الآية ١٣٦ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٣٦ من سورة الأعراف

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ ١٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٦ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا ، مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة ، [ أنه ] انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم ، وهو البحر الذي فرقه لموسى ، فجاوزه وبنو إسرائيل معه ، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم ، فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم ، فغرقوا عن آخرهم ، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما نكثوا عهودهم = " انتقمنا منهم ", يقول: انتصرنا منهم بإحلال نقمتنا بهم، (63) وذلك عذابه = " فأغرقناهم في اليمّ", وهو البحر, كما قال ذو الرمة: دَاوِيَّــةٌ وَدُجَــى لَيْــلٍ كَأَنَّهُمَــا يَــمٌّ تَـرَاطَنُ فِـي حَافَاتِـهِ الـرُّومُ (64) وكما قال الراجز: (65) * كَبَاذِحِ الْيَمِّ سَقَاهُ الْيَمُّ * (66) =(بأنهم كذبوا بآياتنا) يقول: فعلنا ذلك بهم بتكذيبهم بحججنا وأعلامنا التي أريناهموها (67) =(وكانوا عنها غافلين)، يقول: وكانوا عن النقمة التي أحللناها بهم، غافلين قبل حلولها بهم أنّها بهم حالَّةٌ.

* * * و " الهاء والألف " في قوله: " عنها "، كناية من ذكر " النقمة ", فلو قال قائل: هي كناية من ذكر " الآيات ", ووجّه تأويل الكلام إلى: وكانوا عنها معرضين = فجعل إعراضهم عنها غفولا منهم إذ لم يقبلوها, كان مذهبًا.

يقال من " الغفلة ", " غفل الرجل عن كذا يغفُل عنه غَفْلة وغُفُولا وغَفَلا ".

(68) ------------------ الهوامش : (63) انظر تفسير (( الانتقام )) فيما سلف 11 : 47 ، 56 ، 57 .

(64) ديوانه : 576 ، من قصيدة باذخة ، وهذا البيت منها في صفه فلاة مخوفة ، يقول قبله : بَيْـنَ الرَّجَـا والرَّجَا من جَنْبٍ وَاصِيَةٍ يَهْمَــاءَ خَابِطُهَـا بِـالخَوْفِ مَكْعُـومُ لِلجِـنِّ بِـاللَّيْلِ فِـي حَافَاتِهَـا زَجَـلٌ كَمَـا تَجَـاوَبَ يَـوْمَ الـرِّيحِ عَيْشُـومُ هَنَّـا، وَهَنَّـا وَمِـنْ هَنَّـا لَهُـنَّ، بِهَا ذَاتَ الشَّــمَائِلِ وَالأَيْمَــانِ هَيْنُــومُ دَوِّيَّــةٌ وَدُجَـي لَيْـل .............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

(( الرجا )) الناحية .

و (( الواصية )) ، فلاة تتصل بفلاة مخوفة أخري ، كأن بعضها يوصي بعضاً بالأهوال .و ((خابطها )) الساري فيها لايكاد يهتدي .

(( يهماء )) ، مبهمة لايكاد المرء يهتدي فيها .

و ((مكعوم )) مشدود الفم ، لايطيق أن ينطق من الرعب .

و (( زجل الجن )) ، صوتها وعزيفها .

و (( ا لعيشوم )) نبت له خشخشة إذا هبت عليه الريح .

و(( الهينوم )) ، الهينمة وهو صوت تسمعه ولا تفهمه .

يقول تأتيه هذه الأصوات من يمين وشمال .

و (( الدوية )) و ، الداوية ، الفلاة التي يسمع فيها دوي الصوت ، لبعد أطرافها.وهذا شعر فاخر .

(65) هو العجاج .

(66) ديوانه : 63 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 227 ، من أرجوزة ذكر فيها مسعود بن عمرو العتكي الأزدي ، وما أصابه وقومه من تميم رهط العجاج .

فقال يذكر تميما وخزيمة ، وقيس عيلان حين اجتمعت كتائبهم وجيوشهم : وَأَصْحَــروا حــين اسْـتَجَمَّ الجَـمُّ بِـــذِي عُبَــابٍ بَحــرُهُ غِطَــمُّ كَبَــاذِخِ اليِـــمِّ سَــقَاهُ اليَــمُّ لَـــهُ نَـــوَاحٌ وَلَـــه أُسْــطُمُّ وكان في المطبوعة: (( كمادح اليم )) ، وهو خطأ ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وقوله : (( كباذخ اليم )) ، يعني موج البحر ، (( سقاه اليم )) ، أي : أمده اليم ، فهو لا يزال في علو وارتفاع .

و (( الغطم )) ، البحر الكثير الماء الملتطم الموج .

و (( أسطم البحر )) ، مجتمعه ووسطه ، حيث يضرب بعضه بعضاً من كثرته.

(67) انظر تفسير(( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) (68) انظر تفسير (( الغفلة )) فيما سلف 2 : 244 ، 316 / 3 : 127 ، 184 /9 : 162 ولم يبين فيما سلف هذا البيان الذي جاء به هنا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين واليم البحر .

وكانوا عنها أي النقمة .

دل عليها فانتقمنا وقيل : عن الآيات أي لم يعتبروا بها حتى صاروا كالغافلين عنها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر اللّه موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ .

وقال هنا: فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ أي: بسبب تكذيبهم بآيات اللّه وإعراضهم عما دلت عليه من الحق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ) يعني : البحر ( بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) أي : عن النقمة قبل حلولها غافلين .

وقيل : معناه عن آياتنا معرضين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليمِّ» البحر الملح «بأنهم» بسبب أنهم «كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين» لا يتدبرونها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فانتقمنا منهم حين جاء الأجل المحدد لإهلاكهم، وذلك بإحلال نقمتنا عليهم، وهي إغراقهم في البحر؛ بسبب تكذيبهم بالمعجزات التي ظهرت على يد موسى، وكانوا عن هذه المعجزات غافلين، وتلك الغفلة هي سبب التكذيب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكت السورة الكريمة نهايتهم الأليمة ، بسبب نقضهم لعهودهم ومواثيقهم فى كل مرة ، وبسبب تكذيبهم لآيات الله .

وعصيانهم لنبيهم موسى - عليه السلام - فقالت : ( فانتقمنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليم بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ) أى : فانتقمنا منهم عند بلوغ الأجل المضروب لإهلاكهم .

بأن أغرقناهم فى اليم - أى البحر - ، وذلك بسبب تكذيبهم لآياتنا الواضحة ، وحججنا الساطعة ، وكانوا عنها غافلين بحيث لا يتدبرونها ، ولا يتفكرون فيما تحمله من عظات وعبر .والقرآن هنا يسوق حادث إغراق فرعون وملئه بصورة مجملة ، فلا يفصل خطواته كما فصلها فى مواطن أخرى ، وذلك لأن المقام هنا هو مقام الأخذ الحاسم بعد الإمهال الطويل ، فلا داعى إذن إلى طول العرض والتفصيل .

إن الحسم السريع هنا أوقع فى النفس ، وأرهب للحس ، وأزجر للقلب ، وأدعى إلى العظة والاعبتار ، ولأن سورة الأعراف - كما سبق أن بينا - يغلب عليها هذا الأسلوب الذى يزلزل قلوب الطغاة ، ويغرس فى النفوس الرهبه والخوف وهى تقص على الناس ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى مضى وصار تاريخا يعلمونه ويتحدثون عنه ، وهو ما حل بالأمم السابقة التى كذبت رسلها وعتت عن أمر ربها .ثم وهى تحكى لهم ما أعد للمستكبرين من عذاب أخروى بسبب عصيانهم وانتهاكهم لحرمات الله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن المعنى أنه تعالى، لما كشف عنهم العذاب من قبل مرات وكرات ولم يمتنعوا عن كفرهم وجهلهم، ثم بلغوا الأجل المؤقت انتقم منهم بأن أهلكهم بالغرق، والانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب، واليم البحر، قال صاحب الكشاف: اليم البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه، واشتقاقه من التيمم، لأن المستقين به يقصدونه وبين تعالى بقوله: ﴿ بأَنَّهُمْ كَذّبوا بئاياتنا ﴾ أن ذلك الانتقام هو لذلك التكذيب.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ عَنهَا غافلين ﴾ اختلفوا في الكناية في عنها فقيل أنها عائدة إلى النقمة التي دل عليها قوله: ﴿ انتقمنا ﴾ والمعنى وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين، وقيل الكناية عائدة إلى الآيات وهو اختيار الزجاج.

قال: لأنهم كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم.

فإن قيل: الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد على الغفلة.

قلنا: المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها، فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها.

فإن قيل: أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة؟

فكيف يكون الانتقام لهذين دون غيرهما.

قلنا: ليس في الآية بيان أنه تعالى انتقم منهم لهذين معاً دلالة على نفي ما عداه، والآية تدل على أن الواجب في الآيات النظر فيها، ولذلك ذمهم بأن غفلوا عنها، وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ ما مصدرية.

والمعنى بعهده عندك وهو النبوّة والباء إمّا أن تتعلق بقوله: ﴿ ادع لَنَا رَبَّكَ ﴾ على وجهين: أحدهما أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوّة.

أو ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.

وإمّا أن يكون قسماً مجاباً بلنؤمنن، أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك ﴿ إلى أَجَلٍ هُم بالغوه ﴾ إلى حدّ من الزمن هم بالغوه لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله ﴿ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾ جواب لما، يعني: فلما كشفناه عنهم فاجاؤوا النكث وبادروا لم يؤخروه ولكن كما كشف عنهم نكثوا ﴿ فانتقمنا مِنْهُمْ ﴾ فأردنا الانتقام منهم ﴿ فأغرقناهم ﴾ .

واليم: البحر الذي لا يدرك قعره.

وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه، واشتقاقه من التيمم، لأن المستنفعين به يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فانْتَقَمْنا مِنهُمْ ﴾ فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم.

﴿ فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ ﴾ أيِ البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ.

وقِيلَ لُجَّتُهُ.

﴿ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ ﴾ أيْ كانَ إغْراقُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وعَدَمِ فِكْرِهِمْ فِيها حَتّى صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلنِّقْمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ فانْتَقَمْنا ﴾ .

﴿ وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ وذَبْحِ الأبْناءِ مِن مُسْتَضْعِفِيهِمْ.

﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ يَعْنِي أرْضَ الشّامِ مَلَكَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ وتَمَكَّنُوا في نَواحِيها.

﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ بِالخِصْبِ وسَعَةِ العَيْشِ.

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ومَضَتْ عَلَيْهِمْ واتَّصَلَتْ بِالانْجازِ عُدَّتِهِ إيّاهم بِالنُّصْرَةِ والتَّمْكِينِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ وقُرِئَ « كَلِماتُ رَبِّكَ» لِتَعَدُّدِ المَواعِيدِ بِما صَبَرُوا بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ.

﴿ وَدَمَّرْنا ﴾ وخَرَّبْنا.

﴿ ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ﴾ مِنَ القُصُورِ والعِماراتِ.

﴿ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ مِنَ الجَنّاتِ أوْ ما كانُوا يَرْفَعُونَ مِنَ البُنْيانِ كَصَرْحِ هامانَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ هُنا وفي « النَّحْلِ» ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ بِالضَّمِّ.

وهَذا آخِرُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فانتقمنا مِنْهُمْ} هو ضد الإنعام كما أن العقاب هو ضد الثواب {فأغرقناهم فِي اليم} هو اببحر الذي لا يدرك قعره أو هو لجة البحر ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لأن االمنتفعين به يقصدونه {بأنهم كذبوا بآياتنا وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين} أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فانْتَقَمْنا مِنهُمْ ﴾ أيْ: فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهُمْ، وأُوِّلُ بِذَلِكَ لِيَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأغْرَقْناهُمْ ﴾ وإلّا فالإغْراقُ عَيْنُ الِانْتِقامِ فَلا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً، وقَدْ أثْبَتَها البَعْضُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ ﴾ إلَخْ.

وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ ﴿ فِي اليَمِّ ﴾ أيِ: البَحْرِ.

كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ويَقَعُ عَلى ما كانَ مُلِحًّا زُعافًا وعَلى النَّهْرِ الكَبِيرِ العَذْبِ الماءِ ولا يُكَسَّرُ ولا يُجْمَعُ جَمْعَ السَّلامَةِ، وقالَ اللَّيْثُ: هو البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّةُ البَحْرِ وهو عَرَبِيٌّ في المَشْهُورِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ سُرْيانِيٌّ وأصْلُهُ كَما قِيلَ: يَمًّا؛ فَعُرِّبَ إلى ما تَرى.

والقَوْلُ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلْبَحْرِ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ غَرِيقٌ في يَمِّ الضَّعْفِ.

﴿ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ.

يَعْنِي أنَّ سَبَبَ الإغْراقِ وما اسْتَوْجَبُوا بِهِ ذَلِكَ العِقابَ هو التَّكْذِيبُ بِالآياتِ العِظامِ، وهو الَّذِي اقْتَضى تَعَلُّقَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا، وهَذا لا يُنافِي تَفْرِيعَ الإرادَةِ عَلى النَّكْثِ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ هو العِلَّةُ الأخِيرَةُ والسَّبَبُ القَرِيبُ، ولا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ الأسْبابِ وتَرَتُّبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، قالَهُ الشِّهابُ ونُورُ الحَقِّ ساطِعٌ مِنهُ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: الفاءُ وإنْ دَلَّتْ عَلى تَرَتُّبِ الإغْراقِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ النَّكْثِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ جَمِيعِ ذَلِكَ تَكْذِيبُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وما عُطِفَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مَزْجَرَةً لِلسّامِعِينَ عَنْ تَكْذِيبِ الآياتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

انْتَهى، وفِيهِ مُناقَشَةٌ لا تَخْفى.

﴿ وكانُوا عَنْها غافِلِينَ ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْآياتِ والغَفْلَةُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الذِّكْرِ والمُبالاةِ، أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِها وتَفَكُّرِهِمْ فِيها بِحَيْثُ صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ وإلّا فالمُكَذِّبُ بِأمْرٍ لا يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ لِلتَّنافِي بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَها لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُكَذِّبَ بِها مَعَ عِلْمِهِ بِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الضَّمِيرَ لِلنِّقْمَةِ وأُرِيدَ بِها الغَرَقُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ قَدْ، ولا مَجازَ في الغَفْلَةِ حِينَئِذٍ، والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ يقول: متى ما تأتنا.

ويقال: كلما تأتينا.

وروي عن الخليل أنه قال: مهما تأتنا أصلها الشرطية أدخلت معها ما الزائدة كقوله متى ما تأتني آتك.

وما زائدة فكأنه قال: ما تأتنا به فأبدلوا الهاء من الألف، وهكذا قال الزجاج.

بِهِ مِنْ آيَةٍ يعني: بشيء من آية لِتَسْحَرَنا بِها يعني: لتأخذ أعيننا بها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدقين بأنك مبعوث رسول الله  فغضب موسى عند ذلك فدعا عليهم.

قال الله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وهو المطر الدائم من السبت إلى السبت حتى خربت بنيانهم وانقطعت السبل وكادت أن تصير مصر بحراً واحداً، فخافوا الغرق، فاستغاثوا بموسى، فأرسلوا إليه اكشف عنا العذاب نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل.

فدعا موسى ربه، فكشف عنهم المطر، وأرسل الله عليهم الريح فجففت الأرض فخرج من النبات شيء لم يروا مثله بمصر قط.

قالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا ولكنا لم نشعر به.

فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.

فنقضوا العهد، وعصوا ربهم، فمكثوا شهراً، فدعا عليهم موسى فأرسل الله تعالى عليهم الجراد مثل الليل، فكانوا لا يرون الأرض، ولا السماء من كثرتها، فأكل كل شيء أنبتته الأرض.

فاستغاثوا بموسى وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف: 49] يعني: يا أيها العالم سل لنا ربك ليكشف عنا العذاب، ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل.

فدعا موسى ربه، فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد وألقته في البحر فلم يبق في أرض مصر جرادة واحدة.

فقال لهم فرعون: انظروا هل بقي شيء؟

فنظروا فإذا هو قد بقي لهم بقية من كلئهم وزرعهم ما يكفيهم عامهم ذلك.

