الآية ١ من سورة الصف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 61 الصف > الآية ١ من سورة الصف

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الصف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الصف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الصف وهي مدنية .

قال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا ابن المبارك ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة - وعن عطاء بن يسار ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام قال : تذاكرنا : أيكم يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسأله : أي الأعمال أحب إلى الله ؟

فلم يقم أحد منا ، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلينا رجلا فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة ، يعني سورة الصف كلها .

هكذا رواه الإمام أحمد وقال ابن أبي حاتم : حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي ، قراءة ، قال : أخبرني أبي ، سمعت الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، حدثني عبد الله بن سلام .

أن أناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا : لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحب الأعمال إلى الله عز وجل ؟

فلم يذهب إليه أحد منا ، وهبنا أن نسأله عن ذلك ، قال : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولئك النفر رجلا رجلا حتى جمعهم ، ونزلت فيهم هذه السورة : ( سبح ) الصف قال عبد الله بن سلام : فقرأها علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها .

قال أبو سلمة : وقرأها علينا عبد الله بن سلام كلها ، قال يحيى بن أبي كثير : وقرأها علينا أبو سلمة كلها .

قال الأوزاعي : وقرأها علينا يحيى بن أبي كثير كلها .

قال أبي : وقرأها علينا الأوزاعي كلها .

وقد رواه الترمذي ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي : حدثنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام قال : قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتذاكرنا ، فقلنا : لو نعلم : أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه .

فأنزل الله : " سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا " قال عبد الله بن سلام : فقرأها علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال أبو سلمة : فقرأها علينا ابن سلام .

قال يحيى : فقرأها علينا أبو سلمة .

قال ابن كثير : فقرأها علينا الأوزاعي .

قال عبد الله : فقرأها علينا ابن كثير .

ثم قال الترمذي : وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي ، فروى ابن المبارك ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن سلام - أو : عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام قلت : وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن يعمر ، عن ابن المبارك به .

قال الترمذي : وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير .

قلت : وكذا رواه الوليد بن يزيد ، عن الأوزاعي كما رواه ابن كثير .

قلت : وقد أخبرني بهذا الحديث الشيخ المسند أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار قراءة عليه وأنا أسمع ، أخبرنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللتي ، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قال : أخبرنا أبو الحسن بن عبد الرحمن بن المظفر بن محمد بن داود الداودي ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ، أخبرنا عيسى بن عمر بن عمران السمرقندي ، أخبرنا الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بجميع مسنده ، أخبرنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي .

.

.

فذكر بإسناده مثله ، وتسلسل لنا قراءتها إلى شيخنا أبي العباس الحجار ، ولم يقرأها ، لأنه كان أميا ، وضاق الوقت عن تلقينها إياه .

ولكن أخبرني الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، رحمه الله : أخبرنا القاضي تقي الدين سليمان بن الشيخ أبي عمر ، أخبرنا أبو المنجا بن اللتي فذكره بإسناده ، وتسلل لي من طريقة ، وقرأها علي بكمالها ، ولله الحمد والمنة .

تقدم الكلام على قوله : ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ) غير مرة ، بما أغنى عن إعادته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول جلّ ثناؤه: ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ) السبع ( وَمَا فِي الأرْضِ ) من الخلق، مُذعنين له بالألوهة والربوبية ( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) في نقمته ممن عصاه منهم، فكفر به، وخالف أمره ( الْحَكِيمُ ) في تدبيره إياهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الصف وهي أربع عشرة آية .مدنية في قول الجميع ، فيما ذكر الماوردي .

وقيل : إنها مكية ، ذكره النحاس عن ابن عباس .بسم الله الرحمن الرحيمسبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيمتقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا بيان لعظمته تعالى وقهره، وذل جميع الخلق له تبارك وتعالى، وأن جميع من في السماوات والأرض يسبحون بحمد الله ويعبدونه ويسألونه حوائجهم، { وَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي قهر الأشياء بعزته وسلطانه، { الْحَكِيمُ } في خلقه وأمره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية "سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سبح لله ما في السماوات وما في الأرض» أي نزهه فاللام مزيدة وجيء بما دون من تغليبا للأكثر «وهو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

نزَّه الله عن كل ما لا يليق به كلُّ ما في السموات وما في الأرض، وهو العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في أقواله وأفعاله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة " الصف " - كما افتتحت قبلها سورة الحديد والحشر بتنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق به .أى : نزه الله - تعالى - وقدسه ، جميع ما فى السموات وجميع ما فى الأرض من مخلوقات ، وهو - عز وجل - ( العزيز ) الذى لا يغلبه غالب ( الحكيم ) فى كل أقواله وأفعاله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه التعلق بما قبلها هو أن في تلك السورة بيان الخروج جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِى وابتغاء مَرْضَاتِى  ﴾ وفي هذه السورة بيان ما يحمل أهل الإيمان ويحثهم على الجهاد بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ  ﴾ وأما الأول بالآخر، فكأنه قال: إن كان الكفرة بجهلهم يصفون لحضرتنا المقدسة بما لا يليق بالحضرة، فقد كانت الملائكة وغيرهم من الإنس والجن يسبحون لحضرتنا، كما قال: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السموات والأرض و ﴿ العزيز ﴾ من عز إذا غلب، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير، ولا يمكن أن يغلب عليه غيره و ﴿ الحكيم ﴾ من حكم على الشيء إذا قضى عليه، وهو الذي يحكم على غيره، أي شيء كان ذلك الغير، ولا يمكن أن يحكم عليه غيره، فقوله: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يدل على الربوبية والوحدانية إذن، ثم إنه تعالى قال في البعض من السور: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ  ﴾ ، وفي البعض: ﴿ يُسَبّحُ  ﴾ ، وفي البعض: ﴿ سَبِّحِ  ﴾ بصيغة الأمر، ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال، وقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ منهم من قال: هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين، وهم الذين أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله، فأنزل الله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة  ﴾ الآية و ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون  ﴾ فأحبوا الحياة وتولوا يوم أحد فأنزل الله تعالى: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾ وقيل في حق من يقول: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وفعلت ولم يفعل، وقيل: إنها في حق أهل النفاق في القتال، لأنهم تمنوا القتال، فلما أمر الله تعالى به قالوا: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال  ﴾ وقيل: إنها في حق كل مؤمن، لأنهم قد اعتقدوا الوفاء بما وعدهم الله به من الطاعة والاستسلام والخضوع والخشوع فإذا لم يوجد الوفاء بما وعدهم خيف عليهم في كل زلة أن يدخلوا في هذه الآية ثم في هذه الجملة مباحث: الأول: قال تعالى: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض  ﴾ في أول هذه السورة، ثم قاله تعالى في أول سورة أخرى، وهذا هو التكرار، والتكرار عيب، فكيف هو؟

فنقول: يمكن أن يقال: كرره ليعلم أنه في نفس الأمر غير مكرر لأن ما وجد منه التسبيح عند وجود العالم بإيجاد الله تعالى فهو غير ما وجد منه التسبيح بعد وجود العالم، وكذا عند وجود آدم وبعد وجوده.

الثاني: قال: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ولم يقل: سبح لله السموات والأرض وما فيهما، مع أن في هذا من المبالغة ما ليس في ذلك؟

فنقول: إنما يكون كذلك إذا كان المراد من التسبيح، التسبيح بلسان الحال مطلقاً، أما إذا كان المراد هو التسبيح المخصوص فالبعض يوصف كذا، فلا يكون كما ذكرتم.

الثالث: قال صاحب الكشاف: ﴿ لم ﴾ هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم وفيم وعم ومم، وإنما حذفت الألف لأن (ما) والحرف كشيء واحد، وقد وقع استعمالها في كلام المستفهم، ولو كان كذلك لكان معنى الاستفهام واقعاً في قوله تعالى: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾ والاستفهام من الله تعالى محال وهو عالم بجميع الأشياء، فنقول: هذا إذا كان المراد من الاستفهام طلب الفهم، أما إذا كان المراد إلزام من أعرض عن الوفاء ما وعد أو أنكر الحق وأصر على الباطل فلا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِمَ ﴾ هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام.

وإنما حذفت الألف؛ لأنّ ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيراً في كلام المستفهم؛ وقد جاء استعمال الأصل قليلاً والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان.

ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع: ثلاثة، أربعة، بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد.

وروي أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم.

وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا.

وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر.

وقيل: كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي عليه السلام أنك قتلته، فقال: إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟

قال: نعم، فنزلت في المنتحل.

وعن الحسن: نزلت في المنافقين.

ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم؛ هذا من أفصح كلام وأبلغه في معناه قصد في ﴿ كَبُرَ ﴾ التعجب من غير لفظه كقوله: غَلَتْ نَابٌ كُلَيْبٌ بَوَاءُهَا ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى أن تقولوا.

ونصب ﴿ مَقْتاً ﴾ على تفسيره، دلالة على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه؛ واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه.

ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيراً، حتى جعل أشده وأفحشه.

و ﴿ عَندَ الله ﴾ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك.

وعن بعض السلف أنه قيل له: حدّثنا، فسكت ثم قيل له حدثنا؛ فقال: تأمرونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله.

في قوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِي سَبِيلِهِ ﴾ عقيب ذكر مقت المخلف: دليل على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا.

وقرأ زيد بن علي ﴿ يقاتلون ﴾ بفتح التاء.

وقرئ: ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ صَفّاً ﴾ صافين أنفسهم أو مصفوفين ﴿ كَأَنَّهُم ﴾ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل ﴿ بنيان ﴾ رص بعضه إلى بعض ورصف.

وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص.

وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلاً؛ لأنّ الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة.

وقوله: ﴿ صَفّاً كَأَنَّهُم بنيان ﴾ حالان متداخلتان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الصَّفِّ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: مَكِّيَّةٌ وآيُها أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَوْ عَلِمْنا أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ تَعالى لَبَذَلْنا فِيهِ أمْوالَنا وأنْفُسَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا فَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ فَنَزَلَتْ.

وَلِمَ مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ الجَرِّ وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ والأكْثَرُ عَلى حَذْفِ ألِفِها مَعَ حَرْفِ الجَرِّ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِمْ مَعًا واعْتِناقِهِما في الدَّلالَةِ عَلى المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ.

﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ المَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهم هَذا مَقْتٌ خالِصٌ كَبُرَ عِنْدَ مَن يُحَقِّرُ دُونَهُ كُلَّ عَظِيمٍ، مُبالَغَةً في المَنعِ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم} رُوي أنهم قالوا قبل أن يؤمروا بالجهاد لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فنزلت آية الجهاد فتباطأ بعضهم فنزلت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الصَّفِّ.

وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ الحَوارِيِّينَ وسُورَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ يَسارٍ: مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أيْضًا، والمُخْتارُ الأوَّلُ، ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: قَعَدْنا نَقْرَأُ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَذاكَرْنا فَقُلْنا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ تَعالى لَعَمِلْناهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ  ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَرَأها عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى خَتَمَها، ورُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مُسَلْسَلًا يَقْرَأُها عَلَيْنا، وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وخَلْقٌ كَثِيرٌ حَتّى قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ أصَحُّ مُسَلْسَلٍ يُرْوى في الدُّنْيا إنْ وقَعَ في المُسَلْسَلاتِ مِثْلُهُ في مَزِيدِ عُلُوِّهِ، وكَذا ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ عَنِالضَّحّاكِ مِن أنَّهُ قَوْلُ شَبابٍ مِنَ المُسْلِمِينَ: فَعَلْنا في الغَزْوِ كَذا ولَمْ يَفْعَلُوا، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِن أنَّهُ قَوْلُ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ مِنكم ومَعَكم ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ.

وآيُها أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى الحَثِّ عَلى الجِهادِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وفي ذَلِكَ مِن تَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ما قَبْلُ ما فِيهِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ المارِّ في نَظِيرِهِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربع عشرة آية مدنية قوله تبارك وتعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ وذلك أن أصحاب رسول الله  قالوا بعد ما فروا يوم أحد: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى، وأفضل لفعلناه، فنزل: لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ.

ويقال: قالوا ذلك قبل يوم أحد، فابتلوا بذلك وفروا، فنزل تيسيراً لهم بترك الوفاء، فقال: لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ.

كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ، يعني: عظم بغضاً عند الله أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، يعني: يصفون بمنزلة الصف في الصلاة وملتزمة بعضهم في بعض، لا يتأخر أحدهم عن صاحبه بمنزلة البنيان الذي بني بالرصاص ويقال: كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ أي: متفقي الكلمة بعضهم على بعض على عدوهم، فلا يخالف بعضهم بعضاً.

وروي في الخبر: أنه كان يوم مؤتة وكان عبد الله بن رواحة أحد الأمراء الذين أمرهم رسول الله  ناداهم: يا أهل المجلس الذين وعدتم ربكم قولكم، ثم مشى فقاتل حتى قتل.

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى وقد قال موسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي بالتكذيب، وذلك أنهم كذبوه وقالوا: إنه آدر، ويقال: إنه حين مات هارون، ويقال: إنه قال لقومه الكفار: لم تؤذونني بالتكذيب والشتم؟

وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا يعني: مالوا عن الحق وعدلوا عنه.

أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ يعني: خذلهم عن الهدى فثبتوا على اليهودية.

وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي يعني: لا يرشد إلى دينه الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ، يعني: العاصين المكذبين، الذين لا يرغبون في الحق.

وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يعني: وقد قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، يعني: أرسلني الله تعالى إليكم، لأدعوكم إلى الإسلام.

مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ يعني: أقرأ عليكم الإنجيل موافقاً للتوراة في التوحيد وفي بعض الشرائع، وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يعني: أبشركم برسول الله يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.

وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله  أنهم قالوا: يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ.

فقال: «أَنَا دَعْوَةُ أبِي إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى- صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ- وَرَأَتْ أُمِّي رُؤْيَاهَا حِينَ حَمَلَتْ بِي أنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى فِي أرْضِ الشَّامِ» .

فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ، يعني: جاءهم عيسى بالبينات التي كان يريهم من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: بيناً ظاهراً.

قرأ حمزة والكسائي ساحر بالألف، والباقون سِحْرٌ بغير ألف.

فمن قرأ ساحر فهو فاعل، ومن قرأ سِحْرٌ فهو نعت الفعل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مَا لا يفعلُ مُوجِبٌ مَقْتَ اللَّهِ تعالى، ولذلك فرَّ كثيرٌ من العلماءِ عَنِ الوَعْظِ والتذكيرِ وآثرُوا السكوتَ، /- قلت-: وهَذا بحسَبِ فِقْهِ الحالِ إنْ وَجَدَ الإنْسانُ مَنْ يكفِيه هذه المئونة في وقتهِ، فَقَدْ يَسَعُه السكوتُ وإلا فَلاَ يسعُه، قال الباجي في «سنن الصالحين» له: قال الأصمعي: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الحكماءِ كَانَ يقول: إني لأَعظكُم وإنّي لَكَثيرُ الذنوبِ، وَلَوْ أن أحَداً لاَ يَعِظُ أخاه حَتَّى يُحْكِمَ أَمْرَ نَفْسِهِ لتُرِكَ الأَمْرُ بالخيرِ، واقْتُصِرَ عَلى الشَّرِّ، ولكنَّ محادثةَ الإخوانِ حياةُ القلوبِ وجَلاَء النُّفُوسِ وتَذْكِيرٌ مِنَ النسيانِ، وقال أبو حازم: إني لأعظ الناسَ وما أنا بموضعٍ للوَعْظِ «١» ، ولكنْ أريدُ به نَفْسِي، وقَالَ الحسنُ لمطرف: عِظْ أصْحَابَكَ، فَقَالَ: إنِّي أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفعل فقالَ: رحمك اللَّه وأيُّنَا يَفْعَلُ ما يقول، وَدَّ الشيطانُ أنه لَو ظَفَرَ منكم بهذهِ فَلَمْ يأمُرْ أحدٌ منكم بمعروف، ولم ينه عن منكر، انتهى.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ...

الآية، قال معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ له الجنة، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً، ثُمَّ مَاتَ أو قتل فإنّ له أجر شهيد» «٢» ،

مختصر رواه أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:

هَذَا حديثٌ صحيحٌ انتهى من «السلاح» ، ثُمَّ ذَكَرَ تعالى مقَالَةَ مُوسَى، وذلك ضربُ مَثَلٍ للمؤمنينَ ليحذَرُوا مَا وَقَعَ فيه هؤلاء من العصيانِ وقولِ الباطل.

وقوله: لِمَ تُؤْذُونَنِي أي: بتعنيتِكم وعصيانِكم واقْتِرَاحَاتِكُم، وأسْنَدَ الزيغَ إليهم لكونهِ فعلَ حطيطَةٍ، وهذا بخلافِ قوله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] فَأَسْنَدَ التَّوْبَةَ إليه سبحانَه لِكَوْنِهَا فعلَ رِفْعَةٍ، و «زاغ» معناه مَالَ وصار عرفها في الميل عن الحق، وأَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ معناه طَبَعَ عليْهَا وكثُرَ مَيْلُها عنِ الحقِّ وهذهِ هي العُقُوبَةُ عَلَى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ.

وقوله: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال عياض في «الشفا» : سَمَّى اللَّه تعالى نبيَّه في كتابه محمداً وأحمدَ فأما اسمه أحمد، ف «أَفْعَلُ» مبالغةً من صفةِ الحَمْدِ، ومُحَمَّد «مُفَعَّل» من كثرةِ الحمدِ، وسمى أمَّته في كتب أنبيائِه بالحمَّادينَ ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصِه سبحانه وبدائع آياته أنه سبحانه حَمَى أن يتسمَّى بهما أَحَدٌ قَبْلَ زمانِه، أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشَّرَتْ به الأنبياء فمنع سبحانه أن يَتَسَمَّى به أحد غيرُه حتى لا يدخلَ بذلكَ لَبْسٌ عَلى ضعيفِ القلبِ وكذلك محمَّد أيضاً لم يَتَسَمَّ به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شَاعَ قبيل وجوده صلّى الله عليه وسلّم وميلادِه أَنَّ نبيًّا يبعثُ اسمهُ محمد فسمَّى قومٌ قليلٌ من العرب أبناءَهم بذلك رجاءَ أَنْ يكونَ أحدُهم هو، وهُم محمد بن أحيحة الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان باليمن، ويقولون: بل محمد بن اليحمد من الأزد، ومحمد بن سوادة منهم لا سابعَ لهم، ولم يَدَّعِ أحد من هؤلاء النبوَّة أو يظهرْ عليْهِ سببٌ يشكِّكُ الناس، انتهى، وروى أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قَالَ: «لاَ تُسَمُّوا أَوْلاَدَكُمْ مُحَمَّداً ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» «١» ، رواه الحاكم/ في «المستدركِ» ، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ...

الآية: يحتمل أن يريد «عيسى» ويحتمل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الصَّفِّ وَيُقالُ لَها سُورَةُ الحَوارِيِّينَ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَكِّيَّةٌ قالَهُ ابْنُ يَسارٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما رَوى أبُو سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قالَ: قَعَدْنا نَفَرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقُلْنا: لَوْ نَعْلَمُ أيُّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟

عَمِلْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.

والثّانِي: «أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَجِيءُ إلى النَّبِيِّ  ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا، وما فَعَلَ، فَنَزَلَتْ ﴿ لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ،» وكَذَلِكَ قالَ الضَّحّاكُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: قاتَلْتُ، ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ، ولَمْ يَطْعَنْ، وصَبَرْتُ، ولَمْ يَصْبِرْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الجِهادُ: لَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى دَلَّنا عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ الجِهادُ، كَرِهَهُ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنْ صُهَيْبًا قَتَلَ رَجُلًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَجاءَ رَجُلٌ فادَّعى أنَّهُ قَتَلَهُ وأخَذَ سَلَبَهُ، فَقالَ صُهَيْبٌ: أنا قَتَلْتُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَ سَلَبَهُ إلى صُهَيْبٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنْ صُهَيْبٍ.

والخامِسُ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ وأصْحابِهِ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ خَرَجْنا مَعَكُمْ، ونَصَرْناكم فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ  نَكَصُوا عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُ تَعالى: ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ مَقْتًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَعْنى: كَبُرَ قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ.

ثُمَّ أعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ ما الَّذِي يُحِبُّهُ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ أيْ: بُنْيانٌ لاصِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَأعْلَمَ أنَّهُ يُحِبُّ مَن يَثْبُتُ في الجِهادِ، ويَلْزَمُ مَكانَهُ كَثُبُوتِ البُنْيانِ المَرْصُوصِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَنى أنْ يَسْتَوِيَ ثَباتُهم في حَرْبِ عَدُّوهِمْ حَتّى يَكُونُوا في اجْتِماعِ الكَلِمَةِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِـ "المَرْصُوصِ" قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهُ المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلا يُرى فِيهِ خَلَلٌ لِإحْكامِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ المَبْنِيُّ بِالرَّصاصِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، وكانَ أبُو بَحْرِيَّةَ يَقُولُ: كانُوا يَكْرَهُونَ القِتالَ عَلى الخَيْلِ، ويَسْتَحِبُّونَ القِتالَ عَلى الأرْضِ لِهَذِهِ الآيَةِ.

اسْمُ أبِي بَحْرِيَّةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ التَّرْغَمِيُّ، يَرْوِي عَنْ مُعاذٍ، وكَأنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الفُرْسانَ لا يَصْطَفُّونَ في الغالِبِ إنَّما يَصْطَفُّ الرَّجّالَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَفِّ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والمَهْدَوِيُّ عن عَطاءٍ ومُجاهِدٌ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ مَعانِيَ السُورَةِ تُعَضِّدُهُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فِيها المَكِّيُّ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهِ قُلُوبَهم واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ، و"العَزِيزُ" في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمُ" في أفْعالِهِ وتَدْبِيرِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً قالُوا: لَوَدِدْنا أنْ نَعْرِفَ أحَبَّ الأعْمالِ إلى رَبِّنا حَتّى نَعْتَنِيَ بِهِ، فَفَرَضَ اللهُ الجِهادَ، وأعْلَمَهم بِفَضْلِهِ لَدَيْهِ، وأنَّهُ يُحِبُّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وكانَ إذْ فَرَضَ قَدْ تَكَرَّهَهُ قَوْمٌ مِنهُمْ، وفَرَّ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنْفُسِهِمْ في الغَزْوِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، ويَقُولُونَ فَعَلْنا وصَنَعْنا، وذَلِكَ كَذِبٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ لِأنَّ جُمْلَةً مِنهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ مِنكم ومَعَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عِتابًا لَهم.

وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ غابِرُ الدَهْرِ، وكُلُّ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ فَهو مَمْقُوتٌ مَذِقُ الكَلامِ، والقَوْلُ الآخِيرُ في المُنافِقِينَ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِأنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُجَلِّحِينَ بِالنِفاقِ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِالمُؤْمِنِينَ، أيْ: في زَعْمِكم وما تُظْهِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِن أمْرِ الجِهادِ والقِتالِ.

و"المَقْتُ": البُغْضُ مِن أجْلِ ذَنْبٍ أو رِيبَةٍ أو دَناءَةٍ يَصْنَعُها المَمْقُوتُ، هَذا حَدُّ المَقْتِ، فَتَأمَّلْهُ، و"مَقْتًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والتَقْدِيرُ كَبُرَ فِعْلُكم مَقْتًا، والمُرادُ: كَبُرَ مَقْتُ فِعْلِكُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ ونَصَبَ المُضافَ عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَفَقَّأ شَحْمُ بَطْنِكَ، ثُمَّ تَقُولُ: تَفَقَّأ بَطْنُكَ شَحْمًا، و"أنْ تَقُولُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، ويُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِ هَذا التَقْدِيرِ- أنْ يَكُونَ فاعِلًا بـ "كَبُرَ"، وقَوْلُ المَرْءِ ما لا يَفْعَلُ يُوجِبُ مَقْتَ اللهِ تَعالى، ولِذَلِكَ فَرَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الوَعْظِ والتَذْكِيرِ وآثَرُوا السُكُوتَ.

ثُمَّ وكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُقاتِلِينَ صَفًّا، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى هي ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وكَرامَتِهِ، وهي هُنا صِفَةُ فِعْلٍ ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرادَةِ لِأنَّ الإرادَةَ لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ما يُخالِفُها، ونَحْنُ نَجِدُ المُقاتِلِينَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ كَثِيرًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قِتالُ الرَجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ لِأنَّ التَراصَّ فِيهِ يَتَمَكَّنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ خَفِيٌّ عَلى قائِلِهِ مَقْصِدُ الآيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ التَصافِّ، وإنَّما المَقْصِدُ الجِدُّ في كُلِّ أوطانِ القِتالِ وأحْوالِهِ، وقَصَدَ بِالذِكْرِ أشَدَّ الأحْوالِ وهي الحالَةُ الَّتِي تُحْوِجُ إلى القِتالِ صَفًّا مُتَراصًّا، ونابَتْ هَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ مَنابَ جَمِيعِ الأحْوالِ، وقَضَتِ الآيَةُ بِأنَّ الَّذِينَ يَبْلُغُ جَدُّهم إلى هَذِهِ الحالِ حَرِيُّونَ ألّا يُقَصِّرُوا عن حالٍ، و"المَرْصُوصُ" المَصْفُوفُ المُتَضامُّ، وقالَ أبُو بَحْرِيَّةَ "إذا رَأيْتُمُونِي ألْتَفِتُ في الصَفِّ فَجِزُّوا فُؤادِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وبِالشامِ بَيْن صَفائِحٍ صُمٍّ تَرَصَّصُ بِالجَنُوبِ وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما: المَرْصُوصُ المَعْقُودُ بِالرَصاصِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلَ اللَفْظَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّهم عَلى عِلْمٍ مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وزاغُوا فَأزاغَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهُمْ، فاحْذَرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ يُصَيِّرَكُمُ العِصْيانُ وقَوْلُ الباطِلِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الخَوارِجُ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى أنَّهم أشْباهُهم في أنَّهم لَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِمَ تُؤْذُونَنِي" تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: تُؤْذُونَنِي بِتَعَنُّتِكم وعِصْيانِكم واقْتِراحاتِكُمْ، وهَذِهِ كانَتْ أفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ.

وانْظُرْ إنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الزَيْغَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ حَطِيطَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ  ﴾ ، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا  ﴾ فَقَدْ أسْنَدَ التَوْبَةَ إلى نَفْسِهِ لِكَوْنِها فِعْلُ رِفْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ  ﴾ ، و"زاغَ" مَعْناهُ: مالَ، وصارَ عُرْفُها في المَيْلِ عن الحَقِّ، و ﴿ أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ وكَثُرَ مَيْلُها عَنِ الحَقِّ، وهَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى الذَنْبِ بِالذَنْبِ، وأمالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: زاغُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مناسبة هذه الفاتحة لما بعدها من السورة بيان أن الكافرين محقوقون بأن تقاتلوهم لأنهم شذوا عن جميع المخلوقات فلم يسبحوا الله ولم يصفوه بصفات الكمال إذ جعلوا له شركاء في الإلهية.

وفيه تعريض بالذين أخلفوا ما وعدوا بأنهم لم يؤدُّوا حق تسبيح الله، لأن الله مستحق لأن يوفّى بعهده في الحياة الدنيا وأن الله ناصر الذين آمنوا على عدوّهم.

وتقدم الكلام على نظير قوله: ﴿ سبح لله ﴾ إلى ﴿ الحكيم ﴾ في أول سورة الحشر وسورة الحديد.

وفي إجراء وصف ﴿ العزيز ﴾ عليه تعالى هنا إيماء إلى أنه الغالب لعدوّه فما كان لكم أن تَرهَبُوا أعداءه فتفرّوا منهم عند اللقاء.

وإجراء صفة ﴿ الحكيم ﴾ إن حملت على معنى المتصف بالحكمة أن الموصوف بالحكمة لا يأمركم بجهاد العدوّ عبثاً ولا يخليهم يغلبونكم.

وإن حملت على معنى المُحكِم للأمور فكذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الصَّفِّ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قالُوا: لَوْ عَمَلُنا أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَسارَعْنا إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الجِهادِ تَثاقَلُوا عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ يَقُولُ الرَّجُالُ مِنهُمْ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ، ولَمْ يَطْعَنْ، وضَرَبْتُ، ولَمْ يَضْرِبْ وصَبَرْتُ، ولَمْ يَصْبِرْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ  ولِأصْحابِهِ إنْ خَرَجْتُمْ وقاتَلْتُمْ خَرَجْنا مَعَكم وقاتَلْنا فَلَمّا خَرَجُوا نَكَصُوا عَنْهم وتَخَلَّفُوا.

وَهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَ ظاهِرُها الإنْكارَ لِمَن قالَ ما لا يَفْعَلُ فالمُرادُ بِها الإنْكارُ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ ما قالَ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِها القِيامُ بِحُقُوقِ الِالتِيامِ دُونَ إسْقاطِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا ﴾ مُصْطَفِّينَ صُفُوفًا كالصَّلاةِ، لِأنَّهم إذا اصْطَفُّوا مَثَلًا صَفَّيْنِ كانَ أثْبَتَ لَهم وأمْنَعَ مِن عَدُوِّهِمْ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَرْصُوصَ المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ لا تَرى فِيهِ كُوَّةً ولا ثُقْبًا لِأنَّ ذَلِكَ أحْكَمُ في البِناءِ مِن تَفَرُّقِهِ وكَذَلِكَ الصُّفُوفُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ وأشْجَرَ مَرْصُوصٍ بِطِينٍ وجَنْدَلِ لَهُ شَرَفاتٌ فَوْقَهُنَّ نَصائِبُ والثّانِي: أنَّ المَرْصُوصَ المَبْنِيَّ بِالرَّصاصِ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ ؎ ما لَقِيَ البِيضُ مِنَ الحُرْقُوصِ ∗∗∗ يَفْتَحُ بابَ المُغْلَقِ المَرْصُوصِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال ناس: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناه، فأخبرهم الله، فقال: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ فكرهوا ذلك فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: والله لو نعلم ما أحب الأعمال إلى الله فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ فدلهم على أحب الأعمال إليه.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن مجاهد في قوله: ﴿ يا أيها لذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ قال: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لهم: لو نعلم أي عمل أحب إلى الله لعملناه حتى نموت، فأنزل الله هذا فيهم، فقال ابن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيداً.

وأخرج مالك في تفسيره عن زيد بن أسلم قال: نزلت هذه الآية في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت، فأنزل الله هذه فيهم، فقال ابن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت شهيداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم على أحب الأعمال إليه فقال: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ فبين لهم فابتلوا يوم أحد بذلك فولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين، فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال: قال المسلمون: لو أمرنا بشيء نفعله، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ قال: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشد الموعظة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرية، فإذا رجعوا كانوا يزيدون في الفعل، ويقولون قاتلنا كذا وفعلنا كذا، فأنزل الله الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: إن القاص ينتظر المقت فقيل له أرأيت قول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ أهو الرجل يقرظ نفسه فيقول: فعلت كذا وكذا من الخير، أم هو الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان فيه تقصير، فقال: كلاهما ممقوت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد الوالبي قال: جلسنا إلى خباب، فسكت، فقلنا: ألا تحدثنا فإنما جلسنا إليك لذلك؟

فقال: أتأمروني أن أقول ما لا أفعل.

قوله تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم بنيان مرصوص ﴾ قال: مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ الآية، قال: ألم تروا إلى صاحب البناء كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره وإن الله وصف المسلمين في قتالهم وصفهم في صلاتهم فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول، وصلوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام، فإن الله يحب في الصلاة ما يحب في القتال ﴿ صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يضحك الله إليهم: القوم إذا اصطفوا للصلاة، والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين، ورجل يقوم إلى الصلاة في جوف الليل» .

قوله تعالى: ﴿ وإذ قال عيسى ابن مريم ﴾ الآية.

أخرج ابن مردويه عن العرياض ابن سارية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك.

أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي قال: ما منعك أن تسجد لي؟

قلت: لا نسجد إلا لله.

قال: وما ذاك؟

قلت: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والدارمي والترمذي والنسائي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لي خمسة أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي» .

وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن جبير بن مطعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا محمد وأنا أحمد والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة» .

وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت ما لم يعط أحد من أنبياء الله قلنا يا رسول الله ما هو؟

قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي تراب الأرض طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم» .

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما جاءهم بالبينات ﴾ قال: محمد وفي قوله: ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ قال: بألسنتهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق أنه كان يقرأ التي في المائدة وفي الصف وفي يونس ﴿ ساحر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ هذا سحر مبين ﴾ بغير ألف، وقرأ ﴿ والله متم نوره ﴾ بتنوين متم وبنصب نوره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين قالوا: وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه حتى نعمله ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا؛ فأنزل الله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ﴾ الآية.

وأنزل قوله: ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ ﴾ الآية.

فكرهوا الموت وأحبوا الحياة، وتولوا يوم أحد، فأنزل الله ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ وهذا قول مقاتل ومجاهد، وعطاء، عن ابن عباس (١) وقال قتادة، والضحاك: كان الرجل يقول: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وفعلت، ولم يفعل، فنزلت هذه الآية (٢) قال الحسن: نزلت في المنافقين.

كانوا يقولون مالا يعتقدون ويعدون المؤمنين النصر فيكذبون (٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 152 ب، و"جامع البيان" 28/ 55، و"الكشف والبيان" 13/ 113 ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 491 - 492.

(٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 290، و"الكشف والبيان" 13/ 114 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 337، و"الدر" 6/ 213.

(٣) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 114 أ، و"زاد المسير" 8/ 250، وهو المروي عن ابن زيد ايضًا.

"معالم التنزيل" 4/ 337.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ زاغوا ﴾ بالإمالة مثل ﴿ زاغ البصر  ﴾ ﴿ بعدي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحماد وأبو بكر غير ابن غالب ﴿ متم نوره ﴾ بالإضافة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الآخرون: بالتنوين ونصب ﴿ نوره ﴾ ﴿ تنجيكم ﴾ بالتشديد: ابن عامر ﴿ أنصاراً ﴾ بالتنوين ﴿ لله ﴾ جاراً ومجروراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والباقون: بالإضافة ﴿ أنصاري إلى الله ﴾ بالفتح كما مر في " آل عمران ".

الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ج ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ مرصوص ﴾ ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أحمد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الإسلام ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ز ﴿ وأنفسكم ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ تؤمنون ﴾ على أنه خبر في معنى الأمر ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج للعطف ﴿ تحبونها ﴾ ط لحق الحذف أي هي نصر ﴿ قريب ﴾ ه لانقطاع النظم واختلاف المعنى ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ وكفرت طائفة ﴾ ه لاتفاق الجملتين مع تخصيص الثانية ببيان حال أحد الفريقين ﴿ ظاهرين ﴾ ه.

التفسير: يروى أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم الله على الجهاد فولوا يوم أحد فعيرهم.

وروي أن الله  حين أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالاً إلى الله لنفرغن فيه وسعنا ففرّوا يوم أحد ولم يفوا.

وقيل؛ كان الرجل يقول: قلت ولم يقل وطعنت ولم يطعن فأنزل الله  ﴿ لم تقولون ﴾ واللام الجاره إذا دخلت على " ما " الاستفهامية أسقطت الألف لكثرة الاستعمال.

وقد عرفت مراراً أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم، وهذا التفسير يتناول إخلاف كل وعد.

وقال الحسن: نزلت في الذين آمنوا بلسانهم لا بقلوبهم.

ثم عظم أمر الإخلاف في قلوب المنافقين فقال ﴿ كبر ﴾ الآية.

وفيه أصناف مبالغة من جهة صيغة التعجب والتعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، ومن جهة إسناد الفعل إلى ﴿ أن تقولوا ﴾ ونصب ﴿ مقتاً ﴾ على التمييز ومن قبل أن المقت أشدّ من البغض أو من وصفه بأنه ﴿ عند الله ﴾ لأن الممقوت عنده ممقوت عند كل ذي لب.

ثم حث على الجهاد بنوع آخر وذلك أنه نسب أوّلاً ترك الجهاد بعد تمنيه إلى المقت ثم نسب الجهاد إلى الحب.

وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على المصدر بمعنى الحال.

وقوله ﴿ كأنهم ﴾ مع الأول حالان متداخلان أي صافين أنفسهم أو مصفوفين كأنهم في تراميهم من غير فرجة ولا خلل ﴿ بنيان ﴾ رص بعضه على بعض أي رص صف.

وجوزوا أن يراد صف معنوي وهو اتفاق كلمتهم واستواء نياتهم في الثبات.

وعلى الأول استدل بعضهم به على تفضيل القتال راجلاً بناء على أن الفرسان لا يصطفون من غير فرجة، ثم ذكرهم قصة موسى  مع قومه كيلا يفعلوا بنبيهم مثل ما فعل به بنو إسرائيل.

تفسير الإيذاء مذكور في آخر " الأحزاب " وسائر أصناف إيذائهم إياه من عبادة العجل وطلب الرؤية والالتماسات المنكرة مشهورة ﴿ وقد تعلمون ﴾ في موضع الحال.

وفائدة " قد " تأكيد العلم لا تقليله وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم إذا عكسوا القضية وصنعوا مكان تعظيم رسول الله  إيذاءه.

والزيغ الميل عن الحق والإزاغة الإمالة فكأنهم تسببوا لمزيد الانحراف عن الجادة، فالطاعة تجر الطاعة والمعصية تجر المعصية.

قال بعض العلماء: إنما قال عيسى ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ ولم يقل يا قوم كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم.

قلت: ممنوع لقوله  في " الأنعام " ﴿ ومن ذريته داود  ﴾ إلى قوله ﴿ وعيسى  ﴾ قال النحويون: قوله ﴿ مصدّقاً ﴾ و ﴿ مبشراً ﴾ حالان والعامل فيهما معنى الإرسال في الرسول فلا يجوز أن يكون ﴿ إليكم ﴾ عاملاً لأنه ظرف لغو.عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟

قال: نعم أمة محمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل.

قوله ﴿ وهو يدعى إلى الإسلام ﴾ نظير ما مر من قوله ﴿ وقد تعلمون إني رسول الله ﴾ ففي كل منهما تعكيس القضية إذ جعل مكان إجابة النبي إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين افتراء الكذب على الله وهو قولهم للمعجزات هي سحر،لأن السحر كذب وتمويه ولهذا عرف الكذب بخلاف آخر " العنكبوت ".

ثم ذكر غرضهم من الافتراء بقوله ﴿ يريدون ليطفؤا ﴾ ولهذا خص هذه السورة باللام كأنه قال: يريدون الافتراء لأجل هذه الإرادة كما زيدت اللام في " لا أبالك " لتأكيد معنى الإضافة.

وباقي الآيتين سبق تفسيره في " براءة ".

وإنما قال ههنا ﴿ والله متم نوره ﴾ لمكان الفصل بالعلة كأنه قال: يريدون الافتراء لغرض إطفاء نور الله والحال أن الله متم نوره، وأما هنالك فإنه عطف قوله ﴿ ويأبى ﴾ على قوله ﴿ يريدون ﴾ .

ثم دل أهل الإيمان على التجارة الرابحة وهي مجاز عن وجدان الثواب على العمل كما قال ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ قال أهل المعاني: فائدة إيقاع الخبر موقع الأمر هي التنبيه على وجوب الأمر وتأكيده كأنه أمتثل فهو يخبره به كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان؟

وعن الفراء أن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ هل أدلكم ﴾ بتأويل أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ﴿ ذلكم ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿ خير لكم ﴾ من أموالكم وأنفسكم وهو اعتراض.

وقوله ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ اعتراض زائد على اعتراض ومعناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيراً.

ثم قال ﴿ و ﴾ لكم مع هذه النعم الآجلة نعمة ﴿ أخرى ﴾ عاجلة ﴿ تحبونها ﴾ وهي فتح مكة كما قال ﴿ وأثابكم فتحاً قريباً  ﴾ وعن الحسن: هو فتح فارس والروم.

قال في الكشاف: في قوله ﴿ تحبونها ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجلة.

وعندي أنه  رتب أمرين على أمرين: المغفرة وإدخال الجنة على الإيمان، والنصر والفتح على الجهاد، ومحبة النصر من الله والفتح القريب لا تقتضي التوبيخ وإنما ذلك مطلوب كل ذي لب ودين.

وقال في قوله ﴿ وبشر ﴾ إنه معطوف على ﴿ تؤمنون ﴾ لأنه بمعنى الأمر.

والأظهر عند علماء المعاني أنه معطوف على " قل " مقدراً قل يا أيها الذين آمنوا يؤيد تقدير قل.

قوله ﴿ هل أدلكم ﴾ فإن نسبة هذا الاستفهام إلى رسوله أولى من نسبته إلى الله  على ما لا يخفى.

قوله ﴿ كونوا أنصار الله ﴾ أي أعوان دينه ﴿ كما قال عيسى ابن مريم للحوارين ﴾ أي أصفيائه وقد مر ذكرهم في " آل عمران " ﴿ من أنصاري ﴾ متوجهاً ﴿ إلى ﴾ نصرة دين ﴿ الله ﴾ قال أهل البيان: فيه تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى وإنه لا يصح على الظاهر لأن الكون يشبه بالكون لا القول، فوجهه أن يحمل التشبيه على المعنى وبيانه أن كون الحواريين أنصار الله يعرف من سياق الآية بعدها وهو قول الحواريين ﴿ نحن أنصار الله ﴾ وارد بطريق الاستئناف كأن سائلاً سأل: فماذا قال الحواريون حينئذ؟

فأجيب بما أجيب.

وقولهم لا يخالف كونهم فيعود معنى الآية إلى قول القائل: كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصار عيسى وقت قوله ﴿ من أنصاري ﴾ على أن " ما " مصدرية والمصدر يستعمل مقام الظرف اتساعاً كقولك " جئتك قدوم الحاج " و " خفوق النجم " أي وقت القدوم والخفوق والسر في العدول عن العبارة الواضحة إلة العبارة الموجودة هو أن سوق الكلام بطريق الكناية حيث جعل المشبه به لازم ما هو المشبه به أبلغ من التصريح، وأن بناء الكلام على السؤال والجواب أوكد، وأن المجاز وهو استفادة كونهم من قولهم أبلغ من الحقيقة، ولعل في الآية أسراراً آخر لم نطلع عليها.

ومعنى ﴿ ظاهرين ﴾ غالبين.

عن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال هاهنا: ﴿ سَبَّحَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ يُسَبِّحُ  ﴾ ؛ ليعلم أنه تسبيح غير منقطع، وأنه يسبح من حين كان، ويسبح إلى أن يكون.

وفيه تسفيه أولئك الكفرة المتمردة؛ وذلك أن التسبيح والثناء في الشاهد إنما يرجعان إلى المسبح والمثني؛ لأنه لا يثني إلا على من يستحق الثناء، ولا يسبح إلا من يستحقه، فإنما تسبيح المسبح وثناؤه خضوع له وتقرب إليه، وذلك يزيده شرفا ونبلا، فكأن الله - عز وجل -: أخحبر أنه قد خضع لله  ، واستسلم له، وأتى بما فيه شرف له وزين وتقرب إلى ربه - كلُّ شيء إلا الكفرة؛ فإنهم تركوا التسبيح لله  مع ما فيه من نبلهم وشرفهم وزينهم، والله الموفق.

ويجوز أن يكون ذكر سفههم أيضاً من وجه آخر، وهو أنه لو كان لله  بتسبيح شيء من الخلائق حاج، لكان في تسبيح من ذكر كفاية وغناء تسبيح الكفرة، ولكنهم تركوا التسبيح، والله  غني عنهم وعن تسبيحهم؛ فما تركوه إلا لسفههم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .

يدل على أنه عزيز في ذاته، وأن ترك التسبيح من الكفرة إياه لا يذله، بل هو عزيز منيع.

وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : يعني: حكيم؛ حيث جعل في الأشياء المتضادة علم ألوهيته، وآية وحدانيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هذه الآية في أهل النفاق في القتال؛ لأنهم تمنوا القتال، فلما أمرهم الله  به قالوا: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ  ﴾ فأنزل الله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ ، أي لم تعدون ما لا تفون به؟

ومنهم من قال: إنها في بعض المؤمنين في القتال أيضاً، وإنها على التقديم والتأخير.

ووجه ذلك: أنهم أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم...

﴾ الآية [الصف: 10].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً ﴾ .

فلما يفوا بما وعدوا؛ فأ،زل الله  ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ .

ويجوز أن تكون هذه الآية في كل مؤمن؛ لأنه قد اعتقد كل من آمن بإيمانه الوفاء بما وعده من الطاعة لله  والاستسلام له والخضوع، فإذا لم يف بما وعد، خيف عليه في كل زلة أن يدخل في هذه الآية، وليس أحد من المؤمنين قد وفى بما وعد كله، والواجب عليه أن يتوب من ذلك توبة بليغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

المقت: البغض، ومن استوجب مقت الله، لزمه العقاب [عنه] لا محالة، ولكنه يحتمل أن يكون هذا فيمن اعتقد ترك الوفاء بما وعد و استحلال ما نهاه الله  [عنه]؛ فيستوجب مقت الله  ونقمته لا محالة.

وإن كان فيمن تثبت على اعتقاده، وزل في أفعاله، فالواجب أن يقسم الذنوب؛ فيلزمه الخوف على مراتبها ودرجاتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ .

ليس فيه أن الله  لا يحب المبارز؛ لأن الجهاد والقتال على المبارز أشد، وذلك أنه إذا كان في الصف أعانه على القتال غيره؛ فكان أمنه على نفسه في الصف أكثر، وأما المبارز فإنه وحده ليس له معين؛ فإن ظفر على صاحبه وإلا هلك، والخوف عليه في ذلك أشد؛ فيجب أن تكون المحنة فيه أكثر.

ولكنه يجوز أن يكون الله  علمهم بهذه الآية كيفية القتال؛ ليستعين بعضهم ببعض، وليكون كلمتهم واحدة؛ لأنهم إذا تفرقوا اختلفت آراؤهم، فيخشى عليهم الهزيمة والإدبار، وإذا كانت آراؤهم متفقة، وكلمتهم واحدة، وشوكتهم واحدة، فذلك قوة في القتال وزيادة نصرة، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ ، قال بعضهم: ضرب هذا المثل للثبات، يعني: إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الذي يكون ثابتا مستقرّاً لا ينتقض بأدنى شيء.

ومنهم من [قال]: ضرب هذا المثل؛ لأن يكون كلمتهم واحدة، ويعين بعضهم بعضاً.

ويشبه أن يكون للأمرين جميعاً؛ لأنهم إذا ثبتوا أعان بعضهم بعضاً، وكانت كلمتهم واحدة، وإذا كانت كلمتهم واحدة، كان ذلك أدعى إلى الثبات وأقرب إليه؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يكون للأمرين جميعاً، والله أعلم.

ثم المحبة تحتمل وجهين: أحدهما: عن الخلق.

والثاني: الثناء عليهم بما يفعلون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

نَزَّهَ الله سبحانه وتعالى وقَدَّسه عن كل ما لا يليق به، ما في السماوات وما في الأرض، وهو العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وقدره وشرعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.6J520"

مزيد من التفاسير لسورة الصف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده