الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ١٠ من سورة الملك
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 62 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة الملك: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقالوا : ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) أي : لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق ، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به ، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل ، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم ،
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) يقول تعالى ذكره: وقال الفوج الذي ألقي في النار للخزنة: (لَوْ كُنَّا ) في الدنيا(نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ) من النذر ما جاءونا به من النصيحة، أو نعقل عنهم ما كانوا يدعوننا إليه (مَا كُنَّا ) اليوم (فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) يعني: أهل النار.
وقالوا لو كنا نسمع من النذر - يعني الرسل - ما جاءوا بهأو نعقل عنهم .
قال ابن عباس : لو كنا نسمع الهدى أو نعقله ، أو لو كنا نسمع سماع من يعي ويفكر ، أو نعقل عقل من يميز وينظر .
ودل هذا على أن الكافر لم يعط من العقل شيئا .
وقد مضى في " الطور " بيانه والحمد لله .ما كنا في أصحاب السعير يعني ما كنا من أهل النار .
وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لقد ندم الفاجر يوم القيامة قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير
{ وَقَالُوا } معترفين بعدم أهليتهم للهدى والرشاد: { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } فنفوا عن أنفسهم طرق الهدى، وهي السمع لما أنزل الله، وجاءت به الرسل، والعقل الذي ينفع صاحبه، ويوقفه على حقائق الأشياء، وإيثار الخير، والانزجار عن كل ما عاقبته ذميمة، فلا سمع [لهم] ولا عقل، وهذا بخلاف أهل اليقين والعرفان، وأرباب الصدق والإيمان، فإنهم أيدوا إيمانهم بالأدلة السمعية، فسمعوا ما جاء من عند الله، وجاء به رسول الله، علمًا ومعرفة وعملًا.
والأدلة العقلية: المعرفة للهدى من الضلال، والحسن من القبيح، والخير من الشر، وهم -في الإيمان- بحسب ما من الله عليهم به من الاقتداء بالمعقول والمنقول، فسبحان من يختص بفضله من يشاء، ويمن على من يشاء من عباده، ويخذل من لا يصلح للخير.
( وقالوا لو كنا نسمع ) من الرسل ما جاءونا به ( أو نعقل ) منهم .
وقال ابن عباس : لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به ( ما كنا في أصحاب السعير ) قال الزجاج : لو كنا نسمع سمع من يعي ويتفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار .
«وقالوا لو كنا نسمع» أي سماع تفهم «أو نعقل» أي عقل تفكر «ما كنا في أصحاب السعير».
وقالوا معترفين: لو كنا نسمع سماع مَن يطلب الحق، أو نفكر فيما نُدْعى إليه، ما كنا في عداد أهل النار.
ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من حسراتهم فى هذا اليوم فقال : ( وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير .
.
) .أى : وقال الكافرون بربهم - على سبيل الحسرة والندامة - لو كنا فى الدنيا نسمع ما يقال لنا على لسان رسولنا ، سماع طاعة وتفكر واستجابة ، أو نعقل ما يوجه إلينا من هدايات وإرشادات .
.لو كنا كذلك ، ما صرنا فى هذا اليوم من جملة أصحاب النار المسعرة ، الذين هم خالدون فيها أبدا .وقدم - سبحانه - السماع على التعقل ، مراعاة للترتيب الطبيعى ، لأن السماع يكون أولا ، ثم يعقبه التعقل والتدبر لما يسمع .
هذا هو الكلام الثاني مما حكاه الله تعالى عن الكفار جواباً للخزنة حين قالوا: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ والمعنى لو كنا نسمع الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل من كان متأملاً متفكراً لما كنا من أصحاب السعير، وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل، لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة الهدى والإضلال بأن قالوا لفظة لو تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره فدلت الآية على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل، لكن لا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة، وأنهم ما كانوا صم الأسماع ولا مجانين، فوجب أن يكون المراد أنه ما كان لهم سمع الهداية ولا عقل الهداية.
المسألة الثانية: احتج بهذه الآية من قال: الدين لا يتم إلا بالتعليم فقال: إنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لابد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب وتأمله فيما يلقيه المعلم والجواب: أنه إنما قدم السمع لأن المدعو إذا لقي الرسول فأول المراتب أنه يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه، فلما كان السمع مقدماً بهذا السبب على التعقل والتفهم لا جرم قدم عليه في الذكر.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي، ثم قال كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم.
المسألة الرابعة: احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية، وقالوا: دلت الآية على أن للسمع مدخلاً في الخلاص عن النار والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ ﴾ أي: ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم ﴿ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ ليس الشياطين المرجومين مخصوصين بذلك.
وقرئ: ﴿ عذاب جهنم ﴾ بالنصب عطفاً على عذاب السعير ﴿ إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا ﴾ أي طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة، ويرمى به.
ومثله قوله تعالى: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] .
﴿ سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا ﴾ إمّا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها.
أو من أنفسهم، كقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ [هود: 106] وإما للنار تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق ﴿ وَهِىَ تَفُورُ ﴾ تغلي بهم غليان المرجل بما فيه.
وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم، ويقولون: فلان يتميز غيظاً ويتقصف غضباً، وغضب فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء: إذا وصفوه بالإفراط فيه.