قالوا: قد بقي لنا ما فيه بلغتنا هذه السنة.

فقالوا: يا موسى لا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فمكثوا شهراً ثم دعا عليهم فأرسل الله تعالى عليهم القُمَّل.

قال قتادة: القمل أولاد الجرادة التي لا تطير وهكذا قال السدي.

وذكر عن أبي عبيدة أنه قال: القمل عند العرب الحمنان وهو ضرب من القردان فلم يبق من الأرض عود أخضر إلا أكلته.

فأتاهم منه مثل السيل على وجه الأرض، فأكل كل شيء في أرض مصر من نبات الأرض أو ثمر فصاحوا إلى موسى، واستغاثوا به، وقالوا: ادع لنا ربك هذه المرة يكشف عنا العذاب ونحن نطيعك ونعطيك عهداً وموثقاً لنؤمنن بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل.

فدعا موسى ربه فأرسل الله تعالى ريحاً حارة فأحرقته فلم يبق منه شيء، وحملته الريح، فألقته في البحر، فقال لهم موسى: أرسلوا معي بني إسرائيل؟

فقالوا له: قد ذهبت الأنزال كلها فأيش تفعل بعد هذا؟

فعلى أي شيء نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل؟

اذهب فما استطعت أن تضر بنا فافعل.

فمكثوا شهراً فدعا الله تعالى عليهم موسى، فأرسل الله تعالى عليهم آية وهي الضفادع، فخرجوا من البحر، مثل الليل الدامس، فغشوا أهل مصر، ودخلوا البيوت، ووقفوا على ثيابهم، وسررهم، وفرشهم، وكان الرجل منهم يستيقظ بالليل فيجد فراشه وقد امتلأ من الضفادع، فكان الرجل يكلم صاحبه في الطريق يجعل فمه في أذنه ليسمع كلامه من كثرة نعيق الضفادع.

فضاق الأمر عليهم فصاحوا إلى موسى فقالوا يا موسى: لئن رفعت عنا هذه الضفادع لنؤمنن بك ولنرسلن معك بني إسرائيل.

فدعا لهم موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الضفادع.

فقال لهم موسى: أرسلوا معي بني إسرائيل فقالوا: نعم اخرج بهم ولا تخرج معهم بشيء من مواشيهم شيئاً.

فقالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.

فمكثوا شهراً، فدعا عليهم، فأرسل الله تعالى عليهم الدم، فجرت أنهارهم دماء، فلم يكونوا يقدرون على الماء العذب ولا غيره، وبنو إسرائيل في الماء العذب.

وكلما دخل رجل من آل فرعون ليستقي من أنهار بني إسرائيل.

صار الماء دماً من بين يديه، ومن خلفه.

فركب فرعون وأشراف أصحابه حتى أتوا أنهار بني إسرائيل فإذا هي عذبة صافية.

فجعل فرعون يدخل الرجل منهم، فإذا دخل واغترف صار الماء في يده دماً.

فمكثوا كذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم فمات كثير منهم في ذلك.

فاستغاثوا بموسى فقال فرعون: اقسم بإلهك يا موسى لئن كشفت عنا الرجز، لنؤمننّ بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل.

فدعا موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الدم، وعذب ماؤهم وصفي.

فعادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يعني: متتابعات قال الحسن وسعيد بن جبير وغيرهما قالوا: مما كانوا يعافون بين كل آيتين شهراً فإذا جاءت الآية، قامت عليهم سبعاً من السبت إلى السبت.

وروي عن مجاهد أنه قال: الطوفان المطر الكثير وقوله آيات صارت نصباً للحال.

وقوله تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تعظموا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: أقاموا على كفرهم.

قوله تعالى: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني: وجب عليهم العذاب وحل بهم قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ يعني: سل لنا ربك بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي: بما أمرك ربك أن تدعو الله ويقال: بالعهد الذي سأل ربك لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ أي: رفعت عنا العذاب لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ يعني: لنصدقنك وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ قال الله تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ يعني: العذاب إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعني: إلى وقت الغرق.

ويقال: إلى بقية آجالهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يعني: ينقضون العهد الذي عاهدوا عليه مع موسى.

قال الله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ يعني في البحر بلسان العبرانية.

وذلك أن الله تعالى أمر موسى بأن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر ليلاً، فاستعارت نسوة بني إسرائيل من نساء آل فرعون حليهن وثيابهن، وقلن: إن لنا خروجاً فخرج موسى ببني إسرائيل في أول الليل وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبي.

فذكر ذلك لفرعون.

فتهيأ للخروج إليهم فلما كان وقت الصبح ركب فرعون ومعه ألف ألف رجل، ومائتا ألف رجل، فأدركهم حين طلعت الشمس وانتهى موسى إلى البحر فضرب البحر فانفلق له اثنا عشر طريقاً.

وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً.

فعبر كل سبط في طريق، وأقبل فرعون ومن معه حتى انتهوا إلى حيث عبر موسى، فدخلوا تلك الطريق في طلبهم فلما دخل آخرهم وهمّ أولهم أن يخرج، أمر الله تعالى أن ينطبق عليهم فغرقهم.

فذلك قوله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: الآيات التسع وهي اليد والعصا والسنون ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يعني: معرضين.

فلم يتفكروا ولم يعتبروا بها حتى رجع موسى ببني إسرائيل، فسكنوا أرض مصر فذلك قوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ يعني: بني إسرائيل الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ أي: الأرض المقدسة وَمَغارِبَهَا يعني: الأردن وفلسطين.

ويقال: مشارق الأرض يعني: الشام ومغاربها الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني بالبركة الماء والثمار الكثيرة وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى يقول: وجبت نصرة ربك بالإحسان عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ قال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض.

وقال مقاتل: يعني: بالكلمة التي ذكرها في سورة القصص وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: 5] وقال الكلبي: وتمت كلمة ربك يعني: نعمة ربك الحسنى.

يعني: أنهم يجزون الحسنى الجنة بِما صَبَرُوا ولم يدخلوا في دين فرعون.

ويقال: وتمت كلمة ربك أي: ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض.

ثم قال: وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يعني: أهلكنا ما كان يعمل فرعون، وأبطلنا كيده ومكره.

وَما كانُوا يَعْرِشُونَ يعني: أهلكنا ما كانوا يبنون من البيوت والكروم.

وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يَعْرِشُونَ بضم الراء.

وقرأ الباقون بالكسر ومعناهما واحد.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ معناه: حظُّهم ونصيبهم قاله ابن عباس «١» ، وهو مأخوذ من زَجْر الطَّيْرِ فسُمِّيَ ما عند اللَّه من القدر للإِنسان طائراً لما كان الإِنسان يعتقدُ أنَّ كل ما يصيبه إِنما هو بحَسَب ما يراه في الطَّائِرِ، فهي لفظةٌ مستعارةٌ، ومهما أصلها عنْدَ الخليل مَامَا/، فأبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبوَيْهِ: هي «مَهْ مَا» خُلِطَتَا، وهي حَرْفٌ واحدٌ لمعنًى واحدٍ.

وقال غيره: معناها: «مَهُ» ، أي: كُفَّ، و «ما» : جزاءٌ، ذكره الزَّجَّاجُ، وهذه الآيةُ تتضمَّن طغيانهم، وعتوهم، وقَطْعَهم على أنفسهم بالكُفْر البحت.

وقوله سبحانه: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ...

الآية: الطُّوفانُ: مصْدَر مِنْ قولكّ:

طَافَ يَطُوفُ، فهو عامٌ في كلِّ شيء يطُوفُ إِلاَّ أن استعمال العَرَب له كثيرٌ في الماءِ والمَطَر الشديد، قال ابن عبَّاس وغيره: الطُّوفَان في هذه الآية: هو المطر الشديدُ، أصابهم وتوالى عليهم حتَّى هدَّم بيوتَهُمْ وضيَّق عليهم «٢» ، وقيل: طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عليهم، ورُوي في كيفيَّته قصصٌ كثيرةٌ، وقالتْ عائشة رضي اللَّه عنها، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ الطُّوفان المراد في هذه الآية هو الموت» «٣» .

قُلْتُ: ولو صحَّ هذا النقلُ، لم يبق مجملا وروي أن الله عز وجل لما والى عليهم المطر، غَرِقَتْ أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا: يا موسى ادع لنا ربك في كَشْف هذا الغَرَقِ، ونحن نؤمنُ، فدعا، فكَشَفَه اللَّه عنْهم، فأنبتتِ الأرضُ إنباتاً حسناً، فنكَثُوا، وقالوا: ما نودُّ أنَّا لم نمطر، وما هذا إِلا إِحسانٌ مِنَ اللَّه إِلينا، فبعث اللَّه علَيْهم حينئذٍ الجَرَادَ، فأكل جميعَ ما أنبتَتِ الأرض، فروى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنه أكل حتى أبوابَهم، وأكل الحديدَ والمساميرَ، وضيَّق عليهم غايةَ التضْييق، وترك اللَّهُ مِنْ نباتهم ما يَقُومُ به الرَّمق «١» ، فقالوا لموسى: ادع لنا ربَّك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا اللَّه فكَشَفه «٢» ، ورجعوا إِلى كفرهم، فبعث اللَّه عليه القُمَّل، وهي الدبى صغارُ الجَرَادِ، الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس «٣» وغيره، وقرأ الحسن: «القَمْل» «٤» - بفتح القاف، وسكون الميم- فهي على هذا القَمْلُ المعروفُ، وروي أن موسى مشى بعصاه إِلى كثيب أَهِيلٍ «٥» ، فضربَهُ، فانتشر كُلُّه قُمَّلاً في مِصْر، ثم إِنهم قالوا: ادع في كَشْفِ هذا، فدعا فرَجَعُوا إلى طُغْيَانهم، وكُفرهم، فبعَثَ اللَّه عَلَيْهم الضَّفَادَع، فكانَتْ تدخلُ في فَرُشِهِمْ، وبَيْن ثيابهم، وإِذا هَمَّ الرجُلُ أن يتكلَّم، وَثَبَ ضفْدَعٌ في فَمِهِ.

قال ابن جُبَيْر: كان الرجُلُ يجلسُ إلى ذقنه في الضفادع «٦» .

وقال ابنُ عبَّاس: لما أُرْسِلَتِ الضفادِعُ عليهم، وكانَتْ بَرِّيَّةً، سمعتْ وأطاعت، فَجعلتْ تقذفُ أنفسها في القُدُور، وهي تغلي، فأثابها اللَّه بحُسْن طاعتها بَرْدَ «٧» الماء، فقالوا: يا موسى، ادع في كَشْف هذا فدعا، فكشفَ، فرجَعُوا إِلى كُفْرهم، فبعث اللَّه عليهم الدَّم، فرجع ماؤهم الذي يستقونه، ويَحْصُلُ عندهم دماً، فرويَ أنه كان يستقي

القبْطِيُّ والإسرائيليُّ بإِناء واحدٍ، فإِذا خرج الماء، كان الذي يلي القِبْطِيَّ دماً، والذي يلي الإِسرائيليَّ ماءً إِلى نحو هذا، وشبهه، من العذاب بالدَّمِ المنقلبِ عن الماء، هذا قول جماعة من المتأوِّلين.

وقال زيدُ بن أسْلَمَ: إِنما سلط عليهم الرُّعَاف «١» ، فهذا معنى قوله: وَالدَّمَ، وقوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ التفصيل: أصله في الأجرام: إِزالة الاتصال، فهو تفريقُ شيئَيْن، فإِذا استعمل في المعاني، فيراد به أنه فُرِقَ بينها، وأُزِيلَ اشتباكها وإِشكالها، فيجيء من ذلك بيانها.

وقالتْ فرقةٌ: مُفَصَّلاتٍ يراد بها: مفرَّقات في الزمَن.

قال الفخر: قال المفسِّرون: كان العذابُ يبقى عليهم من السَّبْت إِلى السَّبْت، وبَيْنَ العذابِ والعذابِ شَهْرٌ، وهذا معنى قوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، على هذا التأويل، أي:

فصلَ بين بعضها وبَعْضٍ بزمانٍ تمتحنُ فيه أحوالهم، ويُنْظَرُ أيقبلون الحُجَّة والدليلَ، أم يستمرُّون على الخلاف والتقليد.

انتهى.

وقوله عز وجل: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ...

الآية: «الرّجز» : العذابُ، والظاهر من الآية أنَّ المراد بالرجْزِ هنا العذابُ المتقدِّم الذكْر من الطُّوفان والجراد وغيره.

وقال قوم: [إن] الرجْزَ هنا طاعون أنزله اللَّه بهم، واللَّه أعلم، وهذا يحتاجُ إلى سندٍ، وقولهم: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لفظ يعمُّ جميع الوسائل بَيْنَ اللَّه وبَيْنَ موسى من طاعةٍ من موسى ونعمةٍ من اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يكون ذلك منهم على جهَةِ القَسَمِ على موسَى، وقولُهم: لَئِنْ كَشَفْتَ أي: بدعائك، لَنُؤْمِنَنَّ وَلَنُرْسِلَنَّ قسمٌ وجوابُه، وهذا عهدٌ من فرعونَ وَمَلَئِهِ، وروي أنه لما انكشف العذابُ، قال فرعون لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيْثُ شِئْتَ، فخالفه بعْضُ مَلَئِهِ، فرجع ونكث، و «إذا» هنا للمفاجأة، والأَجَلُ: يراد به غايةُ كُلِّ واحد منهم بما يخصُّه من الهلاكِ والموتِ كما تقول: أخَّرْتُ كذا إِلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تريد وقْتاً بعينه، فاللفظ متضمِّن توعُّداً مَّا، وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: غافلين عما تضمَّنته الآيات من النجاة والهدى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ.

وفي هَذا العَذابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ طاعُونٌ أهْلَكَ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ العَذابُ الَّذِي سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَرادِ والقَمْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: "الرِّجْزُ" العَذابُ.

أوِ العَمَلُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى العَذابِ.

ومَعْنى الرِّجْزِ في العَذابِ: أنَّهُ المُقَلْقَلُ لَشِدَّتِهِ قَلْقَلَةً شَدِيدَةً مُتَتابِعَةً.

وأصْلُ الرِّجْزِ في اللُّغَةِ: تَتابُعُ الحَرَكاتِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ناقَةٌ رَجْزاءُ، إذا كانَتْ تَرْتَعِدُ قَوائِمُها عِنْدَ قِيامِها.

ومِنهُ رَجْزُ الشِّعْرِ، لِأنَّهُ أقْصَرُ أبْياتِ الشِّعْرِ، والِانْتِقالُ مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، سَرِيعٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ: يا لَيْتَنِي فِيها جِذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ وَزَعَمَ الخَلِيلُ أنَّ الرَّجْزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّما هو أنْصافُ أبْياتٍ وأثْلاثُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: بِما أوْصاكَ أنْ تَدْعُوَهُ بِهِ.

والثّانِي: بِما تَقَدَّمَ بِهِ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَهُ فَيُجِيبُكَ.

والثّالِثُ: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ في كَشْفِ العَذابِ عَمَّنْ آَمَنَ.

والرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى مَعْنى القَسَمِ، كَأنَّهم أقْسَمُوا عَلَيْهِ بِما عَهِدَ عِنْدَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ ﴾ أيْ: إلى وقْتٍ غَرَقِهِمْ.

﴿ إذا هم يَنْكُثُونَ ﴾ أيْ: يَنْقُضُونَ العَهْدَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهُمْ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: انْتَصَرْنا مِنهم بِإحْلالِ نِقْمَتِنا بِهِمْ، وتِلْكَ النِّقْمَةُ تَغْرِيقُنا إيّاهم في اليَمِّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اليَمُّ: البَحْرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَنِ الآَياتِ، وغَفْلَتِهِمْ: تَرْكُهم الِاعْتِبارَ بِها.

والثّانِي: عَنِ النِّقْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِجْزُ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ ﴾ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ ﴾ "الرِجْزُ": العَذابُ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِالرِجْزِ العَذابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ مِنَ الطُوفانِ والجَرادِ وغَيْرِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ هُنا بِالرِجْزِ إنَّما هي إلى طاعُونٍ أنْزَلَهُ فِيهِمْ، فَماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ يَذْبَحُوا كَبْشًا ويَضْمُخُوا أبْوابَهم بِالدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْطِ في نُزُولِ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وهَذِهِ الأخْبارُ وما شاكَلَها إنَّما تُؤْخَذُ مِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ بِما عَهِدَ ﴾ يُرِيدُونَ: بِذِمامِكَ وماتَّتِكَ إلَيْهِ، فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ الوَسائِلِ بَيْنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبَيْنَ مُوسى مِن طاعَةِ مُوسى ونِعْمَةٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ القَسَمِ عَلى مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ ماتًّا إلَيْهِ بِما عَهِدَ إلَيْكَ، ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَ شَعَرَ أنَّ بَيْنَ اللهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى في أمْرِهِمْ عَهْدٌ ما- أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أعَمُّ وألْزَمُ، والآخَرُ يَحْتاجُ إلى رِوايَةٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَئِنْ كَشَفْتَ ﴾ أيْ بِدُعائِكَ ﴿ لَنُؤْمِنَنَّ ﴾ ، ﴿ وَلَنُرْسِلَنَّ ﴾ قَسَمٌ وجَوابُهُ، وهَذا عَهْدٌ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الَّذِينَ إلَيْهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ، ولَهم ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: "لَنُؤْمِنَنَّ".

وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي الفَرْقَ بَيْنَ القِبْطِ وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في رِسالَةِ مُوسى، لِأنَّهُ لَوْ كانَ إيمانُهم بِهِ عَلى حَدِّ إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ لَما أرْسَلُوا بَنِي إسْرائِيلَ ولا فارْقُوا دِينَهُمْ، بَلْ كانُوا يُشارِكُونَ فِيهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْكَشَفَ العَذابُ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى: اذْهَبْ بِبَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ شِئْتَ فَخالَفَهُ بَعْضُ مِلَّتِهِ فَرَجَعَ فَنَكَثَ.

وأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عنهُمُ العَذابَ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي أعْطَوْهُ مُوسى.

و"إذا" هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، و"إلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "كَشَفْنا"، والأجَلُ يُرادُ بِهِ غايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ.

وهَذا اللازِمُ مِنَ اللَفْظِ كَما تَقُولُ: أخَذْتُ كَذا إلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تُرِيدُ وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هُنا: الغَرَقُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما هَذا القَوْلُ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فاعْتَقَدَ أنَّ الإشارَةَ هُنا بِالأجَلِ إنَّما هي إلى الغَرَقِ، وهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّهُ لا بُدَّ أنَّهُ ماتَ مِنهم قَبْلَ الغَرَقِ عالَمٌ وهم مِمَّنْ أُخِّرَ وكُشِفَ عنهُمُ العَذابُ إلى أجَلٍ بَلَغَهُ ودَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأيْنَ الغَرَقُ مِن هَؤُلاءِ؟

وأيْنَ هو مِمَّنْ بَقِيَ بِمِصْرَ ولَمْ يَغْرَقْ؟

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ: فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ المُؤَجَّلَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ، ومَحْصُولُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ العَذابَ كانَ مُؤَجَّلًا، والمَعْنى الأوَّلُ أفْصَحُ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ تَوَعُّدًا ما.

وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ، وأبُو حَيَوَةَ: "يَنْكِثُونَ" بِكَسْرِ الكافِ، والنَكْثُ: نَقْضُ ما أُبْرِمَ، ويُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ وفي المَعانِي، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "الرُجْزَ" بِضَمِّ الراءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ كَسَرَ حَرْفَيْنِ: "رِجْزَ الشَيْطانِ"، "والرِجْزَ فاهْجُرْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: رَآهُما بِمَعْنًى آخَرَ بِمَثابَةِ الرِجْزِ والنَتَنِ الَّذِي يَجِبُ التَطَهُّرُ مِنهُ.

وَ"اليَمُّ": البَحْرُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنُ في حافاتِهِ الرُومُ والباءُ في قَوْلِهِ: "بِأنَّهُمْ" باءُ التَسْبِيبِ، ووَصْفُ الكُفّارِ بِالغَفْلَةِ -وَهم قَدْ كَذَّبُوا ورَدُّوا في صَدْرِ الآياتِ- مِن حَيْثُ غَفَلُوا عَمّا تَتَضَمَّنُهُ الآياتُ مِنَ الهُدى والنَجاةِ، فَعن ذَلِكَ غَفَلُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا محل العبرة من القصة، فهو مفرع عليها تفريع النتيجة على المقدمات والفذلكة على القصة، فإنه بعد أن وصف عناد فرعون وَمَلَئهِ وتكذيبَهم رسالة موسى واقتراحهم على موسى أن يجيء بآية ومشاهدتهم آية انقلاب العصا ثعباناً، وتغيير لون يده، ورميَهم موسى بالسحر، وسوء المقصد، ومعارضة السحرة معجزة موسى وتغلب موسى عليهم، وكيف أخذ الله آل فرعون بمصائِب جعلها آيات على صدق موسى، وكيف كابروا وعاندوا، حتى ألْجِئوا إلى أن وعدوا موسى بالإيمان وتسريح بني إسرائيل معه وعاهدوه على ذلك، فلما كشف عنهم الرجز نكثوا، فأخبر الله بأن ذلك ترتب عليه استئصال المستكبرين المعاندين، وتحريرُ المؤمنين الذين كانوا مستضعفين.

وذلك محل العبرة، فلذلك كان الموقع في عطفه لفاء الترتيب والتسبب، وقد اتبع في هذا الختام الأسلوبُ التي اختتمت به القصص التي قبل هذا.

والانتقام افتعال، وهو العقوبة الشديدة الشبيهة بالنّقْم.

وهو غضب الحنق على ذنْببِ اعتداء على المنتقممِ ينكر ويَكْرَه فاعلَه.

وأصل صيغة الافتعال أن تكون لمطاوعة فَعَل المتعدي بحيث يكون فاعل المطاوعة هو مفعول الفعل المجرد، ولم يسمع أن قالوا نَقَمَه فانتقم.

أي أحفظه وأغضبه فعاقب، فهذه المطاوعة أميت فعلها المجردُ، وعدوه إلى المعاقب بمن الابتدائية للدلالة على أنه منشأ العقوبة وسببها وأنه مستوجبها، وتقدم الكلام على المجرد من هذا الفعل عند قوله تعالى آنفاً: ﴿ وما تَنَقم منا إلاّ أن آمنا بآيات ربنا ﴾ [الأعراف: 126].

وكان إغراقهم انتقاماً من الله لذاته لأنهم جحدوا انفراد الله بالإلاهية، أو جحدوا إلاهيته أصلاً، وانتقاماً أيضاً لبني إسرائيل لأن فرعون وقومه ظلموا بني إسرائيل وأذلوهم واستعبدوهم باطلاً.

والإغراقُ: الإلقاء في الماء المستبحر الذي يغمر المُلْقَى فلا يترك له تنفساً، وهو بيان للانتقام وتفصيل لمجمله، فالفاء في قوله: ﴿ فأغرقناهم ﴾ للترتيب الذكري، وهو عطف مفصّل على مجمل كما في قوله تعالى: ﴿ فتوبوا إلى بارئكم فاقتُلوا أنفسكم ﴾ [البقرة: 54].

وحَمَل صاحب «الكشاف» الفعل المعطوف عليه هنا على معنى العزم فيكون المعنى: فأرْدنا الانتقام منهم فأغرقناهم، وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: ﴿ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ﴾ في سورة البقرة (54).

واليمّ: البحر والنهر العظيم، قيل هو كلمة عربية.

وهو صنيع الكشاف } إذ جعله مشتقاً من التيمم لأنه يُقصد للمنتفعين به، وقال بعضْ اللغويين: هو معرب عن السريانية وأصله فيها (يَمّا) وقال شَيْدَلَةُ: هو من القبطية، وقال ابن الجوزي: هو من العبرية، ولعله موجود في هذه اللغات.

ولعل أصله عربي وأخذته لغات أخرى ساميّة من العربية والمراد به هنا بحر القُلْزُم، المسمى في التوراة بحر سُوف، وهو البحر الأحمر.

وقد أطلق (اليم) على نهر النيل في قوله تعالى: ﴿ أن اقذفيه في التابوت فاقْذفيه في اليَمّ ﴾ [طه: 39] وقوله: ﴿ فإذا خفتتِ عليه فألقيه في اليمّ ﴾ [القصص: 7]، فالتعريف في قوله: ﴿ اليَمّ ﴾ هنا تعريف العهد الذهني عند علماء المعاني المعروف بتعريف الجنس عند النحاة إذ ليس في العبرة اهتمام ببحر مخصوص ولكن بفرد من هذا النوع.

وقد أغرق فرعون وجنده في البحر الأحمر حين لحق بني إسرائيل يريد صدهم عن الخروج من أرض مصر، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة البقرة وسيأتي تفصيله عند قوله تعالى: ﴿ حتى إذا أدركه الغرق ﴾ في سورة يونس (90).

والباء في بأنهم} للسببية، أي: أغرقناهم جزاء على تكذيبهم بالآيات.

والغفلة ذهول الذهن عن تذكر شيء، وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ وإن كنا عن دراستهم لغافلين ﴾ في سورة الأنعام (156)، وأريد بها التغافل عن عمد وهو الإعراض عن التفكر في الآيات، وإباية النظر في دلالتها على صدق موسى، فإطلاق الغفلة على هذا مجاز، وهذا تعريض بمشركي العرب في إعراضهم عن التفكر في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالة معجزة القرآن، فلذلك أعيد التصريح بتسبب الإعراض في غرقهم مع استفادته من التفريع بالفاء في قوله: ﴿ فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ﴾ تنبيهاً للسامعين للانتقال من القصة إلى العبرة.

وقد صيغ الإخبار عن إعراضهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على أن هذا الإعراض ثابت لهم، وراسخ فيهم، وأنه هو علة التكذيب المصوغغِ خبرُه بصيغة الجملة الفعلية لإفادة تجدده عند تجدد الآيات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَسْتَقِلُّونَ.

والثّانِي: يَسْتَذِلُّونَ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.

﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُرِيدُ الشَّرْقَ والغَرْبَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

والثّانِي: أرْضُ الشّامِ ومِصْرَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أرْضُ الشّامِ وحْدَها شَرْقُها وغَرْبُها، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالخِصْبِ.

والثّانِي: بِكَثْرَةِ الأنْهارِ والأشْجارِ والثِّمارِ.

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ تَمامَ كَلِمَةِ الحُسْنى ما وعَدَهم مِن هَلاكِ عَدُوِّهِمْ واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكُمْ ﴾ وسَمّاها الحُسْنى لِأنَّهُ وعَدَ بِما يُحِبُّونَ.

والثّانِي: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ ﴿ وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ  ﴾ .

وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما صَبَرُوا عَلى أذى فِرْعَوْنَ.

والثّانِي: بِما صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: فانتقم الله منهم بعد ذلك فأغرقهم في اليم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: ﴿ اليم ﴾ البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: ﴿ اليم ﴾ هو البحر.

قوله تعالى ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ﴾ .

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الحسن في قوله: ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ قال: هي أرض الشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ﴾ قال: هي أرض الشام.

وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن شوذب في قوله: ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ قال: فلسطين.

وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ التي باركنا فيها ﴾ قال: قرى الشام.

وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش.

وأخرج ابن عساكر عن أبي الأغبش، وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سئل عن البركة التي بورك في الشام أين مبلغ حده؟

قال: أول حدوده عريش مصر، والحد الآخر طرف التنية، والحد الآخر الفرات، والحد الآخر جعل فيه قبر هود النبي عليه السلام» .

وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن أبي سفيان قال: إن ربك قال لإِبراهيم عليه السلام: أعمر من العريش إلى الفرات الأرض المباركة، وكان أول من اختتن وقرى الضيف.

وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: دمشق بناها غلام إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان حبشياً وهبه له نمرود بن كنعان حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق فسماها على اسمه، وكان إبراهيم جعله على كل شيء له، وسكنها الروم بعد ذلك بزمان.

وأخرج ابن عساكر عن أبي عبد الملك الجزري قال: إذا كانت الدنيا في بلاء وقحط كان الشام في رخاء وعافية، وإذا كان الشام في بلاء وقحط كانت فسلطين في رخاء وعافية، وإذا كانت فلسطين في بلاء وقحط كان بين المقدس في رخاء وعافية، وقال: الشام مباركة، وفلسطين مقدسة، وبيت المقدس قدس ألف مرة.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت لأبي سلام الأسود ما نقلك من حمص إلى دمشق؟

قال: بلغني أن البركة تضعف بها ضعفين.

وأخرج ابن عساكر عن مكحول.

أنه سأل رجلاً أين تسكن؟

قال: الغوطة.

قال له مكحول: ما يمنعك أن تسكن دمشق؟

فإن البركة فيها مضعفة.

وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: مكتوب في التوراة أن الشام كنز الله عز وجل من أرضه بها كنز الله من عباده، يعني بها قبور الأنبياء إبراهيم وإسحق ويعقوب.

وأخرج ابن عساكر عن ثابت بن معبد قال: قال الله تعالى: يا شام أنت خيرتي من بلدي أسكنك خيرتي من عبادي.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والروياني في مسنده وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن زيد بن ثابت قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: «طوبى للشام.

قيل له: ولم؟

قال: أن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم» .

وأخرج البزار والطبراني بسند حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستجندون أجناداً، جنداً بالشام ومصر والعراق واليمن.

قلنا: فَخِرْ لنا يا رسول الله.

قال: عليكم بالشام فإن الله قد تكفل لي بالشام» .

وأخرج البزار والطبراني بسند ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستجندون أجناداً.

فقال رجل: يا رسول الله خِرْ لي.

فقال: عليك بالشام فإنها صفوة الله من بلاده فيها خيرة الله من عباده، فمن رغب عن ذلك فليلحق بنجدة فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» .

وأخرج أحمد وابن عساكر عن عبد الله بن حوالة الأزدي.

أنه قال: يا رسول الله خرْ لي بلداً أكون فيه.

فقال: «عليك بالشام ان الله يقول: يا شام أنت صفوتي من بلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي.

ولفظ أحمد.

فإنه خيرة الله من أرضه يجتبي إليه خيرته من عباده، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله» .

وأخرج ابن عساكر عن وائلة بن الأسقع «سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: عليكم بالشام فانها صفوة بلاد الله يسكنها خيرته من عباده، فمن أبى فليلحق بيمنه ويسق من غدره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن حوالة الأزدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستجندون أجناداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن.

فقال الحوالي: خر لي يا رسول الله.

قال: عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام.

وأخرج ابن عساكر عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل الله على بعض الأنبياء: إن الله يقول: الشام كنانتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم.

وأخرج ابن عساكر والطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «ستفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكاً، فإذا فتحها فاحتلها فأهل الشام مرابطون إلى منتهى الجزيرة، فمن احتل ساحلاً من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حوله فهو في رباط» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجة وابن عساكر عن قرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الناس لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» .

وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن ربيعة قال: سمعت أنه لم يبعث نبي إلا من الشام، فإن لم يكن منها أسريَ به إليها.

وأخرج الحافظ وأبو بكر النجاد في جزء التراجم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم رأيت عمود الإِسلام احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فاتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا فإن الإِيمان حين تقع الفتن بالشام» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشام أرض المحشر والمنشر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أيوب الأنصاري قال: ليهاجرن الرعد والبرق والبركان إلى الشام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم بن عبد الرحمن قال: مد الفرات على عهد عبد الله، فكره الناس ذلك فقال: يا أيها الناس لا تكرهوا مده فإنه يوشك أن يلتمس فيه طست من ماء فلا يوجد، وذلك حيث يرجع كل ماء إلى عنصره، فيكون الماء وبقية المؤمنين يومئذٍ بالشام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: أحب البلاد إلى الله الشام، وأحب الشام إليه القدس، وأحب القدس إليه جبل نابلس، ليأتين على الناس زمان يتماسحونه كالحبال بينهم.

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخل إبليس العراق فقضى منها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ بيسان، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقرية» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: دخل الشيطان بالمشرق فقضى قضاءه، ثم خرج يريد الأرض المقدسة الشام فمنع، فخرج على ساق حتى جاء المغرب فباض بيضه وبسط بها عبقرية.

وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: إني لأجد تردد الشام في الكتب، حتى كأنه ليس الله حاجة إلا بالشام.

وأخرج أحمد وابن عساكر عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا.

قالوا: وفي نجدنا.

وفي لفظ: وفي مشرقنا.

قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان.

زاد ابن عساكر في رواية: وبها تسعة اعشار الشر» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر وقال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «الخير عشرة أعشار تسعة بالشام وواحد في سائر البلدان، والشر عشرة اعشار واحد بالشام وتسعة في سائر البلدان، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم» .

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن عبد الله بن مسعود قال: قسم الله الخير فجعله عشرة أعشار، فجعل تسعة اعشاره بالشام وبقيته في سائر الأرضين، وقسم الشر فجعله عشرة أعشار، فجعل تسعة اعشاره بالشام وبقيته في سائر الأرضين.

وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: نجد هذه الأرض في كتاب الله تعالى على صفة النسر فالرأس الشام، والجناحان المشرق والمغرب، والذنب اليمن، فلا يزال الناس بخير ما بقي الرأس، فإذا نزع الرأس هلك الناس، والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا تبقى جزيرة من جزائر العرب إلا وفيهم مقنب خيل من الشام يقاتلونهم على الإِسلام لولاهم لكفروا.

وأخرج ابن عساكر عن إياس بن معاوية قال: مثلت الدنيا على طائر فمصر والبصرة والجناحان، والجزيرة الجؤجؤ، والشام الرأس، واليمن الذنب.

وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: رأس الأرض الشام.

وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: إني لاجد في كتاب الله المنزل: إن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عاماً.

وأخرج ابن عساكر عن بحير بن سعد قال: تقيم الشام بعد خراب الأرض أربعين عاماً.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستخرج نار من حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس.

قلنا يا رسول الله فما تأمرنا؟

قال: عليكم بالشام» .

وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: يوشك أن تخرج نار من اليمن تسوق الناس إلى الشام، تغدوا معهم إذا غدوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتروح معهم إذا راحوا، فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام.

وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فاتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وان الإِيمان إذا وقعت الفتن بالشام» .

وأخرج أبو الشيخ عن الليث بن سعد في قوله: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ﴾ قال: هي مصر، وهي مباركة في كتاب الله.

وأخرج ابن عبد الحكم في تاريخ مصر ومحمد بن الربيع الجيزي في مسند الصحابة الذين دخلوا مصر عن عبد الله بن عمرو قال: مصر أطيب أرض الله تراباً وأبعده خراباً، ولن يزال فيها بركة ما دام في شيء من الأرضين بركة.

وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو قال: من أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها وتنور ثمارها.

وأخرج ابن عبد الحكم عن كعب الأحبار قال: من أراد أن ينظر شبه الجنة فلينظر إلى أرض مصر إذا أزهرت.

وأخرج ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة قال: كان عمرو بن العاصي يقول: ولاية مصر جامعة لعدل الخلافة.

وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي....

قال: خلقت الدنيا على خمس صور على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر، والجناح الأيمن العراق، والجناح الأيسر السند والهند، والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشر ما في الطير الذنب.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن نوف قال: إن الدنيا مثلت على طير فإذا انقطع جناحاه وقع، وإن جناحي الأرض مصر والبصرة، فإذا خربا ذهبت الدنيا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ قال: ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم منها.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن موسى بن علي عن أبيه قال: كانت بنو إسرائيل بالربع من آل فرعون ووليهم فرعون أربعمائة وأربعين سنة، فاضعف الله ذلك لبني اسرائيل فولاهم ثمانمائة عام وثمانين عاماً.

قال: وإن كان الرجل ليعمر ألف سنة في القرون الأولى، وما يحتلم حتى يبلغ عشرين ومائة سنة.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: لو أن الناس إذ ابتلوا من سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله لم يلبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، والله ما جاؤوا بيوم خير قط، ثم تلا هذه الآية ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: ما أوتيت بنو اسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم، وما فزعت هذه الأمة إلى السيف قط فجاءت بخير.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: إذا جاء أمر لا كفاء لك به فاصبر وانتظر الفرج من الله.

وأخرج أحمد عن بيان بن حكيم قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فشكا إليه جاراً له قال: اصبر فإن الله سيجيرك منه، فما لبث أن أتى معاوية فحباه وأعطاه، فأتى أبا الدرداء فذكر ذلك له قال: إن ذلك لك منه جزاء.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ﴿ ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال: إن الله تعالى لا يملي للكافر إلا قليلاً حتى يوبقه بعمله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ قال: يبنون.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ قال: يبنون البيوت والمساكن ما بلغت، وكان عنبهم غير معروش.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ ، معنى الانتقام في [اللغة] (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ﴾ ، أي: في البحر (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ ؛ اختلفوا في الكناية في ﴿ عَنْهَا ﴾ ؛ فقيل: إنها تعود إلى النقمة التي دلت عليها (انتقمنا)، والمعنى: وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غَافِلِينَ ﴾ (٦) ﴿ عَنْهَا ﴾ : (عما يراد بهم من الغرق) (٧) وقيل: الكناية تعود إلى الآيات، وهو اختيار الزجاج لأنه قال: (أي: كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم) (٨) فإن قيل على هذا: إن الغفلة حال تعتري الإنسان تنافي (٩) والجواب: أنهم تعرضوا (١٠) (١١) (١٢) (١) لفظ: "اللغة" ساقط من (ب).

(٢) انظر: "الجمهرة" 2/ 977، و"الصحاح" 5/ 2045، و"المجمل" 3/ 880، و"مقاييس اللغة" 5/ 464، و"المفردات" ص 822، و"اللسان" 8/ 4531 (نقم).

(٣) "تهذيب اللغة" 4/ 3654، وانظر: "العين" 5/ 181.

(٤) هذا هو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 227، و"تفسير غريب القرآن" ص 180، و"تفسير الطبري" 9/ 42، و"معاني الزجاج" 2/ 371، والنحاس 3/ 72، و"تفسير السمرقندي" 1/ 565، وانظر: "العين" 8/ 431، و"تهذيب اللغة" 4/ 3984، و"الصحاح" 5/ 2065، و"مقاييس اللغة" 6/ 153، و"المفردات" ص 893، و"اللسان" 8/ 4966 (يمم).

(٥) الظاهر أن لم يمر لأن أول موضع ورد فيه لفظ ﴿ الْيَمِّ ﴾ في هذه الآية، وانظر تعريف البحر عند الواحدي في "البسيط" البقرة: 50.

(٦) هذا هو قول الطبري في "تفسيره" 9/ 42، والبغوي 3/ 273.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) "معاني الزجاج" 2/ 371، والنقمة من الآيات، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 252، والرازي 14/ 220.

(٩) في (ب): (تعتري الإنسان ما في الفطنة)، وهو تحريف.

(١٠) في (ب): (يعرضوا).

(١١) في (أ): (الإعراب).

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 42، وابن عطية 6/ 55، والرازي 14/ 221، وقال السمين في الدر 5/ 438: (قال الجمهور: إنهم تعاطوا أسباب الغفلة فذموا عليها كما يذم الناسي علي نسيانه لتعاطيه أسبابه) اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة ﴾ الآية: إذ جاءهم الخصب والرخاء قالوا: هذه لنا وبسعدنا، ونحن مستحقون له وإذ جاءهم الجدب والشدة تطيروا بموسى: أي قالوا هذه بشؤمه، فإن قيل: لم قال إذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة؟

فالجواب: أن وقوع الحسنة كثير، والسيئة وقوعها نادر فعرف الكثير الوقوع باللام التي للعهد، وذكره بإذا لأنها تقتضي التحقيق وذكر السيئة بإن لأنها تقتضي الشك ونكرها للتعليل ﴿ ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ أي إنما حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمي به ما يصيب الإنسان.

ومقصود الآية الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم.

مهما هي ما الشرطية ضمت إليها ما الزائدة نحو أينما، ثم قلبت الألف هاء، وقيل: هي اسم بسيط غير مركب.

والضمير في به يعود على مهما، وإنما قالوا: من آية على تسمية موسى لها آية، أو على وجه التهكم ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان ﴾ روي أنه كان مطراً شديداً دائماً مع فيض النيل حتى هدم بيوتهم، وكادوا يهلكون وامتنعوا من الزراعة وقيل هو الطاعون ﴿ والجراد ﴾ هو المعروف أكل زروعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم ﴿ والقمل ﴾ قيل هي صغار الجراد، وقيل: البراغيث، وقيل: السوس، وقرئ القمل بفتح القاف والتخفيف، فهي على القمل المعروف، وكانت تتعلق بلحومهم وشعورهم ﴿ والضفادع ﴾ هي المعروفة كثرت عندهم حتى امتلأت بها فرشهم وأوانيهم وإذا تكلم أحدهم وثبت الضفدع إلى فمه ﴿ والدم ﴾ صارت مياههم دماً فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيخرج ما يلي القبطي دماً، وما يلي الإسرائيلي ماء ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز ﴾ أي العذاب وهي الأشياء المتقدمة وكانوا مهما نزل بهم أمر منها عاهدوا موسى على أن يؤمنوا به إن كشفه عنهم، فلما كشفه عنهم نقضوا العهد وتمادوا على كفرهم ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ بدعائك إليه ووسائلك، والباء تحتمل أن تكون للقسم وجوابه لنؤمنن لك أو يتعلق بادع لنا أي توسل إليه بما عندك ﴿ فِي اليم ﴾ البحر الميت حيث وقع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.

الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.

الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.

الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.

﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.

التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.

وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.

والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.

قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.

وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.

وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.

ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله  انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.

وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.

ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.

فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.

ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله  لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.

عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.

وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.

فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.

ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .

و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.

ثم حكى  ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.

فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.

قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.

والسنون من الجموع المصححة الشاذة.

عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.

وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.

قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.

قال القاضي: في الآية دلالة على أنه  أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.

وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.

وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟

﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.

وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.

وكان النبي  يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.

قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.

ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.

وقد تشاءمت اليهود بالنبي  وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.

وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.

ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.

﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.

وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.

قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.

وقيل: هو الموتان.

وقيل: الطاعون.

والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.

فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله  ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.

وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.

فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.

وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.

وقيل: البراغيث.

وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.

وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.

وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.

فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.

فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.

وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.

وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.

وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى  مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.

ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.

ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.

وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.

أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.

ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.

وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.

ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.

وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.

وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.

قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة  ﴾ إلى تمام الآيتين.

ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.

وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.

وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.

وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.

ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات  ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.

ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.

وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.

وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله  كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.

وعن علي  أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.

ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.

﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.

وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.

﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.

وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.

قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال  ﴿ يبغونكم الفتنة  ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.

ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.

والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.

وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.

﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.

وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.

﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.

يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.

﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ ﴾ .

قيل: الرجز: ألوان العذاب الذي كان نزل بهم من الطوفان والجراد والقمل [والضفادع] والدم، وما ذكر.

قالوا: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ ﴾ يحتمل أن يكون كلما حل بهم نوع من العذاب سألوا أن يكشف عنهم، فقالوا: لئن كشفت لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، فلما كشف عنهم الرجز نكثوا ذلك، وعادوا إلى ما كانوا من قبل.

ويحتمل أن يكون قولهم لموسى: ﴿ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ : بعدما حل بهم أنواع العذاب، عند ذلك قالوا: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ فلما كشف [ذلك] عنهم نكثوا عهدهم، وهو قولهم: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن بك، وعادوا إلى ما كانوا، فعند ذلك كان ما ذكر من قوله: ﴿ فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ : بما تدعي بأنك رسول، ﴿ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ : أمكن أن يكون ليس على نفس الإرسال، ولكن على ترك الاستعباد، أي: لا نستعبدهم بعد هذا؛ لأنهم كانوا يستعبدون بني إسرائيل.

وقوله - عز جل -: ﴿ فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ ﴾ لو أطاعوا وأوفوا بالعهد الذي عهدوا [و] لكنهم لما نكثوا ذلك انتقم منهم وهذا الحرف يؤدي إلى مذهب الاعتزال؛ لأنهم يقولون: إن من قتل أو عذب تعذيب إهلاك إنما هلك قبل أجله، وأجله الموت، لكن هذا يصلح ممن يجهل العواقب، وأمّا الله  وتعالى يتعالى عن ذلك أن يجعل له أجلين؛ أحدهما: الموت، والآخر: القتل، ولكن جعل أجل مَنْ في علمه أنه يُقتل القتل، ومَنْ يموت حتف أنفه الموت، وكذلك ما روي في الخبر أن: "صلة الرحم تزيد في العمر" ، أي: مَنْ علم منه أنه يصل رحمه، جعل عمره أزيد ممن يعلم أنه لا يصل رحمه، لا أنه يجعل عمره إلى وقت، ثم إذا وصل رحمه زاد؛ لما ذكرنا أن ذلك أمر مَنْ يجهل العواقب، وأما من يعلم ما كان وما يكون أنه لو كان كيف يكون - لا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ ما ذكر على إثره من الغرق: ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ من الطوفان وأنواع العذاب الذي كان حل بهم، ثم كان الإغراق من بعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ , يحتمل الآيات التي جاء بها موسى على وحدانية الله  وربوبيته، وهي الحجج والآيات التي تقدم ذكرها من الطوفان والجراد والقمل، وما ذكر.

وقال الحسن: بآياتنا: ديننا.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ قيل: معرضين مكذبين بها، لا أنهم كانوا على غفلة وسهو عنها، لكنهم أعرضوا عنها مكابرين معاندين كأنهم غافلين عنها، وجائز أن يكون: غافلين عما يحل بهم من العقوبة بتكذيبهم.

وقوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ .

هو ما سبق من الوعد لهم بوراثة الأرض، وإنزالهم فيها، وهو قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ  ﴾ ، كان وعدهم الاستخلاف والإنزال في أرض عدوّهم، ثم أخبر أنه أنزلهم وأورثهم على ما وعدهم بقوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ باستعبادهم [وقوله:] ﴿ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ قيل: فيه بوجوه: قيل: مشارق الأرض ومغاربها: مملكة فرعون مصر ونواحيها، ما يلي ناحية الشرق وناحية الغرب.

وقيل: كان في بني إسرائيل من بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها من نحو ذي القرنين، وداود، وسليمان.

وقيل: مشارق الأرض ومغاربها: أن فضلوا على أهل مشارق الأرض ومغاربها؛ كقوله: ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ  ﴾ قيل: على عالمي هذا الزمان، ثم تفضيله إياهم على البهائم بالجوهر، والخلقة، وعلى الجن بالرسالة والنبوة والمنافع، وعلى جوهرهم من بني آدم بالرسالة والحكمة والملك؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ .

قيل: أرض الشام.

وقيل: أرض مصر ونواحيها.

وقيل: سماها مباركة لأنها مكان الأنبياء - عليهم السلام.

وقل: مباركة لكثرة أنزالها وسعتها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

قيل: هي الجنة، أي: تمت لهم الجنة بما صبروا، وقيل: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ بما كان وعدهم أنه ينزلهم فيها، ويستخلفهم، تم ذلك الوعد [لهم] وهو كما قال: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ تم ما وعد لهم أن يمن عليهم.

وقوله - عز وجل -: بما صبروا يحتمل: بما صبروا على أذى فرعون، ويحتمل: بما صبروا من أداء ما أوجب عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ : على الوقف على ﴿ وَقَوْمُهُ ﴾ ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ : معطوف على قوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ : وهو من العرش الذي يتخذه الملوك.

وقيل: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ - أيضاً -، أي: أهلكنا ما كانوا يعرشون.

قال القتبي: يعرشون، أي: يبنون، والعرش: بيوت، والعرش: سقوف.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ ، أي: أهلكنا وأفسدنا، ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ عَرَش، يَعْرُش ويَعْرِش يعني: يبنون من البيوت والكروم والأشجار.

وقيل في قوله: ﴿ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ : يعني بالاستضعاف: قتل الأبناء واستحياء النساء بأرض "مصر"، ورثهم الله ذلك.

وقيل في قوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ هي النعمة التي أنعمها على بني إسرائيل بما صبروا على البلاء حين كلفوا ما لا يطيقون من استعباد فرعون إياهم، والكلمة التي ذكر ما ذكر في القصص من قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما حل الأجل المحدد لإهلاكهم أنزلنا عليهم نقمتنا بإغراقهم في البحر بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق الذي لا مرية فيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.VPlae"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله