الآية ١٤٢ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٤٢ من سورة الأعراف

۞ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ١٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٢ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ممتنا على بني إسرائيل ، بما حصل لهم من الهداية ، بتكليمه موسى ، عليه السلام ، وإعطائه التوراة ، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم ، فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة .

قال المفسرون : فصامها موسى ، عليه السلام ، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة ، فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر أربعين .

وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي ؟

فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة ، والعشر عشر ذي الحجة .

قاله مجاهد ، ومسروق ، وابن جريج .

وروي عن ابن عباس .

فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر ، وحصل فيه التكليم لموسى ، عليه السلام ، وفيه أكمل الله الدين لمحمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : ( ( 142 ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) [ المائدة : 3 ] فلما تم الميقات عزم موسى على الذهاب إلى الطور ، كما قال تعالى : ( يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ) الآية [ طه : 80 ] ، فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون ، وأوصاه بالإصلاح وعدم الإفساد .

وهذا تنبيه وتذكير ، وإلا فهارون ، عليه السلام ، نبي شريف كريم على الله ، له وجاهة وجلالة ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى سائر الأنبياء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً قال أبوجعفر: يقول تعالى ذكره: وواعدنا موسى لمناجاتنا ثلاثين ليلة.

(18) وقيل: إنها ثلاثون ليلة من ذي القعدة.

=(وأتممناها بعشر)، يقول: وأتممنا الثلاثين الليلة بعشر ليال تتمة أربعين ليلة.

* * * وقيل: إن العشر التي أتمها به أربعين, عشر ذي الحجة.

* ذكر من قال ذلك.

15062 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)، قال: ذو القعدة، وعشر ذي الحجة.

15063 - ...

قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)، قال: ذو القعدة، وعشر ذي الحجة.

ففي ذلك اختلفوا.

(19) 15064 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة)، هو ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة, فذلك قوله: (فتم ميقات ربه أربعين ليلة).

15065 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن الثلاثين التي كان واعدَ موسى ربه، كانت ذا القعدة، والعشرَ من ذي الحجة التي تمم الله بها الأربعين.

15066 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة)، قال: ذو القعدة.(وأتممناها بعشر)، قال: عشر ذي الحجة = قال ابن جريج: قال ابن عباس مثله.

15067 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)، قال: ذو القعدة, والعشر الأوَل من ذي الحجة.

15068 - ...

قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن مسروق: (وأتممناها بعشر)، قال: عشر الأضحى.

* * * وأما قوله: (فتم ميقات ربه أربعين ليلة)، فإنه يعني: فكمل الوقت الذي واعد الله موسى أربعين ليلة، (20) وبلغها.

كما:- 15069 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج: (فتم ميقات ربه)، قال: فبلغ ميقات ربه أربعين ليلة.

* * * القول في تأويل قوله : وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لما مضى لموعد ربه قال لأخيه هارون: (اخلفني في قومي)، يقول: كن خليفتي فيهم إلى أن أرجع.

* * * يقال منه: " خَلَفه يخْلُفه خِلافة ".

(21) * * * (وأصلح)، يقول: وأصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله وعبادته، كما:- 15070 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج قال: " وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح "، وكان من إصلاحه أن لا يدع العجل يُعْبد.

* * * وقوله: (ولا تتبع سبيل المفسدين)، يقول: ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض، بمعصيتهم ربهم, ومعونتهم أهل المعاصي على عصيانهم ربهم, ولكن اسلك سبيل المطيعين ربهم.

(22) * * * وكانت مواعدة الله موسى عليه السلام بعد أن أهلك فرعون، ونجَّى منه بني إسرائيل، فيما قال أهل العلم, كما:- 15071 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني الحجاج, عن ابن جريج قوله: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ، الآية، قال: يقول: إن ذلك بعد ما فرغ من فرعون وقبل الطور، لما نجى الله موسى عليه السلام من البحر وغرّق آل فرعون، وخلص إلى الأرض الطيبة, أنـزل الله عليهم فيها المنّ والسلوى، وأمره ربه أن يلقَاه, فلما أراد لقاء ربه، استخلف هارون على قومه, وواعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثين ليلة، ميعادًا من قِبَله، من غير أمر ربه ولا ميعاده.

فتوجه ليلقى ربه, فلما تمت ثلاثون ليلة، قال عدو الله السامريُّ: ليس يأتيكم موسى, وما يصلحكم إلا إله تعبدونه !

فناشدهم هارون وقال: لا تفعلوا، انظروا ليلتكم هذه ويومكم هذا, فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم !

فقالوا: نعم!

فلما أصبحوا من غد ولم يروا موسى، عاد السامري لمثل قوله بالأمس.

قال: وأحدث الله الأجل بعد الأجل الذي جعله بينهم عشرًا, (23) فتم ميقات ربه أربعين ليلة, فعاد هارون فناشدهم إلا ما نظروا يومهم ذلك أيضًا, فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم!

ثم عاد السامري الثالثة لمثل قوله لهم, وعاد هارون فناشدهم أن ينتظروا، فلما لم يروا ...

(24) 15072 - قال القاسم، قال الحسين، حدثني حجاج قال، حدثني أبو بكر بن عبد الله الهذليّ قال: قام السامري إلى هارون حين انطلق موسى فقال: يا نبي الله، إنا استعرنا يوم خرجنا من القبط حليًّا كثيرًا من زينتهم, وإن الجند الذين معك قد أسرعوا في الحلي يبيعونه وينفقونه, (25) وإنما كان عارية من آل فرعون، فليسوا بأحياء فنردّها عليهم, ولا ندري لعل أخاك نبيّ الله موسى إذا جاء يكون له فيها رأي, إما يقرّبها قربانا فتأكلها النار , وإما يجعلها للفقراء دون الأغنياء!

فقال له هارون: نِعْمَ ما رأيت وما قلت !

فأمر مناديًا فنادى: من كان عنده شيء من حليّ آل فرعون فليأتنا به !

فأتوه به, فقال هارون: يا سامري أنت أحق من كانت عنده هذه الخزانة!

فقبضها السامري, وكان عدو الله الخبيث صائغًا, فصاغ منه عجلا جسدًا, ثم قذف في جوفه تُرْبة من القبضة التي قبض من أثر فرس جبريل عليه السلام إذ رآه في البحر, فجعل يخور, ولم يخر إلا مرة واحدة, وقال لبني إسرائيل: إنما تخلف موسى بعد الثلاثين الليلة يلتمس هذا !

هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ، [طه: 88].

يقول: إن موسى عليه السلام نسي ربّه.

------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير (( المواعدة )) فيما سلف 2 : 58 - 60 ، في نظيرة هذه الآية .

(19) الأثر : 15063 - وضعت النقط ، لأنه اختصار أراد به أن صدر الإسناد هو صدر الإسناد الذي قبله ، وقد مضى مثل ذلك مرارًا ولم أشر إليه ، فآثرت منذ الآن ، أن أضع النقط تنبيهاً على ذلك ، فهو رواية سفيان بن وكيع ، عن جرير ، كما مضى مرارًا مثل هذا الإسناد .

(20) انظر تفسير (( التمام )) فيما سلف 3 : 17 ، 18 / 4 : 7/ 12 : 62 .

= وتفسير (( الميقات )) فيما سلف 3 : 553 - 555 .

(21) انظر تفسير (( الخلافة )) فيما سلف 12 : 540 ، 541 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(22) انظر تفسير (( اتبع )) و (( الفساد )) فيما سلف من فهارس اللغة ( تبع ) ( فسد ) .

(23) في المطبوعة : (( بينهم عشرا )) وفي المخطوطة غير منقوطة ، وهذا صوابها .

(24) الأثر 15071 - هذا خبر لم يتم كما ترى ، ولم أجده في مكان آخر .

وسبب ذلك أن قوله (( فلما لم يروه )) هو في المخطوطة في آخر الصفحة اليسرى ، ثم بدأ بعدها : (( قال القاسم )) ، فظاهر أن الناسخ عجل ، فأسقط من الخبر تمامه ، لما قلب الصفحة ، وبدأ الخبر التالي بعده .

(25) (3) في المطبوعة : (( وإن الذين معك )) ، حذف (( الجند )) ، لأنها غير منقوطة ، فلم يحسن قراءتها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدينقوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة فيه ثلاث مسائل :الأولى قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ذكر أن مما كرم الله به موسى صلى الله عليه وسلم هذا فكان وعده المناجاة إكراما له .

وأتممناها بعشر قال ابن عباس ومجاهد ومسروق رضي الله عنهم : هي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة .

أمره أن يصوم الشهر وينفرد فيه بالعبادة ; فلما صامه أنكر خلوف فمه فاستاك .

قيل : بعود خرنوب ; فقالت الملائكة : إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك .

فزيد عليه عشر ليال من ذي الحجة .

وقيل : إن الله تعالى أوحى إليه لما استاك : يا موسى لا أكلمك حتى يعود فوك إلى ما كان عليه قبل ، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك .

وأمره بصيام عشرة أيام .

وكان كلام الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم غداة النحر حين فدى إسماعيل من الذبح ، وأكمل لمحمد صلى الله عليه وسلم الحج .

وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث .

والفائدة في قوله : فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقد علم أن ثلاثين وعشرة أربعون ، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها ; فبين أن العشر سوى الثلاثين .

فإن قيل : فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ثلاثين ; فيكون ذلك من البداء .

قيل : ليس كذلك ; فقد قال : وأتممناها بعشر والأربعون ، والثلاثون والعشرة قول واحد ليس بمختلف .

وإنما قال القولين على تفصيل وتأليف ; قال أربعين في قول مؤلف ، وقال ثلاثين ، يعني شهرا متتابعا وعشرا .

وكل ذلك أربعون ; كما قال الشاعر :عشر وأربع.

.

.

يعني أربع عشرة ، ليلة البدر .

وهذا جائز في كلام العرب .الثانية : قال علماؤنا : دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية ، ومعنى [ ص: 248 ] قديما أسسه الله تعالى في القضايا ، وحكم به للأمم ، وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال .

وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب .

وقد بينا معناه فيما تقدم في هذه السورة من قوله : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام .

قال ابن العربي : فإذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة .

وقد بين الله تعالى ذلك لموسى عليه السلام فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده عشرا تتمة أربعين .

وأبطأ موسى عليه السلام في هذه العشر على قومه ; فما عقلوا جواز التأني والتأخر حتى قالوا : إن موسى ضل أو نسي ، ونكثوا عهده وبدلوا بعده ، وعبدوا إلها غير الله .

قال ابن عباس : إن موسى قال لقومه : إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه ، وأخلف فيكم هارون ، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشرا ; فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل ; على ما يأتي بيانه .

ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدرة ; كما أن الأجل مقدر .

ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر : من وقت وحال وعمل ، فيكون مثل ثلث المدة السالفة ; كما أجل الله لموسى .

فإن رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز ، ولكن لا بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر ، قال ابن العربي .

روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة .قلت : وهذا أيضا أصل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى .

وكان هذا لطفا بالخلق ، ولينفذ القيام عليهم بالحق .

يقال : أعذر في الأمر أي بالغ فيه ; أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده .

وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم ، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .

وقال وجاءكم النذير قيل : هم الرسل .

ابن عباس : هو الشيب .

فإنه يأتي في سن الاكتهال ، فهو علامة لمفارقة سن الصبا .

وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العباد ، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله ، [ ص: 249 ] وترقب المنية ولقاء الله ; ففيه إعذار بعد إعذار .

الأول بالنبي عليه السلام ، والثاني بالشيب ; وذلك عند كمال الأربعين ; قال الله تعالى : وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك .

فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها .

قال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا ، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ; فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس .الثالثة : ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام ; لقوله تعالى : ثلاثين ليلة لأن الليالي أوائل الشهور .

وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن الأيام ; حتى روي عنها أنها كانت تقول : صمنا خمسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والعجم تخالف في ذلك ، فتحسب بالأيام ; لأن معولها على الشمس .

ابن العربي : وحساب الشمس للمنافع ، وحساب القمر للمناسك ; ولهذا قال : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة .

فيقال : أرخت تاريخا ، وورخت توريخا ; لغتان .وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح المعنى : وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون : كن خليفتي ; فدل على النيابة .

وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي حين خلفه في بعض مغازيه : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .

فاستدل بهذا الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف عليا على جميع الأمة ; حتى كفر الصحابة الإمامية - قبحهم الله - لأنهم عندهم تركوا العمل الذي هو النص على استخلاف علي واستخلفوا غيره بالاجتهاد منهم .

ومنهم من كفر عليا إذ لم يقم بطلب حقه .

وهؤلاء لا شك في كفرهم وكفر من تبعهم على مقالتهم ، ولم يعلموا أن هذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو بموته ، لا يقتضي أنه متماد بعد وفاته ; فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية وغيرهم .

وقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم [ ص: 250 ] وغيره ، ولم يلزم من ذلك استخلافه دائما بالاتفاق .

على أنه قد كان هارون شرك مع موسى في أصل الرسالة ، فلا يكون لهم فيه على ما راموه دلالة .

والله الموفق للهداية .قوله تعالى : وأصلح أمر بالإصلاح .

قال ابن جريج : كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه .

وقيل : أي ارفق بهم ، وأصلح أمرهم ، وأصلح نفسك ; أي كن مصلحا .ولا تتبع سبيل المفسدين أي لا تسلك سبيل العاصين ، ولا تكن عونا للظالمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك.

ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها.

ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وَأَصْلِحْ} أي: اتبع طريق الصلاح {وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} وهم الذين يعملون بالمعاصي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ) ذي القعدة ، ( وأتممناها بعشر ) من ذي الحجة ، ( فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى ) عند انطلاقه إلى الجبل للمناجاة ( لأخيه هارون اخلفني ) كن خليفتي ، ( في قومي وأصلح ) أي أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله .

وقال ابن عباس : يريد الرفق بهم والإحسان إليهم ( ولا تتبع سبيل المفسدين ) أي : لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره ، وذلك أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر : أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون!

فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره الله - عز وجل - أن يصوم ثلاثين يوما ، فلما تمت ثلاثون أنكر خلوف فمه ، فتسوك بعود خروب .

وقال أبو العالية : أكل من لحاء شجرة ، فقالت له الملائكة : كنا نشم من فيك رائحة المسك ، فأفسدته بالسواك ، فأمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجة ، وقال : أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وواعدنا» بألف ودونها «موسى ثلاثين ليلة» نكلمه عند انتهائها بأن يصومها، وهي ذو القعدة فصامها فلما تمَّت أنكر خلوف فمه فاستاك فأمره الله بعشرة أخرى ليكلمه بخلوف فمه كما قال تعالى: «وأتممناها بعشر» من ذي الحجة «فتم ميقات ربِّه» وقت وعده بكلامه إياه «أربعين» حال «ليلة» تتميز «وقال موسى لأخيه هارون» عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة «اخلفني» كن خليفتي «في قومي وأصلح» أمرهم «ولا تتبع سبيل المفسدين» بموافقتهم على المعاصي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وواعد الله سبحانه وتعالى موسى لمناجاة ربه ثلاثين ليلة، ثم زاده في الأجل بعد ذلك عشر ليال، فتمَّ ما وَقَّتَه الله لموسى لتكليمه أربعين ليلة.

وقال موسى لأخيه هارون -حين أراد المضيَّ لمناجاة ربه-: كن خليفتي في قومي حتى أرجع، وأحمِلَهم على طاعة الله وعبادته، ولا تسلكْ طريق الذين يفسدون في الأرض.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك مشهد تطلع موسى - عليه السلام - للقاء ربه ، ووصيته لأخيه هارون قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم فقالت : ( وَوَاعَدْنَا .

.

.

) .قال صاحب الكشاف : " روى أن موسى - عليه السلام - وعد بنى إسرائيل وهو بمصر ، إن أهلك الله عدوهم اتاهم بكتاب من عند الله ، فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذى القعدة ، فلما اتم الثلاثين انكر خلوف فمه فتسوك .

فقالت له الملائكة : كنا نشم من فمك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله - تعالى - أن يزيد عليها عشرة أيام من ذى الحجة لذلك .

وقيل أمره الله أن يصوم ثلاثين يوما وأن يعمل فيها بما يقربه من الله ثم أنزل الله عليه فى العشر التوراة وكلمه فيها " .والمواعدة مفاعلة من الجانبين ، وهى هنا على غير بابها ، لأن المراد بها هنا أن الله - تعالى - أمر موسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيداً لإعطائه التوراة ، ويؤيد ذلك قراءة أبى عمروا ويعقوب " وعدنا " .وقيل المفاعلة على بابها على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال .وقوله ( ثَلاَثِينَ ) مفعول ثان لواعدنا بحذ المضاف ، أى : إتمام ثلاثين ليلة أو إتيانها .والضمير فى قوله ( وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ) يعود على المواعدة المفهومة من قوله ( وَاعَدْنَا ) أى : وأتممنا مواعدته بعشر ، أو أ ، ه يعود على ثلاثين .وحذف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه ، أى : وأتممناها بعشر ليال .و ( أَرْبَعِينَ ) منصوب على الحالية أى : فتم ميقات ربه بالغاً أربعين ليلة .ثم حكى - سبحانه - ما وصى به موسى أخاه هارون فقال : ( وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي ) أى : قال موسى لأخيه هارون حين استودعه ليذهب لمناجاة ربه : كن خليفتى فى قومى ، وراقبهم فيما يأتون ويذرون فإنهم فى حاجة إلى ذلك لضعف إيمانهم ، واستيلاء الشهوات والأهواء عليهم ( وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين ) الذين ( إِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) وإننا لنلمح من هذه الوصية أن موسى - عليه السلام - كان متوقعاً شراً من قومه ، ولقد صح ما توقعه ، فإنهم بعد أن فارقهم موسى استغلوا جانب اللين فى هارون فعبدوا عجلا جسداً له خوار صنعه لهم السامرى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو: ﴿ وَعَدْنَا ﴾ بغير ألف، والباقون ﴿ واعدنا ﴾ بالألف على المفاعلة، وقد مر بيان هذه القراءة في سورة البقرة.

المسألة الثانية: اعلم أنه روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر: أن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فهذه الآية في بيان كيفية نزول التوراة، واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ وذكر تفصيل تلك الأربعين في هذه الآية.

فإن قيل: وما الحكمة هاهنا في ذكر الثلاثين ثم إتمامها بعشر؟

وأيضاً فقوله: ﴿ فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ كلام عار عن الفائدة، لأن كل أحد يعلم أن الثلاثين مع العشر يكون أربعين.

قلنا: أما الجواب عن السؤال الأول فهو من وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى أمر موسى عليه السلام بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأوحى الله تعالى إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.

والوجه الثاني: في فائدة هذا التفضيل أن الله أمره أن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى، ثم أنزلت التوراة عليه في العشر البواقي، وكلمه أيضاً فيه.

فهذا هو الفائدة في تفصيل الأربعين إلى الثلاثين وإلى العشرة.

والوجه الثالث: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني في سورة طه ما دل على أن موسى عليه السلام بادر إلى ميقات ربه قبل قومه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى موسى قَالَ هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى ﴾ فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين، فلما أعلمه الله تعالى خبر قومه مع السامري، رجع إلى قومه قبل تمام ما وعده الله تعالى، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى، فتم أربعون ليلة.

والوجه الرابع: قال بعضهم لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه السلام وحده، والوعد الثاني حضر المختارون معه ليسمعوا كلام الله تعالى، فصار الوعد مختلفاً لاختلاف حال الحاضرين والله أعلم.

والجواب عن السؤال الثاني: أنه تعالى إنما قال: ﴿ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ إزالة التوهم أن ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين، كأنه كان عشرين، ثم أتمه بعشر، فصار ثلاثين، فأزال هذا الإيهام.

أما قوله تعالى: ﴿ فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: الفرق بين الميقات وبين الوقت، أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت للشيء قدرة مقدر أولاً.

والبحث الثاني: قوله: ﴿ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ نصب على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.

وأما قوله: ﴿ وَقَالَ موسىلأخيه هارون ﴾ فقوله: ﴿ هارون ﴾ عطف بيان لأخيه وقرئ بالضم على النداء ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وَأَصْلِحَ ﴾ وكن مصلحاً أو ﴿ وَأَصْلِحَ ﴾ ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه.

فإن قيل: إن هرون كان شريك موسى عليه السلام في النبوة، فكيف جعله خليفة لنفسه، فإن شريك الإنسان أعلى حالاً من خليفته ورد الإنسان من المنصب الأعلى إلى الأدون يكون إهانة.

قلنا الأمر وإن كان كما ذكرتم، إلا أنه كان موسى عليه السلام هو الأصل في تلك النبوة.

فإن قيل: لما كان هرون نبياً والنبي لا يفعل إلا الإصلاح، فكيف وصاه بالإصلاح.

قلنا: المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله: ﴿ ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وروي: أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوّهم، أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة، فلما أتمّ الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة: كنا نشمّ من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك.

وقيل: أوحى الله تعالى إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك.

وقيل: أمره الله أن يصوم ثلاثين يوماً، وأن يعمل فيها بما يقرّبه من الله ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.

ولقد أجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة، وفصلها ههنا.

و ﴿ ميقات رَبّهِ ﴾ ما وقته له من الوقت وضربه له.

و ﴿ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ نصب على الحال أي تمَّ بالغاً هذا العدد.

و ﴿ هارون ﴾ عطف بيان لأخيه.

وقرئ بالضم على النداء ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ وكن مصلحاً.

أو وأصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل، ومن دعاك منهم إلى الفساد فلا تتبعه ولا تطعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ واذْكُرُوا صَنِيعَهُ مَعَكم في هَذا الوَقْتِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « أنْجاكم» .

﴿ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أنْجاهم مِنهُ، أوْ حالٌ مِنَ المُخاطِبِينَ، أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِنهُما.

﴿ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ مُبَيِّنٌ.

﴿ وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ وفي الإنْجاءِ أوِ العَذابِ نِعْمَةٌ أوْ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ.

﴿ وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ﴾ ذا القِعْدَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ « ووَعَدْنا» .

﴿ وَأتْمَمْناها بِعَشْرٍ ﴾ مِن ذِي الحِجَّةِ.

﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ بالِغًا أرْبَعِينَ.

رُوِيَ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ أنْ يَأْتِيَهم بَعْدَ مَهْلِكَ فِرْعَوْنُ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ رَبَّهُ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ، فَلَمّا أتَمَّ أنْكَرَ خَلُوفَ فِيهِ فَتَسَوَّكَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ كُنّا نَشُمُّ مِنكَ رائِحَةَ المِسْكِ فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشْرًا.

وَقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَخَلّى ثَلاثِينَ بِالصَّوْمِ والعِبادَةِ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةَ في العَشْرِ وكَلَّمَهُ فِيها.

﴿ وَقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي ﴾ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ.

﴿ وَأصْلِحْ ﴾ ما يَجِبُ أنْ يُصْلَحَ مِن أُمُورِهِمْ أوْ كُنْ مُصْلِحًا.

﴿ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ ولا تَتَّبِعْ مَن سَلَكَ الإفْسادَ ولا تُطِعْ مَن دَعاكَ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً} لإعطاء التوراة {وأتممناها بعشر} روى أنه موسى عليه الصلاة والسلام وعد بنى إسرائيل

الأعراف ١٤٣ ١٣٥ وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهي شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فأوحى الله إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك فأمره أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك {فتمّ ميقات ربّه} ما وقت له من الوقت وضربه له {أربعين ليلةً} نصب على الحال أي تم بالغاً هذا العدد ولقد أجمل ذكر الأربعين في البقرة وفصلها هنا {وقال موسى لأخيه هارون} هو عطف بيان لخيه {اخلفني في قومي} كن خليفتي فيهم {وأصلح} ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل {ولا تتّبع سبيل المفسدين} ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ﴾ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذْرُوَنَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ الكِتابَ فَأمَرَهُ أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ وهو شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فَتَسَوَّكَ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: كُنّا نَشَمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: «لَمّا أتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ بَعْدَ الثَّلاثِينَ وقَدْ صامَ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ فَتَناوَلَ مِن نَباتِ الأرْضِ فَمَضَغَهُ.

فَقالَ لَهُ رَبُّهُ: لِمَ أفْطَرْتَ؟

وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ.

قالَ: أيْ رَبِّ، كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ، قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ عِنْدِي أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ؟

ارْجِعْ فَصُمْ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي.

فَفَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أمَرَهُ رَبُّهُ.

وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ ﴾ » والتَّعْبِيرُ عَنْها بِاللَّيالِي كَما قِيلَ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ.

وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ وكُلِّمَ فِيها، وقَدْ أُجْمِلَ ذِكْرُ الأرْبَعِينَ في البَقَرَةِ وفُصِّلَ هُنا، ﴿ وواعَدْنا ﴾ بِمَعْنى وعَدْنا، وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ عَلى بابِها بِناءً عَلى تَنْزِيلِ قَبُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَةَ الوَعْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.

و(ثَلاثِينَ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِواعَدْنا بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إتْمامَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً أوْ إتْيانَها.

﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ مِن قَبِيلِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ في ذَلِكَ أنَّ إتْمامَ الثَّلاثِينَ بِعَشْرٍ يَحْتَمِلُ المَعْنى المُتَبادَرَ وهو ضَمُّ عَشَرَةٍ إلى ثَلاثِينَ لِتَصِيرَ بِذَلِكَ أرْبَعِينَ، ويَحْتَمِلَ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ فَتَمَّتْ بِعَشَرَةٍ ثَلاثِينَ كَما يُقالُ: أتْمَمْتُ العَشَرَةَ بِدِرْهَمَيْنِ عَلى مَعْنى أنَّها لَوْلا الدِّرْهَمانِ لَمْ تَصِرْ عَشَرَةً فَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ الِاحْتِمالِ الثّانِي جِيءَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الإتْمامَ بِعَشْرٍ مُطْلَقٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْيِينُها بِتَعْيِينِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِإرادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجِيءَ بِما ذُكِرَ لِيُفِيدَ أنَّ المُرادَ الأوَّلُ، وقِيلَ: جِيءَ بِهِ رَمْزًا إلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في تِلْكَ العَشْرِ ما يُوجِبُ الجَبْرَ، والمِيقاتُ بِمَعْنى الوَقْتِ، وفَرَّقَ جَمْعٌ بَيْنَهُما بِأنَّ الوَقْتَ مُطْلَقٌ، والمِيقاتَ وقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، ومِنهُ مَواقِيتُ الحَجِّ، ونُصِبَ (أرْبَعِينَ) قِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ أيْ: بالِغًا أرْبَعِينَ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ عَلى هَذا يَكُونُ مَعْمُولًا لِلْحالِ المَحْذُوفِ لا حالًا، وأُجِيبَ بِأنَّ النَّحْوِيِّينَ يُطْلِقُونَ الحُكْمَ الَّذِي لِلْعامِلِ لِمَعْمُولِهِ القائِمِ مَقامَهُ فَيَقُولُونَ فِي: زَيْدٌ في الدّارِ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرٌ، مَعَ أنَّ الخَبَرَ إنَّما هو مُتَعَلِّقُهُ.