ويجوز أن يراد: غيظ الزبانية ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ توبيخ يزدادون به عذاباً إلى عذابهم وحسرة إلى حسرتهم.
وخزنتها: مالك وأعوانه من الزبانية ﴿ قَالُواْ بلى ﴾ اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأن الله عز وعلا أزاح عللهم ببعثه الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه، وأنهم لم يؤتوا من قدره كما تزعم المجبرة؛ وإنما أتوا من قبل أنفسهم، واختيارهم خلاف ما اختار الله وأمر به وأوعد على ضده.
فإن قلت: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضلال كَبِيرٍ ﴾ من المخاطبون به؟
قلت: هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين، على أنّ النذير بمعنى الإنذار.
والمعنى: ألم يأتكم أهل نذير.
أو وصف منذروهم لغلوهم في الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذاراً؛ وكذلك ﴿ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين ﴾ [الشعراء: 16] أي حاملاً رسالته.
ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول: أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا.
أو أرادوا بالضلال؛ الهلاك.
أو سموا عقاب الضلال باسمه.
أو من كلام الرسل لهم حكوه الخزنة، أي قالوا لنا هذا فلم نقبله ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ الإنذار سماع طالبين للحق.
أي نعقله عقل متأمّلين.
وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل؛ لأنّ مدار التكليف على أدلة السمع والعقل.
ومن بدع التفاسير: أنّ المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي، كأنّ هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة؛ وعدّة المبشرين من الصحابة: عشرة، لم يضم إليهم حادي عشر، وكأن من يجوز على الصراط أكثرهم لم يسمعوا باسم هذين الفريقين ﴿ بِذَنبِهِمْ ﴾ بكفرهم في تكذيبهم الرسل ﴿ فَسُحْقًا ﴾ قرئ بالتخفيف والتثقيل، أي: فبعداً لهم، اعترفوا أو جحدوا؛ فإنّ ذلك لا ينفعهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ ﴾ كَلامَ الرُّسُلِ فَنَقْبَلُهُ جُمْلَةً مِن غَيْرِ بَحْثٍ وتَفْتِيشٍ اعْتِمادًا عَلى ما لاحَ مِن صِدْقِهِمْ بِالمُعْجِزاتِ.
﴿ أوْ نَعْقِلُ ﴾ فَنَتَفَكَّرُ في حِكَمِهِ ومَعانِيهِ تَفَكُّرَ المُسْتَبْصِرِينَ.
﴿ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ في عِدادِهِمْ ومِن جُمْلَتِهِمْ.
﴿ فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ ﴾ حِينَ لا يَنْفَعُهُمْ، والِاعْتِرافُ إقْرارٌ عَنْ مَعْرِفَةٍ، والذَّنْبُ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، أوِ المُرادُ بِهِ الكُفْرُ.
﴿ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ، والتَّغْلِيبُ لِلْإيجازِ والمُبالَغَةِ والتَّعْلِيلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّثْقِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} الإنذار سماع طالب الحق {أَوْ نَعْقِلُ} أي نعقله عقل متأمل {مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير} في جملة أهل النار وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملزمتان
﴿ وقالُوا ﴾ أيْضًا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْمَعُ أوْ يَعْقِلُ كَأنَّ الخَزَنَةَ قالُوا لَهم في تَضاعِيفِ التَّوْبِيخِ ألَمْ تَسْمَعُوا آياتِ رَبِّكم ولَمْ تَعْقِلُوا مَعانِيَها فَأجابُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ ﴾ كَلامًا ﴿ أوْ نَعْقِلُ ﴾ شَيْئًا ﴿ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ أيْ في عِدادِهِمْ ومَن جُمْلَتِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ قِيلُ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ وقِيلُ الكُفّارِ مُطْلَقًا واخْتِصاصُ إعْدادِ السَّعِيرِ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا ﴾ .
والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لَعَلَّكَ تَعْرِفُها مِمّا يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا فَلا تَغْفُلْ.
ونَفْيُهُمُ السَّماعَ والعَقْلَ لِتَنْزِيلِهِمْ ما عِنْدَهم مِنهُما لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وفي ذَلِكَ مَعَ اعْتِبارِ عُمُومِ المَسْمُوعِ والمَعْقُولِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، واعْتَبَرَهُما بَعْضُ الأجِلَّةِ خاصِّينَ قالَ: أيْ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ كَلامَ النَّذِيرِ فَنَقْبَلُهُ جُمْلَةً مِن غَيْرِ بَحْثٍ وتَفْتِيشٍ اعْتِمادًا عَلى ما لاحَ مِن صِدْقِهِ بِالمُعْجِزِ أوْ نَعْقِلُ فَنُفَكِّرُ في حِكَمِهِ ومَعانِيهِ تُفَكِّرَ المُسْتَبْصِرِينَ ما كُنّا إلَخْ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ السَّماعَ والعَقْلَ هُنا بِمَعْنى القَبُولِ والتَّفَكُّرِ ( وأوْ ) لِلتَّرْدِيدِ لِأنَّهُ يَكْفِي انْتِفاءُ كُلٍّ مِنهُما لِخَلاصِهِمْ مِنَ السَّعِيرِ أوْ لِلتَّنْوِيعِ فَلا يُنافِي الجَمْعَ.
وقِيلَ: أُشِيرَ فِيهِ إلى قِسْمَيِ الإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ والتَّحْقِيقِيِّ أوْ إلى الأحْكامِ التَّعَبُّدِيَّةِ وغَيْرِها، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ كَما قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في القَواطِعِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قُصارى ما تُشْعِرُ بِهِ أنَّ العَقْلَ يُرْشِدُ إلى العَقائِدِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي بِها النَّجاةُ مِنَ العَسِيرِ، وأمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ العَقْلَ حاكِمٌ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ فَلا.
واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ عَلى أنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ ومِنَ العَجِيبِ اسْتِدْلالُ بَعْضِهِمْ بِها عَلى أنَّهُ لا يُقالُ لِلْكافِرِ عاقِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
وتسمى الواقية والمنجية وهي ثلاثون آية مكية قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: تعالى وتعظم.
وهذا قول ابن عباس وقيل: تفاعل من البركة.
وقال الحسن: تبارك يعني: تقدس الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له الملك، كما قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ويقال: الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له القدرة ونفاذ الأمر.
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: في العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء.
ثم قال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال مقاتل: خَلَقَ الْمَوْتَ يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار حياً.
وقال الكلبي: خَلَقَ الْمَوْتَ بمنزلة كبش أملح، لا يمر على شيء، ولا يجد ريحه شيء إلا مات وَالْحَياةَ شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء.
وقال قتادة في قوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.
ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة.
لِيَبْلُوَكُمْ يعني: ليختبركم ما بين الحياة والموت.
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في حياته، ويقال: أيكم أكمل عملاً وأخلص عملاً.
ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أي: خلق الحياة للامتحان، وخلق الموت للجزاء كما قيل: لولا المحن لقدمنا مفاليس، وذلك أن الله تعالى، خلق الجنة.
وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب.
والابتلاء من الله تعالى، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب.
ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ يعني: العزيز بالنقمة للكافر، والغفور لمن تاب منهم.
ثم قال: الَّذِي خَلَقَ يعني: تبارك الذي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض مثل القبة.
مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.
قرأ حمزة، والكسائي: من تفوت بغير ألف، والباقون بالألف، وهما لغتان.
تفاوت الشيء وتفوت، إذا اختلف، يعني: مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن اختلافاً واضطراباً، ويقال: ما ترى فيها من اعوجاج، ولكنه مستوي.
ويقال: معناه مَّا ترى فِى خَلْقِ السموات من عيب.
وأصله من الفوت أي يفوت الشيء، فيقع فيه الخلل، ولكنه متصل بعضها ببعض.
ثم أمر بأن ينظروا في خلقه، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته، فقال عز وجل: فَارْجِعِ الْبَصَرَ يعني: رد البصر إلى السماء.
ويقال: قلب البصر في السماء، ويقال: اجتهد بالنظر إلى السماء.
هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟
يعني: هل ترى فيها من شقوق؟
ويقال: هل ترى فروجاً أو صدوعاً أو خللاً؟
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعني: انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين، لا يرى فيها عيباً، بل يتحير بالنظر إليها، فذلك قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً يعني: يرجع البصر ذليلاً.
وَهُوَ حَسِيرٌ يعني: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً.
وقال القتبي: خاسِئاً أي: مبعداً، وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئاً من الخلل.
ثم قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني: بالنجوم والكواكب.
وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يعني: جعلنا بعض النجوم رمياً للشياطين، إذا تصدوا استراق السمع.
وَأَعْتَدْنا لَهُمْ يعني: للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ يعني: الوقود.
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أعتدنا للذين جحدوا بِرَبِّهِمْ يعني: بوحدانية الله تعالى عَذابُ جَهَنَّمَ.
قرئ في الشاذ عَذابُ جَهَنَّمَ بالنصب يعني: أعتدنا لهم عذاب جهنم، فيصير نصباً لوقوع الفعل عليه، وقراءة العامة بالضم، على معنى خبر الابتداء.
ثم قال: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع.
ثم قال: إِذا أُلْقُوا فِيها يعني: ألقوا الكفار في نار جهنم.
سَمِعُوا لَها يعني: سمعوا منها شَهِيقاً يعني: صوتاً كصوت الحمار.
وَهِيَ تَفُورُ يعني: تغلي كغلي المرجل.
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ يعني: تكاد تتفرق من غيظها على أعداء الله تعالى.
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ يعني: من النار فوج، يعني: أمة من الأمم.
سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يعني: رسولاً يخبركم ويخوفكم؟
قالُوا بَلى يعني: يقولون: بلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ يعني: الرسول، فَكَذَّبْنا الرسول، وَقُلْنا: إنكم لكاذبون على الله تعالى.
مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يعني: كتاباً ولا رسولاً.
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يعني: قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم.
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ يعني: لو كنا نسمع إلى الحق أَوْ نَعْقِلُ يعني: نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق.
مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: مع أصحاب الزقوم في النار.
ويقال: يعني: ما كنا في أهل النار.
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ يعني: أقروا بشركهم فَسُحْقاً يعني: فبعداً من رحمة الله تعالى لِأَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: الوقود.
وقال الزجاج: فَسُحْقاً نصب على المصدر، فمعناه أسحقهم الله سحقاً، فباعدهم من رحمته.
والسحق: البعيد، كقوله: فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31] أي: بعيد.
قرأ الكسائي بضم السين والحاء، وجزم الحاء والباقون بضم السين، وهما لغتان معناهما واحد.
ثم بين حال المؤمنين: <div class="verse-tafsir"
حَسِيراً، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، وكَرَّتَيْنِ معناه مرتين، والخاسئ المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون:
١٠٨] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئاً، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ.
وقوله تعالى: بِمَصابِيحَ يعني: النجومَ، قال الفخر «١» : ومعنى السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السموات إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سموات أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء «٢» الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى.
وقوله: وَجَعَلْناها معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ/ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.
وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ قال ع «٣» : تضمنتِ الآيةُ أنَّ عذابَ جهنمَ للكفارِ المُخَلّدِينَ، وقد جاءَ في الأثر: أنه يَمُرُّ على جهنَم زَمانٌ تُخْفِق أبوابَها، قد أخْلَتْها الشفاعةُ، والذي يقال في هذا أن جهنَّمَ اسْمٌ تُخْتَصُّ به الطبقةُ العُلْيَا من النارِ، ثم قَدْ تُسَمَّى الطبقاتُ كلها باسْمِ بَعْضِها، فالتي في الأثرِ هي الطبقةُ العُلْيَا لأنَّها مَقَرُ العُصَاةِ من المؤمنينَ، وَالَّتي في هذهِ الآية هي جهنمَ بأسرها، أي: جميعُ الطبقاتِ، والشَّهِيقُ أقْبَحُ ما يكونُ من صوتِ الحمارِ، فاشْتِعَالُ النار وغَلَيَانُها يُصَوِّتُ مِثْل ذلك.
وقوله: تَكادُ تَمَيَّزُ أي يُزَايِلُ بَعْضُها بَعْضاً لشدّة الاضطراب، ومِنَ الْغَيْظِ
سُورَةُ المُلْكِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي المانِعَةُ مِن عَذابِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: السُّلْطانُ يُعِزُّ ويُذِلُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَلَقَ المَوْتَ المُزِيلَ لِلْحَياةِ، والحَياةَ الَّتِي هي ضِدُّ المَوْتِ ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٧] قالَ الزَّجّاجُ: والمُعَلَّقُ بِـ "أيُّكُمْ" مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: لِيَبْلُوَكُمْ، فَيَعْلَمَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وهَذا عِلْمُ وُقُوعٍ.
وارْتَفَعَتْ "أيُّ" بِالِابْتِداءِ، ولا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، لِأنَّها عَلى أصْلِ الِاسْتِفْهامِ، ومِثْلُهُ "أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى" [الكَهْفِ: ١٢] .
والمَعْنى: خَلَقَ الحَياةَ لِيَخْتَبِرَكم فِيها، وخَلَقَ المَوْتَ لِيَبْعَثَكم ويُجازِيَكم.
وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ في "لِيَبْلُوَكُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِ الحَياةِ دُونَ خَلْقِ المَوْتِ، لِأنَّ الِابْتِلاءَ بِالحَياةِ، ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ مُطابَقاتٍ، أيْ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ "ما تَرى" يا ابْنَ آدَمَ "فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ" قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن تَفَوُّتٍ" بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِألِفٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، كَما تَقُولُ: تَعاهَدْتُ الشَّيْءَ، وتَعَهَّدْتُهُ.
والتَّفاوُتُ: الِاخْتِلافُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّفاوُتُ: الِاضْطِرابُ والِاخْتِلافُ، وأصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا، فَيَقَعُ الخَلَلُ، ولَكِنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ ﴾ أيْ: كَرِّرِ البَصَرَ ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "هَلْ تَّرى" بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ، أيْ: هَلْ تَرى فِيها فُرُوجًا وصُدُوعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُبْعَدًا مِن قَوْلِكَ: خَسَأْتُ الكَلْبَ: إذا باعَدْتَهُ ﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ أيْ: كَلَيْلٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ أنْ يَلْحَقَ ما نَظَرَ إلَيْهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ أعْيا مِن قَبْلِ أنْ يَرى في السَماءِ خَلَلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [حَم السَّجْدَةِ: ١٢] ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ أيْ: يُرْجَمُ بِها مُسَتَرِقُو السَّمْعِ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا المَعْنى [الحِجْرِ: ١٨] ﴿ وَأعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿ عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ وهَذا وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ أيْ: صَوْتًا مِثْلَ صَوْتِ الحِمارِ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى الشَّهِيقِ في [هُودٍ: ١٠٦] ﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أيْ: تَغْلِي بِهِمْ كَغَلْيِ المِرْجَلِ "تَكادُ تَمَيَّزُ" أيْ: تَتَقَطَّعُ مِن تَغَيُّظِها عَلَيْهِمْ ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنهم ﴿ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ؟!
وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: قُلْنا لِلرُّسُلِ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ بِعِيدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ اعْتَرَفُوا بِجَهْلِهِمْ فَقالُوا: ﴿ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ ﴾ أيْ: سَماعَ مَن يَعِي ويُفَكِّرُ ﴿ أوْ نَعْقِلُ ﴾ عَقْلَ مَن يُمَيِّزُ ويَنْظُرُ ﴿ ما كُنّا ﴾ مِن أهْلِ النّارِ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا.
وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.
وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو صالِحٍ: السُّحْقُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ: سُحْقٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُشُورُ ﴾ المَعْنى وقالَ الكُفّارُ لِلْخَزَنَةِ في مُحاوَرَتِهِمْ: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ سَمْعًا أو عَقْلًا يَنْتَفِعُ بِهِ ويُغْنِي شَيْئًا لَآمَنّا ولَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في السَعِيرِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ في وقْتٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ الِاعْتِرافُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسُحْقًا" نُصِبَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ وهو مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هَذا القَوْلُ مُسْتَقِرٌّ أزَلًا وُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ ولا يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى فِيهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، وتُنْصَبٌ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وأمّا ما وقَعَ وثَبَتَ فالوَجْهُ فِيهِ الرَفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ "وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ" ﴾ و ﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"، ﴾ وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَسَحْقًا" بِسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "فَسَحُقًا" بِضَمِّ الحاءِ وهُما لُغَتانِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى أهْلَ الإيمانِ وهُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:"بِالغَيْبِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بِالغَيْبِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ والصِراطِ والمِيزانِ والجَنَّةِ والنارِ، فَآمَنُوا بِذَلِكَ وخَشُوا رَبَّهم فِيهِ، ونَحا إلى هَذا قَتادَةُ، والمَعْنى الثانِي: أنَّهم يَخْشَوْنَ رَبَّهم إذا غابُوا عن أعْيُنِ الناسِ، أيْ: في خَلَواتِهِمْ، ومِنهُ تَقَوُّلُ العَرَبِ: "فُلانٌ سالِمُ الغَيْبِ"، أيْ: لا يَضُرُّ، فالمَعْنى: يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الخَشْيَةِ في صَلاتِهِمْ وعِباداتِهِمْ وانْفِرادِهِمْ، فالِاحْتِمالُ الأوَّلُ مَدْحٌ بِالإخْلاصِ والإيمانِ، والثانِي مَدْحٌ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ في الخَلَواتِ، وذَلِكَ أحْرى أنْ يَفْعَلُوها عَلانِيَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَبَبُها أنَّ المُشْرِكِينَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلّا مُحَمَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّ الأمْرَ سَواءٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما هَجَسَ في الصَدْرِ دُونَ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، فَكَيْفَ إذا نَطَقَ بِهِ سِرًّا أو جَهْرًا، و"ذاتُ الصُدُورِ": ما فِيها، وهَذا كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَن" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إعْرابُها رَفْعٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ خَلْقَهُ؟
فالمَفْعُولُ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ، ومِنهم مَن قالَ: إعْرابُها نَصْبٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ اللهُ مَن خَلَقَ؟
وقالَ مَكِّيٌّ: وتَعَلَّقَ أهْلُ الزَيْغِ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي أنَّ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعالى هُمُ العِبادُ مِن حَيْثُ قالَ: "مَن"، فَتَخْرُجُ الأعْمالُ عن ذَلِكَ، لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ تَقُولُ: العِبادُ يَخْلُقُونَ أعْمالَهُمْ، وتَعَلُّقُهم بِهَذا التَأْوِيلِ ضَعِيفٌ، والكَلامُ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ مَأْخَذُهُ غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ فِيها لَهم ولا عَلَيْهِمْ.
و"الذَلُولُ" فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٍ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، يُقالُ: ذَلُولٌ بَيِّنُ الذِلِّ، بِكَسْرِ الذالِ، وذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُلِّ، بِضَمِّ الذالِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المَناكِبِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَناكِبُها: أطْرافُها، وهي الجِبالُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، وهي النَواحِي، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الطُرَفُ والفِجاجُ، وهَذا قَوْلٌ جارٍ مَعَ اللُغَةِ؛ لِأنَّها تَنْكَبُّ يَمْنَةً ويَسْرَةً، ويَنْكَبُّ الماشِي فِيها، في مَناكِبَ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعَمٍ في تَقْرِيبِ التَصَرُّفِ لِلنّاسِ، وفي التَمَتُّعِ في رِزْقِ اللهِ تَعالى، و"النُشُورُ": الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
<div class="verse-tafsir"
أعيد فعل القول للإِشارة إلى أن هذا كلام آخر غير الذي وقع جواباً عن سؤال خزنة جهنم وإنما هذا قول قالوه في مجامعهم في النار تحسراً وتندماً، أي وقال بعضهم لبعض في النار فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿ حتى إذا ادَّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا ﴾ [الأعراف: 38] الخ.
لتأكيد الإِخبار على حسب الوجهين المتقدمين في موقع جملة ﴿ إن أنتم إلاّ في ضلال كبير ﴾ [الملك: 9].
وذكروا ما يدل على انتفاء السمع والعقل عنهم في الدنيا، وهم يريدون سمعاً خاصاً وعقلاً خاصاً، فانتفاء السمع بإعراضهم عن تلقي دعوة الرسل مثل ما حكى الله عن المشركين ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ [فصلت: 26] وانتفاء العقل بترك التدبر في آيات الرسل ودلائل صدقهم فيما يدْعون إليه.
ولا شك في أن أقل الناس عقلاً المشركون لأنهم طرحوا ما هو سبب نجاتهم لغير معارض يعارضه في دينهم، إذ ليس في دين أهل الشرك وعيد على ما يخالف الشرك من معتقدات، ولا على ما يخالف أعمال أهله من الأعمال، فكان حكم العقل قاضياً بأن يتلقوا ما يدعوهم إليه الرسل من الإِنذار بالامتثال إذ لا معارض له في دينهم لولا الإلف والتكبر بخلاف حال أهل الأديان أتباع الرسل الذين كانوا على دين فهم يخشون إن أهملوه أن لا يغني عنهم الدين الجديد شيئاً فكانوا إلى المعذرة أقرب لولا أن الأدلة بعضها أقوى من بعض.
وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ أم تأمرهم أحلامهم بهذا ﴾ [سورة الطور: 32] عن كتاب الحكيم الترمذي أنه أخرج حديثاً " أن رجلاً قال: يا رسول الله ما أعقلَ فلاناً النصراني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مَهْ، إن الكافر لا عقل له أما سمعتَ قول الله تعالى: ﴿ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ﴾ " قال وفي حديث ابن عمر فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " مَهْ إن العاقل من يعمل بطاعة الله " ولم أقف عليه فيما رأيت من كتب التفسير ولم يذكره السيوطي في التفسير بالمأثور في سورة الطور ولا في سورة الملك.
ويؤخذ من هذه الآية أن قوام الصلاح في حسن التلقي وحسن النظر وأن الأثر والنظر، أي القياس هما أصلا الهدى، ومن العجيب ما ذكره صاحب «الكشاف»: أن من المفسرين من قال: إن المراد من الآية: لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي.
ولم أقف على تعيين من فسر الآية بهذا ولا أحسبه إلاّ من قبيل الاسترواح.
و ﴿ أو ﴾ للتقسيم وهو تقسيم باعتبار نوعي الأحوال التي تقتضي حسن الاستماع تارة إذا ألقي إليها إرشاد، وحسنَ التفهم والنظر تارة إذا دعيت إلى النظر من داع غير أنفسها، أو من دواعي أنفسها، قال تعالى: ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ﴾ [الزمر: 1718].
ووجه تقديم السمع على العقل أن العقل بمنزلة الكليّ والسمع بمنزلة الجُزئي ورعياً للترتيب الطبيعي لأن سمع دعوة النذير هو أول ما يتلقاه المنذَرون، ثم يُعمِلون عقولهم في التدبر فيها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذا أُلْقُوا فِيها ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ أُلْقُوا في جَهَنَّمَ.
﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّهِيقَ مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ إلْقائِهِمْ في النّارِ.
الثّانِي: أنَّ الشَّهِيقَ لِجَهَنَّمَ عِنْدَ إلْقاءِ الكُفّارِ فِيها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَشْهَقُ إلَيْهِمْ شَهْقَةَ البَغْلَةِ لِلشَّعِيرِ ثُمَّ تَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا خافَ.
وَفي الشَّهِيقِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّهِيقَ في الصُّدُورِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الصِّياحُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الشَّهِيقَ هو آخِرُ نَهِيقِ الحِمارِ، والزَّفِيرَ مِثْلُ أوَّلِ نَهِيقِ الحِمارِ، وقِيلَ إنَّ الزَّفِيرَ مِنَ الحَلْقِ، والشَّهِيقَ مِنَ الصَّدْرِ.
﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أيْ تَغْلِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَرَكْتُمْ قِدْرَكم لا شَيْءَ فِيها وقِدْرُ القَوْمِ حامِيَةٌ تَفُورُ ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .
.
.
فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَنْقَطِعُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: تَتَفَرَّقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
وَقَوْلُهُ (مِنَ الغَيْطِ) فِيهِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلَيانُ، قالَ الشّاعِرُ فَيا قَلْبُ مَهْلًا وهو غَضْبانُ قَدْ غَلا ∗∗∗ مِنَ الغَيْظِ وسَطَ القَوْمِ ألّا يَثِبَكا الثّانِي: أنَّهُ الغَضَبُ، يَعْنِي غَضَبًا عَلى أهْلِ المَعاصِي وانْتِقامًا لِلَّهِ مِنهم.
﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النُّذُرَ مِنَ الجِنِّ، والرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ، واحِدُهم نَذِيرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَبُعْدًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ يَعْنِي جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ وادٍ مِن جَهَنَّمَ يُسَمّى سُحْقًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو صالِحٍ، وفي هَذا الدُّعاءِ إثْباتٌ لِاسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سمعوا لها شهيقاً ﴾ قال: صياحاً.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟
قالت: إنه كان يستحي مني فيقول: أرسلوا عبدي قال: وإن العبد ليجر إلى النار فيقول يا رب ما كان هذا الظن بك، قال: فما كان ظنك؟
قال: كان ظني أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، قال: وإن الرجل ليخر إلى النار فتشهق إليه شهيق البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.
وأخرج هناد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وهي تفور ﴾ قال: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: تتفرق.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: يفارق بعضها بعضاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول حسان: ألا من مبلغ عني أبياً ** فقد ألقيت في سحق السعير وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فسحقاً لأصحاب السعير ﴾ قال: سحق واد في جهنم.
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ قال: الجنة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالُواْ ﴾ الضمير للكفار أي ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ كلام الرسل ونعقل الصواب ﴿ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير ﴾ ﴿ فاعترفوا بِذَنبِهِمْ ﴾ اعترافهم هذا في وقت لا ينفعهم الاعتراف، وذنبهم هنا يراد به تكذيب الرسل ﴿ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير ﴾ انتصب فسحقاً بفعل مضمر على معنى الدعاء عليهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ من تفوّت ﴾ من التفعل: حمزة وعلي ﴿ هل ترى ﴾ بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ ولقد زينا ﴾ مثل ﴿ لقد سمع ﴾ : ابن فليح ﴿ فسحقا ﴾ بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون ﴿ أءمنتم ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر.
والباقون ﴿ ءأمنتم ﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿ نذيري ﴾ ﴿ ونكيري ﴾ كنظائرهما.
﴿ سيئت ﴾ مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.
﴿ يدعون ﴾ بسكون الدال: يعقوب.
﴿ أهلكني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة ﴿ معي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ فسيعلمون ﴾ على الغيبة: علي.
الوقوف ﴿ الملك ﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿ قدير ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ عملاً ﴾ ه ﴿ الغفور ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿ طباقاً ﴾ ط ﴿ تفاوت ﴾ ط ﴿ البصر ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿ فطور ﴾ ه ﴿ حسير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تفور ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿ الغيظ ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ يذنبهم ﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ أو اجهروا به ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ خلق ﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً.
﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من رزقه ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ هي تمور ﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿ أم أمنتم ﴾ ﴿ حاصبا ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ ويقبض ﴾ م ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ غرور ﴾ ه ﴿ رزقه ﴾ ط ﴿ ونفور ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ص ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ رحمنا ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج ومن قرأ ﴿ فسيعلمون ﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ معين ﴾ ه.
التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ وهو على ﴾ إيجاد ﴿ كل ﴾ ممكن وإعدامه ﴿ قدير ﴾ بيانه أنه ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك.
فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.
وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً.
أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى.
قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم.
زعم الكلبي أنه قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.
وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه.
ومعنى الغاية في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده.
وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.
عن النبي أنه تلاها فلما بلغ قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله.
وعنه أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى" والابتلاء مجاز كما مر في قوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ﴾ وفي الكهف قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مفعول ثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما ﴿ الذي خلق سبع سموات طباقاً ﴾ أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.
ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله أو لكل راءٍ.
والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ".
فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل.
وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " ﴿ وما لها من فروج ﴾ وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى ﴿ خاسئاً ﴾ بعيداً عن إصابة الملمس، قوله ﴿ ولقد زينا ﴾ قد مر تفسيره في " حم السجدة ".
والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به.
وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم.
وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ﴿ وللذين كفروا ﴾ الآية.
ثم وصف جهنم بصفات منمها أن ﴿ لها شهيقاً ﴾ تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار.
ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران.
قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل.
وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.
ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله ﴿ كلما ألقي ﴾ الآية.
على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع.
احتجوا بأنه ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير.
ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة ﴿ لو كنا نسمع ﴾ الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم.
احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي.
وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه.
قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة.
قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد.
وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب.
والفاء في قوله ﴿ فاعترفوا ﴾ للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا ﴿ بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.
قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.
ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه ﴿ فسحقاً ﴾ أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا.
والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً.
وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً ﴿ إن الذين ﴾ الآية.
وقد مر مراراً.
ثم هدد على العموم فقال ﴿ وأسروا ﴾ وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله ﴿ أنه عليم بذات الصدور ﴾ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم.
ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله .
وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية.
ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله.
وأنكر في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله ﴿ وهو اللطيف ﴾ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور.
وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة.
قوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ﴾ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز.
قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى.
قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ﴾ ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة.
ثم قال ﴿ وإليه النشور ﴾ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً.
ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله ﴿ من في السماء ﴾ ظاهر.
وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم ﴿ أأمنتم من ﴾ تزعمون أنه ﴿ في السماء ﴾ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء.
ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور".
والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً.
ثم هدد وأوعد قائلاً ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك.
وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة.
قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر.
وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري.
ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.
قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿ ويقبضن ﴾ دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح.
وإنما قال في " النحل " ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ وفي هذه السورة ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.
﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.
قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله ، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان.
والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي ﴿ هو جند لكم ﴾ هو ﴿ ينصركم من دون الرحمن ﴾ إن أرسل عذابه عليكم ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يشار إليه هذا الذي ﴿ يرزقكم ﴾ بزعمكم ﴿ إن أمسك ﴾ الله ﴿ رزقه ﴾ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم ﴿ بل لجوا في عتو ﴾ وتباعد عن الحق ﴿ ونفور ﴾ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية.
ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً ﴿ أفمن يمشي مكباً ﴾ قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب".
وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل.
وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة.
ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب.
وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر.
والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه.
وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله.
البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم ﴿ في الأرض ﴾ ثم أشار إلى المعاد بقوله ﴿ وإليه تحشرون ﴾ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين".
وحين أمر نبيه أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت.
قال أبو مسلم: المراد كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك ﴿ فلما رأوه ﴾ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ من قبيل ﴿ وسيق ﴾ وأجابهم الله بقوله ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك.
والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب.
قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة.
وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة.
قوله ﴿ سيئت ﴾ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل.
وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح.
قوله ﴿ وقيل هذا الذي ﴾ الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية.
وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.
و ﴿ تدعون ﴾ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.
وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين.
وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه.
يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول وعلى المؤمنين.
بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول.
﴿ قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ﴾ كما تتمنون فنقلب إلى الجنة ﴿ أو رحمنا ﴾ بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو ﴿ فمن يجير الكافرين من عذاب ﴾ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟
وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟
وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟
وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟
النوع الثاني في الجواب ﴿ قل هو الرحمن آمنا به ﴾ ولم نكفر كما كفرتم ﴿ وعليه ﴾ خاصة ﴿ توكلنا ﴾ لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟
ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.
عن الكلبي: لا تناله الدلاء.
والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ".
يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز.
قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر
[قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ فالمصير: هو الطريق، أي: فبئس الطريق طريق من سلكه أفضى به إلى عذاب السعير].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً ﴾ .
الشهيق: هو الصوت المنكر.
ثم من الناس من يقول: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ ، أي: لجهنم.
ومنهم من جعل الشهيق من أهلها، وقد يجوز أن يذكر المكان والمراد منه الأهل؛ كما قال: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ ، وكلا الأمرين يحتمل عندنا، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت كهو [من الذي يعقل]، فليس الذي يعقل الصوت أولى أن يجعل الفعل له من الذي لا يعقل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .
أي: تغلي، ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها؛ ففيه أن طعامهم وشرابهم في النار النار [فيغلي النار بطعامهم وشرابهم].
وقوله: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .
فجائز أن يكون [هذا] كناية عن الخزنة.
وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله أن يجعل في جهنم، وفيما شاء من الأموات ما يعرف به عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا يكاد أن ينقطع في نفسه؛ ويسلم لأوليائه.
ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من الغضب على أعداء الله مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح الله الذين مع رسول الله ؛ لما [وجد] فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله - : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف.
وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ \[ينذركم لقاء يومكم هذا\] ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ .
وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، ﴿ فَكَذَّبْنَا ﴾ بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: ﴿ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مما تنذروننا به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .
فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ .
ففي قوله: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا، فقوله: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ ، ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا.
وقال بعضهم: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ : في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل كما نعقل الآن ﴿ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وهذا غير مستقيم؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
أي: بعدا، على معنى الدعاء عليهم.
وقيل: السحق: واد في جهنم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: يخشون الله - - أن يعذبهم.
أو أن يخشوه فيما أوعدهم.
ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله ، لكنهم يتفاوتون في الخشية.
ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحداً، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله ؛ لما رأى من كثرة نعم الله وغفلته عن حقوق تلك النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله عليها، وقد عرف كل [مؤمن تقصيره] في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، وعرفه متفضلاً عفوّاً غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكراً لغفلته فهو أقل خشية؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعاً ويتيقنون بحلوله، لكنم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة.
ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفاً راجياً، والراجي: هو الذي يطلب، والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئاً يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب.
ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟!
واستدل على صحة ما ذكر بقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته، وقال - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، فقيل: يا رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟!
فقال: "بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة" ، وقال - -: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ .
فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براجٍ ولكنه متمنٍّ، وتبين أنه غير خائف في الحقيقة.
ثم المعتزلة لا يخافون الله ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله - - ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس لله - - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله ، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله وفضله، ولا بذلك وصف الله المؤمنين في كتابه، ولأن الله أثنى على الذين يدعونه؛ خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله ؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جُرْ عليَّ، وذلك عظيم، وإن كان صاحب صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه - - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائراً، فإذا خاف عذابه حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله ؛ ليجور عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها؛ فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .
أي: من يرجو الله ويخافه، فله مغفرة لذنوبه، وأجر كبير، وهو الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .
فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون.
والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ .
تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى الله دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.
وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف ﴿ مَنْ ﴾ لا يرجع إلى الله ، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم الله فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف ﴿ مَنْ ﴾ يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.
وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم يكن الله خالقا لما يهجر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتح به على عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ مذكور على أثر قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله ، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه.
ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .
في تدبيره؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام، وإذا أراد [أحد] أن يتعرف المعنى الذي به صلح للنطق، لم يقف عليه، ودبر قلبه على أن يصور ما يقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن يدع الأسرار والودائع من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار، لم يقفوا عليه.
وقيل: اللطيف: هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق.
وقيل: اللطيف بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم، الخبير بما فيه مصالحهم.
<div class="verse-tafsir"
وقال الكفار: لو كُنَّا نسمع سماعًا يُنْتَفع به، أو نعقل عقل من يميز الحق من الباطل، ما كنا في جملة أصحاب النار، بل كُنَّا نؤمن بالرسل، ونصدق بما جاؤوا به، ونكون من أصحاب الجنّة.
<div class="verse-tafsir" id="91.2zE7n"