية هنا رؤية عينٍ، والجمهور أَنَّ النورَ هنا هو نور حقيقة، وقد روي في هذا عن ابن عباس وغيره «٢» آثار مضمنها: أَنَّ كل مؤمن ومُظْهِرٍ للإيمان، يُعْطَى/ يومَ القيامة نوراً فَيُطْفَأُ نُورُ كُلِّ منافقٍ، ويبقى نورُ المؤمنين، حتى إِنَّ منهم مَنْ نورُه يضيء كما بين مكّة وصنعاء رفعه قتادة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، ومنهم مَنْ نوره كالنخلة السحوق، ومنهم مَنْ نورُه يضيء ما قَرُبَ من قدميه قاله ابن مسعود «٤» ، ومنهم مَنْ يَهُمُّ بالانطفاء مرة وَيَبِينُ مرة على قدر المنازل في الطاعة والمعصية، قال
الفخر «١» : قال قتادة «٢» : ما من عبد إلاَّ وينادى يوم القيامة: يا فلان، هذا نورك، يا فلان، لا نورَ لك، نعوذ باللَّه من ذلك!
واعلم أَنَّ العلمَ الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نوراً من نور البصر، وإذا كان كذلك ظهر أَنَّ معرفة اللَّه تعالى هي النورُ في القيامة، فمقادير الأنوار يومَ القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا، انتهى، ونحوه للغزالي، وخَصَّ تعالى بين الأيدي بالذكر لأَنَّهُ موضع حاجة الإنسان إلى النور، واخْتُلِفَ في قوله تعالى:
وَبِأَيْمانِهِمْ فقال بعض المتأولين: المعنى: وعن أيمانهم، فكأَنَّه خَصَّ ذكر جهة اليمين تشريفاً، وناب ذلك مَنَابَ أَنْ يقول: وفي جميع جهاتهم، وقال جمهور المفسرين:
المعنى: يسعى نورُهم بين أيديهم، يريد الضوء المنبسط من أصل النور، وَبِأَيْمانِهِمْ:
أصله، والشيءُ الذي هو مُتَّقَدٌ فيه، فتضمن هذا القولُ أَنَّهم يحملون الأنوار، وكونهم غير حاملين أكرم أَلاَ ترى أَنَّ فضيلةَ عباد بن بشر وأسيد بن حضير إنَّما كانت بنور لا يحملانه، هذا في الدنيا، فكيف بالآخرة؟!
ت: وفيما قاله ع «٣» : عندي نظر، وأَيضاً فأحوال الآخرة لا تُقَاسُ على أحوال الدنيا!.
وقوله تعالى: بُشْراكُمُ أي: يقال لهم: بشراكم جَنَّاتٌ أي دخولُ جنات.
ت: وقد جاءت- بحمد اللَّه- آثار بتبشير هذه الأُمَّةِ المحمديَّةِ، وخَرَّجَ ابن ماجة قال: أخبرنا جُبَارة بن المغلِّس، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا جَمَعَ [اللَّهُ] الخَلاَئِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَذِنَ لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم في السُّجُودِ، فَسَجَدُوا طَوِيلاً، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، فَقَدْ جَعَلْنَا عِدَتَكُمْ فِدَاءَكُمْ مِنَ النَّارِ» «٤» ، قال ابن ماجه: وحدَّثنا جُبَارَةُ بْنُ المُغَلِّسِ، حدثنا كِثِيرُ بن سليمان: عن أنس بن مالك، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ هذه الأُمَّةَ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، عَذَابُهَا بِأَيْدِيهَا، فَإذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُفِعَ إلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَيُقَالُ: هذا فداؤك من
النَّارِ» «١» ، وفي «صحيح مسلم» : «دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هذا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» انتهى من «التذكرة» «٢» .
وقوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ قيل: يَوْمَ هو بدل من الأول، وقيل:
العامل فيه «اذكر» ، قال ع «٣» : ويظهر لي أَنَّ العاملَ فيه قوله تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ويجيء معنى الفوز أَفْخَمَ كأَنَّهُ يقول: إنَّ المؤمنين يفوزون بالرحمة يومَ يعتري المنافقين كذا وكذا، لأَنَّ ظهورَ المرء يومَ خمول عَدُوِّه ومُضَادِّهِ أَبْدَعُ وأَفْخَمُ، وقول المنافقين هذه المقالةَ المحكية، هو عند انطفاء أنوارهم، كما ذكرنا قبل، وقولهم:
«انْظُرُونَا» معناه: انتظرونا، وقرأ حمزة وحده «٤» : «انظرونا» - بقطع الألف وكسر/ الظاء- ومعناه أَخِّرُونا ومنه: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ومعنى قولهم أَخِّرونا، أي: أخِّروا مشيَكم لنا حَتَّى نلتحق فنقتبسَ من نوركم، واقتبس الرجل: أخذ من نور غيره قَبَساً، قال الفخر «٥» :
القَبَسُ: الشعلة من النار والسراج، والمنافقون طَمِعُوا في شيء من أنوار المؤمنين، وهذا منهم جهل لأَنَّ تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا، وهم لم يقدموها، قال الحسن: يُعْطَى يومَ القيامة كُلُّ أحد نوراً على قَدْرِ عمله، ثم يؤخذ من حجر جهنم ومِمَّا فيها من الكلاليب والحسك ويُلْقَى على الطريق، ثم تمضي زمرة من المؤمنينَ، وُجُوهُهُم كالقمر ليلةَ البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء كوكب في السماء، ثم على ذلك، ثم تغشاهم ظلمة تطفئ نورَ المنافقين، فهنالك يقول المنافقون للذين آمنوا: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، انتهى.
وقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ يحتمل أنْ يكون من قول المؤمنين [لهم] ، [ويحتمل أنْ يكون من قول] «٦» الملائكة، والقول لهم: فَالْتَمِسُوا نُوراً: هو على معنى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْعى نُورُهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يُضِيءُ لَهم نُورُ عَمَلِهِمْ عَلى الصِّراطِ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، وأدْناهم نُورًا نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ يُطْفِئُ مَرَّةً، ويَتَّقِدُ أُخْرى.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبِأيْمانِهِمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُهم يُعْطَوْنَها بِأيْمانِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ نُورُهم يَسْعى، أيْ: يَمْضِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وعَنْ أيْمانِهِمْ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ.
والباءُ بِمَعْنى: "فِي" .
"وَفِي" بِمَعْنى "عَنْ"، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بُشْراكُمُ اليَوْمَ ﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: "أنْظِرُونا" بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وفَتْحِها، وكَسْرِ الظّاءِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يَغْشى النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَيُعْطى المُؤْمِنُونَ النُّورَ، فَيَمْشِي المُنافِقُونَ في نُورِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا سَبَقَهُمُ المُؤْمِنُونَ قالُوا: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم "قِيلَ: ارْجِعُوا وراءَكُمْ" في القائِلِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ارْجِعُوا إلى المَكانِ الَّذِي قَبَسْتُمْ فِيهِ النُّورَ، فَيَرْجِعُونَ، فَلا يَرَوْنَ شَيْئًا.
والثّانِي: ارْجِعُوا فاعْمَلُوا عَمَلًا يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَكم نُورًا.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا نُورَ لَكم عِنْدَنا ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الأعْرافُ، وهو سُورٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ﴾ وهِيَ: الجَنَّةُ "وَظاهِرُهُ" يَعْنِي: مِن وراءِ السُّورِ ﴿ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ وهو جَهَنَّمُ.
وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا السُّورَ يَكُونُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ في مَكانِ السُّورِ الشَّرْقِيِّ بَيْنَ الوادِي الَّذِي يُسَمّى: وادِيَ جَهَنَّمَ، وبَيْنَ البابِ الَّذِي يُسَمّى: بابَ الرَّحْمَةِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وكَعْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنادُونَهُمْ ﴾ أيْ: يُنادِي المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ مِن وراءِ السُّورِ: ﴿ ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ أيْ: عَلى دِينِكم نُصَلِّي بِصَلاتِكُمْ، ونَغْزُو مَعَكُمْ؟!
فَيَقُولُ لَهُمُ المُؤْمِنُونَ: ﴿ بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَعْمَلْتُمُوها في الفِتْنَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ: آثَمْتُمُوها بِالنِّفاقِ "وَتَرَبَّصْتُمْ" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَرَبَّصْتُمْ بِالتَّوْبَةِ.
والثّانِي: تَرَبَّصْتُمْ بِمُحَمَّدٍ المَوْتَ، وقُلْتُمْ: يُوشِكُ أنْ يَمُوتَ فَنَسْتَرِيحَ ﴿ وارْتَبْتُمْ ﴾ شَكَكْتُمْ في الحَقِّ ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ ﴾ يَعْنِي: ما كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِن نُزُولِ الدَّوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ.
والثّانِي: إلْقاؤُهم في النّارِ ﴿ وَغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾ أيْ: غَرَّكُمُ الشَّطِّيّانُ بِحُكْمِ اللَّهِ وإمْهالِهِ ﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ "لا تُؤْخَذُ" بِالتّاءِ، أيْ: بَدَلٌ وعِوَضٌ عَنْ عَذابِكم.
وهَذا خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هِيَ مَوْلاكُمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: أوْلى بِكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ ﴿ يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ وغَرَّكم بِاللهِ الغَرُورُ ﴾ العامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ ، و"الرُؤْيَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ، و"النُورُ"، قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: هي اسْتِعارَةٌ، عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والحَقِّ الَّذِي هم عَلَيْهِ وهِدايَتُهُمُ الناسَ إلى الحَقِّ وصِدْقُهم في الأفْعالِ والأقْوالِ، وقِيلَ: تَتَبُّعُهُمُ الرَشادَ واعْتِقادُهم بِهِ واقْتِصاصُهم آثارَهُ وعَلاماتِهِ وأنْوارَهُ، وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ، عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والرِضْوانِ الَّذِي هم فِيهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ هو نُورٌ حَقِيقَةً، ورُوِيَ في هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ آثارٌ مُضَمِّنُها أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَظْهَرٌ لِلْإيمانِ يُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا، فَيُطْفى نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ ويَبْقى نُورُ المُؤْمِنِينَ، حَتّى أنَّ مِنهم مَن نُورُهُ يُضِيءُ كَما بَيْنَ مَكَّةَ وصَنْعاءَ، رَفَعَهُ قَتادَةُ إلى النَبِيِّ ، ومِنهم مَن نُورُهُ كالنَخْلَةِ السَحُوقِ، ومِنهم مَن نُورُهُ يُضِيءُ ما بَيْنَ قُرْبٍ مِن قَدَمَيْهِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومِنهم مَن يَهِمُ نُورُهُ بِالِانْطِفاءِ مَرَّةً ويَبِينُ مَرَّةً، عَلى قَدْرِ المَنازِلِ في الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وخَصَّ تَعالى "بَيْنَ الأيْدِي" لِأنَّهُ مَوْضِعُ حاجَةِ الإنْسانِ إلى النُورِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَبِأيْمانِهِمْ"، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: وعن أيْمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى خَصَّ جِهَةَ اليَمِينِ تَشْرِيفًا، ونابَ ذَلِكَ مَنابَ أنْ يَقُولَ: وفي جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: المَعْنى: وبِأيْمانِهِمْ كَتُبُهم بِالرَحْمَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى: يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ، يُرِيدُ تَعالى الضَوْءَ المُنْبَسِطَ مِن أهْلِ النُورِ، وبِأيْمانِهِمْ أصْلُهُ والشَيْءُ هو مُتَّقِدٌ فِيهِ، فَمُضَمَّنُ هَذا القَوْلِ أنَّهم يَحْمِلُونَ الأنْوارَ، وكَوْنُهم غَيْرَ حامِلِينَ "لَها" أكْرَمُ، ألا تَرى أنَّ فَضِيلَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ، وأُسِيدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إنَّما كانَتْ بِنُورٍ لا يَحْمِلانِهِ؟
هَذا في الدُنْيا فَكَيْفَ في الآخِرَةِ؟
ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ حَمْلُ المُعْتِقِ لِلشَّمْعَةِ.
وقَرَأ الناسُ: "وَبِأيْمانِهِمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "وَبِإيمانِهِمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَ أيْدِيهِمْ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كافِيًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُشْراكُمُ" مَعْناهُ: يُقالُ لَهم بُشْراكم جَنّاتٍ، أيْ: دُخُولُ جَنّاتٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأقامَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "خالِدِينَ فِيها" إلى آخِرِ الآيَةِ، مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ" بِدُونِ "هُوَ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ ﴾ ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: "يَوْمَ" بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، قالَ ويَظْهَرُ لِي أنَّ العامِلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ، ويَجِيءُ مَعْنى الفَوْزِ أفْخَمُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ بِالرَحْمَةِ يَوْمَ يَعْتَرِي المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، لِأنَّ ظُهُورَ المَرْءِ يَوْمَ خُمُولِ عَدُوِّهِ ومُضادِّهِ أبْدَعُ وأفْخَمُ، وقَوْلُ المُنافِقِينَ هَذِهِ المَقالَةَ المَحْكِيَّةَ هو عِنْدَ انْطِفاءِ أنْوارِهِمْ كَما ذَكَرْنا قَبْلُ، وقَوْلُهُمْ: "انْظُرُونا" مَعْناهُ: انْتَظِرُونا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: وقَدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءُ عاشِيَةٍ لِلْخَمْسِ طالَ بِها حَبْسِي وتِبْساسِي وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "أنْظُرُونا" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ الظاءِ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كَلْثُومٍ: أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْنا ∗∗∗ وأنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا وَمَعْناهُ: أخِّرُونا، ومِنهُ النَظْرَةُ إلى مَيْسَرَةٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ : « "مَن أنْظِرَ مُعْسِرًا"» الحَدِيثُ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ "أخِّرُونا": أخِّرُوا مَشْيَكم لَنا حَتّى نَلْحَقَ فَنَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ، و"اقْتَبَسَ الرَجُلُ واسْتَقْبَسَ": أخَذَ مِن نُورِ غَيْرِهِ قَبَسًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَراءَكُمْ" حَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وأنَّهُ كَما لَوْ قالَ: ارْجِعُوا ارْجِعُوا، وأنَّهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ أبِي الأُسُودِ الدُؤَلِيِّ لِلسّائِلِ "وَراءَكَ أوسَعُ لَكَ"، ولَسْتُ أعْرِفُ مانِعًا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "ارْجِعُوا"، والقَوْلُ لَهُمْ: "فالتَمِسُوا نُورًا" هو عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ لَهُمْ، أيْ: أنَّكم لا تَجِدُونَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَضْرِبُ بَيْنَهم في هَذِهِ الحالِ بِسُورٍ حاجِزٍ، فَيَسْعى المُنافِقُونَ في ظُلْمَةٍ، ويَأْخُذُهُمُ العَذابُ مِنَ اللهِ تَعالى، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ هَذا السُورَ هو الأعْرافُ المَذْكُورُ في سُورَةِ [الأعْرافِ]، وقَدْ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ، وقِيلَ: هو حاجِزٌ آخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وكَعْبُ الأحْبارِ، وعَبادَةُ بْنُ الصامِتِ، وابْنُ عَبّاسٍ: هو الجِدارُ الشَرْقِيُّ في مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي سِوادَةَ: قامَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ عَلى السُورِ الشَرْقِيِّ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَبَكى وقالَ: مِن هاهُنا أخْبَرَنا النَبِيُّ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيهِ بابٌ يُسَمّى بابُ الرَحْمَةِ، سَمّاهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عُبادَةُ وكَعْبٌ، وفي الشَرْقِ مِنَ الجِدارِ المَذْكُورِ وادٍ يُقالُ لَهُ: وادِي جَهَنَّمَ: سَمّاهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وهَذا القَوْلُ في السُورِ بِعِيدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ الجَنَّةُ، والعَذابُ جَهَنَّمُ، والسُورُ في اللُغَةِ الحِجابُ الَّذِي لِلْمُدُنِ وهو مُذَكَّرٌ، والسُورُ أيْضًا جَمْعُ سُورَةٍ وهي القِطْعَةُ مِنَ البِناءِ فَيُضافُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى يَتِمَّ الجِدارُ، فَهَذا اسْمُ جَمْعٍ يَسُوغُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وهَذا الجَمْعُ هو الَّذِي أرادَ جَرِيرٌ في قَوْلِهِ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ وذَلِكَ أنَّ المَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ لَها قَطُّ حِجًى، وأيْضًا فَإنَّ وصْفَهُ أنَّ جَمِيعَ ما في المَدِينَةِ مِن بِناءٍ تَواضَعَ أبْلَغُ، ومَن رَأى أنَّهُ قَصَدَ قَصْدَ السُورِ الَّذِي هو الحِجى قالَ: إنَّ ذَلِكَ إذا تَواضَعَ فَغَيْرُهُ مِنَ المَبانِي أحْرى بِالتَواضُعِ، فَإذا كانَ السُورُ في البَيْتِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ فَلَيْسَ هو في قُوَّةِ مَرِّ الرِياحِ، وصَدْرِ القَناةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُذَكَّرٌ مَحْضٌ اسْتَفادَ التَأْنِيثَ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ باطِنُهُ فِيهِ الرَحْمَةُ ﴾ ، أيْ: جِهَةُ المُؤْمِنِينَ، "وَظاهِرُهُ" أيْ: جِهَةُ المُنافِقِينَ، والظاهِرُ هُنا البادِي، ومِنهُ قَوْلُ الكِتابِ: "مِن ظاهِرِ مَدِينَةِ كَذا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "يُنادُونَهُمْ" مَعْناهُ: يُنادِي المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم في الدُنْيا؟
فَيَرُدُّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِمْ: بَلى كُنْتُمْ مَعَنا ولَكِنَّكم عَرَّضْتُمْ أنْفُسَكم لِلْفِتْنَةِ وحُبِّ العاجِلِ والقِتالِ عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم بِالنِفاقِ، و"تَرَبَّصْتُمْ" مَعْناهُ هُنا: بِإيمانِكُمْ، فَأبْطَأْتُمْ بِهِ حَتّى مُتُّمْ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: تَرَبَّصْتُمْ بِنا وبِمُحَمَّدٍ الدَوائِرَ، وشَكَكْتُمْ في أمْرِ اللهِ تَعالى و"الِارْتِيابُ": التَشَكُّكُ، و"الأمانِيُّ الَّتِي غَرَّتْهُمْ" هي قَوْلُهُمْ: سَيَهْلَكُ مُحَمَّدٌ هَذا العامِ، سَتَهْزِمُهُ قُرَيْشٌ، سَتَأْخُذُهُ الأحْزابُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أمانِيهِمْ، وطُولُ الأمَلِ غِرارٌ لِكُلِّ أحَدٍ، و"أمْرُ اللهِ الَّذِي جاءَ" هو الفَتْحُ وظُهُورُ الإسْلامِ، وقِيلَ: هو مَوْتُ المُنافِقِينَ ومُوافاتُهم عَلى هَذِهِ الحالِ المُوجِبَةِ لِلْعَذابِ.
و"الغَرُورُ" الشَيْطانُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقَرَأ سَمّاكُ بْنُ حَرْبٍ بِضَمِّ الغَيْنِ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَعْتَبِرَ هَذِهِ الآيَةَ في نَفْسِهِ وتَسْوِيفِهِ في تَوْبَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يوم يقول ﴾ بدل من ﴿ يوم ترى المؤمنين ﴾ [الحديد: 12] بدلاً مطابقاً إذا اليوم هو عين اليوم المعرف في قوله: ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ﴾ [الحديد: 12].
والقول في فتحة ﴿ يوم ﴾ تقدم في نظره قريباً.
وعطف ﴿ المنافقات ﴾ على ﴿ المنافقون ﴾ كعطف ﴿ المؤمنات على المؤمنين ﴾ في الآية (12) قبل هذه.
والذين آمنوا تغليب للذكور لأن المخاطبين هم أصحاب النور وهو للمؤمنين والمؤمنات.
و ﴿ انظرونا ﴾ بهمزة وصل مضموماً، من نظره، إذا انتظره مثل نظر، إذا أبصر، إلا أن نظر بمعنى الانتظار يتعدّى إلى المفعول، ونظر بمعنى أبصر يتعدى بحرف (إلى) قال تعالى: ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشرها ﴾ [البقرة: 259].
والانتظار: التريث بفعل مَّا، أي تريثوا في سيركم حتى نلحق بكم فنستضيءَ بالنور الذي بين أيديكم وبجانبكم وذلك يقتضي أن الله يأذن للمؤمنين الأولين بالسيْر إلى الجنة فَوجا، ويجعلُ المنافقين الذين كانوا بينهم في المدينة سائرين وراءهم كما ورد في حديث الشفاعة «وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها» والمعنى: أنهم يسيرون في ظلمات فيسأل المنافقون المؤمنين أن ينتظروهم.
وقرأ الجمهور ﴿ انظرونا ﴾ بهمزة وصل وضم الظاء، وقرأه حمزة وحده بهمزة قطع وكسر الظاء، من أنظرهُ، إذا أمهله، أي أمهلونا حتى نلحق بكم ولا تعجلوا السير فينأى نوركم عنا وهم يحسبون أن بُعدهم عنهم من جراء السرعة.
والاقتباس حقيقته: أخذ القَبَس بفتحتين وهو الجذوة من الحَمْر.
قال أبو علي الفارسي: ومَجيء فَعلت وافتعلت بمعنىً واحد كثير كقولهم: شويتُ واشتويت، وحقَرت واحتقرت.
قلت: وكذلك حفرت واحتفرت، فيجوز أن يكون إطلاق تقتبس هنا حقيقة بأن يكونوا ظنّوا أن النور الذي كان مع المؤمنين نور شُعلة وحسبوا أنهم يستطيعون أن يأخذوا قبساً منه يُلقى ذلك في ظنهم لتكون خيبتهم أشدَّ حسرة عليهم.
ويجوز أن يستعار الاقتباس لانتفاع أحد بضوء آخر لأنه يشبه الاقتباس في الانتفاع بالضوء بدون علاج فمعنى ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ نُصِب منه ونلتحق به فنستبرْ به.
ويظهر من إسناد ﴿ قيل ﴾ بصيغة المجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين.
وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكما إذ لا نور وراءهم وإنما أرادوا إطماعهم ثم تخييبهم بضرب السور بينهم وبين المؤمنين، لأن الخيبة بعد الطمع أشد حسرة.
وهذا استهزاء كان جزاء على استهزائهم بالمؤمنين واستسخارهم بهم، فهو من معنى قوله تعالى: ﴿ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ﴾ [التوبة: 79].
و ﴿ وراءكم ﴾ : تأكيد لمعنى ﴿ ارجعوا ﴾ إذ الرجوع يستلزم الوراء، وهذا كما يقال: رجع القهقرى.
ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل ﴿ التمسوا نوراً ﴾ ، أي في المكان الذي خَلفكم.
وتقديمه على عامله للاهتمام فيكون فيه معنى الإِغراء بالتماس النور هناك وهو أشد في الإِطماع، لأنه يوهم أن النور يُتناول من ذلك المكان الذي صدر منه المؤمنون، وبذلك الإِيهام لا يكون الكلام كذباً لأنه من المعاريض لاسيما مع احتمال أن يكون ﴿ وراءكم ﴾ تأكيداً لمعنى ﴿ ارجعوا ﴾ .
وضمير ﴿ بينهم ﴾ عائد إلى المؤمنين والمنافقين.
وضرب السور: وضعه، يقال: ضرب خيمة، قال عبدة بن الطيِّب: إن التي ضربتْ بيتاً مُهاجَرة *** بكوفةِ الجُند غالتْ ودَّها غُولُ وضمن ﴿ ضُرب ﴾ في الآية معنى الحجْز فعدي بالباء، أي ضرب بينهم سورٌ للحجز به بين المنافقين والمؤمنين، خلقه الله ساعتئذٍ قطعاً لأطماعهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فَحَق بذلك التمثيل الذي مثّل الله به حالهم في الدنيا بقوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ﴾ في سورة البقرة (17).
وأن الحيرة وعدم رؤية المصير عذاب أليم.
ولعل ضرب السور بينهم وجعْلَ العذاببِ بظاهره والنعيم بباطنه قصد منه التمثيل لهم بأن الفاصل بين النعيم والعذاب هو الأعمال في الدنيا وأن الأعمال التي يعملها الناس في الدنيا منها ما يفضي بعامله إلى النعيم ومنها ما يفضي بصاحبه إلى العذاب فأحد طرفي السور مثال لأحد العملين وطرفه الآخر مثال لضده.
والباب واحد وهو الموت، وهو الذي يسلك بالناس إلى أحد الجانبين.
ولعل جعل الباب في سور واحد فيه مع ذلك ليمر منه أفواج المؤمنين الخالصين من وجود منافقين بينهم بمرأى من المنافقين المحبوسين وراء ذلك السور تنكيلاً بهم وحسرة حين يشاهدون أفواج المؤمنين يفتح لهم الباب الذي في السور ليجتازوا منه إلى النعيم الذي بباطن السور.
وركَّب القصَّاصُون على هذه الآية تأويلات موضوعة في فضائل بلاد القُدس بفلسطين عَزوها إلى كعببٍ الأحْبارِ فسموا بعض أبواب مدينة القدس باب الرحمة، وسموا مكاناً منها وادي جهنم، وهو خارج سور بلاد القدس، ثم ركبوا تأويل الآية عليها وهي أوهام على أوهام.
واعلم أن هذا السور المذكور في هذه الآية غير الحجاب الذي ذكر في سورة الأعراف.
وضمائر له باب } و ﴿ باطنه ﴾ و ﴿ ظاهره ﴾ عائدة إلى السور، والجملتان صفتان ل ﴿ سور ﴾ .
وإنما عطفت الجملة الثالثة بالواو لأن المقصود من الصفة مجموع الجملتين المتعاطفتين كقوله تعالى: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ [التحريم: 5].
والباطن: هو داخل الشيء، والظاهر: خارجه.
فالباطن: هو داخل السور الحاجز بين المسلمين والمنافقين وهو مكان المسلمين.
والبطون والظهور هنا نسبيان، أي باعتبار مكان المسلمين ومكان المنافقين، فالظاهر هو الجهة التي نحو المنافقين، أي ضُرب بينهم بسور يشاهِد المنافقون العذاب من ظاهره الذي يواجههم، وأن الرحمة وراء ما يليهم.
و (قبل) بكسر ففتح، الجهةُ المقابلة، وقوله: ﴿ من قلبه ﴾ خبر مقدم، و ﴿ العذاب ﴾ مبتدأ والجملة خبر عن ﴿ ظاهره ﴾ .
و ﴿ مِنْ ﴾ بمعنى (في) كالتي في قوله تعالى: ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ [الجمعة: 9] فتكون نظير قوله: ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ .
والعذاب: هو حرق جهنم فإن جهنم دار عذاب، قال تعالى: ﴿ إن عذابها كان غَراماً ﴾ [الفرقان: 65].
وجملة ﴿ ينادونهم ﴾ حال من ﴿ يقول المنافقون والمنافقات ﴾ .
وضمائر ﴿ ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ﴾ تعرف مراجعُها مما تقدم من قوله: ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات ﴾ الآية.
و ﴿ ألم نكن معكم ﴾ استفهام تقريري، استعمل كناية عن طلب اللحاق بهم والانضمام إليهم كما كانوا معهم في الدنيا يعملون أعمال الإسلام من المسلمين.
والمعية أطلقت على المشاركة في أعمال الإسلام من نطق بكلمة الإسلام وإقامة عبادات الإسلام، توهموا أن المعاملة في الآخرة تجري كما تجري المعاملة في الدنيا على حسب صور الأعمال، وما دَرَوا أن الصور مُكملات وأن قِوامها إخلاص الإِيمان وهذا الجواب إقرار بأن المنافقين كانوا يعملون أعمالهم معهم.
ولما كان هذا الإقرار يوهم أنه قول بموجَب الاستفهام التقريري أعقَبوا جوابهم الإِقراريّ بالاستدراك الرافع لما توهمه المنافقون من أن الموافقة للمؤمنين في أعمال الإسلام تكفي في التحاقهم بهم في نعيم الجنة فبينوا لهم أسباب التباعد بينهم بأن باطنهم كان مخالفاً لظاهرهم.
وذكروا لهم أربعة أصول هي أسباب الخسران، وهي: فتنة أنفسهم، والتربص بالمؤمنين، والارتياب في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم والاغترار بما تُموِّه إليهم أنفسهم.
وهذه الأربعة هي أصول الخصال المتفرعة على النفاق.
الأول: فتنتهم أنفسهم، أي عدم قرار ضمائرهم على الإِسلام، فهم في ريبهم يترددون، فكأنَّ الاضطراب وعدم الاستقرار خُلُق لهم فإذا خطرت في أنفسهم خواطر خير من إيمان ومحبة للمؤمنين نقضوها بخواطر الكفر والبغضاء، وهذا من صنع أنفسهم فإسناد الفَتْن إليهم إسناد حقيقي، وكذلك الحال في أعمالهم من صلاة وصدقة.
وهذا ينشأ عنه الكذب، والخداع، والاستهزاء، والطعن في المسلمين، قال تعالى: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ [النساء: 60].
الثاني: التربص، والتربص: انتظار شيء، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ﴾ [البقرة: 228] الآية.
ويتعدى فعله إلى المفعول بنفسه ويتعلق به ما زاد على المفعول بالباء.
وحذف هنا مفعوله ومتعلقه ليشمل عدة الأمور التي ينتظرها المنافقون في شأن المؤمنين وهي كثيرة مرجعها إلى أذى المسلمين والإضرار بهم فيتربصون هزيمة المسلمين في الغَزوات ونحوها من الأحداث، قال تعالى في بعضهم: ﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ [التوبة: 98]، ويتربصون انقسام المؤمنين فقد قالوا لفريق من الأنصار يندّمونهم على من قتل من قومهم في بعض الغزوات ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ [آل عمران: 168].
الثالث: الارتياب في الدين وهو الشك في الاعتماد على أهل الإسلام أو على الكافرين وينشأ عنه القعود عن الجهاد قال تعالى: ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ [التوبة: 45] ولذلك كانوا لا يؤمنون بالآجال، وقالوا لإخوانهم: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ [آل عمران: 156].
الرابع: الغرور بالأماني، وهي جمع أمنية وهي اسم التمني.
والمراد بها ما كانوا يمنون به أنفسهم من أنهم على الحق وأن انتصار المؤمنين عرض زائل، وأن الحوادث تجري على رغبتهم وهواهم، ومن ذلك قولهم: ﴿ ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ [المنافقون: 8] وقولهم: ﴿ لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ [آل عمران: 167] ولذلك يحسبون أن العاقبة لهم ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾ [المنافقون: 7].
وقد بينتُ الخصال التي تتولد على النفاق في تفسير سورة البقرة فطبِّق عليه هذه الأصول الأربعة وألحق فروع بعضها ببعض.
والمقصود من الغاية ب ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ التنديدُ عليهم بأنهم لم يرعَوُوا عن غيهم مع طول مدة أعمارهم وتعاقب السنين عليهم وهم لم يتدبروا في العواقب، كما قال تعالى: ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ [فاطر: 37] وإسناد التغرير إلى الأماني مجاز عقلي لأن الأماني والطمع في حصولها سبب غرورهم وملابِسُه.
ومَجيء أمر الله هو الموت، أي حتى يتمّ على تلك الحالة السيئة ولم تقلعوا عنها بالإِيمان الحق.
والغاية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، ومن حق المؤمن أن يعتبر بما تضمنه قوله تعالى: ﴿ وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ﴾ الآية، فلا يماطل التوبة ولا يقول: غداً غدا.
وجملة ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ عطف على جملة ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ تحقيراً لغرورهم وأمانيهم بأنها من كيد الشيطان ليزدادوا حسرة حينئذٍ.
والغَرور: بفتح الغين مبالغة في المتصف بالتغرير، والمراد به الشيطان، أي بإلقائه خواطر النفاق في نفوسهم بتلوينه في لون الحق وإرضاء دين الكفر الذي يزعمون أنه رضي الله ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20].
ويجوز أن يراد جنس الغَارِّين، أي وغركم بالله أيمة الكفر وقادة النفاق.
والتغرير: إظهار الضار في صورة النافع بتمويه وسفسطة.
والباء في قوله: ﴿ بالله ﴾ للسببية أو للآلة المَجازية، أي جعل الشيطان شأن الله سبباً لغروركم بأن خَيّل إليكم أن الحِفاظ على الكفر مرضي لله تعالى وأن النفاق حافظتم به على دينكم وحفظتم به نفوسكم وكرامة قومكم واطلعتم به على أحوال عدوكم.
وهذا كله معلوم عندهم قد شاهدوا دلائله فَمِنْ أجل ذلك فَرَّعوا لهم عليه قولَهم: ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ﴾ [الحديد: 15]، قطعاً لطمعهم أن يكونوا مع المؤمنين يومئذٍ كما كانوا معهم في الحياة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ ﴾ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو أُمامَةَ: يَغْشى النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ ظُلْمَةٌ أظُنُّها بَعْدَ فَصْلِ القَضاءِ، ثُمَّ يُعْطَوْنَ نُورًا يَمْشُونَ فِيهِ.
وَفي النُّورِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُعْطاهُ المُؤْمِنُ بَعْدَ إيمانِهِ دُونَ الكافِرِ.
الثّانِي: يُعْطاهُ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ، ثُمَّ يَسْلِبُ نُورَ المُنافِقِ لِنِفاقِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
فَيَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ حِينَ غَشِيَتْهُمُ الظُّلْمَةُ.
﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ حِينَ أُعْطُوا النُّورَ الَّذِي يَمْشُونَ فِيهِ: ﴿ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ ﴾ أيِ انْتَظِرُوا، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأنْظِرْنا نُخْبِرْكَ اليَقِينا ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ارْجِعُوا إلى المَوْضِعِ الَّذِي أخَذْنا مِنهُ النُّورَ فالتَمِسُوا مِنهُ نُورًا.
الثّانِي: ارْجِعُوا فاعْمَلُوا عَمَلًا يَجْعَلِ اللَّهُ بَيْنَ أيْدِيكم نُورًا.
وَيُحْتَمَلُ في قائِلِ هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَهُ المُؤْمِنُونَ لَهم.
الثّانِي: أنْ تَقُولَهُ المَلائِكَةُ لَهم ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حائِطٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ حِجابٌ في الأعْرافِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ سُورُ المَسْجِدِ الشَّرْقِيِّ، [بَيْتُ المَقْدِسِ] قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
﴿ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي في باطِنِهِ الجَنَّةُ، والعَذابَ الَّذِي في ظاهِرِهِ جَهَنَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي في باطِنِهِ: المَسْجِدُ وما يَلِيهِ، والعَذابُ الَّذِي في ظاهِرِهِ: وادِي جَهَنَّمَ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي في باطِنِهِ نُورُ المُؤْمِنِينَ، والعَذابَ الَّذِي في ظاهِرِهِ ظُلْمَةُ المُنافِقِينَ.
وَفِيمَن ضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ بِهَذا السُّورِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِي التَمَسُوا مِنهم نُورًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ ضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَ النُّورِ بِهَذا السُّورِ حَتّى لا يَقْدِرُوا عَلى التِماسِ النُّورِ.
﴿ يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي نُصَلِّي مِثْلَما تُصَلُّونَ، ونَغْزُو مِثْلَما تَغْزُونَ، ونَفْعَلُ مِثْلَما تَفْعَلُونَ.
﴿ قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالنِّفاقِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِالمَعاصِي، قالَهُ أبُو سِنانٍ.
الثّالِثُ: بِالشَّهَواتِ، رَواهُ أبُو نُمَيْرٍ الهَمْدانِيُّ.
﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالحَقِّ وأهْلِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: وتَرَبَّصْتُمْ بِالتَّوْبَةِ، قالَهُ أبُو سِنانٍ.
﴿ وارْتَبْتُمْ ﴾ يَعْنِي شَكَكْتُمْ في أمْرِ اللَّهِ.
﴿ وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خُدَعُ الشَّيْطانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: سَيُغْفَرُ لَنا، قالَهُ أبُو سِنانٍ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُمُ اليَوْمَ وغَدًا.
﴿ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَوْتُ، قالَهُ أبُو سِنانٍ.
الثّانِي: إلْقاؤُهم في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ يسعى نورهم بين أيديهم ﴾ قال: على الصراط حتى يدخلوا الجنة.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿ يسعى نورهم بين أيديهم ﴾ قال: على الصراط.
وأخرج ابن المنذر عن يزيد بن شجرة قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلاكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان ابن فلان هلم بنورك ويا فلان ابن فلان لا نور لك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من المؤمنين يوم القيامة من يضيء له نوره كما بين المدينة إلى عدن أبين إلى صنعاء فدون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه، والناس منازل بأعمالهم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يسعى نورهم بين أيديهم ﴾ قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نوراً من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويقد أخرى.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الرحمن بن جبير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأرفع رأسي فأنظر بين يدي وعن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم فقيل: يا رسول الله وكيف تعرفهم من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟
قال: غر محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم» .
وأخرج ابن المبارك وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو القبر بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيد الدود وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم لفي بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى موضع آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نوراً ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئاً وهو المثل الذي ضرب الله في كتابه إلى قوله ولا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافق للذين آمنوا: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ [ النساء: 142] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم، ﴿ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ﴾ ينادونهم ألم نكن معكم نصلي صلاتكم ونغزو مغازيكم؟
قالوا: بلى إلى قوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي أمامة قال: تبعث ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلاً لهم من الله إلى الجنة فلما رأى المنافقون المؤمنين انطلقوا إلى النور تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله يعطي كل مؤمن نوراً وكل منافق نوراً فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ وقال المؤمنون: ﴿ ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين دعا اليهود فقيل لهم: من كنتم تعبدون؟
فيقولون: كنا نعبد الله، فيقال لهم: كنتم تعبدون معه غيره فيقولون: نعم، فيقال لهم: من كنتم تعبدون معه؟
فيقولون: عُزيراً فيوجهون وجهاً، ثم يدعو النصارى، فيقال لهم: من كنتم تعبدون؟
فيقولون: كنا نعبد الله، فيقول لهم: هل كنتم تعبدون معه غيره؟
فيقولون: نعم، فيقال لهم: من كنتم تعبدون معه؟
فيقولون: المسيح، فيوجهون وجهاً ثم يدعى المسلمون وهم على رابة من الأرض فيقال لهم: من كنتم تعبدون؟
فيقولون: كنا نعبد الله وحده، فيقال لهم: هل كنتم تعبدون معه غيره؟
فيغضبون فيقولون: ما عبدنا غيره فيعطى كل إنسان منهم نوراً، ثم يوجهون إلى الصراط ثم قرأ ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أنظرونا نقتبس من نوركم ﴾ الآية وقرأ ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم ﴾ [ التحريم: 8] إلى آخر الآية» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات ﴾ الآية قال: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور لهم دليلاً إلى الجنة من الله فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي فاختة قال: يجمع الله الخلائق يوم القيامة، ويرسل الله على الناس ظلمة فيستغيثون ربهم فيؤتي الله كل مؤمن يومئذ نوراً ويؤتي المنافقين نوراً فينطلقون جميعاً متوجهين إلى الجنة معهم نورهم، فبينما هم كذلك إذ طفأ الله نور المنافقين، فيترددوهن في الظلمة، ويسبقهم المؤمنون بنورهم بين أيديهم فينادونهم ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ ﴿ فضرب بينهم بسور له باب باطنه ﴾ حيث ذهب المؤمنون فيه الرحمة ومن قبله الجنة، ويناديهم المنافقون ألم نكن معكم؟
قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم فيقول المنافقون بعضهم لبعض: وهم يتسكعون في الظلمة تعالوا نلتمس إلى المؤمنين سبيلاً فيسقطون على هوة، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا ينفق بكم إلى المؤمنين فيتهافتون فيها فلا يزالون يهوون فيها حتى ينتهوا إلى قعر جهنم، فهنالك خدع المنافقون كما قال الله: ﴿ وهو خادعهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ انظرونا ﴾ موصولة برفع الألف.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ انظرونا ﴾ مقطوعة بنصب الألف وكسر الظاء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: أين أنت من يوم جيء بجهنم قد سدت ما بين الخافقين وقيل: لن تدخل الجنة حتى تخوض النار، فإن كان معك نور استقام بك الصراط فقد والله نجوت وهديت، وإن لم يكن معك نور تشبث بك بعض خطاطيف جهنم أو كلاليبها، فقد والله رديت وهويت.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل في قوله: ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ﴾ وهم على الصراط ﴿ انظرونا ﴾ يقول: ارقبونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ يعني نصيب من نوركم فنمضي معكم قيل: يعني قالت الملائكة لهم: ﴿ ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً من حيث جئتم ﴾ هذا من الاستهزاء بهم استهزؤوا بالمؤمنين في الدنيا حين قالوا: آمنا وليسوا بمؤمنين فذلك قوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ حين يقال لهم: ﴿ ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ ﴿ فضرب بينهم بسور له باب ﴾ يعني بالسور حائط بين أهل الجنة والنار ﴿ باب باطنه ﴾ يعني باطن السور ﴿ فيه الرحمة ﴾ مما يلي الجنة ﴿ وظاهره من قبله العذاب ﴾ يعني جهنم وهو الحجاب الذي ضرب بين أهل الجنة وأهل النار.
وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس الشرقي فبكى فقيل له ما يبكيك؟
فقال: هاهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم يحدث عن أبيه أنه قال: ﴿ فضرب بينهم بسور ﴾ قال: «هذا موضع السور عند وادي جهنم» .
وأخرج عبد بن حميد عن عن أبي سنان قال: كنت مع علي بن عبدالله بن عباس عند وادي جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن عساكر عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ذكره الله في القرآن ﴿ فضرب بينهم بسور ﴾ هو السور الذي ببيت المقدس الشرقي ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ المسجد ﴿ وظاهره من قبله العذاب ﴾ يعني وادي جهنم وما يليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فضرب بينهم بسور ﴾ قال: حائط بين الجنة والنار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله: ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ قال: الجنة ﴿ وظاهره من قبله العذاب ﴾ قال: النار.
وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات ﴾ الآية، قال: إن المنافقين كانوا مع المؤمنين أحياء في الدنيا يناكحونهم ويعاشرونهم وكانوا معهم أمواتاً ويعطون النور جميعاً يوم القيامة فيطفأ نور المنافقين إذا بلغوا السور يماز بينهم يومئذ والسور كالحجاب في الأعراف فيقولون: ﴿ أنظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولكنكم فتنتم أنفسكم ﴾ قال: بالشهوات واللذات وتربصتم بالتوبة ﴿ وارتبتم ﴾ أي شككتم في الله ﴿ وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ﴾ قال: الموت ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي سفيان ﴿ ولكنكم فتنتم أنفسكم ﴾ قال: بالمعاصي وتربصتم بالتوبة ﴿ وارتبتم ﴾ شككتم ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ قلتم: سيغفر لنا حتى جاء أمر الله قال: الموت ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد عن محبوب الليثي ﴿ ولكنكم فتنتم أنفسكم ﴾ أي بالشهوات ﴿ وتربصتم ﴾ بالتوبة ﴿ وارتبتم ﴾ أي شككتم في الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ قال: طول الأمل ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ قال: الموت ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وتربصتم ﴾ قال: تربصوا بالحق وأهله ﴿ وارتبتم ﴾ قال: كانوا في شك من أمر الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ قال: كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ﴾ يعني من المنافقين ولا من الذين كفروا.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم فقال: قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} يوم بدل من قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَى ﴾ (١) ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾ قال: وهي خدعة خدع بها المنافقون، قال الله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ﴾ (٢) وقال ابن عباس ومجاهد: إن المؤمنين والمنافقين جميعًا يعطون النور وذلك أنهم يحشرون معًا ويعطون النور فيطفأ نور المنافقين ويقولون للمؤمنين ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾ (٣) وقال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون قالوا: ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾ أي انتظرونا (٤) ﴿ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ منتظرين إدراكه، وأنشد أبو علي (٥) ما زِلت مُذ أشهرَ السُّفَّارُ أنْظُرُهُم ...
مثلُ انتظارِ المضحّي راعيَ الإبلِ المعنى: انتظرهم انتظارًا مثل انتظار الضحي ويجي فعلت وافتعلت بمعنى كثيرًا كقولهم: شريت واشتريت وحفرت واحتفرت (٦) وقرأ حمزة ﴿ أنْظِرُونَا ﴾ بقطع الألف (٧) (٨) (٩) قال أبو إسحاق: ﴿ انْظُرُونَا ﴾ بقطع الألف معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم (١٠) أبا هند فلا تعجل علينا ...
وأنظرنا نخبرك اليقينا وقال أبو علي: وقد يكون أنظرتُ في معنى انتظرت بقولك: أنظرني التنفيس الذي يطلب بالانتظار من ذلك قوله: وأنظرنا نخبرك اليقينا ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ إنما هو طلب الإمهال والتسويف، فالمطلوب بقوله: وأنظرنا: تسويف، وكذلك قوله: ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ ﴾ نفسونا نقبتس، وانتظروا علينا.
وكذلك ما جاء في الحديث من إنظار المعسر (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم ارجعوا وراءكم (١٣) (١٤) ﴿ فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾ قال أبو إسحاق: تأويله لا نور لكم عندنا (١٥) قوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ﴾ قد ذكرنا أن المنافقين ينصرفون لطلب النور فلا يجدون، ثم يقبلون إلى المؤمنين ليلحقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين ويضرب بينهم سد، وهو قوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي أن بين المنافقين والمؤمنين ﴿ بِسُورٍ ﴾ وهو الحائط، والباء فيه صلة للتأكيد، قاله الأخفش (١٦) ﴿ لَهُ بَابٌ ﴾ لذلك السور باب ﴿ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ﴾ أي في باطن ذلك السور الرحمة، قال ابن عباس والمفسرون (١٧) ﴿ وَظَاهِرُهُ ﴾ يعني وخارج السور ﴿ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ أي من قبله يأتيهم العذاب، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب.
قال ابن عباس: يريد جهنم (١٨) (١٩) وقال الكلبي: هذا السور هو سور الأعراف (٢٠) وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار (٢١) (٢٢) (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 356 - 357.
(٢) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 108 (الرقائق)، والحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 435، ببيان أطول مما هاهنا، وهو صحيح الإسناد موقوف على أبي أمامة، وانظر: "ابن كثير" 4/ 38، و"الدر" 6/ 173.
(٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 657، و"جامع البيان" 27/ 129.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 354، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 245.
(٥) البيت ورد في "اللسان" (ش) ولم ينسبه، وفيه: (راعي الغنم).
(٦) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 272، وأشهر السفار: أي مضى عليهم شهر.
(٧) قرأ حمزة (أَنْظِرُونَا) بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الظاء، وقرأ الباقون (انظُرُونَا) بوصل الهمزة وضم الظاء.
انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 410.
(٨) أي قراءة الجمهور.
(٩) قلت: وإذا ثبتت القراءة عن النبي - -كما هنا فلا عبرة بما قال غيره، وعدم معرفة أبي عبيد -رحمه الله - لهذا المعنى في القراءة لا يطعن في صحة القراءة وقوتها ولا يقلل من قدره رحمه الله، ومعرفة غيره من علماء اللغة لهذا المعنى تشهد لصحة القراءة لغة وقد صحت سندًا، والله أعلم.
(١٠) البيت من معلقة عمرو بن هند.
انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 98، و"الخزانة" 3/ 628.
(١١) أخرج مسلم في "صحيحه"، كتاب الفضائل، باب من أنظر انقياد الشجر للنبي - - وفيه (من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله).
(١٢) انظر: " الحجة للقراء السبعة" 6/ 273، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 133، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 357، وقوله: فيما لطف، أي فيما غمض معناه وغفى، و"اللسان" 3/ 369 (لطف).
(١٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 354، و"الوسيط" 4/ 249 (١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب، و"جامع البيان" 27/ 129، ونسب القول للمؤمنين موضحًا معنى الآية.
(١٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 124.
(١٦) انظر: "معاني القرآن" 2/ 704.
(١٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 129، و"معالم التنزيل" 4/ 296، و"زاد المسير" 8/ 166.
(١٨) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 246، و"فتح القدير" 5/ 171.
(١٩) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 296، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 309.
(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ، و"جامع البيان" 27/ 129، و"الجامع" للقرطبي 17/ 246، و"ابن كثير" 4/ 903، عن مجاهد وابن زيد، وقال ابن كثير: وهو الصحيح.
(٢١) انظر: "جامع البيان" 27/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 39، وزاد نسبته للحسن.
(٢٢) قوله: (يحصلون) أي يميزون، والمُحَصَّلة: التي تْمَيِزّ الذهب من الفضة، و"اللسان" 1/ 654 (حصل).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ﴿ يَوْمَ ﴾ بدل من يوم ترى أو متعلق بالفوز العظيم، أو بمحذوف: تقديره اذكر ومعنى الآية: أن كل مؤمن مظهر للإيمان يعطى يوم القيامة نوراً فيبقى نور المؤمنين وينطفئ نور المنافقين، فيقول المنافقون للمؤمنين، ﴿ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ أي نأخذ منه ونستضيء به.
ومعنى انظرونا: انتظرونا.
وذلك لأن المؤمنين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف، والمنافقون ليسوا كذلك.
ويحتمل أن يكون من النظر أي انظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فاستضاؤوا بنورهم.
ولكن يضعف هذا لأن نظر إذا كان بمعنى النظر بالعين يتعدى بإلى، وقرئ انظرونا بهمزة قطع ومعناه أخرونا أي أمهلونا في مشيكم حتى نحلقكم ﴿ قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً ﴾ يحتمل أن يكون هذا من قول المؤمنين، أو قول الملائكة ومعناه الطرد للمنافقين، والتهكم بهم؛ لأنهم قد علموا أن ليس وراءهم نور، ﴿ وَرَآءَكُمْ ﴾ ظرف العامل فيه ﴿ ارجعوا ﴾ وقيل: إنه لا موضع له من الإعراب، وأنه كما لو قال: ارجعوا ومعنى هذا الرجوع، ارجعوا إلى الموقف فالتمسوا فيه النور، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل الإيمان أو ارجعوا خائبين، وتنحوا عنا فالتمسوا نوراً آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾ أي ضرب بين المؤمنين والمنافقين بسور يفصل بينهم، وفي ذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه وقيل: إن هذا السور هو الأعراف وهو سور بين الجنة والنار.
وقيل: هو الجدار الشرقي من بيت المقدس، وهذا بعيد ﴿ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب ﴾ باطنه هو جهة المؤمنين، وظاهره هو جهة المنافقين وهي خارجة.
كقوله ظاهر المدينة أي خارجها.
والضمير في باطنه وظاهره يحتمل أن يكون للسور أو للباب والأول أظهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أخذ ﴾ مجهولاً ﴿ ميثاقكم ﴾ بالرفع: أبو عمرو ﴿ وكل ﴾ بالرفع: ابن عامر ﴿ انظرونا ﴾ من الأنظار: حمزة ﴿ الأماني ﴾ بسكون الياء: يزيد ﴿ لا تؤخذ ﴾ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وما نزل ﴾ بالتشديد مجهولاً: عباس ﴿ نزل ﴾ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص.
الباقون: بالتشديد ﴿ ولا تكونوا ﴾ على الخطاب: رويس ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد ﴿ بما أتاكم ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.
الوقوف: ﴿ الأرض ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال أن يكون قوله ﴿ يحيى ﴾ مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله ﴿ له ﴾ والجار عاملاً فيها.
﴿ ويميت ﴾ ج ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والباطن ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ كنتم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ في الليل ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ وقاتل ﴾ ط ﴿ وقاتلوا ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله ﴿ وله أجر ﴾ أو بقوله ﴿ بشراكم ﴾ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج وإن وصل وقف على ﴿ نوركم ﴾ لأن ﴿ يوم ﴾ قد يتعلق بالنور فيوقف على ﴿ نوركم ﴾ وقد يتعلق بقوله ﴿ قيل ارجعوا ﴾ ﴿ نوراً ﴾ ط ﴿ باب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ على النهي ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الصديقون ﴾ ه والوصل أولى ومن وقف على ﴿ الصديقين ﴾ لم يقف على ﴿ ربهم ﴾ ﴿ ونورهم ﴾ ط ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ والأولاد ﴾ ط ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ ورضوان ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ نبرأها ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا ﴿ أتاكم ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالبخل ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ مهتد ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر ﴿ رعايتها ﴾ ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله ﴿ فآتينا ﴾ ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله ﴿ فمنهم مهتد ﴾ ﴿ أجرهم ﴾ ه ط لما مر ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو ﴿ سبحان ﴾ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي.
وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد.
وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه.
قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان.
وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل.
قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال.
وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً.
والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو.
قلت: إنه متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة.
أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً.
قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع.
وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ } [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " " لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له.
وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب ، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة.
قال: أما البحث عن كونه آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً.
فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة.
إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه وذلك محال.
وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه.
وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير.
قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه.
قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية.
وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً.
قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين.
واختلفوا في معنى كونه آخراً على وجوه أحدها: أنه يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ.
قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً.
وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً.
أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً.
وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة.
قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة.
ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب.
قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس.
وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه ، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله لحلها وبيانها فالشكر على آلائه.
أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده.
والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً.
وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي.
قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به.
وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله ﴿ يعلم ما يلج ﴾ فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة.
وقوله ﴿ وهو معكم ﴾ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله ﴿ يحي ويميت ﴾ والثاني في العقبى لقوله ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ قوله ﴿ مستخلفين فيه ﴾ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين.
قوله ﴿ لا تؤمنون ﴾ حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع.
والواو في قوله ﴿ والرسول ﴾ للحال من ضمير ﴿ لا تؤمنون ﴾ فهما حالان متداخلتان.
وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ﴾ ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه.
استدل القاضي بقوله ﴿ وما لكم ﴾ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض.
والبحث في أمثاله مذكور في مواضع.
والضمير في قوله ﴿ ليخرجكم ﴾ لله أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ﴾ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله ﴿ أولئك ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" " ﴿ أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.
ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله.
وقد مر في أواخر "البقرة".
قال أهل السنة: إنه كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة.
وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة.
وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه.
ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال ﴿ يوم ترى ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه.
عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى.
وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك.
هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله .
وإنما قال ﴿ بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.
ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة ﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ قوله ﴿ يوم يقول ﴾ بدل من قوله ﴿ يوم ترى ﴾ ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً.
قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين ﴿ انظرونا ﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار.
قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل.
ومن قرأ ﴿ انظرونا ﴾ أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم.
قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله.
ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء.
ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار ﴿ قيل ارجعوا وراءكم ﴾ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا ﴿ فالتمسوا نوراً ﴾ بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف ﴿ باطنه ﴾ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿ فيه الرحمة وظاهره ﴾ وهو ما ظهر لأهل النار ﴿ من قبله ﴾ أي من جهته ﴿ العذاب ﴾ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله ﴿ بسور ﴾ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ﴿ ألم نكن معكم ﴾ مرافقتهم في الظاهر.
ومعنى ﴿ فتنتم ﴾ محنتم ﴿ أنفسكم ﴾ بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وتربصتم ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وارتبتم ﴾ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ بكثرة الآمال وطول الآجال ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار ﴿ وغرّكم بالله ﴾ الشيطان ﴿ الغرور ﴾ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية ﴾ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ في الظاهر.
فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم.
قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم".
قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي بقوله " من كنت مولاه فعلى مولاه" " فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً.
قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال.
قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى.
وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله ﴿ يغاثوا بماء كالمهل ﴾ ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء.
قوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته.
قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع.
وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين.
روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية.
وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.
وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين.
وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة.
وقوله ﴿ لذكر الله ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن ﴿ وما نزل من الحق ﴾ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء.
ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة.
ومن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ بالتاء الفوقانية فهي الناهية.
ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع.
وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر.
قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق.
قوله ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض ﴾ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات.
ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله ﴿ إن المصدقين ﴾ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.
والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك.
وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب.
ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه.
وقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله.
ثم حث على الجهاد بقوله ﴿ والشهداء ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ عند ربهم ﴾ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ ويجوز أن يكون قوله ﴿ عند ربهم ﴾ حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر.
وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ ومن جعل ﴿ الشهداء ﴾ عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.
قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد.
وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.
وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده.
وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه.
وعن الأصم.
إن المؤمن قائم لله بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة.
ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه.
ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون".
ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس.
ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للكافرين ﴿ ومغفرة من الله ورضوان ﴾ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة.
فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة.
ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك ﴿ أعدت للمتقين الذين ينفقون ﴾ إلأى آخره.
وههنا قال ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به.
وفي لفظ ﴿ سابقوا ﴾ ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ ﴿ سارعوا ﴾ هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ أي لا يوجد مصيبة ﴿ في الأرض ﴾ من القحط والوباء والبلاء ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ من المرض والفتن ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال " جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " ولم يقل إلى الأبد.
وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ﴾ والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله ﴿ اعلموا إنما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخره قوله ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات ﴿ إن ذلك ﴾ الإثبات أو الحفظ ﴿ على الله يسير ﴾ وإن كان عسيراً على غيره.
ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً ﴿ لكيلا تأسوا ﴾ أي لكيلا تحزنوا ﴿ على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه.
روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر.
والباقي ظاهر وقد مر في النساء.
والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ﴿ ومن يتول ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن طاعة المطيعين ﴿ الحميد ﴾ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.
وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد وبخلوا ببيان نعته.
ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم.
يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به.
وروي عن النبي أن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض.
أنزل الحديد والنار والماء والملح.
وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً".
وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه.
أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.
والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً.
وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق.
وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف.
وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر.
واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة.
وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة.
وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد.
وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة.
أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف.
وسابعها الكتاب للعلماء.
والميزان للعوام والسيف للملوك.
قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها.
أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة.
أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها.
ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل.
قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس.
قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله ﴿ وليعلم الله ﴾ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها.
ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم.
قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.
وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي.
عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في ﴿ فمنهم ﴾ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال.
والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد ﴿ رحماء بينهم ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على ﴿ جعلنا ﴾ لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.
قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل.
مجعولاً لله ؟
قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي قال "يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ﴾ " الآية قال العلماء: لم يرد الله بقوله ﴿ ابتدعوها ﴾ طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها.
والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي.
وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب.
وقوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله.
وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج.
وفي قوله ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية.
وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد بعد أن استقاموا على الطريقة.
ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون.
ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بعيسى ﴿ اتقوا الله وآمنوا برسوله ﴾ محمد ﴿ يؤتكم كفلين ﴾ نصيبين ﴿ من رحمته ﴾ لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ وهو النور المذكور في قوله ﴿ يسعى نورهم ﴾ أو النور المذكور في قوله ﴿ أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين ﴾ وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة.
ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية.
قوله ﴿ لئلا يعلم ﴾ الآية.
أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم ﴿ أهل الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين.
والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ وقيل: غير زائدة والضمير في ﴿ لا يقدرون ﴾ للرسول وأصحابه.
والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.
قوله - عز جل -: ﴿ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الإيمان بالله: هو أن تجعله رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر، والإيمان برسوله: هو أن صدقه في كل ما يخبر عن الله وفي كل قول وفعل، وأنه صادق، وأنه محق، وتعلم أنه بأمر الله ونهيه يأمر وينهى ويفعل لا من ذات نفسه؛ هذا هو الإيمان بالله ورسوله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ يقول: والله أعلم -: وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم؛ لأن الناس يخلف بعضهم بعضا في هذه الأموال؛ كأنه يقول: أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم؛ كما ترك الإنفاق من تقدمكم؛ إذ هي إنما أنشئت للإنفاق والانتفاع بها، لا للترك كما هي، والله أعلم.
ثم أخبر بقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ أن من كان أمر به وأنفق، فله أجر كبير: ما أوعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه والإفضال، دون الاستحقاق؛ إذ امال ماله، وهم عبيده، ولا يلزم للعبد أجر على سيده، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ في ظاهره متناقض؛ لأنه يقول: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ﴾ ، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون بالله وبالرسول، ويصدقونه: أنه رسول الله؛ إذ التصديق بالرسول تصديق بالمرسل، وهم لا يؤمنون بالله، فيكف يصدقون الرسول؟
لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما لكم لا تؤمنون بالله؟
أي: بقدرة الله على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم قد أتاكم ودعاكم بما تبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث، فما لكم لا تؤمنون بقدرته؟
على هذا جائز أن يخرج؛ لأن أهل مكة كانوا أصنافا: منهم من يذهب مذهب الدهر، ومنهم من يذهب مذهب الشرك، ومنهم من يقر بالتوحيد وينكر البعث، والله أعلم.
والثاني يقول: أي: عذر لكم في ترك الإيمان بالله والرسول دعاكم، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه؟
فأي عذر لكم من ترككم الإيمان به؟
فما لكم لا تؤمنون؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن أخذ الميثاق من الله يخرج على وجوه: أحدها: على ألسن الرسل - عليهم السلام - كقوله : ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وغير ذلك من أمثاله.
والثاني: أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له.
والثالث: عهد إليهم؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام، وجعلهم بحيث يميزون مالهم مما عليهم، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى.
ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم - -، والوجه الأول أقرب.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين بالله ورسوله محمد قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: ما لكم لا تؤمنون بالله والرسول الذي كنتم مؤمنين به؟!
ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به، ولا يحققونه؛ يقول: ما لكم لا تحققون الإيمان بالله والرسول ويدعوكم لتحققوا الإيمان بربكم؟
وهو كقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ أي لا عذر لكم في الكفر بالله ورسوله، وترك الإيمان بهما، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالآيات والحجج.
أو يذكر هذا لا على الشرط؛ بل على التأكيد؛ كقوله : ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، لأ،هم إذا كن أذعن الإيمان، لم يحل لهن أيضا كتمان ما في أرحامهن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ الآيات في الحقيقة: هي الأعلام، لكن فست الآيا بالحجج؛ لأ، الآيات حجج من عند الله جاءت، لا أنها مفتعلات من الخلق.
وقوله: ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ : واضحات أنها من عند الله جاءت، لا من عند الخلق، أو بينات أمره ونهيه، وما لهم وما عليه، وما يؤتى وما يتقى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ما أضيف إلى الله من الإخراج، فهو على وجهين: أحدهما: على حقيقة الإخراج، وهو أن يوقفهم إلى الإيمان، ويعطيهم المعونة والعصمة؛ فيخرجون مما ذكر من الكفر إلى الإيمان.
والثاني: يخرج على الأمر به، والدعاء إلى الإيمان، ليس على حققة الإخراج، وهو كقوله: ﴿ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ في هذه الآية، ونظير حقيقة الإخراج قوله: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، وعلى هذا يخرج إضافة الهداية إلى الله : على التوفيق وإنشاء فعل الهداية منهم، والثاني: على الدعاء والبيان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ جائز أن يكون معناه: وإن الله بمن خرج من الظلمات إلى النور لرءوف رحيم، وهو يرجع إلى المؤمنين خاصة.
وجائز أيضا [أن] يوصف بالرحمة والرأفة على الكل؛ إي: بكم لرءوف رحيم بما أرسل إليكم الرسول، وأنزل عليكم الكتاب، وإن كان من أنفسكم وعقولكم كافية على معرفة وحدانية الله وربوبيته بدون إنزال الكتاب وإرسال الرسول، لكن بفظه ورحمته أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون ذلك أدعى لهم، وأوصل إلى إدراك ما دعوا إليه، وأقرب في دفع الشبه والعذر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ما قال أهل التأويل: إن الخلق يفنون كلهم، ويبقى الله ؛ كقوله : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ فعلى هذا قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما لكم لا تنفقون في سبيل الله قبل أن يزول ملككم ويصير ميراثا لله .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إضافة وراثة بعضهم من بعض إليه؛ لما أنهم عبيده وإماؤه، ومال العبد يكون لسيده؛ فيصير كأنه يقول: ما لكم ألا تنفقوا لأنفسكم، وما يرجع إلى منافعكم، قبل أن يصير ذلك ميراثا لغيركم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً...
﴾ الآية.
قال بعضهم: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ ﴾ ، أي: لا يستوي منكم من آمن قبل الفتح؛ لأن قبل الفتح كان على من آمن خوف الهلاك وأنواع العقوبات؛ ل، الغلبة في ذلك الوقت كانت لأهل الكفر؛ لذلك لم يستو من آمن منهم قبل الفتح، ومن آمن منهم بعد الفتح، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله : أنه قال: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمانهم لرجح" ؛ لأن إيمانه - - في وقت الخوف على متبعي الإسلام.
أو لما يكون بإيمانه إيمان نفر كثير؛ لأنه كان رئيسهم، وكذلك الإنفاق في ذلك الوقت أفضل وأعظم، لما في الإنفاق في ذلك الوقت معونة لرسول الله ولمن تابعه.
أو لما أن الإنفاق من بعد الفتح يقع به طمع الوصول إلى المنافع والأبدال من الصدقات والمغانم، وقبل الفتح، لم يكن ذلك المعنى، فهو لله خالص بلا بدل ولا طمع كان معه، والله أعلم.
وقيل: لا يستوي من هاجر ومن لم يهاجر، ولا هجرة بعد فتح مكة؛ فلذلك روي عنه : "لا هجرة بعد اليوم، ولكن جهاد ونية" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: وعد الله لكلا الفريقين: من أنفق قبل الفتح وبعده الجنة والثواب الحسن.
وقال بعض أهل التأويل: "هذه الآية نزلت في فتح الحديبية، فقيل: يا رسول الله ، فتح هو؟
قال: نعم، فتح عظيم" وعن قتادة: هو فتح مكة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فيه ترغيب وترهيب فيما يرغب ويرهب عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم: أنه - جل وعلا - عامل عباده بكرمه وجوده معاملة من لا حق له ولا ملك في أنفسهم وأموالهم، لا معاملة من حقيقة أملاكهم وأموالهم وأنفسهم له؛ من نحو ما ذكر من الإقراض له، وما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم بأن لهم الجنة، وما ذكر لأعمالهم من الأجر، وهم عبيده، وأعمالهم التي يعملون لأنفسهم، كأهم عاملون له، وما يمسكون لأنفسهم ويدخرونه في وقت الحاجة لهم، سماه: قرضا، وما يكتسبون به للحياة الدائمة والنعم الباقية، فهم المنتفعون بها، ولا أحد في الشاهد يستقرض مال نفسه من آخر ببدل ثم يعطي له الأجر على ذلك؛ هذا كله خراج عن عادة الخلق، وطبعهم، وصنعيهم بعضهم مع بضع، لكن عاملهم بما يليق بكرمه وجوده [و]عد لهم بما أمسكوا لأنفسهم أضعافا مضاعفة.
ثم جائز تسميته ما يمسكون لوقت حاجتهم: قرضا؛ لئلا يمنوا على الفقراء وأهل الحاجة بما أعطوهم منه؛ لما عرف - جل وعلا - من طبعهم الامتنان عليهم، أو لما يدفع عنهم مؤنة حفظ ذلك إلى وقت حاجتهم من السرقة، والغصب وغير ذلك من أنواع ما يخاف التلف منها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: أجر حسن، والله أعلم.
وجائز تسميته: كريما؛ لما أن من ناله يصير كريما، أو لما يؤمل ويرجى أن يكون لهم ذلك، والكريم في الشاهد: هو الذي يرجى منه كل خير ويؤمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ يَسْعَىٰ نُورُهُم ﴾ أي: كتبهم التي يعطون في الآخرة، فإنه يعطى كتاب المقربين والسابقين من أمامهم وقدامهم، وكتاب سائر المؤمنين من أيمانهم، وكتاب أهل الشرك من وراء ظهورهم، يؤيده حرف حفصة - -: (نورهم يسعى بين أيديهم وفي أيمانهم) كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ...
﴾ الآية [الإنشقاق: 7].
وجائز أن يكون نور إيمانهم ودينهم الذي كانوا عليه في الدنيا.
وجائز أن يكون نورهم الذي ذكر كناية عن الطريق الذي يسلك فيه السابقون ، يرون ما أمامهم، وسائر المؤمنين عن أيمانهم وما سلكوا في الدنيا، وأهل الشرك بشمالهم، وأهل للنفاق من ورائهم.
وجئز أن يكون قوله: ﴿ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ كناية عن اليمن والبركة؛ إذ إنما بالأيمان ينال اليمن والبركات فسماها بذلك.
ويحتمل ما ذكر أهل التأويل: أنه يرفع لهم نور، فيمشون بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ إنما يقال ذلك قبل دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ ؛ لأنه لا هلاك بعده ولا تبعة، ولا انقطاع لذلك.
ثم قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ليس أن يراه هو خاصة لا يرى غيره ذلك؛ بل يرى ذلك جميع المؤمنين؛ فيبطل به قول من جعل التنصيص على الشيء دالا على التخصيص ونفي غيره.
وعن قتادة: أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله قال: "إن من المؤمنين من يضيء نوره من موضع قدميه، وللمؤمنين منازل لأعمالهم" وروي في بعض الأخبار عن روسل الله قال: ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما أفرطوا من أولادهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ منهم من قرأ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، ومنهم من قرأ مقطوعة من (أنظرت)؛ قال أبو عبيدة: فالاتصال أحب إلينا؛ لأن تأويلها - والله أعلم -: انتظرونا، يقال منه: نظرت فلانا أنظره.
وأما القراءة الأخرى؛ فإنها من التأخير؛ يقال منه: أنظرت فلانا أنظره؛ غذا أخرته، ولا أعرف للتأخير هاهنا موضعا.
وقال أبو عوسجة: أنظرته ونظرته، أي: انتظرته، يقال منه: نظر نظرة.
ثم الآية دلت على أن أهل النفاق يكونون ببع من المؤمنين وألا ينتفعوا بنور المؤمنين، ولكن يرون ذلك اليوم من بعد؛ حيث قالوا: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، ولو كانوا بقرب منهم أو ينتفعون ينورهم، لكانوا لا يطلبون منهم الانتظار لهم، والاقتباس من نورهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ من الناس من يقول: إن هذا هو الاستهزاء الذي ذكر في آية أخرى: أنه يستهزئ بهم، حيث قال: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ، فقوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ هو ذلك الاستهزاء.
وقلنا نحن في قوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء استهزائهم، الذين استهزءوا برسول الله وبالمؤمنين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ ﴾ ليس على الأمر بالرجوع من وراء والتماس النور، ولكن على التوبيخ والتعيير، أي: النور إنما يطلب من وراء هذا اليوم؛ أي: من قبل هذا اليوم، لا يطلب فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ الآية.
جائز أن يكون السور الذي ذكر الذي ضرب بينهم ما ذكر في سورة الأعراف؛ حيث قال: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ ﴾ السور: هو الأعراف التي ذكر أنها تكون حجابا بين أهل النار وأهل الجنة، يرفع ذلك السور بينهم؛ لئلا ينتفعوا بنور المؤمنين.
وقوله: ﴿ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ .
جائز أن يكون قوله: ﴿ بَابٌ ﴾ ليس على حقيقة الباب، ولكن الباب كناية عن الطريق والسبيل يقول: هو طريق وسبيل، من يأخذ ذلك السبيل، افضاه إلى الرحمة، ومن سلك ظاهره، أفضاه إلى العذاب.
وجائز أن يُفتح من النار إلى الجنة باب؛ فيرون ما حل بهم من العذاب، ويرون أهل النار أهل الجنة على ما هم عليه من النعيم؛ ليزداد لهم حسرة وندامة.
أو يكون اطلاعا لا من باب، ولكن من السور والأعراف الذي ذكر، وهو ما قال: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، والإطلاع في الظاهر إنما يكون من مكان عال مرتفع إلى موضع منحدر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ ، أي: ينادي أهل النفاق المؤمنين ألم نكن معكم قالوا بلى، جائز أن يكون هذا القول منهم ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ تغرير منهم للمسلمين يومئذ كما كانوا يغرونهم في الدنيا، وهو ما أخبر عنهم، يكذبون في الآخرة كما كانوا في الدنيا؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ ، ثم أخبر أنهم هم الكاذبون في حلفهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قولهم: ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ يخرج على تغريرهم إياهم.
ثم الإشكال والكلام قول المؤمنين: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، وقد علموا أنهم لم يكونوا معهمه، فكيف قالوا: بلى؟
فنقول: جائز أن يكون جوابهم خرج لأولئك على ما عرفوا من خطابهم ومرادهم، فأجابوهم على ذلك.
أو أن يكون قولهم: بلى إن كنتم تقولون بأنا معكم، ولكن لم تكونوا معنا.
أو يخرج جوابهم على ظاهر ما يرون من أنفسهم الموافقة دون الحقيقة.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: امتحنتم أنفسكم في الرجوع إلى من جعل لكم المنافع والعاقبة، كقوله : ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ ، أي شدة، وقال القتبي: ﴿ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: أثمتموها.
وقوله: ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ يخرج على وجهين: يحتمل تربصتم برسول الله أنه سيموت عن قريب، أو أنه يرجع عن الإسلام إلى دين أولئك الكفرة.
وقوله: ﴿ وَٱرْتَبْتُمْ ﴾ ، أي: شككتم وإن قام لكم ما يدفع الارتياب والشك عنكم والشبه.
وقوله: ﴿ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ ﴾ \[يخرج على\] وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من ابتاعهم المنافع التي كانوا يتوقعونها فكيفما كان يتبعون غرضهم في ذلك.
والثاني: ما تمنت أنفسهم من موت رسول الله وهلاكه، أو عوده إلى دينهم.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: الأمر بالهلاك، أو يوم القيامة.
وقوله: ﴿ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ أي: غركم عن دين الله الشيطان.
وقوله - عز وجل : ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قرئ بالياء والتاء، وأكثرهم على الياء، معناهما واحد، أي: لا يكون لهم فدية يومئذ، ليس أن يكون لهم فدية ولا تؤخذ.
أو أن يقول على التمثيل، أي: لو كان لهم فدية، لكان لا تقبل منهم، يخبر أن أمر الآخرة على خلاف ما يكون في الدنيا؛ إذ في الدنيا ربما يحتال لدفع البلاء بالفداء مرة وبالشفاء ثانيا.
وقوله: ﴿ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ ﴾ ، أي: يأوون إليها.
وقوله: ﴿ هِيَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم وأحق.
وقوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، أي: بئس ما يصيرون إليها.
ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر في النار؛ لأنه جعل الناس على ثلاث فرق، وأنزلهم منازل ثلاثة: المنافقين، والكافرين كفر تصريح، والمؤمنين، وجعل النار لأهل الكفر وأهل النفاس، ولم يجعلها لغيرهما، وصاحب الكبيرة ليس هو بمنافق ولا كافر عندهم، وكذلك ما قسم الله الناس أقساما ثلاثة: السباقين، وأصحاب اليمين، واصحاب الشمال هم المكذبون، وأصحاب الكبائر ليسوا بمكذبين عندهم، وهو ما جعل النار إلا للمكذبين؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ جعل الجنة للمقربين وأصحاب اليمين والنار للمكذبين خاصة، لم يجعلها لغيرهم، فمن جعلها لغيرهم، فهو مخالف لظاهر هذه الآيات التي ذكرنا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انتظرونا رجاء أن نقتبس من نوركم ما يعيننا على عبور الصراط، ويقال للمنافقين استهزاءً بهم: ارجعوا وراءكم، فاطلبوا نورًا تستنيرون به، فَضُرِب بينهم بسور، لذلك السور باب، باطنه مما يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره مما يلي المنافقين فيه العذاب.
<div class="verse-tafsir" id="91.kLaop"