وتُعُقِّبَ بِأنِ الَّذِي ذَكَرَهُ النُّحاةُ في الظَّرْفِ دُونَ غَيْرِهِ، فالأحْسَنُ أنَّهُ حالٌ بِتَقْدِيرِ: مَعْدُودًا، وفِيهِ أنَّ دَعْوى تَخْصِيصِ الذِّكْرِ في الظَّرْفِ خِلافُ الواقِعِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وأنَّ ما زَعَمَهُ أحْسَنُ مِمّا تَقَدَّمَ يَرِدُ عَلَيْهِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَمْيِيزٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ ( تَمَّ ) مَعْنى بَلَغَ، وقِيلَ: إنَّ تَمَّ مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وهَذا خَبَرُهُ، وهو خَبَرٌ غَرِيبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ تَكُونُ الأرْبَعِينَ ظَرْفًا لِلتَّمامِ والتَّمامُ إنَّما هو بِآخِرِها إلّا أنْ يُتَجَوَّزَ فِيهِ.

﴿ وقالَ مُوسى ﴾ حِينَ تَوَجَّهَ إلى المُناجاةِ حَسْبَما أُمِرَ بِهِ.

﴿ لأخِيهِ هارُونَ ﴾ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عِبْرانِيٌّ لَمْ يَقَعْ في كَلامِ العَرَبِ بِطَرِيقِ الأصالَةِ، ويُكْتَبُ بِدُونِ ألِفٍ، وهو هُنا بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مَجْرُورٌ بَدَلًا مِن أخِيهِ أوْ بَيانًا لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ مَفْعُولًا بِهِ لِمُقَدَّرٍ أعْنِي أعْنِي، وقُرِئَ شاذًّا بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو (هُوَ) أوْ مُنادى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ أيْ: يا هارُونُ ﴿ اخْلُفْنِي ﴾ .

أيْ: كُنْ خَلِيفَتِي في قَوْمِي وراقِبْهم فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، واسْتِخْلافُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأخِيهِ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نَبِيًّا مُرْسَلًا مِثْلَهُ.

قِيلَ: لِأنَّ الرِّياسَةَ كانَتْ لَهُ دُونَهُ، واجْتِماعُ الرِّياسَةِ مَعَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ لَيْسَ أمْرًا لازِمًا كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ سَبْرُ قَصَصِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ -قُدِّسَ سِرُّهُ- في فُتُوحاتِهِ أنَّ هارُونَ ذُكِرَ لَهُ أنَّهُ نَبِيٌّ بِحُكْمِ الأصالَةِ، ورَسُولٌ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ، فَلَعَلَّ هَذا الِاسْتِخْلافَ مِن آثارِ تِلْكَ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا كَما يَقُولُ أحَدُ المَأْمُورَيْنِ بِمَصْلَحَةٍ لِلْآخَرِ إذا أرادَ الذَّهابَ لِأمْرٍ: كُنْ عِوَضًا عَنِّي عَلى مَعْنى: ابْذُلْ غايَةَ وُسْعِكَ ونِهايَةَ جُهْدِكَ بِحَيْثُ يَكُونُ فِعْلُكَ فِعْلَ شَخْصَيْنِ، ﴿ وأصْلِحْ ﴾ ما يَحْتاجُ إلى الإصْلاحِ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ، أوْ كُنْ مُصْلِحًا عَلى أنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يُرِيدُ الرِّفْقَ بِهِمْ والإحْسانَ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ: احْمِلْهم عَلى الطّاعَةِ والصَّلاحِ.

﴿ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ أيْ: ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ مَن سَلَكَ الإفْسادَ بِدَعْوَةٍ وبِدُونِها، وهَذا مِن بابِ التَّوْكِيدِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً قرأ أبو عمرو وَوَعَدْنَا بغير ألف، والباقون بالألف ومعناهما واحد.

وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ يعني: ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة.

ويقال: ثلاثين من ذي الحجة وعشر من المحرم.

والمناجاة في يوم عاشوراء.

وكانت المواعدة ثلاثين يوماً وأمر بأن يصوم ثلاثين يوماً، فلما صام ثلاثين يوماً، أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خرنوب وقيل: بورقة موز، فقالت له الملائكة: كنا نجد من فيك ريح المسك فأفسدته بالسواك فأمر بأن يصوم عشراً أخر، فصارت الجملة أربعين يوماً.

كما قال في آية أخرى وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة: 51] يعني: صارت في الجملة أربعين ولكن مرة ثلاثين يوماً، ومرة عشرة.

فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يعني: ميعاد ربه أربعين ليلة.

يعني: ميعاد ربه.

وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي يعني: قال له قبل انطلاقه إلى الجبل: اخلفني فِي قَوْمِي أي كن خليفتي على قومي وَأَصْلِحْ يعني: مرهم بالصلاح.

ويقال: وأصلح بينهم.

ويقال: ارفق لهم وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي ولا تتبع سبيل أي طريق العاصين، ولا ترضى به.

واتّبع سبيل المطيعين.

وقال بعض الحكماء: من هاهنا ترك قومه عبادة الله وعبدوا العجل، لأنه سلمهم إلى هارون ولم يسلمهم إلى ربهم.

ولهذا لم يستخلف النبي بعده.

وسلم أمر أمته إلى الله تعالى.

فاختار الله لأمته أفضل الناس بعد رسول الله  وهو أبو بكر الصديق- رضى الله تعالى عنه- فأصلح بينهم.

قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا يعني: لميعادنا لتمام أربعين يوماً.

ويقال: لميقاتنا أي للوقت الذي وقّتنا له.

وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فسمع موسى كلام الله تعالى بغير وحي، فاشتاق إلى رؤيته قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ انظر صار جزماً لأنه جواب الأمر قالَ له ربه: لَنْ تَرانِي يعني: إنك لن تراني في الدنيا وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ يعني: انظر إلى أعظم جبل بمدين فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي يعني: سوف تقدر أن تراني إن استقر الجبل مكانه.

معناه: كما أن الجبل لا يستقر لرؤيتي فإنك لن تطيق رؤيتي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قال الضحاك: ألقى عليه من نوره فاضطرب الجبل من هيبته يعني: من رهبة الله تعالى.

وقال القتبي: تجلى ربه للجبل أي ظهر وأظهر من أمره ما شاء.

يقال: جلوت المرأة والسيف إذا أبرزته من الصدأ وكشف عنه.

وجلوت العروس إذا أبرزتها.

فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: جبل زبير جَعَلَهُ دَكًّا قرأ حمزة والكسائي جعله دكاء بالهمز يعني: جعله أرضاً دكاء.

وقرأ الباقون دَكّاً بالتنوين يعني: دَكَّه دَكّاً.

قال بعضهم: صار الجبل قطعاً، فصار على ثمان قطع.

فوقع ثلاث بمكة وثلاث بالمدينة واثنان بالشام.

ويقال: صار ستة فرق.

ويقال: صار أربع فرق.

ويقال: صار كله رملاً عالجاً أي ليناً.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: جعله دكاً أي تراباً، وقال القتبي: جعله دكاً أي ألصقه بالأرض.

ويقال: ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام أي تراباً.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: لما سأل موسى النظر إلى ربه أمر الله الضباب والصواعق والظلمات والرعد والبرق فهبطن حتى أحطن بالجبل، وأمر الله تعالى ملائكة السموات فهبطوا، وارتعدت فرائص موسى وتغير لونه.

فقال له جبريل: اصبر لما سألت ربك، فإنما رأيت قليلاً من كثير فلما غشي الجبل النور، خمد كل شيء، وانقطعت أصوات الملائكة وانهار الجبل من خشية الله تعالى.

حتى صار دكاً.

قوله تعالى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً قال مقاتل: يعني ميتا.

كقوله عز وجل: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ يعني: مات.

ويقال: وخر موسى صعقاً أي مغشياً عليه فَلَمَّا أَفاقَ من غشيانه قال مقاتل: رد الله حياته إليه قالَ سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك تُبْتُ إِلَيْكَ من قولي وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.

روى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: قد كان قبله من المؤمنين.

ولكن يقول أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.

وقال مقاتل: أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا.

وقال القتبي: أراد به في زمانه كقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47] ويقال: معناه تبت إليك بأن لا أسألك بعد هذا سؤالاً محالاً.

فاعترف أنه طلب شيئاً في غير حينه وأوانه ووقته.

وقال الزجاج: قد قال موسى: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أرني أمراً عظيماً لا يرى مثله في الدنيا مما لا تحتمل عليه نفسي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: أمر ربه قال: وهذا خطأ.

ولكن لما سمع كلامه قال يا رب: إنِّي سمعت كلامك وأحب أن أراك.

قوله تعالى: قالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي يعني: بنبوتي.

قرأ ابن كثير ونافع برسَالَتِي.

وقرأ الباقون برسَالاتي بلفظ الجماعة ومعناهما واحد أي: اختصصتك بالنبوة.

وَبِكَلامِي أي بتكلمي معك من غير وحي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي: اعمل بما أعطيتك وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لما أعطيتك.

وقال القتبي: قوله وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أراد به في زمانه كقوله وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47] .

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ.

انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام ع «١» ، وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ، أي: مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديء العاقبة، والتّبار: الهلاك، وإناء مُتَبَّرٌ، أي: مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ ومنه: تِبْرُ الذَّهَبِ لأنه كسارة، وقوله: مَّا هُمْ فِيهِ يعمّ جميع أحوالهم وباطِلٌ: معناه: فاسد ذاهب مضحملّ، وأَبْغِيكُمْ معناه: أطلبُ.

ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ...

الآية، ويَسُومُونَكُمْ معنا: يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ...

الآية.

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)

وقوله سبحانه: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ...

الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشر هي عَشْرُ ذي «٢» الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائم بالذات القديم

الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين «١» ، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: قالَ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربّه الرؤية، ورؤية الله عز وجلّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ...

الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و «لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضاً قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، فهو نصّ في الرؤية بيّنه صلّى الله عليه وسلّم ففي «الترمذيُّ» عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة» ، ثم

قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] «١» ، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً.

انتهى.

قال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال له: يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي «٢» .

قال ع «٣» : فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ: وقول ع «٤» : ولو بَقِينَا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفي المؤبّد «٥» .

قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ/ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في «أُنْمُوذجِهِ» أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه: ٩١] ، وهو واضح.

انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه» ، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٥] تَكْراراً، والأصل عدمه.

انتهى من «المغني» .

وقوله سبحانه: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: جَعَلَهُ دَكًّا، المعنى: جعله أرضاً دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين.

قال ص: وَخَرَّ معناه سقَطَ، وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك كذا فسَّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها.

قال ع «١» : ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي:

مِنْ قومه قاله ابن عباس «٢» وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية «٣» .

وقوله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النّعم من عند الله سبحانه بمقدار،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِنْدَ انْضِمامِ العَشْرِ إلى الثَّلاثِينَ؟

.

فالجَوابُ مِن وُجُوهِ.

أحَدِها: أنَّهُ لَلتَّأْكِيدِ.

والثّانِي: لَيَدُلَّ أنَّ العَشْرَ لَيالٍ، لا ساعاتِ.

والثّالِثُ: لَيَنْفِيَ تَمامَ الثَّلاثِينَ بِالعَشْرِ أنْ تَكُونَ مِن جُمْلَةِ الثَّلاثِينَ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَسْبِقَ إلى الوَهْمِ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَأتَمَّتْ بِعَشْرِ.

وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٥١) لَماذا كانَ هَذا الوَعْدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْلِحْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُرْهم بِالإصْلاحِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ارْفُقْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَوَعَدْنا"، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَتَهَيَّأ لِمُناجاتِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زادَهُ في الأجَلِ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَ لَيالٍ، فَذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَهُ العَشْرُ في حالِ مَغِيبِهِ دُونَ أنْ تَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ وجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم بِهِ، فَقالَ لَهُمُ السامِرِيُّ: إنَّ مُوسى قَدْ هَلَكَ ولَيْسَ بِراجِعٍ وأضَلَّهم بِالعْجِلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ كُلُّهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وقِيلَ: بَلْ أخْبَرَهم بِمَغِيبِهِ أرْبَعِينَ، وكَذَلِكَ أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ  ﴾ ، وأنَّهم عَدُّوا الأيّامَ واللَيالِيَ، فَلَمّا تَمَّ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ قالُوا: قَدْ أخْلَفَ مُوسى فَضَلُّوا، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الثَلاثِينَ هي شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، وإنَّ العَشْرَ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ، ورُوِيَ أنَّ الثَلاثِينَ إنَّما وُعِدَ بِأنْ يَصُومَها ويَتَهَيَّأ فِيها لِلْمُناجاةِ ويَسْتَعِدَّ، وأنَّ مُدَّةَ المُناجاةِ هي العَشْرُ، وقِيلَ: بَلْ مُدَّةُ المُناجاةِ الأرْبَعُونَ، وإقْبالُ مُوسى عَلى الأمْرِ والتِزامُهُ يُحَسِّنُ لَفْظَ المُواعَدَةِ، وحَيْثُ ورَدَ أنَّ المُواعَدَةَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَذَلِكَ إخْبارٌ بِجُمْلَةِ الأمْرِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِتَفْصِيلِهِ كَيْفَ وقَعَ، و"أرْبَعِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "أرْبَعِينَ" ظَرْفًا مِن حَيْثُ هي عَدَدُ أزْمِنَةٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَتَمَّمْناها" بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ قالَ: لَمّا صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فاسْتاكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنّا كُنّا نَسْتَنْشِقُ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِواكِ فَزِيدَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيالٍ، و"ثَلاثِينَ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: أجَّلْناهُ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ لَمْ تَقَعْ في الثَلاثِينَ، ثُمَّ رَدَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ أنَّ العَشْرَ لَمْ تَكُنْ ساعاتٍ، وبِالجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ وإيضاحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى لأخِيهِ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: وقالَ مُوسى حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها، و"اخْلُفْنِي" مَعْناهُ: كُنْ خَلِيفَتِي، وهَذا اسْتِخْلافٌ في حَياةٍ كالوِكالَةِ الَّتِي تَنْقَضِي بِعَزْلِ المُوَكَّلِ أو مَوْتِهِ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَمادٍ بَعْدَ وفاةٍ، فَيَنْحَلُّ -عَلى هَذا- ما تَعَلَّقَ بِهِ الإمامِيَّةُ في قَوْلِهِمْ: إنَّ النَبِيَّ  اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا بِقَوْلِهِ: "أنْتَ مِنِّي كَهارُونَ مِن مُوسى"، وقالَ مُوسى: اخْلُفْنِي فَيَتَرَتَّبُ عَلى هَذا أنَّ عَلِيًّا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ  ، وما ذَكَرْناهُ يَحُلُّ هَذا القِياسَ.

وأمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإصْلاحِ، ثُمَّ مِنَ الطُرُقِ الأُخَرِ في ألّا يَتَّبِعَ سَبِيلَ مُفْسِدٍ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ مِنَ الإصْلاحِ أنْ يَزْجُرَ السامِرِيَّ ويُغِيرَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمّا جاءَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي حُدِّدَ لَهُ، وفي الوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ، وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ تَمَنِّيًا مِنهُ: ﴿ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أرِنِي" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أرْنِي" بِسُكُونِ الراءِ.

والمَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلَّمَهُ  ﴾ أيْ: خَلَقَ لَهُ إدْراكًا سَمَعَ بِهِ الكَلامَ القائِمَ بِالذاتِ القَدِيمِ الَّذِي هو صِفَةُ ذاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أدْنى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ في اللَوْحِ، وكَلامُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ الَّذِي لِلْمَخْلُوقِينَ ولا في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وكَما هو مَوْجُودٌ لا كالمَوْجُوداتِ، ومَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ، كَذَلِكَ كَلامُهُ لا يُشْبِهُ الكَلامَ الَّذِي فِيهِ عَلاماتُ الحُدُوثِ، والواوُ عاطِفَةٌ "كَلَّمَهُ" عَلى "جاءَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، والأوَّلُ أبْيَنُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَلَّمَ اللهُ مُوسى في ألْفِ مَقامٍ، كانَ يَرى نُورًا عَلى وجْهِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ إثْرَ كُلِّ مَقامٍ، وما قَرَبَ مُوسى النِساءَ مُنْذُ كَلَّمَهُ اللهُ تَعالى، وجَوابُ "لَمّا" في قَوْلِهِ تَعالى: "قالَ"، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كَلَّمَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ طَمَحَتْ هِمَّتُهُ إلى رُتْبَةِ الرُؤْيَةِ وتَشَوَّقَ إلى ذَلِكَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ، قالَهُ السُدِّيُّ، وأبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ، وقالَ الرَبِيعُ: قَرَّبْناهُ نَجِيًّا حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ.

ورُؤْيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الأشْعَرِيَّةِ وأهْلِ السُنَّةِ جائِزَةٌ عَقْلًا، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ هو مَوْجُودٌ تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، قالُوا: لِأنَّ الرُؤْيَةَ لِلشَّيْءِ لا تَتَعَلَّقُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ أكْثَرَ مِنَ الوُجُودِ، إلّا أنَّ الشَرِيعَةَ قَرَّرَتْ رُؤْيَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الآخِرَةِ نَصًّا، ومَنَعَتْ مِن ذَلِكَ في الدُنْيا بِظَواهِرَ مِنَ الشَرْعِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَسْألْ رَبَّهُ مُحالًا وإنَّما سَألَ جائِزًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ ﴾ الآيَةُ.

لَيْسَ بِجَوابِ مَن سَألَ مُحالًا، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنُوحٍ: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ  ﴾ ، فَلَوْ سَألَ مُوسى مُحالًا لَكانَ في الكَلامِ زَجْرٌ ما وتَبْيِينٌ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ نَصٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى مَنعِهِ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا، و"لَنْ" تَنْفِي الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ، ولَوْ بَقِينا مَعَ هَذا النَفْيِ بِمُجَرِّدِهِ لَقَضَيْنا أنَّهُ لا يَراهُ مُوسى أبَدًا ولا في الآخِرَةِ، لَكِنْ ورَدَ مِن جِهَةٍ أُخْرى بِالحَدِيثِ المُتَواتِرِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ يَرَوْنَ اللهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أحْرى بِرُؤْيَتِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِمُوسى: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ ولَكِنْ سَأتَجَلّى لِلْجَبَلِ الَّذِي هو أقْوى مِنكَ وأشَدُّ فَإنِ اسْتَقَرَّ وأطاقَ الصَبْرَ لِهَيْبَتِي فَسَيُمْكِنُكَ أنْتَ رُؤْيَتِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا إنَّما جَعَلَ اللهُ الجَبَلَ مِثالًا وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المَعْنى: سَأتَبَدّى لَكَ عَلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ لِعَظْمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي، ورُوِيَ في كَيْفِيَّةِ وُقُوفِ مُوسى وانْتِظارِهِ الرُؤْيَةَ قَصَصٌ طَوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ لِبُعْدِهِ وكَثْرَةِ مَواضِعِ الِاعْتِراضِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ ميقات رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

عَوْد إلى بقية حوادث بني إسرائيل، بعد مجاوزتهم البَحر، فالجملة عطف على جملة: ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ [الأعراف: 138].

وقد تقدم الكلام على معنى المواعدة في نظير هذه الآية في سورة البقرة، وقرأ أبو عمرو: وَوَعَدْنَا.

وحذف الموعود به اعتماداً على القرينة في قوله: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ الخ، و ﴿ ثلاثين ﴾ منصوب على النيابة عن الظرف، لأن تمييزه ظرف للمواعد به وهو الحضور لتلقي الشريعة، ودل عليه ﴿ واعدنا ﴾ لأن المواعدة للقاء فالعامل ﴿ واعدنا ﴾ باعتبار المقدر، أي حضوراً مدة ثلاثين ليلة.

وقد جعل الله مدة المناجاة ثلاثين ليلة تيسيراً عليه، فلما قضاها وزادت نفسه الزكية تعلقاً ورغبة في مناجاة الله وعبادته، زاده الله من هذا الفضل عشر ليال، فصارت مدة المناجاة أربعين ليلة، وقد ذكر بعض المفسرين قصة في سبب زيادة عشر ليال، لم تصح، ولم يزده على أربعين ليلة: إما لأنه قد بلغ أقصى ما تحتمله قوته البشرية فباعَدهُ الله من أن تعرض له السّآمة في عبادة ربه، وذلك يُجنّب عنه المتقون بَله الأنبياء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا " وإما لأن زيادة مغيبه عن قومه تفضي إلى أضرار، كما قيل: إنهم عبدوا العجل في العشر الليالي الأخيرة من الأربعين ليلة، وسميت زيادةُ الليالي العشر إتماماً إشارة إلى أن الله تعالى أراد أن تكون مناجاة موسى أربعين ليلة، ولكنه لما أمره بها أمره بها مفرقة، إما لحكمة الاستيناس، وإما لتكون تلك العشر عبادة أخرى فيتكرر الثواب، والمراد الليالي بأيامها فاقتصر على الليالي؛ لأن المواعدة كانت لأجل الانقطاع للعبادة وتلقي المناجاة.

والنفس في الليل أكثر تجرداً للكمالات النفسانية، والأحوال المَلَكية، منها في النهار، إذ قد اعتادت النفوس بحسب أصل التكوين الاستيناسُ بنور الشمس والنشاط به للشغل، فلا يفارقها في النهار الاشتغال بالدنيا ولو بالتفكر وبمشاهدة الموجودات، وذلك ينحّط في الليل والظلمة، وتنعكس تفكرات النفس إلى دَاخلها، ولذلك لم تزل الشريعة تحرض على قيام الليل وعلى الابتهال فيه إلى الله تعالى، قال: ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ [السجدة: 16] الآية، وقال: ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ ، وفي الحديث: " ينزل ربّنا كل ليلة إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فيقول هل من مستغفر فأغفر له، هل من داع فأستجيب له " ولم يزل الشغل في السهر من شعار الحكماء والمرتاضين لأن السهر يلطف سلطان القوة الحيوانية كما يلطفها الصوم قال في «هياكل النور» «النّفوسُ الناطقة من عالم الملكوت، وإنما شغَلها عن عالَمها القوى البدنية ومشاغَلتُها فإذا قويتْ النفس بالفضائل الرُوحانية وضعُف سلطان القُوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر تتخلص أحياناً إلى عالم القُدس وتتصل بربها وتتلقى منه المعارف».

على أن الغالب في الكلام العربي التوقيتُ بالليالي، ويُريدون أنها بأيامها، لأن الأشهر العربية تُبتدأ بالليالي إذ هي منوطة بظهور الأهلة.

وقوله ﴿ فَتَم ميقاتُ ربه أربعينَ ليلة ﴾ فذلكةُ الحساب كما في قوله: ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلكَ عشرة كاملة ﴾ [البقرة: 196]، فالفاء للتفريع.

والتمام الذي في قوله: ﴿ فتم ميقات ربه ﴾ مستعمل في معنى النماء والتفوق فكان ميقاتاً أكمل وأفضل كقوله تعالى: ﴿ تماماً على الذي أحسنَ ﴾ [الأنعام: 154] إلى قوله: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ [المائدة: 3] إشارة إلى أن زيادة العشر كانت لحكمة عظيمة تكون مدة الثلاثين بدونها غير بالغة أقصى الكمال، وأن الله قدر المناجاة أربعين ليلة، ولكنه أبرز الأمر لموسى مفرقاً وتيسيراً عليه، ليكون إقبالُه على إتمام الأربعين باشتياق وقوة.

وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال بتأويل: بالغاً أربعين.

والميقات قيل: مرادف للوقت، وقيل هو وقت قدّر فيه عمل مّا، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ في سورة البقرة (189).

وإضافته إلى ﴿ ربه ﴾ للتشريف، وللتعريض بتحميق بعض قومه حين تأخر مغيب موسى عنهم في المناجاة بعد الثلاثين، فزعموا أن موسى هلَك في الجبَل كما رواه ابن جُريج، ويشهد لبعضه كلام التوراة في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج.

أي: قال موسى لأخيه عند العزم على الصعود إلى الجبل للمناجاة فإنه صعد وحدَه ومعه غلامُهْ يُوشعُ بنُ نَون.

ومعنى ﴿ اخلْفني ﴾ كُنْ خلَفاً عني وخليفة، وهو الذي يتولى عمل غيره عند فقده فتنتهي تلك الخلافة عند حضور المستخلَف، فالخلافة وكالة، وفعْلُ خَلَف مشتق من الخَلْف بسكون اللام وهو ضد الإمام، لأن الخليفة يقوم بعمل مَن خَلَفَه عند مغيبه، والغائِب يَجعل مكانَه وراءَه.

وقد جمع له في وصيته ملاك السياسة بقوله: ﴿ وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ فإن سياسة الأمة تدور حول مِحور الإصلاح، وهو جعل الشيء صالحاً، فجميعُ تصرفات الأمة وأحوالها يجب أن تكون صالحة، وذلك بأن تكون الأعمال عائدة بالخير والصلاح لفاعلها ولغيره، فإن عادت بالصلاح عليه وبضده على غيره لم تعتبر صلاحاً، ولا تلبث أن تؤول فساداً على مَن لاحت عنده صلاحاً، ثم إذا تردد فعلٌ بين كونه خيراً من جهة وشراً من جهة أخرى وجب اعتبار أقوى حالتيه فاعتُبر بها إن تعذر العدول عنه إلى غيره مما هو أوفرُ صلاحاً، وإن استوى جهتاه ألغي إن أمكَنَ إلغاؤُه وإلاّ تخيّر، وهذا أمر لهارون جامع لما يتعين عليه عمله من أعماله في سياسة الأمة.

وقوله: ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ تحذير من الفساد بأبلغ صيغة لأنها جامعة بين نَهي والنهي عن فعل تنصرف صيغته أول وهلة إلى فساد المنهي عنه وبينَ تعليق النهي باتباع سبيل المفسدين.

والإتباع أصله المشي على حلف ماش، وهو هنا مستعار للمشاركة في عمل المفسد، فإن الطريق مستعار للعمل المؤدي إلى الفساد والمفسِد من كان الفساد صفتَه، فلما تعلق النهي بسلوك طريق المفسدين كان تحذيراً من كل ما يستروح منه مآل إلى فساد، لأن المفسدين قد يعملون عملاً لا فساد فيه، فنُهي عن المشاركة في عمل من عُرف بالفساد، لأن صدوره عن المعروف بالفساد، كاففٍ في توقع إفضائه إلى فساد.

ففي هذا النهي سد ذريعة الفساد، وسَد ذرائع الفساد من أصول الإسلام، وقد عني بها مالك بن أنس وكررها في كتابه واشتهرت هذه القاعدة في أصول مذهبه.

فلا جرم أن كان قوله تعالى: ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ جامعاً للنهي عن ثلاث مراتب من مراتب الإفضاء إلى الفساد وهو العمل المعروف بالانتساب إلى المفسد، وعمل المفسد وإن لم يكن مما اعتاده، وتجنبُ الاقتراب من المفسد ومخالطته.

وقد أجرى الله على لسان رسوله موسى، أو أعلمه، ما يقتضي أن في رعية هارون مفسدين، وإنه يوشك إن سلكوا سبيل الفساد أن يسايرهم عليه لما يعلم في نفس هارون من اللين في سياسته، والاحتياط من حدوث العصيان في قومه، كما حكى الله عنه في قوله: ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتُلونني ﴾ [الأعراف: 150] وقوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ [طه: 94].

فليست جملة: ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ مجرد تأكيد لمضمون جملة ﴿ وأصلح ﴾ تأكيداً للشيء بنفي ضده مثل قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ [النحل: 21] لأنها لو كان ذلك هو المقصَد منها لجُرّدت من حرف العطف، ولاقتصر على النهي عن الإفساد فقيل: وأصلح لا تفسد، نعم يحصل من معانيها ما فيه تأكيد لمضمون جملة: ﴿ وأصلح ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الثَّلاثِينَ لَيْلَةً شَهْرٌ أُمِرَ بِصِيامِهِ، والعَشْرُ بَعْدَها أجَلٌ لِمُناجاةِ رَبِّهِ.

والثّانِي: أنَّ الأرْبَعِينَ كُلَّها أجَلٌ لِمُناجاةِ رَبِّهِ، أجَّلَ في الأوَّلِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً ثُمَّ زِيدَتْ عَشْرًا بَعْدَها.

وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ ذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ومَسْرُوقٍ.

﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ يَعْنِي أنَّ اجْتِماعَ الأجَلَيْنِ تَمامُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ العَشْرَ هي لَيالٍ ولَيْسَتْ ساعاتٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَمَعْلُومٌ أنَّ العَشْرَ مَعَ الثَّلاثِينَ مُسْتَكْمِلَةٌ أرْبَعِينَ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ في الذِّكْرِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ.

والثّانِي: كانَ وعَدَهُ إلى الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ.

والثّالِثُ: لِيَنْفِيَ تَمامَ الثَّلاثِينَ بِالعَشْرِ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ الثَّلاثِينَ لِأنَّ تَمامَ الشَّيْءِ بَعْضٌ مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ زادَ في أجَلِ وعْدِهِ بَعْدَ الثَّلاثِينَ عَشْرًا جَعَلَها أجَلًا ثانِيًا فَأخَّرَ بِها مَوْعِدَهُ؟

قِيلَ عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْمَهُ تَأخَّرُوا عَنْهُ في الأجَلِ الأوَّلِ فَزادَهُ اللَّهُ لِتَأخُّرِهِمْ عَنْهُ أجَلًا ثانِيًا لِيَحْضُرُوا.

والثّانِي: لِأنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَهُ فَزادَهُ اللَّهُ أجَلًا ثانِيًا عُقُوبَةً لَهم.

وَيَحْتَمِلُ جَوابًا ثالِثًا: أنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ اخْتِبارًا لِقَوْمِهِ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ويُعْرَفُ بِهِ المُتَيَقِّنُ مِنَ المُرْتابِ.

والفَرْقُ بَيْنَ المِيقاتِ والوَقْتِ وإنْ كانا مِن جِنْسٍ واحِدٍ أنَّ المِيقاتَ ما قُدِّرَ لِعَمَلٍ، والوَقْتَ قَدْ لا يَتَقَدَّرُ لِعَمَلٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ﴾ قال: ذو القعده، وعشر من ذي الحجة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان التيمي قال: زعم حضرمي أن الثلاثين ليلة التي وعد موسى ذو القعدة، والعشر التي تمم الله بها الأربعين ليلة عشر ذي الحجة.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: ما من عمل في أيام من السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة، وهي العشر التي أتمها الله لموسى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ﴾ يعني ذا القعده وعشراً من ذي الحجة، خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هرون، فمكث على الطور أربعين ليلة وأنزل عليه التوراة في الألواح، فقربه الرب نجياً وكلمه وسمع صريف القلم، وبلغنا أنه لم يحدث في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ﴾ قال: ذو القعدة ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ قال: عشر ذي الحجة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ﴾ قال: إن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هرون فيكم، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري أبصر جبريل، فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب فقال حين مضى ثلاثون ليلة: يا بني إسرائيل إن معكم حلياً من حلى آل فرعون وهو حرام عليكم فهاتوا ما عندكم فنحرقها، فأتوه بما عندهم من حليهم، فأوقد ناراً ثم ألقى الحلى في النار، فلما ذاب الحلى ألقى تلك القبضة من التراب في النار فصار عجلاً جسداً له خوار، فخار خورة واحدة لم يثن فقال السامري: إن موسى ذهب يطلب ربكم وهذا إله موسى، فذلك قوله: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ [ طه: 88] يقول: انطلق يطلب ربه فضل عنه وهو هذا، فقال الله تبارك وتعالى لموسى وهو يناجيه ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ [ طه: 85- 86] قال يعني حزيناً.

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: قال الرب تبارك وتعالى لموسى عليه السلام «مرْ قومك أن ينيبوا إلي ويدعوني في العشر يعني عشر ذي الحجة فإذا كان اليوم العاشر فليخرجوا إليَّ أُغْفِرْ لهم» قال وهب: اليوم الذي طلبته اليهود فأخطأوه، وليس عدد أصوب من عدد العرب.

وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه «لما أتى موسى ربه وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين يوماً وقد صام ليلهن ونهارهن، فكره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول من نبات الأرض فمضغه، فقال له ربه: لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان قال: أي رب كرهت أن أكلمك إلا وفي طيب الريح.

قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك، ارجع فصم عشرة أيام ثم إيتني.

ففعل موسى الذي أمره ربه فلما كلم الله موسى قال له ما قال» .

أما قوله تعالى: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ﴾ .

وأخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما كلم الله موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟

قال: يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن.

فقال: لا تستطيعونه، ألم تروا إلى أصوات الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتموه، فذاك قريب منه وليس به» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عطاء بن السائب قال: كان لموسى عليه السلام قبة طولها ستمائة ذراع، يناجي فيها ربه عز وجل.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب قال: لما كلم الله موسى قال: يا رب أهكذا كلامك؟

قال: يا موسى إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن كعب قال: لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل كلامه يعني كلام موسى فجعل يقول: يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته، فقال: يا رب هكذا كلامك؟

قال: لا، لو سمعت كلامي أي على وجهه لم تك شيئاً.

قال يا رب هل في خلقك شيء شبه كلامك؟

قال: لا، وأقرب خلقي شبهاً بكلامي أشد ما سمع الناس من الصواعق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: قيل لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق؟

فقال موسى: الرعد الساكن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال: إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه، ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء، فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين.

وأخرج الديلمي عن أبي هريرة رفعه، لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة، فأول ما كلمه بالبربرية أن قال: يا موسى ونفسي معبراً: أي أنا الله الأكبر.

قال موسى: يا رب أعطيت الدنيا لأعدائك ومنعتها أولياءك فما الحكمة في ذلك؟

فأوحى الله إليه: أعطيتها أعدائي ليتمرغوا، ومنعتها أوليائي ليتضرعوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عجلان قال: كلم الله موسى بالألسنة كلها، وكان فيما كلمه لسان البربر فقال كلمنه بالبربرية: أنا الله الكبير.

وأخرج سعيد بن منصور وابي المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم كلم الله موسى كان عليه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، وكمه صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي» .

وأخرج أبو الشيخ عن عبد الرحمن بن معاوية قال: لما كلم موسى ربه عز وجل مكث أربعين يوماً لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين.

وأخرج أبو الشيخ عن عروة بن رويم قال: كان موسى لم يأت النساء منذ كلمه ربه، وكان قد ألبس على وجهه بوقع فكاق لا ينظر إليه أحد إلا مات فكشف لها عن وجهه، فأخذتها من غشيته مثل شعاع الشمس، فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: كلم الله موسى من ألف مقام، فكان كلما كلمه رأى النور على وجهه ثلاثة أيام قال: وما قرب موسى امرأة مذ كلمه ربه.

وأخرج ابن المنذر عن عروة بن رويم اللخمي قال: قالت امرأة موسى لموسى: إني أيم منك مذ أربعين سنة فأمتعني بنظرة.

فرفع البرقع عن وجهه فغشى وجهه نور التمع بصرها، فقالت ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة.

قال: على أن لا تزوّجي بعدي وأن لا تأكلي إلا من عمل يديك.

قال: فكانت تتبع الحصادين، فإذا رأوا ذلك تخاطوا لها، فإذا أحست بذلك تجاوزته.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو خيثمة في كتاب العلم والبيهقي عن ابن عباس قال: قال موسى عليه السلام حين كلم ربه: أي رب أي عبادك أحب إليك؟

قال: أكثرهم لي ذكراً.

قال: أي عبادك أحكم؟

قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس.

قال رب أي عبادك أغنى؟

قال: الراضي بما أعطيته.

وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن.

أن موسى عليه السلام سأل ربه جماعاً من الخير فقال: أصحب الناس بما تحب أن تصحب به.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله تبارك وتعالى ناجى موسى عليه السلام بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام الرب عز وجل، فكان فيما ناجاه إن قال: يا موسى إنه لم يتصنع المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرب إليّ المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم، ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي.

فقال موسى: يا رب ويا إله البرية كلها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإِكرام، ماذا أعددت لهم؟

وماذا جزيتهم؟

قال: أما الزاهدون في الدنيا فإني أبيحهم جنتي حتى يتبوَّأوا فيها حيث شاؤوا، وأما الورعون عما حرمت عليهم فإذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إلا ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعون فأني أستحيهم، وأجلهم، وأكرمهم، وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركهم في أحد» .

وأخرج أبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال موسى: يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به.

قال: قل يا موسى لا إله إلا الله.

قال: يا رب كل عبادك يقول هذا...

!

قال: قل لا إله إلا الله.

قال: لا إله إلا أنت يا رب، إنما أريد شيئاً تخصني به.

قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله» .

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن عطاء بن يسار قال: قال موسى عليه السلام: يا رب من أهلك الذين هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك؟

قال: هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حزب.

وأخرج أحمد عن عمر أن القصير قال: قال موسى بن عمران: أي رب أين أبغيك؟

قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم، إني أدنو منهم كل يوم باعاً ولولا ذلك انهدموا.

وأخرج ابن المبارك وأحمد عن عمار بن ياسر.

أن موسى عليه السلام قال: يا رب حدثني بأحب الناس إليك قال: ولم.

..؟

قال: لأحبه لحبك أياه.

فقال: عبد في أقصى الأرض سمع به عبد آخر في أقصى الأرض لا يعرفه، فإن أصابته مصيبة فكأنما أصابته، وإن شاكته شوكة فكأنما شاكته ما ذاك إلا لي، فذلك أحب خلقي إلي.

قال: يا رب خلقت خلقاً تدخلهم النار أو تعذبهم؟

فأوحى الله إليه: كلهم خلقي، ثم قال: ازرع زرعاً.

فزرعه.

فقال: اسقه فسقاه، ثم قال: قم عليه فقام عليه فحصده ورفعه، فقال: ما فعل زرعك يا موسى؟

قال: فرغت منه ورفعته: قال: ما تركت منه شيئاً؟

قال: ما لا خير فيه.

قال: كذلك أنا لا أعذب إلا من لا خير فيه.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن موسى عليه السلام قال: يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك.

قال: الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه، والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالناس، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي غضب النمر لنفسه، فإن النمر إذا غضب لم يبال أَقَلَّ الناس أم كثروا.

وأخرجه ابن أبي شيبة عن عروه موقوفاً» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: سأل موسى عليه السلام ربه عزَّ وجل فقال: أي عبادك أغنى؟

قال: الذي يقنع بما يؤتى.

قال: فأي عبادك أحكم؟

قال: الذي يحكم للناس بما يحكم لنفسه قال: فأي عبادك أعلم؟

قال: أخشاهم.

وأخرج أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة وأبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام كان يمشي ذات يوم في الطريق، فناداه الجبار عز وجل: يا موسى، فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً...

!

ثم ناداه الثانية: يا موسى بن عمران فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً وارتعدت فرائصه ثم نودي الثالثه يا موسى بن عمران إنني أنا الله لا إله إلا أنا فقال: لبيك لبيك، فخر لله تعالى ساجداً فقال: ارفع رأسك يا موسى بن عمران، فرفع رأسه فقال: يا موسى إن أحببت أن تسكن في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي كن لليتيم كالأب الرحيم، وكن للأرملة كالزوج العطوف، يا موسى بي عمران أرحم ترحم، يا موسى كما تدين تدان، يا موسى نبي بني إسرائيل أنه من لقيني وهو جاحد صلى الله عليه وسلم أدخلته النار.

فقال: ومن أحمد؟

فقال: يا موسى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم عليَّ منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السموات والأرض والشمس والقمر بألفي سنة، وعزتي وجلالي إن الجنة محرمة على جميع خلقي حتى يدخلها محمد وأمته.

قال موسى، ومن أمة أحمد؟

قال: أمته الْحَمَّادون يحمدون صعوداً وهبوطاً وعلى كل حال، يشدون أوساطهم ويطهرون أطرافهم، صائمون بالنهار رهبان بالليل، أقبل منهم اليسير وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله.

قال: إجعلني نبي تلك الأمة.

قال: نبيها منها.

قال: إجعلني من أمة ذلك النبي.

قال: استقدمت واستأخر يا موسى ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال» .

وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: قال موسى عليه السلام إلهي ما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه؟

قال: يا موسى أظله يوم القيامة بظل عرشي، وأجعله في كنفي.

قال: يا رب أي عبادك أشقى؟

قال: من لا تنفعه موعظة، ولا يذكرني إذا خلا.

وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: قال موسى: يا رب ما جزاء من آوى يتيماً حتى يستغني أو كفل أرملة؟

قال: أسكنه جنتي وأظله يوم لا ظل إلا ظلي.

وأخرج ابن شاهين في الترغيب عن أبي بكر الصدريق رضي الله عنه قال: قال موسى عليه السلام: يا رب ما لمن عزى الثكلى؟

قال: أظله بظلي يوم لا ظل إلا ظلي.

وأخرج آدم بن أبي أياس في كتاب العلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما قرب موسى نجياً أبصر في ظل العرش رجلاً فغبطه بمكانه، فسأل عنه فلم يخبر باسمه وأخبر بعمله، فقال له: هذا رجل كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، بر بالوالدين لا يمشي بالنميمة.

فقال الله: يا موسى ما جئت تطلب؟

قال جئت أطلب الهدى يا رب.

قال: قد وجدت يا موسى.

قال: رب أغفر لي ما مضى من ذنوبي وما غبر وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني، وأعوذ بك من وسوسة نفسي وسوء عملي.

فقيل له: قد كفيت يا موسى.

قال: رب أي العمل أحب إليك أن أعمله؟

قال: اذكرني يا موسى.

قال: رب أي عبادك أتقى؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني.

قال رب أي عبادك أغنى؟

قال الذي يقنع بما يؤتى قال: رب أي عبادك أفضل؟

قال: الذي يقض بالحق ولا يتبع الهوى قال: رب أي عبادك أعلم؟

قال: الذي يطلب علم الناس إلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى.

قال: رب أي عبادك أحب إليك عملاً؟

قال: الذي لا يكذب لسانه، ولا يزني فرجه، ولا يفجر قلبه.

قال: رب ثم أي على أثر هذا؟

قال: قلب مؤمن في خلق حسن قال: رب أي عبادك أبعض إليك؟

قال: قلب كافر في خلق سيِّئ.

قال: رب ثم أي عمل أثر هذا؟

قال جيفة بالليل بطال بالنهار.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجلد.

أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذمَّ نفسك فهي أولى بالذم، وناجني حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق.

وأخرج أحمد عن قسي رجل من أهل الكتاب قال: إن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: يا موسى إن جاءك الموت وأنت على غير وضوء فلا تلومن إلا نفسك.

قال: وأوحى إليه أن الله تبارك وتعالى يدفع بالصدقة سبعين باباً من السوء، مثل الغرق والحرق والسرق وذات الجنب.

قال: وقال له: والنار؟

قال: والنار.

وأخرج أحمد عن كعب الأحبار قال: أوحى الله إلى موسى: أن عَلِّم الخير وتعلمه فأني منوّر لمعلم الخير ومتعلمه في قبورهم حتى لا يستوحشوا لمكانهم.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة قال: لما ارتقى موسى طور سينا رأى الجبار في أصبعه خاتماً قال: يا موسى ما هذا؟

وهو أعلم به قال: شيء من حلي الرجال يا رب.

قال فهل عليه شيء من أسمائي مكتوب أو كلامي؟

قال: لا.

قال: فاكتب عليه ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [ الرعد: 38].

وأخرج الحكيم الترمذي عن عطاء قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أيتمت الصبي من أبويه وتدعه هكذا؟

قال: يا موسى: أما ترضى بي كافلاً.

!

وأخرج ابن المبارك عن عطاء قال: قال موسى: يا رب أي عبادك أحب إليك؟

قال: أعلمهم بي.

وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: قال موسى: يا رب إنهم سيسألنني كيف كان بدؤك؟

قال: فأخبرهم إني أنا الكائن قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجلد.

أن موسى عليه السلام سأل ربه قال: أي رب أنزل عليَّ آية محكمة أسير بها في عبادك.

فأوحى إليه: يا موسى أن أذهب فما أحببت أن يأتيه عبادي إليك فأته إليهم.

وأخرج أحمد عن قتادة.

أن موسى عليه السلام قال: أي رب أي شيء وضعت في الأرض أقل؟

قال: العدل أقل ما وضعت في الأرض.

وأخرج أحمد عن عمرو بن قيس قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أي الناس أتقى؟

قال: الذي يذكر ولا ينسى.

قال: فأي الناس أعلم؟

قال: الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه.

وأخرج أحمد وأبو نعيم عن وهب بن منبه قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أي عبادك أحب إليك؟

قال: من أذكر برؤيته.

قال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟

قال: الذين يعودون المرضى، ويعزون الثكلى، ويشيعون الهلكى.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: لما قيل للجبال أنه يريد أن يتجلى تطاولت الجبال كلها وتواضع الجبل تجلى له.

وأخرج البيهقي في الشعب من طريق أحمد بن أبي الحواري عن أبي سليمان قال: إن الله اطلع في قلوب الآدميين فلم يجد قلباً أشد تواضعاً من قلب موسى عليه السلام فخصه بالكلام لتواضعه.

قال.

وقال غير أبي سليمان: أوحى الله إلى الجبال: إني مكلم عليك عبداً من عبيدي.

فتطاولت الجبال ليكلمه عليها وتواضع الطور.

قال إن قدر شيء كان، قال: فكلمه عليه لتواضعه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن كثيِّر قال: إن الله تعالى قال: يا موسى أتدري لم كلمتك؟

قال: لا يا رب قال: لأني لم أخلق خلقاً تواضع لي تواضعك.

وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن نوف البكالي قال: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل منكم، قال: فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع.

قال: أرضى بما قسم لي فكان الأمر عليه.

وفي لفظ إن قدر لي شيء فسيأتيني، فأوحى الله: إني سأنزل عليك بتواضعك لي ورضاك بقدرتي.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي خالد الأحمق قال: لما كلم الله تعالى موسى عرض إبليس على الجبل، فإذا جبريل قد وافاه فقال: أخّر يا لعين ايش تعمل ههنا؟!

قال: جئت أتوقع من موسى ما توقعت من أبيه.

فقال له جبريل: أخر يا لعين.

ثم قعد جبريل يبكي حيال موسى، فأنطق الله الجبة فقالت: يا جبريل ايش هذا البكاء؟

قال: إني في القرب من الله، وإني لأشتهي أن اسمع كلام الله كما يسمعه موسى.

قالت الجبة: يا جبريل أنا جبة موسى، وأنا على جلد موسى، أنا أقرب إلى موسى أو أنت، يا جبريل أنا لا أسمع ما تسمعه أنت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ﴾ ، قال أبو على الفارسي (١) (٢) (٣) قال ابن عباس (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال أبو العالية: (أكل من لحاء شجرٍ فأوحى الله إليه: يا موسى لا كلمتك حتى يعود فوك على (٩) ﴿ وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾ ) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

الميقات (١١) (١٢) ﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

أي: تم الوقت الذي قدره الله لصوم موسى وعبادته أربعين ليلة (١٣) قال أبو علي الفارسي: (هذا كقولك: تم القوم عشرين (١٤) (١٥) ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ  ﴾ ، ومما يبين تقاربهما قوله: ﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ ﴾ (١٦) ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ (١٧) ﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ ، وقد دل ما تقدم على هذا؟، قيل: للبيان الذي لا يجوز معه توهم (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾ .

يقال: (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَصْلِحْ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: الرفق بهم والإحسان إليهم) (٢٤) ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ، (أي: طريق العاصين).

قاله ابن عباس والكلبي (٢٥) (١) انظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 64 - 65، و"الإغفال" ص 1102.

(٢) انظر: "معاني الأخفش" 1/ 93، و"معاني الزجاج" 1/ 133، و"تفسير الطبري" 1/ 280، و"إعراب النحاس" 1/ 635، و"المشكل" 1/ 94، قال الطبري 1/ 280 في معنى آية البقرة 52: ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

المعنى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد، وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أي: رأس الأربعين - وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل وخلاف ظاهر التلاوة) اهـ.

وقال ابن عطية 6/ 65: (وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد) اهـ.

(٣) انظر: "البسيط" البقرة: 52.

(٤) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1556 بسند جيد، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 234، وابن الجوزي 3/ 255، والسيوطي في "الدر" 3/ 214.

(٥) أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 236، والطبري 9/ 47 - 48 من طرق جيدة عن مجاهد نحوه، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 372، والنحاس 3/ 74، و"تفسير السمرقندي" 1/ 567، وابن كثير 2/ 271.

(٦) في النسخ: (كان) والأولى (كانت).

(٧) في (ب): (يريد لإزالة الخلوف).

(٨) الخلوف، بالضم: تغير رائحة الفم لتأخر الطعام.

انظر: "اللسان" 2/ 1241 (خلف).

(٩) في (ب): (يعود فوك كما كان عليه).

(١٠) ذكره الثعلبي في "الكشف" 196 أ، والبغوي 3/ 275.

(١١) الميقات: مصدر الوقت، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع.

قال السمين في "الدر" 5/ 446 - 447: (الفرق بين الميقات والوقت، أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت للشيء من غير تقدير عمل أو تقديره) اهـ.

وانظر: "العين" 5/ 199 ، و"تهذيب اللغة" 4/ 3928، و"الصحاح" 1/ 269، و"مقاييس اللغة" 6/ 131، و"المفردات" ص 879، و"اللسان" 8/ 4887 (وقت).

(١٢) في أصل: (أ): (الذي) ثم صحح إلى (التي).

(١٣) لفظ: (ليلة) ساقط من (أ).

(١٤) في النسخ: (عشرون)، وهو تحريف.

(١٥) وعليه يكون نصب: أربعين على الحال أي: تم ميقات ربه معدودًا أربعين ليلة.

انظر: "المشكل" 1/ 301، و"البيان" 1/ 374، و"التبيان" ص 390، و"الفريد" 2/ 356، و"الدر المصون" 5/ 447.

(١٦) لفظ: (فتم) ساقط من (ب).

(١٧) "الحجة" لأبي علي 2/ 65.

(١٨) جاء في هامش (أ) زيادة: (توهم مضاف للجملة ..) وزيادة كلام لم أستطع معرفته.

(١٩) أكثرهم على أن الجملة تأكيد وإيضاح، وقيل: إنها لإزالة توهم أن تكون عشر == ساعات، وقيل: فائدتها إزالة توهم العشر من الثلاثين، وقال السمين في "الدر" 5/ 448: (الجملة الظاهر أنها للتأكيد، وقيل: هي للتأسيس لاحتمال أن يتوهم متوهم بعشر ساعات أو غير ذلك وهو بعيد جدًّا) اهـ.

ملخصًا.

وانظر: "معاني النحاس" 3/ 74، و"إعراب النحاس" 1/ 635، و"المشكل" 1/ 301، و"تفسير الماوردي" 2/ 256، وابن عطية 6/ 66، وابن الجوزي 3/ 255، الرازي 14/ 226، و"الفريد" 2/ 355، و"البحر" 4/ 381.

(٢٠) في (ب): (فقال)، وهو تحريف.

(٢١) الخلافة: النيابة عن الغير، وخلف فلان فلانا قام بالأمر عنه.

انظر: "العين" 4/ 265، و"تهذيب اللغة" 1/ 1089، و"الصحاح" 4/ 1354، و"مقاييس اللغة" 2/ 210، و"المفردات" ص 294، و"اللسان" 2/ 1235 (خلف).

(٢٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 48، والسمرقندي 1/ 567، والبغوي 3/ 275.

(٢٣) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه.

(٢٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 234، والبغوي 3/ 275، والخازن 2/ 281.

(٢٥) "تنوير المقباس" 2/ 125.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً ﴾ روي أن الثلاثين هي شهر ذي القعدة والعشر بعدها هي العشر الأول من ذي الحجة، وذلك تفصيل الأربعين المذكورة في البقرة ﴿ ميقات رَبِّهِ ﴾ أي ما وقت له من الوقت لمناجاته في الطور ﴿ اخلفني ﴾ أي كن خليفتي على بني إسرائيل مدة مغيبي ﴿ قَالَ رَبِّ أرني ﴾ لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها كما قال الشاعر: وأفرح ما يكون الشوق يوماً ** إذا دنت الديار من الديار واستدلت الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزة عقلاً، وأنها لو كانت محالاً لم يسألها موسى، فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل، وتأول الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين: أحدهما أنه إنما سأل ذلك تبكيتا لمن خرج معه من بني إسرائيل الذين طلبوا الرؤية ﴿ فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153]؛ فقال موسى ذلك ليسمعوا الجواب بالمنع فيتأولوا، والآخر أن معنى أرني أنظر إليك: عرفني نفسك تعريفاً واضحاً جلياً وكلا الوجهين بعيد، والثاني أبعد وأضعف، فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له أنظر إلى الجبل الآية ﴿ قَالَ لَن تَرَانِي ﴾ قال مجاهد وغيره: إن الله قال لموسى لن تراني، لأنك لا تطيق ذلك، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشدّ، فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق الجبل فأحرى ألا تطيق أنت، فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالاًلموسى، وقال قوم: المعنى سأتجلى لك على الجبل وهذا ضعيف يبطله قوله: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ فإذا تقرر هذا، فقوله تعالى: لن تراني نفي للرؤية، وليس فيه دليل على أنها محال، فإنه إنما جعل علة النفي عدم إطاقة موسى الرؤية لا استحالتها، ولو كانت الرؤية مستحيلة، لكان في الجواب زجر وإغلاظ كما قال الله لنوح: ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [هود: 46]، فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا لضعف البنية البشرية عن ذلك، وأما في الآخرة، فقد صرح بوقوع الرؤية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينكرها إلا مبتدع، وبين أهل السنة والمعتزلة في مسألة الرؤية تنازع طويل، وفي هذه القصة قصص كثيرة تركتها لعدم صحتها، ولما فيه من الأقوال الفاسدة ﴿ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾ أي مدكوكاً فهو مصدر بمعنى مفعول كقولك: ضربت الأمير، والدك والدق: أخوان، وهو التفتت، وقرئ: دكاء بالمد والهمز أي أرضاً دكا وقيل ذهب أعلى الجبل وبقي أكثره، وقيل تفتت حتى صار غباراً، وقيل ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقاً ﴾ أي مغشياً عليه ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ معناه تبت من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ أي أول قومه أو أهل زمانه، أو على وجه المبالغة في السبق إلى الإيمان ﴿ اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ هو عموم يراد به الخصوص، فإنّ جميع الرسل قد شاركوه في الرسالة، واختلف هل كلم الله غيره من الرسل أم لا، والصحيح: أنه كلم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ تأديباً أي اقنع بما أعطيتك من رسالتي وكلامي ولا تطلب غير ذلك ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح ﴾ أي ألواح التوراة وكانت سبعة، وقيل: عشرة وقيل: اثنان وقيل: كانت من زمردة وقيل: من ياقوت، وقيل: من خشب ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم، وكذلك ﴿ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وموضع كل شيء نصب على أنه مفعول كتبنا، وموعظة بدل منه ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ أي بجدّ وعزم، والضمير للتوراة ﴿ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ أي فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، وكذلك سائر المباحات من المندوبات ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ﴾ أي دار فرعون وقومه وهو مصر، ومعنى أريكم كيف اقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم المتقدّمة ليعتبروا بها، وقيل: جهنم، وقرأ ابن عباس: سأورثكم بالثاء المثلثة من الوراثة، وهي على هذا مصدر لقوله وأورثناها بني إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.

الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.

﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بضم الراء وسكون الشين.

﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.

الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.

﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم  ﴾ في طه.

الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.

التفسير: لما أهلك الله  أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟

فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.

وقيل: فائدة التفصيل أنه  أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى  ﴾ فلما أعلمه الله  خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.

وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.

ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.

والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.

وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.

﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.

وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.

وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.

﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.

وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله  وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.

وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى  سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.

وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى  أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.

واختلف العلماء أيضاً في أن الله  كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.

عن ابن عباس: أن موسى  جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.

فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.

قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله  .

فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.

قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله  وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.

وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى  سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.

وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.

وردّ بأنه  أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟

ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله  عن ذلك؟

ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله  ولا يلزم منه المنع في الآخرة.

ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.

وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.

ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.

وفي الآية سؤال وهو أنه  لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه  علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.

ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".

والدك والدق أخوان.

ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.

والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.

والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.

وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.

وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟

قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله  حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.

وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.

روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.

وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.

وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.

ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.

والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.

قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.

وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله  من غير واسطة كما سمعه موسى.

والغرض أنه  خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.

وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا  رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.

وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.

والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.

ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.

وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.

وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله  لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.

وقيل: طولها كان عشرة أذرع.

والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.

وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.

وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.

قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.

وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.

﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.

وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.

وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.

وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.

ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.

وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.

وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.

وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله  سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .

وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون  ﴾ .

ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.

فاحتجت الأشاعرة بها على أنه  قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.

وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.

وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.

وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا  ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله  .

وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله  عنها.

وبوجه آخر إن الله  إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله  ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.

وعن رسول  : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.

والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد  ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله  ﴿ مما علمت رشداً  ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.

ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.

ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.

ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.

قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.

أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.

ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.

قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.

والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.

ومن كسر الحاء فللإتباع.

فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.

واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.

قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.

وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.

وإنما قال  ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده  ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.

قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.

وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله  ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه  قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.

واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.

ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.

وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه  احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.

قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.

قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.

والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون  ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.

واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.

وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.

وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.

وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.

وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.

وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.

ثم قال الله  ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.

قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.

ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.

ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.

﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.

وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك  ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه  أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.

والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.

وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.

وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.

وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف  ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.

قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.

وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.

وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.

وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.

وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.

وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.

وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.

عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله  بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.

وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.

قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.

وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.

واعلم أن موسى  كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.

وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.

وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.

بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.

ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.

فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.

واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.

وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله  موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.

قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.

ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي  سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.

قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.

وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.

ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.

وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.

وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.

﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله  الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون  ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.

التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.

وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.

قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.

﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.

﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.

اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.

وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.

﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.

﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾ .

ذكر ههنا ثلاثين ليلة ثم ذكر التمام بالعشر، وذكر في السورة التي [فيها] ذكر البقرة أربعين ليلة بقوله: ﴿ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ ، وهو واحد كان الميعاد له أربعين ليلة، لكن يحتمل ذكر ثلاثين مرة وعشراً وجهين: أحدهما: أن ثلاثين ليلة كان لأمر وعشراً لأمر آخر، فذُكِرَت متفرقة لما كان الأمرين مختلفين.

والثاني: أنه كان في وقتين، كان هذا في وقت والآخر في وقت، والقصّة واحدة، والميعاد واحد، فذكر التمام بعشر؛ كقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  ﴾ ، وإن كانت في وقتين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

قيل: [تم] الميعاد الذي وُعِدَ له أربعين ليلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾ .

فإن قيل: ما معنى قول موسى لأخيه هارون: ﴿ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾ ، وهو كان مبعوثاً معه، رسولان إلى فرعون مشتركان في تبليغ الرسالة [إلى فرعون] بقوله: ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي  ﴾ فإذا كان هو رسولاً كموسى في تبليغ الرسالة، كيف احتاج إلى أن يقول موسى: اخلفني في قومي وهما - شرعاً - سواء في الرسالة؟

قيل: يحتمل هذا وجهين: [يحتمل] أن يكونا كما ذكر رسولين، لكن من ولى اثنين أمراً لم يكن لواحد منهما أن ينفرد به إلا بأمر الآخر، فعلى هذا كأنه قال له: اخلفني في الحكم بينهم، وأصلح ذات بينهم، ولا تتبع من دعاك إلى سبيل المفسدين.

أو يحتمل أن يكون موسى كان هو الرسول أولاً وكان إليه الحكم، وهارون كان دخيلاً في أمره ردءاً له على ما قال: ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي  ﴾ ولأن موسى كان هو المأمور بها أولاً والمبعوث إليهم دونه.

ألا ترى أنه كان هو المناجي ربه دون هارون، وكان هو المعطي الألواح دون هارون؛ كقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، وهو الذي قال: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً  ﴾ ، وهو الذي نودي بالبركة دون هارون، وغير ذلك من الآيات، فإذا كان كذلك استخلفه موسى في قومه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا ﴾ .

أي: لميعادنا الذي وعدناه.

﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ .

لا يجوز لنا أن نصف كيفية الكلام وماهيته، سوى أنه أنشأ كلاماً وصوتاً أسمعه موسى كيف شاء بما شاء بكلام مخلوق وصوت مخلوق.

﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي...

﴾ الآية [الاعراف: 143].

قال قائلون: إن موسى لم يسأل ربَّه الرؤية لنفسه، ولكن سأل لقومه لسؤال القوم له؛ كقوله: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، لكن هذا بعيد؛ لأنه لو كان سؤاله إياه لسؤال قومه، لكان لا يقول: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ، ولكن يقول: أرهم ينظرون إليك، فدل أنه لم يكن لذلك.

وقال قائلون: لم يكن سؤال ربه رؤية الرب، ولكن سأل ربه رؤية الآيات والأعلام والأدلة التي بها يُرَى، وذلك جائز سؤال الرؤية: سؤال رؤية الآيات والأعلام، وذلك أيضاً بعيد؛ لأنه قد أعطاه من الآيات والأعلام ما لم يكن له الحاجة إلى غيرها من الآيات؛ من نحو: العصا التي كان يضرب بها الحجر فَتَفْجُرُ منه اثنتي عشرة عيناً، وما كان من فرق البحر وإهلاك العدو، واليد البيضاء، وغير ذلك من الآيات، فإذا بطل ذلك، دل أنه سأل حقيقة الرؤية، والقول بها لازم عندنا في الآخرة، وحق من غير إدراك ولا تفسير، والدليل على ذلك قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ  ﴾ ، ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة؛ إذ لا يدرك غيره بغير الرؤية، فمع نفي الإدراك وغيره من الخلق لا يدرك إلا بالرؤية لا معنى له، والله الموفق.

وأيضاً قول موسى: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ...

﴾ الآية ولو كان لا يجوز الرؤية لكان منه جهل بربه، ومن يجهله لا يحتمل أن يكون موضعاً لرسالته، أميناً على وحيه.

وبعد فإنه لم ينهه ولا آيسه، وبدون ذلك قد نهى نوحاً وعاتب آدم وغيره من الرسل، وذلك لو كان لا يجوز لبلغ الكفر ثم قال: فإن استقر مكانه فسوف تراني.

فإن قيل: لعله سأل آية ليعلم بها؟

قيل: لا يحتمل ذا؛ لوجوه: أحدها: أنه قال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وقد أراه الآية.

وأيضاً أن طلب الآيات يخرج مخرج التعنت؛ إذ قد أراه الآيات على ما ذكرنا، وذلك صنيع الكفرة أنهم لا يزالون يطلبون الآيات، وإن كانت الكفاية قد [ثبتت] لهم فمثله ذلك أيضاً.

وأيضاً إنه قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي...

﴾ \[و\] الآية التي يستقر معها الجبل [هي] دون التي لا يستقر معها؛ ثبت أنه لم يرد بذلك الآية.

وأيضاً محاجة إبراهيم -  - قومه في النجوم وما ذكر بالأفول والغيبة، ولم يحاجهم بألاّ يحب ربّاً يرى، ولكن حاجهم بألا أحب ربّاً يأفل؛ إذ هو دليل عدم الدوام، ولا قوة إلا بالله.

وأيضاً قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، ثم لا يحتمل ذلك الانتظار؛ لوجوه: أحدها: أن الآخرة ليست بوقت للانتظار، إنما هي الدنيا، وهي دار الوقوع والجود إلا في وقت الفزع، وقيل: أن يعاينوا في أنفسهم ما له حق الوقوع.

والثاني: قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  ﴾ : وذلك وقوع الثواب.

والثالث: قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ : وإلى حرف يستعمل في النظر إلى الشيء لا في الانتظار.

والرابع: أن القول به يخرج مخرج البشارة لعظيم ما نالوه من النعم، والانتظار ليس منه، مع ما كان الصرف عن حقيقة المفهوم قضاء على الله، فيلزم القول بالنظر إلى الله، كما قال على نفي جميع معاني الشبه عن الله  على ما أضيف إليه من الكلام والفعل والقدرة والإرادة أن يجب الوصف به على نفي جميع معاني الشبه، وكذلك القول بالهيئة، فمن زعم أن الله  لا يقدر أن يكرم أحداً بالرؤية، فهو يقدر في الرؤية التي فهمها من الخلق، وإذا كان القول بـ ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ  ﴾ وغير ذلك من الآيات لا يجوز دفعها بالعرض على المفهوم من الخلق، بل يحقق ذلك على نفي الشبه، فمثله خبر الرؤية.

وأيضاً قوله: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ  ﴾ ، وجاء في غير خبر النظر إلى الله، وقد يحتمل غير ذلك ممّا جاء فيه التفسير، لكنه لولا أن القول بالرؤية كان أمراً ظاهراً، لم يحتمل صرف ظاهر لم يجيء فيها إليها ويدفع به الخبر، والله أعلم.

وأيضاً ما جاء عن رسول الله  في غير خبر أنه قال "[إنكم] سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون" ، وسئل: "هل رأيت ربك؟

فقال: بقلبي قلبي" ، فلم ينكر على السائل السؤال، وقد علم السائل [أن] رؤية القلب إذ هي علم قد علمه، وأنه لم يسأل عن ذلك، وقد حذر الله المؤمنين [عن السؤال] عن أشياء قد كفوا عنها بقوله: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ  ﴾ ، فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله يجيء، وذلك كفر في الحقيقة عند قوم، ثم لا ينهاهم عن ذلك ولا يوبخهم في ذلك، بل يليق القول في ذلك، ويرى أن ذلك ليس ببديع، والله الموفق.

وأيضاً: إن الله وعد أن يجزي أحسن مما عملوا به في الدنيا، ولا شيء أحسن من التوحيد، وأرفع قدراً من الإيمان به؛ إذ هو المستحسن بالعقول والثواب الموعود من جوهر الجنة، حسنة حسن الطبع، وذلك دون حسن العقل؛ إذ لا يجوز أن يكون شيء حسناً في العقول لا يستحسنه ذو عقل، وجائز ما استحسنه الطبع طبعاً لا يتلذذ به كطبع الملائكة، ومثله في العقوبة؛ لذلك لزم القول بالرؤية لتكون كرامة تبلغ في الجلالة ما أكرموا به، وهو أن يصير لهم المعبود بالغيب شهوداً كما صار المطلوب من الثواب حضوراً، ولا قوة إلا بالله.

ولا يحتمل العلم؛ لأن كلاًّ يجمع على العلم بالله في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس، وذلك علم العيان لا علم الاستدلال، وكثرة الآيات لا تحقق علم الحق الذي لا يعتريه ذلك، دليله قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...

 ﴾ الآية، وما ذكر من استعانة الكفرة بالكذب في الآخرة وإنكار الرسل [عليهم]، وقولهم: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ  ﴾ ، وغير ذلك.

وبعدُ، فإنه إذ لا يجوز أن يصير علم العيان بحق علم الاستدلال، لم يجز أن يصير علم الاستدلال بحق علم العيان، فثبت أن الرؤية توجب ذلك.

وبعدُ، فإن في ذلك العلم يستوي الكافر والمؤمن والبشارة بالرؤية خُصَّ بها المؤمن، ولا قوة إلا بالله.

ولا نقول بالإدراك؛ لقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ  ﴾ ؛ فقد امتدح بنفي الإدراك لا بنفي الرؤية، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً  ﴾ ، كان في ذلك إيجاب العلم، ونفي الإحاطة، فمثله في حق الإدراك، وبالله التوفيق.

وأيضاً إن الإدراك إنما هو الإحاطة بالمحدود، والله يتعالى عن وصف الحدِّ؛ إذ هو نهاية وتقصير عما هو أعلى منه على أنه واحدي الذات، والحدُّ وصف المتصل الأجزاء حتى ينقضي مع إحالة القول بالحد؛ إذ كان كل ما يحد أو به يحد، فهو على ذلك لا يتغير، على أن لكل شيء حدّاً يدرك سبيله نحو الطعم واللون والذوق والحد، وغير ذلك من الحدود وخاصية الأشياء، جعل الله لكل شيء من ذلك وجهاً يدرك ويحاط به، حتى العقول والأعراض، وأخبر الله  أنه ليس بذي حدود وجهات من طرق إدراكه بالأسباب الموضوعة لتلك الجهات، وعلى ذلك القول بالرؤية والعلم جميعاً، ولا قوة إلا بالله.

وبعدُ، فإن القول بالرؤية يقع على وجوه لا يعلم حقيقة كل وجه من ذلك إلا بالعلم بذلك الوجه حتى إذا عبر عنه بالرؤية صرف إلى ذلك، وما لا يعرف له الوجه بدون ذكر الرؤية لزم الوقف في ماهيتها على تحقيقها.

وأما الإدراك: فإنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء.

ألا ترى أن الظل في التحقيق يُرَى، لكنه لا يدرك إلا بالشمس، وإلا كان مرئيّاً على ما يرى لوقت نسخ الشمس، ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبين له الحد، وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته، وكذلك الظلمة؛ لأن طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به، وبالحدود يدرك الشيء، وإن كان يرى لا بها؛ ولذلك ضرب المثل بالقمر، لأنه لا يعرف حده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى بيقين، ولا قوة إلا بالله.

والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء، ونفي كل معنى من الخلق، ولا يفسر بما لم يجيء، والله الموفق.

ثم زعم الكعبي أن الغائب إذا لم يخرج عن الوجوه التي بها يعلم، فكذلك لا يرى إلا بالوجوه التي بها يرى من المباينة للمدى، ولما حل فيه المرئي بالمسافة والمقابلة واتصال الهواء والصغر وعدم الصغر والبعد، ولو جازت الرؤية بخلاف هذه لجاز العلم به.

وقال الشيخ - رحمه الله -: وهذا خطأ؛ لأنه قدر برؤية جوهره، وقد علم أن غير جوهره جوهر يرون من الوجه الذي لا يقدر على الإحاطة بجوهره فضلاً عن إدراكه ببصره؛ نحو الملائكة والجن وغيرهم ممّا يروننا من حيث لا نراهم، والجثة الصغيرة نحو البق، ونحو ذلك مما يرى لنا لو توهم مثل ذلك البصر لما احتمل الإدراك، ويرى الملك الذي يكتب جميع أفعالنا، ويسمع جميع أقوالنا على ما لو أردنا تقدير ذلك بما عليه جبلنا للزم إنكار ذلك كله، وذلك عظيم، وكذلك ما ذكر من نطق الجلود، وغيرها مما لو امتحن بمثلها أمر الشاهد لوجد عظيماً.

وبعدُ، فإنه في الشاهد يفصل بين البصرين في الرؤية والتمييز على قدر تفاوتهما بما اعتراهما من الحجب، مما لو قابل أحدهما حال الآخر على حاله وجده مستنكراً، وإذا كان كذلك بطل التقدير بالذي ذكر، والله الموفق.

وأيضاً: إنه في الشاهد بكل أسباب العلم لا يعلم غير العرض والجسم، ثم جائز العلم بالغائب خارجاً منه، فمثله الرؤية.

والثالث: ما ذكرنا من رؤية الظل والظلمة والنور من غير شيء من تلك الوجوه.

والرابع: أنه قد يجوز وجود تلك المعاني كلها مع عدم الرؤية، إما بالحجب أو بالجوهر، فجاز تحقيق الرؤية على نفي تلك المعاني نحو ما أجيب القائل بالجسم عند معارضته بالفاعل والعالم؛ إذ وجد جسم لا كذلك، فيجوز وجود ذلك ولا جسم، فمثله في الرؤية على أن البعد الذي يحجبنا الرؤية يجوز أن يبلغه بصر غيرنا، فصار ارتفاع الرؤية بالحجاب، فإذا ارتفع جاز، ولا قوة إلا بالله.

وبعدُ، فإن الذي يقوله تقدير برؤية الأجسام، ولم يمتحن بصره بغير الأجسام والأعراض؛ إذ كيف سبيل الرؤية له.

وبعد، فإن كل جسم يرى، وإن كانت الدقة والبعد يحجبان فيجوز ارتفاعهما عن بصر غير فيرى على ما يرى ملك الموت مَنْ بأطراف الأرض ووسطها مما لو اعتبر ذلك ببصر البشر، لما احتمل الإدراك، فثبت أن الذي قدر به ليس هو سبب تعريف ما يبصره، ولكن بسبب تعريف ما يحجب به البصر، فإذا ارتفع رأى مع ما كان المنفي رؤيته لذاته عرض، وإلا فكل جسم يرى، فإن لزم إنكار الرؤية لما ليس بجسم أو لما لا يرى إلا بما ذكر للزم الإقرار به؛ لأن الذي لا يرى لذاته هو العرض، وإلا فكل غير يرى، ولا قوة إلا بالله.

وعورض بأمر الدنيا ومحال العرض بذلك لا تسقط المحنة وترفع الكلفة والدنيا هي لهما.

ثم ذكر في أمر موسى أن ذلك على علم الإحاطة بالآيات، وقد بيّنا فساد ذلك، وما ذلك العلم بالذي يسأل وهو رسول بعث إلى ما به نجاة الخلق، وذلك لا يكون بغير الممتحن؛ إذ هو تبليغ الرسالة والدعاء إلى العبادة وهي محنة، بل سأل الرؤية؛ ليجل قدره [و] ليعرف عظيم محله عند الله، أو أن يكون الله أمره به؛ ليعلم الخلق جواز ذلك، وبالله التوفيق.

ثم استدل بأنه لم ير من يعقل إنما أُري الجبل والجبل لا يعقل ليعلمه وليراه، فيقال له: ولو كانت الآية فالجبل لا يراها ولا يعقل، وإذا كان كذلك فالآية إذا صار اندكاك الجبل وانشقاقه لا أن أراه الآية يستدل بها، وفي هذا آية قد أرى موسى الآية، وهو اندكاك الجبل، والله يقول: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وحملته على الآية، وقد رآها، ولا قوة إلا بالله.

فإن قيل: ما معنى توبته لو كان سؤاله على الأمر؟

قيل: على العادة في الخلق من يحدثه عند الأهوال بلا حدوث ذنب، أو لما رأى من جلال الله وعظمته فزع إلى التوبة وإحداث الإيمان به، وإن لم يكن ما يوجب ذلك، وذلك متعارف في الخلق.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ كان عنده جواز الرؤية في الشاهد، واحتمال وسعه ذلك بما وعد الله في الآخرة فرجع عما كان عنده، وآمن بالذي قال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وإن كان في الأصل إيمانه داخلاً على نحو إحداث المؤمنين الإيمان بكل آية تنزل، وبكل فريضة تتجدد، وإن كانوا في الجملة مؤمنين بالكل، والله الموفق.

وقد بيّنا ما قالوا في قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، والأصل في الكلام أنه إذا كان على أمر معهود، أو يقرن به المقصود إليه صرف عن حقيقته، وإلا لا، وذلك نحو قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ ، وألم تر كيف فعل ربك.

وأصله: أن من قال: رأيت فلاناً، أو نظرت إلى فلان، لم يحتمل غير ذاته، وإذا قال: رأيته يقول كذا، ويفعل كذا، أنه لا يريد به رؤية ذاته، فمثله أمر قصة موسى، وهذه الآية.

وروي عن ضرار بن عمرو أنه أتى البصرة، فقال: يا أهل البصرة، إما أن كان موسى مشبهاً، وإما أن كان الله يُرَى؛ لأنه لو كان بالذي لا يرى فسأل ربّه رؤيته، كان جاهلاً به، مشبهاً خلقه به، فدل أنه يرى.

ثم الأصل أن من تأمل الذي ذكره الكعبي عرف أنه مشبهي المذهب؛ لأنه لم يذكر المعنى الذي له يجب أن تكون الرؤية بتلك الشرائط، إنما أخبر أنه كذلك وجد، وهو قول المشبهة أنه وجد كل فاعل في الشاهد جسماً، وكذا كل عالم، فيجب مثله في الغائب، ثم ذكر معنى رؤية الجسم، ولم يذكر معنى رؤية غير الجسم حتى يكون له دليلاً.

وبعد، فإنه نفي بالدقة والبعد وهما زائلان عن الله  ، ثم احتج بامتداح الله  : ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ  ﴾ ، وقال: لا يجوز أن يزول فمثله عليه في قوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ ، فلا يجوز أن يزول، ثم قد وصف الله بالرؤية على إسقاط ما ذكر، فثبت أن ذلك طريق لا يؤدي عن كنه ما به الرؤية.

فإن قيل: كيف يرى؟

قيل: بلا كيف؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام، وقعود، واتكاء، وتعلق، واتصال، وانفصال، ومقابلة، ومدابرة وقصر، وطول، ونور، وظلمة، وساكن، ومتحرك، ومجانس، ومباين، وخارج، وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً...

﴾ الآية.

قال أبو بكر الأصم: تجلي بالآيات والأعلام التي بها يرى [لا رؤية الذات]، وكذلك قال في قوله: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ : إنه إنما سأل ربه الآيات والأعلام التي [بها] يُرَى لا رؤية الذات، وقد بينا بُعْدَه وإحالته؛ لما قد أعطاه من الآيات والأعلام: [ما فيه] غنية عن غيرها، فلا يحتاج إلى غيرها.

وقال الحسن: إن موسى سأل ربه الرؤية في غير وقت الرؤية، وهو يقر بالرؤية، لكنه يقول: سألها في الدنيا وبنية هذا العالم لا تحتمل ذلك.

ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ ، أخبر أن الجبل لا يستقر له، فكيف تستقر أنت؟

لكنه ينشيء بنية تحتمل ذلك.

وقال الحسن: لذلك قال موسى: إني ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أن ليس في الدنيا الرؤية، إلى نحو هذا يذهب الحسن، وقد ذكرنا نحن الوجه على قدر ما حضر لنا.

وقال أهل التأويل: قوله: ﴿ تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ ، أي: ظهر، لكن لا يفهم من ظهوره ما يفهم من ظهور الخلق على ما ذكرنا في قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ [وغيرهما] من الآيات، لا يقدر استواؤه باستواء الخلق، وكذلك مجيئه، فعلى ذلك ظهوره، وبالله العصمة.

وروي أن في التوراة "أنه جاء من طور سيناء، وظهر من جبل ساعور واطلع من جبل فاران" وتأويله جاء وحيه على موسى في طور سيناء، وظهر على عيسى في جبل ساعور، واطلع على محمد في جبل فاران، ثم العجب أن كيف اجترأ موسى بالسؤال بسؤال مثله؟!

﴿ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ، لكنه يحتمل وجوهاً: أحدها: على الأمر بالسؤال على ذلك؛ ليعلم أنه يرى، ويعتقدوا ذلك.

أو على الظن منه لما رأى أنه أعطاه أشياء لا يكون مثلها في الدنيا إنما يكون في الآخرة، خص بها؛ من نحو انفجار العيون من الحجر من غير مؤنة تكون لهم في ذلك من حفر الأنهار وإصلاحها وأنواع المؤن، ونحو ما أعطاهم من اللباس الذي ينمو ويزداد على قدر قامتهم وطولهم، ومن نحو ما أعطاهم من المن والسلوى على غير مؤنة ولا جهد، وذلك كله وصف الجنة، فلما رأى ذلك ظن أن الرؤية - أيضاً - تكون في الدنيا على ما كان له من أشياء لم يكن مثلها لأحد في الدنيا، أو لمّا رأى أنه سمع كلام ربه، وألقى [على] مسامعه كلامه لا من مكان، ولا من قريب، ولا [من] بعيد، [ولا من أسفل،] ولا من أعلى، ولا من فوق، ولا من تحت، لكنه سمعه بما شاء، وكيف شاء، بلطفه، فعلى [ذلك] ظن أنه يجوز له أن يسأل ربه الرؤية، فيريه، بما شاء كيف شاء بلطفه كما [أسمع كلامه بلطفه لما] ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ﴾ .

سمى الله - عز وجل - موسى وسائر الأنبياء - عليهم السلام - بأسماء الجوهر: موسى، وعيسى، ونوح وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وسمى نبينا محمداً  نبيّاً ورسولاً، وذلك يدل على تفضيله، وكذلك سمى سائر الأمم المتقدمة بـ ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ و ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ  ﴾ ، وسمى أمة محمد  : ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ ونحوه، فذلك يدل - أيضاً - على تفضيل أمة محمد  على غيرها من الأمم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ﴾ .

كان مصطفى ومفضلاً بالكلام على الناس كافة الأنبياء وغيرهم؛ لأن الله  لم يكلم أحداً من الرسل إلا بسفير سوى موسى؛ فإنه كلمه، ولم يكن بينهما سفير.

وأما قوله: ﴿ ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ على أناس زمانه، وأهله خاصة، ويحتمل: برسالاتي التي بين موسى وبين الله  ، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله  لا يرسل رسولاً إلا وهو يستحق الرسالة، ولو كان طريقه الاستحقاق لا الإفضال والإحسان، لم يكن للامتنان معنى، دلّ أن طريقه الإفضال والإحسان لا الاستحقاق، والله أعلم.

وعلى قول المعتزلة لا يكون الله مصطفياً موسى ولا غيره من الأنبياء، ولكن هم الذين اصطفوا أنفسهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: القبول، أي: اقبل ما أعطتيك؛ كقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ ، أي: اعمل بما آتيتك بأحسن العمل، وكن من الشاكرين [لنعمته التي أنعمها عليه] من التكليم والرسالة وغيرهما من النعم، والله الموفق.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وواعد الله رسوله موسى لمناجاته ثلاثين ليلة، ثم أكملها الله بزيادة عشر، فصارت أربعين ليلة، وقال موسى لأخيه هارون لما أراد الذهاب لمناجاة ربه: يا هارون، كن خليفة لي في قومي، وأصلح أمرهم بحسن السياسة والرفق بهم، ولا تسلك طريق المفسدين بارتكاب المعاصي، ولا تكن معينًا للعصاة.

<div class="verse-tafsir" id="91.er5vB"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر