الآية ١٤٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٤٣ من سورة الأعراف

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَـٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 255 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن موسى ، عليه السلام ، أنه لما جاء لميقات الله تعالى ، وحصل له التكليم من الله [ تعالى ] سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال : ( ( 143 ) رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ) وقد أشكل حرف " لن " هاهنا على كثير من العلماء ; لأنها موضوعة لنفي التأبيد ، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة .

وهذا أضعف الأقوال ; لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة ، كما سنوردها عند قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة ) [ القيامة : 22 ، 23 ] .

وقوله تعالى إخبارا عن الكفار : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) [ المطففين : 15 ] وقيل : إنها لنفي التأبيد في الدنيا ، جمعا بين هذه الآية ، وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة .

وقيل : إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) وقد تقدم ذلك في الأنعام [ الآية : 103 ] .

وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى ، عليه السلام : " يا موسى ، إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده " ; ولهذا قال تعالى : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ) قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية : حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي ، حدثنا قرة بن عيسى ، حدثنا الأعمش ، عن رجل ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما تجلى ربه للجبل ، أشار بإصبعه فجعله دكا " وأرانا أبو إسماعيل بإصبعه السبابة هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم ، ثم قال حدثني المثنى ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد ، عن ليث ، عن أنس ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) قال : " هكذا بإصبعه - ووضع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر - فساخ الجبل " هكذا وقع في هذه الرواية " حماد بن سلمة ، عن ليث ، عن أنس " .

والمشهور : " حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس " ، كما قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) قال : وضع الإبهام قريبا من طرف خنصره ، قال : فساخ الجبل - قال حميد لثابت : تقول هذا ؟

فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد ، وقال : يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقوله أنس وأنا أكتمه ؟

وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده : حدثنا أبو المثنى ، معاذ بن معاذ العنبري ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) قال : قال هكذا - يعني أنه أخرج طرف الخنصر - قال أحمد : أرانا معاذ ، فقال له حميد الطويل : ما تريد إلى هذا يا أبا محمد ؟

قال : فضرب صدره ضربة شديدة وقال : من أنت يا حميد ؟

!

وما أنت يا حميد ؟

!

يحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فتقول أنت : ما تريد إليه ؟

!

وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق ، عن معاذ بن معاذ به .

وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن سلمة به ثم قال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حماد .

وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق ، عن حماد بن سلمة ، به .

وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ورواه أبو محمد الحسن بن محمد الخلال ، عن محمد بن علي بن سويد ، عن أبي القاسم البغوي ، عن هدبة بن خالد ، عن حماد بن سلمة ، فذكره وقال : هذا إسناد صحيح لا علة فيه .

وقد رواه داود بن المحبر ، عن شعبة ، عن ثابت ، عن أنس مرفوعا وهذا ليس بشيء ، لأن داود بن المحبر كذاب ورواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر بنحوه وأسنده ابن مردويه من طريقين ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس مرفوعا بنحوه ، وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيلماني ، عن أبيه ، عن ابن عمر مرفوعا ، ولا يصح أيضا .

وقال السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قول الله تعالى : ( فلما تجلى ربه للجبل ) قال : ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ( جعله دكا ) قال : ترابا ( وخر موسى صعقا ) قال : مغشيا عليه .

رواه ابن جرير .

وقال قتادة : ( وخر موسى صعقا ) قال : ميتا .

وقال سفيان الثوري : ساخ الجبل في الأرض ، حتى وقع في البحر فهو يذهب معه وقال سنيد ، عن حجاج بن محمد الأعور ، عن أبي بكر الهذلي : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) انقعر فدخل تحت الأرض ، فلا يظهر إلى يوم القيامة .

وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض ، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة ، رواه ابن مردويه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمر بن شبة ، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني ، حدثنا عبد العزيز بن عمران ، عن معاوية بن عبد الله ، عن الجلد بن أيوب ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس بن مالك ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل ، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة ، بالمدينة : أحد ، وورقان ، ورضوى .

ووقع بمكة : حراء ، وثبير ، وثور " .

وهذا حديث غريب ، بل منكر وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج ، حدثنا الهيثم بن خارجة ، حدثنا عثمان بن حصين بن علاق ، عن عروة بن رويم قال : كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صما ملسا ، فلما تجلى الله لموسى على الطور دك وتفطرت الجبال فصارت الشقوق والكهوف .

وقال الربيع بن أنس : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ) وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور ، صار مثل دك من الدكاك .

وقال بعضهم : ( جعله دكا ) أي : فتته .

وقال مجاهد في قوله : ( ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ) فإنه أكبر منك وأشد خلقا ، ( فلما تجلى ربه للجبل ) فنظر إلى الجبل لا يتمالك ، وأقبل الجبل فدك على أوله ، ورأى موسى ما يصنع الجبل ، فخر صعقا .

وقال عكرمة : ( جعله دكا ) قال : نظر الله إلى الجبل ، فصار صحراء ترابا .

وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء ، واختارها ابن جرير ، وقد ورد فيها حديث مرفوع ، رواه ابن مردويه .

والمعروف أن " الصعق " هو الغشي هاهنا ، كما فسره ابن عباس وغيره ، لا كما فسره قتادة بالموت ، وإن كان ذلك صحيحا في اللغة ، كقوله تعالى : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) [ الزمر : 68 ] فإن هناك قرينة تدل على الموت كما أن هنا قرينة تدل على الغشي ، وهي قوله : ( فلما أفاق ) والإفاقة إنما تكون من غشي .

( قال سبحانك ) تنزيها وتعظيما وإجلالا أن يراه أحد من الدنيا إلا مات .

وقوله : ( تبت إليك ) قال مجاهد : أن أسألك الرؤية .

( وأنا أول المؤمنين ) قال ابن عباس ومجاهد : من بني إسرائيل .

واختاره ابن جرير .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس : ( وأنا أول المؤمنين ) أنه لا يراك أحد .

وكذا قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون ، ولكن يقول : أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة .

وهذا قول حسن له اتجاه .

وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا أثرا طويلا فيه غرائب وعجائب ، عن محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله وكأنه تلقاه من الإسرائيليات والله تعالى أعلم .

وقوله : ( وخر موسى صعقا ) فيه أبو سعيد وأبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما حديث أبي سعيد ، فأسنده البخاري في صحيحه هاهنا ، فقال : حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه ، فقال : يا محمد ، إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي .

قال : " ادعوه " فدعوه ، قال : " لم لطمت وجهه ؟

" قال : يا رسول الله ، إني مررت باليهودي فسمعته يقول : والذي اصطفى موسى على البشر .

قال : قلت : وعلى محمد ؟

فأخذتني غضبة فلطمته ، قال : " لا تخيروني من بين الأنبياء ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور " .

وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه ، ومسلم في أحاديث الأنبياء من صحيحه ، وأبو داود في كتاب " السنة " من سننه من طرق ، عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ، به وأما حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا أبو كامل ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، حدثنا ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : استب رجلان : رجل من المسلمين ، ورجل من اليهود ، فقال المسلم : والذي اصطفى محمدا على العالمين .

وقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين ، فغضب المسلم على اليهودي فلطمه ، فأتى اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله فأخبره ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعترف بذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تخيروني على موسى ; فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى ممسكا بجانب العرش ، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي ، أم كان ممن استثناه الله ، عز وجل " .

أخرجاه في الصحيحين ، من حديث الزهري ، به وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا ، رحمه الله : أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار ، وهذا هو أصح وأصرح ، والله أعلم .

والكلام في قوله ، عليه السلام : " لا تخيروني على موسى " ، كالكلام على قوله : " لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى " ، قيل : من باب التواضع .

وقيل : قبل أن يعلم بذلك .

وقيل : نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب .

وقيل : على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي ، والله أعلم .

وقوله : " فإن الناس يصعقون يوم القيامة " ، الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة ، يحصل أمر يصعقون منه ، والله أعلم به .

وقد يكون ذلك إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء ، وتجلى للخلائق الملك الديان ، كما صعق موسى من تجلي الرب ، عز وجل ، ولهذا قال ، عليه السلام : " فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور " ؟

وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه " الشفاء " بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق : حدثنا قتادة ، حدثنا الحسن ، عن قتادة ، عن يحيى بن وثاب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما تجلى الله لموسى ، عليه السلام ، كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء ، مسيرة عشرة فراسخ " ثم قال : " ولا يبعد على هذا أن يختص نبيا بما ذكرناه من هذا الباب ، بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى .

انتهى ما قاله ، وكأنه صحح هذا الحديث ، وفي صحته نظر ، ولا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون ، ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله ، حتى ينتهي إلى منتهاه ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي قال أبوجعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه (26) = " وكلمه ربه "، وناجاه = " قال " موسى لربه =(أرني أنظر إليك)، قال الله له مجيبًا: "(لن تراني ولكن انظر إلى الجبل)" .

* * * وكان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه, ما:- 15073 - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: إن موسى عليه السلام لما كلمه ربه، أحب أن ينظر إليه = قال: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني"، فحُفَّ حول الجبل [بملائكة], (27) وحُفَّ حول الملائكة بنار, وحُفّ حول النار بملائكة، وحُفّ حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل.

15074 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, في قوله: وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ، [مريم: 52]، قال: حدثني من لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرّبه الربّ حتى سمع صَرِيف القلم, (28) فقال عند ذلك من الشوق إليه: (رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل).

15075 - حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر الهذلي قال: لما تخلف موسى عليه السلام بعد الثلاثين, حتى سمع كلام الله، اشتاق إلى النظر إليه فقال: ربّ أرني أنظر إليك!

قال: لن تراني، وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليّ في الدنيا, من نظر إلي مات!

قال: إلهي سمعت منطقك، واشتقت إلى النظر إليك, ولأن أنظر إليك ثم أموتُ أحب إليّ من أن أعيش ولا أراك !

قال: فانظر إلى الجبل, فإن استقر مكانه فسوف تراني.

15076 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ربّ أرني أنظر إليك)، قال: أعطني.

15077 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: استخلف موسى هارون على بني إسرائيل وقال: إني متعجل إلى ربي, فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين.

فخرج موسى إلى ربه متعجلا للقيّه شوقًا إليه, وأقام هارون في بني إسرائيل, ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به.

فلما كلم الله موسى, طمع في رؤيته, فسأل ربه أن ينظر إليه, فقال الله لموسى: إنك لن تراني، ربّ كن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)، الآية.

قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتاب الله عن خبر موسى لما طلب النظر إلى ربه، وأهل الكتاب يزعمونَ وأهلُ التوراة: أنْ قد كان لذلك تفسير وقصة وأمور كثيرة، ومراجعة لم تأتنا في كتاب الله, والله أعلم.

= قال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأوّل بأحاديث أهل الكتاب، إنهم يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربه، أنه كان من كلامه إياه حين طمع في رؤيته, وطلب ذلك منه, وردّ عليه ربه منه ما ردّ: أن موسى كان تطهّر وطهّر ثيابه، وصام للقاء ربه.

فلما أتى طور سينا, ودنا الله له في الغمام فكلّمه, سبحه وحمّده وكبره وقدَّسه, مع تضرع وبكاء حزين, ثم أخذ في مِدْحته, فقال: ربّ ما أعظمك وأعظم شأنك كله!

من عظمتك أنه لم يكن شيء من قبلك, فأنت الواحد القهار, كأن عرشك تحت عظمتك نارًا توقد لك, وجعلت سرادقًا [من نور] من دونه سرادق من نور, (29) فما أعظمك ربّ وأعظم ملكك!

جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عام.

فما أعظمك رب وأعظم ملكك في سلطانك!

فإذا أردت شيئًا تقضيه في جنودك الذين في السماء أو الذين في الأرض, وجنودك الذين في البحر, بعثت الريح من عندك لا يراها شيء من خلقك، إلا أنت إن شئت, (30) فدخلت في جوف من شئت من أنبيائك, فبلغوا لما أردت من عبادك.

(31) وليس أحد من ملائكتك يستطيع شيئًا من عظمتك ولا من عرشك ولا يسمع صوتك, فقد أنعمت عليّ وأعظمت عليّ في الفضل, وأحسنت إليّ كلّ الإحسان!

عظمتني في أمم الأرض, وعظمتني عند ملائكتك, وأسمعتني صوتك, وبذلت لي كلامك, وآتيتني حكمتك, فإن أعدَّ نعماك لا أحصيها, وإن أُرِد شكرك لا أستطيعه.

(32) دعوتك، ربّ، على فرعون بالآيات العظام, والعقوبة الشديدة, فضربت بعصاي التي في يدي البحر فانفلق لي ولمن معي!

ودعوتك حين أجزتُ البحر, (33) فأغرقت عدوك وعدوّي.

وسألتك الماء لي ولأمتي, فضربت بعصاي التي في يدي الحجر, فمنه أرويتني وأمتي.

وسألتك لأمتي طعامًا لم يأكله أحد كان قبلهم, فأمرتني أن أدعوك من قبل المشرق ومن قبل المغرب، فناديتك من شرقي أمتي فأعطيتهم المن من مشرق لنفسي, (34) وآتيتهم السلوى من غربيهم من قبل البحر, واشتكيت الحر فناديتك, فظللت عليهم بالغمام.

فما أطيق نعماك علي أن أعدّها ولا أحصيها, وإن أردت شكرها لا أستطيعه.

(35) فجئتك اليوم راغبًا طالبًا سائلا متضرعًا, لتعطيني ما منعت غيري.

أطلب إليك، وأسالك يا ذا العظمة والعزة والسلطان، أن تريني أنظر إليك, فإني قد أحببت أن أرى وجهك الذي لم يره شيء من خلقك!

قال له رب العزة: ألا ترى يا ابن عمران ما تقول؟

(36) تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق!

لا يراني أحد فيحيا, [ ليس في السماوات معمري, فإنهن قد ضعفن أن يحملن عظمتي, وليس في الأرض معمري, فإنها قد ضعفت أن تسع بجندي].

(37) فلستُ في مكان واحد فأتجلى لعين تنظر إليّ.

قال موسى: يا رب، أن أراك وأموت, أحب إليّ من أن لا أراك وأحيا.

قال له رب العزة: يا ابن عمران تكلمتَ بكلام هو أعظم من سائر الخلق, لا يراني أحد فيحيا!

قال: رب تمم علي نعماك, وتمم عليّ فضلك, وتمم عليّ إحسانك، بهذا الذي سألتك، (38) ليس لي أن أراك فأقبض, ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي.

قال له: يا ابن عمران، لن يراني أحد فيحيا!

قال: موسى رب تمم عليّ نعماك وتمم عليّ فضلك, وتمم علي إحسانك بهذا الذي سألتك، فأموت على أثر ذلك، (39) أحب إلي من الحياة!

فقال الرحمن المترحِّم على خلقه: قد طلبت يا موسى, [وحي ] لأعطينك (40) سؤلك إن استطعت أن تنظر إليّ, فاذهب فاتخذ لوحين, ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل, فإن ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك يا ابن عمران.

ثم انظر فإني أهبط إليك وجنودي من قليل وكثير، ففعل موسى كما أمره ربه, نحت لوحين ثم صعد بهما إلى الجبل فجلس على الحجر، فلما استوى عليه, أمر الله جنوده الذين في السماء الدنيا فقال: ضعي أكتافك حول الجبل.

فسمعت ما قال الرب، ففعلت أمره.

ثم أرسل الله الصواعق والظلمة والضباب على ما كان يلي الجبل الذي يلي موسى أربعة فراسخ من كل ناحية, ثم أمر الله ملائكة الدنيا أن يمرُّوا بموسى, فاعترضوا عليه, فمروا به طيرانَ النُّغَر، (41) تنبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد, فقال موسى بن عمران عليه السلام: رب، إني كنت عن هذا غنيًّا, ما ترى عيناي شيئًا، قد ذهب بصرهما من شعاع النور المتصفِّف على ملائكة ربي!

ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه!

فهبطوا أمثال الأسد لهم لَجَبٌ بالتسبيح والتقديس, (42) ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى ومما سمع, فاقشعرّت كل شعرة في رأسه وجلده, ثم قال: ندمت على مسألتي إياك, فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟

فقال له كبير الملائكة ورأسهم (43) يا موسى، اصبر لما سألت, فقليل من كثير ما رأيت !

ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة: أن اهبطوا على موسى, فاعترضوا عليه!

فأقبلوا أمثال النسور لهم قَصْفٌ ورجفٌ ولجبٌ شديد, (44) وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس، كلجَب الجيش العظيم، كلهب النار.

(45) ففزع موسى, وأَسِيَتْ نفسه وأساء ظنه, (46) وأَيِسَ من الحياة, فقال له كبير الملائكة ورأسهم: مكانك يا ابن عمران, حتى ترى ما لا تصبر عليه!

ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة: أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران!

فأقبلوا وهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مرُّوا به قبلهم, ألوانهم كلهب النار, وسائر خلقهم كالثلج الأبيض, أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس, لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مرُّوا به قبلهم.

فاصطكّت ركبتاه, وأرعد قلبه, واشتد بكاؤه, فقال كبير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت, فقليل من كثيرٍ ما رأيت !

ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة: أن اهبطوا فاعترضوا على موسى!

فهبطوا عليه سبعةَ ألوان, فلم يستطع موسى أن يُتبعهم طرفه, ولم ير مثلهم، ولم يسمع مثل أصواتهم, وامتلأ جوفه خوفًا, واشتد حزنه وكثر بكاؤه, فقال له كبير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران، مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه !

ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة: أن اهبطوا على عبدي الذي طلب أن يراني موسى بن عمران، واعترضوا عليه!

فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نارًا أشد ضوءًا من الشمس, ولباسهم كلهب النار, إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم, يقولون بشدة أصواتهم: " سبوح قدوس، رب العزة أبدا لا يموت " في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا, وهو يبكي ويقول: " رب أذكرني, ولا تنس عبدك، لا أدري أأنفلتُ مما أنا فيه أم لا إن خرجت أحرقت, وإن مكثت مت " !

فقال له كبير الملائكة ورئيسهم (47) قد أوشكت يا ابن عمران أن يمتلئ جوفك, وينخلع قلبك, ويشتد بكاؤك، فاصبر للذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران!

وكان جبل موسى جبلا عظيما, فأمر الله أن يحمل عرشه, ثم قال: مرُّوا بي على عبدي ليراني, فقليل من كثيرٍ ما رأى !

فانفرج الجبل من عظمة الرب, وغشَّي ضوء عرش الرحمن جبل موسى, ورفعت ملائكة السماوات أصواتها جميعا, فارتجّ الجبل فاندكَّ, وكل شجرة كانت فيه, وخرّ العبد الضعيفُ موسى بن عمران صعقًا على وجهه، ليس معه روحه, فأرسل الله الحياة برحمته, فتغشاه برحمته (48) وقلب الحجر الذي كان عليه وجعله كالمعِدة كهيئة القبة، (49) لئلا يحترق موسى, فأقامه الروح، مثل الأم أقامت جنينها حين يصرع.

قال: فقام موسى يسبح الله ويقول: آمنت أنك ربي, وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا, ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه, فما أعظمك ربّ، وأعظم ملائكتك, أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك, تأمر الجنود الذين عندك فيطيعونك وتأمر السماء وما فيها فتطيعك, لا تستنكف من ذلك, ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء, رب تبت إليك, الحمد لله الذي لا شريك له, ما أعظمك وأجلّك ربَّ العالمين!

* * * القول في تأويل قوله : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما اطّلع الرب للجبل، جعل الله الجبل دكًّا، أي: مستويًا بالأرض =(وخر موسى صعقًا)، أي: مغشيا عليه.

(50) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15078 - حدثني الحسين بن محمد بن عمرو العنقزي قال، حدثني أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن عكرمة, عن ابن عباس في قول الله: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا)، قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر =(جعله دكًّا) ، قال: ترابًا =(وخر موسى صعقًا)، قال: مغشيًّا عليه.

15079 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط قال: زعم السدي, عن عكرمة, عن ابن عباس أنه قال: تجلى منه مثل الخِنصر, فجعل الجبل دكَّا, وخر موسى صعقًا, فلم يزل صعقًا ما شاء الله.

15080 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وخر موسى صعقا)، قال: مغشيًّا عليه.

15081 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، قال انقعر بعضه على بعض =(وخر موسى صعقًا)، أي: ميتا.

15082 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (وخر موسى صعقًا)، أي: ميتًا.

15083 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة في قوله: (دكًّا)، قال: دك بعضه بعضًا.

15084 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول في قوله: ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، قال: ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر فهو يذهب معه.

15085 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, عن الحجاج, عن أبي بكر الهذلي: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا) ، انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.

15086 - حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي قال، حدثنا قرة بن عيسى قال، حدثنا الأعمش, عن رجل, عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما تجلى ربه للجبل أشار بأصبعه فجعله دكًّا " = وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة.

(51) 15087 - حدثني المثنى قال، حدثني الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن ثابت, عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، قال هكذا بإصبعه، (52) =ووضع النبي صلى الله عليه وسلم الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر =" فساخ الجبل ".

(53) 15088 - حدثني المثنى قال، حدثنا هدبة بن خالد قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن ثابت, عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، قال: وضع الإبهام قريبًا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل = فقال حميد لثابت: تقول هذا؟

قال: فرفع ثابت يده فضرب صدر حُمَيْد, وقال: يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقوله أنس، وأنا أكتمه!

(54) 15089 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا)، وذلك أن الجبل حين كُشِف الغطاء ورأى النور، صار مثل دكّ من الدكَّات.

(55) 15090 - حدثنا الحرث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ، فإنه أكبر منك وأشد خلقا =(فلما تجلى ربه للجبل)، فنظر إلى الجبل لا يتمالك, وأقبل الجبل يندك على أوله (56) .

فلما رأى موسى ما يصنع الجبل، خر صعقًا.

* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (دكًّا).

فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: ( دكًّا)، مقصورًا بالتنوين بمعنى: " دكّ الله الجبل دكًّا " أي: فتته, واعتبارًا بقول الله: كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ، [سورة الفجر: 21] وقوله: وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ، [سورة الحاقة: 14] واستشهد بعضهم على ذلك بقول حميد: (57) يَــدُكُّ أَرْكَــانَ الجِبَــال هَزَمُــهْ تَخْــطُرِ بِــالبِيضِ الرِّقَـاقِ بُهَمُـهْ (58) * * * وقرأته عامة قرأة الكوفيين: " جَعَلَهُ دَكَّاءَ"، بالمد وترك الجر والتنوين, مثل * * * " حمراء " و " سوداء ".

وكان ممن يقرؤه كذلك، عكرمة, ويقول فيه ما:- 15091- حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا عباد بن عباد, عن يزيد بن حازم, عن عكرمة قال: " دكَّاء من الدكَّاوات ".

وقال: لما نظر الله تبارك وتعالى إلى الجبل صار صَحراء ترابًا.

(59) * * * واختلف أهل العربية في معناه إذا قرئ كذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: العرب تقول: " ناقة دكَّاء "، ليس لها سنام.

وقال: " الجبل " مذكر, فلا يشبه أن يكون منه، إلا أن يكون جعله: " مثل دكاء "، حذف " مثل "، وأجراه مجرى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [سورة يوسف: 82].

* * * وكان بعض نحويي الكوفة يقول: معنى ذلك: جعل الجبل أرضًا دكاء, ثم حذفت " الأرض "، وأقيمت " الدكاء " مقامها، إذْ أدَّت عنها.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي، قراءةُ من قرأ: ( جَعَلَهُ دَكَّاءَ )، بالمد وترك الجر، لدلالة الخبر الذي رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحته.

وذلك أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " فساخ الجبل "، (60) ولم يقل: " فتفتت " ولا " تحول ترابًا ".

ولا شك أنه إذا ساخ فذهب، ظهرَ وجهُ الأرض, فصار بمنـزلة الناقة التي قد ذهب سنامها, وصارت دكاء بلا سنام.

وأما إذا دك بعضه، فإنما يكسر بعضه بعضًا ويتفتت ولا يَسُوخ.

وأما " الدكاء " فإنها خَلَفٌ من " الأرض ", فلذلك أنثت، (61) على ما قد بينت.

* * * فمعنى الكلام إذًا: فلما تجلى ربه للجبل ساخ, فجعل مكانه أرضًا دكاء.

وقد بينا معنى " الصعق " بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(62) * * * القول في تأويل قوله : فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما ثاب إلى موسى عليه السلام فهمه من غشيته, وذلك هو الإفاقة من الصعقة التي خرّ لها موسى صلى الله عليه وسلم= " قال سبحانك "، تنـزيهًا لك، يا رب، وتبرئةً أن يراك أحد في الدنيا، (63) ثم يعيش = " تبت إليك "، من مسألتي إياك ما سألتك من الرؤية= " وأنا أوّل المؤمنين "، بك من قومي، أن لا يراك في الدنيا أحد إلا هلك.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15092- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن موسى, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية في قوله: " تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين "، قال: كان قبله مؤمنون, ولكن يقول: أنا أوّل من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.

15093- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: لما رأى موسى ذلك وأفاق, عرف أنه قد سأل أمرًا لا ينبغي له, فقال: " سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين "، قال أبو العالية: عنى: إني أوّل من آمن بك أنه لن يراك أحدٌ قبل يوم القيامة.

15094- حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، قال سفيان، قال أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس: " وخر موسى صعقًا "، فمرّت به الملائكة وقد صعق, فقالت: يا ابن النساء الحيَّض، لقد سألت ربك أمرًا عظيمًا!

فلما أفاق قال: سبحانك لا إله إلا أنت تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين!

قال: أنا أوّل من آمن أنه لا يراك أحدٌ من خلقك = يعني: في الدنيا.

15095- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين "، يقول: أنا أوّل من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك.

15096- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: " سبحانك تبت إليك "، قال: من مسألتي الرؤية.

15097- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد: " قال سبحانك تبت إليك "، أن أسألك الرؤية.

15098- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم, عن سفيان, عن عيسى بن ميمون, عن رجل, عن مجاهد: " سبحانك تبت إليك "، أن أسألك الرؤية.

15099- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن عيسى بن ميمون, عن مجاهد في قوله: " سبحانك تبت إليك "، قال: تبت إليك من أن أسألك الرؤية.

* * * وقال آخرون: معنى قوله: وأنا أول المؤمنين بك من بني إسرائيل.

* ذكر من قال ذلك: 15100- حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن عكرمة, عن ابن عباس: " وأنا أول المؤمنين "، قال: أول من آمن بك من بني إسرائيل.

15101- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن عكرمة, عن ابن عباس: " وأنا أول المؤمنين "، يعني: أول المؤمنين من بني إسرائيل.

15102- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: " وأنا أول المؤمنين "، أنا أول قومي إيمانًا.

15103- حدثنا ابن وكيع والمثنى قالا حدثنا أبو نعيم, عن سفيان, عن عيسى بن ميمون, عن رجل, عن مجاهد: " وأنا أول المؤمنين "، يقول: أول قومي إيمانًا.

15104- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وأنا أول المؤمنين "، قال: أنا أول قومي إيمانًا.

15105- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: " وأنا أول المؤمنين "، قال: أول قومي آمن.

* * * قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في قوله: " وأنا أول المؤمنين "، على قول من قال: معناه: أنا أول المؤمنين من بني إسرائيل= لأنه قد كان قبله في بني إسرائيل مؤمنون وأنبياء , منهم ولدُ إسرائيل لصُلْبه, وكانوا مؤمنين وأنبياء.

فلذلك اخترنا القول الذي قلناه قبل.

---------------------- الهوامش : (26) انظر تفسير (( الميقات )) فيما سلف قريباً ص : 87 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(27) هذه الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق .

(28) (( صريف القلم والباب والناب )) ، ونحوها : وهو مثل (( الصرير )) ، وهو صوت ممتد حاد .

(29) الزيادة بين القوسين مما يقتضيه السياق .

(30) في المخطوطة والمطبوعة : (( بعثت الريح )) ، ولا أشك أن الصواب ما أثبت ، ويعني بذلك ما قال الله سبحانه في (( سورة غافر )) 15 : " رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ " (31) في المطبوعة : (( لما أردت من عبادك )) وفي المخطوطة : (( ما أردت )) ، والصواب ما أثبت .

(32) في المطبوعة : ( وإن أردت شكرك لا أستطيعها )) ، وفي المخطوطة : (( وإن أرد شكرك لا أستطيعها )) ، والصواب ما أثبت .

(33) في المطبوعة : (( جزت )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب أيضاً .

(34) في المطبوعة : (( مشرقي لننفسى )) ، وهذه جملة مضطربة لا أدرى ما صوابها .

(35) في المطبوعة والمخطوطة : (( لا أستطيعها )) ، والصواب ما أثبت .

(36) في المطبوعة : (( فلا ترى )) وأثبت ما في المخطوطة .

(37) هذه العبارة التي بين القوسين ، لم أدر ما هي ، قد جاءت في المخطوطة هكذا : (( في السماء معمرى ...

)) ، وسائر الجملة كما في المطبوعة .

وأنا في شك من ألفاظها ، ولم أستطع أن اهتدي إلى تحريفها ، فوضعتها بين القوسين .

والخبر كله مضطرب اللفظ ، ولم أجده في مكان آخر .

فلذلك تركته كما هو ، إلا أن يكون خطأ ظاهراً .

(38) في المطبوعة : (( هذا الذي سألتك )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

وكذلك كانت في المطبوعة في الجملة التالية .

(39) في المطبوعة : "هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأموت " زادها قياسًا على السالف قبلها وأثبت ما في المخطوطة.

(40) هذه الكلمة بين القوسين (هكذا في المخطوطة).

ولا أدري ما قراءتها .

وأما في المطبوعة فقد حذفها وغير ما بعدها وكتب: "وأعطيتك" مكان "لأعطينك" .

(41) (( النغر )) ( بضم ففتح ) : ضرب من الطير حمر المناقير وأصول الأحناك ، يقال : هو البلبل عند أهل المدينة .

(42) (( اللجب )) ( بفتحتين ) : ارتفاع الأصوات واختلاطها .

(43) في المطبوعة والمخطوطة : (( خير الملائكة )) وكأن الصواب (( كبير الملائكة )) ، كما أثبثها ، وقد جاءت (( خير الملائكة )) في جميع المواضع الآتية ، الأخير منها فقد كتبت علي الصواب : (( كبير )) .

(44) في المطبوعة : (( نخف )) ، وفي المخطوطة : (( قصف )) غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

و (( القصف )) و (( القصيف )) صوت الرعد وما أشبهه .

(45) في المطبوعة : (( أو كلهب )) بزيادة (( أو )) وأثبت ما في المخطوطة .

(46) في المطبوعة : (( وأيست نفسه ، وأساء ظنه )) وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب .

يقال : (( أسيت نفسه )) أي : حزنت .

وانظر تفسير ((ساء ظنه )) فيما سلف 3 : 585 ، تعليق : 1 ، ومعناه : خامرته الظنون السيئة .

(47) انظر التعليق السالف ص : 95 ، تعليق : 1.

(48) في المطبوعة أسقط (( الروح )) من الجملة .

(49) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : (( كالمعدة )) ، ولا أدري أيصح هذا أم لا ؟

(50) انظر تفسير (( الصعقة )) فيما سلف 2 : 83 ، 84 /9 : 359 .

(51) الأثر : 15086 - (( أحمد بن سهيل الواسطى )) ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة.

و"قرة أبي عيسى" ، لم أجد له ترجمة ولا ذكرا.

وهذا الخبر ذكره ابن كثير في تفسيره نقلا عن هذا الموضع ، ولم يزد علي أن قال : (( هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم )) .

(52) (( قال )) هنا بمعني : أشار .

(53) الأثر : 15087 - (( حماد )) ، هو حماد بن سلمة )) ، مضى مرارًا .

و(( ثابت )) هو ثابت بن أسلم البنانى )) ، ثقة ، روى له الجماعة : مضى برقم : 2942 ، 7030 .

وهو إسناد رجالة ثقات .

وهذا الخبر رواه الترمذي في تفسير الآية ، من طريق سليمان بن حرب ، عن حماد ، ثم قال (( هذا حديث صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة )) .

وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 546 ، عن هذا الموضع في تفسير الطبري ، ولكنه كتب إسناده هكذا : ((حدثنا حماد ، عن ليث ، عن أنس )) ثم قال : (( هكذا وقع في هذا الرواية : (( حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن ليث ، عن أنس )) وليس ذلك كما نقل ، فان الثابت في المخطوطة والمطبوعة ، (( حماد ، عن ثابت ، عن أنس )) ، ليس فيها (( ليث )) ، فلا أدرى كيف وقع هذا للحافظ ابن كثير ، ولا من أين ؟

.

وانظر تخريج الأثر التالي .

(54) الأثر : 15088 - هو مطول الأثر السالف .

وقد رواه ابن كثير تفسيره 3 : 546 ، 547 ، ثم قال : (( وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده : حدثنا أبو المثنى ، معاذ ابن معاذ العنبرى ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت البنانى ، عن أنس بن مالك )) ثم ذكر الخبر بنحوه .

ثم قال : (( وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية ، عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق ، عن معاذ بن معاذ )) .

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 320 ، من طريق عفان بن مسلم ، عن حماد بن سلمة ، وعن طريق سليمان بن حرب ، عن حماد ، بنحو حديث هد بة بن خالد ، عن حماد ، ثم قال : (( هذا حديث صحيح علي شرط مسلم )) ووافقه الذهبي .

وقال ابن كثير : (( وهذا إسناد صحيح له علة فيه )) .

بعد أن ذكر خبر أبي جعفر .

و (( حميد )) المذكور في هذا الخبر ، هو (( حميد الطويل )) .

(55) ( 2) لعل صواب من (( الدكاوات )) ، كما سيأتي في ص : 101 ، تعليق : 1 .

(56) ( 1) هكذا في المطبوعة : وفي المخطوطة : (( على أدله )) أيضاً ، ولكن بشدة على اللام ، فكأنها تقرأ : (( على أذله )) ، وهي أوضح معنى من التي في المطبوعة .

يعني أنه ذل أشد ذل فاندك .

(57) حميد ، هو حميد الأرقط .

(58) لم أجد البيتين في مكان ، وفي تاريخ الطبري 7 : 41 ، أبيات من رجز ، كأن الذي هنا من تمامها.

وكان في المطبوعة هنا : (( هدمه )) ، والصواب ما أثبت ، والمخطوطة غير منقوطة ، وكأنها هناك راء مهملة لا دال .

و (( الهزم )) ( بفتحتين ) و (( الهزيم )) هو صوت الرعد الذي يشبه التكسر ، ومثله قول رؤبة في صفة جيش لجب : * يُرْجِـفُ أَنْضَـادَ الجِبَـالِ هَزَمَهُ * و (( تخطر )) أي تمشى متمايلة ، تهز سيوفها معجبة مدلة بقوتها وبأسها و (( البهم )) جمع (( بهمة )) ( بضم فسكون ) : وهو الفارس الشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له ، ولا من أين يدخل عليه مقاتله ، من شدة بأسه ويقظته .

و (( البيض الرقاق )) : السيوف الرقيقة من حسن صقلها .

(59) (1) الأثر 15091 - (( عباد بن عباد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي )) ثقة ، روى له الجماعة .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 82 .

و (( يزيد بن حازم بن يزيد الأزدي الجهضمى )) ، وثقه أحمد وابن معين ، وهو أخو (( جرير ابن حازم )) ، أكبر منه .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/ 2/325 ، وابن أبي حاتم 4/2/257 .

وقوله: (( دكاء من الدكاوات )) ، (( الدكاوات )) جمع (( دكاء )) ، وهي الرابية من الطين ليست غليظة ، وأجروه مجرى الأسماء ، لغلبته ، كقولهم : (( ليس في الخضراوات صدقة )).

وكان في المطبوعة : (( صار صخرة تراباً )) ، وفي المخطوطة: (( صار صحرا ترابا )) وهذا صواب قرأةتها .

(60) (2) يعني في الأثرين رقم 15087 ، 15088 (61) (1) في المطبوعة : (( فلذلك أتت )) وفي المخطوطة : (( فلذلك أتيت )) ، وصواب ذلك ما أثبت .

(62) (2) انظر تفسير (( الصعق )) فيما سلف 2 : 83 ، 84 / : 359 .

(63) (3) انظر تفسير (( سبحان )) فيما سلف 12 : 10 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنينقوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا أي في الوقت الموعود وكلمه ربه أي أسمعه كلامه من غير واسطة .قال رب أرني أنظر إليك سأل النظر إليه ; واشتاق إلى رؤيته لما أسمعه كلامه .قال لن تراني أي في الدنيا .

ولا يجوز الحمل على أنه أراد : أرني آية عظيمة لأنظر إلى قدرتك ; لأنه قال إليك و قال لن تراني ولو سأل آية لأعطاه الله ما سأل ، كما أعطاه سائر الآيات .

وقد كان لموسى عليه السلام فيها مقنع عن طلب آية أخرى ; فبطل هذا التأويل .ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ضرب له مثالا مما هو أقوى من بنيته وأثبت .

أي فإن ثبت الجبل وسكن فسوف تراني ، وإن لم يسكن فإنك لا تطيق رؤيتي ، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي .

وذكر القاضي عياض عن القاضي أبي بكر بن الطيب ما معناه : أن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خر صعقا ، وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له .

واستنبط ذلك من قوله : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني .

ثم قال فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا وتجلى معناه ظهر ; من قولك : جلوت العروس أي أبرزتها .

وجلوت السيف أبرزته من الصدأ ; جلاء فيهما .

وتجلى الشيء انكشف .

وقيل : تجلى أمره وقدرته ; قاله قطرب وغيره .

وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة دكا ; يدل على صحتها دكت الأرض دكا وأن الجبل مذكر .

وقرأ أهل الكوفة دكاء أي جعله مثل أرض دكاء ، وهي الناتئة لا تبلغ أن تكون جبلا .

والمذكر أدك ، [ ص: 251 ] وجمع دكاء دكاوات ودك ; مثل حمراوات وحمر .

قال الكسائي : الدك من الجبال : العراض ، واحدها أدك .

غيره : والدكاوات جمع دكاء : رواب من طين ليست بالغلاظ .

والدكداك كذلك من الرمل : ما التبد بالأرض فلم يرتفع .

وناقة دكاء لا سنام لها .

وفي التفسير : فساخ الجبل في الأرض ; فهو يذهب فيها حتى الآن .

وقال ابن عباس : جعله ترابا .

عطية العوفي : رملا هائلا .وخر موسى صعقا أي مغشيا عليه ; عن ابن عباس والحسن وقتادة .

وقيل : ميتا ; يقال : صعق الرجل فهو صعق .

وصعق فهو مصعوق .

وقال قتادة والكلبي : خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة ، وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر .فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك قال مجاهد : من مسألة الرؤية في الدنيا .

وقيل : سأل من غير استئذان ; فلذلك تاب .

وقيل : قاله على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات .

وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية ; فإن الأنبياء معصومون .

وأيضا عند أهل السنة والجماعة الرؤية جائزة .

وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبين لهم أنها غير جائزة ، وهذا لا يقتضي التوبة .

فقيل : أي تبت إليك من قتل القبطي ; ذكره القشيري .

وقد مضى في " الأنعام " بيان أن الرؤية جائزة .

قال علي بن مهدي الطبري : لو كان سؤال موسى مستحيلا ما أقدم عليه مع معرفته بالله ; كما لم يجز أن يقول له يا رب ألك صاحبة وولد .

وسيأتي في " القيامة " مذهب المعتزلة والرد عليهم ، إن شاء الله تعالى .قوله تعالى وأنا أول المؤمنين قيل : من قومي .

وقيل : من بني إسرائيل في هذا العصر .

وقيل : بأنك لا ترى في الدنيا لوعدك السابق ، في ذلك .

وفي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأرفع رأسي فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق فأفاق قبلي أو حوسب بصعقته الأولى .

أو قال كفته صعقته الأولى .

وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن كعب قال : إن الله تبارك وتعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلى الله وسلم عليهما ; فكلمه موسى مرتين ، ورآه محمد صلى الله عليه وسلم مرتين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا} الذي وقتناه له لإنزال الكتاب {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته.

فـ {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ} اللَّهِ {لَنْ تَرَانِي} أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} إذا تجلى الله له {فَسَوْفَ تَرَانِي} .

{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} الأصم الغليظ {جَعَلَهُ دَكًّا} أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها {وَخَرَّ مُوسَى} حين رأى ما رأى {صَعِقًا} فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و لذلك {قَالَ سُبْحَانَكَ} أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك {تُبْتُ إِلَيْكَ} من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ذلك

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ولما جاء موسى لميقاتنا ) أي : للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه .

قال أهل التفسير : إن موسى عليه السلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه لما أتى طور سيناء .

وفي القصة : إن الله - عز وجل - أنزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء ورأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه ، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلمه ربه وأدناه حتى سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه واشتاق إلى رؤيته ( قال رب أرني أنظر إليك ) قال الزجاج : فيه اختصار تقديره : أرني نفسك أنظر إليك .

قال ابن عباس : أعطني النظر إليك .

فإن قيل : كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يرى في الدنيا؟

قال الحسن : هاج به الشوق فسأل الرؤية .

وقيل : سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا ( قال ) الله تعالى ( لن تراني ) وليس لبشر أن يطيق النظر إلي في الدنيا من نظر إلي في الدنيا مات ، فقال : إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك فقال الله - عز وجل - : ( ولكن انظر إلى الجبل ) وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير .

قال السدي : لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين قدمي موسى ، فوسوس إليه : أن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى الرؤية فقال الله - عز وجل - : ( لن تراني ) وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية ، وقالوا : قال الله تعالى : ( لن تراني ) ولن تكون للتأبيد ، ولا حجة لهم فيها ومعنى الآية : لن تراني في الدنيا أو في الحال ، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال و " لن " لا تكون للتأبيد ، كقوله تعالى : ( ولن يتمنوه أبدا ) البقرة - 95 ، إخبارا عن اليهود ، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة يقولون ( يا مالك ليقض علينا ربك ) الزخرف - 77 ، و ( يا ‎ليتها كانت القاضية ) الحاقة - 27 ، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ولم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة بل علق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة ، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا .

قال الله تعالى : ( ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ) قال وهب وابن إسحاق لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب ، وأمر الله ملائكة السماء أن يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه ، فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده ، ثم قال : لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟

فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا موسى اصبر لم سألت ، فقليل من كثير ما رأيت .

ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه ، فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف شديد ، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ، ففزع موسى واشتد نفسه وأيس من الحياة ، فقال له خير الملائكة : مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه ، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار ، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم علية بالتقديس والتسبيح لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم ، فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت .

ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ، لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه .

ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب ليراني ، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة ، نارا أشد ضوءا من الشمس ، ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات ، كلهم يقولون بشدة أصواتهم : سبوح قدوس ، رب العزة أبدا لا يموت ، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه ، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول : رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا؟

إن خرجت احترقت وإن مكثت مت ، فقال له كبير الملائكة ورأسهم : قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت .

ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله ، ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا يقولون : سبحان القدوس رب العزة أبدا لا يموت بشدة أصواتهم ، فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه ، فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه ، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى ، فأقامه الروح مثل اللامة ، فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا ، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك ، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء ، رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك رب العالمين ، فذلك قوله تعالى : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) قال ابن عباس : ظهر نور ربه للجبل ، جبل زبير .

وقال الضحاك : أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور .

وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار : ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا .

وقال السدي : ما تجلى إلا قدر الخنصر ، يدل عليه ما روى ثابت عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية وقال : " هكذا " ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر ، فساخ الجبل .

وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا ، أي : مستويا بالأرض ، قرأ حمزة والكسائي ( دكاء ) ممدودا غير منون هاهنا وفي سورة الكهف ، وافق عاصم في الكهف وقرأ الآخرون ( دكا ) مقصورا منونا ، فمن قصره فمعناه جعله مدقوقا : والدك والدق واحد ، وقيل : معناه دكه الله دكا ، أي : فتته كما قال : ( كلا إذا دكت الأرض دكا دكا ) الفجر - 21 ، ومن قرأ بالمد أي : جعله مستويا أرضا دكاء .

وقيل : معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها قال ابن عباس : جعله ترابا .

وقال سفيان : ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه .

وقال عطية العوفي : صار رملا هائلا .

وقال الكلبي : جعله دكا أي كسرا جبالا صغارا .

ووقع في بعض التفاسير : صار لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة : أحد وورقان ورضوى ، ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء .

قوله - عز وجل - : ( وخر موسى صعقا ) قال ابن عباس والحسن : مغشيا عليه .

وقال قتادة : ميتا .

وقال الكلبي : خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر .

قال الواقدي : لما خر موسى صعقا قالت ملائكة السماوات : ما لابن عمران وسؤال الرؤية؟

وفي بعض الكتب أن ملائكة السماوات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة .

( فلما أفاق ) موسى من صعقته وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له ( قال سبحانك تبت إليك ) عن سؤال الرؤية ( وأنا أول المؤمنين ) بأنك لا ترى في الدنيا .

وقال مجاهد والسدي : وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولما جاء موسى لميقاتنا» أي للوقت الذي وعدناه بالكلام فيه «وكلَّمه ربُّه» بلا واسطة كلاما سمعه من كل جهة «قال رب أرني» نفسك «أنظر إليك قال لن تراني» أي لا تقدر على رؤيتي، والتعبير به دون لن أرى يفيد إمكان رؤيته تعالى «ولكن انظر إلى الجبل» الذي هو أقوى منك «فإن استقر» ثبت «مكانه فسوف تراني» أي تثبيت لرؤيتي وإلا فلا طاقة لك «فلما تجلَّى ربُّه» أي ظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر كما في حديث صححه الحاكم «للجبل جعله دكا» بالقصر والمد، أي مدكوكا مستويا بالأرض «وخرَّ موسى صَعقا» مغشيا عليه لهول ما رأى «فلما أفاق قال سبحانك» تنزيها لك «تبت إليك» من سؤال ما لم أؤمر به «وأنا أوَّلُ المؤمنين» في زماني.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما جاء موسى في الوقت المحدد وهو تمام أربعين ليلة، وكلَّمه ربه بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه، طمع في رؤية الله فطلب النظر إليه، قال الله له: لن تراني، أي لن تقدر على رؤيتي في الدنيا، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه إذا تجلَّيتُ له فسوف تراني، فلما تجلَّى ربه للجبل جعله دكًّا مستويًا بالأرض، وسقط موسى مغشيًّا عليه، فلما أفاق من غشيته قال: تنزيهًا لك يا رب عما لا يليق بجلالك، إني تبت إليك من مسألتي إياك الرؤية في هذه الحياة الدنيا، وأنا أول المؤمنين بك من قومي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن ما كان من موسى عندما وصل إلى طور سيناء لمناجاة ربه فقال : ( وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) أى : وحين حضر موسى لموقتنا الذى وقتناه له وحددناه ، وكلمه ربه ، أى : خاطيه من غير واسطة ملك ( قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ ) أى : قال موسى حين كلمه ربه وسمع منه : رب أرنى ذاتك الجليلة .

والمراد مكنى من رؤيتك .أو تجلى لى أنظر إليك وأراك .و ( أرني ) فعل أمر مبنى على حذف الياء .

وياء المتكلم مفعول ، والمفعول الثانى محذوف أى : ذاتك أو نفسك ولم يصرح به لأنه معلوم ، وزيادة فى التأدب مع الخالق - عز وجل - .وجملة ( قَالَ لَن تَرَانِي ) أى : لن تطيق رؤيتى ، وأنت فى هذه النشأة وعلى الحالة التى أنت عليها فى هذه الدنيا فنفى الرؤية منصب على الحالة الدنيوية ، أما فى الآخرة فقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يرون ربهم فى روضات الجنات .ثم قال - تعالى - ( ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) أى : لن تطيق رؤيتى يا موسى وأنت فى هذه الحياة الدنيا ، ولكن انظر إلى الجبل الذى هو أقوى منك ، فإن استقر مكانه أى ثبت مكانه حيت أتجلى له لوم يتفتت من هذا التجلى ، فسوف ترانى أى تثبت لرؤيتى إذا تجليت لك وإلا فلا طاقة لك برؤيتى .وفى هذا الاستدراك ( ولكن انْظُرْ ) .

.

.

الخ ، تسلية لموسى - عليه السلام - وتلطف معه فى الخطاب ، وتكريم له ، وتعظيم لأمر الرؤية ، وأنه لا يقوى عليها إلا من قواه الله بمعونته .ثم بين - سبحانه - ما حدث للجبل عند التجلى فقال : ( فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ) أى : فحين ظهر نوره - سبحانه - للجبل على الوجه اللائق بجلاله ( جَعَلَهُ دَكّاً ) أى مدقوقا مفتتا ، فنبه - سبحانه - بذلك على أن الجبل مع شدته وصلابته ما دام لم يستقر عند هذا التجلى ، فالآدمى مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر .

والدك والدق بمعنى ، وهو تفتيت الشىء وسحقه وفعله من باب رد .قال الآلوسى : وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التى يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم ، أو التأويل بما يليق بجلال ذاته - تعالى - .وقوله ( وَخَرَّ موسى صَعِقاً ) أى : سقط من هول ما رأى من النور الذى حصل به التجلى مغشيا عليه ، كمن أخذته الصاعقة .يقال : صعقتهم السماء تصعقهم صعقا فهو صعق أى : غشى عليه .وقوله : ( فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ) أى : فلما أفاق موسى من غشيته ، وعاد إلى حالته الأولى التى كان عليها قبل أن يخر مغشيا عليه ، قال تعظيما لأمر الله ( سُبْحَانَكَ ) أى تنزيها لك من مشابهة خلقك فى شىء ( تُبْتُ إِلَيْكَ ) من الإقدام على السؤال بغير إذن ( وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ) بعظمتك وجلالك أو وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك أحد .قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون : ولكن يقول أنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة .

قال ابن كثير : وهو قول حسن .هذا ، وقد توسع بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآية فى الحديث عن رؤية الله - تعالى - وعلى رأس هذا البعض الإمام الآلوسى ، فقد قال - رحمه الله - : " واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته - سبحانه - بهذه الآية على جوازها فى الجملة ، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك ، وقامت الحرب بينهما على ساق ، وخلاصة الكلام فى ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين .الأول : أن موسى - عليه السلام - سألها بقوله ( رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ ) ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عالما بالاستحالة فالعالم - فضلا عن النبى مطلقا ، فضلا عمن هو من أولى العزم - لا يسأل المحال ولا يطلبه .

وإن لم يكن عالما بذلك ، لزم أن يكون آحاد المعتزلة أعلم بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبى الصفى ، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة و حيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز .والثانى : أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن فى ذاته وما علق على الممكن ممكن " .ثم قال ما ملخصه : واعترض الخصوم على الوجه الأول بوجوه منها أنا لا نسلم أن موسى سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضرورى به - تعالى - إلا أنه عبر عنه بالرؤية مجازاً .

أو أنه سأل رؤية علم من أعلامه الساعة بطريق حذف المضاف ، أى : أرنى أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة .

أو أنه سأل الرؤية لا لنفسه ولكن لدفع قومه القائلين ( أَرِنَا الله جَهْرَةً ) وإنما أضاف الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ فى دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيها بالأدنى على الأعلى .واعترضوا على الوجه الثانى بأنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن ، لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط ، لأن الجبل حال سكونه كان مستقرا ، بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته .ثم أورد الآلوسى بعد ذلك ما رد به كل فريق على الآخر مما لا مجال لذكره هنا .والذى نراه أن رؤية الله فى الآخرة ممكنة كما قال أهل السنة لورود الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التى تشهد بذلك ، أما فى الدنيا فقد منع العلماء وقوعها ، وقد بينا ذلك بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لقوله - تعالى - ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات وهي أن كلمه ربه، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية.

المسألة الأولى: دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في كلام الله تعالى فمنهم من قال: كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة، ومنهم من قال: كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات.

أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون، انفقوا على أنه يجب كونه حادثاً كائناً بعد أن لم يكن.

وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه، وذلك أني قلت يوماً إنه تعالى إما أن يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي، والأول: باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فأما إذا كانت حروفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيداً ألبتة، والثاني: يوجب كونها حادثة، لأن الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه، والثاني حادث، لأن كل ما كان وجود متأخراً عن وجوده غيره فهو حادث، فثبت أنه بتقدير أن يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد الحروف والأصوات محدث.

إذا ثبت هذا فنقول للناس هاهنا مذهبان: الأول: أن محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات الله تعالى، وهو قول الكرامية.

الثاني: أن محلها جسم مباين لذات الله تعالى كالشجرة وغير، وهو قول المعتزلة.

أما القول الثاني: وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات، فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة.

وتلك الصفة قديمة أزلية.

والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام.

فقالت الأشعرية: إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية قالوا: وكما لا يتعذر رؤية ذاته، مع أن ذاته ليست جسماً ولا عرضاً، فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفاً ولا صوتاً.

وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة، فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فداك ما سمعه موسى عليه السلام ألبتة، فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى.

المسألة الثانية: اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام آخرين وظاهر الآية يدل على الأول.

لأن قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يداً على نفي الحكم عما عداه، وقال القاضي: بل السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضاً كلام الله تعالى.

قال: لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجري هناك، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام وأيضاً فإن تكليم الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز، وقد تقدمت نبوة موسى عليه السلام لابد من ظهور هذا المعنى لغيره.

المسألة الثالثة: قال أصحابنا هذه الآية تدل على أنه سبحانه يجوز أن يرى وتقريره من أربعة أوجه.

الأول: أن الآية دالة على أن موسى عليه السلام سأل الرؤية، ولا شك أن موسى عليه السلام يكون عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها، وحيث سألها؛ علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى.

قال القاضي: الذي قاله المحصلون من العلماء في ذلك أقوال أربعة: أحدها: ما قاله الحسن وغيره: أن موسى عليه السلام ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى، قال ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفاً بربه وبعدله وتوحيده، فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفاً على السمع.

وثانيها: أن موسى عليه السلام سأل الرؤية على لسان قومه، فقد كانوا جاهلين بذلك يكررون المسألة عليه يقولون: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً  ﴾ فسأل موسى الرؤية لا لنفسه، فلما ورد المنع ظهر أن ذلك لا سبيل إليه، وهذه طريقة أبي علي وأبي هاشم.

وثالثها: أن موسى عليه السلام سأل ربه من عنده معرفة باهرة باضطرار وأهل هذا التأويل مختلفون، فمنهم من يقول سأل ربه المعرفة الضرورية.

ومنهم من يقول: بل سأله إظهار الآيات الباهرة التي عندها تزول الخواطر والوساوس عن معرفته، وإن كانت من فعله، كما نقوله في معرفة أهل الآخرة، وهو الذي اختاره أبو القاسم الكعبي.

ورابعها: المقصود من هذا السؤال أن يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته حتى يتأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي.

وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء، وهو الذي ذكره أو بكر الأصم فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل هذه الآية.

قال أصحابنا أما الوجه الأول، فضعيف ويدل عليه وجوه: الأول: إجماع العقلاء على أن موسى عليه السلام ما كان في العلم بالله أقل منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى وفرضنا أن موسى عليه السلام لم يعرف ذلك، كانت معرفته بالله أقل درجة من معرفة كل واحد من أراذل المعتزلة، وذلك باطل بإجماع المسلمين.

الثاني: أن المعتزلة يدعون العلم الضروري، بأن كل ما كان مرئياً، فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل.

فإما أن يقال إن موسى عليه السلام حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم.

فإن كان الأول كان تجويزه لكونه تعالى مرئياً، يوجب تجويز كونه تعالى حاصلاً في الحيز والجهة، وتجويز هذا المعنى على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة، فيلزمهم كون موسى عليه السلام كافراً، وذلك لا يقوله عاقل.

وإن كان الثاني فنقول: لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل علماً بديهياً ضرورياً، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلاً لموسى عليه السلام، لزم أن يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية، ومن كان كذلك فهو مجنون، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام، ما كان كامل العقل بل كان مجنوناً وذلك كفر بإجماع الأمة، فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام، ما كان عالماً بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين، فكان القول به باطلاً والله أعلم.

وأما التأويل الثاني: وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه، فهو أيضاً فاسد ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى: أرهم ينظروا إليك، ولقال الله تعالى: لن يروني، فلما لم يكن كذلك، بطل هذا التأويل.

والثاني: أنه لو كان هذا السؤال طلباً للمحال، لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ  ﴾ منعهم عنه بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ  ﴾ والثالث: أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته، وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال، فأما أن لا يذكر شيئاً من تلك الدلائل ألبتة، مع أن ذكرها كان فرضاً مضيقاً، كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام، وأنه لا يجوز.

والرابع: أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية، إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام.

أو ما آمنوا بها، فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل، مجرد قول موسى عليه السلام، فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم أن الله منع من الرؤية، بل هذا قول افتريته على الله تعالى، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام ﴿ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ .

وأما التأويل الثالث: فبعيد أيضاً ويدل عليه وجوه: الأول: أن على هذا التقدير يكون معنى الآية أرني أمراً أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف، إلا أن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى ﴾ فسوف تراني ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف.

الثاني: أنه تعالى أراه من الآية ما لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وإظلال الجبل، فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة.

والثالث: أنه عليه السلام كان يتكلم مع الله بلا واسطة.

ففي هذه الحالة كيف يليق به أن يقول: أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على أنك موجود؟

ومعلوم أن هذا الكلام في غاية الفساد.

الرابع: أنه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده، لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك، فثبت أن هذا القول فاسد.

وأما التأويل الرابع وهو أن يقال: المقصود منه إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه، فهو أيضاً بعيد، لأنه لو كان المراد ذلك، لكان الواجب أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية.

علمنا أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة.

الحجة الثانية: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على أنه تعالى جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان ناولني هذا لآكله، فإنه يقول له هذا لا يؤكل، ولا يقول له لا تأكل.

ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة، لقال له: لا تأكلها أي هذا مما يؤكل، ولكنك لا تأكله.

فلما قال تعالى: ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ ولم يقل لا أرى، علمنا أن هذا يدل على أنه تعالى في ذاته جائز الرؤية.

الحجة الثالثة: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية، أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز، والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة.

إنما قلنا: إنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز، لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل، بدليل قوله تعالى: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى ﴾ واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه.

فثبت أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز الوجود في نفسه.

إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها، لأنه لما كان ذلك الشرط أمراً جائز الوجود، لم يلزم من فرض وقوعه محال، فبتقدير حصول ذلك الشرط، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب، فإن ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله، إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية، وذلك باطل.

فإن قيل: إنه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته، واستقرار الجبل حال حركته محال.

فثبت أن حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع الحصول، لا على شرط جائز الحصول، فلم يلزم صحة ما قلتموه؟

والدليل على أن الشرط هو استقرار الجبل حال حركته أن الجبل إما أن يقال: إنه حال ما جعل استقراره شرطاً لحصول الرؤية كان ساكناً أو متحركاً، فإن كان الأول، لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط، وحيث لم تحصل علمنا أن الجبل في ذلك الوقت ما كان مستقراً، ولما لم يكن مستقراً كان متحركاً.

فثبت أن الجبل حال ما جعل استقراره شرطاً لحصول الرؤية، كان متحركاً لا ساكناً.

فثبت أن الشرط هو كون الجبل مستقراً حال كونه ساكناً فثبت أن الشرط الذي علق الله تعالى على حصوله حصول الرؤية، هو كون الجبل مستقراً حال كونه متحركاً، وأنه شرط محال.

والجواب: هو أن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجوداً كان واجب الوجود، ولو أخذته بشرط كونه معدوماً كان واجب العدم، فلو أخذته من حيث هو هو مع قطع النظر عن كونه موجوداً أو كونه معدوماً كان ممكن الوجود فكذا هاهنا الذي جعل شرطاً في اللفظ هو استقرار الجبل، وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطاً أمر ممكن الوجود جائز الحصول، وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه والله أعلم.

الحجة الرابعة: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا ﴾ وهذا التجلي هو الرؤية، ويدل عليه وجهان: الأول: إن العلم بالشيء يجلي لذلك الشيء، وإبصار الشيء أيضاً يجلي لذلك الشيء.

إلا أن الإبصار في كونه مجلياً أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل أولى.

الثاني: أن المقصود من ذكر هذه الآية تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلي ما ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود.

فثبت أن قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا ﴾ هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت أجزاؤه، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال: الجبل جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئاً، إلا أنا نقول: لا يمتنع أن يقال: إنه تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم، ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى، والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ ياجبال أَوّبِى مَعَهُ والطير  ﴾ وكونه مخاطباً بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه فكذا هاهنا، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى جائز الرؤية.

أمنا المعتزلة فقالوا: إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات.

أما دلائلهم العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها، فلا حاجة هنا إلى ذكرها.

وأما دلائلهم السمعية فأقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار  ﴾ قد سبق في سورة الأنعام ما في هذه الآية من المباحث الدقيقة واللطائف العميقة.

واعلم أن القوم تمسكوا بهذه الآية على عدم الرؤية من وجوه: الأول: التمسك بقوله تعالى: ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ وتقرير الاستدلال أن يقال: إن هذه الآية تدل على أن موسى عليه السلام لا يرى الله ألبتة لا في الدنيا ولا في القيامة، ومتى ثبت هذا ثبت أن أحداً لا يراه ألبتة ومتى ثبت هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى، فهذه مقدمات ثلاثة.

أما المقدمة الأولى: فتقريرها من وجوه: الأول: ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة لن للتأبيد.

قال الواحدي رحمه الله: هذه دعوى باطلة على أهل اللغة، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر، ولا نقل صحيح.

وقال أصحابنا: الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا  ﴾ مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة.

والثاني: أن قوله: ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أي وقت أريد من هذه الكلمة، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضاً ضعيف، لأن تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في أصول الفقه.

الثالث: أن قوله لن أفعل كذا، يفيد تأكيد النفي، ومعناه أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى: ﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ  ﴾ وهذا يدل على أن الرؤية منافية للإلهية، والجواب: أن ﴿ لَنْ ﴾ لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال.

فكان قوله: ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ نفياً لذلك المطلوب، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا.

فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة.

أما المقدمة الثانية: فقالوا: القائل اثنان: قائل يقول: إن المؤمنين يرون الله وموسى أيضاً يراه، وقائل ينفي الرؤية عن الكل، أما القول بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل.

وأما المقدمة الثالثة: فهي أن كل من نفى الوقوع نفى الصحة، فالقول بثبوت الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل.

واعلم أن بناء هذه الدلالة على صحة المقدمة الأولى، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية.

الحجة الثانية للقوم: أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقاً، ولو كانت الرؤية جائزة.

فلم خر عند سؤالها صعقاً؟

والحجة الثالثة: أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك، وهذه الكلمة للتنزيه، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى، فكان قوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً له عن الرؤية فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات، وذلك على الله محال.

فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة.

والحجة الرابعة: قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال: ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ .

واعلم أن أصحابنا قالوا: الرؤية كانت جائزة، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه، فهذا جملة الكلام في هذه الآية.

والله أعلم بالصواب.

المسألة الرابعة: في البحث عن هذه الآية.

نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه، فقال: ﴿ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ قال صاحب الكشاف: ثاني مفعولي ﴿ أَرِنِى ﴾ محذوف، أي ﴿ أَرِنِى ﴾ نفسك ﴿ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ وفي لفظ الآية سؤالات: السؤال الأول: النظر: إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته، وعلى التقدير الأول: يكون المعنى أرني حتى أراك، وهذا فاسد، وعلى التقدير الثاني: يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى.

والثاني: أن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد.

والجواب: أن قوله: ﴿ أَرِنِى ﴾ معناه اجعلني متمكناً من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك.

السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ ولم يقل لن تنظر إلي، حتى يكون مطابقاً لقوله: ﴿ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ .

والجواب: أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه.

والسؤال الثالث: كيف اتصل الاستدراك في قوله: ﴿ ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ﴾ بما قبله؟

والجواب: المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحداً لا يقوى على رؤية الله تعالى إلا إذا قواه الله تعالى بمعونته وتأييده، ألا ترى أنه لما ظهر أثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق، فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر الرؤية.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ فقال الزجاج: ﴿ تجلى ﴾ أي ظهر وبان، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدأ، وقوله: ﴿ جَعَلَهُ دَكّا ﴾ قال الزجاج: يجوز ﴿ دَكّاً ﴾ بالتنوين و ﴿ دَكَّاء ﴾ بغير تنوين أي جعله مدقوقاً مع الأرض يقال: دككت الشيء إذا دققته أدكه دكاً، والدكاء والدكاوات: الروابي التي تكون مع الأرض ناشزة.

فعلى هذا، الدك مصدر، والدكاء اسم.

ثم روى الواحدي بإسناده عن الأخفش في قوله: ﴿ جَعَلَهُ دَكّا ﴾ أنه قال: دكه دكاً مصدر مؤكد، ويجوز جعله ذا دك.

قال ومن قرأ ﴿ دَكَّاء ﴾ ممدوداً أراد جعله دكاء أي أرضاً مرتفعة، وهو موافق لما روي عن ابن عباس أنه قال: جعله تراباً.

وقوله: ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقًا ﴾ قال الليث: الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان، والصعقة الغشية.

يقال: صعق الرجل وصعق، فمن قال صعق فهو صعق.

ومن قال صعق فهو مصعوق.

ويقال أيضاً: صعق إذا مات، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض  ﴾ فسروه بالموت.

ومنه قوله: ﴿ يَوْمَهُمُ الذي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ أي يموتون.

قال صاحب الكشاف: صعق أصله من الصاعقة، ويقال لها: الصاقعة من صقعه إذا ضربه على رأسه.

إذا عرفت هذا فنقول: فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقًا ﴾ بالغشي، وفسره قتادة بالموت، والأول أقوى، لقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ ﴾ قال الزجاج: ولا يكاد يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه: أنه أفاق من غشيه، لأن الله تعالى قال في الذين ماتوا: ﴿ ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ  ﴾ .

أما قوله: ﴿ قَالَ سبحانك ﴾ أي تنزيهاً لك عن أن يسألك غيرك شيئاً بغير إذنك، ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ من سؤال الرؤية في الدنيا.

الثاني: ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ من سؤال الرؤية بغير إذنك ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى في الدنيا، أو يقال: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لميقاتنا ﴾ لوقتنا الذي وقتنا له وحدّدناه.

ومعنى اللام الاختصاص فكأنه قيل: واختصّ مجيئه بميقاتنا، كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر ﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ من غير واسطة كما يكلم الملك، وتكليمه: أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطاً في اللوح وروي: أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: كلمه أربعين يوماً وأربعين ليلة، وكتب له الألواح.

وقيل: إنما كلمه في أوّل الأربعين ﴿ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ثاني مفعولي أرني محذوف أي أرني نفسك أنظر إليك، فإن قلت: الرؤية عين النظر، فكيف قيل: أرني أنظر إليك؟

قلت: معنى أرني نفسك، اجعلني متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك، فإن قلت: فكيف قال: ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ ولم يقل: لن تنظر إليّ لقوله: ﴿ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ؟

قلت: لما قال: ﴿ أَرِنِى ﴾ بمعنى اجعلني متمكناً من الرؤية التي هي الإدراك، علم أن الطِّلْبَة هي الرؤية لا النظر الذي لا إدراك معه، فقيل: لن تراني، ولم يقل لن تنظر إليّ.

فإن قلت: كيف طلب موسى عليه السلام ذلك- وهو من أعلم الناس بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة.

وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة.

ومنعُ المجبرة إحالته في العقول غير لازم، لأنه ليس بأوّل مكابرتهم وارتكابهم، وكيف يكون طالبه وقد قال- حين أخذت الرجفة الذين قالوا أرنا الله جهرة- ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا ﴾ [الأعراف: 155] إلى قوله: ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء ﴾ [الأعراف: 155] فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالاً؟

قلت: ما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالاً، وتبرأ من فعلهم، وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا: لا بدَّ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأراد أن يسمعوا النصّ من عند الله باستحالة ذلك، وهو قوله: ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: ﴿ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ .

فإن قلت: فهلا قال: أرهم ينظروا إليك؟

قلت: لأنّ الله سبحانه إنما كلم موسى عليه السلام وهم يسمعون، فلما سمعوا كلام رب العزّة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه، إرادة مبنية على قياس فاسد، فلذلك قال موسى: أرني أنظر إليك، ولأنه إذا زجر عما طلب، وأنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند الله تعالى، وقيل له: لن يكون ذلك: كان غيره أولى بالإنكار، لأنّ الرسول إمام أمته، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعاً إليهم.

وقوله: ﴿ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم، دليل على أنه ترجمة عن مقترحهم وحكاية لقولهم، وجلّ صاحب الجمل أن يجعل الله منظوراً إليه، مقابلاً بحاسة النظر، فكيف بمن هو أعرق في معرفة الله تعالى من واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظام، وأبي الهذيل والشيخين، وجميع المتكلمين؟

فإن قلت: ما معنى ﴿ لَن ﴾ ؟

قلت: تأكيداً النفي الذي تعطيه (لا) وذلك أن (لا) تنفي المستقبل.

تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً.

والمعنى: أنّ فعله ينافي حالي، كقوله: ﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ﴾ [الحج: 73] فقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ [الأنعام: 103] نفي للرؤية فيما يستقبل.

و ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ تأكيد وبيان، لأنّ المنفي مناف لصفاته.

فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: ﴿ ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ﴾ بما قبله؟

قلت: اتصل به على معنى أنّ النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر: وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به وكيف أجعله دكاً بسبب طلبك الرؤية؟

لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عزّ وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: ﴿ وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً ﴾ [مريم: 91] .

﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ﴾ كما كان مستقراً ثابتاً ذاهباً في جهاته ﴿ فَسَوْفَ تَرَانِى ﴾ تعليق لوجود الرؤية موجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكاً ويسويه بالأرض، وهذا كلام مدبج بعضه في بعض، وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع.

ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟

ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟

أعني قوله: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى ﴾ .

﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جَعَلَهُ دَكّا ﴾ أي مدكوكاً مصدر بمعنى مفعول كضرب الأمير.

والدكّ والدقُّ أخوان كالشك والشقِّ وقرئ: ﴿ دكاء ﴾ والدكاء اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكّة أو أرضاً دكاء مستوية.

ومنه قولهم: ناقة دكاء متواضعة السنام، وعن الشعبي: قال لي الربيع بن خثيم: ابسط يدك دكاء، أي مدّها مستوية.

وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿ دكاً ﴾ أي قطعاً دكا جمع دكاء ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقًا ﴾ من هول ما رأى.

وصعق من باب: فعلته ففعل.

يقال صعقته فصعقت.

وأصله من الصاعقة.

ويقال لها الصاقعة.

من صقعه إذا ضربه على رأسه ومعناه: خرّ مغشياً عليه غشية كالموت.

وروي: أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشي عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة؟

﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ ﴾ من صعقته ﴿ قَالَ سبحانك ﴾ أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ من طلب الرؤية ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئيّ ولا مدرك بشيء من الحواس.

فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فممّ تاب؟

قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة وإن كان لغرض صحيح على لسانه، من غير إذن فيه من الله تعالى، فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبها وجعله دكاً، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك مبالغة في إعظام الأمر، وكيف سبح ربه ملتجئاً إليه، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه وقال أنا أول المؤمنين، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنّة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً.

ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهما والقول ما قال بعض العدلية فيهم: لَجَمَاعَةٌ سَموْا هَواهُمْ سُنَّة ** وَجَمَاعَةٌ حُمْرٌ لَعَمْرِي مُوكَفَه قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وَتَخَوَّفُوا ** شَنْعَ الْوَرَى فَتَسَتَّرُوا بِالبَلْكَفَهْ.

وتفسير آخر: وهو أن يريد بقوله: ﴿ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ عرّفني نفسك تعريفاً واضحاً جلياً، كأنها إراءة في جلائها بآية مثل آيات القيامة التي تضطر الخلق إلى معرفتك ﴿ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ أعرفك معرفة اضطرار، كأني أنظر إليك، كما جاء في الحديث: «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» بمعنى: ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى ﴿ قَالَ لَن تَرَانِى ﴾ أي لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة، ولن تحتمل قوّتك تلك الآية المضطرة ولكن انظر إلى الجبل.

فإني أورد عليه وأظهر له آية من تلك الآيات، فإن ثبت لتجليها واستقرّ مكانه ولم يتضعضع فسوف تثبت لها وتطيقها، ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ فلما ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته ﴿ جَعَلَهُ دَكّا وَخَرَّ موسى صَعِقًا ﴾ لعظم ما رأى ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سبحانك تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ مما اقترحت وتجاسرت ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ بعظمتك وجلالك، وأن شيئاً لا يقوم لبطشك وبأسك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا ﴾ لِوَقْتِنا الَّذِي وقَّتْناهُ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ أيِ اخْتَصَّ مَجِيئُهُ لِمِيقاتِنا.

﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ مِن غَيْرِ وسِيطٍ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ، وفِيما رُوِيَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَسْمَعُ ذَلِكَ الكَلامَ مِن كُلِّ جِهَةٍ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَماعَ كَلامِهِ القَدِيمِ لَيْسَ مِن جِنْسِ كَلامِ المُحْدَثِينَ.

﴿ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ أرِنِي نَفْسَكَ بِأنْ تُمَكِّنَنِي مِن رُؤْيَتِكَ، أوْ تَتَجَلّى لِي فَأنْظُرُ إلَيْكَ وأراكَ.

وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ رُؤْيَتَهُ تَعالى جائِزَةٌ في الجُمْلَةِ لِأنَّ طَلَبَ المُسْتَحِيلِ مِنَ الأنْبِياءِ مُحالٌ، وخُصُوصًا ما يَقْتَضِي الجَهْلَ بِاللَّهِ ولِذَلِكَ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ دُونَ لَنْ أُرى أوْ لَنْ أُرِيَكَ أوْ لَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ لِتَوَقُّفِها عَلى مُعَدٍّ في الرّائِي لَمْ يُوجَدْ فِيهِ بَعْدُ، وجُعِلَ السُّؤالُ لِتَبْكِيتِ قَوْمِهِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ خَطَأً إذْ لَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةً لَوَجَبَ أنْ يُجَهِّلَهم ويُزِيحَ شُبْهَتْهم كَما فَعَلَ بِهِمْ حِينَ قالُوا: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا ﴾ ولا يَتَّبِعُ سَبِيلَهم كَما قالَ لِأخِيهِ ﴿ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ والِاسْتِدْلالُ بِالجَوابِ عَلى اسْتِحالَتِها أشَدُّ خَطَأً إذْ لا يَدُلُّ الإخْبارُ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ إيّاهُ عَلى أنْ لا يَراهُ أبَدًا وأنْ لا يَراهُ غَيْرُهُ أصْلًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحالَتِها ودَعْوى الضَّرُورَةِ فِيهِ مُكابَرَةٌ أوْ جَهالَةٌ بِحَقِيقَةِ الرُّؤْيَةِ.

﴿ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ﴾ اسْتِدْراكٌ يُرِيدُ أنْ يُبَيِّنَ بِهِ أنَّهُ لا يُطِيقُهُ، وفي تَعْلِيقِ الرُّؤْيَةِ بِالِاسْتِقْرارِ أيْضًا دَلِيلٌ عَلى الجَوازِ ضَرُورَةَ أنَّ المُعَلَّقَ عَلى المُمْكِنِ مُمْكِنٌ، والجَبَلُ قِيلَ هو جَبَلُ زُبَيْرٍ.

﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ ظَهَرَ لَهُ عَظَمَتُهُ وتَصَدّى لَهُ اقْتِدارُهُ وأمْرُهُ.

وقِيلَ أعْطى لَهُ حَياةً ورُؤْيَةً حَتّى رَآهُ.

﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ مَدْكُوكًا مُفَتَّتًا والدَّكُّ والدَّقُّ أخَوانِ كالشَّكِّ والشَّقِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « دَكّاءَ» أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً ومِنهُ ناقَةٌ دَكّاءُ الَّتِي لا سَنامَ لَها.

وقُرِئَ دَكًّا أيْ قِطَعًا جَمْعُ دَكّاءَ.

﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِن هَوْلِ ما رَأى.

﴿ فَلَمّا أفاقَ قالَ ﴾ تَعْظِيمًا لِما رَأى.

﴿ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ مِنَ الجَراءَةِ والإقْدامِ عَلى السُّؤالِ مِن غَيْرِ إذْنٍ.

﴿ وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.

وقِيلَ مَعْناهُ أنا أوَّلُ مَن آمَنَ بِأنَّكَ لا تُرى في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)

{ولمّا جآء موسى لميقاتنا} لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا ومعنى اللام الاختصاص أي اختص مجيئه لميقاتنا {وكلّمه ربّه} بلا واسطة ولا كيفية ورورى أنه كان يسمع الكلام من كل جهة وذكر الشيخ التأويلات أن موسى عليه السلام سمع صوتاً دالاً على كلام الله تعالى

وكان اختصاصه باعتبار أنه أمسعه صوتا تولى تخلقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسباً لأحد من الخلق وغيره يسمع صوتاً مكتسباً للعباد فيفهم منه كلام الله تعالى فلما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلبة شوقه فسأل الرؤية بقوله {قال ربّ أرني أنظر إليك} ثاني مفعولي أرني محذوف أي أرني ذاتك انظر إليك يعنى مكنى من رؤيتكم بأن تتجلى لي حتى أراك أرني مكي وبكسر الراء مختلسة أبو عمرو وبكسر الراء مشبعة غيرهما وهو دليل لأهل السنة على جواز الرؤية فإن موسى عليه السلام اعتقد أن الله تعالى يرى حتى سأله واعتقاد جواز مالا يجوز على الله كفر {قال لن تراني} ر بالسؤال بعين فانية بل بالعطاء والنوال بيعن باقية وهو دليل لأهل لنا أيضا لأنه لم يقل لن أرى ليكون نفياً للجواز ولو لم يكن مرئيا لخبر بانه ليس بمرئى إذا لحاله حالة الحاجة إلى البيان {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه} بقي على حاله {فسوف تراني} وهو دليل لنا أيضاً لأنه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن وتعليق الشئ بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالمتع يدل على امتناعه والديليل على أنه ممكن قوله جعله دكاً ولم يقل اندك وما أوجده تعالى كان جائزاً أن لا يوجد لو لم يوجده لأنه مختار فى فعله ولأنه تعالى ما آية عن ذلك ولا عاتبه عليه ولو كان ذلك محالا لعابه كما عاتب نوحاً عليه السلام بقوله إني أعظك أن تكون من الجاهلين حيث سأل اتجاه ابنه من الغرق {فلمّا تجلى ربّه للجبل} أي ظهر وبان ظهوراً بلا كيف قال الشيخ أبو منصور رحمه الله

الأعراف ١٣٥ ١٣٧ معنى التجلي للجبل ما قاله الأشعري إنه تعالى خلق فى الجبل حياة وعملا ورؤية حتى راى به وهذا نص فى إثبات كونه مرئيا وبهده الوجوه يتبين جهل منكري الرؤية وقولهم بأن موسى عليه السلام كان عالماً بأنه لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله لن تؤمن لك حتى ترى الله جهرة فطلب الرؤية

ليبين الله تعالى أنه ليس بمرئي باطل إذ لو كان كما زعموا لقال أرهم ينظروا إليك ثم يقول له لن يروني ولانها لولم تكن جاءزة لما أخر موسى عليه السلام الرد عليهم بل كان يرد عليهم وقت قرع كلامهم سمعه لما فيه من التقرير على الكف روهو عليه السلام بعث لتغيره لا لتقريره إلا ترى أنهم لما قال له جعل لنا إلهاً كما لهم آلهة لم يمهلهم بل رد عليهم من ساعته بقوله إنكم قوم تجهلون {جعله دكا} مدكوكا مصدر بمعنى المفعول كضرب الأمير والدق والدك أخوان دكاء حمزة وعلى أى مستيوة بالأرض لا أكمه فيها وناقة دكا لاسنام لها {وخرّ موسى صعقاً} حال أي سقط مغشياً عليه {فلمّآ أفاق} من صعقته {قال سبحانك تبت إليك} من السوال في الدنيا {وأنا أوّل المؤمنين} بعظمتك وجلالك وأنك لا تعطي الرؤية في الدنيا مع جوازها وقال الكعبي والأصم معنى قوله أرني أنظر اليك ارنى آية أعلمكم بها بطريق الضرورة كأني أنظر إليك لن تراني لن تطيق معرفتي بهذه الصفة ولكن انظر إلى الجبل فإني أظهر له آية فإن ثتب الجبل لتجليها وساتقر مكانه فسوف تثبت لها وتطيقها وهذا فاسد لأنه قال أرني أنظر إليك ولم يقل إليها وقال ولن ترانى ولم يقار لن رتى آيتى وكيف يكوف معناه لن ترى آيتي وقد أراه أعظم الآيات حيث جعل الجبل دكا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا ﴾ أيْ: لِوَقْتِنا الَّذِي وقَّتْناهُ أيْ: لِتَمامِ الأرْبَعِينَ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ وهي بِمَعْنى عِنْدَ، عِنْدَ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، ﴿ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ، ومَعَ هَذا لا يُشْبِهُ كَلامَ المَخْلُوقِينَ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ كَما أوْضَحْناهُ في الفائِدَةِ الرّابِعَةِ، وإلى ما ذَكَرَهُ ذَهَبَ السَّلَفُ الصّالِحُ.

وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى يَوْمَ الطُّورِ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُ يَوْمَ ناداهُ فَقالَ لَهُ مُوسى: يا رَبِّ، أهَذا كَلامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ؟

قالَ: يا مُوسى، أنا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ، ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها وأقْوى مِن ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى، صِفْ لَنا كَلامَ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ؛ ألَمْ تَرَوْا إلى صَوْتِ الصَّواعِقِ الَّذِي يُقْبِلُ في أحْلى حَلاوَةٍ سَمِعْتُمُوهُ فَذاكَ قَرِيبٌ مِنهُ ولَيْسَ بِهِ»».

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: ««إنَّما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِقَدْرِ ما يُطِيقُ مِن كَلامِهِ، ولَوْ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِ كُلِّهِ لَمْ يُطِقْهُ شَيْءٌ»».

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى كَلَّمَهُ بِالألْسِنَةِ كُلِّها.

فَجَعَلَ يَقُولُ: يا رَبِّ، لا أفْهَمُ حَتّى كَلَّمَهُ آخِرُ الألْسِنَةِ بِلِسانِهِ بِمِثْلِ صَوْتِهِ» الخَبَرَ.

وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ما شَبَّهْتَ كَلامَ رَبِّكَ مِمّا خَلَقَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِالرَّعْدِ السّاكِنِ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَمّا خَرَجَ أخِي مُوسى إلى مُناجاةِ رَبِّهِ كَلَّمَهُ ألْفَ كَلِمَةٍ ومِائَتَيْ كَلِمَةٍ، فَأوَّلَ ما كَلَّمَهُ بِالبَرْبَرِيَّةِ».

ونُقِلَ عَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَمِعَ الكَلامَ النَّفْسِيَّ القائِمَ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَكُنْ ما سَمِعَهُ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وحَمْلُهُ إلى سَماعٍ بِالفِعْلِ مُشْكِلٌ مَعَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى خِلافِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ نَقْلُهُ فَهو قَوْلٌ رَجَعَ عَنْهُ إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ الَّذِي أبانَ عَنِ اعْتِقادِهِ لَهُ في الإبانَةِ.

﴿ قالَ رَبِّ أرِنِي ﴾ أيْ: ذاتَكَ أوْ نَفْسَكَ.

فالمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَأدُّبًا.

﴿ أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الدُّعاءِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الرُّؤْيَةَ مُسَبَّبَةٌ عَنِ النَّظَرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْهُ، كَما يُرِيكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ إلَيْهِ فَرَأيْتُهُ، ووَجَّهَهُ أنَّ النَّظَرَ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ الشَّيْءِ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، والرُّؤْيَةُ الإدْراكُ بِالباصِرَةِ بَعْدَ التَّقْلِيبِ وحِينَئِذٍ كَيْفَ يُجْعَلُ النَّظَرُ جَوابًا لِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ مُسَبَّبًا عَنْهُ وهو عَكْسُ القَضِيَّةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالإراءَةِ لَيْسَ إيجادَ الرُّؤْيَةِ بَلِ التَّمَكُّنَ مِنها مُطْلَقًا أوْ بِالتَّجَلِّي والظُّهُورِ وهو مُقَدَّمٌ عَلى النَّظَرِ وسَبَبٌ لَهُ، فَفي الكَلامِ ذِكْرُ المَلْزُومِ وإرادَةُ اللّازِمِ.

أيْ: مَكِّنِّي مِن رُؤْيَتِكَ أوْ تَجَلَّ لِي فَأنْظُرُ إلَيْكَ وأراكَ.

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ رَبُّ العِزَّةِ حِينَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: قالَ: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ أيْ: لا قابِلِيَّةَ لَكَ لِرُؤْيَتِي وأنْتَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، وهو نَفْيٌ لِلْإراءَةِ المَطْلُوبَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

﴿ ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ ﴾ اسْتِدْراكٌ لِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُطِيقُ الرُّؤْيَةَ، والمُرادُ مِنَ الجَبَلِ طُورُ سَيْناءَ، كَما ورَدَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ، وفي تَفْسِيرِ الخازِنِ وغَيْرِهِ أنَّ اسْمَهُ زَبِيرٌ بِزايٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُهْمَلَةٍ بِوَزْنِ أمِيرٍ.

﴿ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ﴾ ولَمْ يُفَتِّتْهُ التَّجَلِّي ﴿ فَسَوْفَ تَرانِي ﴾ إذا تَجَلَّيْتُ لَكَ.

﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِجَنابِهِ تَعالى بَعْدَ جَعْلِهِ مُدْرِكًا لِذَلِكَ.

﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ أيْ: مَدْكُوكًا مُتَفَتِّتًا، والدَّكُّ والدَّقُّ أخَوانِ كالشَّكِّ والشَّقِّ.

وقالَ شَيْخُنا الكُورانِيُّ: إنَّ الجَبَلَ مُنْدَرِجٌ في الأشْياءِ الَّتِي تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ بِنَصِّ: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ المَحْمُولِ عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ المُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِهِ حَيًّا مُدْرِكًا حَياةً وإدْراكًا لائِقَيْنِ بِعالَمِهِ ونَشْأتِهِ، وقِيلَ: هَذا مَثَلٌ لِظُهُورِ اقْتِدارِهِ سُبْحانَهُ وتَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِما فَعَلَ بِالجَبَلِ لا أنَّ ثَمَّ تَجَلِّيًا، وهو نَظِيرُ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ مِن أنَّ المُرادَ أنَّ ما قَضاهُ سُبْحانَهُ وأرادَ كَوْنَهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ لا أنَّ ثَمَّةَ قَوْلًا.

وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الآيَةِ؛ لِأنَّ تَجَلّى مُطاوِعُ جَلَّيْتُهُ أيْ أظْهَرْتُهُ يُقالُ: جَلَّيْتُهُ فَتَجَلّى؛ أيْ: أظْهَرْتُهُ فَظَهَرَ.

ولا يُقَدَّرُ تَجَلِّي اقْتِدارِهِ؛ لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، عَلى أنَّ هَذا الحَمْلَ بَعِيدٌ عَنِ المَقْصُودِ بِمَراحِلَ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ ﴾ إلَخْ.

قالَ: «هَكَذا وأشارَ بِإصْبَعَيْهِ ووَضَعَ طَرَفَ إبْهامِهِ عَلى أُنْمُلَةِ الخِنْصَرِ - وفي لَفْظٍ: - عَلى المِفْصَلِ الأعْلى مِنَ الخِنْصَرِ فَساخَ الجَبَلُ»».

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما تَجَلّى مِنهُ سُبْحانَهُ لِلْجَبَلِ إلّا قَدْرُ الخِنْصَرِ فَجَعَلَهُ تُرابًا، وهَذا كَما لا يَخْفى مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يُسْلَكُ فِيها طَرِيقُ التَّسْلِيمِ، وهو أسْلَمُ وأحْكَمُ أوِ التَّأْوِيلُ بِما يَلِيقُ بِجَلالِ ذاتِهِ تَعالى.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (دَكّاءَ) بِالمَدِّ؛ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: ناقَةٌ دَكّاءُ لِلَّتِي لَمْ يَرْتَفِعْ سَنامُها.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: (دُكًّا) بِضَمِّ الدّالِ والتَّنْوِينِ، جَمْعُ دَكّاءَ، كَحُمْرٍ وحَمْراءَ، أيْ: قِطَعًا دُكًّا فَهو صِفَةُ جَمْعٍ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِأبِي حَيّانَ أنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ فَأُجْرِيَ عَلى المُذَكَّرِ.

﴿ وخَرَّ مُوسى ﴾ أيْ: سَقَطَ مِن هَوْلِ ما رَأى، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ السُّقُوطِ والخُرُورِ؛ بِأنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، والثّانِيَ سُقُوطٌ لَهُ صَوْتٌ كالخَرِيرِ.

﴿ صَعِقًا ﴾ أيْ: صاعِقًا وصائِحًا مِنَ الصَّعْقَةِ، والمُرادُ أنَّهُ سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومَيِّتًا عِنْدَ قَتادَةَ.

رُوِيَ أنَّهُ بَقِيَ كَذَلِكَ مِقْدارَ جُمُعَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَتْهُ الغَشْيَةُ عَشِيَّةَ يَوْمِ الخَمِيسِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلى عَشِيَّةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ونَقَلَ بَعْضُ القَصّاصِينَ أنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ تَمُرُّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَيَلْكُزُونَهُ بِأرْجُلِهِمْ ويَقُولُونَ: يا ابْنَ النِّساءِ الحُيَّضِ، أطَمِعْتَ في رُؤْيَةِ رَبِّ العِزَّةِ.

وهو كَلامٌ ساقِطٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ؛ فَإنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا يَجِبُ تَبْرِئَتُهم مِن إهانَةِ الكَلِيمِ بِالوَكْزِ بِالرِّجْلِ والغَضِّ في الخِطابِ.

﴿ فَلَمّا أفاقَ ﴾ بِأنْ عادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلُ، وذَلِكَ بِعَوْدِ الرُّوحِ إلَيْهِ عَلى ما قالَ قَتادَةُ، أوْ بِعَوْدِ الفَهْمِ والحِسِّ عَلى ما قالَ غَيْرُهُ، والمَشْهُورُ أنَّ الإفاقَةَ رُجُوعُ العَقْلِ والفَهْمِ إلى الإنْسانِ بَعْدَ ذَهابِهِما عَنْهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ولا يُقالُ لِلْمَيِّتِ إذا عادَتْ إلَيْهِ رُوحُهُ أفاقَ، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ لِلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ؛ ولِهَذا اخْتارَ الأكْثَرُونَ ما قالَهُ الحَبْرُ.

﴿ قالَ ﴾ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِن مُشابَهَةِ خَلْقِكَ في شَيْءٍ، أوْ مِن أنْ يَثْبُتَ أحَدٌ لِرُؤْيَتِكَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَها، أوْ مِن أنْ أسْألَكَ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنكَ.

﴿ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ مِنَ الإقْدامِ عَلى السُّؤالِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وقِيلَ: مِن رُؤْيَةِ وُجُودِي والمَيْلِ مَعَ إرادَتِي.

﴿ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ أوْ بِأنَّهُ لا يَراكَ أحَدٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ فَيَثْبُتُ عَلى ما قِيلَ، وأرادَ كَما قالَ الكُورانِيُّ: أنَّهُ أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ عَنْ ذَوْقٍ مَسْبُوقٍ بِعَيْنِ اليَقِينِ في نَظَرِهِ.

وقِيلَ: أرادَ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ السُّؤالُ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنكَ.

واسْتَدَلَّ أهْلُ السُّنَّةِ المُجَوِّزُونَ لِرُؤْيَتِهِ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِها في الجُمْلَةِ، واسْتَدَلَّ بِها المُعْتَزِلَةُ النُّفاةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وقامَتِ الحَرْبُ بَيْنَهُما عَلى ساقٍ، وخُلاصَةُ الكَلامِ في ذَلِكَ أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قالُوا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى إمْكانِ الرُّؤْيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَها بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ أرِنِي ﴾ إلَخْ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً فَإنْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِالِاسْتِحالَةِ فالعاقِلُ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ مُطْلَقًا فَضْلًا عَمَّنْ هو مِن أُولِي العَزْمِ لا يَسْألُ المُحالَ ولا يَطْلُبُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ آحادُ المُعْتَزِلَةِ ومَن حَصَّلَ طَرَفًا مِن عُلُومِهِمْ أعْلَمَ بِاللَّهِ تَعالى وما يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، والقَوْلُ بِذَلِكَ غايَةُ الجَهْلِ والرُّعُونَةِ، وحَيْثُ بَطَلَ القَوْلُ بِالِاسْتِحالَةِ تَعَيَّنَ القَوْلُ بِالجَوازِ، والثّانِي أنَّ فِيها تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ عَلى اسْتِقْرارِ الجَبَلِ وهو مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وما عُلِّقَ عَلى المُمْكِنِ مُمْكِنٌ، واعْتَرَضَ الخُصُومُ الوَجْهَ الأوَّلَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ الرُّؤْيَةَ وإنَّما سَألَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِهِ تَعالى إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ مَجازًا لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ.

والتَّعْبِيرُ بِأحَدِ المُتَلازِمَيْنِ عَنِ الآخَرِ شائِعٌ في كَلامِهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو الهُذَيْلِ بْنُ العَلّافِ، وتابَعَهُ عَلَيْهِ الجُبّائِيُّ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، الثّانِي: أنّا سَلَّمْنا أنَّهُ لَمْ يَسْألِ العِلْمَ بَلْ سَألَ الرُّؤْيَةَ حَقِيقَةً لَكِنّا نَقُولُ: إنَّهُ سَألَ رُؤْيَةَ عَلَمٍ مِن أعْلامِ السّاعَةِ بِطَرِيقِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَمَعْنى: ﴿ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ أرِنِي أنْظُرْ إلى عَلَمٍ مِن أعْلامِكَ الدّالَّةِ عَلى السّاعَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكَعْبِيُّ والبَغْدادِيُّونَ، الثّالِثُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّهُ سَألَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى نَفْسِهِ حَقِيقَةً ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ لِدَفْعِ قَوْمِهِ القائِلِينَ: ﴿ أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ وإنَّما أضافَ الرُّؤْيَةَ إلَيْهِ دُونَهم لِيَكُونَ مَنعُهُ أبْلَغَ في دَفْعِهِمْ ورَدْعِهِمْ عَمّا سَألُوهُ تَنْبِيهًا بِالأعْلى عَلى الأدْنى، وإلى هَذا ذَهَبَ الجاحِظُ ومُتَّبِعُوهُ، الرّابِعُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّهُ سَألَ لِنَفْسِهِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ يُنافِي العِلْمَ بِالإحالَةِ؛ إذِ المَقْصُودُ مِن سُؤالِها إنَّما هُوَ: أنْ يَعْلَمَ الإحالَةَ بِطَرِيقٍ سَمْعِيٍّ مُضافٍ إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ، وذَلِكَ جائِزٌ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ طَلَبُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إراءَةَ كَيْفِيَّةِ إحْياءِ المَوْتى، وقَوْلُهُ: ﴿ ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، الخامِسُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّ سُؤالَ الرُّؤْيَةِ يُنافِي العِلْمَ بِالإحالَةِ لَكِنّا نَلْتَزِمُ القَوْلَ بِعَدَمِ العِلْمِ وهو غَيْرُ قادِحٍ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنَّ النُّبُوَّةَ لا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِجَمِيعِ العَقائِدِ الحَقَّةِ أوْ جَمِيعِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما لا يَجُوزُ، بَلْ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الغَرَضُ مِنَ البَعْثَةِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو وحْدانِيَّتُهُ وتَكْلِيفُ عِبادِهِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي تَحْرِيضًا لَهم عَلى النَّعِيمِ المُقِيمِ، ولَيْسَ امْتِناعُ الرُّؤْيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ سَألَ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا وهي غَيْرُ واقِعَةٍ عِنْدَنا وعِنْدَكُمْ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى الحَسَنِ مِنّا وهو غَرِيبٌ مِنهُ.

السّادِسُ: أنا سَلَّمْنا العِلْمَ بِالإحالَةِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ امْتِناعَ السُّؤالِ، وإنَّما يَمْتَنِعُ أنْ لَوْ كانَ مُحَرَّمًا في شَرْعِهِ، لِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ مُحَرَّمًا؟

السّابِعُ: أنّا سَلَّمْنا الحُرْمَةَ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَغِيرَةً وهي غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؟

وتَكَلَّمُوا عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلى أمْرٍ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ لَمْ يَكُنْ عَلى اسْتِقْرارِ الجَبَلِ حالَ سُكُونِهِ وإلّا لَوُجِدَتِ الرُّؤْيَةُ ضَرُورَةَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الجَبَلَ حالَ سُكُونِهِ كانَ مُسْتَقِرًّا بَلْ عَلى اسْتِقْرارِهِ حالَ حَرَكَتِهِ، وهو مُحالٌ لِذاتِهِ، والثّالِثُ: أنّا وإنْ سَلَّمْنا أنَّ اسْتِقْرارَ الجَبَلِ مُمْكِنٌ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُعَلَّقَ بِالمُمْكِنِ مُمْكِنٌ، فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنِ انْعَدَمَ المَعْلُولُ انْعَدَمَتِ العِلَّةُ، والعِلَّةُ قَدْ تَكُونُ مُمْتَنِعَةَ العَدَمِ مَعَ إمْكانِ المَعْلُولِ في نَفْسِهِ كالصِّفاتِ بِالنِّسْبَةِ إلى الذّاتِ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ، والعَقْلِ الأوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى عِنْدَ الحُكَماءِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ المُمْتَنِعَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالِاسْتِقْرارِ المُمْكِنِ، والسِّرُّ في جَوازِ ذَلِكَ أنَّ الِارْتِباطَ بَيْنَ المُعَلِّقِ والمُعَلَّقِ عَلَيْهِ إنَّما هُوَ: بِحَسْبِ الوُقُوعِ؛ بِمَعْنى أنَّهُ إنْ وقَعَ عَدَمُ المَعْلُولِ وقَعَ عَدَمُ العِلَّةِ، والمُمْكِنُ الذّاتِيُّ قَدْ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ الذّاتِيِّ فَيَجُوزُ التَّعْلِيقُ بَيْنَهُما، ولَيْسَ الِارْتِباطُ بَيْنَهُما بِحَسْبِ الإمْكانِ حَتّى يَلْزَمَ إمْكانَ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ إمْكانُ المُعَلِّقِ، ثُمَّ إنّا وإنْ سَلَّمْنا دَلالَةَ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الوَجْهَيْنِ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ فَهو مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الجَوازِ، فَإنَّ (لَنْ) في الآيَةِ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ، وأيْضًا قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ دَلِيلُ كَوْنِهِ مُخْطِئًا في سُؤالِهِ، ولَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ جائِزَةً لَما كانَ مُخْطِئًا، والزَّمَخْشَرِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ زَعَمَ أنَّ الآيَةَ أبْلَغُ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ إمْكانِ الرُّؤْيَةِ، وذَكَرَ في كَشّافِهِ ما ذَكَرَ وقالَ: ثُمَّ أعْجَبُ مِنَ المُتَسَمِّينَ بِالإسْلامِ المُسَمَّيْنِ بِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ كَيْفَ اتَّخَذُوا هَذِهِ العَظِيمَةَ مَذْهَبًا ولا يُغْرُنَّكَ تَسَتُّرُهم بِالبَلْكَفَةِ فَإنَّهُ مِن مَنصُوباتِ أشْياخِهِمْ، والقَوْلُ ما قالَ بَعْضُ العَدْلِيَّةِ فِيهِمْ: وجَماعَةٍ سَمَّوْا هَواهم سُنَّةً لَجَماعَةٌ حُمُرٌ لَعَمْرِي مُوكَفَهْ قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وتَخَوَّفُوا شُنَعَ الوَرى فَتَسَتَّرُوا بِالبَلْكَفَةْ وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَألَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَكانَ النَّظَرُ المَذْكُورُ بَعُدَ أيْضًا بِمَعْناهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ النَّظَرَ المَوْصُولَ بِإلى نَصٌّ في الرُّؤْيَةِ لا يَحْتَمِلُ سِواهُ فَلا يُتْرَكُ لِلِاحْتِمالِ، وفي شَرْحِ المَواقِفِ أنَّ طَلَبَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ لِمَن يُخاطِبُهُ ويُناجِيهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ المُرادَ هو العِلْمُ بِهُوِيَّتِهِ الخاصَّةِ، والخِطابُ لا يَقْتَضِي إلّا العِلْمَ بِوَجْهٍ كَمَن يُخاطِبُنا مِن وراءِ الجِدارِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ بِالهُوِيَّةِ الخاصَّةِ انْكِشافُ هُوِيَّتِهِ تَعالى عَلى وجْهٍ جُزْئِيٍّ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ عِنْدَ العَقْلِ صِدْقُهُ عَلى كَثِيرِينَ كَما في المَرْئِيِّ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولا شَكَّ في كَوْنِهِ مُمْكِنًا في حَقِّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ في العَبْدِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِهُوِيَّتِهِ الخاصَّةِ عَلى الوَجْهِ الجُزْئِيِّ بِدُونِ اسْتِعْمالِ الباصِرَةِ كَما يَخْلُقُ بَعْدَهُ، وفي عَدَمِ لُزُومِهِ الخِطابَ فَإنَّهُ إنَّما يَقْتَضِي العِلْمَ بِالمُخاطَبِ بِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ يُمْكِنُ صِدْقُها عَلى كَثِيرِينَ عِنْدَ العَقْلِ وإنْ كانَتْ في الخارِجِ مُنْحَصِرَةً في شَخْصٍ واحِدٍ فَهو مِن قَبِيلِ التَّعَقُّلِ، وبِهَذا التَّحْرِيرِ يُعْلَمُ رَصانَةُ الإيرادِ ودَفْعُ ما أُورِدَ عَلَيْهِ، ويَظْهَرُ مِنهُ رَكاكَةُ ما قالَهُ الآمِدِيُّ.

مِن أنَّ حَمْلَ الرُّؤْيَةِ عَلى العِلْمِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ عالِمٍ بِرَبِّهِ لِئَلّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الكَلِيمِ مِن أعْظَمِ الجَهالاتِ؛ لِأنّا نَقُولُ: العِلْمُ بِالهُوِيَّةِ الخاصَّةِ عَلى ما ذَكَرْنا لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ النُّبُوَّةِ ولا المُكالَمَةِ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ يَأْبى هَذا الحَمْلَ التَّعْدِيَةُ كَما عَلِمْتَ ويُبْعِدُهُ الجَوابُ بِ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلَخْ.

كَما هو ظاهِرٌ، وإنْ تَكَلَّفَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِما تَمُجُّهُ الأسْماعُ.

وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ ساغَ هَذا التَّأْوِيلُ لَساغَ مِثْلُهُ فِي: ﴿ أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ لِتَساوِي الدَّلالَةِ وهو مُمْتَنِعٌ بِالإجْماعِ، وجَهْرَةً لا يَزِيدُ عَلى كَوْنِ النَّظَرِ مَوْصُولًا بِ إلى.

وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّما سَألَهُ أنْ يُرِيَهُ عَلَمًا مِن أعْلامِ السّاعَةِ بِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.

ثانِيها: أنَّهُ أُجِيبَ بِلَنْ تَرانِي، وهو إنْ كانَ مَحْمُولًا عَلى نَفْيِ ما وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ مِن رُؤْيَةِ بَعْضِ الآياتِ فَهو خَلْفٌ؛ فَإنَّهُ قَدْ أراهُ سُبْحانَهُ أعْظَمَ الآياتِ وهو تَدَكْدُكُ الجَبَلِ، وإنْ كانَ مَحْمُولًا عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ.

ثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ﴾ إنْ كانَ مَحْمُولًا عَلى رُؤْيَةِ الآيَةِ فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ في اسْتِقْرارِ الجَبَلِ بَلْ في تَدَكْدُكِهِ، وإنْ كانَ مَحْمُولًا عَلى الرُّؤْيَةِ لا يَكُونُ مُرْتَبِطًا بِالسُّؤالِ، فَإذَنْ لا يَنْبَغِي حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ الآيَةِ، وعَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الرُّؤْيَةَ وقَعَتْ لِدَفْعِ قَوْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَوْنُ الدَّلِيلِ أخْذَ الصَّعْقَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

وأيْضًا كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- أنْ يُبادِرَ إلى رَدْعِهِمْ وزَجْرِهِمْ عَنْ طَلَبِ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ وقَوْلِهِمْ: إنَّ المَقْصُودَ ضَمُّ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ إلى العَقْلِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ ذَلِكَ كانَ يُمْكِنُ بِطَلَبِ إظْهارِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ الرُّؤْيَةَ مَعَ إحالَتِها، وقِصَّتُهُ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها، وما ذَكَرُوهُ في الوَجْهِ الخامِسِ ظاهِرٌ رَدُّهُ مِن تَقْرِيرِ الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما أهْلُ السُّنَّةِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ يَلْزَمُهم أنْ يَكُونَ الكَلِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ آحادِ المُعْتَزِلَةِ عِلْمًا ودُونَ مَن حَصَّلَ طَرَفًا مِنَ الكَلامِ في مَعْرِفَةِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما لا يَجُوزُ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حَمْقاءُ وطَرِيقَةٌ عَوْجاءُ لا يَسْلُكُها أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنَّ كَوْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْلَمَ مِمَّنْ عَداهم بِذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ العُلا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، وكَوْنُ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا غَيْرَ واقِعَةٍ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ إنْ أُرِيدَ بِهِ أنَّها غَيْرُ مُمْكِنَةِ الوُقُوعِ فَهو أوَّلُ المَسْألَةِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّها مُمْكِنَةٌ لَكِنَّها لا تَقَعُ لِأحَدٍ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ الفَرِيقانِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَلِأنَّهم لا يَقُولُونَ بِإمْكانِها، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَلِأنَّ كَثِيرًا مِنهم ذَهَبَ إلى أنَّها وقَعَتْ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وغَيْرِهِما، وقَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الفِرْيَةَ.

مَدْفُوعٌ أوْ مُؤَوَّلٌ بِأنَّ المُرادَ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ أعْنِي النُّورَ الشَّعْشَعانِيَّ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ في حَدِيثِ: ««لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ»».

فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في احْتِمالِ إرادَةِ عَدَمِ الوُقُوعِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الإمْكانِ وعَدَمِهِ.

وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الطَّلَبُ مُحَرَّمًا في شَرْعِهِ فَلا يَمْتَنِعُ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ دَلِيلَ الحُرْمَةِ ظاهِرٌ، فَإنَّ طَلَبَ المُحالِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَرامًا في شَرْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَما بَلَغَ في التَّشْنِيعِ عَلى قَوْمِهِ حِينَ طَلَبُوا ما طَلَبُوا عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ يُقالُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ وما كانَ كَذَلِكَ فَمَنصِبُ النُّبُوَّةِ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في قَوْلِهِمْ الأخِيرِ.

وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ المُعَلَّقَ عَلَيْهِ هو اسْتِقْرارُ الجَبَلِ حالَ حَرَكَتِهِ بِأنَّهم إنْ أرادُوا أنَّ الشَّرْطَ هو الِاسْتِقْرارُ حالَ وُجُودِ الحَرَكَةِ مَعَ الحَرَكَةِ فَهو زِيادَةُ إضْمارٍ وتَرْكٌ لِظاهِرِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ فَلا يَصِحُّ، وإنْ أرادُوا أنَّ الشَّرْطَ هو الِاسْتِقْرارُ في الحالَةِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيها الحَرَكَةُ بَدَلًا عَنِ الحَرَكَةِ فَلا يَخْفى جَوازُهُ، فَكَيْفَ يُدَّعى أنَّهُ مُحالٌ لِذاتِهِ؟

وبَعْضُهم قالَ في الرَّدِّ: إنَّ المُعَلَّقَ عَلَيْهِ اسْتِقْرارُ الجَبَلِ بَعْدَ النَّظَرِ بِدَلِيلِ الفاءِ، وحِينَ تَعَلَّقَتْ إرادَةُ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ اسْتِقْرارِهِ عَقِيبَ النَّظَرِ اسْتَحالَ اسْتِقْرارُهُ وإنْ كانَ بِالغَيْرِ فَعَدَلَ عَنِ القَوْلِ بِالمُحالِ بِالذّاتِ إلى القَوْلِ بِالمُحالِ بِالغَيْرِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ يَتِمُّ بِهِ أيْضًا، وتَعَقَّبَهُ السّالَكُوتِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ اسْتِقْرارَ الجَبَلِ حِينَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِعَدَمِ اسْتِقْرارِهِ أيْضًا مُمْكِنٌ بِأنْ يَقَعَ بَدَلَهُ الِاسْتِقْرارُ، إنَّما المُحالُ اسْتِقْرارُهُ مَعَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِقْرارِ، ولِبَعْضِ فُضَلاءِ الرُّومِ هاهُنا كَلامٌ نَقَلَهُ الشِّهابُ لا تَغُرَّنَّكَ قَعْقَعَتُهُ؛ فَإنَّ الظَّواهِرَ لا تُتْرَكُ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِمالِ المَرْجُوحِ، وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُعَلَّقَ بِالمُمْكِنِ مُمْكِنٌ إلَخْ.

بِأنَّ المُرادَ بِالمُمْكِنِ المُعَلَّقُ عَلَيْهِ المُمْكِنُ الصِّرْفُ والخالِي عَنِ الِامْتِناعِ مُطْلَقًا، ولا شَكَّ أنَّ إمْكانَ المَعْلُولِ فِيما امْتَنَعَ عَدَمُ عِلَّتِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ التَّعْلِيقُ بَيْنَهُما إنَّما هُوَ: بِحَسْبِ الِامْتِناعِ بِالغَيْرِ؛ فَإنَّ اسْتِلْزامَ عَدَمِ الصِّفاتِ وعَدَمِ العَقْلِ الأوَّلِ عَدَمُ الواجِبِ مِن حَيْثُ إنَّ وُجُودَ كُلٍّ مِنهُما واجِبٌ وعَدَمُهُ مُمْتَنِعٌ بِوُجُودِ الواجِبِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأُمُورِ الخارِجَةِ فَلا اسْتِلْزامَ بِخِلافِ اسْتِقْرارِ الجَبَلِ؛ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ صِرْفٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ لا بِالذّاتِ ولا بِالعَرَضِ كَما لا يَخْفى، عَلى أنَّ بَعْضَهم نَظَرَ في صِحَّةِ المِثالِ لُغَةً وإنْ كانَ فِيهِ ما فِيهِ، وما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ في الآيَةِ بَيانَ جَوازِ الرُّؤْيَةِ وعَدَمَ جَوازِها إذْ هو غَيْرُ مَسْؤُولٍ عَنْهُ بَلِ المَقْصُودُ إنَّما هو بَيانُ عَدَمِ وُقُوعِها وعَدَمُ الشَّرْطِ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ كَلامٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ إذِ الجَوازُ وعَدَمُ الجَوازِ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّعْلِيقِ بِإجْماعِ جَهابِذَةِ الفَرِيقَيْنِ، وما ذَكَرُوهُ في المُعارَضَةِ مِن أنَّ (لَنْ) تُفِيدُ تَأْبِيدَ النَّفْيِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا ﴾ فَإنَّ إفادَةَ التَّأْبِيدِ فِيهِ أظْهَرُ، وقَدْ حَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهم يَتَمَنَّوْنَهُ في الآخِرَةِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ العُقُوبَةِ، ومِمّا يَهْدِي إلى هَذا أنَّ الرُّؤْيَةَ المَطْلُوبَةَ إنَّما هِيَ: الرُّؤْيَةُ في الدُّنْيا وحَقُّ الجَوابِ أنْ يُطابِقَ السُّؤالَ، وقَدْ ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ مُقَيَّدٌ لا مُطْلَقٌ؛ فَلْيُتْبَعْ بَيانُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ رَبِّ أرِنِي ﴾ إلَخْ.

فَقالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى، إنَّهُ لا يَرانِي حَيٌّ إلّا ماتَ، ولا يابِسٌ إلّا تَدَهْدَهَ، ولا رَطْبٌ إلّا تَفَرَّقَ، وإنَّما يَرانِي أهْلُ الجَنَّةِ الَّذِينَ لا تَمُوتُ أعْيُنُهم ولا تَبْلى أجْسادُهُمْ»».

وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ مَطْلُوبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا مَعَ بَقائِهِ عَلى حالَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها حِينَ السُّؤالِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْقِبَها صَعْقٌ لِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّهُ لَنْ يَرانِي حَيٌّ إلَخْ ...

لا يَنْفِي إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا مَعَ الحَياةِ لا الرُّؤْيَةَ مُطْلَقًا، فَمَعْنى: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ في الآيَةِ لَنْ تَرانِي وأنْتَ باقٍ عَلى هَذِهِ الحالَةِ لا لَنْ تَرانِي في الدُّنْيا مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَنْ تَرانِي مُطْلَقًا لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.

نَعَمْ إنَّ هَذا الحَدِيثَ مُخَصَّصٌ بِما صَحَّ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ» مَعَ عَدَمِ الصَّعْقِ، ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في اخْتِصاصِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ أنَّ نَشْأتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْمَلُ نَشْأةٍ، وأعْدَلُها صُورَةً ومَعْنًى لِجامِعِيَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْحَقائِقِ عَلى وجْهِ الِاعْتِدالِ، وهي فِيهِ مُتَجاذِبَةٌ، ومُقْتَضى ذَلِكَ الثَّباتُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقَعْ لَهُ التَّجَلِّي إلّا في دارِ البَقاءِ، فاجْتَمَعَ مُقْتَضى المَوْطِنِ مَعَ مُقْتَضى كَمالِ اعْتِدالِ النَّشْأةِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ: لَوْ سَلَّمْنا دَلالَةَ (لَنْ) عَلى التَّأْبِيدِ مُطْلَقًا لَكانَ غايَةُ ذَلِكَ انْتِفاءَ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ انْتِفاءُ الجَوازِ، والمُعْتَزِلَةُ يَزْعُمُونَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُمْ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْطِئًا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنى الرُّجُوعِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْها ذَنْبٌ، وعَلى هَذا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ أيْ: رَجَعْتُ إلَيْكَ عَنْ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ.

وذَكَرُ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ تَسْبِيحَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ مِن أنَّ العِلْمَ قَدْ سَبَقَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا، واللَّهُ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ وُقُوعِ خِلافِ مَعْلُومِهِ، وأمّا التَّوْبَةُ في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عَنْ ذَنْبٍ؛ لِأنَّ مَنزِلَتَهُمُ العَلِيَّةَ تُصانُ عَنْ كُلِّ ما يَحُطُّ عَنْ مَرْتَبَةِ الكَمالِ، وكانَ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- نَظَرًا إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ أنْ يَتَوَقَّفَ في سُؤالِ الرُّؤْيَةِ عَلى الإذْنِ فَحَيْثُ سَألَ مِن غَيْرِ إذْنٍ كانَ تارِكًا الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.

وقَدْ ورَدَ: ««حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ»».

وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ.

وقالَ الآمِدِيُّ: إنَّ التَّوْبَةَ وإنْ كانَتْ تَسْتَدْعِي سابِقِيَّةَ الذَّنْبِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ ما يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّ الذَّنْبَ في سُؤالِهِ، بَلْ جازَ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ عَمّا تَقَدَّمَ قَبْلَ السُّؤالِ مِمّا يَعُدُّهُ هو عَلَيْهِ السَّلامُ ذَنْبًا، والدّاعِي لِذَلِكَ ما رَأى مِنَ الأهْوالِ العَظِيمَةِ مِن تَدَكْدُكِ الجَبَلِ عَلى ما هو عادَةُ المُؤْمِنِينَ الصُّلَحاءِ مِن تَجْدِيدِ التَّوْبَةِ عَمّا سَلَفَ إذا رَأوْا آيَةً وأمْرًا مَهُولًا، * * * وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ ابْتِداءَ الإيمانِ في تِلْكَ الحالَةِ، بَلِ المُرادُ بِهِ إضافَةُ الأوَّلِيَّةِ إلَيْهِ لا إلى الإيمانِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ الإخْبارِ الِاسْتِعْطافُ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا هو ذَنْبٌ عِنْدَهُ، وأرادَ بِالمُؤْمِنِينَ قَوْمَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن أنَّ الآيَةَ أبْلَغُ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ إمْكانِ الرُّؤْيَةِ لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن أحاطَ خُبْرًا بِما ذَكَرْناهُ، ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَنِ اسْتَنَدَ في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى إمْكانِها بِغَيْرِ ما تَقَدَّمَ أيْضًا، وهو أنَّهُ تَعالى أحالَ انْتِفاءَ الرُّؤْيَةِ عَلى عَجْزِ الرّائِي وضَعْفِهِ عَنْها حَيْثُ قالَ لَهُ: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ ولَوْ كانَتْ رُؤْيَتُهُ تَعالى غَيْرَ جائِزَةٍ لَكانَ الجَوابُ: لَسْتُ بِمَرْئِيٍّ، ألا تَرى لَوْ قالَ: أرِنِي أنْظُرْ إلى صُورَتِكَ ومَكانِكَ لَمْ يَحْسُنْ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: لَنْ تَرى صُورَتِي ولا مَكانِي.

بَلِ الحَسَنُ: لَسْتُ بِذِي صُورَةٍ ولا مَكانٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَعْدَ أنْ بَيَّنَ كَوْنَ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ جائِزَةٌ في الجُمْلَةِ بِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ: ولِذَلِكَ رَدَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ دُونَ: لَنْ أُرى، ولَنْ أُرِيَكَ، ولَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قاصِرٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ تَعالى لِتَوَقُّفِها عَلى مُعَدٍّ في الرّائِي ولَمْ يُوجَدْ فِيهِ بَعْدُ، وذَلِكَ لِأنَّ: لَنْ أُرى يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا، ولَنْ أُرِيَكَ يَقْتَضِي أنَّ المانِعَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ولَيْسَ فِي: لَنْ تَنْظُرَ تَنْبِيهٌ عَلى المَقْصُودِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى مُعَدٍّ وإنَّما المُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ والإدْراكُ، وعَلَّلَ النَّيْسابُورِيُّ عَدَمَ كَوْنِ الجَوابِ لَنْ تَنْظُرَ إلى المُناسِبِ لِأنْظُرَ إلَيْكَ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَطْلُبِ النَّظَرَ المُطْلَقَ وإنَّما طَلَبَ النَّظَرَ الَّذِي مَعَهُ الإدْراكُ بِدَلِيلِ: أرِنِي.

وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلْمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: إنَّ طَلَبَ الإراءَةِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ رَفْعِ المَوانِعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وإيجادِ ما تَتَوَقَّفُ هي عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ: مَكِّنِي مِنَ الرُّؤْيَةِ.

والتَّمْكِينُ إنَّما يَتِمُّ بِما ذُكِرَ مِنَ الرَّفْعِ والإيجادِ، وكانَ الظّاهِرُ في رَدِّ هَذا الطَّلَبِ: لَنْ أُمَكِّنَكَ مِن رُؤْيَتِي، لَكِنْ عُدِلَ عَنْهُ إلى: لَنْ تَرانِي إشارَةً إلى اسْتِحالَةِ الرُّؤْيَةِ وعَدَمِ وُقُوعِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رُؤْيَتَكَ لِي أمْرٌ مُحالٌ في نَفْسِهِ وتَمْكِينِي إنَّما يَكُونُ مِنَ المُمْكِنِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ بَلْ كانَ المُرادُ أنَّكَ لا قابِلِيَّةَ لَكَ لِرُؤْيَتِي لَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: يا رَبِّ، أنا أعْلَمُ عَدَمَ القابِلِيَّةِ لَكِنِّي سَألْتُكَ التَّمْكِينَ وهو مُتَضَمِّنٌ لِسُؤالِ إيجادِها؛ لِأنَّها مِمّا تَتَوَقَّفُ الرُّؤْيَةُ عَلَيْهِ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ الجَوابُ مُفِيدًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا مُقْنِعًا لَهُ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ هو المُتَعَيِّنَ.

فَإنْ قِيلَ: القابِلِيَّةُ وعَدَمُ القابِلِيَّةِ مِن تَوابِعِ الِاسْتِعْدادِ وعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ، وهُما غَيْرُ مَجْعُولَيْنِ، قُلْنا: هَذا عَلى ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ العَرِيضِ والنِّزاعِ الطَّوِيلِ مُسْتَلْزِمٌ لِمَطْلُوبِنا مِنَ امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى اسْتِعْدادٍ لِفَهْمِ الحَقائِقِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ طَلَبَ التَّمْكِينِ مِن شَيْءٍ إنَّما يَتَضَمَّنُ طَلَبَ رَفْعِ المَوانِعِ الَّتِي في جانِبِ المَطْلُوبِ مِنهُ فَقَطْ عَلى ما هو الظّاهِرُ لا مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَشْمَلُ ما كانَ في جانِبِ المَطْلُوبِ مِنهُ وما كانَ في جانِبِ الطّالِبِ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّ قَوْلَكَ: لَمْ يُمَكِّنِّي زَيْدٌ مِن قَتْلِ عَمْرٍو مَثَلًا ظاهِرٌ في أنَّهُ حالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ قَتْلِهِ مَعَ تَهَيُّئِكَ لَهُ وارْتِفاعِ المَوانِعِ الَّتِي مِن قِبَلِكَ عَنْهُ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ هاجَ بِهِ الشَّوْقُ إلى الرُّؤْيَةِ كَما قالَ الحَسَنُ: لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ غاصَ في الأرْضِ حَتّى خَرَجَ مِن بَيْنِ قَدَمَيْهِ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ أنَّ مُكَلِّمَكَ شَيْطانٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَها كَما قالَ السُّدِّيُّ: وأعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اعْتِقادِهِ فَذُهِلَ عَنْ نَفْسِهِ وما فِيها مِنَ المَوانِعِ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ إلّا طَلَبُ رَفْعِ المَوانِعِ عَنْها مِن قِبَلِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، فَنَبَّهَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ عَلى وُجُودِ المانِعِ فِيهِ عَنِ الرُّؤْيَةِ وهو الضَّعْفُ عَنْ تَحَمُّلِها وأراهُ ضَعْفَ مَن هو أقْوى مِنهُ عَنْ ذَلِكَ بِدَكِّ الجَبَلِ عِنْدَ تَجَلِّيهِ لَهُ، فَفائِدَةُ الِاسْتِدْراكِ عَلى هَذا أنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أضْعَفُ مِن أنْ يَقُومَ لِتَجَلِّي الرُّؤْيَةِ، وهو عَلى ما هو عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أفاقَ مِن هَذِهِ الغَفْلَةِ، وحِينَئِذٍ لا شَكَّ أنَّ الجَوابَ (بِلَنْ تَرانِي) إلَخْ مُفِيدٌ مُقْنِعٌ.

هَذا وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِإمْكانِ الرُّؤْيَةِ ووُقُوعِها في الدُّنْيا لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ عَقْلًا، والشُّرُوطُ الَّتِي تُذْكَرُ لَها لَيْسَتْ شُرُوطًا عَقْلِيَّةً وإنَّما هي شُرُوطٌ عادِيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ عالِمًا بِعَدَمِ الوُقُوعِ مَعَ عَدَمِ تَغَيُّرِ الحالِ حَتّى سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الرَّبِّ المُتَعالِ، ولَيْسَ في عَدَمِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ نَقْصٌ في مَرْتَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ المَوْقُوفَةِ عَلى السَّمْعِ، والجَهْلُ بِالأُمُورِ السَّمْعِيَّةِ لا يُعَدُّ نَقْصًا، فَقَدْ صَحَّ أنَّ أعْلَمَ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أشْياءَ فَقالَ: سَأسْألُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ فَقالَ: سَأسْألُ رَبَّ العِزَّةِ، وقَدْ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا ﴾ وأنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ بَلْ دَلالَتُها عَلى إمْكانِها في الجُمْلَةِ أظْهَرُ وأظْهَرُ، بَلْ هي ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ دُونَ ما يَقُولُهُ الخُصُومُ وما رَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ : إنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ وافٍ بِمَطْلُوبِهِمْ، مَعَ أنَّ التَّأْبِيدَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَدَمِ تَغَيُّرِ الحالِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَبَرُ المَرْوِيُّ عَنْهُ سابِقًا، وكَذا ما رَواهُ عَنْهُ أبُو الشَّيْخِ إذْ فِيهِ: يا مُوسى إنَّهُ لا يَرانِي أحَدٌ فَيَحْيا.

قالَ مُوسى: رَبِّ، إنْ أراكَ ثُمَّ أمُوتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ لا أراكَ ثُمَّ أحْيا، وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الأشْياخِ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ تَعالى يُرى بِلا كَيْفٍ هو المَشْهُورُ.

ونَقَلَ المِناوِيُّ أنَّ الكَمالَ بْنَ الهُمامِ سُئِلَ عَمّا رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««رَأيْتُ رَبِّي في أحْسَنِ صُورَةٍ»» بِناءً عَلى حَمْلِ الرُّؤْيَةِ في اليَقَظَةِ فَأجابَ بِأنَّ هَذا حِجابُ الصُّورَةِ.

انْتَهى.

وهو التَّجَلِّي الصُّورِيُّ الشّائِعُ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ، ومِنهُ عِنْدَهم تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى في الشَّجَرَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَجَلِّيهِ جَلَّ وعَلا لِلْخَلْقِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، وهو سُبْحانُهُ وإنْ تَجَلّى بِالصُّورَةِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَقَيِّدٍ بِها: ﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ ، والرُّؤْيَةُ الَّتِي طَلَبَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مُوسى كانَ يَرى اللَّهَ تَعالى إلّا أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ ما رَآهُ هو - هو - وعَلى هَذا الطَّرْزِ يُحْمَلُ ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ المَطْعُونِ بِها: رَأيْتُ رَبِّي في صُورَةِ شابٍّ.

وفي بَعْضِها زِيادَةُ: لَهُ نَعْلانِ مِن ذَهَبٍ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الرُّؤْيَةَ في رِوايَةِ الدّارَقُطْنِيِّ عَلى الرُّؤْيَةِ المَنامِيَّةِ، وظاهِرُ كَلامِ السُّيُوطِيِّ أنَّ الكَيْفِيَّةَ فِيها لا تَضُرُّ وهو الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنَ المَشايِخِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ، وإذا صَحَّ ما قالَهُ المَشايِخُ وأفْهَمَهُ كَلامُ السُّيُوطِيِّ فَأنا -ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ- قَدْ رَأيْتُ رَبِّي مَنامًا ثَلاثَ مَرّاتٍ، وكانَتِ المَرَّةُ الثّالِثَةُ في السَّنَةِ السّادِسَةِ والأرْبَعِينَ والمِائَتَيْنِ والألْفِ بَعْدِ الهِجْرَةِ، رَأيْتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ولَهُ مِنَ النُّورِ ما لَهُ مُتَوَجِّهًا جِهَةَ المَشْرِقِ فَكَلَّمَنِي بِكَلِماتٍ أُنْسِيتُها حِينَ اسْتَيْقَظْتُ، ورَأيْتُ مَرَّةً في مَنامٍ طَوِيلٍ كَأنِّي في الجَنَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى وبَيْنِي وبَيْنَهُ سِتْرٌ حُبِيكَ بِلُؤْلُؤٍ مُخْتَلِفٍ ألْوانُهُ، فَأمَرَ سُبْحانَهُ أنْ يُذْهَبَ بِي إلى مَقامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ مَقامِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذُهِبَ بِي إلَيْهِما فَرَأيْتُ ما رَأيْتُ.

ولِلَّهِ تَعالى الفَضْلُ والمِنَّةُ.

ومِنهم مَن حَمَلَ الصُّورَةَ عَلى ما بِهِ التَّمَيُّزُ والمُرادُ بِها ذاتُهُ تَعالى المَخْصُوصَةُ المُنَزَّهَةُ عَنْ مُماثَلَةِ ما عَداهُ مِن الأشْياءِ البالِغَةِ إلى أقْصى مَراتِبِ الكَمالِ، وما ذَكَرَهُ مِنَ البَيْتَيْنِ لِبَعْضِ العَدْلِيَّةِ فَهو في ذَلِكَ عُثَيْثَةٌ تَقْرِمُ جِلْدًا أمْلَسا.

والقَوْلُ ما قالَهُ تاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِيهِمْ: عَجَبًا لِقَوْمٍ ظالِمِينَ تَلَقَّبُوا بِالعَدْلِ ما فِيهِمْ لَعَمْرِي مَعْرِفَهْ قَدْ جاءَهم مِن حَيْثُ لا يَدْرُونَهُ تَعْطِيلُ ذاتِ اللَّهِ مَعْ نَفْيِ الصِّفَةْ وتَلَقَّبُوا عَدْلِيَّةً قُلْنا نَعَمْ عَدَلُوا بِرَبِّهُمُ فَحَسْبُهُمُ سَفَهْ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: وجَماعَةٌ كَفَرُوا بِرُؤْيَةِ رَبِّهِمْ ∗∗∗ هَذا ووَعْدِ اللَّهِ ما لَنْ يُخْلِفَهْ وتَلَقَّبُوا عَدْلِيَّةً قُلْنا أجَلْ عَدَلُوا بِرَبِّهُمُ فَحَسْبُوهُمُ سَفَهْ وتَنَعَّتُوا النّاجِينَ كَلّا إنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا في لَظًى فَعَلى شَفَهْ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ نَقُولُ: إنَّ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ رَأى رَبَّهُ بَعْدَ هَذا الطَّلَبِ أمْ لا، فَذَهَبَ أكْثَرُ الجَماعَةِ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرَهُ لا قَبْلَ الصَّعْقِ ولا بَعْدَهُ.

وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّهُ رَآهُ بَعْدَ الصَّعْقِ وكانَ الصَّعْقُ مَوْتًا، وذَكَرَ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ سَألَ مُوسى عَنْ ذَلِكَ فَأجابَهُ بِما ذُكِرَ، والآيَةُ عِنْدِي غَيْرُ ظاهِرَةٍ في ذَلِكَ، وإلى الرُّؤْيَةِ بَعْدَ الصَّعْقِ ذَهَبَ القُطْبُ الرّازِيُّ في تَقْرِيرِ كَلامٍ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، إلّا أنَّ ذَلِكَ عَلى احْتِمالِ أنْ تُفَسَّرَ بِالِانْكِشافِ التّامِّ الَّذِي لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتِ النَّفْسُ فانِيَةً مَقْطُوعَةَ النَّظَرِ عَنْ وُجُودِها فَضْلًا عَنْ وُجُودِ الغَيْرِ فَإنَّهُ قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ الِانْكِشافِ وعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ (بِأنا) دَلَّ عَلى أنَّ نَظَرَهُ كانَ باقِيًا عَلى نَفْسِهِ، وهي لا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا مُتَعَلِّقَةً بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ مَشُوبَةً بِالشَّوائِبِ المادِّيَّةِ، لا جَرَمَ مَنَعَ عَنْهُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ، وأُشِيرَ إلى أنَّ مَنعَها إنَّما كانَ لِأجْلِ بَقاءِ أنا وأنْتَ في قَوْلِهِ: أرِنِي ولَنْ تَرانِي، ثُمَّ لَمّا لَمْ يُرِدْ حِرْمانَهُ عَنْ حُصُولِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ مَعَ اسْتِعْدادِهِ وتَأهُّلِهِ لَها عَلِمَ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ ﴾ فَإنَّ الجَبَلَ مَعَ عَدَمِ تَعَلُّقِهِ لَمّا لَمْ يُطِقْ نَظْرَةً مِن نَظَراتِ التَّجَلِّي فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَعَلُّقِهِ كَيْفَ يُطِيقُ ذَلِكَ، فَلَمّا أدْرَكَ الرَّمْزَ خَرَّ صَعِقًا مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مُتَجَرِّدًا عَنِ العَلائِقِ فانِيًا عَنْ نَفْسِهِ، فَحَصَلَ لَهُ المَطْلُوبُ، فَلَمّا أفاقَ عَلِمَ أنَّ طَلَبَهُ الرُّؤْيَةَ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها كانَ سُوءَ أدَبٍ فَتابَ عَنْهُ.

وذَهَبَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً قَبْلَ الصَّعْقِ فَصَعِقَ لِذَلِكَ كَما دُكَّ الجَبَلُ لِلتَّجَلِّي، وأيَّدَهُ بِما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لَمّا تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُبْصِرُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ عَلى الصَّفا في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ فَراسِخَ»».

وبِما أخْرَجَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ أنَّهُ قالَ: ««مَكَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَنْظُرُ إلَيْهِ أحَدٌ إلّا ماتَ مِن نُورِ رَبِّ العالَمِينَ»».

وجُمِعَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطى مُوسى الكَلامَ وأعْطانِي الرُّؤْيَةَ، وفَضَّلَنِي بِالمَقامِ المَحْمُودِ والحَوْضِ المَوْرُودِ»».

بِأنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي أعْطاها لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هي الرُّؤْيَةُ مَعَ الثَّباتِ والبَقاءِ مِن غَيْرِ صَعْقٍ، كَما أنَّ الكَلامَ الَّذِي أعْطاهُ مُوسى كَذَلِكَ بِخِلافِ رُؤْيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها لَمْ تُجْمَعْ لَهُ مَعَ البَقاءِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ الدَّجّالِ: ««إنَّهُ لَنْ يَرى أحَدٌ مِنكم رَبَّهُ حَتّى يَمُوتَ»».

هو أنَّ أحَدًا لا يَراهُ في الدُّنْيا مَعَ البَقاءِ، ولا يُجْمَعُ لَهُ في الدُّنْيا بَيْنَهُما.

وفَسَّرَ الآيَةَ بِما لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ.

والذّاهِبُونَ إلى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا يُجِيبُونَ عَمّا ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وخَبَرِ أبِي مَعْشَرٍ بِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن إثْباتِ سُطُوعِ نُورِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ في ذَلِكَ إثْباتُ الرُّؤْيَةِ لِجَوازِ أنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنهُ تَعالى عَلى وجْهِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ رُؤْيَةٍ؛ فَإنَّهُ لا تَلازُمَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ وإشْراقِ النُّورِ، وبِأنَّ الأوَّلَ لَيْسَ نَصًّا في ثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ المَطْلُوبَةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّها كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عِبارَةٌ عَنِ التَّجَلِّي الذّاتِيِّ، ولِلَّهِ تَعالى تَجَلِّياتٌ شَتّى غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ التَّجَلِّيَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ واحِدٍ مِنها، وقَدْ يُقْطَعُ بِذَلِكَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ تَجَلّى عَلَيْهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- بِكَلامِهِ واصْطِفائِهِ وقُرْبِهِ مِنهُ عَلى الوَجْهِ الخاصِّ اللّائِقِ بِهِ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا سَبَبًا لِذَلِكَ الإبْصارِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ اللّامَ في لِمُوسى لِلتَّعْلِيلِ ومُتَعَلِّقُ تَجَلّى مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَمّا تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لِلْجَبَلِ لِأجْلِ إرْشادِ مُوسى كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْصِرُ بِسَبَبِ إشْراقِ بَعْضِ أنْوارِهِ تَعالى عَلَيْهِ حِينَ التَّجَلِّي لِلْجَبَلِ ما يُبْصِرُ.

تَضَّوَعَ مِسْكًا بَطْنُ نُعْمانَ ∗∗∗ إذْ مَشَتْ بِهِ زَيْنَبُ في نِسْوَةٍ خَفِراتِ فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي المَحِيصُ عَنْهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ما سَألَ في هَذا المِيقاتِ، والَّذِي أقْطَعُ بِهِ أنَّهُ نالَ مَقامَ قُرْبِ النَّوافِلِ والفَرائِضِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم بِالمَعْنى الَّذِي يَذْكُرُونَهُ كَيْفَما كانَ، وحاشا لِلَّهِ مِن أنْ أُفَضِّلَ أحَدًا مِن أوْلِياءِ هَذِهِ الأُمَّةِ وإنْ كانُوا هم - هم - عَلى أحَدٍ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَضْلًا عَنْ رُسُلِهِمْ مُطْلَقًا، فَضْلًا عَنْ أُولِي العَزْمِ مِنهُمْ، * * * (وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ مِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ) أنَّ اللَّهَ تَعالى واعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً لِلتَّخَلُّصِ مِن حِجابِ الأفْعالِ والصِّفاتِ والذّاتِ كُلَّ عَشَرَةٍ لِلتَّخَلُّصِ مِن حِجابٍ، واخْتِيرَتِ العَشَرَةُ لِأنَّها عَدَدٌ كامِلٌ كَما تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ ، لَكِنْ بَقِيَتْ مِنهُ بَقِيَّةٌ ما خَلَصَ عَنْها، واسْتِعْمالُ السِّواكِ في الثَّلاثِينَ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ بَعْضُ الآثارِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ فَضَمَّ إلى الثَّلاثِينَ عَشَرَةً أُخْرى لِلتَّخَلُّصِ مِن تِلْكَ البَقِيَّةِ، وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِما يَتَقَرَّبُ بِهِ في ثَلاثِينَ، وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ في العَشَرَةِ الَّتِي ضُمَّتْ إلَيْها لِتَكْمُلَ أرْبَعِينَ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَلَغَ الشُّهُودَ الذّاتِيَّ التّامَّ في الثَّلاثِينَ بِالسُّلُوكِ إلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ بَلْ فَنِيَ بِالكُلِّيَّةِ، وفي العَشَرَةِ الرّابِعَةِ كانَ سُلُوكُهُ في اللَّهِ تَعالى حَتّى رُزِقَ البَقاءَ بَعْدَ الفَناءِ بِالإفاقَةِ، قالُوا: وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سُؤالُ الرُّؤْيَةِ في الثَّلاثِينَ والإفاقَةُ بَعْدَها، وكانَ التَّكْلِيمُ في مَقامِ تَجَلِّي الصِّفاتِ، وكانَ السُّؤالُ عَنْ إفْراطِ شَوْقٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى شُهُودِ الذّاتِ في مَقامِ فَناءِ الصِّفاتِ مَعَ وُجُودِ البَقِيَّةِ، و ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِحالَةِ الإثْنِينِيَّةِ وبَقاءِ الإنِّيَّةِ في مَقامِ المُشاهَدَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: رَأيْتُ رَبِّي بِعَيْنِ رَبِّي، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ ﴾ إشارَةٌ إلى جَبَلِ الوُجُودِ، أيِ انْظُرْ إلى جَبَلِ وُجُودِكَ؛ ﴿ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ﴾ وهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ عِنْدَهُ.

﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ أيْ: مُتَلاشِيًا لا وُجُودَ لَهُ.

﴿ وخَرَّ مُوسى ﴾ عَنْ دَرَجَةِ الوَجْدِ.

﴿ صَعِقًا ﴾ أيْ: فانِيًا.

﴿ فَلَمّا أفاقَ ﴾ بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ الحَقّانِيِّ ﴿ قالَ سُبْحانَكَ ﴾ أنْ تَكُونَ مَرْئِيًّا لِغَيْرِكَ.

﴿ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ عَنْ ذَنْبِ البَقِيَّةِ، أوْ رَجَعْتُ إلَيْكَ بِحَسْبِ العِلْمِ والمُشاهَدَةِ؛ إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ سِواكَ.

﴿ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِحَسْبِ الرُّتْبَةِ، أيْ: أنا في الصَّفِّ الأوَّلِ مِن صُفُوفِ مَراتِبِ الأرْواحِ الَّذِي هو مَقامُ أهْلِ الوَحْدَةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ مُوسى إشارَةً إلى مُوسى الرُّوحِ ارْتاضَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً لِتَظْهَرَ مِنهُ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ وقالَ لِأخِيهِ هارُونَ القَلْبِ: ﴿ اخْلُفْنِي في قَوْمِي ﴾ مِنَ الأوْصافِ البَشَرِيَّةِ.

﴿ وأصْلِحْ ﴾ ذاتَ بَيْنِهِمْ عَلى وفْقِ الشَّرِيعَةِ وقانُونِ الطَّرِيقَةِ.

﴿ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ مِنَ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ، ولَمّا حَصَلَ الرُّوحُ عَلى بِساطِ القُرْبِ بَعْدَ هاتِيكَ الرِّياضَةِ وتَتابَعَتْ عَلَيْهِ في رَوْضاتِ الأُنْسِ كاساتُ المَحَبَّةِ غَرَّدَ بُلْبُلُ لِسانِهِ في قَفَصِ فَمِ وُجُودِهِ فَقالَ: ﴿ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ فَقالَ لَهُ: هَيْهاتَ ذاكَ وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ؟

أنْتَ بَعْدُ في بُعْدِ الإثْنِينِيَّةِ وحِجابِ جَبَلِ الأنانِيَّةِ فَإنْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَخَلِّ نَفْسَكَ وائْتِنِي.

وجانِبْ جَنابَ الوَصْلِ هَيْهاتَ لَمْ يَكُنْ وها أنْتَ حَيٌّ إنْ تَكُنْ صادِقًا مُتِ هُوَ الحُبُّ إنْ لَمْ تَقْضِ لَمْ تَقْضِ مَأْرَبًا ∗∗∗ مِنَ الحُبِّ فاخْتَرْ ذاكَ أوْ خَلِّ خَلَّتِي فَهانَ عَلَيْهِ الفَناءُ في جانِبِ رُؤْيَةِ المَحْبُوبِ ولَمْ يَعِزَّ لَدَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ إذْ رَأى عِزَّةَ المَطْلُوبِ.

ونادى: فَقُلْتُ لَها: رُوحِي لَدَيْكِ وقَبْضُها ∗∗∗ إلَيْكِ ومَن لِي أنْ تَكُونَ بِقَبْضَتِي وما أنا بِالشّانِي الوَفاءِ عَلى الهَوى ∗∗∗ وشَأْنِي الوَفا تَأْبى سِواهُ سَجِيَّتِي فَبَذَلَ وُجُودَهُ وأعْطى مَوْجُودَهُ فَتَجَلّى رَبُّهُ لِجَبَلِ أنانِيَّتِهِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِ بِرُؤْيَتِهِ، وكانَ ما كانَ وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها، وطَفِئَ المِصْباحُ إذْ طَلَعَ الصَّباحُ، وصَدَحَ هَزارُ الأُنْسِ في رِياضِ القُدْسِ بِنَغَمٍ.

ولَقَدْ خَلَوْتُ مَعَ الحَبِيبِ وبَيْنَنا ∗∗∗ سِرٌّ أرَقُّ مِنَ النَّسِيمِ إذا سَرى وأباحَ طَرْفِي نَظْرَةً أمَّلْتُها ∗∗∗ فَغَدَوْتُ مَعْرُوفًا وكُنْتُ مُنَكَّرا فَدُهِشْتُ بَيْنَ جَمالِهِ وجَلالِهِ ∗∗∗ وغَدا لِسانُ الحالِ عَنِّي مُخْبِرا هَذا والكَلامُ في الرُّؤْيَةِ طَوِيلٌ، وقَدْ تَكَفَّلَ عِلْمُ الكَلامِ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، والَّذِي عَلَيْنا إنَّما هُوَ: كَشْفُ القِناعِ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ، والَّذِي نَظُنُّهُ أنّا قَدْ أدَّيْنا الواجِبَ، ويَكْفِي مِنَ القِلادَةِ ما أحاطَ بِالجِيدِ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً قرأ أبو عمرو وَوَعَدْنَا بغير ألف، والباقون بالألف ومعناهما واحد.

وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ يعني: ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة.

ويقال: ثلاثين من ذي الحجة وعشر من المحرم.

والمناجاة في يوم عاشوراء.

وكانت المواعدة ثلاثين يوماً وأمر بأن يصوم ثلاثين يوماً، فلما صام ثلاثين يوماً، أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خرنوب وقيل: بورقة موز، فقالت له الملائكة: كنا نجد من فيك ريح المسك فأفسدته بالسواك فأمر بأن يصوم عشراً أخر، فصارت الجملة أربعين يوماً.

كما قال في آية أخرى وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة: 51] يعني: صارت في الجملة أربعين ولكن مرة ثلاثين يوماً، ومرة عشرة.

فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يعني: ميعاد ربه أربعين ليلة.

يعني: ميعاد ربه.

وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي يعني: قال له قبل انطلاقه إلى الجبل: اخلفني فِي قَوْمِي أي كن خليفتي على قومي وَأَصْلِحْ يعني: مرهم بالصلاح.

ويقال: وأصلح بينهم.

ويقال: ارفق لهم وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي ولا تتبع سبيل أي طريق العاصين، ولا ترضى به.

واتّبع سبيل المطيعين.

وقال بعض الحكماء: من هاهنا ترك قومه عبادة الله وعبدوا العجل، لأنه سلمهم إلى هارون ولم يسلمهم إلى ربهم.

ولهذا لم يستخلف النبي بعده.

وسلم أمر أمته إلى الله تعالى.

فاختار الله لأمته أفضل الناس بعد رسول الله  وهو أبو بكر الصديق- رضى الله تعالى عنه- فأصلح بينهم.

قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا يعني: لميعادنا لتمام أربعين يوماً.

ويقال: لميقاتنا أي للوقت الذي وقّتنا له.

وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فسمع موسى كلام الله تعالى بغير وحي، فاشتاق إلى رؤيته قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ انظر صار جزماً لأنه جواب الأمر قالَ له ربه: لَنْ تَرانِي يعني: إنك لن تراني في الدنيا وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ يعني: انظر إلى أعظم جبل بمدين فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي يعني: سوف تقدر أن تراني إن استقر الجبل مكانه.

معناه: كما أن الجبل لا يستقر لرؤيتي فإنك لن تطيق رؤيتي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قال الضحاك: ألقى عليه من نوره فاضطرب الجبل من هيبته يعني: من رهبة الله تعالى.

وقال القتبي: تجلى ربه للجبل أي ظهر وأظهر من أمره ما شاء.

يقال: جلوت المرأة والسيف إذا أبرزته من الصدأ وكشف عنه.

وجلوت العروس إذا أبرزتها.

فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: جبل زبير جَعَلَهُ دَكًّا قرأ حمزة والكسائي جعله دكاء بالهمز يعني: جعله أرضاً دكاء.

وقرأ الباقون دَكّاً بالتنوين يعني: دَكَّه دَكّاً.

قال بعضهم: صار الجبل قطعاً، فصار على ثمان قطع.

فوقع ثلاث بمكة وثلاث بالمدينة واثنان بالشام.

ويقال: صار ستة فرق.

ويقال: صار أربع فرق.

ويقال: صار كله رملاً عالجاً أي ليناً.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: جعله دكاً أي تراباً، وقال القتبي: جعله دكاً أي ألصقه بالأرض.

ويقال: ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام أي تراباً.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: لما سأل موسى النظر إلى ربه أمر الله الضباب والصواعق والظلمات والرعد والبرق فهبطن حتى أحطن بالجبل، وأمر الله تعالى ملائكة السموات فهبطوا، وارتعدت فرائص موسى وتغير لونه.

فقال له جبريل: اصبر لما سألت ربك، فإنما رأيت قليلاً من كثير فلما غشي الجبل النور، خمد كل شيء، وانقطعت أصوات الملائكة وانهار الجبل من خشية الله تعالى.

حتى صار دكاً.

قوله تعالى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً قال مقاتل: يعني ميتا.

كقوله عز وجل: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ يعني: مات.

ويقال: وخر موسى صعقاً أي مغشياً عليه فَلَمَّا أَفاقَ من غشيانه قال مقاتل: رد الله حياته إليه قالَ سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك تُبْتُ إِلَيْكَ من قولي وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.

روى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: قد كان قبله من المؤمنين.

ولكن يقول أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.

وقال مقاتل: أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا.

وقال القتبي: أراد به في زمانه كقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47] ويقال: معناه تبت إليك بأن لا أسألك بعد هذا سؤالاً محالاً.

فاعترف أنه طلب شيئاً في غير حينه وأوانه ووقته.

وقال الزجاج: قد قال موسى: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أرني أمراً عظيماً لا يرى مثله في الدنيا مما لا تحتمل عليه نفسي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: أمر ربه قال: وهذا خطأ.

ولكن لما سمع كلامه قال يا رب: إنِّي سمعت كلامك وأحب أن أراك.

قوله تعالى: قالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي يعني: بنبوتي.

قرأ ابن كثير ونافع برسَالَتِي.

وقرأ الباقون برسَالاتي بلفظ الجماعة ومعناهما واحد أي: اختصصتك بالنبوة.

وَبِكَلامِي أي بتكلمي معك من غير وحي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي: اعمل بما أعطيتك وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لما أعطيتك.

وقال القتبي: قوله وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أراد به في زمانه كقوله وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47] .

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ.

انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام ع «١» ، وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ، أي: مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديء العاقبة، والتّبار: الهلاك، وإناء مُتَبَّرٌ، أي: مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ ومنه: تِبْرُ الذَّهَبِ لأنه كسارة، وقوله: مَّا هُمْ فِيهِ يعمّ جميع أحوالهم وباطِلٌ: معناه: فاسد ذاهب مضحملّ، وأَبْغِيكُمْ معناه: أطلبُ.

ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ...

الآية، ويَسُومُونَكُمْ معنا: يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ...

الآية.

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)

وقوله سبحانه: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ...

الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشر هي عَشْرُ ذي «٢» الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائم بالذات القديم

الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين «١» ، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: قالَ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربّه الرؤية، ورؤية الله عز وجلّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ...

الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و «لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضاً قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، فهو نصّ في الرؤية بيّنه صلّى الله عليه وسلّم ففي «الترمذيُّ» عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة» ، ثم

قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] «١» ، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً.

انتهى.

قال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال له: يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي «٢» .

قال ع «٣» : فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ: وقول ع «٤» : ولو بَقِينَا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفي المؤبّد «٥» .

قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ/ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في «أُنْمُوذجِهِ» أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه: ٩١] ، وهو واضح.

انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه» ، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٥] تَكْراراً، والأصل عدمه.

انتهى من «المغني» .

وقوله سبحانه: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: جَعَلَهُ دَكًّا، المعنى: جعله أرضاً دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين.

قال ص: وَخَرَّ معناه سقَطَ، وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك كذا فسَّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها.

قال ع «١» : ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي:

مِنْ قومه قاله ابن عباس «٢» وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية «٣» .

وقوله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النّعم من عند الله سبحانه بمقدار،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ لَنْ تَرانِي ﴾ تَعَلَّقَ بِهَذا نُفاةُ الرُّؤْيَةِ وقالُوا:"أنْ" لَنَفْيِ الأبَدِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، لِأنَّها قَدْ ورَدَتْ ولَيْسَ المُرادُ بِها الأبَدُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ  ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِتَمَنِّيهِ في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ  ﴾ ولِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ في تَفْسِيرِها: لَنْ تَرانِيَ في الدُّنْيا.

وقالَ غَيْرُهُ: هَذا جَوابٌ لَقَوْلِ مُوسى: "أرِنِي" ولَمْ يُرِدْ: أرِنِي في الآَخِرَةِ، وإنَّما أرادَ في الدُّنْيا، فَأُجِيبُ عَمّا سَألَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لَنْ تَرانِي بِسُؤالِكَ.

وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ، لِأنَّ مُوسى مَعَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ تَعالى، سَألَها، ولَوْ كانَتْ مِمّا يَسْتَحِيلُ لَما جازَ لِمُوسى أنْ يَسْألَها، ولا يَجُوزُ أنْ يَجْهَلَ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ الأنْبِياءِ بِاللَّهِ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ المَسْألَةَ وإنَّما مَنَعَهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، ولَوِ اسْتَحالَتْ عَلَيْهِ لَقالَ: "لا أرى" ألّا تَرى أنَّ نُوحًا لَمّا قالَ: ﴿ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي  ﴾ أنْكَرَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ  ﴾ .

ومِمّا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ أنَّهُ عَلَّقَها بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ، وذَلِكَ جائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ، ألا تَرى أنَّ دُخُولَ الكُفّارِ الجَنَّةَ لَمّا اسْتَحالَ عَلَّقَهُ بِمُسْتَحِيلٍ فَقالَ: ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ﴾ أيْ: ثَبَتَ ولَمْ يَتَضَعْضَعْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ظَهَرَ، وبانَ.

﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ:" دَكًّا" مُنَوَّنَةً مَقْصُورَةً هاهُنا وفي (الكَهْفِ:٩٨) وقَرَأ عاصِمٌ: "دَكًّا" ها هُنا مُنَوَّنَةً مَقْصُورَةً، وفي دَكّاءَ مَمْدُودَةً غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "دَكّاءَ" مَمْدُودَةً غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ في المَوْضِعَيْنِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "جَعَلَهُ دَكًّا" أيْ: مُنْدَكًّا، والدَّكُّ: المُسْتَوِي؛ والمَعْنى: مُسْتَوِيًا مَعَ وجْهِ الأرْضِ، يُقالُ: ناقَةٌ دَكّاءُ، أيْ: ذاهِبَةُ السَّنامِ مُسْتَوٍ ظَهْرُها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّ سَنامَها دُكَّ، أيِ: التَصَقَ، قالَ: ويُقالُ: إنَّ أصْلَ دَكَكْتُ: دَقَقْتُ، فَأُبْدِلَتِ القافُ كافًا لَتُقارِبِ المَخْرَجَيْنِ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: "جَعَلَهُ دَكًّا" ساخَ الجَبَلُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واسْمُ الجَبَلِ: زُبَيْرٌ وهو أعْظَمُ جَبَلٍ بِمَدْيَنَ، وإنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ لَيَتَجَلّى لَها، وتَواضَعَ زُبَيْرٌ فَتَجَلّى لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَيِّتًا، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والأوَّلُ أصَحُّ، لَقَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا أفاقَ ﴾ وذَلِكَ لا يُقالُ لَلْمَيِّتِ.

وقِيلَ: بَقِيَ في غَشِيَتْهُ يَوْمًا ولَيْلَة قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ فِيما تابَ مِنهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سُؤالُهُ الرُّؤْيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِنَ الإقْدامِ عَلى المَسْألَةِ قَبْلَ الإذْنِ فِيها.

والثّالِثُ: اعْتِقادُ جَوازِ رُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّكَ لَنْ تَرى في الدُّنْيا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أوَّلُ المُؤْمِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي اصْطَفَيْتُكَ ﴾ فَتْحَ ياءَ "إنِّي" ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى اتَّخَذْتُكَ صَفْوَةً عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي، ولَوْ كانَ إنَّما سَمِعَ كَلامَ غَيْرَ اللَّهِ لَما قالَ:" بِرِسالاتِي وبِكَلامِي" لِأنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ إلى الأنْبِياءِ بِكَلامِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَوَعَدْنا"، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَتَهَيَّأ لِمُناجاتِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زادَهُ في الأجَلِ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَ لَيالٍ، فَذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَهُ العَشْرُ في حالِ مَغِيبِهِ دُونَ أنْ تَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ وجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم بِهِ، فَقالَ لَهُمُ السامِرِيُّ: إنَّ مُوسى قَدْ هَلَكَ ولَيْسَ بِراجِعٍ وأضَلَّهم بِالعْجِلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ كُلُّهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وقِيلَ: بَلْ أخْبَرَهم بِمَغِيبِهِ أرْبَعِينَ، وكَذَلِكَ أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ  ﴾ ، وأنَّهم عَدُّوا الأيّامَ واللَيالِيَ، فَلَمّا تَمَّ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ قالُوا: قَدْ أخْلَفَ مُوسى فَضَلُّوا، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الثَلاثِينَ هي شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، وإنَّ العَشْرَ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ، ورُوِيَ أنَّ الثَلاثِينَ إنَّما وُعِدَ بِأنْ يَصُومَها ويَتَهَيَّأ فِيها لِلْمُناجاةِ ويَسْتَعِدَّ، وأنَّ مُدَّةَ المُناجاةِ هي العَشْرُ، وقِيلَ: بَلْ مُدَّةُ المُناجاةِ الأرْبَعُونَ، وإقْبالُ مُوسى عَلى الأمْرِ والتِزامُهُ يُحَسِّنُ لَفْظَ المُواعَدَةِ، وحَيْثُ ورَدَ أنَّ المُواعَدَةَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَذَلِكَ إخْبارٌ بِجُمْلَةِ الأمْرِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِتَفْصِيلِهِ كَيْفَ وقَعَ، و"أرْبَعِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "أرْبَعِينَ" ظَرْفًا مِن حَيْثُ هي عَدَدُ أزْمِنَةٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَتَمَّمْناها" بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ قالَ: لَمّا صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فاسْتاكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنّا كُنّا نَسْتَنْشِقُ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِواكِ فَزِيدَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيالٍ، و"ثَلاثِينَ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: أجَّلْناهُ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ لَمْ تَقَعْ في الثَلاثِينَ، ثُمَّ رَدَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ أنَّ العَشْرَ لَمْ تَكُنْ ساعاتٍ، وبِالجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ وإيضاحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى لأخِيهِ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: وقالَ مُوسى حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها، و"اخْلُفْنِي" مَعْناهُ: كُنْ خَلِيفَتِي، وهَذا اسْتِخْلافٌ في حَياةٍ كالوِكالَةِ الَّتِي تَنْقَضِي بِعَزْلِ المُوَكَّلِ أو مَوْتِهِ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَمادٍ بَعْدَ وفاةٍ، فَيَنْحَلُّ -عَلى هَذا- ما تَعَلَّقَ بِهِ الإمامِيَّةُ في قَوْلِهِمْ: إنَّ النَبِيَّ  اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا بِقَوْلِهِ: "أنْتَ مِنِّي كَهارُونَ مِن مُوسى"، وقالَ مُوسى: اخْلُفْنِي فَيَتَرَتَّبُ عَلى هَذا أنَّ عَلِيًّا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ  ، وما ذَكَرْناهُ يَحُلُّ هَذا القِياسَ.

وأمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإصْلاحِ، ثُمَّ مِنَ الطُرُقِ الأُخَرِ في ألّا يَتَّبِعَ سَبِيلَ مُفْسِدٍ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ مِنَ الإصْلاحِ أنْ يَزْجُرَ السامِرِيَّ ويُغِيرَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمّا جاءَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي حُدِّدَ لَهُ، وفي الوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ، وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ تَمَنِّيًا مِنهُ: ﴿ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أرِنِي" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أرْنِي" بِسُكُونِ الراءِ.

والمَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلَّمَهُ  ﴾ أيْ: خَلَقَ لَهُ إدْراكًا سَمَعَ بِهِ الكَلامَ القائِمَ بِالذاتِ القَدِيمِ الَّذِي هو صِفَةُ ذاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أدْنى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ في اللَوْحِ، وكَلامُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ الَّذِي لِلْمَخْلُوقِينَ ولا في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وكَما هو مَوْجُودٌ لا كالمَوْجُوداتِ، ومَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ، كَذَلِكَ كَلامُهُ لا يُشْبِهُ الكَلامَ الَّذِي فِيهِ عَلاماتُ الحُدُوثِ، والواوُ عاطِفَةٌ "كَلَّمَهُ" عَلى "جاءَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، والأوَّلُ أبْيَنُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَلَّمَ اللهُ مُوسى في ألْفِ مَقامٍ، كانَ يَرى نُورًا عَلى وجْهِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ إثْرَ كُلِّ مَقامٍ، وما قَرَبَ مُوسى النِساءَ مُنْذُ كَلَّمَهُ اللهُ تَعالى، وجَوابُ "لَمّا" في قَوْلِهِ تَعالى: "قالَ"، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كَلَّمَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ طَمَحَتْ هِمَّتُهُ إلى رُتْبَةِ الرُؤْيَةِ وتَشَوَّقَ إلى ذَلِكَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ، قالَهُ السُدِّيُّ، وأبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ، وقالَ الرَبِيعُ: قَرَّبْناهُ نَجِيًّا حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ.

ورُؤْيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الأشْعَرِيَّةِ وأهْلِ السُنَّةِ جائِزَةٌ عَقْلًا، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ هو مَوْجُودٌ تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، قالُوا: لِأنَّ الرُؤْيَةَ لِلشَّيْءِ لا تَتَعَلَّقُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ أكْثَرَ مِنَ الوُجُودِ، إلّا أنَّ الشَرِيعَةَ قَرَّرَتْ رُؤْيَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الآخِرَةِ نَصًّا، ومَنَعَتْ مِن ذَلِكَ في الدُنْيا بِظَواهِرَ مِنَ الشَرْعِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَسْألْ رَبَّهُ مُحالًا وإنَّما سَألَ جائِزًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ ﴾ الآيَةُ.

لَيْسَ بِجَوابِ مَن سَألَ مُحالًا، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنُوحٍ: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ  ﴾ ، فَلَوْ سَألَ مُوسى مُحالًا لَكانَ في الكَلامِ زَجْرٌ ما وتَبْيِينٌ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ نَصٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى مَنعِهِ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا، و"لَنْ" تَنْفِي الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ، ولَوْ بَقِينا مَعَ هَذا النَفْيِ بِمُجَرِّدِهِ لَقَضَيْنا أنَّهُ لا يَراهُ مُوسى أبَدًا ولا في الآخِرَةِ، لَكِنْ ورَدَ مِن جِهَةٍ أُخْرى بِالحَدِيثِ المُتَواتِرِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ يَرَوْنَ اللهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أحْرى بِرُؤْيَتِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِمُوسى: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ ولَكِنْ سَأتَجَلّى لِلْجَبَلِ الَّذِي هو أقْوى مِنكَ وأشَدُّ فَإنِ اسْتَقَرَّ وأطاقَ الصَبْرَ لِهَيْبَتِي فَسَيُمْكِنُكَ أنْتَ رُؤْيَتِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا إنَّما جَعَلَ اللهُ الجَبَلَ مِثالًا وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المَعْنى: سَأتَبَدّى لَكَ عَلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ لِعَظْمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي، ورُوِيَ في كَيْفِيَّةِ وُقُوفِ مُوسى وانْتِظارِهِ الرُؤْيَةَ قَصَصٌ طَوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ لِبُعْدِهِ وكَثْرَةِ مَواضِعِ الِاعْتِراضِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جُعل مجيءُ موسى في الوقت المعين أمراً حاصلاً غير محتاج للإخبار عنه، للعلم بأن موسى لا يتأخر ولا يترك ذلك، وجُعل تكليمُ الله إياه في خلال ذلك الميقات أيضاً حاصلاً غير محتاج للإخبار عن حلوله، لظهور أن المواعدة المتضمنة للملاقاة تتضمن الكلام، لأن ملاقاة الله بالمعنى الحقيقي غير مُمكنة، فليس يحصل من شؤون المواعدة إلاّ الكلام الصادر عن إرادة الله وقدرته، فلذلك كله جُعل مجيء موسى للميقات وتكليم الله إياه شرطاً لحرف (لمّا) لأنه كالمعلوم، وجعل الإخبار متعلقاً بما بعد ذلك، وهو اعتبار بعظمة الله وجلاله، فكان الكلام ضرباً من الإيجاز بحذف الخبر عن جملتين اسغناء عنهما بأنهما جعلتا شرطاً للمّا.

ويجوز أن تجعل الواو في قوله: ﴿ وَكلّمه ربه ﴾ زائدة في جواب ﴿ لمّا ﴾ كما قاله الأكثر في قول امرئ القيس: فلمّا أجَزْنَا ساحةَ الحي وانتحى *** بنا بطْنُ خبت ذي حقاف عقنقل أن جواب ﴿ لَما ﴾ هو قوله وانتحى، وجوزوه في قوله تعالى: ﴿ فلمّا أسلما وتَلْه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم ﴾ [الصافات: 103، 104] الآية، أن يكون ﴿ وناديناه ﴾ هو جواب (لَما) فيصير التقدير: لما جاء موسى لميقاتنا كَلّمه ربه، فيكون إيجازاً بحذف جملة واحدة، ولا يستفاد من معنى إنشاء التكليم الطمع في الرؤية إلاّ من لازم المواعدة.

واللام في قوله: ﴿ لميقاتنا ﴾ صنفٌ من لام الاختصاص، كما سماها في «الكشاف» ومثلها بقولهم: أتيته لعشر خلَون من الشهر، يعني أنه اختصاص مّا، وجعلها ابن هشام بمعنى عند، وجعل ذلك من معاني اللام وهو أظهر، والمعنى: فلما جاء موسى مجيئاً خاصاً بالميقات أي: حاصلاً عنده لا تأخير فيه، كقوله تعالى: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ [الإسراء: 78] وفي الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال: " الصلاة لوقتها " أي عند وقتها ومنه ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ [الطلاق: 1].

ويجوز جعل اللام للأجل والعلة، أي جاء لأجل ميقاتنا، وذلك لما قدمناه من تضمن الميقات معنى الملاقاة والمناجاة، أي جاء لأجل مناجاتنا.

والمجيء: انتقاله من بين قومه إلى جبل سينا المعيّن فيه مكانُ المناجاة.

والتكليم حقيقته النطق بالألفاظ المفيدة معانيَ بحسب وضع مصطلح عليه، وهذه الحقيقة مستحيلة على الله تعالى لأنها من أعراض الحوادث، فتعين أن يكون إسناد التكليم إلى الله مجازاً مستعملاً في الدلالة على مُراد الله تعالى بألفاظ من لغة المخاطَب به بكيفية يوقن المخاطَب به أن ذلك الكلام من أثر قدرة الله على وَفْق الإرادة ووَفْققِ العلم، وهو تعلق تنجيزي بطريق غير معتاد، فيجوز أن يخلق الله الكلام في شيء حادث سمعه موسى كما رُوي أن الله خلق الكلام في الشجرة التي كان موسى حذوها، وذلك أولُ كلام كلّمه الله موسى في أرض مَدين في جبل (حوريب)، ويجوز أن يخلق الله الكلام من خِلال السحاب وذلك الكلام الواقع في طُور سينا، وهو المراد هنا، وهو المذكور في الإصحاح 19 من سفر الخروج.

والكلام بهذه الكيفية كان يسمعه موسى حين يكون بعيداً عن الناس في المناجاة أو نحوها، وهو أحد الأحوال الثلاثة التي يكلم الله بها أنبياءه كما في قوله تعالى: ﴿ وما كان لِبَشَرٍ أن يكلمه الله إلاّ وحيا ﴾ الآية في سورة الشورى (51)، وهو حادث لا محالة ونسبته إلى الله أنه صادر بكيفية غير معتادة لا تكون إلاّ بإرادة الله أن يخالف به المعتاد تشريفاً له، وهو المعبر عنه بقوله: ﴿ أوْ منْ وراء حجاب ﴾ [الشورى: 51]، وقد كلم الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وأحسب الأحاديث القدسية كلها أو معظمها مما كلم الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وأما إرسال الله جبريل بكلام إلى أحد أنبيائه، فهي كيفية أخرى، وذلك بإلقاء الكلام في نفس المَلَك الذي يبلغه إلى النبي، والقرآنُ كله من هذا النوع، وقد كان الوحي إلى موسى بواسطة الملَك في أحوال كثيرة وهو الذي يعبر عنه في التوراة بقولها: قال الله لموسى.

وقوله: ﴿ قال رب أرني ﴾ هو جواب ﴿ لَمّا ﴾ على الأظهر، فإنْ قدرنا الواو في قوله: ﴿ وكلمهُ ﴾ زائدة في جواب لما كان قوله: ﴿ قال ﴾ واقعاً في طريق المحاورة فلذلك فُصل.

وسؤالُ موسى رؤية الله تعالى تطلّع إلى زيادة المعرفة بالجلال الإلهي، لأنه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة.

وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث، وحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم، أطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة، وممّا يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في حصول الرؤية جعْلُ جملة ﴿ وكلمه ربه ﴾ شرطاً لحرف (لمّا) لأن (لمّا) تدل على شدة الارتباط بين شرطها وجوابها، فلذلك يكثر أن يكون علة في حصول جوابها كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ﴾ في هذه السورة (22)، هذا على جعل ﴿ وكَلمه ﴾ عطفاً على شرط لمّا، وليسَ جوابَ لما، ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى، وهي مثل الرؤية الموعود بها في الآخرة، فكان موسى يحسب أن مثلِها ممكن في الدنيا حتى أعلمه الله بأن ذلك غير واقع في الدنيا، ولا يمتنع على نبي عدمُ العلم بتفاصيل الشؤون الإلهية قبل أن يُعلمها الله إياه، وقد قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وقُل رب زدني علماً ﴾ [طه: 114]، ولذلك كان أيمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلاهية لا نعلم كنهها وهو معنى قولهم: «بلا كيف».

وكانَ المعتزلةُ غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة.

وقد يؤول الخلاف بين الفريقين إلى اللفظ، فإن الفريقين متفقان على استحالة إحاطة الإدراك بذات الله واستحالة التحَيز، وأهل السنة قاطعون بأنها رؤية لا تنافي صفات الله تعالى، وأما ما تبجح به الزمخشري في «الكشاف» فذلك من عُدوان تعصبه على مخالفيه على عادته، وما كان ينبغي لعلماء طريقتنا التنازلُ لمهاجاته بمثل ما هاجاهم به، ولكنه قال فأوْجَب.

وأعلم أن سؤال موسى رؤية الله تعالى طلبٌ على حقيقته كما يؤذن به سياق الآية وليس هو السؤالَ الذي سأله بنوا اسرائيل المحكي في سورة البقرة (55) بقوله: ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ وما تمحل به في «الكشاف» من أنه هو ذلك السؤال تكلفٌ لا داعي له.

ومفعول ﴿ أرني ﴾ محذوف لدلالة الضمير المجرور عليه في قوله: ﴿ إليك ﴾ .

وفصل قوله: ﴿ قالَ لنْ تراني ﴾ لأنه واقع في طريق المحاورة.

و ﴿ لَن ﴾ يستعمل لتأبيد النفي ولتأكيد النفي في المستقبل، وهما متقاربان، وإنما يتعلق ذلك كله بهذه الحياة المعبر عنها بالأبد، فنفت (لن) رؤية موسى ربّه نفياً لا طمع بعده للسائِل في الإلحاح والمراجعة بحيث يَعلم أن طلبته متعذرة الحصول، فلا دلالة في هذا النفي على استمراره في الدار الآخرة.

والاستدراك المستفاد من ﴿ لكن ﴾ لرفع توهم المخاطَب الاقتصارَ على نفي الرؤية بدون تعليل ولا إقناع، أو أن يتوهم أن هذا المنع لغضب على السائِل ومنقصة فيه، فلذلك يعلم من حرف الاستدراك أن بعض ما يتوهمه سيُرفع، وذلك أنه أمره بالنظر إلى الجبل الذي هو فيه هل يثبت في مكانه، وهذا يعلم منه أن الجبل سيتوجه إليه شيءٌ من شأن الجلال الإلهي، وأن قوة الجبل لا تستقر عند ذلك التوجه العظيم، فيعلم موسى أنه أحرى بتضاؤل قواه الفانية لو تجلى له شيء من سُبُحات الله تعالى.

وعلق الشرط بحرف (إنْ) لأن الغالب استعمالها في مقام ندرة وقوع الشرط أو التعريض بتعَذره، ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوماً لله انتفاؤه، صح تعليق الأمر المرادِ تعذُر وقوعُه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجَة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى جائزة عليه تعالى، خلافاً لما اعتاد كثيرٌ من علمائنا من الاحتجاج بذلك.

وقوله: ﴿ فسوف تراني ﴾ ليس بوعد بالرؤية على الفرض لأن سُبق قوله: ﴿ لن تراني ﴾ أزال طماعية السائل الرؤية، ولكنه إيذان بأن المقصود من نظرِه إلى الجبل أن يرى رأي اليقين عجزَ القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى، من عدم ثبات قوة الجبل، فصارت قوة الكلام: أن الجبل لا يستقر مكانه من التجلي الذي يحصل عليه فلست أنت بالذي تراني، لأنك لا تستطيع ذلك، فمنزلة الشرط هنا منزلة الشرط الامتناعي الحاصل بحرف (لو) بدلالة قرينة السابِق.

والتجلي حقيقة الظهور وإزالة الحجاب، وهو هنا مجاز، ولعله أريد به إزالة الحوائِل المعتادة التي جعلها الله حجاباً بين الموجودات الأرضية وبين قوى الجبروت التي استأثر الله تعالى بتصريفها على مقاديرَ مضبوطة ومتدرجة في عوالم مترتبة ترتيباً يعلمه الله.

وتقريبُه للإفهام شبيه بما اصطلح عليه الحكماء في ترتيب العقول العشرة، وتلك القوى تنسب إلى الله تعالى لكونها آثاراً لقدرته بدون واسطة، فإذا أزال الله الحجاب المعتاد بين شيء من الأجسام الأرضية وبين شيء من تلك القوى المؤثرة تأثيراً خارقاً للعادة اتصلت القوة بالجسم اتصالاً تظهرُ له آثار مناسبة لنوع تلك القوة، فتلك الإزالة هي التي استعير لها التجلي المسندُ إلى الله تعالى تقريباً للإفهام، فلما اتصلت قوة ربانية بالجبل تُماثل اتصال الرؤية اندّك الجبل، ومما يقرب هذا المعنى، ما رواه الترمذي وغيره، من طرق عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى: ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ فوضع إبهامه قريباً من طرف خنصره يُقلل مقدار التجلي.

وصَعِق موسى من اندكاك الجبل فعلم موسى أنه لو توجه ذلك التجلي إليه لانتثر جسمه فُضاضاً.

وقرأ الجمهور ﴿ دكّاً ﴾ بالتنوين والدك مصدر وهو والدق مترادفان، وهو الهدّ وتفرق الأجزاء كقوله ﴿ وتَخِر الجبال هدّاً ﴾ [مريم: 90]، وقد أخبر عن الجبل بأنه جعل دَكاً للمبالغة، والمراد أنه مدكوك أي: مدقوق مهدوم.

وقرأ الكسائي، وحمزة، وخلف ﴿ دَكّاء ﴾ بمد بعد الكاف وتشديد الكاف والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فهو تشبيه بليغ أي كالدكاء أي ذهبت قُنته، والظاهر أن ذلك الذي اندك منه لم يرجع ولعل آثار ذلك الدك ظاهرة فيه إلى الآن.

والخرور السقوط على الأرض.

والصعق: وصف بمعنى المصعوق، ومعناه المغشي عليه من صيحة ونحوها، مشتق من اسم الصاعقة وهي القطعة النارية التي تبلغ إلى الأرض من كهرباء البرق، فإذا أصابت جسماً أحرقته، وإذا أصابت الحيوان من قريب أماتته، أو من بعيد غُشي عليه من رائحتها، وسُمي خويلدُ بن نُفيْل الصِعقَ عَلماً عليه بالغلبة، وإنما رجحنا أن الوصف والمصدر مشتقان من اسم الصاعقة دون أن نجعل الصاعقة مشتقاً من الصعق؛ لأن أيمة اللغة قالوا: إن الصعْق الغشيُ من صيحة ونحوها، ولكن توسعوا في إطلاق هذا الوصف على من غشي عليه بسبب هدة أو رجَة، وإن لم يكن ذلك من الصاعقة.

والإفاقة: رجوع الإدراك بعد زواله بغشْي، أو نوم، أو سُكر، أو تخبط جنون.

و ﴿ سبحانك ﴾ مصدر جاء عوضاً عن فعله أي أسبحك، وهو هنا إنشاء ثناء على الله وتنزيه عما لا يليق به، لمناسبة سؤاله منه مَا تبين له أنه لا يليق به سؤالهُ دون استيذانه وتحقققِ إمكانه كما قال تعالى لنوح: ﴿ فلا تسألني ما ليس لك به علم ﴾ في سورة هود (46).

وقوله: تبت إليك} إنشاء لتوبة من العود إلى مثل ذلك دون إذن من الله، وهذا كقول نوح عليه السلام: ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ﴾ [هود: 47] وصيغة الماضي من قوله: ﴿ تُبت ﴾ مستعملة في الإنشاء فهي مستعملة في زمن الحال مثل صيغ العقود في قولهم بعْتُ وزَوّجْتُ.

مبالغة في تحقق العقد.

وقوله: ﴿ وأنا أول المؤمنين ﴾ أطلق ﴿ الأول ﴾ على المُبادر إلى الإيمان، وإطلاق الأول على المبادر مجاز شائع مساو للحقيقة، والمرادُ به هنا وفي نظائره الكناية عن قوة إيمانه، حتى أنه يبادر إليه حين تردد غيره فيه، فهو للمبالغة، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ ولا تكونوا أولَ كافر به ﴾ في سورة البقرة (41)، وقوله: ﴿ وأنا أول المسلمين ﴾ في سورة الأنعام (163).

والمراد بالمؤمنين من كان الإيمان وصفهم ولقبَهم، أي الإيمان بالله وصفاته كما يليق به فالإيمان مستعمل في معناه اللقبي، ولذلك شُبه الوصف بأفعال السجايا فلم يذكر له متعلّق، ومن ذهب من المفسرين يقدر له متعلّقاً فقد خرج عن نهج المعنى.

وفُصلت جملة: ﴿ قال يا موسى ﴾ لوقوع القول في طريق المحاورة والمجاوبة، والنداءُ للتأنيس وإزالة الرّوع.

وتأكيد الخبر في قوله: ﴿ إني اصطفيك ﴾ للاهتمام به إذ ليس محلاً للإنكار.

والاصطفاء افتعال مبالغة في الاصفاء وهو مشتق من الصّفْو، وهو الخلوص مما يكدر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ في سورة آل عمران (33) وضمن اصطفيتك معنى الإيثار والتفضيل فعُدي بعَلَى.

والمراد بالناس: جميع الناس، أي الموجودين في زمنه، فالاستغراق في ﴿ الناس ﴾ عرفي أي هو مفضل على الناس يومئذٍ لأنه رسول، ولتفضيله بمزية الكلام، وقد يقال إن موسى أفضل جميع الناس الذين مضَوا يومئذٍ، وعلى الاحتمالين: فهو أفضل من أخيه هارون، لأن موسى أرسل بشريعة عظيمة، وكلمه الله، وهارون أرسله الله معاوناً لموسى ولم يكلمه الله، ولذلك قال: ﴿ برسالتي وبكلامي ﴾ وما ورد في الحديث من النهي عن التفضيل بين الأنبياء محمول على التفضيل الذي لا يستند لدليل صريح، أو على جعل التفضيل بين الأنبياء شُغلاً للناس في نواديهم بدون مقتض معتبر للخوض في ذلك.

وهذا امتنان من الله وتعريف.

ثم فرع على ذلك قوله: ﴿ فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ﴾ والأول تفريع على الإرسال وَالتكليم.

والثاني تفريع على الامتنان، وما صْدقُ ﴿ ما آتيتك ﴾ قيل هو الشريعة والرسالة، فالإيتاء مجاز أطلق على التعليم والإرشاد، والأخذ مجاز في التلقي والحفظ، والأظهر أن يكون ﴿ ما آتيتك ﴾ إعطاءَ الألواح بقرينة قوله: ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ [الأعراف: 145] وقد فُسر بذلك، فالإيتاء حقيقة، والأخذ كذلك، وهذا أليق بنظم الكلام مع قوله: ﴿ فخذها بقوة ﴾ [الأعراف: 145] وَيحصل به أخذ الرسالة والكلام وزيادة.

والإخبار عن ﴿ كُن ﴾ بقوله: ﴿ من الشاكرين ﴾ أبلغُ من أن يقالُ كن شاكراً كما تقدم في قوله: ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة الأنعام (56).

وقرأ نافع: وابن كثير، وأبو جعفر، وروْح عن يعقوب: برسالتي } ، بصيغة الإفراد وقرأ البقية ﴿ برسالاتي ﴾ بصيغة الجمع، وهو على تأويله بتعدد التكاليف والإرشاد التي أرسل بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ الآيَةَ، في سُؤالِ مُوسى ذَلِكَ لِرَبِّهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَرُدَّ عَلَيْهِ مِن جَوابِ اللَّهِ ما يَحْتَجُّ بِهِ عَلى قَوْمِهِ حِينَ قالُوا: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ مَعَ عِلْمِ مُوسى بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَراهُ في الدُّنْيا.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِاسْتِدْلالٍ فَأحَبَّ أنْ يَعْلَمَهُ ضَرُورَةً.

والثّالِثُ: أنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ وظَنُّهُ وأنَّ رُؤْيَتَهُ في الدُّنْيا مُمْكِنَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ.

فَأجابَهُ اللَّهُ بِأنْ ﴿ قالَ لَنْ تَرانِي ﴾ ثُمَّ أظْهَرَ في الجَوابِ ما يَعْلَمُ بِهِ اسْتِحالَةَ مَسْألَتِهِ فَقالَ: ﴿ وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ﴾ لِأنَّ الجَبَلَ إذا لَمْ يَسْتَقِرَّ لِرُؤْيَتِهِ فالإنْسانُ بِذَلِكَ أوْلى.

﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ مَعْنى تَجَلّى ظَهَرَ مَأْخُوذٌ مِن جَلاءِ العَرُوسِ إذا ظَهَرَتْ، ومِن جَلاءِ المِرْآةِ إذا أضاءَتْ.

وَفي تَجَلِّيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ظَهَرَ بِآياتِهِ الَّتِي أحْدَثَها في الجَبَلِ لِحاضِرِي الجَبَلِ.

والثّانِي: أنَّهُ أظْهَرَ لِلْجَبَلِ مِن مَلَكُوتِهِ ما تَدَكْدَكَ بِهِ، لِأنَّ الدُّنْيا لا تَقُومُ لِما يُبْرَزُ مِن مَلَكُوتِ السَّماءِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أبْرَزَ قَدْرَ الخِنْصَرِ مِنَ العَرْشِ.

والرّابِعُ: ظَهَرَ أمْرُهُ لِلْجَبَلِ.

﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مُسْتَوِيًا بِالأرْضِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ ناقَةٌ دَكّاءُ إذا لَمْ يَكُنْ لَها سَنامٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ عِيسى.

والثّانِي: أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ، قالَهُ الحَسَنُ وسُفْيانُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صارَ تُرابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ صارَ قِطَعًا.

قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ أعْظَمُ جَبَلٍ بِمَدْيَنَ تَقَطَّعَ سِتَّ قِطَعٍ تَفَرَّقَتْ في الأرْضِ، صارَ مِنها بِمَكَّةَ ثَلاثَةُ أجْبُلٍ: ثُبَيْرٌ وغارُ ثَوْرٍ وحِراءٍ.

وَبِالمَدِينَةِ ثَلاثَةُ أجْبُلٍ: رَضْوى وأُحُدٌ ووَرْقانُ.

واَللَّهُ أعْلَمُ.

﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَيِّتًا، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخَذَتْهُ الغَشْيَةُ الخَمِيسَ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ وأفاقَ عَشِيَّةَ الجُمُعَةِ وفِيهِ نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ وهو يَوْمُ النَّحْرِ العاشِرُ مِن ذِي الحِجَّةِ، وفِيها عَشْرُ آياتٍ أنْزَلَها اللَّهُ في القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ  في ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ تابَ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَسْألَةِ قَبْلَ الإذْنِ فِيها.

والثّانِي: أنَّهُ تابَ مِنِ اعْتِقادِهِ جَوازَ رُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّسْبِيحِ وعادَةِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ.

﴿ وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ لا يَراكَ شَيْءٌ مِن خَلْقِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: والثّانِي: وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِي بِاسْتِعْظامِ سُؤالِ الرُّؤْيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال رب أرني ﴾ يقول: أعطني أنظر إليك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ قال: لما سمع الكلام طمع في الرؤية.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: حين قال موسى لربه تبارك وتعالى ﴿ رب أرني أنظر إليك ﴾ قال الله له: يا موسى إنك لن تراني.

قال: يقول ليس تراني.

قال: لا يكون ذلك أبداً يا موسى إنه لا يراني أحد فيحيا.

فقال موسى: رب أن أراك ثم أموت أحبُ إليَّ من أن لا أراك ثم أحيا.

فقال الله لموسى: يا موسى أنظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ يقول: فإن ثبت مكانه لم يتضعضع ولم ينهد لبعض ما يرى عظمى ﴿ فسوف تراني ﴾ أنت لضعفك وذلتك، وإن الجبل تضعضع وأنهد بقوّته وشدته وعظمه فأنت أضعف وأذل.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ رب أرني أنظر إليك ﴾ قال: «قال الله عز وجل: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإنه أكبر منك وأشد خلقاً.

قال: ﴿ فلما تجلى ربه للجبل ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل يندك على أوّله، فلما رأى موسى ما يصنع الجبل خرَّ موسى صعقاً.

وأخرج أبو مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أوحى الله إلى موسى بن عمران: إني مكلمك على جبل طور سيناء، صار من مقام موسى إلى جبل طور سيناء أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، رعد وبرق وصواعق فكانت ليلة قر، فجاء موسى حتى وقف بين يدي صخرة جبل صور سيناء، فإذا هو بشجرة خضراء، الماء يقطر منها وتكاد النار تلفح من جوفها، فوقف متعجباً فنودي من جوف الشجرة: يا ميشا.

فوقف موسى مستمعاً للصوت...؟!

فقال موسى: من هذا الصوت العبراني يكلمني؟!

فقال الله له: يا موسى إني لست بعبراني، إني أنا الله رب العالمين.

فكلم الله موسى في ذلك المقام بسبعين لغة، ليس منها لغة إلا وهي مخالفة للغة الأخرى، وكتب له التوراة في ذلك المقام، فقال موسى: إلهي أرني أنظر إليك.

قال: يا موسى إنه لا يراني أحد إلا مات.

فقال موسى: إلهي أرني إليك وأموت فأجاب موسى جبل طور سيناء: يا موسى بن عمران لقد سألت أمراً عظيماً، لقد ارتعدت السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن، وزالت الجبال واضطربت البحار لعظم ما سألت يا ابن عمران.

فقال موسى وأعاد الكلام: رب أرني أنظر إليك.

فقال: يا موسى أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فإنك تراني ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً ﴾ مقدار جمعة، فلما أفاق موسى مسح التراب عن وجهه وهو يقول ﴿ سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾ فكان موسى بعد مقامه لا يراه أحد إلا مات، واتخذ موسى على وجهه البرقع فجعل يكلم الناس بقفاه، فبينا موسى ذات يوم في الصحراء فإذا هو بثلاثة نفر يحفرون قبراً حتى انتهوا إلى الضريح، فجاء موسى حتى أشرف عليهم فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر؟

قالوا له: الرجل كأنه أنت أو مثلك أو في طولك أو نحوك.

فلو نزلت فقدرنا عليك هذا الضريح.

فنزل موسى فتمدد في الضريح، فأمر الله الأرض فانطبقت عليه» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق عن أنس بن مالك.

أن النبي صلى الله عليه وسلم «قرأ هذه الآية ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ﴾ قال هكذا، وأشار بأصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر.

وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل ﴿ وخرّ موسى صعقاً ﴾ وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق ثابت عن أنس «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فلما تجلى ربه للجبل ﴾ قال أظهر مقدار هذا، ووضع الإِبهام على خنصر الأصبع الصغرى، فقال حميد: يا أبا محمد ما تريد إلى هذا؟

فضرب في صدره وقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد؟!

يحدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول أنت؟

ما تريد إلى هذا؟» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الجبل الذي أمر الله ينظر إليه: الطور.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الرؤية عن ابن عباس ﴿ فلما تجلى ربه للجبل ﴾ قال: ما تجلى إلا قدر الخنصر ﴿ جعله دكاً ﴾ قال: تراباً ﴿ وخرّ موسى صعقاً ﴾ قال: مغشياً عليه.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما تجلى الله لموسى كان يبصر دبيب النملة على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس بن مالك.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد، وورقان، ورضوى.

وبمكة حراء، وثبير، وثور» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما تجلى الله لموسى تطايرت سبعة جبال.

ففي الحجاز منها خمسة وفي اليمن إثنان، وفي الحجاز أحد، وثبير وحراء، وثور، وورقان، وفي اليمن حصور، وصير» .

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ﴾ قال: اسمع موسى قال له: إني أنا الله قال: وذاك عشية عرفة، وكان الجبل بالموقف فانقطع على سبع قطع: قطعة سقطت بين يديه وهو الذي يقوم الإِمام عنده في الموقف يوم عرفة، وبالمدينة ثلاثة طيبة، وأحد، ورضوى، وطور سيناء بالشام.

وإنما سمي الطور: لأنه طار في الهواء إلى الشام.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ﴾ قال «أخرج خنصره» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاء ﴾ مثقلة ممدودة» .

وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ دكاً ﴾ منوّنة ولم يمده» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلما تجلى ربه للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعن بالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى، ووقع بمكة ثور، وثبير، وحراء» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس.

أن موسى لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، فسأله فقال: ﴿ لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ﴾ قال: فحف حول الجبل بالملائكة، وحف حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حولهم بنار، ثم تجلى ربك للجبل تجلى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكاً وخر موسى صعقاً، فلم يزل صعقاً ما شاء الله، ثم إنه أفاق فقال: ﴿ سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾ يعني أوّل المؤمنين من بني إسرائيل.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فلما تجلى ربه للجبل ﴾ قال: كشف بعض الحجب.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ﴾ قال: كان حجراً أصم، فلما تجلى له صار تلاً تراباً دكاً من الدكوات.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن سفيان في قوله: ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ﴾ قال: ساخ الجبل إلى الأرض حتى وقع البحر فهو يذهب بعد.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي معشر قال: مكث موسى أربعين ليلة لا ينظر إليه أحد إلا مات من نور رب العالمين، ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ﴾ قال: تراباً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صماً ملساً ليس فيها كهوف ولا شقوق، فلما تجلى الله لموسى على الطور صار الطور دكاً، وتفطرت الجبال فصارت فيها هذه الكهوف والشقوق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله: ﴿ دكاً ﴾ قال: الأرض المستوية.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ جعله دكاً ﴾ قال: دك بعضه بعضاً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ قال: غشي عليه إلا أن روحه في جسده ﴿ فلما أفاق قال ﴾ لعظم ما رأى ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لله من أن يراه ﴿ تبت إليك ﴾ رجعت عن الأمر الذي كنت عليه ﴿ وأنا أول المؤمنين ﴾ يقول: أول المصدقين الآن لا يراك أحد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ يقول: أنا أول من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي ميتاً ﴿ فلما أفاق ﴾ قال: ردَّ الله عليه روحه ونفسه ﴿ قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المومنين ﴾ أنه لن تراك نفس فتحيا وإليها يفزع كل عالم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ تبت إليك ﴾ قال: من سؤالي إياك الرؤية ﴿ وأنا أول المؤمنين ﴾ قال: أول قومي إيماناً.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ قال: قد كان إذن قبله مؤمنون ولكن يقول: أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوِزيَ بصعقة الطور» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا ﴾ ، قال الزجاج: (أي: في الوقت الذي وقتنا له) (١) ﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ .

قال المفسرون: (خص الله تعالى (٢)  بأن أسمعه كلامه من غير أن يكون بينهما أحد، فلما سمع كلام الله تعالى ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ) (٣) قال الزجاج: (المعنى: أرني نفسك انظر إليك) (٤) ﴿ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ إلا أنه سأله أن يريه نفسه لينظر إليه، وليس يصح أن يقال: إنه سأل أمرًا عظيما على تقدير: أرني أمرًا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ ﴿ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ ﴾ .

ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف، ولأنه لو سأل آية وأمرًا لأعطاه الله تعالى ما سأل كما أعطاه سائر الآيات، وأي معنى لإحالته على استقرار الجبل ووقوعه مغشيًا عليه، وتوبته بعد ذلك، هذا كله لا يكون في سؤاله أمرًا وعلامة (٥) قال أبو إسحاق: (ليس في الكلام دليل على أن موسى أراد أن يرى أمرًا عظيما من أمر الله عز وجل؛ لأن الله تعالى أراه من الآيات ما لا غاية بعده: العصا، واليد، وفرق البحر، فكان يستغنى بما أراه عن أن يطلب أمرًا من أمر الله عز وجل عظيما ، ولكنه لما سمع كلام الله تعالى (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ لَنْ تَرَانِي ﴾ .

هذا (٨) وفي قوله: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ إبطال قول من يقول: إن موسى سأل الرؤية لقومه؛ لأنهم (٩) ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، فسأل موسى الرؤية ليتبين لهم أن ذلك لا يجوز، وذلك أنه لو كان سؤال الرؤية لقومه لقال (١٠) (١١) ﴿ أَرِنِي ﴾ وقيل له: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ بطل أن يكون السؤال لقومه، وقول من قال: إن (لن) (١٢) (١٣) ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ أي: في الدنيا كما قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: قال: (قوله: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ جواب قول موسى ﴿ أَرِنِي ﴾ فلا يقع على الآخرة؛ لأن موسى لم يقل: أرني في الآخرة، إنما سأل الرؤية في الدنيا فأجيب عما سأل) (١٤) ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ .

قال: (لن تراني في الدنيا) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ .

قال مقاتل: (لما قال موسى: ﴿ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ قال له ربه: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ ، ولكن اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك، وهو الجبل ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ﴾ أي: سكن وثبت ﴿ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ ، وإن لم يستقر مكانه فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي) (١٦) قال الكلبي (١٧) (١٨) ﴿ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ﴾ أعظم جبل بمدين (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) قال أصحابنا: (علَّقَ الله تعالى جواز الرؤية على استقرار الجبل، واستقراره كان جائزًا ، ولكن لم يفعل الله، كذلك الرؤية كانت جائزة، ولكن الله لم يخلقها لموسى، وضدّ هذه الآية قوله: ﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ  ﴾ .

علق دخولهم الجنة بما يستحيل وجوده فلا يدخلونها قط).

وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ .

قال الزجاج (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ .

قال أبو إسحاق: (يجوز ﴿ دَكًّا ﴾ بالتنوين و ﴿ دَكًّاءَ ﴾ بغير تنوين، أي: جعله مدقوقًا مع الأرض، يقال: دككت الشيء إذا دققته، أدكه دكا، والدكاء والدكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها لا تبلغ أن تكون جبلًا) (٢٦) (٢٧) أخبرني العروض رحمه الله عن الأزهري قال: أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: (قال الأخفش في قوله: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ (٢٨) (٢٩) (٣٠) ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  ﴾ .

قال: ومن قرأ (٣١) ﴿ دَكًّاءَ ﴾ ممدودة أراد جعله مثل دكاء فحذف (مثل)، قال: والدكاء الناقة التي لاسنام لها) (٣٢) (٣٣) ﴿ جَعَلَهُ دَكًّاءَ ﴾ أي: مثل دكاء في أنه بقي أكثره.

قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى إضمار (مثل)، والمعنى: جعل الجبل أرضًا دكاء) (٣٤) فحصل من هذه الأقوال أن من قرأ ﴿ دَكًّا ﴾ بالتنوين كان الدك مصدرًا بمعنى المفعول على قول (٣٥) ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ .

أي: دكه دكًا، ويجوز على قوله أيضًا أن يكون بمعنى: ذا دكٍ، أي: ذا كسر فحذف المضاف، ومن قرأ بالمدّ فعلى قول الأخفش (الدكاء) الناقة الذاهبة السنام، والمضاف محذوف، وعلى قول أبي العباس (الدكاء) الأرض غير الغليظة المرتفعة، ولا حاجة إلى تقدير المضاف (٣٦) فأما التفسير فقال المفسرون (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ أي: كسرا جبالا صغارًا) (٤٣) وروي هذا المعنى مرفوعًا عن أنس بن مالك أن النبي  قال في قوله ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ : (صار لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد وورقان، ورضوى (٤٤) (٤٥) (٤٦) وهذا التفسير يقوي قراءة من قرأ بالتنوين، والتفسير الموافق للقراءتين مما روي عن (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ﴾ .

قال الليث: (الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان) (٥١) والصعقة الغشية، يقال: صعِق الرجل وصعَق، فمن قال: صعِق، قال: فهو صعِق، ومن قال: صعَق قال: فهو مصعوق، ويقال أيضا: صعق إذا مات، ومنه قال: ﴿ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ  ﴾ فسروه الموت، ومنه قوله: ﴿ يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ  ﴾ أي: يموتون، ويقال: أصعقته الصيحة أي: قتلته.

وأنشد الفراء: أُحَادَ وَمَثْنَى أَصْعَقتها صوَاهِلُهْ (٥٢) أي: قتلها صوته (٥٣) فأما التفسير: فقال ابن عباس (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) والذي يدل على صحة قول ابن عباس قوله: ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ ﴾ .

قال الزجاج: (ولا يكاد يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه والذي قد ذهب عقله: قد أفاق من علته؛ لأن الله عز وجل قال في الذين ماتوا: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ .

أي: تنزيهًا لك (٥٩) ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ .

أي: من مسألتي الرؤية.

قاله (٦٠) (٦١) (٦٢) وقال أهل العلم: (إن الرؤية وإن كانت جائزة فإن موسى سألها من غير استئذان من الله تعالى، فلذلك (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قال مجاهد: (وأنا أول قومي إيماناً) (٦٨) (٦٩) وقال أبو العالية: (وأنا أول من آمن أنه لا يراك أحد قبل يوم القيامة) (٧٠) (٧١) (١) "معاني الزجاج" 2/ 372، ونحوه قال الطبري 9/ 49، والنحاس في "معانيه" 3/ 74.

(٢) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 49 - 50، وقد أخرجه من طرف جيدة عن السدي وابن إسحاق والربيع بن أنس وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 373، والسمرقندي 1/ 567.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 373.

(٥) انظر: "بدائع التفسير" 2/ 264 - 266.

(٦) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 374 وزاد فيه: (وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة) اهـ.

(٨) في (ب): (في هذا أيضًا دليل).

(٩) انظر: "الكشاف" 2/ 113.

(١٠) في (أ): (قال)، وهو تحريف.

(١١) في (ب): (أراهم)، وهو تحريف.

(١٢) لفظ: (لن) ساقط من (ب).

(١٣) لن: حرف يدل على النفي في المستقبل، قال ابن هشام في "المغني" 1/ 284: (لن حرف نفي واستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافا للزمخشري وكلاهما دعوى بلا دليل) اهـ.

انظر: "العين" 8/ 350، و"الكتاب" 4/ 220، و"حروف المعاني" ص 8، و"تهذيب اللغة" 4/ 3303، و"معاني الحروف" ص 100، و"رصف المباني" ص 355، و"اللسان" 7/ 4082 (لن).

(١٤) (ولا أصل) ساقط من (ب)، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 14/ 233.

(١٥) ذكره الثعلبي في "الكشف" 196 أ.

(١٦) "تنوير المقباس" 2/ 125.

وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 236، وابن الجوزي 3/ 256، وهذا هو الحق ومذهب أهل السنة والجماعة.

قال ابن كثير 2/ 272: (استدل المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الآية وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله  بأن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة) اهـ.

وانظر: "الإبانة" للأشعري ص 13 - 21، و"تفسير الماوردي" 2/ 257، وابن عطية 6/ 68، وابن الجوزي 3/ 256، والقرطبي 7/ 278.

(١٧) "تفسير مقاتل" 2/ 61.

(١٨) "تنوير المقباس" 2/ 125، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 237.

(١٩) ذكره ابن الجوزي 3/ 257، عن ابن عباس، ذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" ص 201، عن السدي، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 567، والماوردي 2/ 258.

(٢٠) مدين: مدينة على بحر القلزم محاذية لتبوك.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 77.

(٢١) في (ب): (فقال زبير)، وهو تحريف.

(٢٢) الزبير، بفتح الزاء وكسر الباء: اسم للجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى  .

انظر: "معجم البلدان" 3/ 132، و"اللسان" 3/ 1806 (زبر).

وقد أجمع أهل التفسير على أن جبل المناجاة هو الطور، فكأن الزبير اسم آخر له أو لموضع معين من الطور والله أعلم.

انظر: "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 2/ 727 - 728.

(٢٣) ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 196 عن المتكلمين من أهل السنة، وانظر: "زاد المسير" 3/ 256.

(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 373، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 624، قال الزجاج: (أي: ظهر وبان وهو قول أهل السنة والجماعة) اهـ.

(٢٥) انظر: "العين" 6/ 180، و"الجمهرة" 1/ 492، و"الصحاح" 6/ 2303، و"المجمل" 1/ 193، و"مقاييس اللغة" 1/ 468، و"المفردات" ص 200، و"اللسان" 2/ 670 (جلا).

(٢٦) هذا قول ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص180، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 52، و"نزهة القلوب" ص 158، و"تفسير المشكل" ص 87.

(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 373.

(٢٨) الدّك - الدق وكسر الشيء وتفتيته، ومنه الناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها.

انظر: "العين" 5/ 274، و"الجمهرة" 1/ 114، و"الصحاح" 4/ 1583، و"المجمل" 2/ 318، و"مقاييس اللغة" 2/ 258، و"المفردات" ص 316، و"اللسان" 3/ 1404 (دك).

(٢٩) في (ب): (مؤكدة).

(٣٠) في "تهذيب اللغة" 2/ 1212: (ويجوز جعله أرضًا ذات دك) اهـ.

(٣١) قرأ حمزة والكسائي ﴿ دَكًّاءَ ﴾ بالمد والهمز من غير تنوين، وقرأ الباقون: ﴿ دَكًّا ﴾ بالقصر والتنوين من غير مد ولا همز.

انظرة "السبعة" ص 293، و"المبسوط" ص 185، و"التذكرة" 2/ 425، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 271 - 272.

(٣٢) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 309.

(٣٣) في (ب): (ومعنى).

(٣٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1212 (دك).

(٣٥) لفظ: (قول) ساقط من (ب).

(٣٦) أكثرهم على أن من قرأ بالمد جعله صفة أي: جعل الجبل أرضًا ملساء دكاء ومن قرأ بالقصر والتنوين جعله مصدرًا.

انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 75، و"معاني القراءات" 1/ 422، و"إعراب القراءات" 1/ 205، و"الحجة" لابن خالويه ص 163، و"الكشف" 1/ 475.

(٣٧) أكثرهم على أن معنى جعله: ﴿ دَكًّا ﴾ أي: مستويًا ألصقه بالأرض.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 228، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" ص 180، و"نزهة القلوب" ص 227، و"تفسير المشكل" ص 87 (٣٨) ذكره الماوردي 2/ 258، عن الحسن وسفيان الثوري.

(٣٩) "تفسير سفيان الثوري" ص 113، وأخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 من طرق جيدة عن سفيان الثوري.

(٤٠) أبو بكر الهذلي البصري مشهور بكنيته وهو سلمى بن عبد الله بن سلمى، وقيل اسمه: روح، روى عن الحسن البصري والشعبي وعكرمة وغيرهم، وهو علامة إخباري متروك الحديث، توفي سنة 167 هـ.

انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 497، و"المغني" في الضعفاء 2/ 773، و"تهذيب التهذيب" 4/ 498.

(٤١) أخرجه الطبري 9/ 53 بسند جيد.

(٤٢) "تنوير المقباس" 2/ 225، وذكره الثعلبي 196 ب، والبغوي 3/ 278.

(٤٣) في (ب): أي: (كسرا جبالا لا صغار)، وهو تحريف.

(٤٤) أحد، بالضم: جبل أحمر بالمدينة المنورة في شمالها بينه وبينها قرابة ميل، انظر: "معجم البلدان" 1/ 109، وورقان بالفتح ثم الكسر جبل عظيم أسود على يمين المصعد من المدينة إلى مكة، انظر: "معجم البلدان" 5/ 372، ورضوى -بالفتح ثم السكون- جبل بالمدينة قرب ينبع، انظر: "معجم البلدان" 3/ 51.

(٤٥) ثور، بالفتح ثم السكون: جبل مشهور بمكة خلفها على طريق اليمن، انظر: "معجم البلدان" 2/ 86، وثبير، بالفتح ثم الكسر وسكون الياء: جبل بمكة.

انظر: "معجم البلدان" 2/ 72، وحراء، بالكسر والتخفيف والمد: جبل مشهور على ثلاثة أميال من مكة انظر: "معجم البلدان" 2/ 233.

(٤٦) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1560، والواحدي في "الوسيط" 2/ 237 - 238 بسند ضعيف جدًّا، فيه، الجلد بن أيوب البصري متروك الحديث، انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 420، و"المغني" في الضعفاء 1/ 135 "لسان الميزان" 2/ 133، وذكر الحديث ابن كثير في "تفسيره" 2/ 272، وقال: (هذا حديث غريب بل منكر) وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 24، نحوه عن ابن عباس عن النبي  وقال: (وراه الطبراني في "الأوسط" وفيه طلحة بن عمرو المكي وهو متروك) اهـ.

وذكره الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 358، وزاد نسبته إلى (أبي الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية والديلمي) وانظر: "الدر المنثور" 3/ 221 - 222.

(٤٧) في (ب): (ما روي عن أنس عن ابن عباس)، وهو تحريف.

(٤٨) أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1560 بسند جيد.

(٤٩) في: (ب): (صر صخرا ترابا) وهو تحريف.

(٥٠) ذكره الثعلبي في "الكشف" 196 ب.

(٥١) "تهذيب اللغة" 2/ 2018، وانظر: "العين" 1/ 128، و"تأويل مشكل القرآن" ص 501.

(٥٢) الشاهد لابن مقبل في "ديوانه" ص 252 وصدره: ترى النُّعَرات الزرق تحت لَبَانه وهو في: "إصلاح المنطق" ص 205، و"المعاني الكبير" ص/ 606، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 302، و"الصحاح" 4/ 1507 (صعق)، و"المخصص" 8/ 184، و"اللسان" 4/ 2450 (صعق)، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 255، 345، و"مجالس ثعلب" ص 128، و"التكملة" لأبي علي ص 425، والنُّعَرَات جمع نُعَرَة؛ ذباب يسقط على الدواب، واللبان الصدر، وصواهلة جمع صاهلة، وهو الصهيل والشاعر يصف فرسا بشدة صهيله وأنه يقتل الذباب.

(٥٣) النص كله من "تهذيب اللغة" 8/ 2012 - 2019، وانظر: "الجمهرة" 2/ 885، و"المجمل" 2/ 533؛ و"مقاييس اللغة" 3/ 285، و"المفردات" ص 484 (صعق).

(٥٤) أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 من طرق جيدة.

(٥٥) ذكره الماوردي 2/ 258، وابن الجوزي 3/ 257 عن ابن عباس والحسن وابن زيد، وذكره البغوي 3/ 278 عن ابن عباس والحسن.

(٥٦) أخرجه الطبري 9/ 53 بسند جيد.

(٥٧) أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 بسند جيد، وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 75 عن قتادة أنه قال: (أي: مغشيًا عليه) اهـ.

(٥٨) "معاني الزجاج" 2/ 373 ومثله ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 2018 (صعق)، وهذا القول أظهر وهو اختيار الجمهور، قال ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 121: (فيه قولان: أحدهما: قد غُشي عليه، والقول الآخر قد مات.

والأول هو الكثير المشهور) اهـ.

وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 180، والطبري 9/ 53، وابن عطية 6/ 71، وابن الجوزي 3/ 257، والرازي 14/ 235.

(٥٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 374.

(٦٠) في (ب): (قال)، وهو تحريف.

(٦١) "تنوير المقباس" 2/ 125.

(٦٢) أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 113، عبد الرزاق 1/ 2/238، والطبري 9/ 55، وابن أبي حاتم 5/ 1562 من طرق جيدة.

(٦٣) في (ب): (فكذلك)، وهو تحريف.

(٦٤) في (ب): (لهذا)، وهو تحريف.

(٦٥) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 55، وابن عطية 6/ 71.

(٦٦) انظر: "الكشاف" 2/ 112 - 116.

(٦٧) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 259، وابن الجوزي 3/ 257، وقال القرطبي 7/ 279: (أجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون، وأيضًا عند أهل السنة والجماعة الرؤية جائزة، وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبين لهم أنها غير جائزة وهذا لا يقتضى التوبة، فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي، وقيل: قالها على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات) اهـ.

(٦٨) أخرجه الطبري 9/ 56، وابن أبي حاتم 5/ 1562، من طرق جيدة.

(٦٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 238، والبغوي 3/ 279، عن مجاهد والسدي، وأخرجه الطبري 9/ 56، من طرق جيدة عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج الطبري 9/ 55، وابن أبي حاتم 5/ 1562، من طرق جيدة عن ابن عباس قال: (أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك في الدنيا) اهـ.

(٧٠) أخرجه الطبري 9/ 55، بسند لا بأس به، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 568.

(٧١) "معاني الزجاج" 2/ 374، وهذا هو الظاهر وهو اختيار الطبري 9/ 56، وقول الإِمام أحمد رحمه الله تعالى قال في الرد على الجهمية ص 96: (يعني: أول المصدقين أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات)، وانظر: "مرويات الإِمام أحمد في التفسير" 2/ 197، وقال ابن كثير 2/ 273: (وهذا قول حسن له تجاه) اهـ.

وانظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 281.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً ﴾ روي أن الثلاثين هي شهر ذي القعدة والعشر بعدها هي العشر الأول من ذي الحجة، وذلك تفصيل الأربعين المذكورة في البقرة ﴿ ميقات رَبِّهِ ﴾ أي ما وقت له من الوقت لمناجاته في الطور ﴿ اخلفني ﴾ أي كن خليفتي على بني إسرائيل مدة مغيبي ﴿ قَالَ رَبِّ أرني ﴾ لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها كما قال الشاعر: وأفرح ما يكون الشوق يوماً ** إذا دنت الديار من الديار واستدلت الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزة عقلاً، وأنها لو كانت محالاً لم يسألها موسى، فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل، وتأول الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين: أحدهما أنه إنما سأل ذلك تبكيتا لمن خرج معه من بني إسرائيل الذين طلبوا الرؤية ﴿ فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153]؛ فقال موسى ذلك ليسمعوا الجواب بالمنع فيتأولوا، والآخر أن معنى أرني أنظر إليك: عرفني نفسك تعريفاً واضحاً جلياً وكلا الوجهين بعيد، والثاني أبعد وأضعف، فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له أنظر إلى الجبل الآية ﴿ قَالَ لَن تَرَانِي ﴾ قال مجاهد وغيره: إن الله قال لموسى لن تراني، لأنك لا تطيق ذلك، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشدّ، فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق الجبل فأحرى ألا تطيق أنت، فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالاًلموسى، وقال قوم: المعنى سأتجلى لك على الجبل وهذا ضعيف يبطله قوله: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ فإذا تقرر هذا، فقوله تعالى: لن تراني نفي للرؤية، وليس فيه دليل على أنها محال، فإنه إنما جعل علة النفي عدم إطاقة موسى الرؤية لا استحالتها، ولو كانت الرؤية مستحيلة، لكان في الجواب زجر وإغلاظ كما قال الله لنوح: ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [هود: 46]، فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا لضعف البنية البشرية عن ذلك، وأما في الآخرة، فقد صرح بوقوع الرؤية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينكرها إلا مبتدع، وبين أهل السنة والمعتزلة في مسألة الرؤية تنازع طويل، وفي هذه القصة قصص كثيرة تركتها لعدم صحتها، ولما فيه من الأقوال الفاسدة ﴿ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾ أي مدكوكاً فهو مصدر بمعنى مفعول كقولك: ضربت الأمير، والدك والدق: أخوان، وهو التفتت، وقرئ: دكاء بالمد والهمز أي أرضاً دكا وقيل ذهب أعلى الجبل وبقي أكثره، وقيل تفتت حتى صار غباراً، وقيل ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقاً ﴾ أي مغشياً عليه ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ معناه تبت من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ أي أول قومه أو أهل زمانه، أو على وجه المبالغة في السبق إلى الإيمان ﴿ اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ هو عموم يراد به الخصوص، فإنّ جميع الرسل قد شاركوه في الرسالة، واختلف هل كلم الله غيره من الرسل أم لا، والصحيح: أنه كلم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ تأديباً أي اقنع بما أعطيتك من رسالتي وكلامي ولا تطلب غير ذلك ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح ﴾ أي ألواح التوراة وكانت سبعة، وقيل: عشرة وقيل: اثنان وقيل: كانت من زمردة وقيل: من ياقوت، وقيل: من خشب ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم، وكذلك ﴿ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وموضع كل شيء نصب على أنه مفعول كتبنا، وموعظة بدل منه ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ أي بجدّ وعزم، والضمير للتوراة ﴿ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ أي فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، وكذلك سائر المباحات من المندوبات ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ﴾ أي دار فرعون وقومه وهو مصر، ومعنى أريكم كيف اقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم المتقدّمة ليعتبروا بها، وقيل: جهنم، وقرأ ابن عباس: سأورثكم بالثاء المثلثة من الوراثة، وهي على هذا مصدر لقوله وأورثناها بني إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.

الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.

﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بضم الراء وسكون الشين.

﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.

الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.

﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم  ﴾ في طه.

الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.

التفسير: لما أهلك الله  أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟

فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.

وقيل: فائدة التفصيل أنه  أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى  ﴾ فلما أعلمه الله  خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.

وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.

ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.

والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.

وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.

﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.

وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.

وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.

﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.

وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله  وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.

وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى  سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.

وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى  أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.

واختلف العلماء أيضاً في أن الله  كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.

عن ابن عباس: أن موسى  جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.

فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.

قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله  .

فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.

قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله  وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.

وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى  سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.

وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.

وردّ بأنه  أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟

ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله  عن ذلك؟

ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله  ولا يلزم منه المنع في الآخرة.

ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.

وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.

ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.

وفي الآية سؤال وهو أنه  لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه  علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.

ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".

والدك والدق أخوان.

ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.

والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.

والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.

وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.

وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟

قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله  حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.

وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.

روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.

وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.

وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.

ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.

والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.

قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.

وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله  من غير واسطة كما سمعه موسى.

والغرض أنه  خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.

وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا  رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.

وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.

والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.

ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.

وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.

وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله  لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.

وقيل: طولها كان عشرة أذرع.

والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.

وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.

وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.

قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.

وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.

﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.

وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.

وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.

وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.

ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.

وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.

وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.

وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله  سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .

وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون  ﴾ .

ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.

فاحتجت الأشاعرة بها على أنه  قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.

وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.

وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.

وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا  ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله  .

وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله  عنها.

وبوجه آخر إن الله  إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله  ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.

وعن رسول  : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.

والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد  ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله  ﴿ مما علمت رشداً  ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.

ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.

ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.

ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.

قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.

أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.

ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.

قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.

والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.

ومن كسر الحاء فللإتباع.

فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.

واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.

قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.

وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.

وإنما قال  ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده  ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.

قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.

وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله  ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه  قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.

واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.

ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.

وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه  احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.

قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.

قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.

والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون  ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.

واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.

وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.

وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.

وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.

وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.

وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.

ثم قال الله  ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.

قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.

ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.

ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.

﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.

وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك  ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه  أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.

والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.

وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.

وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.

وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف  ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.

قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.

وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.

وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.

وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.

وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.

وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.

وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.

عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله  بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.

وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.

قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.

وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.

واعلم أن موسى  كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.

وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.

وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.

بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.

ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.

فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.

واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.

وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله  موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.

قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.

ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي  سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.

قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.

وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.

ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.

وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.

وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.

﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله  الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون  ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.

التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.

وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.

قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.

﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.

﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.

اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.

وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.

﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.

﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾ .

ذكر ههنا ثلاثين ليلة ثم ذكر التمام بالعشر، وذكر في السورة التي [فيها] ذكر البقرة أربعين ليلة بقوله: ﴿ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ ، وهو واحد كان الميعاد له أربعين ليلة، لكن يحتمل ذكر ثلاثين مرة وعشراً وجهين: أحدهما: أن ثلاثين ليلة كان لأمر وعشراً لأمر آخر، فذُكِرَت متفرقة لما كان الأمرين مختلفين.

والثاني: أنه كان في وقتين، كان هذا في وقت والآخر في وقت، والقصّة واحدة، والميعاد واحد، فذكر التمام بعشر؛ كقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  ﴾ ، وإن كانت في وقتين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

قيل: [تم] الميعاد الذي وُعِدَ له أربعين ليلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾ .

فإن قيل: ما معنى قول موسى لأخيه هارون: ﴿ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾ ، وهو كان مبعوثاً معه، رسولان إلى فرعون مشتركان في تبليغ الرسالة [إلى فرعون] بقوله: ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي  ﴾ فإذا كان هو رسولاً كموسى في تبليغ الرسالة، كيف احتاج إلى أن يقول موسى: اخلفني في قومي وهما - شرعاً - سواء في الرسالة؟

قيل: يحتمل هذا وجهين: [يحتمل] أن يكونا كما ذكر رسولين، لكن من ولى اثنين أمراً لم يكن لواحد منهما أن ينفرد به إلا بأمر الآخر، فعلى هذا كأنه قال له: اخلفني في الحكم بينهم، وأصلح ذات بينهم، ولا تتبع من دعاك إلى سبيل المفسدين.

أو يحتمل أن يكون موسى كان هو الرسول أولاً وكان إليه الحكم، وهارون كان دخيلاً في أمره ردءاً له على ما قال: ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي  ﴾ ولأن موسى كان هو المأمور بها أولاً والمبعوث إليهم دونه.

ألا ترى أنه كان هو المناجي ربه دون هارون، وكان هو المعطي الألواح دون هارون؛ كقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، وهو الذي قال: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً  ﴾ ، وهو الذي نودي بالبركة دون هارون، وغير ذلك من الآيات، فإذا كان كذلك استخلفه موسى في قومه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا ﴾ .

أي: لميعادنا الذي وعدناه.

﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ .

لا يجوز لنا أن نصف كيفية الكلام وماهيته، سوى أنه أنشأ كلاماً وصوتاً أسمعه موسى كيف شاء بما شاء بكلام مخلوق وصوت مخلوق.

﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي...

﴾ الآية [الاعراف: 143].

قال قائلون: إن موسى لم يسأل ربَّه الرؤية لنفسه، ولكن سأل لقومه لسؤال القوم له؛ كقوله: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، لكن هذا بعيد؛ لأنه لو كان سؤاله إياه لسؤال قومه، لكان لا يقول: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ، ولكن يقول: أرهم ينظرون إليك، فدل أنه لم يكن لذلك.

وقال قائلون: لم يكن سؤال ربه رؤية الرب، ولكن سأل ربه رؤية الآيات والأعلام والأدلة التي بها يُرَى، وذلك جائز سؤال الرؤية: سؤال رؤية الآيات والأعلام، وذلك أيضاً بعيد؛ لأنه قد أعطاه من الآيات والأعلام ما لم يكن له الحاجة إلى غيرها من الآيات؛ من نحو: العصا التي كان يضرب بها الحجر فَتَفْجُرُ منه اثنتي عشرة عيناً، وما كان من فرق البحر وإهلاك العدو، واليد البيضاء، وغير ذلك من الآيات، فإذا بطل ذلك، دل أنه سأل حقيقة الرؤية، والقول بها لازم عندنا في الآخرة، وحق من غير إدراك ولا تفسير، والدليل على ذلك قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ  ﴾ ، ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة؛ إذ لا يدرك غيره بغير الرؤية، فمع نفي الإدراك وغيره من الخلق لا يدرك إلا بالرؤية لا معنى له، والله الموفق.

وأيضاً قول موسى: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ...

﴾ الآية ولو كان لا يجوز الرؤية لكان منه جهل بربه، ومن يجهله لا يحتمل أن يكون موضعاً لرسالته، أميناً على وحيه.

وبعد فإنه لم ينهه ولا آيسه، وبدون ذلك قد نهى نوحاً وعاتب آدم وغيره من الرسل، وذلك لو كان لا يجوز لبلغ الكفر ثم قال: فإن استقر مكانه فسوف تراني.

فإن قيل: لعله سأل آية ليعلم بها؟

قيل: لا يحتمل ذا؛ لوجوه: أحدها: أنه قال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وقد أراه الآية.

وأيضاً أن طلب الآيات يخرج مخرج التعنت؛ إذ قد أراه الآيات على ما ذكرنا، وذلك صنيع الكفرة أنهم لا يزالون يطلبون الآيات، وإن كانت الكفاية قد [ثبتت] لهم فمثله ذلك أيضاً.

وأيضاً إنه قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي...

﴾ \[و\] الآية التي يستقر معها الجبل [هي] دون التي لا يستقر معها؛ ثبت أنه لم يرد بذلك الآية.

وأيضاً محاجة إبراهيم -  - قومه في النجوم وما ذكر بالأفول والغيبة، ولم يحاجهم بألاّ يحب ربّاً يرى، ولكن حاجهم بألا أحب ربّاً يأفل؛ إذ هو دليل عدم الدوام، ولا قوة إلا بالله.

وأيضاً قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، ثم لا يحتمل ذلك الانتظار؛ لوجوه: أحدها: أن الآخرة ليست بوقت للانتظار، إنما هي الدنيا، وهي دار الوقوع والجود إلا في وقت الفزع، وقيل: أن يعاينوا في أنفسهم ما له حق الوقوع.

والثاني: قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  ﴾ : وذلك وقوع الثواب.

والثالث: قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ : وإلى حرف يستعمل في النظر إلى الشيء لا في الانتظار.

والرابع: أن القول به يخرج مخرج البشارة لعظيم ما نالوه من النعم، والانتظار ليس منه، مع ما كان الصرف عن حقيقة المفهوم قضاء على الله، فيلزم القول بالنظر إلى الله، كما قال على نفي جميع معاني الشبه عن الله  على ما أضيف إليه من الكلام والفعل والقدرة والإرادة أن يجب الوصف به على نفي جميع معاني الشبه، وكذلك القول بالهيئة، فمن زعم أن الله  لا يقدر أن يكرم أحداً بالرؤية، فهو يقدر في الرؤية التي فهمها من الخلق، وإذا كان القول بـ ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ  ﴾ وغير ذلك من الآيات لا يجوز دفعها بالعرض على المفهوم من الخلق، بل يحقق ذلك على نفي الشبه، فمثله خبر الرؤية.

وأيضاً قوله: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ  ﴾ ، وجاء في غير خبر النظر إلى الله، وقد يحتمل غير ذلك ممّا جاء فيه التفسير، لكنه لولا أن القول بالرؤية كان أمراً ظاهراً، لم يحتمل صرف ظاهر لم يجيء فيها إليها ويدفع به الخبر، والله أعلم.

وأيضاً ما جاء عن رسول الله  في غير خبر أنه قال "[إنكم] سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون" ، وسئل: "هل رأيت ربك؟

فقال: بقلبي قلبي" ، فلم ينكر على السائل السؤال، وقد علم السائل [أن] رؤية القلب إذ هي علم قد علمه، وأنه لم يسأل عن ذلك، وقد حذر الله المؤمنين [عن السؤال] عن أشياء قد كفوا عنها بقوله: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ  ﴾ ، فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله يجيء، وذلك كفر في الحقيقة عند قوم، ثم لا ينهاهم عن ذلك ولا يوبخهم في ذلك، بل يليق القول في ذلك، ويرى أن ذلك ليس ببديع، والله الموفق.

وأيضاً: إن الله وعد أن يجزي أحسن مما عملوا به في الدنيا، ولا شيء أحسن من التوحيد، وأرفع قدراً من الإيمان به؛ إذ هو المستحسن بالعقول والثواب الموعود من جوهر الجنة، حسنة حسن الطبع، وذلك دون حسن العقل؛ إذ لا يجوز أن يكون شيء حسناً في العقول لا يستحسنه ذو عقل، وجائز ما استحسنه الطبع طبعاً لا يتلذذ به كطبع الملائكة، ومثله في العقوبة؛ لذلك لزم القول بالرؤية لتكون كرامة تبلغ في الجلالة ما أكرموا به، وهو أن يصير لهم المعبود بالغيب شهوداً كما صار المطلوب من الثواب حضوراً، ولا قوة إلا بالله.

ولا يحتمل العلم؛ لأن كلاًّ يجمع على العلم بالله في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس، وذلك علم العيان لا علم الاستدلال، وكثرة الآيات لا تحقق علم الحق الذي لا يعتريه ذلك، دليله قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...

 ﴾ الآية، وما ذكر من استعانة الكفرة بالكذب في الآخرة وإنكار الرسل [عليهم]، وقولهم: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ  ﴾ ، وغير ذلك.

وبعدُ، فإنه إذ لا يجوز أن يصير علم العيان بحق علم الاستدلال، لم يجز أن يصير علم الاستدلال بحق علم العيان، فثبت أن الرؤية توجب ذلك.

وبعدُ، فإن في ذلك العلم يستوي الكافر والمؤمن والبشارة بالرؤية خُصَّ بها المؤمن، ولا قوة إلا بالله.

ولا نقول بالإدراك؛ لقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ  ﴾ ؛ فقد امتدح بنفي الإدراك لا بنفي الرؤية، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً  ﴾ ، كان في ذلك إيجاب العلم، ونفي الإحاطة، فمثله في حق الإدراك، وبالله التوفيق.

وأيضاً إن الإدراك إنما هو الإحاطة بالمحدود، والله يتعالى عن وصف الحدِّ؛ إذ هو نهاية وتقصير عما هو أعلى منه على أنه واحدي الذات، والحدُّ وصف المتصل الأجزاء حتى ينقضي مع إحالة القول بالحد؛ إذ كان كل ما يحد أو به يحد، فهو على ذلك لا يتغير، على أن لكل شيء حدّاً يدرك سبيله نحو الطعم واللون والذوق والحد، وغير ذلك من الحدود وخاصية الأشياء، جعل الله لكل شيء من ذلك وجهاً يدرك ويحاط به، حتى العقول والأعراض، وأخبر الله  أنه ليس بذي حدود وجهات من طرق إدراكه بالأسباب الموضوعة لتلك الجهات، وعلى ذلك القول بالرؤية والعلم جميعاً، ولا قوة إلا بالله.

وبعدُ، فإن القول بالرؤية يقع على وجوه لا يعلم حقيقة كل وجه من ذلك إلا بالعلم بذلك الوجه حتى إذا عبر عنه بالرؤية صرف إلى ذلك، وما لا يعرف له الوجه بدون ذكر الرؤية لزم الوقف في ماهيتها على تحقيقها.

وأما الإدراك: فإنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء.

ألا ترى أن الظل في التحقيق يُرَى، لكنه لا يدرك إلا بالشمس، وإلا كان مرئيّاً على ما يرى لوقت نسخ الشمس، ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبين له الحد، وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته، وكذلك الظلمة؛ لأن طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به، وبالحدود يدرك الشيء، وإن كان يرى لا بها؛ ولذلك ضرب المثل بالقمر، لأنه لا يعرف حده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى بيقين، ولا قوة إلا بالله.

والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء، ونفي كل معنى من الخلق، ولا يفسر بما لم يجيء، والله الموفق.

ثم زعم الكعبي أن الغائب إذا لم يخرج عن الوجوه التي بها يعلم، فكذلك لا يرى إلا بالوجوه التي بها يرى من المباينة للمدى، ولما حل فيه المرئي بالمسافة والمقابلة واتصال الهواء والصغر وعدم الصغر والبعد، ولو جازت الرؤية بخلاف هذه لجاز العلم به.

وقال الشيخ - رحمه الله -: وهذا خطأ؛ لأنه قدر برؤية جوهره، وقد علم أن غير جوهره جوهر يرون من الوجه الذي لا يقدر على الإحاطة بجوهره فضلاً عن إدراكه ببصره؛ نحو الملائكة والجن وغيرهم ممّا يروننا من حيث لا نراهم، والجثة الصغيرة نحو البق، ونحو ذلك مما يرى لنا لو توهم مثل ذلك البصر لما احتمل الإدراك، ويرى الملك الذي يكتب جميع أفعالنا، ويسمع جميع أقوالنا على ما لو أردنا تقدير ذلك بما عليه جبلنا للزم إنكار ذلك كله، وذلك عظيم، وكذلك ما ذكر من نطق الجلود، وغيرها مما لو امتحن بمثلها أمر الشاهد لوجد عظيماً.

وبعدُ، فإنه في الشاهد يفصل بين البصرين في الرؤية والتمييز على قدر تفاوتهما بما اعتراهما من الحجب، مما لو قابل أحدهما حال الآخر على حاله وجده مستنكراً، وإذا كان كذلك بطل التقدير بالذي ذكر، والله الموفق.

وأيضاً: إنه في الشاهد بكل أسباب العلم لا يعلم غير العرض والجسم، ثم جائز العلم بالغائب خارجاً منه، فمثله الرؤية.

والثالث: ما ذكرنا من رؤية الظل والظلمة والنور من غير شيء من تلك الوجوه.

والرابع: أنه قد يجوز وجود تلك المعاني كلها مع عدم الرؤية، إما بالحجب أو بالجوهر، فجاز تحقيق الرؤية على نفي تلك المعاني نحو ما أجيب القائل بالجسم عند معارضته بالفاعل والعالم؛ إذ وجد جسم لا كذلك، فيجوز وجود ذلك ولا جسم، فمثله في الرؤية على أن البعد الذي يحجبنا الرؤية يجوز أن يبلغه بصر غيرنا، فصار ارتفاع الرؤية بالحجاب، فإذا ارتفع جاز، ولا قوة إلا بالله.

وبعدُ، فإن الذي يقوله تقدير برؤية الأجسام، ولم يمتحن بصره بغير الأجسام والأعراض؛ إذ كيف سبيل الرؤية له.

وبعد، فإن كل جسم يرى، وإن كانت الدقة والبعد يحجبان فيجوز ارتفاعهما عن بصر غير فيرى على ما يرى ملك الموت مَنْ بأطراف الأرض ووسطها مما لو اعتبر ذلك ببصر البشر، لما احتمل الإدراك، فثبت أن الذي قدر به ليس هو سبب تعريف ما يبصره، ولكن بسبب تعريف ما يحجب به البصر، فإذا ارتفع رأى مع ما كان المنفي رؤيته لذاته عرض، وإلا فكل جسم يرى، فإن لزم إنكار الرؤية لما ليس بجسم أو لما لا يرى إلا بما ذكر للزم الإقرار به؛ لأن الذي لا يرى لذاته هو العرض، وإلا فكل غير يرى، ولا قوة إلا بالله.

وعورض بأمر الدنيا ومحال العرض بذلك لا تسقط المحنة وترفع الكلفة والدنيا هي لهما.

ثم ذكر في أمر موسى أن ذلك على علم الإحاطة بالآيات، وقد بيّنا فساد ذلك، وما ذلك العلم بالذي يسأل وهو رسول بعث إلى ما به نجاة الخلق، وذلك لا يكون بغير الممتحن؛ إذ هو تبليغ الرسالة والدعاء إلى العبادة وهي محنة، بل سأل الرؤية؛ ليجل قدره [و] ليعرف عظيم محله عند الله، أو أن يكون الله أمره به؛ ليعلم الخلق جواز ذلك، وبالله التوفيق.

ثم استدل بأنه لم ير من يعقل إنما أُري الجبل والجبل لا يعقل ليعلمه وليراه، فيقال له: ولو كانت الآية فالجبل لا يراها ولا يعقل، وإذا كان كذلك فالآية إذا صار اندكاك الجبل وانشقاقه لا أن أراه الآية يستدل بها، وفي هذا آية قد أرى موسى الآية، وهو اندكاك الجبل، والله يقول: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وحملته على الآية، وقد رآها، ولا قوة إلا بالله.

فإن قيل: ما معنى توبته لو كان سؤاله على الأمر؟

قيل: على العادة في الخلق من يحدثه عند الأهوال بلا حدوث ذنب، أو لما رأى من جلال الله وعظمته فزع إلى التوبة وإحداث الإيمان به، وإن لم يكن ما يوجب ذلك، وذلك متعارف في الخلق.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ كان عنده جواز الرؤية في الشاهد، واحتمال وسعه ذلك بما وعد الله في الآخرة فرجع عما كان عنده، وآمن بالذي قال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وإن كان في الأصل إيمانه داخلاً على نحو إحداث المؤمنين الإيمان بكل آية تنزل، وبكل فريضة تتجدد، وإن كانوا في الجملة مؤمنين بالكل، والله الموفق.

وقد بيّنا ما قالوا في قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، والأصل في الكلام أنه إذا كان على أمر معهود، أو يقرن به المقصود إليه صرف عن حقيقته، وإلا لا، وذلك نحو قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ ، وألم تر كيف فعل ربك.

وأصله: أن من قال: رأيت فلاناً، أو نظرت إلى فلان، لم يحتمل غير ذاته، وإذا قال: رأيته يقول كذا، ويفعل كذا، أنه لا يريد به رؤية ذاته، فمثله أمر قصة موسى، وهذه الآية.

وروي عن ضرار بن عمرو أنه أتى البصرة، فقال: يا أهل البصرة، إما أن كان موسى مشبهاً، وإما أن كان الله يُرَى؛ لأنه لو كان بالذي لا يرى فسأل ربّه رؤيته، كان جاهلاً به، مشبهاً خلقه به، فدل أنه يرى.

ثم الأصل أن من تأمل الذي ذكره الكعبي عرف أنه مشبهي المذهب؛ لأنه لم يذكر المعنى الذي له يجب أن تكون الرؤية بتلك الشرائط، إنما أخبر أنه كذلك وجد، وهو قول المشبهة أنه وجد كل فاعل في الشاهد جسماً، وكذا كل عالم، فيجب مثله في الغائب، ثم ذكر معنى رؤية الجسم، ولم يذكر معنى رؤية غير الجسم حتى يكون له دليلاً.

وبعد، فإنه نفي بالدقة والبعد وهما زائلان عن الله  ، ثم احتج بامتداح الله  : ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ  ﴾ ، وقال: لا يجوز أن يزول فمثله عليه في قوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ ، فلا يجوز أن يزول، ثم قد وصف الله بالرؤية على إسقاط ما ذكر، فثبت أن ذلك طريق لا يؤدي عن كنه ما به الرؤية.

فإن قيل: كيف يرى؟

قيل: بلا كيف؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام، وقعود، واتكاء، وتعلق، واتصال، وانفصال، ومقابلة، ومدابرة وقصر، وطول، ونور، وظلمة، وساكن، ومتحرك، ومجانس، ومباين، وخارج، وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً...

﴾ الآية.

قال أبو بكر الأصم: تجلي بالآيات والأعلام التي بها يرى [لا رؤية الذات]، وكذلك قال في قوله: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ : إنه إنما سأل ربه الآيات والأعلام التي [بها] يُرَى لا رؤية الذات، وقد بينا بُعْدَه وإحالته؛ لما قد أعطاه من الآيات والأعلام: [ما فيه] غنية عن غيرها، فلا يحتاج إلى غيرها.

وقال الحسن: إن موسى سأل ربه الرؤية في غير وقت الرؤية، وهو يقر بالرؤية، لكنه يقول: سألها في الدنيا وبنية هذا العالم لا تحتمل ذلك.

ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ ، أخبر أن الجبل لا يستقر له، فكيف تستقر أنت؟

لكنه ينشيء بنية تحتمل ذلك.

وقال الحسن: لذلك قال موسى: إني ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أن ليس في الدنيا الرؤية، إلى نحو هذا يذهب الحسن، وقد ذكرنا نحن الوجه على قدر ما حضر لنا.

وقال أهل التأويل: قوله: ﴿ تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ ، أي: ظهر، لكن لا يفهم من ظهوره ما يفهم من ظهور الخلق على ما ذكرنا في قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ [وغيرهما] من الآيات، لا يقدر استواؤه باستواء الخلق، وكذلك مجيئه، فعلى ذلك ظهوره، وبالله العصمة.

وروي أن في التوراة "أنه جاء من طور سيناء، وظهر من جبل ساعور واطلع من جبل فاران" وتأويله جاء وحيه على موسى في طور سيناء، وظهر على عيسى في جبل ساعور، واطلع على محمد في جبل فاران، ثم العجب أن كيف اجترأ موسى بالسؤال بسؤال مثله؟!

﴿ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ، لكنه يحتمل وجوهاً: أحدها: على الأمر بالسؤال على ذلك؛ ليعلم أنه يرى، ويعتقدوا ذلك.

أو على الظن منه لما رأى أنه أعطاه أشياء لا يكون مثلها في الدنيا إنما يكون في الآخرة، خص بها؛ من نحو انفجار العيون من الحجر من غير مؤنة تكون لهم في ذلك من حفر الأنهار وإصلاحها وأنواع المؤن، ونحو ما أعطاهم من اللباس الذي ينمو ويزداد على قدر قامتهم وطولهم، ومن نحو ما أعطاهم من المن والسلوى على غير مؤنة ولا جهد، وذلك كله وصف الجنة، فلما رأى ذلك ظن أن الرؤية - أيضاً - تكون في الدنيا على ما كان له من أشياء لم يكن مثلها لأحد في الدنيا، أو لمّا رأى أنه سمع كلام ربه، وألقى [على] مسامعه كلامه لا من مكان، ولا من قريب، ولا [من] بعيد، [ولا من أسفل،] ولا من أعلى، ولا من فوق، ولا من تحت، لكنه سمعه بما شاء، وكيف شاء، بلطفه، فعلى [ذلك] ظن أنه يجوز له أن يسأل ربه الرؤية، فيريه، بما شاء كيف شاء بلطفه كما [أسمع كلامه بلطفه لما] ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ﴾ .

سمى الله - عز وجل - موسى وسائر الأنبياء - عليهم السلام - بأسماء الجوهر: موسى، وعيسى، ونوح وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وسمى نبينا محمداً  نبيّاً ورسولاً، وذلك يدل على تفضيله، وكذلك سمى سائر الأمم المتقدمة بـ ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ و ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ  ﴾ ، وسمى أمة محمد  : ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ ونحوه، فذلك يدل - أيضاً - على تفضيل أمة محمد  على غيرها من الأمم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ﴾ .

كان مصطفى ومفضلاً بالكلام على الناس كافة الأنبياء وغيرهم؛ لأن الله  لم يكلم أحداً من الرسل إلا بسفير سوى موسى؛ فإنه كلمه، ولم يكن بينهما سفير.

وأما قوله: ﴿ ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ على أناس زمانه، وأهله خاصة، ويحتمل: برسالاتي التي بين موسى وبين الله  ، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله  لا يرسل رسولاً إلا وهو يستحق الرسالة، ولو كان طريقه الاستحقاق لا الإفضال والإحسان، لم يكن للامتنان معنى، دلّ أن طريقه الإفضال والإحسان لا الاستحقاق، والله أعلم.

وعلى قول المعتزلة لا يكون الله مصطفياً موسى ولا غيره من الأنبياء، ولكن هم الذين اصطفوا أنفسهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: القبول، أي: اقبل ما أعطتيك؛ كقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ ، أي: اعمل بما آتيتك بأحسن العمل، وكن من الشاكرين [لنعمته التي أنعمها عليه] من التكليم والرسالة وغيرهما من النعم، والله الموفق.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وحين جاء موسى لمناجاة ربه في الموعد المضروب له، وهو تمام أربعين ليلة، وكَلَّمَهُ ربه بما كَلَّمَهُ به من الأوامر والنواهي وغيرها، تاقت نفسه إلى رؤية ربه، فسأله أن ينظر إليه، فأجابه الله سبحانه وتعالى: لن تراني في الحياة الدنيا؛ لعدم قدرتك على ذلك، لكن انظر إلى الجبل إذا تجليتُ له فإن بقي مكانه لم يتأثر فسوف تراني، وإن صار مستويًا بالأرض فلن تراني في الدنيا، فلما تجلَّى الله للجبل جعله مستويًا بالأرض، وسقط موسى مَغْشِيًّا عليه، فلما أفاق من الغشْية التي أصابته قال: أنزِّهك -يا رب- تنزيهًا عن كل ما لا يليق بك، ها أنا تبت إليك مما سألتك من رؤيتك في الدنيا، وأنا أول المؤمنين من قومي.

من فوائد الآيات تؤكد الأحداث أن بني إسرائيل كانوا ينتقلون من ضلالة إلى أخرى على الرغم من وجود نبي الله موسى بينهم.

من مظاهر خذلان الأمة أن تُحَسِّن القبيح، وتُقَبِّح الحسن بمجرد الرأي والأهواء.

إصلاح الأمة وإغلاق أبواب الفساد هدف سامٍ للأنبياء والدعاة.

قضى الله تعالى ألا يراه أحد من خلقه في الدنيا، وسوف يكرم من يحب من عباده برؤيته في الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.aW71O"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله