الآية ١٣ من سورة الصف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 61 الصف > الآية ١٣ من سورة الصف

وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌۭ قَرِيبٌۭ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 51 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة الصف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة الصف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( وأخرى تحبونها ) أي : وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها ، وهي : ( نصر من الله وفتح قريب ) أي : إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه ، تكفل الله بنصركم .

قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) [ محمد : 7 ] وقال تعالى : ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) [ الحج : 40 ] وقوله ( وفتح قريب ) أي : عاجل فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة ، لمن أطاع الله ورسوله ، ونصر الله ودينه ; ولهذا قال : ( وبشر المؤمنين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل العربية فيما نعتت به قوله: ( وَأُخْرَى ) فقال بعض نحوييّ البصرة: معنى ذلك: وتجارة أخرى، فعلى هذا القول يجب أن يكون أخرى في موضع خفض عطفًا به على قوله: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وقد يحتمل أن يكون رفعًا على الابتداء.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هي في موضع رفع.

أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة، ثم قال: ( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ ) مفسرًا للأخرى.

والصواب من القول في ذلك عندي القول الثاني، وهو أنه معنّي به: ولكم أخرى تحبونها، لأن قوله: ( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ) مبين عن أن قوله: ( وَأُخْرَى ) في موضع رفع، ولو كان جاء ذلك خفضًا حسن أن يجعل قوله: ( وَأُخْرَى ) عطفا على قوله: تِجَارَةٍ ، فيكون تأويل الكلام حينئذ لو قرئ ذلك خفضًا، وعلى خلة أخرى تحبونها، فمعنى الكلام إذا كان الأمر كما وصفت: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله، يغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ولكم خلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها: نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح قريب يعجله لكم.

( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إياهم على عدّوهم، وفتح عاجل لهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الخامسة : قوله تعالى : وأخرى تحبونها قال الفراء والأخفش : " أخرى " معطوفة على " تجارة " فهي في محل خفض .

وقيل : محلها رفع ؛ أي ولكم خصلة أخرى وتجارة أخرى تحبونها .نصر من الله أي هو نصر من الله ; ف " نصر " على هذا تفسير وأخرى .

وقيل : رفع على البدل من أخرى أي ولكم نصر من الله ." وفتح قريب " أي غنيمة في عاجل الدنيا ; وقيل فتح مكة .

وقال ابن عباس : يريد فتح فارس والروم .( وبشر المؤمنين ) برضا الله عنهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما الثواب الدنيوي لهذه التجارة، فذكره بقوله: { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا } أي: ويحصل لكم خصلة أخرى تحبونها وهي: { نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ } [لكم] على الأعداء، يحصل به العز والفرح، { وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع، فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين، وأما المؤمنون من غير أهل الجهاد، [إذا قام غيرهم بالجهاد] فلم يؤيسهم الله تعالى من فضله وإحسانه، بل قال: { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } أي: بالثواب العاجل والآجل، كل على حسب إيمانه، وإن كانوا لا يبلغون مبلغ المجاهدين في سبيل الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله \"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأخرى تحبونها ) .

أي : ولكم خصلة أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة تحبونها وتلك الخصلة : ( نصر من الله وفتح قريب ) .

قال الكلبي : هو النصر على قريش وفتح مكة .

وقال عطاء : يريد فتح فارس والروم .

( وبشر المؤمنين ) .

يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» يؤتكم «أُخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين» بالنصر والفتح.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن فعلتم -أيها المؤمنون- ما أمركم الله به يستر عليكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، ومساكن طاهرة زكية في جنات إقامة دائمة لا تنقطع، ذلك هو الفوز الذي لا فوز بعده.

ونعمة أخرى لكم- أيها المؤمنون- تحبونها هي نصر من الله يأتيكم، وفتح عاجل يتم على أيديكم.

وبشِّر المؤمنين -أيها النبي- بالنصر والفتح في الدنيا، والجنة في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وأخرى تُحِبُّونَهَا ) بيان لنعمة أخرى يعطيهم - سبحانه - إياها ، سوى ما تقدم من نعم عظمى .ولفظ " أخرى " مبتدأ خبره دل عليه ما تقدم ، وقوله : ( تُحِبُّونَهَا ) صفة للمبتدأ .أى : ولكم - فضلا عن كل ما تقدم - نعمة أخرى تحبونها وتتطلعون إليها .وهذه النعمة هى : ( نَصْرٌ ) عظيم كائن ( مِّن الله ) - تعالى - لكم ( وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ) أى : عاجل ( وَبَشِّرِ المؤمنين ) أى : وبشر - أيها الرسول الكريم - المؤمنين بذلك ، حتى يزدادوا إيمانا على إيمانهم ، وحتى تزداد قلوبهم انشراحا وسرورا .ويدخل فى هذا النصر والفتح القريب دخولا أوليا : فتح مكة ، ودخول الناس فى دين الله أفواجا .وهذه الآية الكريمة من معجزات القرآن الكريم ، الراجعة إلى الإخبار بالغيب ، حيث أخبر - سبحانه - بالنصر والفتح ، فتم ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه ، فى أكمل صورة ، وأقرب زمن .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ غَفَرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ جواب قوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِي سَبِيلِ الله  ﴾ لما أنه في معنى الأمر، كما مر فكأنه قال: آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم، وقيل جوابه: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ  ﴾ وجزم: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ لما أنه ترجمة: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ومحله جزم، كقوله تعالى: ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن  ﴾ لأن محل ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ جزم على قوله: ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنِي ﴾ وقيل: جزم ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ بهل، لأنه في معنى الأمر، وقوله تعالى: ﴿ وَيُدْخِلْكُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ إلى آخر الآية، من جملة ما قدم بيانه في التوراة، ولا يبعد أن يقال: إن الله تعالى رغبهم في هذه الآية إلى مفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد، وهو قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ يعني ذلك الجزاء الدائم هو الفوز العظيم، وقد مر، وقوله تعالى: ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا ﴾ أي تجارة أخرى في العاجل مع ثواب الآجل، قال الفراء: وخصلة أخرى تحبونها في الدنيا مع ثواب الآخرة، وقوله تعالى: ﴿ نَصْرٌ مّن الله ﴾ هو مفسر للأخرى، لأنه يحسن أن يكون: ﴿ نَصْرٌ مّن الله ﴾ مفسراً للتجارة إذ النصر لا يكون تجارة لنا بل هو ريح للتجارة، وقوله تعالى: ﴿ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ أي عاجل وهو فتح مكة، وقال الحسن: هو فتح فارس والروم، وفي ﴿ تُحِبُّونَهَا ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجل، ثم في الآية مباحث: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَبَشّرِ المؤمنين ﴾ عطف على ﴿ تؤمنون  ﴾ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك.

ويقال أيضاً: بم نصب من قرأ: ﴿ نَصْراً مِنَ الله وفتحاً قَرِيبًا ﴾ ، فيقال: على الاختصاص، أو على تنصرون نصراً، ويفتح لكم فتحاً، أو على يغفر لكم، ويدخلكم ويؤتكم خيراً، ويرى نصراً وفتحاً، هكذا ذكر في الكشاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تُنجِيكُم ﴾ قرئ مخففاً ومثقلاً.

و ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ استئناف، كأنهم قالوا: كيف: نعمل؟

فقال: تؤمنون، وهو خبر في معنى الأمر؛ ولهذا أجيب بقوله: ﴿ يغفر لكم ﴾ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا.

فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟

قلت: للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين.

ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوّة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.

فإن قلت: هل لقول الفراء أنه جواب ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ ﴾ وجه؟

قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد؛ فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟

فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن علي رضي الله عنهما: (تؤمنوا...

وتجاهدوا)؟

قلت: وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر، كقوله: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ** إذَا مَا خفت مِنْ أَمْرٍ تَبَالاَ وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ وهذا دليل على أن ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ كلام مستأنف، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلع منها إليه: أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ من أموالكم وأنفسكم.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ؟

قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم حينئذٍ؛ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا ﴾ ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله: ﴿ نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ أي عاجل وهو فتح مكة.

وقال الحسن: فتح فارس والروم.

وفي ﴿ تُحِبُّونَهَا ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجل.

فإن قلت: علام عطف قوله ﴿ وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ ؟

قلت: على ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك.

فإن قلت: لم نصب من قرأ نصراً من الله وفتحاً قريباً؟

قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص.

أو على تنصرون نصراً، ويفتح لكم فتحاً.

أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصراً من الله وفتحاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الخَيْرِ، أوْ لِشَرْطٍ أوِ اسْتِفْهامٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ تَقْدِيرُهُ أنْ تُؤْمِنُوا وتُجاهِدُوا، أوْ هَلْ تَقْبَلُونَ أنْ أدُلَّكم يَغْفِرْ لَكُمْ، ويَبْعُدُ جَعْلُهُ جَوابًا لِهَلْ أدُلُّكم لِأنَّ مُجَرَّدَ دَلالَتِهِ لا تُوجِبِ المَغْفِرَةَ ﴿ وَيُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ الإشارَةُ إلى ما ذَكَرَ مِنَ المَغْفِرَةِ وإدْخالِ الجَنَّةِ.

﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها ﴾ ولَكم إلى هَذِهِ النِّعْمَةِ المَذْكُورَةِ نِعْمَةٌ أُخْرى عاجِلَةٌ مَحْبُوبَةٌ، وفي تُحِبُّونَها تَعْرِيضٌ بِأنَّهم يُؤْثِرُونَ العاجِلَ عَلى الآجِلِ، وقِيلَ: أُخْرى مَنصُوبَةٌ بِإضْمارِ يُعْطِيكُمْ، أوْ تُحِبُّونَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ وعَلى قَوْلِ النَّصْبِ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، وقَدْ قُرِئَ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ، أوِ الِاخْتِصاصِ أوِ المَصْدَرِ.

﴿ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ عاجِلٌ.

﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مِثْلَ: قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا وبَشِّرْ، أوْ عَلى تُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ كَأنَّهُ قالَ: آمِنُوا وجاهِدُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ وبَشِّرْهم يا رَسُولَ اللَّهِ بِما وعَدْتَهم عَلَيْهِما آجِلًا وعاجِلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وأخرى تُحِبُّونَهَا} ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم ثم فسرها بقوله {نَصْرٌ مِّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} أي عاجل وهو فتح مكة والنصر على قريش أو فتح فارس والروم وفي تُحِبُّونَهَا شيء من التوبيخ على محبة العاجل وقال صاحب الكشف معناه هل أدلكم على تجارة تنجيكم وعلى تجارة أخرى تحبونها ثم قال نصر أي هي نصر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأُخْرى ﴾ أيْ ولَكم إلى ما ذُكِرَ مِنَ النِّعَمِ نِعْمَةٌ أُخْرى، فَأُخْرى مُبْتَدَأٌ، وهي في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ قالَهُ الفَرّاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُحِبُّونَها ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ أيْ عاجِلٌ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ قِيلَ: حالِيَّةٌ وفي الكَشْفِ إنَّها عَطْفٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ أعْنِي يُغْفَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما تَقُولُ: جاهِدُوا تُؤْجَرُوا ولَكُمُ الغَنِيمَةُ وفي ﴿ تُحِبُّونَها ﴾ تَعْبِيرٌ لَهم وكَذَلِكَ في إيثارِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ وعَطْفِها عَلَيْها كَأنَّ هَذِهِ عِنْدَهم أثْبَتُ وأمْكَنُ ونُفُوسُهم إلى نَيْلِها والفَوْزِ أسْكَنُ.

وقِيلَ: ”أُخْرى“ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ”نَصْرٌ“ وقالَ قَوْمٌ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ ويُعْطِكم أُخْرى، وجُعِلَ ذَلِكَ مِن بابِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ومِنهم مَن قَدَّرَ تُحِبُّونَ أُخْرى عَلى أنَّهُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ”ونَصْرٌ“ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ أوْ هو ”نَصْرٌ“، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ نَصْرٌ وفَتْحٌ قَرِيبٌ عِنْدَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هي في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالعَطْفِ عَلى ”تِجارَةٍ“ وهو كَما تَرى.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ نَصْرًا وفَتْحًا قَرِيبًا بِالنَّصْبِ بِأعْنِي مُقَدَّرًا، أوْ عَلى المَصْدَرِ أيْ تُنْصَرُونَ نَصْرًا ويُفْتَحُ لَكم فَتْحًا، أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ”أُخْرى“ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِها ”وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ“ عَطْفٌ عَلى قُلْ مُقَدَّرًا قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، وقِيلَ: عَلى أبْشِرْ مُقَدَّرًا أيْضًا، والتَّقْدِيرُ فَأبْشِرْ يا مُحَمَّدُ وبَشِّرْ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَطْفٌ عَلى ”تُؤْمِنُونَ“ لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا وجاهِدُوا يُثِبْكُمُ اللَّهُ تَعالى ويَنْصُرْكم وبَشِّرْ يا رَسُولَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وتَعَقَّبَهُ في الإيضاحِ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا لِأنَّ المُخاطَبِينَ في ”تُؤْمِنُونَ“ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وفي بَشِّرْ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ”تُؤْمِنُونَ“ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَطْفُ ”بَشِّرِ المُؤْمِنِينَ“ عَلَيْهِ ؟

وأُجِيبَ بِما خُلاصَتُهُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمَّتِهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ، وإذْ فُسِّرَ بِآمِنُوا وبَشِّرْ دَلَّ عَلى تِجارَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرّابِحَةِ وتِجارَتِهِمُ الصّالِحَةِ، وقَدَّمَ ”آمَنُوا“ لِأنَّهُ فاتِحَةُ الكُلِّ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ فَلا مانِعَ مِنَ العَطْفِ عَلى جَوابِ السّائِلِ بِما لا يَكُونُ جَوابًا إذا ناسَبَهُ فَيَكُونُ جَوابًا لِلسُّؤالِ وزِيادَةً كَيْفَ وهو داخِلٌ فِيهِ ؟

كَأنَّهم قالُوا: دُلَّنا يا رَبَّنا فَقِيلَ: آمِنُوا يَكُنْ لَكم كَذا وبَشِّرْهم يا مُحَمَّدُ بِثُبُوتِهِ لَهم، وفِيهِ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ وتَنْوِيعِ الخِطابِ ما لا يَخْفى نُبْلُ مَوْقِعِهِ، واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ هَذا الوَجْهَ مِن وجْهِ العَطْفِ عَلى قُلْ ووُجِّهَ العَطْفُ عَلى فَأبْشِرْ لِخُلُوِّهِما عَنِ الفَوائِدِ المَذْكُورَةِ يَعْنِي ما تَضَمَّنَهُ الجَوابُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ يعني: من أشد في كفره مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ يعني: اختلق على الله الْكَذِبَ وهم اليهود.

وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ يعني: إلى دين محمد  وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم.

ويقال: لا يرحمهم ما داموا على كفرهم.

ثم قال عز وجل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ يعني: ليبطلوا دين الله بقولهم: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ يعني: مظهر توحيده وكتابه، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ يعني: وإن كره اليهود والنصارى.

قرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ على معنى الإضافة، والباقون مُتِمُّ بالتنوين نُورِهِ بالنصب.

فمتم فاعل ونصب نوره، لأنه مفعول به.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى يعني: بالتوحيد وَدِينِ الْحَقِّ يعني: الشهادة لا إله إلا الله.

لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: على الأديان كلها.

قال مقاتل: وقد فعل، ويقال: إنه يكون في آخر الزمان، لا يبقى أحد إلا مسلم أو ذمة للمسلم.

وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ يعني: وإن كرهوا ذلك.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، يعني: من عذاب دائم.

قرأ ابن عامر تُنْجِيكُمْ بالتشديد، والباقون بالتخفيف، وهما لغتان.

أنجاه ونجاه بمعنى واحد.

ثم بيَّن لهم تلك التجارة، فقال عز وجل: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: تصدقون بتوحيد الله وَرَسُولِهِ يعني: وتصدقون برسوله، وبما جاء به من عنده.

وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، فقدم ذكر المال، لأن الإنسان ربما يضر بماله ما لا يضر بنفسه، ولأنه إذا كان له مال، فإنه يؤخذ به النفس ليغزو.

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: التصديق والجهاد خير لكم من تركهما.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: تعلمون ثواب الله تعالى، ويقال: يعلمون يعني: يصدقون.

ثم بين ثواب ذلك العمل.

فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ يعني: إن فعلتم ذلك العمل، يغفر لكم ذنوبكم.

وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً يعني: يدخلكم منازل الجنة فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: النجاة الوافرة.

ثم قال عز وجل: وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: تجارة أخرى تحبونها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: ولكم سوى الجنة أيضاً عدة أخرى في الدنيا تحبونها، ويقال: معناه ونجاة أخرى تحبونها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: هي النصرة من الله تعالى على عدوكم، وَفَتْحٌ قَرِيبٌ يعني: ظفراً سريعاً عاجلاً في الدنيا والجنة في الآخرة.

ثم قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: بشرهم بالجنة.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ، قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو أنصارا لله بالتنوين، والباقون أَنْصارَ اللَّهِ بالإضافة، ومعناهما واحد يعني: كونوا أعوان الله بالسيف على أعدائه، ومعناه: انصروا الله، وانصروا دين الله، وانصروا محمدا  ، كما نصر الحواريون عيسى ابن مريم.

وهو قوله تعالى: كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ يعني: من أعواني إلى الله، ويقال: إنما سموا الحواريون لبياض ثيابهم، ويقال: كانوا قصارين، ويقال: خلصاؤه وصفوته.

كما قال النبيّ  : «الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي وَحَوارِيَّ مِنْ أُمَّتِي» .

وتأويل الحواريين في اللغة، الذين أخلصوا وتبرؤوا من كل عيب وكذلك الدقيق الحواري، لأنه ينتقى من لباب البرّ.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين.

وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: تلا قتادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ قال: وقد كان ذلك بحمد الله جاءه السبعون، فبايعوه عند العقبة فنصروه وآووه، حتى أظهر الله دينه.

قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ يعني: نحن أعوانك مع الله، فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: بعيسى-  - ويقال: فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد  ، وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ يعني: جماعة منهم.

فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ يعني: قوينا الذين آمنوا على عدوهم من الكفار، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ، فصاروا غالبين بالنصرة، والحجة والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أن يريد محمّدا صلّى الله عليه وسلّم لأنه تقدّم ذكره، ت: والأول أظهر.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ ...

الآية: نَدْبٌ وَحَضٌّ على الجِهادِ بهذهِ التجارةِ التي بَيَّنَهَا سبحانه، وهي أن يبذلَ المرءُ نفسَه ومالَه، ويأخذ ثمناً جنةَ الخلدِ، وقرأ ابن عامر «١» وحده: «تُنَجِّيكُمْ» - بفتحِ النونَ وَشَدِّ الجيم-.

وقوله: تُؤْمِنُونَ معناه: الأمر، أي: آمنوا، قال الأخفش: ولذلكَ جاء «يَغْفِرْ» مجزُوماً، وفي مصحفِ ابن مسعودٍ: «آمِنُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهِدُوا» .

وقوله: ذلِكُمْ إشارة إلى الجهاد والإيمان، وخَيْرٌ هنا يحتملُ أَن يكونَ للتفضِيل، فالمَعْنَى: من كل عمل، ويحتملُ أن يكون إخباراً أنَّ هذا خيرٌ في ذاتهِ، ومَساكِنَ عَطْفٌ عَلَى جَنَّاتٍ وَطِيبُ المسَاكِنِ، سِعَتُها وجمالُها، وقيل: طِيبُها المعرفة بدوام أمرها.

وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)

وقوله سبحانه: وَأُخْرى تُحِبُّونَها ...

الآية، قال الأخفش، وَأُخْرى هي في موضع خَفْضٍ عطفاً على تِجارَةٍ، وهَذَا قَلِقٌ، وقد ردَّه الناس، لأنَّ هذه الأُخْرَى ليستْ مِمَّا دَلَّ عليه سبحانه إنما هي مما أُعْطِيَ ثمناً وجزاءً على الإيمانِ والجهادِ بالنفس والمَالِ، وقَالَ الفَرَّاء: وَأُخْرى في موضِع رفعٍ، وقيل: في موضع نصبٍ بإضمار فعل تقديرُه:

ويدخلكم جناتٍ ويمنحْكُم أُخْرَى وهي النصرُ والفتحُ القريب، وقصةُ عِيسَى مع بني إسرائيل قد تقدَّمت.

وقوله تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ قِيلَ ذلك قبل محمد- عليه السلام-/ وَبَعْدَ فترةٍ منْ رفعِ عِيسَى رَدَّ اللَّهُ الكَرَّةَ لمنْ آمن بهِ فَغَلبُوا الكَافرينَ الذين قَتَلُوا صَاحِبَه الذي ألقيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ، وقيل: المعنى فأصبحوا ظاهرين بالحجةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ قالُوا: لَوْ عَلِمْنا أيُّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْنا بِهِ أبَدًا فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ التِّجارَةِ لِمَكانِ رِبْحِهِمْ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُنْجِيكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تُنَجِّيكم ) بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.

ثُمَّ بَيَّنَ التِّجارَةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ، جَوابُ قَوْلِهِ: «تُؤْمِنُونَ» "وَتُجاهِدُونَ" لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى الأمْرِ.

والمَعْنى: آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا، يَغْفِرْ لَكُمْ، أيْ: إنْ فَعُلْتُمْ ذَلِكَ، يَغْفِرْ لَكم.

وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، فَقالَ: هَذا جَوابُ "هَلْ" وهَذا غَلَطٌ بَيِّنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ إذا دَلَّهم عَلى ما يَنْفَعُهم غُفِرَ لَهُمْ، إنَّما يُغْفَرُ لَهم إذا عَمِلُوا بِذَلِكَ.

ومَن قَرَأ ( يَغْفِرْ لَّهم ) بِإدْغامِ الرّاءِ في اللّامِ، فَغَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، لِأنَّهُ لا تُدْغَمُ الرّاءُ في اللّامِ في قَوْلِهِمْ.

وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وهو إمامٌ عَظِيمٌ، ولا أحْسَبُهُ قَرَأها إلّا وقَدْ سَمِعَها مِنَ العَرَبِ.

وقَدْ زَعَمَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ، ما خَلا أبا عَمْرٍو، أنَّ اللّامَ تُدْغَمُ في الرّاءِ، وأنَّ الرّاءَ لا تُدْغَمُ في اللّامِ وحُجَّتُهم أنَّ الرّاءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ قَوِيٌّ، فَإذا أُدْغِمَتْ في اللّامِ ذَهَبَ التَّكْرِيرُ مِنها.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: ولَكم في العاجِلِ مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ أُخْرى تُحِبُّونَها، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ تَعالى: ﴿ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَتْحُ فارِسَ والرُّومِ، قالَهُ عَطاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، والجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

ثُمَّ حَضَّهم عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو ( كُونُوا أنْصارًا لِلَّهِ ) مُنَوَّنَةً.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ( أنْصارَ اللَّهِ ) ومَعْنى الآيَةِ: دُومُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وانْصُرُوا دِينَ اللَّهِ، مِثْلَ نُصْرَةِ الحَوارِيِّينَ لَمّا قالَ لَهم عِيسى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ وحَرَّكَ نافِعٌ ياءَ ( مَن أنْصارِيَ إلى اللَّهِ ) وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ [آلِ عِمْرانَ: ٥٢] .

﴿ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ بِعِيسى ﴿ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ ﴾ ﴿ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِعِيسى ﴿ عَلى عَدُوِّهِمْ ﴾ وهم مُخالِفُو عِيسى، كَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ، وقالَ مُقاتِلٌ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ ﴾ ، ﴿ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﴿ عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلى الأدْيانِ.

وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: أصْبَحَ مَن آمَنَ بِعِيسى ظاهِرِينَ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ  أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ بِتَعْلِيمِ الحُجَّةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ أيْ: غالِبِينَ عَلَيْهِمْ بِمُحَمَّدٍ.

مِن قَوْلِكَ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ: إذا عَلَوْتَهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ: إذا صِرْتَ فَوْقَهُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارَ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مَن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأُخْرى" قالَ الأخْفَشُ: هي في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "تِجارَةٍ"، وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ناسٌ واحْتَجَّ لَهُ آخَرُونَ، والصَحِيحُ ضَعْفُهُ لِأنَّ هَذِهِ "الأُخْرى" لَيْسَتْ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ، إنَّما هي مِمّا أعْطى ثَمَنًا وجَزاءً عَلى الإيمانِ والجِهادِ بِالنَفْسِ والمالِ.

وقالَ الفَرّاءُ: "وَأُخْرى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ قَوْمٌ: "أُخْرى" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يَغْفِرْ ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ ويَمْنَحْكم أُخْرى وهي النَصْرُ والفَتْحُ القَرِيبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَصْرًا مِنَ اللهِ وفَتْحًا" بِالنَصْبِ فِيهِما، ووَصَفَها تَعالى بِأنَّ النُفُوسَ تُحِبُّها مِن حَيْثُ هي عاجِلَةٌ في الدُنْيا، وقَدْ وُكِّلَتِ النَفْسُ بِحُبِّ العاجِلِ، فَفي هَذا تَحْرِيضٌ، ثُمَّ قَوّاهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وهَذِهِ الألْفاظُ في غايَةِ الإيجازِ وبَراعَةِ المَعْنى.

ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ إلى النُصْرَةِ، ووَضَعَ لَهم هَذا الِاسْمَ وإنْ كانَ العُرْفُ قَدْ خَصَّ بِهِ الأوسَ والخَزْرَجَ، وسَمّاهُمُ اللهُ تَعالى بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وعِيسى: "أنْصارًا" مُنَوَّنًا "لِلَّهِ"، وقَرَأ الباقُونَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ بِالإضافَةِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "أنْتُمْ أنْصارُ اللهِ".

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ بِقَوْمٍ بادَرُوا حِينَ دُعُوا، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، والحَوارِيُّونَ خُلْصانُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَلامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ رَدَّدَ اخْتِيارَهم وتَصْفِيَتَهم وكَذَلِكَ رَدَّدَ تَخَيُّلُ الحَوارِيِّ، واللَفْظَتانِ مِن "الحَوَرِ"، وقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وكانُوا غَسّالِينَ نَصَرُوا عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، واسْتَعْمَلَ اسْمَهم حَتّى قِيلَ لِلنّاصِرِ العاضِدِ: حِوارِيٌّ، وقالَ النَبِيُّ  : « "وَحَوارِيِّي الزُبَيْرِ "،» وافْتِراقِ طَوائِفَ بَنِي إسْرائِيلَ هو في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ قَتادَةُ: والطائِفَةُ الكافِرَةُ ثَلاثُ فِرَقٍ: اليَعْقُوبِيَّةُ: وهم قالُوا: هو اللهُ، والإسْرائِيلِيَّةُ وهم قالُوا: هو ابْنُ اللهِ، والنَسْطُورِيَّةُ وهم قالُوا: هو إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، واللهُ تَعالى ثالِثُهُما، تَعالى اللهُ سُبْحانَهُ عن أقْوالِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ ، قِيلَ: ذَلِكَ مُحَمَّدٌ  ، وبَعْدَ فَتْرَةٍ مِن رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، رَدَّ اللهُ تَعالى الكَرَّةَ لِمَن آمَنَ بِهِ فَغَلَبُوا الكافِرِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا صاحِبَهُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ  ، أصْبَحَ المُؤْمِنُ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ظاهِرًا لِإيمانِهِ بِمُحَمَّدٍ  ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَقَّ الإيمانِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ظاهِرًا لِإيمانِهِ بِمُحَمَّدٍ  ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَقَّ الإيمانِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلّا وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  ؛ لِأنَّهُ بُشِّرَ بِهِ وحَرَّضَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ قَدِيمًا بِهِ ظاهِرِينَ بِالحُجَّةِ وإنْ ظَلُّوا مُفْتَرِقِينَ في البِلادِ، مَغْلُوبِينَ في ظاهِرِ الحَياةِ الدُنْيا، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَأيَّدْنا" مُخَفَّفَةَ الياءِ مَمْدُودَةَ الألِفِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الصَفِّ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ يغفر لكم ويدخلكم ﴾ [الصف: 12] عطفَ الاسمية على الفعلية.

وجيء بالاسمية لإِفادة الثبوت والتحقق.

ف ﴿ أُخرى ﴾ مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله: ﴿ لكم ﴾ من قوله: ﴿ يغفر لكم ﴾ .

والتقدير: أخرى لكم، ولك أن تجعل الخبر قوله: ﴿ نصر من الله ﴾ .

وجيء به وصفاً مؤنثاً بتأويل نعمة، أو فضيلة، أو خصلة مما يؤذن به قوله: ﴿ يغفر لكم ذنوبكم ﴾ [الصف: 12] إلى آخره من معنى النعمة والخصلة كقوله تعالى: ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ في سورة [الفتح: 21] ووصف أخرى بجملة ﴿ تحبونها ﴾ إشارة إلى الامتنان عليهم بإعطائهم ما يحبون في الحياة الدنيا قبل إعطاء نعيم الآخرة.

وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ [البقرة: 144].

(و ﴿ نصر من الله ﴾ بدل من ﴿ أُخرى ﴾ ، ويجوز أن يكون خبراً عن ﴿ أخرى ﴾ .

والمراد به النصر العظيم، وهو نصر فتح مكة فإنه كان نصراً على أشد أعدائهم الذين فتنوهم وآذوهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم وألَّبوا عليهم العرب والأحزاب.

وراموا تشويه سمعتهم، وقد انضم إليه نصر الدين بإسلام أولئك الذين كانوا من قبل أيمة الكفر ومساعير الفتنة، فأصبحوا مؤمنين إخواناً وصدق الله وعده بقوله: ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ [الممتحنة: 7] وقوله: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ﴾ [آل عمران: 103].

وذكر اسم الجلالة يجوز أن يكون إظهاراً في مقام الإِضمار على احتمال أن يكون ضمير التكلم في قوله: ﴿ هل أدلكم ﴾ [الصف: 10] كلاماً من الله تعالى، ويجوز أن يكون جارياً على مقتضى الظاهر إن كان الخطاب أُمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقدير «قل».

ووصف الفتح ب ﴿ بقريب ﴾ تعجيل بالمسرة.

وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الإِخبار بالغيب.

﴿ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ ﴾ .

يجوز أن تكون عطفاً على مجموع الكلام الذي قبلها ابتداء من قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ﴾ [الصف: 10] على احتمال أن ما قبلها كلام صادر من جانب الله تعالى، عطفَ غرض على غرض فيكون الأمر من الله لنبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يبشر المؤمنين.

ولا يتأتى في هذه الجملة فرضُ عطف الإِنشاء على الإِخبار إذ ليس عطف جملة بل جملة على جملة على مجموع جُمل على نحو ما اختاره الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ﴾ الآية في أوائل سورة [البقرة: 25] وما بيَّنه من كلام السيد الشريف في حاشية الكشاف } .

وأما على احتمال أن يكون قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا هل أدلكم ﴾ إلى آخره مسوقاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول: ﴿ هل أدلكم على تجارة ﴾ بتقدير قول محذوف، أي قل يأيها الذين آمنوا هل أدلكم، إلى آخره، فيكون الأمر في ﴿ وبشر ﴾ التفاتاً من قبيل التجريد.

والمعنى: وأُبشّرُ المؤمنين.

وقد تقدم القول في عطف الإِنشاء على الإِخبار عند قوله تعالى: ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ في أوائل سورة [البقرة: 25].

والذي استقر عليه رأيي الآن أن الاختلاف بين الجملتين بالخبرية والإِنشائية اختلاف لفظي لا يؤثر بين الجملتين اتصالاً ولا انقطاعاً لأن الاتصال والانقطاع أمران معنويان وتابعان للأغراض فالعبرة بالمناسبة المعنوية دون الصيغة اللفظية وفي هذا مقنع حيث فاتني التعرض لهذا الوجه عند تفسير آية سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ، لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالجَنَّةِ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ عُلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُرِيدُ عاجِلَ النَّصْرِ لِقاءَ رَغْبَةٍ في الدُّنْيا ولِقاءَ تَأْيِيدِ الدِّينِ فَوَعَدَهم بِما يُقَوِّي بِهِ الرَّغْبَةَ فَقالَ: ﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ يَعْنِي فَتْحَ البِلادِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ في كِلا الأمْرَيْنِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ قَرِيبٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى ما يُحِبُّونَهُ أنَّهُ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ.

الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ ما يُحِبُّونَهُ مِن ذَلِكَ سَيَكُونُ قَرِيبًا، فَكانَ كَما أخْبَرَ لِأنَّهُ عَجَّلَ لَهْمُ الفَتْحَ والنَّصْرَ

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ﴾ الآية، قال: لما نزلت قال المسلمون: لو علمنا ما هذه التجارة لأعطينا فيها الأموال والأهلين، فبين لهم التجارة، فقال: ﴿ تؤمنون بالله ورسوله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ﴾ الآية قال: فلولا أن الله بينها ودل عليها للهف الرجال أن يكونوا يعلمونها حتى يطلبوها، ثم دلهم الله عليها فقال: ﴿ تؤمنون بالله ورسوله ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ على تجارة تنجيكم ﴾ خفيفة.

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ﴾ .

أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ كونوا أنصار الله ﴾ مضاف.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ﴾ قال: قد كان ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلاً فبايعوه عند العقبة، فنصروه وآووه حتى أظهر الله دينه ولم يسمّ حيّ من السماء قط باسم لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون ما تبايعون هذا الرجل؟

إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها أو يسلموا، «وذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله؟

قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة ففعلوا، ففعل الله» قال: والحواريون كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام.

وأخرج ابن إسحاق وابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفر الذين لاقوه بالعقبة: «اخرجوا إليّ اثني عشر رجلاً منكم يكونوا كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى ابن مريم» .

وأخرج ابن سعد عن محمد بن لبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء: «أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل قومي» قالوا: نعم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ قال: من يتبعني إلى الله، وفي قوله: ﴿ فأصبحوا ظاهرين ﴾ قال: من آمن مع عيسى من قومه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ فأيدنا الذين آمنوا ﴾ قال: فقوّينا الذين آمنوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي ﴿ فأصبحوا ظاهرين ﴾ قال: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد أن عيسى كلمة الله وروحه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فأيدنا الذين آمنوا ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فأصبحوا ﴾ اليوم ﴿ ظاهرين ﴾ والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ يجوز عند الزجاج أن يكون المعنى: وتجارة أخرى عطفًا على قوله: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ ﴾ (١) (٢) وعند الفراء معنى الآية وخصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة، ثم ذكرها فقال: ﴿ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ ، وهو مفسر للأخرى (٣) (٤) (٥) ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ إلى آخر الآية.

ثم ذكر ما يعطينا أيضًا في العاجل مما نحبه جزاء أيضًا لتلك التجارة، وهو النصر والفتح.

قال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم (٦) وقال الكلبي: يعني النصر على كفار قريش وفتح مكة (٧) قوله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال مقاتل: وبشر يا محمد المؤمنين بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة (٨) ﴿ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي ﴾ وقوله: ﴿ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

ثم خص المؤمنين على نصرة دينه، فقال: (١) وهو قول الأخفش، انظر: "معاني القرآن" 2/ 708.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 166.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 154.

(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 424.

(٥) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 318.

(٦) لم أجده عن ابن عباس.

وفي "معالم التنزيل" 4/ 338، و"زاد المسير" 8/ 255، نسب لعطاء ونسبه الزمخشري، والرازي للحسن، و"الكشاف" 4/ 95، و"التفسير الكبير" 29/ 318.

(٧) وهو المنسوب لابن عباس.

انظر: "تنوير المقباس" 6/ 64، و"معالم التنزيل" 4/ 338، و"زاد المسير" 8/ 255.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 154 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 338.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية تفسير للتجارة المذكورة، قال الأخفش: هو عطف بيان عليها ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ جزم في جواب تؤمنون لأنه بمعنى الأمر، وقد قرأه ابن مسعود آمنوا وجاهدوا على الأمر؛ لأنه يقتضي التحضيض ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا ﴾ ارتفع أخرى على أنه ابتداء مضمر تقديره: ولكم نعمة أخرى، أو انتصب على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره: ويمنحكم أخرى ﴿ نَصْرٌ مِّن الله ﴾ تفسير لأخرى فهو بدل منها ﴿ وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ قال الزمخشري عطف على تؤمنون بالله؛ لأنه في معنى الأمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ زاغوا ﴾ بالإمالة مثل ﴿ زاغ البصر  ﴾ ﴿ بعدي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحماد وأبو بكر غير ابن غالب ﴿ متم نوره ﴾ بالإضافة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الآخرون: بالتنوين ونصب ﴿ نوره ﴾ ﴿ تنجيكم ﴾ بالتشديد: ابن عامر ﴿ أنصاراً ﴾ بالتنوين ﴿ لله ﴾ جاراً ومجروراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والباقون: بالإضافة ﴿ أنصاري إلى الله ﴾ بالفتح كما مر في " آل عمران ".

الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ج ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ مرصوص ﴾ ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أحمد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الإسلام ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ز ﴿ وأنفسكم ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ تؤمنون ﴾ على أنه خبر في معنى الأمر ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج للعطف ﴿ تحبونها ﴾ ط لحق الحذف أي هي نصر ﴿ قريب ﴾ ه لانقطاع النظم واختلاف المعنى ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ وكفرت طائفة ﴾ ه لاتفاق الجملتين مع تخصيص الثانية ببيان حال أحد الفريقين ﴿ ظاهرين ﴾ ه.

التفسير: يروى أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم الله على الجهاد فولوا يوم أحد فعيرهم.

وروي أن الله  حين أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالاً إلى الله لنفرغن فيه وسعنا ففرّوا يوم أحد ولم يفوا.

وقيل؛ كان الرجل يقول: قلت ولم يقل وطعنت ولم يطعن فأنزل الله  ﴿ لم تقولون ﴾ واللام الجاره إذا دخلت على " ما " الاستفهامية أسقطت الألف لكثرة الاستعمال.

وقد عرفت مراراً أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم، وهذا التفسير يتناول إخلاف كل وعد.

وقال الحسن: نزلت في الذين آمنوا بلسانهم لا بقلوبهم.

ثم عظم أمر الإخلاف في قلوب المنافقين فقال ﴿ كبر ﴾ الآية.

وفيه أصناف مبالغة من جهة صيغة التعجب والتعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، ومن جهة إسناد الفعل إلى ﴿ أن تقولوا ﴾ ونصب ﴿ مقتاً ﴾ على التمييز ومن قبل أن المقت أشدّ من البغض أو من وصفه بأنه ﴿ عند الله ﴾ لأن الممقوت عنده ممقوت عند كل ذي لب.

ثم حث على الجهاد بنوع آخر وذلك أنه نسب أوّلاً ترك الجهاد بعد تمنيه إلى المقت ثم نسب الجهاد إلى الحب.

وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على المصدر بمعنى الحال.

وقوله ﴿ كأنهم ﴾ مع الأول حالان متداخلان أي صافين أنفسهم أو مصفوفين كأنهم في تراميهم من غير فرجة ولا خلل ﴿ بنيان ﴾ رص بعضه على بعض أي رص صف.

وجوزوا أن يراد صف معنوي وهو اتفاق كلمتهم واستواء نياتهم في الثبات.

وعلى الأول استدل بعضهم به على تفضيل القتال راجلاً بناء على أن الفرسان لا يصطفون من غير فرجة، ثم ذكرهم قصة موسى  مع قومه كيلا يفعلوا بنبيهم مثل ما فعل به بنو إسرائيل.

تفسير الإيذاء مذكور في آخر " الأحزاب " وسائر أصناف إيذائهم إياه من عبادة العجل وطلب الرؤية والالتماسات المنكرة مشهورة ﴿ وقد تعلمون ﴾ في موضع الحال.

وفائدة " قد " تأكيد العلم لا تقليله وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم إذا عكسوا القضية وصنعوا مكان تعظيم رسول الله  إيذاءه.

والزيغ الميل عن الحق والإزاغة الإمالة فكأنهم تسببوا لمزيد الانحراف عن الجادة، فالطاعة تجر الطاعة والمعصية تجر المعصية.

قال بعض العلماء: إنما قال عيسى ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ ولم يقل يا قوم كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم.

قلت: ممنوع لقوله  في " الأنعام " ﴿ ومن ذريته داود  ﴾ إلى قوله ﴿ وعيسى  ﴾ قال النحويون: قوله ﴿ مصدّقاً ﴾ و ﴿ مبشراً ﴾ حالان والعامل فيهما معنى الإرسال في الرسول فلا يجوز أن يكون ﴿ إليكم ﴾ عاملاً لأنه ظرف لغو.عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟

قال: نعم أمة محمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل.

قوله ﴿ وهو يدعى إلى الإسلام ﴾ نظير ما مر من قوله ﴿ وقد تعلمون إني رسول الله ﴾ ففي كل منهما تعكيس القضية إذ جعل مكان إجابة النبي إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين افتراء الكذب على الله وهو قولهم للمعجزات هي سحر،لأن السحر كذب وتمويه ولهذا عرف الكذب بخلاف آخر " العنكبوت ".

ثم ذكر غرضهم من الافتراء بقوله ﴿ يريدون ليطفؤا ﴾ ولهذا خص هذه السورة باللام كأنه قال: يريدون الافتراء لأجل هذه الإرادة كما زيدت اللام في " لا أبالك " لتأكيد معنى الإضافة.

وباقي الآيتين سبق تفسيره في " براءة ".

وإنما قال ههنا ﴿ والله متم نوره ﴾ لمكان الفصل بالعلة كأنه قال: يريدون الافتراء لغرض إطفاء نور الله والحال أن الله متم نوره، وأما هنالك فإنه عطف قوله ﴿ ويأبى ﴾ على قوله ﴿ يريدون ﴾ .

ثم دل أهل الإيمان على التجارة الرابحة وهي مجاز عن وجدان الثواب على العمل كما قال ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ قال أهل المعاني: فائدة إيقاع الخبر موقع الأمر هي التنبيه على وجوب الأمر وتأكيده كأنه أمتثل فهو يخبره به كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان؟

وعن الفراء أن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ هل أدلكم ﴾ بتأويل أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ﴿ ذلكم ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿ خير لكم ﴾ من أموالكم وأنفسكم وهو اعتراض.

وقوله ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ اعتراض زائد على اعتراض ومعناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيراً.

ثم قال ﴿ و ﴾ لكم مع هذه النعم الآجلة نعمة ﴿ أخرى ﴾ عاجلة ﴿ تحبونها ﴾ وهي فتح مكة كما قال ﴿ وأثابكم فتحاً قريباً  ﴾ وعن الحسن: هو فتح فارس والروم.

قال في الكشاف: في قوله ﴿ تحبونها ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجلة.

وعندي أنه  رتب أمرين على أمرين: المغفرة وإدخال الجنة على الإيمان، والنصر والفتح على الجهاد، ومحبة النصر من الله والفتح القريب لا تقتضي التوبيخ وإنما ذلك مطلوب كل ذي لب ودين.

وقال في قوله ﴿ وبشر ﴾ إنه معطوف على ﴿ تؤمنون ﴾ لأنه بمعنى الأمر.

والأظهر عند علماء المعاني أنه معطوف على " قل " مقدراً قل يا أيها الذين آمنوا يؤيد تقدير قل.

قوله ﴿ هل أدلكم ﴾ فإن نسبة هذا الاستفهام إلى رسوله أولى من نسبته إلى الله  على ما لا يخفى.

قوله ﴿ كونوا أنصار الله ﴾ أي أعوان دينه ﴿ كما قال عيسى ابن مريم للحوارين ﴾ أي أصفيائه وقد مر ذكرهم في " آل عمران " ﴿ من أنصاري ﴾ متوجهاً ﴿ إلى ﴾ نصرة دين ﴿ الله ﴾ قال أهل البيان: فيه تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى وإنه لا يصح على الظاهر لأن الكون يشبه بالكون لا القول، فوجهه أن يحمل التشبيه على المعنى وبيانه أن كون الحواريين أنصار الله يعرف من سياق الآية بعدها وهو قول الحواريين ﴿ نحن أنصار الله ﴾ وارد بطريق الاستئناف كأن سائلاً سأل: فماذا قال الحواريون حينئذ؟

فأجيب بما أجيب.

وقولهم لا يخالف كونهم فيعود معنى الآية إلى قول القائل: كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصار عيسى وقت قوله ﴿ من أنصاري ﴾ على أن " ما " مصدرية والمصدر يستعمل مقام الظرف اتساعاً كقولك " جئتك قدوم الحاج " و " خفوق النجم " أي وقت القدوم والخفوق والسر في العدول عن العبارة الواضحة إلة العبارة الموجودة هو أن سوق الكلام بطريق الكناية حيث جعل المشبه به لازم ما هو المشبه به أبلغ من التصريح، وأن بناء الكلام على السؤال والجواب أوكد، وأن المجاز وهو استفادة كونهم من قولهم أبلغ من الحقيقة، ولعل في الآية أسراراً آخر لم نطلع عليها.

ومعنى ﴿ ظاهرين ﴾ غالبين.

عن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

الإيمان بالله: أن يؤمن بأنه الواحد الأحد، الصمد الفرد، الذي لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ويؤمن بأن له الخلق والأمر، وأنه قادر لا يعجزه شيء، وعليم لا يخفى عليه شيء، وحيكم لا يخرج خلقه الأشياء والمختلفة من السراء والضراء، والظمة والنور، والمرضى والصحة، عن حكمته.

وأنه ليس كما قالت الثنوية: إن خالق الظلمة والشر والقبيح غير خالق النور؛ بل يعلمه أنه خالق كل شيء، سواء من ظلمة ونور، وشر وخير، وقسم وصحة.

ولا على شبيه ما قالت المجوس: إن الله  غفل غفلة فتولد منه الشيطان؛ بل هو لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.

ولا على ما قالت النصارى: حيث شبهوه بالخلق حتى أجازوا أن يكون له ولد.

ولا على ما قالت القدرية: إنه لا يقدر شيئا من الشر والقسم والوجع.

وعلى ما قالت المعتزلة: إنه ليس له في أفعال العباد صنع وتدبير؟

بل يعلمه عليما بكل شيء، قديرا على كل شيء، متعاليا عن كل شيء من معاني الخلق، متنزها عن كل آفة وحاجة وعيب، فهذا هو الإيمان بالله  عندنا، والله  أعلم.

والإيمان بالرسول: هو أن يؤمن من بأن ما جاء به  فهو حق وصدق.

وقوله: ﴿ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

هذا على وجهين: أحدهما: أن يقاتلوا أعداء الله  .

والثاني: أن يجاهدوا في طاعة الله  ، وفيما دعا إليه من الأمر بالجهاد ينصرف إلى أنواع أربعة: جهاد في سبيل الله بمقاتلة أعدائه، والاستقصاء في طاعته.

وجهاد فيما بين الإنسان ونفسه أن يجاهد في قهرها ومنعها عن لذاتها وشهواتها، وعما يعلم أنه يهلكها ويرديها.

وجهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع فيهم، وأن يشفق عليهم ويرحمهم، وألا يرجوهم ولا يخافهم.

وجها فيما بينه وبين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده، أو مَرمَّة لمعاشهن ولا يأخذ منها ما يضره في عقباه.

وكل هذه الأنواع يستقيم أن يسميها جهادا في سبيل الله.

ثم إن هذه الآية تنتظم مسائل ثلاثاً: إحدها: أن كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ؟

والثانية: أن كيف يرجى له النجاة إذا آمن بالله ورسوله، ولم يجاهد في سبيل الله وقد أوجب عليه ذلك؟

والثالثة: أن كيف يخاف عليه العذاب إذا آمن بالله ورسوله، وجاهد في سبيل الله، وأتى بالكبيرة مع قوله: ﴿ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ؟

أما الجواب عن المسألة الأولى: أنه يحتمل أن يكون المراد من هذه الآية أهل النفاق؛ فيكون المعنى من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ في الظاهر، ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، أي: تصدقون بقلوبكم.

ويجوز أن تكون من أهل الكتاب أيضاً فكأنه قال - عز وجل -: يأيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة، آمنوا بالله وبمحمد  وبهذا الكتاب.

هذا إذا كان الكفار.

فأما إذا في المؤمنين يجوز أن يكون أمر بالإيمان من بعد ما آمنوا، بمعنى: الثبات عليه أو الزيادة وبحق التجدد، وأن الإيمان من حادث الأوقات له أسما ثلاثة: الزيادة، والثبات، والتجدد؛ وذلك أن الله  ذكر هذا النوع في كتابه مرة باسم الزيادة؛ حيث قال: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ  ﴾ ، ومرة باسم الثبات بقوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، ومرة بالإيمان بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

فإن كان الزيادة والثبات، فذلك لطف من الله  ؛ وذلك أن الزيادة والثبات هذا اسمان يطلقان على فعل دائم، وفعل الإيمان منقضٍ، ولكنه يجوز أن يكون الله  بلطفه جعل المنقضي كالدائم؛ فيخرج هذه الفعل مخرج الزيدة والثبات، والله أعلم.

وإن كان على التجدد في الأوقات الحادثة، فذلك مستقيم؛ وذلك لأن المرء منهي عن الكفر في كل وقت يأتي عليه إذا أتى بالإيمان في ذلك الوقت انتهى عن الكفر؛ فصار لإيمانه حكم التجدد، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد بقوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : الاعتقاد، وإذا كان المراد منه ذلك، وأتى بما أمر من الاعتقاد بهذه الأمور، ولكنه لم يف بالفعل، فهو في رجاء من النجاة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

يعني: ذلك الذي أمركم به من الإيمان بالله  ورسوله والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهوائكم.

﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

عيانا بعلمكم أن ذلك خير لكم.

وقوله  : ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ .

يعني: يغفر الله لكم بتلك النجاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً ﴾ .

يجوز أن يكون رغبهم في هذه الآية بما أمرهم بتركها؛ وذلك أنه أمرهم بمفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد بأنفسهم، ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ذلك آتاهم مكان كل ما فات عنهم خيراً منها: مكان ما فارقوا من المساكن يؤتيهم مساكن طيبة، ومكان ما أنفقوا من أموالهم يؤتيهم النعيم الدائم، ومكان ما أفنوا من حياتهم وأنفسهم يؤتيهم حياة دائمة باقية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

يعني: ذلك الثواب الدائم هو الفوز العظيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ .

فكأنه يقول يعطيكم الله بتلك التجارة التي دلكم عليها ما ذكر من الثواب في الآجل، وأخرى تحبونها نصر من الله على أعدائكم في الدنيا، وفتح البلاد.

﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، بهما، وقد فعل الله  ذلك بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ ﴾ هذا كلام يورث شبهة في القلب أن كيف قال ﴿ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ ﴾ والله  لا يخاف [أحداً] حتى يستنصر عليه غيره؟

ولكن السبيل في كشف هذه الغمة عن القلوب هو المعنى في هذا وفي قوله: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً  ﴾ وقد وصفنا في ذلك أن الله  جعل ما يصلون به أرحامهم ويتصدقون على فقرائهم كأنهم أقرضوا الله؛ كرماً منه وفضلا ولطفا، فكذل يحتمل أن يكون جعل ما ينصرون به دينه أو رسوله نصرا له  .

وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، والمعنى في هذا: إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا رسول الله أو تنصروا الحق، والله أعلم أي ذلك كان.

ويحتمل أن يكون المراد من ذلك كله، أي: اجعلوا ما تنصرون به دينكم لله  ولوجهه.

وكذلك قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ  ﴾  : اجعلوا ذلك لله ولوجهه الكريم، ولا بد من أن يكون في هذه الآية إضمار: إما في الابتداء أو في الانتهاء حتى تستقيم عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ فكأنه يقول: قل للذين آمنو: كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله؟

أو يكون معناه وإضماره في حق الإجابة، أي: أجيبوا لله ورسوله وكونوا أنصار له كما أجاب قوم عيسى بقولهم: ﴿ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ﴾ .

والحواريون: المتبصرون المنقون دينهم عن الشبهة، وهم قوم كانوا خيرة عيسى -  - وخاصته حيث دعاهم إلى دينه فأجابوه وآمنوا به، ونقوا دينهم عن كل شبهة وآفة وعيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ هذا يحتمل أن يكون في حياة عيسى -  - حين اتبعه الحواريون ثم دعا بعد ذلك قومه إلى دينه فآمنت طائفة وكفرت طائفة، ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ بالبراهين، والحجج على الطائفة الذين كفروا؛ ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ﴾ على أعدائهم بالحجج والبراهين.

ويجوز أن يكون بعد وفاة عيسى -  - حين اختلفوا في ما هيته: فمنهم من قال: هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله؛ فكفرت به هذه الطائفة وآمنت به طائفة أخرى، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم حين وقع لهم قتال؛ فنصروا عليهم وظفروا، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن رِبْح هذه التجارة خصلة أخرى تحبونها وهي عاجلة في الدنيا، أن ينصركم الله على عدوّكم، وفتحٌ قريب يفتحه عليكم وهو فتح مكة وغيرها، واخْبِر -أيها الرسول- المؤمنين بما يسرّهم من النصر في الدنيا والفوز بالجنّة في الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.DxN9a"

مزيد من التفاسير لسورة الصف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله