الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٣٧ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 105 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون - وهم بنو إسرائيل - مشارق الأرض ومغاربها ( 137 ) ) كما قال تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) [ القصص : 5 ، 6 ] وقال تعالى : ( كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين ) [ الدخان : 25 - 28 ] وعن الحسن البصري وقتادة ، في قوله : ( مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ) يعني : الشام .
وقوله : ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) قال مجاهد وابن جرير : وهي قوله تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) وقوله : ( ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ) أي : وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع ، ( وما كانوا يعرشون ) قال ابن عباس ومجاهد : ( يعرشون ) يبنون .
القول في تأويل قوله : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأورثنا القوم الذين كان فرعون وقومه يستضعفونهم, فيذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم, ويستخدمونهم تسخيرًا واستعبادًا من بني إسرائيل (69) = مشارق الأرض الشأم, وذلك ما يلي الشرق منها = " ومغاربها التي باركنا فيها ", يقول: التي جعلنا فيها الخير ثابتًا دائمًا لأهلها.
(70) وإنما قال جل ثناؤه: (وأورثنا)، لأنه أورث ذلك بني إسرائيل بمهلك من كان فيها من العمالقة.
* * * وبمثل الذي قلنا في قوله: (مشارق الأرض ومغاربها)، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15043 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن إسرائيل , عن فرات القزاز, عن الحسن في قوله: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)، قال: الشأم.
15044 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل, عن فرات القزاز قال: سمعت الحسن يقول, فذكر نحوه.
15045 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن فرات القزاز, عن الحسن، الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ، قال: الشأم.
15046 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)، هي أرض الشأم.
15047 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قوله: (مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)، قال: التي بارك فيها، الشأم.
* * * وكان بعض أهل العربية يزعم " أن مشارق الأرض ومغاربَها نصب على المحلّ, بمعني: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون في مشارق في الأرض ومغاربها = وأن قوله: وأورثنا إنما وقع على قوله: (التي باركنا فيها).
(71) وذلك قول لا معنى له, لأن بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم أيام فرعون غير فرعون وقومه, ولم يكن له سلطان إلا بمصر , فغير جائز والأمر كذلك أن يقال: الذين يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها.
* * * فإن قال قائل: فإن معناه: في مشارق أرض مصر ومغاربها = فإن ذلك بعيد من المفهوم في الخطاب، مع خروجه عن أقوال أهل التأويل والعلماء بالتفسير.
* * * وأما قوله: (وتمت كلمة ربك الحسنى)، فإنه يقول: وَفَي وعدُ الله الذي وعد بني إسرائيل بتمامه, على ما وعدهم، من تمكينهم في الأرض, ونصره إياهم على عدوّهم فرعون = وأن كلمته الحسنى أن قوله جل ثناؤه: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ، [القصص: 5-6].
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15048 - حدثنا محمد بن عمرو قال " حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل)، قال: ظهرَ قوم موسى على فرعون، و تمكين الله لهم في الأرض وما ورَّثهم منها.
(72) 15049 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه.
* * * وأما قوله: (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه)، فإنه يقول: وأهلكنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العِمارات والمزارع =(وما كانوا يعرشون)، يقول: وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور, وأخرجناهم من ذلك كله , وخرَّبنا جميع ذلك.
* * * وقد بينا معنى التعريش أن فيما مضى بشواهده.
(73) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15050 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: (وما كانوا يعرشون)، يقول: يبنون.
15051 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( يعرشون)، يبنون البيوت والمساكن ما بلغت, وكان عنبهم غير معرَّش.
(74) 15052 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: (يَعْرِشُونَ)، بكسر الراء = سوى عاصم بن أبي النجود, فإنه قرأه بضمّها.
* * * قال أبو جعفر: وهما لغتان مشهورتان في العرب, يقال: أن عرَش يعرِش ويعْرُش فإذا كان ذلك كذلك, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لاتّفاق مَعْنَيي ذلك, (75) وأنهما معروفان من كلام العرب.
وكذلك تفعل العرب في أن فعَل إذا ردّته إلى الاستقبال, تضمُّ العين منه أحيانًا , وتكسره أحيانًا.
غير أن أحبَّ القراءتين إليّ كسر الراء "، لشهرتها في العامة، وكثرة القرأة بها، وأنها أصحُّ اللغتين.
* * * -------------------------------------------------------- الهوامش: (69) انظر تفسير (( الاستضعاف )) فيما سلف 12 : 542 .
(70) انظر تفسير (( البركة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( برك ) (71) يعني بالوقوع ، أنه تعدي إليه ، فهو له مفعول به .
(72) في المطبوعة : (( ظهور قوم موسي 000)) ثم : (( وما ورثهم منها )) بزيادة الواو ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو مستقيم غاية الاستقامة .
(73) انظر تفسير (( التعريش )) فيما سلف 12 : 156 .
(74) في المطبوعة : (( غير معروش )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(75) في المطبوعة : (( معني ذلك )) بالأفراد ، وأثبت ما في المخطوطة بالتثنية .
قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون [ ص: 245 ] قوله تعالى وأورثنا القوم يريد بني إسرائيل الذين كانوا يستضعفون أي يستذلون بالخدمة .مشارق الأرض ومغاربها زعم الكسائي والفراء أن الأصل " في مشارق الأرض ومغاربها " ثم حذف " في " فنصب .
والظاهر أنهم ورثوا أرض القبط .
فهما نصب على المفعول الصريح ; يقال : ورثت المال وأورثته المال ; فلما تعدى الفعل بالهمزة نصب مفعولين .
والأرض هي أرض الشأم ومصر .
ومشارقها ومغاربها جهات الشرق والغرب بها ; فالأرض مخصوصة ، عن الحسن وقتادة وغيرهما .
وقيل : أراد جميع الأرض ; لأن من بني إسرائيل داود وسليمان وقد ملكا الأرض .التي باركنا فيها أي بإخراج الزروع والثمار والأنهار .وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل هي قوله : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين .بما صبروا أي بصبرهم على أذى فرعون ، وعلى أمر الله بعد أن آمنوا بموسى .ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون يقال : عرش يعرش إذا بنى .
قال ابن عباس ومجاهد : أي ما كانوا يبنون من القصور وغيرها .
وقال الحسن : هو تعريش الكرم .
وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ( يعرشون ) بضم الراء .
قال الكسائي : هي لغة تميم .
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة ( يعرشون ) بتشديد الراء وضم الياء .
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم اللّه مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر، التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم اللّه جميعا، ومكنهم فيها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا حين قال لهم موسى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .
وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .
( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ) يقهرون ويستذلون بذبح الأبناء واستخدام النساء والاستعباد وهم بنو إسرائيل ( مشارق الأرض ومغاربها ) يعني مصر والشام ( التي باركنا فيها ) بالماء والأشجار والثمار والخصب والسعة ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل ) يعني : وفت كلمة الله وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض ، وذلك قوله تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) القصص - 5 ( بما صبروا ) على دينهم وعلى عذاب فرعون ( ودمرنا ) أهلكنا ( ما كان يصنع فرعون وقومه ) في أرض مصر من العمارات ، ( وما كانوا يعرشون ) قال مجاهد : يبنون من البيوت والقصور .
وقال الحسن : يعرشون من الأشجار والثمار والأعناب .
وقرأ ابن عامر وأبو بكر ( يعرشون ) بضم الراء هاهنا وفي النحل ، وقرأ الآخرون بكسرها .
«وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون» بالاستعباد، وهم بنو إسرائيل «مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها» بالماء والشجر، صفة للأرض وهي الشام «وتمت كلمة ربَّك الحسنى» وهي قوله تعالى (ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض) إلخ «على بني إسرائيل بما صبروا» على أذى عدوهم «ودمَّرنا» أهلكنا «ما كان يصنع فرعون وقومه» من العمارة «وما كانوا يعرُِشون» بكسر الراء وضمها، يرفعون من البنيان.
وأررثنا بني إسرائيل الذين كانوا يُستَذَلُّون للخدمة، مشارق الأرض ومغاربها (وهي بلاد "الشام") التي باركنا فيها، بإخراج الزروع والثمار والأنهار، وتمت كلمة ربك -أيها الرسول- الحسنى على بني إسرائيل بالتمكين لهم في الأرض؛ بسبب صبرهم على أذى فرعون وقومه، ودمَّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه من العمارات والمزارع، وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور وغير ذلك.
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله وكرمه على بنى إسرائيل بعد أ ، بين نهاية فرعون وآله فقال : ( وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا ) .أى : وأعطينا القوم الذين كانوا يستضعفون فى مصر من فرعون وملئه بالاستعباد وقتل الأبناء ، وسوء العذاب ، أعطيناهم من طريق الاستخلاف - قبل أن يزيغوا ويضلوا - مشارق أرض الشام ومغاربها التى باركنا فيها بالخصوبة وسعة الأرزاق ، وبكونها مساكن الأنبياء والصالحين ليكون ذلك امتحانا لهم ، واختبارا لنفوسهم .وجمع - سبحانه - بين صيغتى الماضى والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده ، والمراد بهم بنو إسرائيل ، وذكروا بعنوان القوم ، إظهارا لكمال اللطف بهم ، وعظيم الإحسان إليهم ، حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة .وقوله : ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ ) ، أى : ونفذت كلمة الله الحسنى ومضت عليهم تامة كاملة ، حيث رزقهم - سبحانه - النصر على أعدائهم .
والتمكين فى الأرض بسبب صبرهم على ظلم فرعون وملئه .قال الزمخشرى : وحسبك به حاثا على الصبر .
ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه .
ومن قابله بالصبر ، وانتظار النصر ، ضمن الله له الفرج .وعن الحسن : عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع قوله - تعالى - ثم تلا هذه الآية ( وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ .
.
.
) ومعنى " خف " طاش جزعا وقلة صبر ، ولم يرزق رزانة أولى الصبر " .ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ) من بناء القصور الشاهقة والمنازل القوية ، وما كانوا يرفعونه من البساتين ، والصروح المشيدة ، كصرح هامان وغيره .و ( يَعْرِشُونَ ) بكسر الراء وضمها - أى يرفعون من العرش وهو الشىء المسقف المرفوع .قال الجمل : وقوله ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ) فى إعرابه أوجه :أحدها : أن يكون فرعن اسم كان ويصنع خبر مقدم ، والجملة الكونية صلة والعائد محذوف .
والتقدير : ودمرنا الذى كان فرعون يصنعه .والثانى : أن اسم كان ضمير عائد على ما الموصولة ، ويصنع مسند لفرعون .
والجملة خبر عن كان ، والعائد محذوف ، والتقدير : ودمرنا الذى كان هو يصنعه فرعون .الثالث : أن تكون كان زائدة وما مصدرية والتقدير ودمرنا ما يصنع فرعون أى : صنعه " .وهكذا تنهى السورة الكريمة هذا الدرس بذكر ما أصاب الظالمين والغادرين من دمار وخراب ، وما أصاب المستضعفين الصابرين من خير واستخلاف فى الأرض .
اعلم أن موسى عليه السلام كان قد ذكر لبني إسرائيل قوله: ﴿ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض ﴾ فهاهنا لما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة، بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ والمراد من ذلك الاستضعاف أنه كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة، واختلفوا في معنى مشارق الأرض ومغاربها، فبعضهم حمله على مشارق أرض الشام.
ومصر ومغاربها، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون لعنه الله وأيضاً قوله: ﴿ التى بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.
والقول الثاني: المراد جملة الأرض وذلك لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان قد ملك الأرض، وهذا يدل على أن الأرض هاهنا اسم الجنس.
وقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إِسْرءيلَ ﴾ قيل المراد من ﴿ كَلمةُ ربك ﴾ قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ ﴾ والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة، ومعنى تمت على بني إسرائيل، مضت عليهم واستمرت، من قولهم تم عليك الأمر إذا مضى عليك.
وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض، وإنما كان الإنجاز تماماً للكلام لأن الوعد بالشيء يبقى كالشيء المعلق.
فإذا حصل الموعود به فقد تم لك الوعد وكمل وقوله: ﴿ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ أي إنما حصل ذلك التمام بسبب صبرهم، وحسبك به حاثاً على الصبر، ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج، وقرأ عاصم في رواية ﴿ وَتَمَّتْ كلمات رَبّكَ الحسنى ﴾ ونظيره ﴿ مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى ﴾ وقوله: ﴿ وَدَمَّرْنَا ﴾ قال الليث: الدمار الهلاك التام.
يقال: دمر القوم يدمرون دماراً أي هلكوا، وقوله: ﴿ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ قال ابن عباس يريد الصانع ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ قال الزجاج: يقال عرش يعرش ويعرش إذا بني، قيل: وما كانوا يعرشون من الجنات، ومنه قوله تعالى: ﴿ جنات معروشات ﴾ وقيل: ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء، كصرح هامان وفرعون.
وقرئ يعرشون بالكسر والضم، وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح، قال صاحب الكشاف: وبلغني أنه قرأ بعض الناس ﴿ يغرسون ﴾ من غرس الأشجار وما أحسبه إلا تصحيفاً منه، وهذا آخر ما ذكره الله تعالى من قصة فرعون وقومه وتكذيبهم بآيات الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه.
والأرض: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتصرفوا كيف شاؤا في أطرافها ونواحيها الشرقية والغربية ﴿ بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ بالخصب وسعة الأرزاق ﴿ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى ﴾ قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ ﴾ [القصص: 6] والحسنى: تأنيث الأحسن صفة للكلمة.
ومعنى تمت على بني إسرائيل: مضت عليهم واستمرت من قولك: تمَّ على الأمر إذا مضى عليه ﴿ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ بسبب صبرهم، وحسبك به حاثاً على الصبر، ودالاً على أنّ من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر.
وانتظار النصر ضمن الله له الفرج.
وعن الحسن: عجبت ممن خف كيف خف، وقد سمع قوله.
وتلا الآية.
ومعنى خف: طاش جزعاً وقلة صبر، ولم يرزن رزانة أولي الصبر.
وقرأ عاصم في رواية: ﴿ وتمت كلمات ربك الحسنى ﴾ ونظيره ﴿ مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى ﴾ [النجم: 18] .
﴿ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ ما كانوا يعملون ويسوّون من العمارات وبناء القصور ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ من الجنات ﴿ هُوَ الذى أَنشَأَ جنات معروشات ﴾ [الأنعام: 141] أو وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء.
كصرح هامان وغيره وقرئ: ﴿ يعرشون ﴾ بالكسر والضم.
وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح.
وبلغني أنه قرأ بعض الناس: ﴿ يغرسون ﴾ من غرس الأشجار.
وما أحسبه إلاّ تصحيفاً منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فانْتَقَمْنا مِنهُمْ ﴾ فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم.
﴿ فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ ﴾ أيِ البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ.
وقِيلَ لُجَّتُهُ.
﴿ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ ﴾ أيْ كانَ إغْراقُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وعَدَمِ فِكْرِهِمْ فِيها حَتّى صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلنِّقْمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ فانْتَقَمْنا ﴾ .
﴿ وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ وذَبْحِ الأبْناءِ مِن مُسْتَضْعِفِيهِمْ.
﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ يَعْنِي أرْضَ الشّامِ مَلَكَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ وتَمَكَّنُوا في نَواحِيها.
﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ بِالخِصْبِ وسَعَةِ العَيْشِ.
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ومَضَتْ عَلَيْهِمْ واتَّصَلَتْ بِالانْجازِ عُدَّتِهِ إيّاهم بِالنُّصْرَةِ والتَّمْكِينِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ وقُرِئَ « كَلِماتُ رَبِّكَ» لِتَعَدُّدِ المَواعِيدِ بِما صَبَرُوا بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ.
﴿ وَدَمَّرْنا ﴾ وخَرَّبْنا.
﴿ ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ﴾ مِنَ القُصُورِ والعِماراتِ.
﴿ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ مِنَ الجَنّاتِ أوْ ما كانُوا يَرْفَعُونَ مِنَ البُنْيانِ كَصَرْحِ هامانَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ هُنا وفي « النَّحْلِ» ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ بِالضَّمِّ.
وهَذا آخِرُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} هم بنو إسرائيل كان يستصنعهم فرعون وقومه بالقتل والاستخدام {مشارق الأرض ومغاربها} يعنى ارض مصر والشام التى {التي باركنا فيها} بالخصب وسعة الأرزاق وكثة الأنهار والأشجار {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل} هو قوله عسى ربكم أن يهلكم عدوكم ويستخلفكم فى الأرض أو ونريد انتنمن عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض إلى مَّا كانوا يحذرون والحنسى تأنيث الأحسن صفة للكلمة وعلى صلة تَمُتْ أي مضت عليهم واستمرت من قولكم ثم علي الأمر إذا مضى عليه {بِمَا صَبَرُواْ} بسبب صبرهم وحسبك به حاثاً على الصبر ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله
الأعراف ١٢٩ ١٣٤ إليه ومن قابله بالصبر ضمن الله له الفرج
{وَدَمَّرْنَا} أهلكنا {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقومه} رمن العمارات وبناء القصور {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} من الجنات أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة تفى السماء كصرح هامان وغيره وبضم الراء شامي وأبو بكر وهذا آخر صقة فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله ثم أتبعه قصة بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من قرعون ومعاينتهم الآيات العظام ومجاوزتهم البحر من عبادة البقر وغير ذلك ليتسلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رآه من بني إسرائيل بالمدينة
﴿ وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ وذَبْحِ الأبْناءِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الِاسْتِضْعافِ وتَجَدُّدِهِ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، وذُكِرُوا بِهَذا العُنْوانِ إظْهارًا لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ وعِظَمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ حَيْثُ رُفِعُوا مِن حَضِيضِ المَذَلَّةِ إلى أوْجِ العِزَّةِ، ولَعَلَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عِنْدَ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ.
ونُصِبَ القَوْمُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأوْرَثْنا والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ أيْ: جَمِيعَ جِهاتِها ونَواحِيها، والمُرادُ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أرْضُ الشّامِ، وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ أنَّها أرْضُ الشّامِ ومِصْرُ، وفي رِوايَةٍ أنَّها أرْضُ مِصْرَ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي المُسْتَضْعَفِينَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، أيْ: أوْرَثْنا المُسْتَضْعَفِينَ أرْضَ مُسْتَضْعِفِيهِمْ ومُلْكَهُمْ، ومَعْنى تَوْرِيثِهِمْ إيّاها عَلى القَوْلِ بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إدْخالُها تَحْتَ مِلْكِهِمْ وعَدَمُ وُجُودِ مانِعٍ لَهم عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها أوْ تَمْكِينُ أوْلادِهِمْ فِيها؛ وذَلِكَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، عَلى أنَّ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ فُتِحَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ تَمَكُّنٌ فِيها واسْتِقْرارٌ، وإنَّما كانَ مِلْكٌ وتَصَرُّفٌ، وكانَ التَّمَكُّنُ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، والسَّوْقُ عَلى ما قِيلَ يَقْتَضِي ذِكْرَ ما تَمَكَّنُوا فِيهِ لا ما مَلَكُوهُ، وأقُولُ: قَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ ﴾ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلَيْها؛ فَإنَّها مَوْطِنُ آبائِهِمْ فَيَكُونُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ وعَدَهم هَلاكَ عَدُوِّهِمُ المانِعَ لَهم مِنَ الذَّهابِ إلَيْها، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى إيّاهم خُلَفاءَ فِيها بَعْدَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ أوْ بَعْدَ مَن هي في يَدِهِ إذْ ذاكَ مِنَ العَمالِقَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّ الوَعْدَ قَدْ نُجِزَ، وقَدْ أهْلَكْنا أعْداءَ أُولَئِكَ المَوْعُودِينَ وأوْرَثْناهُمُ الأرْضَ الَّتِي مَنَعُوهم عَنْها ومَكَّنّاهم فِيها، وفي حُصُولِ بُغْيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وما ألْطَفَ تَوْرِيثَ الأبْناءِ مَساكِنَ الآباءِ ﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ بِالخِصْبِ وسِعَةِ الأرْزاقِ أوْ بِذَلِكَ وبِكَوْنِها مَساكِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصّالِحِينَ، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِمَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها الشّامُ ونَواحِيها، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: لَيُهاجِرَنَّ الرَّعْدُ والبَرْقُ والبَرَكاتُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَمِعْتُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا مِنَ الشّامِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِنها أُسْرِيَ بِهِ إلَيْها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِوالَةَ الأزْدِيِّ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، خِرْ لِي بَلَدًا أكُونُ فِيهِ.
قالَ: «عَلَيْكَ بِالشّامِ؛ فَإنَّهُ خِيرَةُ اللَّهِ تَعالى مِن أرْضِهِ، يَجْتَبِي إلَيْهِ خِيرَتَهُ مِن عِبادِهِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««عَلَيْكم بِالشّامِ؛ فَإنَّها صَفْوَةُ بِلادِ اللَّهِ تَعالى يَسْكُنُها خِيَرَتُهُ مِن عِبادِهِ»».
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقى فِيهِ مُؤْمِنٌ إلّا لَحِقَ بِالشّامِ».
وجاءَ مِن حَدِيثِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والطَّبَرانِيِّ وابْنِ حِبّانَ والحاكِمِ أيْضًا وصَحَّحَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««طُوبى لِلشّامِ».
فَقِيلَ لَهُ: ولِمَ؟
قالَ: «إنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ باسِطَةٌ أجْنِحَتَها عَلَيْها»».
والأحادِيثُ في فَضْلِ الشّامِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ جَمَعَها غَيْرُ واحِدٍ إلّا أنَّ في الكَثِيرِ مِنها مَقالًا، وسَبَبُ الوَضْعِ كانَ قَوِيًّا، وهو اسْمٌ لِأحَدِ الأقالِيمِ العُرْفِيَّةِ، وفي القامُوسِ أنَّها بِلادٌ عَنْ مَشْأمَةِ القِبْلَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْمًا مِن بَنِي كَنْعانَ تَشاءَمُوا إلَيْها، أيْ: تَياسَرُوا أوْ سُمِّيَ بِسامَ بْنِ نُوحٍ فَإنَّهُ بِالشِّينِ بِالسُّرْيانِيَّةِ، أوْ لِأنَّ أرْضَها شاماتٌ بِيضٌ وحُمْرٌ وسُودٌ وعَلى هَذا لا تُهْمَزُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الأغْبَشِ، وكانَ قَدْ أدْرَكَ أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سُئِلَ عَمّا بُورِكَ مِنَ الشّامِ أيْنَ مَبْلَغُ حَدِّهِ؟
فَقالَ: أوَّلُ حُدُودِهِ عَرِيشُ مِصْرَ، والحَدُّ الآخَرُ طَرَفُ الثَّنِيَّةِ، والحَدُّ الآخَرُ الفُراتُ، والحَدُّ الآخَرُ جُعِلَ فِيهِ قَبْرُ هُودٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ المُرادُ بِها ما هو مُتَعارَفُ النّاسِ اليَوْمَ، أعْنِي دِمَشْقَ.
نَعَمْ هي داخِلَةٌ فِيها، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى حُدُودِها بِأبْسَطَ مِن هَذا في حَواشِينا عَلى شَرْحِ مُخْتَصَرِ السَّمَرْقَنْدِيَّةِ لِابْنِ عِصامٍ، وقَدْ ولِعَ النّاسُ في دِمَشْقَ مَدْحًا وذَمًّا فَقالَ بَعْضُهُمْ: تَجَنَّبْ دِمَشْقَ ولا تَأْتِها وإنْ شاقَكَ الجامِعُ الجامِعُ فَسُوقُ الفُسُوقِ بِها نافِقٌ ∗∗∗ وفَجْرُ الفُجُورِ بِها طالِعُ وقالَ آخَرُ: دِمَشْقُ غَدَتْ جَنَّةً لِلْوَرى زَها ∗∗∗ وصَفا العَيْشُ في ظِلِّها وفِيها لَدى النَّفْسِ ما تَشْتَهِي ∗∗∗ ولا عَيْبَ فِيها سِوى أهْلِها وقالَ آخَرُ في الشّامِ ولَعَلَّهُ عَنى مُتَعارَفَ النّاسِ: قِيلَ لِي ما يَقُولُ في الشّامِ ∗∗∗ حَبْرُ شامٍ مِن بارِقِ الهَنا ما شامَهْ قُلْتُ ماذا أقُولُ في وصْفِ أرْضٍ ∗∗∗ هي في وجْنَةِ المَحاسِنِ شامَهْ وأنا أقُولُ: إذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي، ونَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ اتِّباعِ الهَوى، والمَوْصُولُ صِفَةُ المَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ فِيهِ العَطْفَ عَلى المَوْصُوفِ قَبْلَ الصِّفَةِ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: قامَ أُمُّ هِنْدٍ وأبُوها العاقِلَةُ، وجُوِّزَ أنَّ يَكُونَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِأوْرَثْنا أيِ: الأرْضَ الَّتِي؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ نَصْبُ المَشارِقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِ يُسْتَضْعَفُونَ عَلى مَعْنى يُسْتَضْعَفُونَ فِيها، وأنْ يَكُونَ المَشارِقُ مَنصُوبَةً بِ يُسْتَضْعَفُونَ والَّتِي صِفَةٌ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِأوْرَثْنا مَحْذُوفٌ؛ أيِ: الأرْضَ أوِ المُلْكَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأنَّ المُتَبادَرَ هو الأوَّلُ.
﴿ وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ: مَضَتْ عَلَيْهِمْ واسْتَمَرَّتْ مِن قَوْلِهِمْ: مَضى عَلى الأمْرِ إذا اسْتَمَرَّ، والمُرادُ مِنَ الكَلِمَةِ وعْدُهُ تَعالى لَهم بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ السّابِقُ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ إلَخْ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ الوَعْدُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهم الوارِثِينَ ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِها عِلْمُهُ تَعالى الأزَلِيُّ، والمَعْنى: مَضى واسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ما كانَ مُقَدَّرًا مِن إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وتَوْرِيثِهِمُ الأرْضَ، و(الحُسْنى) تَأْنِيثُ الأحْسَنِ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الوَعْدِ بِما يُحِبُّونَ ويَسْتَحْسِنُونَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالكَلِمَةِ عِدَتُهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم بِالجَنَّةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ، والتَفَتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( رَبِّكَ ) عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ كانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا كَوْنُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُنْجِزًا لِما وعَدَ ومُجْرِيًا لِما قَضى وقَدَّرَ فَهو مَعْلُومٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذُكِرَ في الكَشْفِ أنَّهُ أدْمَجَ في هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ سَتَتِمُّ كَلِمَةُ رَبِّكَ في شَأْنِكَ أيْضًا.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ.
(كَلِماتُ) بِالجَمْعِ لِأنَّها مَواعِيدُ، والوَصْفُ بِالحُسْنى لِتَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ كُلِّ جَمْعٍ بِمُفْرِدٍ مُؤَنَّثٍ إلّا أنَّ الشّائِعَ في مِثْلِهِ التَّأْنِيثُ بِالتّاءِ، وقَدْ يُؤَنَّثُ بِالألْفِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَآرِبُ أُخْرى ﴾ ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ أيْ: بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ الَّتِي كابَدُوها مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وحَسْبُكَ بِهَذا حاثًّا عَلى الصَّبْرِ ودالًّا عَلى أنَّ مَن قابَلَ البَلاءَ بِالجَزَعِ وكَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، ومَن قابَلَهُ بِالصَّبْرِ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الفَرَجَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْ أنَّ النّاسَ إذا ابْتُلُوا مِن قِبَلِ سُلْطانِهِمْ بِشَيْءٍ صَبَرُوا ودَعَوُا اللَّهَ تَعالى لَمْ يَلْبَثُوا أنْ يَرْفَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهُمْ،ولَكِنَّهم يَفْزَعُونَ إلى السَّيْفِ فَيُوكَلُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: ما أُوتِيَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ما أُوتِيَتْ إلّا بِصَبْرِهِمْ، وما فَزِعَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ إلى السَّيْفِ قَطُّ فَجاءَتْ بِخَيْرٍ، وأقُولُ: قَدْ شاهَدْنا النّاسَ سَنَةَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ والثَّمانِي والأرْبَعِينَ قَدْ فَزِعُوا إلى السَّيْفِ فَما أغْناهم شَيْئًا، ولا تَمَّ لَهم مُرادٌ ولا حُمِدَ مِنهم أمْرٌ، بَلْ وقَعُوا في حَرَّةِ رَحِيلَةَ، ووادِي خِدْباتٍ، وأُمِّ حُبُوكَرَ، ورُمُوا لَعَمْرِ اللَّهِ بِثالِثَةِ الأثافِيِّ، وقُصَّ مِن جَناحِ عَزِّهِمُ القُدامى والخَوافِي، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ عَيْشَ المُضَرِّ حُلْوُهُ مُرٌّ مُقَرٌّ، وأنَّ الفَرَجَ إنَّما يُصْطادُ بِشِباكِ الصَّبْرِ.
وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ: عَجِبْتُ مِمَّنْ خَفَّ كَيْفَ خَفَّ وقَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَلا الآيَةَ، ويُعْلَمُ مِنها أنَّ التَّحَزُّنَ لا يُنافِي الصَّبْرَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وصَفَ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِمُ السّابِقِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ ، ﴿ ودَمَّرْنا ﴾ أيْ: خَرَّبْنا وأهْلَكْنا: ﴿ ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ﴾ في أرْضِ مِصْرَ مِنَ العِماراتِ والقُصُورِ.
أيْ: دَمَّرْنا الَّذِي كانَ هو يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، واسْمُ كانَ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْها وجُمْلَةُ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ مِنَ الفِعْلِ والفاعِلِ خَبَرُ كانَ والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ اسْمَ كانَ، ويَصْنَعُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ الكَوْنِيَّةُ صِلَةُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا.
وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ يَصْنَعُ يَصْلُحُ أنْ يَعْمَلَ في فِرْعَوْنَ فَلا يُقَدَّرُ تَأْخِيرُهُ، كَما لا يُقَدَّرُ تَأْخِيرُ الفِعْلِ في قَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ.
وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ المِثالِ وما نَحْنُ فِيهِ وهو مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ وكانَ سَيْفُ خَطِيبٍ، والتَّقْدِيرُ ما يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ إلَخْ، وقِيلَ: كانَ كَما ذُكِرَ وما مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ودَمَّرْنا الَّذِي يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ إلَخْ.
أيْ: صَنَعَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
﴿ وما كانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ مِنَ الجَنّاتِ أوْ ما كانُوا يَرْضَوْنَهُ مِنَ البُنْيانِ كَصَرْحِ هامانَ، وإلى الأوَّلِ يُشِيرُ كَلامُ الحَسَنِ وإلى الثّانِي كَلامُ مُجاهِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ هُنا وفي النَّحْلِ (يِعْرُشُونَ) بِضَمِّ الرّاءِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، والكَسْرُ عَلى ما ذَكَرَ اليَزِيدِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ أفْصَحُ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ: (يَغْرِسُونَ) مِن غَرْسِ الأشْجارِ، وفي الكَشّافِ: أنَّها تَصْحِيفٌ ولَيْسَ بِهِ.
* * * (وهَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ما وجَدْتُهُ لِبَعْضِ أرْبابِ التَّأْوِيلِ مِنَ العارِفِينَ أنَّ العَصا إشارَةٌ إلى نَفْسِهِ الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها.
أيْ: يَعْتَمِدُ في الحَرَكاتِ والأفْعالِ الحَيَوانِيَّةِ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِ القُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ السَّلِيمَةِ ورِقِّ المَلَكاتِ الفاضِلَةِ والعاداتِ الحَمِيدَةِ مِن شَجَرَةِ الفِكْرِ، وكانَتْ لِتَقَدُّسِها مُنْقادَةً لِأوامِرِهِ مُرْتَدِعَةً عَنْ أفْعالِها الحَيَوانِيَّةِ إلّا بِإذْنِهِ كالعَصا، وإذا أرْسَلَها عِنْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى الخُصُومِ صارَتْ كالثُّعْبانِ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ مِنَ الأكاذِيبِ ويُظْهِرُونَ مِن حِبالِ الشُّبَهاتِ وعَصا المُغالَطاتِ فَيَغْلِبُهم ويَقْهَرُهم.
وأنَّ نَزْعَ اليَدِ إشارَةٌ إلى إظْهارِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ السّاطِعَةِ مِنها أنْوارُ الحَقِّ.
وجَعَلَ بَعْضُهم فِرْعَوْنَ إشارَةً إلى النَّفْسِ الأمّارَةِ، وقَوْمَهُ إشارَةً إلى صِفاتِها، وكَذا السَّحَرَةُ ومُوسى إشارَةً إلى الرُّوحِ، وقَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ العَقْلُ والقَلْبُ والسِّرُّ وعَلى هَذا القِياسِ.
وأوَّلَ النَّيْسابُورِيُّ الطُّوفانَ بِالعِلْمِ الكَثِيرِ، والجَرادَ بِالوارِداتِ والقُمَّلَ بِالإلْهاماتِ، والضَّفادِعَ بِالخَواطِرِ، والدَّمَ بِأصْنافِ المُجاهَداتِ والرِّياضاتِ وهو كَما تَرى.
وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ السِّحْرَ كانَ غالِبًا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ ما كانَتْ، والطِّبَّ ما كانَ غالِبًا في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ، والفَصاحَةَ كانَتْ غالِبًا في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّفاخُرُ بِها أشْهَرُ مِن (قِفا نَبْكِ) فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ القُرْآنَ، وإنَّما كانَتْ مُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مِن جِنْسِ ما غَلَبَ عَلى زَمانِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى إجابَةِ دَعْواهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ يقول: متى ما تأتنا.
ويقال: كلما تأتينا.
وروي عن الخليل أنه قال: مهما تأتنا أصلها الشرطية أدخلت معها ما الزائدة كقوله متى ما تأتني آتك.
وما زائدة فكأنه قال: ما تأتنا به فأبدلوا الهاء من الألف، وهكذا قال الزجاج.
بِهِ مِنْ آيَةٍ يعني: بشيء من آية لِتَسْحَرَنا بِها يعني: لتأخذ أعيننا بها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدقين بأنك مبعوث رسول الله فغضب موسى عند ذلك فدعا عليهم.
قال الله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وهو المطر الدائم من السبت إلى السبت حتى خربت بنيانهم وانقطعت السبل وكادت أن تصير مصر بحراً واحداً، فخافوا الغرق، فاستغاثوا بموسى، فأرسلوا إليه اكشف عنا العذاب نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه، فكشف عنهم المطر، وأرسل الله عليهم الريح فجففت الأرض فخرج من النبات شيء لم يروا مثله بمصر قط.
قالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا ولكنا لم نشعر به.
فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فنقضوا العهد، وعصوا ربهم، فمكثوا شهراً، فدعا عليهم موسى فأرسل الله تعالى عليهم الجراد مثل الليل، فكانوا لا يرون الأرض، ولا السماء من كثرتها، فأكل كل شيء أنبتته الأرض.
فاستغاثوا بموسى وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف: 49] يعني: يا أيها العالم سل لنا ربك ليكشف عنا العذاب، ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه، فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد وألقته في البحر فلم يبق في أرض مصر جرادة واحدة.
فقال لهم فرعون: انظروا هل بقي شيء؟
فنظروا فإذا هو قد بقي لهم بقية من كلئهم وزرعهم ما يكفيهم عامهم ذلك.
قالوا: قد بقي لنا ما فيه بلغتنا هذه السنة.
فقالوا: يا موسى لا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فمكثوا شهراً ثم دعا عليهم فأرسل الله تعالى عليهم القُمَّل.
قال قتادة: القمل أولاد الجرادة التي لا تطير وهكذا قال السدي.
وذكر عن أبي عبيدة أنه قال: القمل عند العرب الحمنان وهو ضرب من القردان فلم يبق من الأرض عود أخضر إلا أكلته.
فأتاهم منه مثل السيل على وجه الأرض، فأكل كل شيء في أرض مصر من نبات الأرض أو ثمر فصاحوا إلى موسى، واستغاثوا به، وقالوا: ادع لنا ربك هذه المرة يكشف عنا العذاب ونحن نطيعك ونعطيك عهداً وموثقاً لنؤمنن بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه فأرسل الله تعالى ريحاً حارة فأحرقته فلم يبق منه شيء، وحملته الريح، فألقته في البحر، فقال لهم موسى: أرسلوا معي بني إسرائيل؟
فقالوا له: قد ذهبت الأنزال كلها فأيش تفعل بعد هذا؟
فعلى أي شيء نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل؟
اذهب فما استطعت أن تضر بنا فافعل.
فمكثوا شهراً فدعا الله تعالى عليهم موسى، فأرسل الله تعالى عليهم آية وهي الضفادع، فخرجوا من البحر، مثل الليل الدامس، فغشوا أهل مصر، ودخلوا البيوت، ووقفوا على ثيابهم، وسررهم، وفرشهم، وكان الرجل منهم يستيقظ بالليل فيجد فراشه وقد امتلأ من الضفادع، فكان الرجل يكلم صاحبه في الطريق يجعل فمه في أذنه ليسمع كلامه من كثرة نعيق الضفادع.
فضاق الأمر عليهم فصاحوا إلى موسى فقالوا يا موسى: لئن رفعت عنا هذه الضفادع لنؤمنن بك ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا لهم موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الضفادع.
فقال لهم موسى: أرسلوا معي بني إسرائيل فقالوا: نعم اخرج بهم ولا تخرج معهم بشيء من مواشيهم شيئاً.
فقالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فمكثوا شهراً، فدعا عليهم، فأرسل الله تعالى عليهم الدم، فجرت أنهارهم دماء، فلم يكونوا يقدرون على الماء العذب ولا غيره، وبنو إسرائيل في الماء العذب.
وكلما دخل رجل من آل فرعون ليستقي من أنهار بني إسرائيل.
صار الماء دماً من بين يديه، ومن خلفه.
فركب فرعون وأشراف أصحابه حتى أتوا أنهار بني إسرائيل فإذا هي عذبة صافية.
فجعل فرعون يدخل الرجل منهم، فإذا دخل واغترف صار الماء في يده دماً.
فمكثوا كذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم فمات كثير منهم في ذلك.
فاستغاثوا بموسى فقال فرعون: اقسم بإلهك يا موسى لئن كشفت عنا الرجز، لنؤمننّ بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الدم، وعذب ماؤهم وصفي.
فعادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يعني: متتابعات قال الحسن وسعيد بن جبير وغيرهما قالوا: مما كانوا يعافون بين كل آيتين شهراً فإذا جاءت الآية، قامت عليهم سبعاً من السبت إلى السبت.
وروي عن مجاهد أنه قال: الطوفان المطر الكثير وقوله آيات صارت نصباً للحال.
وقوله تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تعظموا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: أقاموا على كفرهم.
قوله تعالى: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني: وجب عليهم العذاب وحل بهم قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ يعني: سل لنا ربك بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي: بما أمرك ربك أن تدعو الله ويقال: بالعهد الذي سأل ربك لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ أي: رفعت عنا العذاب لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ يعني: لنصدقنك وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ قال الله تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ يعني: العذاب إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعني: إلى وقت الغرق.
ويقال: إلى بقية آجالهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يعني: ينقضون العهد الذي عاهدوا عليه مع موسى.
قال الله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ يعني في البحر بلسان العبرانية.
وذلك أن الله تعالى أمر موسى بأن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر ليلاً، فاستعارت نسوة بني إسرائيل من نساء آل فرعون حليهن وثيابهن، وقلن: إن لنا خروجاً فخرج موسى ببني إسرائيل في أول الليل وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبي.
فذكر ذلك لفرعون.
فتهيأ للخروج إليهم فلما كان وقت الصبح ركب فرعون ومعه ألف ألف رجل، ومائتا ألف رجل، فأدركهم حين طلعت الشمس وانتهى موسى إلى البحر فضرب البحر فانفلق له اثنا عشر طريقاً.
وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً.
فعبر كل سبط في طريق، وأقبل فرعون ومن معه حتى انتهوا إلى حيث عبر موسى، فدخلوا تلك الطريق في طلبهم فلما دخل آخرهم وهمّ أولهم أن يخرج، أمر الله تعالى أن ينطبق عليهم فغرقهم.
فذلك قوله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: الآيات التسع وهي اليد والعصا والسنون ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يعني: معرضين.
فلم يتفكروا ولم يعتبروا بها حتى رجع موسى ببني إسرائيل، فسكنوا أرض مصر فذلك قوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ يعني: بني إسرائيل الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ أي: الأرض المقدسة وَمَغارِبَهَا يعني: الأردن وفلسطين.
ويقال: مشارق الأرض يعني: الشام ومغاربها الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني بالبركة الماء والثمار الكثيرة وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى يقول: وجبت نصرة ربك بالإحسان عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ قال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض.
وقال مقاتل: يعني: بالكلمة التي ذكرها في سورة القصص وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: 5] وقال الكلبي: وتمت كلمة ربك يعني: نعمة ربك الحسنى.
يعني: أنهم يجزون الحسنى الجنة بِما صَبَرُوا ولم يدخلوا في دين فرعون.
ويقال: وتمت كلمة ربك أي: ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض.
ثم قال: وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يعني: أهلكنا ما كان يعمل فرعون، وأبطلنا كيده ومكره.
وَما كانُوا يَعْرِشُونَ يعني: أهلكنا ما كانوا يبنون من البيوت والكروم.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يَعْرِشُونَ بضم الراء.
وقرأ الباقون بالكسر ومعناهما واحد.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ معناه: حظُّهم ونصيبهم قاله ابن عباس «١» ، وهو مأخوذ من زَجْر الطَّيْرِ فسُمِّيَ ما عند اللَّه من القدر للإِنسان طائراً لما كان الإِنسان يعتقدُ أنَّ كل ما يصيبه إِنما هو بحَسَب ما يراه في الطَّائِرِ، فهي لفظةٌ مستعارةٌ، ومهما أصلها عنْدَ الخليل مَامَا/، فأبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبوَيْهِ: هي «مَهْ مَا» خُلِطَتَا، وهي حَرْفٌ واحدٌ لمعنًى واحدٍ.
وقال غيره: معناها: «مَهُ» ، أي: كُفَّ، و «ما» : جزاءٌ، ذكره الزَّجَّاجُ، وهذه الآيةُ تتضمَّن طغيانهم، وعتوهم، وقَطْعَهم على أنفسهم بالكُفْر البحت.
وقوله سبحانه: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ...
الآية: الطُّوفانُ: مصْدَر مِنْ قولكّ:
طَافَ يَطُوفُ، فهو عامٌ في كلِّ شيء يطُوفُ إِلاَّ أن استعمال العَرَب له كثيرٌ في الماءِ والمَطَر الشديد، قال ابن عبَّاس وغيره: الطُّوفَان في هذه الآية: هو المطر الشديدُ، أصابهم وتوالى عليهم حتَّى هدَّم بيوتَهُمْ وضيَّق عليهم «٢» ، وقيل: طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عليهم، ورُوي في كيفيَّته قصصٌ كثيرةٌ، وقالتْ عائشة رضي اللَّه عنها، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ الطُّوفان المراد في هذه الآية هو الموت» «٣» .
قُلْتُ: ولو صحَّ هذا النقلُ، لم يبق مجملا وروي أن الله عز وجل لما والى عليهم المطر، غَرِقَتْ أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا: يا موسى ادع لنا ربك في كَشْف هذا الغَرَقِ، ونحن نؤمنُ، فدعا، فكَشَفَه اللَّه عنْهم، فأنبتتِ الأرضُ إنباتاً حسناً، فنكَثُوا، وقالوا: ما نودُّ أنَّا لم نمطر، وما هذا إِلا إِحسانٌ مِنَ اللَّه إِلينا، فبعث اللَّه علَيْهم حينئذٍ الجَرَادَ، فأكل جميعَ ما أنبتَتِ الأرض، فروى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنه أكل حتى أبوابَهم، وأكل الحديدَ والمساميرَ، وضيَّق عليهم غايةَ التضْييق، وترك اللَّهُ مِنْ نباتهم ما يَقُومُ به الرَّمق «١» ، فقالوا لموسى: ادع لنا ربَّك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا اللَّه فكَشَفه «٢» ، ورجعوا إِلى كفرهم، فبعث اللَّه عليه القُمَّل، وهي الدبى صغارُ الجَرَادِ، الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس «٣» وغيره، وقرأ الحسن: «القَمْل» «٤» - بفتح القاف، وسكون الميم- فهي على هذا القَمْلُ المعروفُ، وروي أن موسى مشى بعصاه إِلى كثيب أَهِيلٍ «٥» ، فضربَهُ، فانتشر كُلُّه قُمَّلاً في مِصْر، ثم إِنهم قالوا: ادع في كَشْفِ هذا، فدعا فرَجَعُوا إلى طُغْيَانهم، وكُفرهم، فبعَثَ اللَّه عَلَيْهم الضَّفَادَع، فكانَتْ تدخلُ في فَرُشِهِمْ، وبَيْن ثيابهم، وإِذا هَمَّ الرجُلُ أن يتكلَّم، وَثَبَ ضفْدَعٌ في فَمِهِ.
قال ابن جُبَيْر: كان الرجُلُ يجلسُ إلى ذقنه في الضفادع «٦» .
وقال ابنُ عبَّاس: لما أُرْسِلَتِ الضفادِعُ عليهم، وكانَتْ بَرِّيَّةً، سمعتْ وأطاعت، فَجعلتْ تقذفُ أنفسها في القُدُور، وهي تغلي، فأثابها اللَّه بحُسْن طاعتها بَرْدَ «٧» الماء، فقالوا: يا موسى، ادع في كَشْف هذا فدعا، فكشفَ، فرجَعُوا إِلى كُفْرهم، فبعث اللَّه عليهم الدَّم، فرجع ماؤهم الذي يستقونه، ويَحْصُلُ عندهم دماً، فرويَ أنه كان يستقي
القبْطِيُّ والإسرائيليُّ بإِناء واحدٍ، فإِذا خرج الماء، كان الذي يلي القِبْطِيَّ دماً، والذي يلي الإِسرائيليَّ ماءً إِلى نحو هذا، وشبهه، من العذاب بالدَّمِ المنقلبِ عن الماء، هذا قول جماعة من المتأوِّلين.
وقال زيدُ بن أسْلَمَ: إِنما سلط عليهم الرُّعَاف «١» ، فهذا معنى قوله: وَالدَّمَ، وقوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ التفصيل: أصله في الأجرام: إِزالة الاتصال، فهو تفريقُ شيئَيْن، فإِذا استعمل في المعاني، فيراد به أنه فُرِقَ بينها، وأُزِيلَ اشتباكها وإِشكالها، فيجيء من ذلك بيانها.
وقالتْ فرقةٌ: مُفَصَّلاتٍ يراد بها: مفرَّقات في الزمَن.
قال الفخر: قال المفسِّرون: كان العذابُ يبقى عليهم من السَّبْت إِلى السَّبْت، وبَيْنَ العذابِ والعذابِ شَهْرٌ، وهذا معنى قوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، على هذا التأويل، أي:
فصلَ بين بعضها وبَعْضٍ بزمانٍ تمتحنُ فيه أحوالهم، ويُنْظَرُ أيقبلون الحُجَّة والدليلَ، أم يستمرُّون على الخلاف والتقليد.
انتهى.
وقوله عز وجل: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ...
الآية: «الرّجز» : العذابُ، والظاهر من الآية أنَّ المراد بالرجْزِ هنا العذابُ المتقدِّم الذكْر من الطُّوفان والجراد وغيره.
وقال قوم: [إن] الرجْزَ هنا طاعون أنزله اللَّه بهم، واللَّه أعلم، وهذا يحتاجُ إلى سندٍ، وقولهم: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لفظ يعمُّ جميع الوسائل بَيْنَ اللَّه وبَيْنَ موسى من طاعةٍ من موسى ونعمةٍ من اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يكون ذلك منهم على جهَةِ القَسَمِ على موسَى، وقولُهم: لَئِنْ كَشَفْتَ أي: بدعائك، لَنُؤْمِنَنَّ وَلَنُرْسِلَنَّ قسمٌ وجوابُه، وهذا عهدٌ من فرعونَ وَمَلَئِهِ، وروي أنه لما انكشف العذابُ، قال فرعون لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيْثُ شِئْتَ، فخالفه بعْضُ مَلَئِهِ، فرجع ونكث، و «إذا» هنا للمفاجأة، والأَجَلُ: يراد به غايةُ كُلِّ واحد منهم بما يخصُّه من الهلاكِ والموتِ كما تقول: أخَّرْتُ كذا إِلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تريد وقْتاً بعينه، فاللفظ متضمِّن توعُّداً مَّا، وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: غافلين عما تضمَّنته الآيات من النجاة والهدى.
أحَدُها: مَشارِقُ الشّامِ ومَغارِبُها، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مَشارِقُ أرْضِ الشّامِ ومِصْرَ، والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالماءِ والشَّجَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى ﴾ وهي وعْدُ اللَّهِ لَبَنِي إسْرائِيلَ بَإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ﴾ ، وقَدْ بَيَّنّا عِلَّةَ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ في (آَلِ عِمْرانَ:١٤٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي عَلى أذى فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَمَّرْنا ﴾ أيْ: (أهْلَكْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ) مِنَ العِماراتِ والمَزارِعِ، والدَّمارِ: الهَلاكُ.
﴿ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ أيْ: يَبْنُونَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يُعَرِّشُونَ" بِكَسْرِ الرّاءِ هاهُنا وفي (النَّحْلِ:٦٨) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُعَرِّشُونَ" بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَرَّشَ يَعْرِشُ ويُعْرُشُ: إذا بَنى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْكُفُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الكافِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ: بِكَسْرِ الكافِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الكافِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ ﴾ : يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها، يُقالُ لَكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ.
قالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ نُزُولًا بِالرِّقَّةِ، وكانُوا مِن لَخْمٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ البَقَرِ.
وهَذا إخْبارٌ عَنْ عَظِيمِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ تَوَهَّمُوا جَوازَ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بَعْدَما رَأوُا الآَياتِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأورَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ ﴿ وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٍ تَجْهَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ كِنايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ لِاسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، وغَلَبَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: يُرِيدُ أرْضَ الشامِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَحّاسُ: "وَقِيلَ: يُرادُ أرْضُ مِصْرَ وهو قَوْلُ الحَسَنِ في كِتابِ النَقّاشِ "، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الأرْضَ كُلَّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَتَّجِهُ إمّا عَلى المَجازِ لِأنَّهُ مَلَّكَهم بِلادًا كَثِيرَةً، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ في أنَّهُ مَلَكَ ذُرِّيَّتَهُمْ، وهو سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما السَلامُ، ولَكِنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ ورُوِيَ فِيها هو أنَّهُ مَلَّكَ أبْناءَ المُسْتَضْعَفِينَ بِأعْيانِهِمْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لا سِيَّما بِوَصْفِهِ الأرْضَ بِأنَّها الَّتِي بارَكَ فِيها، ولا يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ ويَنْفَرِدُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها إلّا أرْضُ الشامِ لَما بِها مِنَ الماءِ والشَجَرِ والنِعَمِ والفَوائِدِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قائِلٍ لَمْ يُسَمِّهِ -وَذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ الفَرّاءُ - أنَّ ﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: يُسْتَضْعَفُونَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ مَعْمُولٌ لِـ "أورَثْنا" وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو قَوْلٌ غَيْرُ مُتَّجِهٍ.
و"الَّتِي" في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتٌ لِلْأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِـ"مَشارِقَ" و"مَغارِبَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى ﴾ أيْ ما سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ وكَلامِهِ في الأزَلِ مِنَ النَجاةِ مِن عَدُوِّهِمْ والظُهُورِ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ﴾ ، وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ الآيَةُ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "كَلِماتُ".
و"يَعْرِشُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَبْنُونَ، وعَرَشَ البَيْتَ: سَقَفَهُ، والعَرْشُ: البِناءُ والتَنْضِيدُ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الكُرُومِ وما أشْبَهَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الباقُونَ " ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ فِيما رُوِيَ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ ": بِضَمِّها، وكَذَلِكَ في سُورَةِ النَحْلِ.
وهُما لُغَتانِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُعَرِّشُونَ" و"يُعَكِّفُونَ" بِضَمِّ الياءِ فِيهِما وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الراءِ والكافِ مَكْسُورَتَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأيْتُ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْرَجَ عَلى مُلُوكِ السُوءِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُصْبَرَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُدَمِّرُهُمْ، ورَأيْتُ لِغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إذا قابَلَ الناسُ البَلاءَ بِمِثْلِهِ وكَلَهُمُ اللهُ إلَيْهِ، وإذا قابَلُوهُ بِالصَبْرِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، أتى اللهُ بِالفَرَجِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَجاوَزْنا"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَوَّزْنا"، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ والمَهْدَوِيُّ، والمَعْنى: قَطَّعْناهُ بِهِمْ وجَزَّعْناهُ، وهَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءُ خَبَرٍ عنهُمْ، قالَ النَقّاشُ: جاوَزُوا البَحْرَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وأُعْطِيَ مُوسى التَوْراةَ يَوْمَ النَحْرِ القابِلَ، فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ أنَّ قَطْعَهم كانَ مِن ضَفَّةِ البَحْرِ إلى الضَفَّةِ المُناوِحَةِ لِلْأُولى، ورُوِيَ أنَّهُ قَطْعٌ مِنَ الضَفَّةِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ وأمْرٍ لِيَنْفُذَ أمْرُهُ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهَذا هو الظاهِرُ، وإمّا بِحَسَبِ اجْتِهادِ مُوسى في التَخَلُّصِ بِأنْ يَكُونَ بَيْنَ وضْعَيْنِ أوَعارٍ وحايِلاتٍ، ووَقَعَ في كِتابِ النَقّاشِ أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ لا تُساعِدُهُ رِوايَةٌ، ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظٌ إلّا عَلى تَحامُلٍ، وإنَّما هو بَحْرُ القُلْزُمِ.
والقَوْمُ المُشارُ إلَيْهِمْ في الآيَةِ العَرَبُ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم قَوْمٌ مِن لَخْمٍ وجُذامٍ.
والقَوْمُ في الكَلامِ: الرِجالُ خاصَّةً، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ولا أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ ﴾ ، ﴿ وَلا نِساءٌ مِن نِساءٌ ﴾ .
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ عنهُ: "يَعْكِفُونَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.
والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِالشَخْصِ لِأمْرٍ ما، والإكْبابُ عَلَيْهِ، ومِنهُ الِاعْتِكافُ في المَساجِدِ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ........................
∗∗∗ ∗∗∗ عَكْفَ النَبِيطِ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا والأصْنامُ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: كانَتْ بَقَرًا عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تَماثِيلَ بَقْرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن مَقالَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوهُ مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا صَنَمًا نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ ونَكْفُرُ بِرَبِّكَ.
فَعَرَّفَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم إذْ سَألُوا أمْرًا حَرامًا فِيهِ الإشْراكُ في العِبادَةِ، ومِنهُ يَتَطَرَّقُ إلى إفْرادِ الأصْنامِ بِالعِبادَةِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وعَلى هَذا الَّذِي قُلْتُ يَقَعُ التَشابُهُ الَّذِي قَصَّهُ النَبِيُّ في «قَوْلِ أبِي واقِدٍ اللَيْثِيِّ لَهُ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ إذْ مَرُّوا عَلى دَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ: اجْعَلْ لَنا يا رَسُولَ اللهِ ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ، وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهُمْ، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها فِيهِ، فَأرادَ أبُو واقِدٍ وغَيْرُهُ أنْ يُشَرِّعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ في الإسْلامِ، فَرَأى رَسُولُ اللهِ أنَّها ذَرِيعَةٌ إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَرْحَةِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: "اللهُ أكْبَرُ، قُلْتُمْ واللهِ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مِن قَبْلِكُمْ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَقْصِدْ أبُو واقِدٍ بِمَقالَتِهِ فَسادًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ ذَلِكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كُفْرًا، ولَفْظَةُ "الإلَهِ" تَقْتَضِي ذَلِكَ، وهَذا مُحْتَمَلٌ، وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا أصَحُّ عِنْدِي، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها التى بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ .
عطف على ﴿ فانتقمنا منهم ﴾ [الأعراف: 136].
والمعنى: فأخذناهم بالعقاب الذي استحقوه وجازيّنا بني إسرائيل بنعمة عظيمة.
وتقدم ءانفاً الكلام على معنى ﴿ أوْرثنا ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ أوَ لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ﴾ [الأعراف: 100] والمراد هنا تمليك بني إسرائيل جميع الأرض المقدسة بعد أهلها من الأمم التي كانت تملكها من الكنعانيين وغيرهم.
وقد قيل إن فرعون كان له سلطان على بلاد الشام، ولا حاجة إلى هذا إذ ليس في الآية تعيين الموروث عنه.
والقومُ الذين كانوا يُستْضعفون هم بنو إسرائيل كما وقع في الآية الأخرى: ﴿ كذلك وأورثناها بني إسرائيل ﴾ [الشعراء: 59]، وعدل عن تعريفهم بطريق الإضافة إلى تعريفهم بطريق الموصولية لنكتتين: أولاهما: الإيماء إلى علة الخبر، أي أن الله ملَّكهم الأرض وجعلهم أمة حاكمة جزاء لهم على ما صبروا على الاستعباد، غيرة من الله على عبيده.
الثانية: التعريض ببشارة المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بأنهم ستكون لهم عاقبة السلطان كما كانت لبني إسرائيل، جزاء على صبرهم على الأذى في الله، ونذارةُ المشركين بزوال سلطان دينهم.
ومعنى يُستضعفون: يستعْبَدون ويهانون، فالسين والتاء للحسبان مثل استنجب، أو للمبالغة كما في استجاب.
والمشارق والمغارب جُمع باعتبار تعدد الجهات، لأن الجهة أمر نسبي تتعد بتعدد الأمكنة المفروضة، والمراد بهما إحاطة الأمكنة.
و ﴿ الأرض ﴾ أرض الشام وهي الأرض المقدسة وهي تبتدئ من السواحل الشرقية الشمالية للبحر الأحمر وتنتهي إلى سواحل بحر الروم وهو البحر المتوسط وإلى حدود العراق وحدود بلاد العرب وحدود بلاد الترك.
و ﴿ التي باركنا فيها ﴾ صفة للأرض أو لمشارقها ومَغاربها؛ لأن ما صدقيْهما متحدان، أي قدرنا لها البركة، وقد مضى الكلام على البركة عند قوله تعالى: عطف على جملة: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ الخ...
والمقصود من هذا الخبر هو قوله: ﴿ بما صبروا ﴾ تنويهاً بفضيلة الصبر وحسن عاقبته، وبذلك الاعتبار عطفت هذه الجملة على التي قبلها، وإلاّ فإن كلمة الله الحسنى على بني إسرائيل تشمل إيراثهم الأرض التي بارك الله فيها، فتتنزل من جملة: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ إلى آخرها منزلة التذييل الذي لا يعطف، فكان مقتضى العطف هو قوله ﴿ بما صبروا ﴾ .
وكلمة: هي القول، وهو هنا يُحتمل أن يكون المراد به اللفظ الذي وعد الله بني إسرائيل على لسان موسى في قوله: ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ [الأعراف: 129] أو على لسان إبراهيم وهي وعد تمليكهم الأرض المقدسة، فتمام الكلمة تحقق وعدها، شُبّه تحققها بالشيء إذا استوفى أجزاءه، ويحتمل أنها كلمة الله في علمه وقدَره وهي أرادة الله إطلاقهم من استعباد القبط وإرادته تمليكهم الأرض المقدسة كقوله: ﴿ وكلمته ألقاها إلى مريم ﴾ [النساء: 171].
وتمام الكلمة بهذا المعنى ظهور تعلقها التنجيزي في الخارج على نحو قول موسى ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ﴾ [المائدة: 21] وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً ﴾ في سورة الأنعام (115).
و ﴿ الحسنى ﴾ : صفة ل ﴿ كلمة ﴾ وهي صفة تشريف كما يقال: الأسماء الحسنى، أي كلمة ربك المنزهة عن الخُلف، ويحتمل أن يكون المراد حسنَها لبني إسرائيل، وإن كانت سيئة على فرعون وقومه، لأن العدل حسَن وإن كان فيه إضرار بالمحكوم عليه.
والخطاب في قوله: ﴿ ربك ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم أدمح في ذكر القصة إشارة إلى أن الذي حقق نصر موسى وأمته على عدوهم هو ربك فسينصرك وأمتك على عدوكم؛ لأنه ذلك الرب الذي نصر المؤمنين السابقين، وتلك سنتُه وصنعه، وليس في الخطاب التفات من الغيبة إلى الخطاب لاختلاف المراد من الضمائر.
وعدي فعل التمام (بعلى) للإشارة إلى تضمين ﴿ تمت ﴾ معنى الإنعام، أو معنى حقت.
وباء ﴿ بما صبروا ﴾ للسببية، و(ما) مصدرية أي بصبرهم على الأذى في ذات الإله وفي ذلك تنبيه على فائدة الصبر وأن الصابر صائر إلى النصر وتحقيق الأمل.
والتدمير: التخريب الشديد وهو مصدر دمّر الشيء إذا جعله دامراً للتعدية متصرف من الدمار بفتح الدال وهو مصدر قاصر، يقال دَمَر القومُ بفتح الميم يدمُرون بضم الميم دَمارا، إذا هلكوا جميعاً، فهم دامرون.
والظاهر أن إطلاق التدمير على إهلاك المصنوع مجازي علاقته الإطلاق لأن الظاهر أن التدمير حقيقته إهلاك الإنسان.
و ﴿ ما كان يصنع فرعون ﴾ : ما شاده من المصانع، وإسناد الصنع إليه مجاز عقلي لأنه الآمر بالصنع، وأما إسناده إلى قوم فرعون فهو على الحقيقة العقلية بالنسبة إلى القوم لا بالنسبة إلى كل فرد على وجه التغليب.
و ﴿ يَعْرشون ﴾ ينشئون من الجنات ذات العرايش.
والعريش: ما يُرفع من دوالي الكروم، ويطلق أيضاً على النخلات العديدة تربّى في أصل واحد، ولعل جنات القبط كانت كذلك كما تشهد به بعض الصور المرسومة على هياكلهم نقشاً ودهناً، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ في سورة الأنعام (141) وفعله عَرَش من بابي ضرَب ونصَرَ وبالأول قرأ الجمهور، وقرأ بالثاني ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وذلك أن الله خرب ديار فرعون وقومه المذكورين، ودمر جناتهم بما ظلموا بالإهمال، أو بالزلزال، أو على أيديهم جيوش أعدائهم الذين ملكوا مصر بعدهم، ويجوز أن يكون يعرشون } بمعنى يرفعون أي يشيدون من البناء مثل مباني الأهرام والهياكل وهو المناسب لفعل ﴿ دمرنا ﴾ ، شبه البناء المرفوع بالعرش.
ويجوز أن يكون يعرشون استعارة لقوة الملك والدولة ويكون دمرنا ترشيحاً للاستعارة.
وفعل ﴿ كان ﴾ في الصلتين دال على أن ذلك دأبُه وهجيرَاه، أي ما عني به من الصنائع والجنات.
وصيغة المضارع في الخبرين عن (كان) للدلالة على التجدد والتكرر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَسْتَقِلُّونَ.
والثّانِي: يَسْتَذِلُّونَ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُرِيدُ الشَّرْقَ والغَرْبَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
والثّانِي: أرْضُ الشّامِ ومِصْرَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أرْضُ الشّامِ وحْدَها شَرْقُها وغَرْبُها، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالخِصْبِ.
والثّانِي: بِكَثْرَةِ الأنْهارِ والأشْجارِ والثِّمارِ.
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ تَمامَ كَلِمَةِ الحُسْنى ما وعَدَهم مِن هَلاكِ عَدُوِّهِمْ واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكُمْ ﴾ وسَمّاها الحُسْنى لِأنَّهُ وعَدَ بِما يُحِبُّونَ.
والثّانِي: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ ﴿ وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ .
وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما صَبَرُوا عَلى أذى فِرْعَوْنَ.
والثّانِي: بِما صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: فانتقم الله منهم بعد ذلك فأغرقهم في اليم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: ﴿ اليم ﴾ البحر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: ﴿ اليم ﴾ هو البحر.
قوله تعالى ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ﴾ .
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الحسن في قوله: ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ قال: هي أرض الشام.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ﴾ قال: هي أرض الشام.
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن شوذب في قوله: ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ قال: فلسطين.
وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ التي باركنا فيها ﴾ قال: قرى الشام.
وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش.
وأخرج ابن عساكر عن أبي الأغبش، وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سئل عن البركة التي بورك في الشام أين مبلغ حده؟
قال: أول حدوده عريش مصر، والحد الآخر طرف التنية، والحد الآخر الفرات، والحد الآخر جعل فيه قبر هود النبي عليه السلام» .
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن أبي سفيان قال: إن ربك قال لإِبراهيم عليه السلام: أعمر من العريش إلى الفرات الأرض المباركة، وكان أول من اختتن وقرى الضيف.
وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: دمشق بناها غلام إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان حبشياً وهبه له نمرود بن كنعان حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق فسماها على اسمه، وكان إبراهيم جعله على كل شيء له، وسكنها الروم بعد ذلك بزمان.
وأخرج ابن عساكر عن أبي عبد الملك الجزري قال: إذا كانت الدنيا في بلاء وقحط كان الشام في رخاء وعافية، وإذا كان الشام في بلاء وقحط كانت فسلطين في رخاء وعافية، وإذا كانت فلسطين في بلاء وقحط كان بين المقدس في رخاء وعافية، وقال: الشام مباركة، وفلسطين مقدسة، وبيت المقدس قدس ألف مرة.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت لأبي سلام الأسود ما نقلك من حمص إلى دمشق؟
قال: بلغني أن البركة تضعف بها ضعفين.
وأخرج ابن عساكر عن مكحول.
أنه سأل رجلاً أين تسكن؟
قال: الغوطة.
قال له مكحول: ما يمنعك أن تسكن دمشق؟
فإن البركة فيها مضعفة.
وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: مكتوب في التوراة أن الشام كنز الله عز وجل من أرضه بها كنز الله من عباده، يعني بها قبور الأنبياء إبراهيم وإسحق ويعقوب.
وأخرج ابن عساكر عن ثابت بن معبد قال: قال الله تعالى: يا شام أنت خيرتي من بلدي أسكنك خيرتي من عبادي.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والروياني في مسنده وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن زيد بن ثابت قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: «طوبى للشام.
قيل له: ولم؟
قال: أن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم» .
وأخرج البزار والطبراني بسند حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستجندون أجناداً، جنداً بالشام ومصر والعراق واليمن.
قلنا: فَخِرْ لنا يا رسول الله.
قال: عليكم بالشام فإن الله قد تكفل لي بالشام» .
وأخرج البزار والطبراني بسند ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستجندون أجناداً.
فقال رجل: يا رسول الله خِرْ لي.
فقال: عليك بالشام فإنها صفوة الله من بلاده فيها خيرة الله من عباده، فمن رغب عن ذلك فليلحق بنجدة فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» .
وأخرج أحمد وابن عساكر عن عبد الله بن حوالة الأزدي.
أنه قال: يا رسول الله خرْ لي بلداً أكون فيه.
فقال: «عليك بالشام ان الله يقول: يا شام أنت صفوتي من بلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي.
ولفظ أحمد.
فإنه خيرة الله من أرضه يجتبي إليه خيرته من عباده، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله» .
وأخرج ابن عساكر عن وائلة بن الأسقع «سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: عليكم بالشام فانها صفوة بلاد الله يسكنها خيرته من عباده، فمن أبى فليلحق بيمنه ويسق من غدره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن حوالة الأزدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستجندون أجناداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن.
فقال الحوالي: خر لي يا رسول الله.
قال: عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام.
وأخرج ابن عساكر عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل الله على بعض الأنبياء: إن الله يقول: الشام كنانتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم.
وأخرج ابن عساكر والطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «ستفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكاً، فإذا فتحها فاحتلها فأهل الشام مرابطون إلى منتهى الجزيرة، فمن احتل ساحلاً من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حوله فهو في رباط» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجة وابن عساكر عن قرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الناس لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» .
وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن ربيعة قال: سمعت أنه لم يبعث نبي إلا من الشام، فإن لم يكن منها أسريَ به إليها.
وأخرج الحافظ وأبو بكر النجاد في جزء التراجم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم رأيت عمود الإِسلام احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فاتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا فإن الإِيمان حين تقع الفتن بالشام» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشام أرض المحشر والمنشر» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أيوب الأنصاري قال: ليهاجرن الرعد والبرق والبركان إلى الشام.
وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم بن عبد الرحمن قال: مد الفرات على عهد عبد الله، فكره الناس ذلك فقال: يا أيها الناس لا تكرهوا مده فإنه يوشك أن يلتمس فيه طست من ماء فلا يوجد، وذلك حيث يرجع كل ماء إلى عنصره، فيكون الماء وبقية المؤمنين يومئذٍ بالشام.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: أحب البلاد إلى الله الشام، وأحب الشام إليه القدس، وأحب القدس إليه جبل نابلس، ليأتين على الناس زمان يتماسحونه كالحبال بينهم.
وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخل إبليس العراق فقضى منها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ بيسان، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقرية» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: دخل الشيطان بالمشرق فقضى قضاءه، ثم خرج يريد الأرض المقدسة الشام فمنع، فخرج على ساق حتى جاء المغرب فباض بيضه وبسط بها عبقرية.
وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: إني لأجد تردد الشام في الكتب، حتى كأنه ليس الله حاجة إلا بالشام.
وأخرج أحمد وابن عساكر عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا.
قالوا: وفي نجدنا.
وفي لفظ: وفي مشرقنا.
قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان.
زاد ابن عساكر في رواية: وبها تسعة اعشار الشر» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر وقال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «الخير عشرة أعشار تسعة بالشام وواحد في سائر البلدان، والشر عشرة اعشار واحد بالشام وتسعة في سائر البلدان، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم» .
وأخرج الطبراني وابن عساكر عن عبد الله بن مسعود قال: قسم الله الخير فجعله عشرة أعشار، فجعل تسعة اعشاره بالشام وبقيته في سائر الأرضين، وقسم الشر فجعله عشرة أعشار، فجعل تسعة اعشاره بالشام وبقيته في سائر الأرضين.
وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: نجد هذه الأرض في كتاب الله تعالى على صفة النسر فالرأس الشام، والجناحان المشرق والمغرب، والذنب اليمن، فلا يزال الناس بخير ما بقي الرأس، فإذا نزع الرأس هلك الناس، والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا تبقى جزيرة من جزائر العرب إلا وفيهم مقنب خيل من الشام يقاتلونهم على الإِسلام لولاهم لكفروا.
وأخرج ابن عساكر عن إياس بن معاوية قال: مثلت الدنيا على طائر فمصر والبصرة والجناحان، والجزيرة الجؤجؤ، والشام الرأس، واليمن الذنب.
وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: رأس الأرض الشام.
وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: إني لاجد في كتاب الله المنزل: إن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عاماً.
وأخرج ابن عساكر عن بحير بن سعد قال: تقيم الشام بعد خراب الأرض أربعين عاماً.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستخرج نار من حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس.
قلنا يا رسول الله فما تأمرنا؟
قال: عليكم بالشام» .
وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: يوشك أن تخرج نار من اليمن تسوق الناس إلى الشام، تغدوا معهم إذا غدوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتروح معهم إذا راحوا، فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام.
وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فاتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وان الإِيمان إذا وقعت الفتن بالشام» .
وأخرج أبو الشيخ عن الليث بن سعد في قوله: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ﴾ قال: هي مصر، وهي مباركة في كتاب الله.
وأخرج ابن عبد الحكم في تاريخ مصر ومحمد بن الربيع الجيزي في مسند الصحابة الذين دخلوا مصر عن عبد الله بن عمرو قال: مصر أطيب أرض الله تراباً وأبعده خراباً، ولن يزال فيها بركة ما دام في شيء من الأرضين بركة.
وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو قال: من أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها وتنور ثمارها.
وأخرج ابن عبد الحكم عن كعب الأحبار قال: من أراد أن ينظر شبه الجنة فلينظر إلى أرض مصر إذا أزهرت.
وأخرج ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة قال: كان عمرو بن العاصي يقول: ولاية مصر جامعة لعدل الخلافة.
وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي....
قال: خلقت الدنيا على خمس صور على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر، والجناح الأيمن العراق، والجناح الأيسر السند والهند، والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشر ما في الطير الذنب.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن نوف قال: إن الدنيا مثلت على طير فإذا انقطع جناحاه وقع، وإن جناحي الأرض مصر والبصرة، فإذا خربا ذهبت الدنيا.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ قال: ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم منها.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن موسى بن علي عن أبيه قال: كانت بنو إسرائيل بالربع من آل فرعون ووليهم فرعون أربعمائة وأربعين سنة، فاضعف الله ذلك لبني اسرائيل فولاهم ثمانمائة عام وثمانين عاماً.
قال: وإن كان الرجل ليعمر ألف سنة في القرون الأولى، وما يحتلم حتى يبلغ عشرين ومائة سنة.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: لو أن الناس إذ ابتلوا من سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله لم يلبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، والله ما جاؤوا بيوم خير قط، ثم تلا هذه الآية ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: ما أوتيت بنو اسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم، وما فزعت هذه الأمة إلى السيف قط فجاءت بخير.
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: إذا جاء أمر لا كفاء لك به فاصبر وانتظر الفرج من الله.
وأخرج أحمد عن بيان بن حكيم قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فشكا إليه جاراً له قال: اصبر فإن الله سيجيرك منه، فما لبث أن أتى معاوية فحباه وأعطاه، فأتى أبا الدرداء فذكر ذلك له قال: إن ذلك لك منه جزاء.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ﴿ ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال: إن الله تعالى لا يملي للكافر إلا قليلاً حتى يوبقه بعمله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ قال: يبنون.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ قال: يبنون البيوت والمساكن ما بلغت، وكان عنبهم غير معروش.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ ﴾ الآية.
معنى أورثناهم الأرض أي: مكناهم فيها بعد إهلاك من كان بها مع الحكم بأن لهم أن (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ .
معنى الاستضعاف في اللغة: طلب الضعف (٣) (٤) (٥) ﴿ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ أي: بقتل الأبناء واستحياء النساء.
وقوله تعالى: ﴿ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ .
[قال ابن عباس (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال مقاتل: (مشارق الأرض المقدسة ومغاربها) (١١) وقال الزجاج: (فكان منهم داود وسليمان ملكا الأرض) (١٢) (١٣) وقوله: ﴿ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ أي: بإخراج الزروع والثمار والنبات والأشجار والعيون والأنهار.
وقوله تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: مواعيد ربك التي لا خلف فيها ولا ناقض لها (١٤) (١٥) قال مقاتل: (وهي الكلمة التي في القصص: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَحْذَرُونَ ﴾ (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ الْحُسْنَى ﴾ لأنه وعد بما يحبون) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا صَبَرُوا ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: على عذاب فرعون وصنيعه بهم) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَدَمَّرْنَا ﴾ .
قال الليث (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: المصانع (٢٤) ﴿ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ ، أي: يسقفون من القصور) (٢٥) قال مجاهد: (أي: يبنون البيوت والقصور والمساكن) (٢٦) قال الزجاج (٢٧) (٢٨) وقال مقاتل: (أهلكنا ما عمل فرعون وقومه بأرض مصر وما بنوا من المنازل والبيوت) (٢٩) (١) لفظ: (أن) ساقط من (ب).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 76.
(٣) الضَّعْف والضُّعْف بالفتح والضم لغتان خلاف القوة، وقيل: الضعف بالفتح في العقل والرأي، والضُعف بالضم في البدن، واستضعفته: وجدته ضعيفًا، وأضعفته أي: صيرته ضعيفًا.
انظر: "العين" 1/ 281، و"الجمهرة" 2/ 903، و"تهذيب اللغة" 3/ 2119، و"الصحاح" 4/ 1390، و"المجمل" 2/ 562، و"مقاييس اللغة" 3/ 362، و"المفردات" ص 506، و"اللسان" 5/ 2587 (ضعف).
(٤) "تفسير مقاتل" 2/ 59.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 43، والماوردي 2/ 254، والبغوي 3/ 273.
(٦) "تنوير المقباس" 2/ 123.
(٧) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 565، والماوردي 2/ 254، والبغوي 3/ 273، وابن الجوزي 3/ 253.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٩) لفظ: (بها) ساقط من (ب).
(١٠) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 234 - 235، والطبري 9/ 43، وابن أبي حاتم 5/ 1551 من عدة طرق جيدة عن الحسن وقتادة، وهو قول سفيان الثوري في "تفسيره" ص 113.
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 526.
(١١) "تفسير مقاتل" 2/ 59، وزاد فيه: (وهي الأردن وفلسطين) اهـ.
(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 371، وهو قول النحاس في "معانيه" 3/ 72.
(١٣) أكثرهم على أن المراد: الشام؛ لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون والمتصفة بأنها التي بارك فيها، وهو اختيار الطبري 9/ 43، وابن عطية 6/ 56، والرازي 14/ 221.
(١٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 231.
(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 371 وهو قول الطبري 9/ 44، وأخرجه بسند جيد عن مجاهد.
(١٦) "تفسير مقاتل" 2/ 59، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 72 - 73: (قيل: يعني بالكلمة: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ) اهـ.
(١٧) في أصل (أ): (التي ثم صحح إلى الذي).
(١٨) في (أ): (تمام).
(١٩) لفظ: (لتمام) ساقط من (ب).
(٢٠) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 254، والرازي 14/ 222 (٢١) "تنوير المقباس" 2/ 123، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 231 بلا نسبة.
(٢٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1225، وانظر: "العين" 8/ 39، و"الجمهرة" 2/ 638، و"الصحاح" 2/ 659، و"المجمل" 2/ 335، و"مقاييس اللغة" 2/ 300، و"المفردات" ص 318، و"اللسان" 3/ 1420 (دمر).
(٢٣) في "تهذيب اللغة" (ودمرهم الله تدميرًا).
(٢٤) ذكره الرازي 14/ 222.
(٢٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 231، وأخرج الطبري 9/ 44، وابن أبي حاتم 5/ 1552، عن ابن عباس بسند جيد قال: (يبنون).
(٢٦) "تفسير مجاهد" 1/ 245، وأخرجه "الطبري" 9/ 44، و"ابن أبي حاتم" 5/ 1552 من طرق جيدة، وفيه: (يبنون البيوت والمساكن ما بلغت وكان عنبهم غير معروش) اهـ.
(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 371.
(٢٨) لفظ: (ويعرش) ساقط من (ب)، وهو بكسر الراء، والثاني بضمها عَرش يَعْرش ويَعْرُش.
وانظر: "اللسان" 5/ 2881 (عرش).
(٢٩) "تفسر مقاتل" 2/ 60.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ هم بنوا إسرائيل ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ الشام ومصر ﴿ باركنا فِيهَا ﴾ أي بالخصب وكثرة الأرزاق ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ ﴾ أي تمت لهم واستقرت، والكلمة هنا ما قضى لهم في الأزل، وقيل هي قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ أي يبنون، وقيل: هي الكروم وشبهها فهو على الأوّل من العرش وعلى الثاني من العريش ﴿ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها ﴾ أي اجعل لنا صنماً نبعده كما يعبد هؤلاء أصنامهم ولما تم خبر موسى مع فرعون ابتدأ خبره مع بني إسرائيل من هنا إلى قوله: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل ﴾ [الأعراف: 171] ﴿ مُتَبَّرٌ ﴾ من التبار وهو الهلاك ﴿ وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين ﴾ وما بعده مذكور في [البقرة: 47].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.
الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.
الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.
الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.
﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.
التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.
وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.
والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.
قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.
وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.
وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.
ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.
وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.
ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.
فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.
ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.
عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.
وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.
فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.
ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .
و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.
ثم حكى ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.
فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.
قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.
والسنون من الجموع المصححة الشاذة.
عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.
وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.
قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.
قال القاضي: في الآية دلالة على أنه أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.
وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.
وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟
﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.
وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.
وكان النبي يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.
قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.
ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.
وقد تشاءمت اليهود بالنبي وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.
قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.
وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.
ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.
﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.
وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.
قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.
وقيل: هو الموتان.
وقيل: الطاعون.
والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.
فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.
وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.
فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.
وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.
وقيل: البراغيث.
وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.
وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.
وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.
فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.
فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.
وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.
وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.
وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.
ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.
ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.
وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.
أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.
ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.
وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.
ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.
وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.
وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.
قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ﴾ إلى تمام الآيتين.
ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.
وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.
وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.
وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.
ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.
ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.
وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.
وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.
وعن علي أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.
ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.
﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.
وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.
﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.
وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.
قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.
ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.
والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.
وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.
التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.
﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.
وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.
﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.
يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.
﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ ﴾ .
قيل: الرجز: ألوان العذاب الذي كان نزل بهم من الطوفان والجراد والقمل [والضفادع] والدم، وما ذكر.
قالوا: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ ﴾ يحتمل أن يكون كلما حل بهم نوع من العذاب سألوا أن يكشف عنهم، فقالوا: لئن كشفت لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، فلما كشف عنهم الرجز نكثوا ذلك، وعادوا إلى ما كانوا من قبل.
ويحتمل أن يكون قولهم لموسى: ﴿ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ : بعدما حل بهم أنواع العذاب، عند ذلك قالوا: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ فلما كشف [ذلك] عنهم نكثوا عهدهم، وهو قولهم: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن بك، وعادوا إلى ما كانوا، فعند ذلك كان ما ذكر من قوله: ﴿ فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ : بما تدعي بأنك رسول، ﴿ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ : أمكن أن يكون ليس على نفس الإرسال، ولكن على ترك الاستعباد، أي: لا نستعبدهم بعد هذا؛ لأنهم كانوا يستعبدون بني إسرائيل.
وقوله - عز جل -: ﴿ فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ ﴾ لو أطاعوا وأوفوا بالعهد الذي عهدوا [و] لكنهم لما نكثوا ذلك انتقم منهم وهذا الحرف يؤدي إلى مذهب الاعتزال؛ لأنهم يقولون: إن من قتل أو عذب تعذيب إهلاك إنما هلك قبل أجله، وأجله الموت، لكن هذا يصلح ممن يجهل العواقب، وأمّا الله وتعالى يتعالى عن ذلك أن يجعل له أجلين؛ أحدهما: الموت، والآخر: القتل، ولكن جعل أجل مَنْ في علمه أنه يُقتل القتل، ومَنْ يموت حتف أنفه الموت، وكذلك ما روي في الخبر أن: "صلة الرحم تزيد في العمر" ، أي: مَنْ علم منه أنه يصل رحمه، جعل عمره أزيد ممن يعلم أنه لا يصل رحمه، لا أنه يجعل عمره إلى وقت، ثم إذا وصل رحمه زاد؛ لما ذكرنا أن ذلك أمر مَنْ يجهل العواقب، وأما من يعلم ما كان وما يكون أنه لو كان كيف يكون - لا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ ما ذكر على إثره من الغرق: ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ من الطوفان وأنواع العذاب الذي كان حل بهم، ثم كان الإغراق من بعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ , يحتمل الآيات التي جاء بها موسى على وحدانية الله وربوبيته، وهي الحجج والآيات التي تقدم ذكرها من الطوفان والجراد والقمل، وما ذكر.
وقال الحسن: بآياتنا: ديننا.
وقوله: ﴿ وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ قيل: معرضين مكذبين بها، لا أنهم كانوا على غفلة وسهو عنها، لكنهم أعرضوا عنها مكابرين معاندين كأنهم غافلين عنها، وجائز أن يكون: غافلين عما يحل بهم من العقوبة بتكذيبهم.
وقوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ .
هو ما سبق من الوعد لهم بوراثة الأرض، وإنزالهم فيها، وهو قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ ﴾ ، كان وعدهم الاستخلاف والإنزال في أرض عدوّهم، ثم أخبر أنه أنزلهم وأورثهم على ما وعدهم بقوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ باستعبادهم [وقوله:] ﴿ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ قيل: فيه بوجوه: قيل: مشارق الأرض ومغاربها: مملكة فرعون مصر ونواحيها، ما يلي ناحية الشرق وناحية الغرب.
وقيل: كان في بني إسرائيل من بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها من نحو ذي القرنين، وداود، وسليمان.
وقيل: مشارق الأرض ومغاربها: أن فضلوا على أهل مشارق الأرض ومغاربها؛ كقوله: ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ ﴾ قيل: على عالمي هذا الزمان، ثم تفضيله إياهم على البهائم بالجوهر، والخلقة، وعلى الجن بالرسالة والنبوة والمنافع، وعلى جوهرهم من بني آدم بالرسالة والحكمة والملك؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ .
قيل: أرض الشام.
وقيل: أرض مصر ونواحيها.
وقيل: سماها مباركة لأنها مكان الأنبياء - عليهم السلام.
وقل: مباركة لكثرة أنزالها وسعتها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
قيل: هي الجنة، أي: تمت لهم الجنة بما صبروا، وقيل: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ بما كان وعدهم أنه ينزلهم فيها، ويستخلفهم، تم ذلك الوعد [لهم] وهو كما قال: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ تم ما وعد لهم أن يمن عليهم.
وقوله - عز وجل -: بما صبروا يحتمل: بما صبروا على أذى فرعون، ويحتمل: بما صبروا من أداء ما أوجب عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ : على الوقف على ﴿ وَقَوْمُهُ ﴾ ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ : معطوف على قوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ : وهو من العرش الذي يتخذه الملوك.
وقيل: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ - أيضاً -، أي: أهلكنا ما كانوا يعرشون.
قال القتبي: يعرشون، أي: يبنون، والعرش: بيوت، والعرش: سقوف.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ ، أي: أهلكنا وأفسدنا، ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ عَرَش، يَعْرُش ويَعْرِش يعني: يبنون من البيوت والكروم والأشجار.
وقيل في قوله: ﴿ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ : يعني بالاستضعاف: قتل الأبناء واستحياء النساء بأرض "مصر"، ورثهم الله ذلك.
وقيل في قوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ هي النعمة التي أنعمها على بني إسرائيل بما صبروا على البلاء حين كلفوا ما لا يطيقون من استعباد فرعون إياهم، والكلمة التي ذكر ما ذكر في القصص من قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وأورثنا بني إسرائيل الذين كان يستذلهم فرعون وقومه مشارق الأرض ومغاربها، والمقصود بذلك بلاد الشام، هذه البلاد التي بارك الله فيها بإخراج زروعها وثمارها على أكمل ما يكون، وتمت كلمة ربك -أيها الرسول- الحسنى وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 5]، فَمَكَّنَ الله لهم في الأرض بسبب صبرهم على ما أصابهم من أذى فرعون وقومه، ودمرنا ما كان يصنع فرعون من المزارع والمساكن، وما كانوا يبنون من القصور.
من فوائد الآيات الخير والشر والحسنات والسيئات كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك.
شأن الناس في وقت المحنة والمصائب اللجوء إلى الله بدافع نداء الإيمان الفطري.
يحسن بالمؤمن تأمل آيات الله وسننه في الخلق، والتدبر في أسبابها ونتائجها.
تتلاشى قوة الأفراد والدول أمام قوة الله العظمى، والإيمان بالله هو مصدر كل قوة.
يكافئ الله تعالى عباده المؤمنين الصابرين بأن يمكنهم في الأرض بعد استضعافهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.gbKD8"