الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٤٥ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 172 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ، قيل : كانت الألواح من جوهر ، وأن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاما مفصلة مبينة للحلال والحرام ، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس ) [ القصص : 43 ] وقيل : الألواح أعطيها موسى قبل التوراة ، فالله أعلم .
وعلى كل تقدير كانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منه ، والله أعلم .
وقوله : ( فخذها بقوة ) أي : بعزم على الطاعة ( وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ) قال سفيان بن عيينة : حدثنا أبو سعد عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أمر موسى - عليه السلام - أن يأخذ بأشد ما أمر قومه .
وقوله : ( سأريكم دار الفاسقين ) أي : سترون عاقبة من خالف أمري ، وخرج عن طاعتي ، كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب ؟
قال ابن جرير : وإنما قال : ( سأريكم دار الفاسقين ) كما يقول القائل لمن يخاطبه : " سأريك غدا إلام يصير إليه حال من خالف أمري " ، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره .
ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد ، والحسن البصري .
وقيل : معناه ( سأريكم دار الفاسقين ) أي : من أهل الشام ، وأعطيكم إياها .
وقيل : منازل قوم فرعون ، والأول أولى ، والله أعلم ; لأن هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر ، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكتبنا لموسى في ألواحه.
* * * وأدخلت الألف واللام في " الألواح " بدلا من الإضافة, كما قال الشاعر: (4) والأحْلامُ غَيْرُ عَوَازِب (5) وكما قال جل ثناؤه: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ، [سورة النازعات: 41]، يعني: هي مأواه.
(6) * * * وقوله: " من كل شيء "، يقول: من التذكير والتنبيه على عظمة الله وعز سلطانه= " موعظة "، لقومه ومن أمر بالعمل بما كتب في الألواح (7) = " وتفصيلا لكل شيء "، يقول: وتبيينًا لكل شيء من أمر الله ونهيه.
(8) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15106- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد =: أو سعيد بن جبير، وهو في أصل كتابي: عن سعيد بن جبير= في قول الله: " وتفصيلا لكل شيء "، قال: ما أمروا به ونهوا عنه.
15107- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
15108- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء " ، من الحلال والحرام.
15109- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدا يقول في قوله: " وتفصيلاً لكل شيء " ، قال: ما أمروا به ونهوا عنه.
15110- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء "، قال عطية: (9) أخبرني ابن عباس: أن موسى صلى الله عليه وسلم انْصَلتَ لما كربه الموت، (10) قال: هذا من أجل آدم!
قد كان الله جعلنا في دار مثوًى لا نموت, فخطأ آدم أنـزلنا هاهنا!
فقال الله لموسى: أبعث إليك آدم فتخاصمه؟
قال: نعم!
فلما بعث الله آدم, سأله موسى, فقال أبونا آدم عليهما السلام: يا موسى، سألت الله أن يبعثني لك!
قال موسى: لولا أنت لم نكن هاهنا!
قال له آدم: أليس قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلا أفلست تعلم أنه ما أصاب في الأرض من مصيبة ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن يبرأها؟
(11) قال موسى: بلى!
فخصَمه آدم صلى الله عليهما.
(12) 15111- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول في قوله: " وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء "، قال: كتب له: لا تشرك بي شيئًا من أهل السماء ولا من أهل الأرض، فإن كل ذلك خلقي.
لا تحلف باسمي كاذبًا, فإن من حلف باسمي كاذبًا فلا أزكِّيه, ووقِّر والديك.
* * * القول في تأويل قوله : فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقلنا لموسى إذ كتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء: خذ الألواح بقوة.
* * * وأخرج الخبر عن " الألواح "، والمراد ما فيها.
* * * واختلف أهل التأويل في معنى " القوة "، في هذا الموضع.
فقال بعضهم: معناها بجدٍّ.
* ذكر من قال ذلك: 15112- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا ابن عيينة قال، قال أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس: " فخذها بقوة "، قال: بجدّ.
10113- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فخذها بقوّة "، قال: بجد واجتهاد.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك، فخذها بالطاعة لله.
* ذكر من قال ذلك: 15114- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس في قوله: " فخذها بقوة "، قال: بالطاعة.
* * * وقد بينا معنى ذلك بشواهده، واختلاف أهل التأويل فيه، في " سورة البقرة " عند قوله: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [سورة البقرة: 63] فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
(13) * * * القول في تأويل قوله : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى: " وأمر قومك "، بني إسرائيل = " يأخذوا بأحسنها "، يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها، كما:- 15115- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وأمر قومك يأخذوا بأحسنها "، بأحسن ما يجدون فيها.
15116- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس: " وأمر قومك يأخذوا بأحسنها "، قال: أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه.
* * * فإن قال قائل: وما معنى قوله: " وأمر قومك يأخذوا بأحسنها "، أكان من خصالهم ترك بعض ما فيها من الحسن؟.
قيل: لا ولكن كان فيها أمرٌ ونهيٌ, فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله، ويتركوا ما نهاهم عنه, فالعمل بالمأمور به، أحسنُ من العمل بالمنهي عنه.
* * * القول في تأويل قوله : سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لموسى، إذ كتب في الألواح من كل شيء: خذها بجدّ في العمل بما فيها واجتهاد, وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فيها, وانههم عن تضييعها وتضييع العمل بما فيها والشرك بي, فإن من أشرك بي منهم ومن غيرهم, فإني سأريه في الآخرة عند مصيره إليّ، " دارَ الفاسقين ", وهي نار الله التي أعدها لأعدائه.
(14) * * * وإنما قال: " سأريكم دار الفاسقين "، كما يقول القائل لمن يخاطبه: " سأريك غدًا إلامَ يصير إليه حال من خالف أمري!"، على وجه التهدُّد والوعيد لمن عصاهُ وخالف أمره.
(15) * * * وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك: 15117- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " سأريكم دار الفاسقين "، قال: مصيرهم في الآخرة.
15118- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
15119- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا مبارك, عن الحسن, في قوله: " سأريكم دار الفاسقين "، قال: جهنم.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: سأدخلكم أرض الشام, فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة.
* ذكر من قال ذلك: 15120- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " سأريكم دار الفاسقين "، منازلهم.
15121- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " دار الفاسقين "، قال: منازلهم.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون, وهي مصر.
* ذكر من قال ذلك: ..................................................................................................
..................................................................................................
(16) * * * قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك, لأن الذي قبل قوله جل ثناؤه: " سأريكم دار الفاسقين "، أمرٌ من الله لموسى وقومه بالعمل بما في التوراة.
فأولى الأمور بحكمة الله تعالى أن يختم ذلك بالوعيد على من ضيّعه وفرَّط في العمل لله، وحاد عن سبيله, دون الخبر عما قد انقطع الخبر عنه، أو عما لم يجر له ذكر.
----------------- الهوامش : (4) (1) هو النابغة الذبيانى .
(5) (2) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 5 : 160 ، تعليق: 3 ، ولم يذكر هناك موضعه هناك ، فليقيد ، والبيت ، بروايته آنفاً :لَهُـمْ شِـيمَةٌ لـم يُعْطِهـا الدَّهْرُ غَيْرَهُمْ مـن النـاسِ ، فَـالأحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ (6) (3) انظر ما سلف 5 : 160 ، 161 .
(7) (4) انظر تفسير (( الموعظة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وعظ ).
(8) (5) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف ص : 68 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(9) (1) هو (( عطية العوفي )) ، وهو جد (( محمد بن سعد )) الأعلى .
انظر تفسير هذا الإسناد في رقم : 305 .
(10) (2) في المطبوعة ، والدر المنثور 3 : 21 : (( أن موسى صلى الله عليه وسلم لما كربه الموت )) .
أسقط الذي كتبت : (( انصلت )) ، وهي في المخطوطة هكذا : (( الطيب )) غير منقوطة ، ولم أجد لها لفظاً يطابق رسمها ، ويجرى في معناها أقرب من (( انصلت )) .
يقال : (( انصلت في الأمر )) ، إذا انجرد وأسرع .
يقال : (( انصلت يعدو )) إذا أسرع ، و (( المنصلت )) : المسرع من كل شيء .
وقد روى البخاري في صحيحة ، عن أبي هريرة قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام .
فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه عز وجل فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد أن يموت ، الحديث .
فكأن هذا كان منه لما كره الموت وأبغضه ، فأسرع لما رآه يقول ما قال .
هذا ما رأيت ، وفوق كل ذي علم عليم .
وانظر أخبار وفاة موسى عليه السلام في البداية والنهاية 1 : 316 - 319 .
(11) (1) هذا تضمين آية (( سورة الحديد )) : 22 .
(12) (2) الأثر : 15110 - هذا خبر ضعيف الإسناد جداً ، كما سلف في شرح إسناده رقم : 305 .
واحتجاج آدم وموسى عليهما السلام ، روى خبره البخاري ومسلم ، وسائر كتب السنن ، وانظر فصلا جيداً جمعه ابن كثير في البداية والنهاية 1 : 81 - 85 .
ويقال : (( خاصمه ، فخصمه )) أي غلبه في الخصام .
وهو الاحتجاج .
(13) (1) انظر ما سلف 2 : 160 ، 161 .
(14) (1) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف .
ص : 11 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(15) (2) في المطبوعة (( على وجه التهديد )) وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض الصواب .
(16) (1) هكذا بياض بالمخطوطة قدره خمسة أسطر ، وبهامش المخطوطة بالمداد الأحمر : (( نقص ، كذا الأصل )) .
قوله تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقينقوله تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء يريد التوراة .
وروي في الخبر أنه قبض عليه جبريل عليه السلام بجناحه فمر به في العلا حتى أدناه حتى سمع صريف القلم حين كتب الله له الألواح ; ذكره الترمذي الحكيم .
وقال مجاهد : كانت الألواح من زمردة خضراء .
ابن جبير : من ياقوتة حمراء .
أبو العالية : من زبرجد .
الحسن : من خشب ; نزلت من السماء .
وقيل : من صخرة صماء ، لينها الله لموسى عليه السلام فقطعها بيده ثم شقها بأصابعه ; فأطاعته كالحديد لداود .
قال مقاتل : أي كتبنا له في الألواح كنقش الخاتم .
ربيع بن أنس : نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير .
وأضاف الكتابة إلى نفسه على جهة التشريف ; إذ هي مكتوبة [ ص: 253 ] بأمره كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر .
واستمد من نهر النور .
وقيل : هي كتابة أظهرها الله وخلقها في الألواح .
وأصل اللوح : لوح " بفتح اللام " ; قال الله تعالى : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ .
فكأن اللوح تلوح فيه المعاني .
ويروى أنها لوحان ، وجاء بالجمع لأن الاثنين جمع .
ويقال : رجل عظيم الألواح إذا كان كبير عظم اليدين والرجلين .
ابن عباس : وتكسرت الألواح حين ألقاها فرفعت إلا سدسها .
وقيل : بقي سبعها ورفعت ستة أسباعها .
فكان في الذي رفع تفصيل كل شيء ، وفي الذي بقي الهدى والرحمة .
وأسند أبو نعيم الحافظ عن عمرو بن دينار قال : بلغني أن موسى بن عمران نبي الله صلى الله عليه وسلم صام أربعين ليلة ; فلما ألقى الألواح تكسرت فصام مثلها فردت إليه .
ومعنى من كل شيء مما يحتاج إليه في دينه من الأحكام وتبيين الحلال والحرام ; عن الثوري وغيره .
وقيل : هو لفظ يذكر تفخيما ولا يراد به التعميم ; تقول : دخلت السوق فاشتريت كل شيء .
وعند فلان كل شيء .
و تدمر كل شيء .
وأوتيت من كل شيء .
وقد تقدم .موعظة وتفصيلا لكل شيء أي لكل شيء أمروا به من الأحكام ; فإنه لم يكن عندهم اجتهاد ، وإنما خص بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم .فخذها بقوة في الكلام حذف ، أي فقلنا له : خذها بقوة ; أي بجد ونشاط .
نظيره خذوا ما آتيناكم بقوة وقد تقدم .وأمر قومك يأخذوا بأحسنها أي يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي ، ويتدبروا الأمثال والمواعظ .
نظيره واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم .
وقال : فيتبعون أحسنه .
والعفو أحسن من الاقتصاص .
والصبر أحسن من الانتصار .
وقيل : أحسنها الفرائض والنوافل ، وأدونها المباح .سأريكم دار الفاسقين قال الكلبي : دار الفاسقين ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود ، والقرون التي أهلكوا .
وقيل : هي جهنم ; عن الحسن ومجاهد .
أي فلتكن منكم على ذكر ، فاحذروا أن تكونوا منها .
وقيل : أراد بها مصر ; أي سأريكم ديار القبط ومساكن فرعون خالية عنهم ; عن ابن جبير .
قتادة : المعنى سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها ; يعني الشأم .
وهذان القولان يدل عليهما وأورثنا القوم الآية .
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض الآية ، وقد تقدم .
وقرأ ابن عباس وقسامة بن زهير ( سأورثكم ) من ورث .
وهذا ظاهر .
وقيل : الدار الهلاك ، وجمعه أدوار .
وذلك أن الله تعالى لما أغرق فرعون [ ص: 254 ] أوحى إلى البحر أن اقذف بأجسادهم إلى الساحل ، قال : ففعل ; فنظر إليهم بنو إسرائيل فأراهم هلاك الفاسقين .
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه العباد مَوْعِظَةً ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد على إقامتها، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر اللّه - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة.
سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ بعد ما أهلكهم اللّه، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون.
قوله - عز وجل - : ( وكتبنا له ) يعني لموسى ، ( في الألواح ) قال ابن عباس : يريد ألواح التوراة ، وفي الحديث : " كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنا عشر ذراعا " .
وجاء في أحاديث خلق الله آدم بيده : " وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده " .
وقال الحسن : كانت الألواح من خشب .
قال الكلبي كانت من زبرجدة خضراء .
وقال سعيد بن جبير : كانت من ياقوت أحمر ، وقال الربيع بن أنس : كانت الألواح من برد .
قال ابن جريج : كانت من زمرد ، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن ، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وقال وهب : أمره الله بقطع الألواح من صخرة صماء لينها الله له فقطعها بيده ثم شققها بأصبعه ، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشرة وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة ، وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى .
.
وقال مقاتل ووهب : ( وكتبنا له في الألواح ) كنقش الخاتم وقال الربيع بن أنس : نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير ، يقرأ الجزء منه في سنة ، لم يقرأه إلا أربعة نفر : موسى ، ويوشع ، وعزير ، وعيسى .
وقال الحسن : هذه الآية في التوراة ألف آية يعني " وكتبنا له في الألواح ( من كل شيء ) مما أمروا به ونهوا عنه ، ( موعظة ) نهيا عن الجهل ، وحقيقة الموعظة : التذكرة والتحذير بما يخاف عاقبته ، ( وتفصيلا لكل شيء ) أي : تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام .
( فخذها بقوة ) أي : بجد واجتهاد ، وقيل : بقوة القلب وصحة العزيمة ، لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور ، ( وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ) قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : يحلوا حلالها ، ويحرموا حرامها ، ويتدبروا أمثالها ، ويعملوا بمحكمها ، ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه ، فأمر بما لم يؤمروا به .
قال قطرب : بأحسنها أي بحسنها ، وكلها حسن .
وقيل : أحسنها الفرائض والنوافل ، وهي ما يستحق عليها الثواب ، وما دونها المباح ، لأنه لا يستحق عليه الثواب .
وقيل : بأحسنها بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من القصاص ، والصبر أحسن من الانتصار .
( سأريكم دار الفاسقين ) قال مجاهد : مصيرها في الآخرة .
قال الحسن وعطاء : يعني جهنم ، يحذركم أن تكونوا مثلهم .
وقال قتادة وغيره : سأدخلكم الشأم فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها .
قال عطية العوفي : أراد دار فرعون وقومه وهي مصر ، يدل عليه قراءة قسامة بن زهير : " سأورثكم دار الفاسقين " ، وقال السدي : دار الفاسقين مصارع الكفار .
وقال الكلبي : ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا .
«وكتبا له في الألواح» أي ألواح التوراة وكانت من سدر الجنة أو زبرجد أو زمرد سبعة أو عشرة «من كل شيء» يحتاج إليه في الدين «موعظة وتفصيلا» تبينا «لكل شيء» بدل من الجار والمجرور قبله «فخذها» قبله قلنا مقدرا «بقوة» بجد واجتهاد «وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين» فرعون وأتباعه وهي مصر لتعتبروا بهم.
وكتبنا لموسى في التوراة من كل ما يحتاج إليه في دينه من الأحكام، موعظة للازدجار والاعتبار وتفصيلا لتكاليف الحلال والحرام والأمر والنهي والقصص والعقائد والأخبار والمغيبات، قال الله له: فخذها بقوة، أي: خذ التوراة بجد واجتهاد، وأمر قومك يعملوا بما شرع الله فيها؛ فإن مَن أشرك منهم ومِن غيرهم فإني سأريه في الآخرة دار الفاسقين، وهي نار الله التي أعدَّها لأعدائه الخارجين عن طاعته.
ثم فصل - سبحانه - بعض النعم التى منحها لنبيه موسى وقال : ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) .والمراد بالألواح كما قال ابن عباس - ألواح التوراة ، واختلف فى عددها فقيل : سبعة ألواح وقيل عشرة ألواح وقيل أكثر من ذلك .
كما اختلف فى شأنها فقيل كانت من سدر الجنة ، وقيل كانت من زبرجد أو زمرد .
.
.
إلخ .والذى نراه تفويض معرفة ذلك إلى الله - تعالى - لأنه لم يرد نص صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى عددها أو كيفيتها .والمعنى : وكتبنا لموسى - عليه السلام - فى ألواح التوراة من كل شىء يحتاجون إليه من الحلا والحرام ، والمحاسن والقبائح .
ليكون ذلك موعظة لهم من شأنها أن تؤثر فى قلوبهم ترغيباً وترهيباً .
كما كتبنا له فى تلك الألواح تفصيل كل شىء يتعلق بأمر هذه الرسالة الموسوية .وإسناد الكتابة إليه - تعالى - إما على معنى أن ذلك كان بقدرته - تعالى - وصنعه ولا كسب لأحد فيه ، وإما على معنى أنها كتبها بأمره ووحيه سواء كان الكاتب لها موسى أو ملك من ملائكته - عز وجل - .قال صاحب المنار : قال بعض المفسرين : إن الألواح كانت مشتملة على التوراة : وقال بعضهم بل كانت قبل التوراة .
والراجح أنها كانت أول ما أوتيته من وحى التشريع فكانت أصل التوراة الإجالى ، وكانت سائر الأحكام من العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل يخاطبه بها الله - تعالى - فى أوقات الحاجة إليها " .وقوله ( مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) بدل من قوله ( مِن كُلِّ شَيْءٍ ) باعتبار محله وهو النصب لأن من مزيدة كما يرى كثير من النحاة .
أى : كتبنا له فيها كل شىء من المواعظ وتفصيل الأحكام .والضمير فى قوله - تعالى - ( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ) يعود إلى الألواح .
والفاء عاطفة لمحذوف على كتبنا ، والمحذوف هو لفظ قلنا وقوله ( بِقُوَّةٍ ) حال من فاعل خذها أى : كتبنا له فى الألواح من كل شىء ، وقلنا له خذها بقوة أى بجد وحزم ، وصبر وجلد ، لأنه - عليه السلام - قد أرسل إلى قوم طال عليهم الأمد وهم فى الذل والاستعباد ، فإذا لم يكن المتولى لإرشادهم وإلى ما فيه هدايتهم ذا قوة وصبر ويقين ، فإنه قد يعجز عن تربيتهم .
ويفشل فى تنفيذ أمر الله فيهم .قال الجمل : وقوله - تعالى - ( وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ) أى التوراة ومعنى بأحسنها بحسنها إذ كل ما فيها حسن ، أو أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر ، وفعل الخير أحسن من ترك الشر ، وذلك لأن الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان تحمل على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها إلى الصواب .أو أن فيها حسناً وأحسن كالقود والعفو ، والانتصار والصبر ، والمأمور به والمباح فأمروا بأن يأخذوا بما هو أكثر ثوابا .وقوله - تعالى - ( سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ) توكيد لأمر القوم بالأخذ بالأحسن وبعث عليه على نهج الوعيد والتهديد .أى : سأريكم عاقبة من خالف أمرى ، وخرج عن طاعتى ، كيف يصير إلى الهلاك والدمار ، فتلك سنتى التى لا تتغير ولا تتبدل .قال ابن كثير : وإنما قال ( سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ) كما يقول القائل لمن يخاطبه : سأريك غداً ما يصير إليه حال من خالفنى على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره .وقيل المراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه وهى مصر ، كيف أقفرت منهم ودمروا لفسهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فيصيبكم ما أصابهم .وقيل المراد بها منازل عاد وثمود والأقوام الذين هلكوا بسبب كفرهم .وقيل المراد بها أرض الشام التى كان يسكنها الجبارون .
فإنهم لم يدخلوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر على يد يوشع بن نون .والذى نراه أن الرأى الأول أرجح ، لأن الآية الكريمة تحكى سنة من سنن الله فى خلقه ، وهذه السنة تتمثل فى أن كل دار تفسق عن أمر ربها تكون عاقبتها الذل والدمار ، ولأنه لم يرد حديث صحيح يعين المراد بدار الفاسقين .فالآية الكريمة قد اشتملت على جانب من مظاهر نعم الله على نبيه موسى - عليه السلام - كما اشتملت على الأمر الصريح منه - سبحانه - له بأن يهيىء نفسه لحمل تكاليف الرسالة بعزم وصبر ، وأن يأمر قومه بأن يأخذوا بأكملها وأعلاها بدون ترخيص أو تحايل ، لأنهم قوم كانت طبيعتهم رخوة وعزيمتهم ضعيفة ، ونفوسهم منحرفة .
كما اشتملت على التحذير الشديد لكل من يخرج عن طاعة الله وينتهك حرماته .
اعلم أنه تعالى لما بين أنه خص موسى-عليه السلام- بالرسالة ذكر في هذه الآية تفصيل تلك الرسالة فقال: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الالواح ﴾ نقل صاحب الكشاف عن بعضهم: أن موسى خر صعقاً يوم عرفة.
وأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر، وذكروا في عدد الألواح، وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح.
وقيل: سبعة.
وقيل إنها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام.
وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء.
وقال الحسن: كانت من خشب نزلت من السماء.
وقال وهب: كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى عليه السلام، وأما كيفية الكتابة.
فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور.
واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح، وعلى كيفية تلك الكتابة، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه.
وأما قوله: ﴿ من كل شيء ﴾ فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح.
وأما قوله: ﴿ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَيء ﴾ فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيء ﴾ وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين: أحدهما: ﴿ مَّوْعِظَةً ﴾ والآخر ﴿ تَفْصِيلاً ﴾ لما يجب أن يعلم من الأحكام، فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية، وذلك بذكر الوعد والوعيد، ولما قرر ذلك أولاً أتبعه بشرح أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام، فقال: ﴿ وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيء ﴾ ولما شرح ذلك، قال لموسى: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ أي بعزيمة قوية ونية صادقة، ثم أمره الله تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقاً، ليكون في هذا التفصيل فائدة، ولذلك قال بعض المفسرين: إن التكليف كان على موسى عليه السلام أشد، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره، وقال بعضهم: بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء.
وإن كان مشاركاً لقومه فيما عداه، وفي قوله: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ .
سؤال: وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، وظاهر قوله: ﴿ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن، وإنه لا يجوز لهم الأخذ به، وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً: الأول: أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن، كالقصاص، والعفو، والانتصار، والصبر، أي فمرهم أن يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في الحسن، وأكثر للثواب كقوله: ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم ﴾ وقوله: ﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ .
فإن قالوا: فلما أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن، فقد منع من الأخذ بذلك الحسن، وذلك يقدح في كونه حسناً فنقول يحمل أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن على الندب حتى يزول هذا التناقض.
الوجه الثاني: في الجواب قال قطرب ﴿ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ أي بحسنها وكلها حسن لقوله تعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ وقول الفرزدق: بيتاً دعائمهُ أعز وأطول *** الوجه الثالث: قال بعضهم: الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات.
وأما قوله: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن المراد التهديد والوعيد على مخالفة أمر الله تعالى، وعلى هذا التقدير: فيه وجهان: الأول: قال ابن عباس والحسن ومجاهد دار الفاسقين هي جهنم، أي فليكن ذكر جهنم حاضراً في خاطركم لتحذروا أن تكونوا منهم.
والثاني: قال قتادة: سأدخلكم الشام وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها وما صاروا إليه من النكال.
وقال الكلبي: ﴿ دَارَ الفاسقين ﴾ هي المساكن التي كانوا يمرون عليها إذا سافروا، من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله تعالى.
والقول الثاني: أن المراد الوعد والبشارة بأنه تعالى سيورثهم أرض أعدائهم وديارهم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ذكروا في عدد الألواح وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح وقيل: سبعة.
وقيل؛ لوحين، وأنها كانت من زمرّد جاء بها جبريل عليه السلام.
وقيل: من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء.
وقيل: أمر الله موسى بقطعها من صخرة صماء لينها له، فقطعها بيده وشقها بأصابعه.
وعن الحسن كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراة، وأن طولها كان عشرة أذرع.
وقوله: ﴿ مِن كُلّ شَيْء ﴾ في محل النصب مفعول كتبنا.
و ﴿ مَّوْعِظَةٌ ﴾ وتفصيلاً بدل منه.
والمعنى: كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام.
وقيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزأ منه في سنة لم يقرأها إلاّ أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى عليهم السلام.
وعن مقاتل: كتب في الألواح: إني أنا الله الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئاً، ولا تقطعوا السبيل، ولا تحلفوا بإسمي كاذبين؛ فإن من حلف بإسمي كاذباً فلا أزكيه، ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا تعقوا الوالدين ﴿ فَخُذْهَا ﴾ فقلنا له: خذها، عطفاً على كتبنا، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ ﴾ [الأعراف: 144] والضمير في ﴿ خُذْهَا ﴾ للألواح، أو لكل شيء، لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات، أو للتوراة.
ومعنى ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بجدّ وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل ﴿ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ أي فيها ما هو حسن وأحسن، كالاقتصاص، والعفو، والانتصار، والصبر.
فمرهم أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب، كقوله تعالى: ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ [الزمر: 55] وقيل: يأخذوا بما هو واجب أو ندب، لأنه أحسن من المباح.
ويجوز أن يراد: يأخذوا بما أمروا به، دون ما نهوا عنه، على قولك: الصيف أحرّ من الشتاء ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ﴾ يريد دار فرعون وقومه وهي مصر، كيف أقفرت منهم ودمّروا لفسقهم، لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم.
وقيل: منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممرّكم عليها في أسفاركم.
وقيل: دار الفاسقين: نار جهنم.
وقرأ الحسن: ﴿ سأوريكم ﴾ وهي لغة فاشية بالحجاز.
يقال: أورني كذا، وأوريته.
ووجهه أن تكون من أوريت الزند كأنَّ المعنى بيّنه لي وأنره لأستبينه وقرئ: ﴿ سأورثكم ﴾ قراءة حسنة يصححها قوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ [الأعراف: 137] .
﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي ﴾ بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم، فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها، غفلة وانهماكاً فيما يشغلهم عنها من شهواتهم.
وعن الفضيل بن عياض: ذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عظمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي» وقيل: سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى، بأن جمع لها السحرة، فأبى الله إلاَّ علو الحقّ وانتكاس الباطل.
ويجوز: سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها.
وتسميتها سحراً بإهلاكهم.
وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم بها، لئلا يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ فيه وجهان: أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين، لأن التكبر بالحقّ لله وحده.
وأن يكون صلة لفعل التكبر، أي يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم ﴿ وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ ﴾ من الآيات المنزلة عليهم ﴿ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ﴾ وقرأ مالك بن دينار: ﴿ وإن يروا ﴾ بضم الياء.
وقرئ: ﴿ سبيل الرشد ﴾ و ﴿ الرشد ﴾ و ﴿ الرشاد ﴾ ، كقولهم: السقم والسقم والسقام.
وما أسفه من ركب المفازة، فإن رأى طريقاً مستقيماً أعرض عنه وتركه، وإن رأى معتسفاً مردياً أخذ فيه وسلكه، ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه ﴿ ذلك ﴾ في محل الرفع أو النصب على معنى: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو صرفهم الله ذلك الصرف بسبب ﴿ وَلِقَاء الآخرة ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به.
أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، ومن إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى: ولقاء ما وعد الله في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ ﴾ اخْتَرْتُكَ.
﴿ عَلى النّاسِ ﴾ أيِ المَوْجُودِينَ في زَمانِكَ، وهارُونُ وإنْ كانَ نَبِيًّا كانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِهِ ولَمْ يَكُنْ كَلِيمًا ولا صاحِبَ شَرْعٍ.
﴿ بِرِسالاتِي ﴾ يَعْنِي أسْفارَ التَّوْراةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ « بِرِسالَتِي» .
﴿ وَبِكَلامِي ﴾ وبِتَكْلِيمِي إيّاكَ.
﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ﴾ أعْطَيْتُكَ مِنَ الرِّسالَةِ.
﴿ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ عَلى النِّعْمَةِ فِيهِ.
رُوِيَ أنَّ سُؤالَ الرُّؤْيَةِ كانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وإعْطاءَ التَّوْراةِ كانَ يَوْمَ النَّحْرِ.
﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ.
﴿ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجارِ والمَجْرُورِ، أيْ وكَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ.
واخْتُلِفَ في أنَّ الألْواحَ كانَتْ عَشْرَةً أوْ سَبْعَةً، وكانَتْ مِن زُمُرُّدٍ أوْ زَبَرْجَدٍ، أوْ ياقُوتٍ أحْمَرَ أوْ صَخْرَةً صَمّاءَ لَيَّنَها اللَّهُ لِمُوسى فَقَطَعَها بِيَدِهِ وسَقَفَها بِأصابِعِهِ وكانَ فِيها التَّوْراةُ أوْ غَيْرُها.
﴿ فَخُذْها ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَطْفًا عَلى كُتُبِنا أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ﴾ والهاءُ لِلْألْواحِ أوْ لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ أوْ لِلرِّسالاتِ.
﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ.
﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ أيْ بِأحْسَنِ ما فِيها كالصَّبْرِ والعَفْوِ بِالإضافَةِ إلى الِانْتِصارِ، والِاقْتِصاصِ عَلى طَرِيقَةِ النَّدْبِ والحَثِّ عَلى الأفْضَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ .
أوْ بِواجِباتِها فَإنَّ الواجِبَ أحْسَنُ مِن غَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأحْسَنِ البالِغُ في الحُسْنِ مُطْلَقًا لا بِالإضافَةِ، وهو المَأْمُورُ بِهِ كَقَوْلِهِمُ الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ.
﴿ سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ دارَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِمِصْرَ خاوِيَةً عَلى عُرُوشِها، أوْ مَنازِلَ عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ لِتَعْتَبِرُوا فَلا تَفْسُقُوا، أوْ دارَهم في الآخِرَةِ وهي جَهَنَّمُ.
وقُرِئَ « سَأُورِيكم» بِمَعْنى سَأُبَيِّنُ لَكم مِن أوْرَيْتُ الزِّنْدَ و « سَأُورِثُكَ»، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَأوْرَثْنا القَوْمَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)
{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح} الألواح التوراة جمع لوح وكانت عشرة ألواح وقيل سبعة وكانت من زمرد وقيل من خشت نزلت من السماء فيها التوراة {مِن كُلَّ شَيْءٍ} في محل النصب على أنه مفعول كتبنا {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} بدل منه والمعنى كتبنا له كل ش كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام وقيل أنزلت التوراة وهى سبعون وقر بعير لم يقرأها كلها إلا أربعة نفر موسى ويؤشع وعزير وعيسى {فخذها} فقلنا له حذها عطفا على كتبنا والضمير للالواح أو لك شيء لأنه في معنى الأشياء {بِقُوَّةٍ} بجد وعزيمة فعل أولى العزم من
٣ -
الأعراف ١٣٧ ١٤٠ الرسل {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} أي فيها ما هو سحن وأحسن كالقصاص والعفو والانتصار والصبر فمنهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربم {سأريكم دَارَ الفاسقين} دَارَ فرعون وقومه وهي مصر ومنازل عاد وثمود والقرون المهلكه كيف اقفر منهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكّل بكم مثل نكالهم أو جهنم
﴿ وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، والمَحاسِنِ والقَبائِحِ عَلى ما قالَ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ وما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اصْطَحَبَ قَيْسُ بْنُ خَرَشَةَ وكَعْبُ الأحْبارِ حَتّى إذا بَلَغا صِفِّينَ وقَفَ كَعْبٌ ثُمَّ نَظَرَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: لَيُهْراقَنَّ بِهَذِهِ البُقْعَةِ مِن دِماءِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ لا يُهْراقُ بِبُقْعَةٍ مِنَ الأرْضِ مِثْلُهُ.
فَقالَ قَيْسٌ: ما يُدْرِيكَ؛ فَإنَّ هَذا مِنَ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ؟
فَقالَ كَعْبٌ: ما مِنَ الأرْضِ شِبْرٌ إلّا مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى مُوسى ما يَكُونُ عَلَيْهِ وما يَخْرُجُ مِنهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ظاهِرٌ في أنَّ كُلَّ شَيْءٍ أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ، ولَعَلَّ ذِكْرَ ذَلِكَ مِن بابِ الرَّمْزِ كَما نَدَّعِيهِ في القُرْآنِ.
﴿ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: كَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ، وإلى هَذا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ (مِن) مَزِيدَةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، وفي زِيادَتِها في الإثْباتِ كَلامٌ، قِيلَ: ولَمْ تُجْعَلِ ابْتِدائِيَّةً حالًا مِن (مَوْعِظَةً)، و(مَوْعِظَةً) مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ مَعْنًى، ولَمْ تُجْعَلْ (مَوْعِظَةً) مَفْعُولًا لَهُ وإنِ اسْتَوْفى شَرائِطَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ عَطْفُ (تَفْصِيلًا) عَنْ (مَوْعِظَةً)، وظاهِرٌ أنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: كَتَبْنا لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ لِتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا جَعْلُهُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ فَبَعِيدٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى.
والطِّيبِيُّ اخْتارَ هَذا العَطْفَ، وأنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، و(مَوْعِظَةً) وحْدَها بَدَلٌ، والمَعْنى: كَتَبْنا بَعْضَ كُلِّ شَيْءٍ في الألْواحِ مِن نَحْوِ السُّوَرِ والآياتِ وغَيْرِهِما مَوْعِظَةً وكَتَبْنا فِيها تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ اخْتِصاصُ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ بِالمَوْعِظَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاهْتِمامَ بِهَذا أشَدُّ والعِنايَةَ بِها أتَمُّ، ولِكَوْنِها كَذَلِكَ كَثُرَ مَدْحُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالبَشِيرِ النَّذِيرِ، وإشْعارٌ بِأنَّ المَوْعِظَةَ مِمّا يَجِبُ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ يُذْكَرُ بِهِ، ألا يَرى إلى أنَّ أكْثَرَ الفَواصِلِ التَّنْزِيلِيَّةِ والرُّدُودِ عَلى هَذا النَّمَطِ نَحْوَ: (أفَلا تَتَّقُونَ - أفَلا تَتَذَكَّرُونَ)، وإلى سُورَةِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ أُعِيدَ فِيها ما أُعِيدَ؛ وذَلِكَ لِيَسْتَأْنِفَ السّامِعُ بِهِ ادِّكارًا واتِّعاظًا ويُجَدَّدَ تَنْبِيهًا واسْتِيقاظًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البُعْدَ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ باقٍ عَلى حالِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ كَما قالَ السَّمِينُ، وقَعَ صِفَةً لَهُ، واخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي جَوْهَرِها ومِقْدارِها وكاتِبِها، فَقِيلَ: كانَتْ عَشَرَةَ ألْواحٍ، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في اللُّغَةِ لِلَوْحَيْنِ ألْواحٌ، وأنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، أمَرَ الرَّبُّ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ بِها مِن عَدَنٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ الألْواحَ كانَتْ مِن زَبَرْجَدٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّها كانَتْ مِن ياقُوتَةٍ، وأنا أقُولُ: إنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««الألْواحُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى كانَتْ مِن سِدْرِ الجَنَّةِ، كانَ طُولُ اللَّوْحِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا»».
وعَنِ الحَسَنِ أنَّها كانَتْ مِن خَشَبٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ طُولَ كُلٍّ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، وقِيلَ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَطْعِها مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيَّنَها لَهُ، فَقَطَعَها بِيَدِهِ وسَقَفَها بِأصابِعِهِ، ولا يَخْفى أنَّ أمْثالَ هَذا يَحْتاجُ إلى النَّقْلِ الصَّحِيحِ وإلّا فالسُّكُوتُ أوْلى؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُخْتارُ عِنْدِي أنَّها مِن خَشَبِ السِّدْرِ إنْ صَحَّ السَّنَدُ إلى سِلْسِلَةِ الذَّهَبِ، والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّ كاتِبَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَها بِالقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الذِّكْرَ.
والمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وخَلْقٍ كَثِيرٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها بِيَدِهِ.
وجاءَ أنَّها كُتِبَتْ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْمَعُ صَرِيفَ الأقْلامِ الَّتِي كُتِبَتْ بِها.
وهُوَ المَأْثُورُ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وجاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ بِيَدِهِ وخَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لِأشْياءَ كُونِي فَكانَتْ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ ورْدانَ بْنِ خالِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ جِبْرِيلَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ القَلَمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ عَرْشَهُ بِيَدِهِ، وكَتَبَ الكِتابَ الَّذِي عِنْدَهُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ.
وهَذا كُلُّهُ مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّها كُتِبَتْ قَبْلَ المِيقاتِ، وأُنْزِلَتْ عَلى ما قِيلَ وهي سَبْعُونَ وِقْرَ بِعِيرٍ، يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنهُ في سَنَةٍ، لَمْ يَقْرَأْها إلّا أرْبَعَةُ نَفَرٍ؛ مُوسى ويُوشَعُ وعُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
ومِمّا كُتِبَ فِيها كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذِكْرُ أُمَّتِهِ وما ادَّخَرَ لَهم عِنْدَهُ، وما يَسَّرَ عَلَيْهِمْ في دِينِهِمْ، وما وسَّعَ عَلَيْهِمْ فِيما أحَلَّ لَهم حَتّى إنَّهُ جاءَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَجِبَ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَتَّهُ وتَمَنّى أنْ يَكُونَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وغَيْرُهُما، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««كانَ فِيما أعْطى اللَّهُ تَعالى مُوسى في الألْواحِ: يا مُوسى، لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا؛ فَقَدْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وُجُوهَ المُشْرِكِينَ النّارُ، واشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ أقِكَ المَتالِفَ، وأُنْسِئْكَ في عُمْرِكَ، وأُحْيِكَ حَياةً طَيِّبَةً، وأقْلِبْكَ إلى خَيْرٍ مِنها، ولا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ فَتَضِيقُ عَلَيْكَ الأرْضُ بِرَحْبِها، والسَّماءُ بِأقْطارِها، وتَبُوءُ بِسَخَطِي والنّارِ، ولا تَحْلِفْ بِاسْمِي كاذِبًا ولا آثِمًا؛ فَإنِّي لا أُطَهِّرُ ولا أُزَكِّي مَن لَمْ يُنَزِّهْنِي ويُعَظِّمْ أسْمائِي، ولا تَحْسُدِ النّاسَ عَلى ما أعْطَيْتُهم مِن فَضْلِي، ولا تَنْفَسْ عَلَيْهِ نِعْمَتِي ورِزْقِي؛ فَإنَّ الحاسِدَ عَدُوُّ نِعْمَتِي، رادٌّ لِقَضائِي، ساخِطٌ لِقِسْمَتِي الَّتِي أقْسِمُ بَيْنَ عِبادِي، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنهُ ولَيْسَ مِنِّي، ولا تَشْهَدْ بِما لَمْ يَعِ سَمْعُكَ، ويَحْفَظْ عَقْلُكَ، ويُعْقَدْ عَلَيْهِ قَلْبُكَ؛ فَإنِّي واقِفٌ أهْلَ الشَّهاداتِ عَلى شَهاداتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ سائِلُهم عَنْها سُؤالًا حَثِيثًا، ولا تَزْنِ ولا تَسْرِقْ، ولا تَزْنِ بِحَلِيلَةِ جارِكَ فَأحْجُبْ عَنْكَ وجْهِي وتُغْلَقْ عَنْكَ أبْوابُ السَّماءِ، وأحِبَّ لِلنّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، ولا تَذْبَحَنَّ لِغَيْرِي؛ فَإنِّي لا أقْبَلُ مِنَ القُرْبانِ إلّا ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمِي وكانَ خالِصًا لِوَجْهِي، وتَفَرَّغْ لِي يَوْمَ السَّبْتِ وفَرِّغْ لِي نَفْسَكَ وجَمِيعَ أهْلِ بَيْتِكَ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ السَّبْتَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِيدًا، واخْتارَ لَنا الجُمُعَةَ فَجَعَلَها عِيدًا»».
﴿ فَخُذْها بِقُوَّةٍ ﴾ أيْ: بِجِدٍّ وحَزْمٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: والجُمْلَةُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَطْفًا عَلى: ( كَتَبْنا ) وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ، والدّاعِي لِهَذا التَّقْدِيرِ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي رِعايَةُ المُناسَبَةِ لِ ( كَتَبْنا لَهُ ) لِأنَّهُ جاءَ عَلى الغَيْبَةِ، ولَوْ كانَ بَدَلُهُ كَتَبْنا لَكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ، وأمّا حَدِيثُ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الأخْبارِ فَلا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ إذا كانَ بِالفاءِ.
وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِأجْنَبِيٍّ وهو جُمْلَةُ كَتَبْنا المَعْطُوفَةُ عَلى جُمْلَةِ: (قالَ)، وهو تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْألْواحِ أوْ لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ، والعُمُومُ لا يَكْفِي في عَوْدِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ بِدُونِ تَأْوِيلِهِ بِالجَمْعِ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ لِلتَّوْراةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، والقائِلُ بِالبَدَلِيَّةِ جَعَلَهُ عائِدًا إلى الرِّسالاتِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُلْتَبِسًا بِقُوَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: مُلْتَبِسَةً بِقُوَّةِ بَراهِينِها، والأوَّلُ أوْضَحُ، وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، أيْ: أخْذًا بِقُوَّةٍ.
﴿ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ أيْ: أحْسَنِها، فالباءُ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِالباءِ أصْلِيَّةً وهو الظّاهِرُ، وحِينَئِذٍ فَهي إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِ يَأْخُذُوا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَعْمَلُوا، أوْ هو مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى السِّيرَةِ، ومِنهُ أخَذَ أخْذَهَمْ أيْ: سارَ سَيْرَهم وتَخَلَّقَ بِخَلائِقِهِمْ كَما نَقُولُ، وإمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، ومَفْعُولُ يَأْخُذُوا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أنْفُسَهم كَما قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن أمْرِهِمْ أخْذُهُمْ، أيْ: إنْ تَأْمُرْهم ويُوَفِّقْهُمُ اللَّهُ تَعالى يَأْخُذُوا، وقِيلَ: بِتَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ فِيهِ بِناءً عَلى جَوازِ ذَلِكَ بَعْدَ أمْرٍ مِنَ القَوْلِ أوْ ما هو بِمَعْناهُ كَما هُنا، وإضافَةُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ هُنا عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ كَإضافَتِهِ فِي: زَيْدٌ أحْسَنُ النّاسِ، وهي عَلى المَشْهُورِ مَحْضَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: إنَّها لَفْظِيَّةٌ، ويُوهِمُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ أنَّها عَلى مَعْنى في ولَيْسَ بِهِ، والمَعْنى بِأحْسَنِ الأجْزاءِ الَّتِي فِيها، ومَعْنى أحْسَنِيَّتِها اشْتِمالُها عَلى الأحْسَنِ كالصَّبْرِ فَإنَّهُ أحْسَنُ بِالإضافَةِ إلى الِانْتِصارِ، أيْ: مُرْهم يَأْخُذُوا بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ النَّدْبِ والحَثِّ عَلى الأفْضَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ أوِ المَعْنى بِأحْسَنِ أحْكامِها، والمُرادُ بِهِ الواجِباتُ؛ فَإنَّها أحْسَنُ مِنَ المَندُوباتِ والمُباحاتِ، أوْ هي والمَندُوباتُ عَلى ما قِيلَ فَإنَّها أحْسَنُ مِنَ المُباحاتِ.
وقِيلَ: إنَّ الأحْسَنَ بِمَعْنى البالِغِ في الحُسْنِ مُطْلَقًا لا بِالإضافَةِ وهو المَأْمُورُ بِهِ ومُقابِلُهُ المَنهِيُّ عَنْهُ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ حَيْثُ قالَ: أمَرُوا بِالخَيْرِ ونَهَوْا عَنِ الشَّرِّ وعَرَفُوا ما لَهم وما عَلَيْهِمْ فَقِيلَ: ﴿ وأْمُرْ قَوْمَكَ ﴾ إلَخْ.
فافْعَلْ نَظِيرَهُ في قَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ.
فَإنَّهُ بِمَعْنى: الصَّيْفُ في حَرِّهِ أبْلَغُ مِنَ الشِّتاءِ في بَرْدِهِ؛ إذْ تَفْضِيلُ حَرارَةِ الصَّيْفِ عَلى حَرارَةِ الشِّتاءِ غَيْرُ مُرادَةٍ بِلا شُبْهَةٍ.
ويُقالُ هُنا: المَأْمُورُ بِهِ أبْلَغُ في الحُسْنِ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ في القُبْحِ.
وتَفْصِيلُ ما في المَقامِ عَلى ما ذَكَرَهُ الدَّمامِينِيُّ في تَعْلِيقِهِ عَلى المَصابِيحِ ونَقَلَهُ عَنْهُ الشِّهابُ أنَّ لِأفْعَلَ أرْبَعُ حالاتٍ: إحْداها: وهي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ: أنْ يَدُلَّ عَلى ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ اتِّصافُ مَن هو لَهُ بِالحَدَثِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنهُ، وبِهَذا كانَ وصْفًا، الثّانِي: مُشارَكَةٌ مَصْحُوبَةٌ في تِلْكَ الصِّفَةِ، الثّالِثُ: مَزِيَّةٌ مَرْصُوفَةٌ عَلى مَصْحُوبَةٍ فِيها، وبِكُلٍّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فارَقَ غَيْرَهُ مِنَ الصِّفاتِ، وثانِيَتُها: أنْ يَخْلَعَ عَنْهُ ما امْتازَ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ ويَتَجَرَّدَ لِلْمَعْنى الوَصْفِيِّ، وثالِثَتُها: أنْ تُبْقى عَلَيْهِ مَعانِيهِ الثَّلاثَةُ ولَكِنْ يُخْلَعُ عَنْهُ قَيْدُ المَعْنى الثّانِي، ويَخْلُفُهُ قَيْدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى الثّانِيَ وهو الِاشْتِراكُ كانَ مُقَيَّدًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي هي المَعْنى الأوَّلُ، فَيَصِيرُ مُقَيَّدًا بِالزِّيادَةِ الَّتِي هي المَعْنى الثّالِثُ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى في قَوْلِهِمْ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ؛ أنَّ لِلْعَسَلِ حَلاوَةً وأنَّ تِلْكَ الحَلاوَةَ ذاتُ زِيادَةٍ، وأنَّ زِيادَةَ حَلاوَةِ العَسَلِ أكْثَرُ مِن زِيادَةِ حُمُوضَةِ الخَلِّ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ ابْنُ هِشامٍ في حَواشِي التَّسْهِيلِ وهو بَدِيعٌ جِدًّا، ورابِعَتُها: أنْ يُخْلَعَ عَنْهُ المَعْنى الثّانِي وهو المُشارَكَةُ، وقُيِّدَ المَعْنى الثّالِثُ وهو كَوْنُ الزِّيادَةِ عَلى مُصاحِبِهِ فَيَكُونُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ بِالحَدَثِ وعَلى زِيادَةٍ مُطْلَقَةٍ لا مُقَيَّدَةٍ؛ وذَلِكَ في نَحْوِ: يُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ.
انْتَهى.
وعَدَمُ اشْتِراكِ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عَنْهُ في الحُسْنِ المُرادِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ وإنْ كانَ الحُسْنُ مُطْلَقًا كَما في البَحْرِ مُشْتَرَكًا فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ أحْسَنُ مِن حَيْثُ الِامْتِثالُ وتَرَتُّبُ الثَّوابِ عَلَيْهِ، والمَنهِيُّ عَنْهُ حَسَنٌ بِاعْتِبارِ المَلاذِ والشَّهْوَةِ.
وقالَ قُطْرُبٌ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحْيِي السُّنَّةِ: المَعْنى: يَأْخُذُوا بِحَسَنِها وكُلُّها حَسَنٌ، وهو ظاهِرٌ في حَمْلِ أفْعَلَ عَلى الحالَةِ الثّانِيَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: يَأْخُذُوا بِها وأحْسَنَ صِلَةً.
ولَيْسَ لَهُ مِنَ القَبُولِ عائِدٌ.
وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ: يَأْخُذُوا بِالنّاسِخِ دُونَ المَنسُوخِ، وقِيلَ: الأخْذُ بِالأحْسَنِ هو أنْ تُحْمَلَ الكَلِمَةُ المُحْتَمِلَةُ لِمَعْنَيَيْنِ أوْ لِمَعانٍ عَلى أشْبَهِ مُحْتَمَلاتِها بِالحَقِّ وأقْرَبِها لِلصَّوابِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الأخْذُ عَلى الشُّرُوعِ كَما في قَوْلِكَ: أخَذَ زَيْدٌ يَتَكَلَّمُ.
أيْ: شَرَعَ في الكَلامِ، والأحْسَنُ عَلى العَقائِدِ فَيَكُونُ المُرادُ أمَرَهم لِيَشْرَعُوا بِالتَّحَلِّي بِالعَقائِدِ الحَقَّةِ، وهي -لِكَوْنِها أُصُولَ الدِّينِ ومَوْقُوفَةً عَلَيْها صِحَّةُ الأعْمالِ- أحْسَنُ مِن غَيْرِها مِنَ الفُرُوعِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِأمْرِهِمْ بِجَمِيعِ ما فِيها كَما لا يَخْفى فَإنَّ أخَذَ بِالمَعْنى المَعْنِيِّ مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ لَيْسَ هَذا اسْتِعْمالَها المَعْهُودَ في كَلامِهِمْ عَلى أنَّ فِيهِ بُعْدَ ما فِيهِ، ومِثْلُ هَذا كَوْنُ ضَمِيرِ أحْسَنِها عائِدًا إلى قُوَّةٍ عَلى مَعْنى مُرْهم يَأْخُذُوها بِأحْسَنِ قُوَّةٍ وعَزِيمَةٍ، فَيَكُونُ أمْرًا مِنهُ سُبْحانَهُ أنْ يَأْمُرَهم بِأخْذِها كَما أمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ سُبْحانَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى اكْتَفى في أمْرِهِ عَنْ ذِكْرِ الأحْسَنِ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّنْوِينُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ خِلافُ المَأْثُورِ المُنْساقِ إلى الفَهْمِ مَعَ أنّا لَمْ نَجِدْ في كَلامِهِمْ أحْسَنَ قُوَّةً، ومَفْعُولُ يَأْخُذُوا عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ كَما في بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ السّابِقَةِ غَيْرَ أنَّهُ فَرْقٌ ظاهِرٌ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ.
﴿ سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ تَوْكِيدٌ لِأمْرِ القَوْمِ بِالأخْذِ بِالأحْسَنِ وبَعَثَ عَلَيْهِ عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ مِن أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ دارُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِمِصْرَ، ورَأى بَصَرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً والمَفْعُولُ الثّالِثُ مَحْذُوفٌ، أيْ: سَأُرِيكم إيّاها خاوِيَةً عَلى عُرُوشِها لِتَعْتَبِرُوا وتَجِدُّوا ولا تَهاوَنُوا في امْتِثالِ الأمْرِ ولا تَعْمَلُوا أعْمالَ أهْلِها لِيَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وحَسَّنَ مَوْقِعَهُ قَصْدُ المُبالِغَةِ في الحَثِّ وفي وضْعِ الإراءَةِ مَوْضِعَ الِاعْتِبارِ إقامَةُ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ مُبالَغَةً أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ﴾ وفي وضْعِ (دارَ الفاسِقِينَ) مَوْضِعَ أرْضِ مِصْرَ الإشْعارُ بِالعِلِّيَّةِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنْ يَحْتَرِزُوا ولا يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ مِنَ الفِسْقِ، والسِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلى مِصْرَ كَما في الكَشْفِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِدارِ الفاسِقِينَ مَنازِلُ عادٍ وثَمُودَ والقُرُونِ الَّذِينَ هَلَكُوا، وعَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِها جَهَنَّمُ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى النَّهْجِ الأوَّلِ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى نَهْجِ الوَعْدِ والتَّرْغِيبِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، أيْضًا مِن أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ أرْضُ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ بِالشّامِ؛ فَإنَّها مِمّا أُبِيحَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكُتِبَ لَهم حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ومَعْنى الإراءَةِ الإدْخالُ بِطَرِيقِ الإيراثِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ: (سَأُورِثُكُمْ) وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالدّارِ مِصْرُ، وفي الكَلامِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وإرادَةِ أرْضِ مِصْرَ مِنَ الدّارِ تَغْلِيبٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: سَأُورِثُكَ وقَوْمَكَ أرْضَ مِصْرَ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَيْها إذا أُرِيدَ مِنَ الدّارِ أرْضَ الجَبابِرَةِ بِناءً عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْخُلْها، وإنَّما دَخَلَها مَعَ القَوْمِ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَصِحُّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَها ويُوشَعُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، وجُوِّزَ اعْتِبارُ التَّغْلِيبِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا، وقَرَأ الحَسَنُ: (سَأُورِيكُمْ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وواوٍ ساكِنَةٍ وراءٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ وهي لُغَةٌ فاشِيَةٌ في الحِجازِ، والمَعْنى: سَأُبَيِّنُ لَكم ذَلِكَ وأُنَوِّرُهُ عَلى أنَّهُ مِن أوْرَيْتُ الزَّنْدَ، واخْتارَ ابْنُ جِنِّيٍّ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ -ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ- أنَّها عَلى الإشْباعِ كَقَوْلِهِ: ؎مِن حَيْثُما سَلَكُوا ادْنُوا فانْظُرُوا <div class="verse-tafsir"
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- ما- أنه قال: أعطى الله تعالى موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد فيها تبيان لكل شيء وموعظة.
قال: التوراة مكتوبة.
ويقال: طول الألواح عشرة أذرع مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً من الجهل وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ يعني: تبياناً لكل شيء من الحلال والحرام.
قال الفقيه- رحمه الله تعالى-: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال: حدثنا أبو بكر بن أبي العوام.
قال: حدثنا أبي قال: حدثنا يحيى بن سابق عن خيثمة بن خليفة عن ربيعة عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله يقول: «كَانَ فِيمَا أَعْطَى الله مُوسَى فِي الأَلْوَاحِ عَشَرَة أبْوَابٍ: يا مُوسَى لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً، فَقَدْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وُجُوهَ المُشْرِكِينَ النَّارُ، وَاشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، أَقِكَ المَتَالِفَ، وأنسئ لَكَ فِي عُمُرِكَ، وَأُحْيِيكَ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَأَقْلِبُكَ إلَى خَيْرِ مِنْهَا، وَلا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُهَا إلاَّ بالحَقِّ، فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الأرْضِ بِرُحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخْطِي وَنَاري، وَلا تَحْلِفْ بِاسْمِي كَاذِباً فَإنِّي لا أُطَهِّرُ ولا أُزَكِّي مَنْ لَمْ يُنَزِّهْنِي، وَلَمْ يُعَظِّمْ أَسْمَائِي، وَلا تَحْسُدِ النَّاسَ عَلَى ما آتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّ الحَاسِدَ عَدُوٌّ لِنِعْمَتِي، رَادٌّ لِقَضَائِي، سَاخِطٌ لِقِسْمَتِي، الَّتي أَقْسِمُ بَيْنَ عِبَادِي، ولا تَشْهَدْ بِمَا لِمَ يَقَعْ بِسَمْعِكَ، وَيَحْفَظْ قَلْبُكَ، فَإنِّي لوَاقِفٌ أَهْلَ الشَّهَادَاتِ عَلَى شَهَادَاتِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ أَسَأَلَهُمْ عَنْهَا سُؤَالاً حَثِيثاً، وَلاَ تَزْنِ، وَلاَ تَسْرِقْ، فَأَحْجُبَ عَنْكَ وَجْهِي، وَأُغْلِقَ عَنْكَ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَأَحْبِبْ لِلنَّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ.
ولا تُذَكِّ لِغَيْرِي، فَإنِّي لا أقْبَلُ مِنَ القُربَانِ إلاَّ ما ذُكِرَ علَيْهِ اسْمِي، وَكَانَ خَالِصاً لِوَجْهِي، وَتَفَرَّغْ لِي يَوْمَ السَّبْتِ وَجَمِيعُ أهْلِ بَيْتِكَ» .
فقال النبي : «جُعِلَ يَوْمُ السَّبْتِ لِمُوسَى عِيداً وَاخْتَارَ لَنَا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَجَعَلَها لنا عِيداً» .
قوله تعالى: فَخُذْها بِقُوَّةٍ يعني: اعمل بما أمرك الله بجد ومواظبة عليها وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي يعملون بما فيها من الحلال والحرام.
ويقال: امرهم بالخير وانههم عن الشر: يعني: اعملوا بالخير وامتنعوا عن الشر.
ويقال: اعملوا بأحسن الوجوه وهو أنه لو يكافئ ظالمه وينتقم منه جاز، ولو تجاوز كان أحسن وقال الكلبي: كان موسى- - أشد عبادةً من قومه.
فأمر بما لم يؤمروا به.
يعني: أمر بأن يعمل بالمواظبة، وأمر قومه بأن يأخذوا بأحسن الفعل.
ثم قال: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ قال مقاتل: يعني: سنة أهل مصر يعني: هلاكهم حين قذفهم البحر فأراهم سنة الفاسقين في التقديم.
ويقال: جهنم هي دارُ الكافرين.
ويقال: إذا سافروا أراهم منازل عاد وثمود.
وقال مجاهد: مصيرهم في الآخر إلى النار.
قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ يعني: أصرف قلوب الذين يتكبرون عن الإيمان حتى لا يؤمنوا.
فأخذلهم بكفرهم ولا أوفقهم بتكذيبهم الأنبياء مجازاة لهم.
ويقال: أمنع قلوبهم من التفكر في أمر الدين وفي خلق السموات والأرض الذين يتكبرون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني: يتعظمون عن الإيمان لكي لا يتفكروا في السماء، ولا يعقلون فيها، ولا يذكرونها.
ويقال: سأصرف عن النعماء التي أعطيتها المؤمنين يوم القيامة أصرف عنهم تلك النعمة وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ امتنعوا منها كي لاَّ يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ يعني: طريق الحق الإسلام لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يعني: لا يتخذوه ديناً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يعني: طريق الضلالة والكفر يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي ديناً ويتّبعونه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا قال مقاتل: أي بآياتنا التسع وقال الكلبي: يعني: بمحمد والقرآن وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يعني: تاركين لها.
قرأ حمزة والكسائي سَبِيلَ الرُّشْدِ بنصب الراء، والشين، وقرأ الباقون الرُّشْدِ بضم الراء وإسكان الشين وهما لغتان ومعناهما واحد.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بمحمد والقرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ يعني: كذبوا بالبعث بعد الموت حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني: بطلت حسناتهم هَلْ يُجْزَوْنَ أي هل يثابون إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: في الدنيا.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ.
انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام ع «١» ، وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ، أي: مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديء العاقبة، والتّبار: الهلاك، وإناء مُتَبَّرٌ، أي: مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ ومنه: تِبْرُ الذَّهَبِ لأنه كسارة، وقوله: مَّا هُمْ فِيهِ يعمّ جميع أحوالهم وباطِلٌ: معناه: فاسد ذاهب مضحملّ، وأَبْغِيكُمْ معناه: أطلبُ.
ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ...
الآية، ويَسُومُونَكُمْ معنا: يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ...
الآية.
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)
وقوله سبحانه: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ...
الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشر هي عَشْرُ ذي «٢» الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائم بالذات القديم
الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين «١» ، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: قالَ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربّه الرؤية، ورؤية الله عز وجلّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ...
الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و «لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضاً قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، فهو نصّ في الرؤية بيّنه صلّى الله عليه وسلّم ففي «الترمذيُّ» عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة» ، ثم
قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] «١» ، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً.
انتهى.
قال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال له: يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي «٢» .
قال ع «٣» : فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ: وقول ع «٤» : ولو بَقِينَا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفي المؤبّد «٥» .
قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ/ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في «أُنْمُوذجِهِ» أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه: ٩١] ، وهو واضح.
انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه» ، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٥] تَكْراراً، والأصل عدمه.
انتهى من «المغني» .
وقوله سبحانه: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: جَعَلَهُ دَكًّا، المعنى: جعله أرضاً دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين.
قال ص: وَخَرَّ معناه سقَطَ، وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك كذا فسَّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها.
قال ع «١» : ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي:
مِنْ قومه قاله ابن عباس «٢» وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية «٣» .
وقوله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النّعم من عند الله سبحانه بمقدار،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ في ماهِيَةِ الألْواحِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها زَبَرْجَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ياقُوتٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والثّالِثُ زُمُرُّدٌ أخْضَرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: بَرَدٌ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والخامِسُ: خَشَبٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّادِسُ: صَخْرٌ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والسّابِعُ: زُمُرُّدٌ وياقُوتٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وفي عَدَدِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبْعَةٌ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لَوْحانِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
قالَ: وإنَّما سَمّاها اللَّهُ تَعالى ألْواحًا، عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في إيقاعِ الجَمْعِ عَلى التَّثْنِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ﴾ يُرِيدُ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ والثّالِثُ: عَشْرَةٌ، قالَهُ وهْبٌ.
والرّابِعُ: تِسْعَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في دِينِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والواجِبُ وغَيْرُهُ.
والثّانِي: مِنَ الحِكَمِ والعِبَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَوْعِظَةً ﴾ أيْ: نَهَيا عَنِ الجَهْلِ.
وتَفْصِيلًا أيْ: تَبْيِينًا لَكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والحُدُودِ والأحْكامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخُذْها بِقُوَّةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِجِدٍّ وحَزْمٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِطاعَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: بِشُكْرٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ إنْ قِيلَ: كَأنَّ فِيها ما لَيْسَ بِحَسَنٍ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: يَأْخُذُوا بِحُسْنِها، وكُلُّها حَسَنٌ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نابَ "أحْسَنُ" عَنْ "حَسِنٍ" كَما قالَ الفَرَزْدَقُ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ.
وقالَ غَيْرُ: "الأحْسَنِ" هاهُنا صِلَةٌ، والمَعْنى: يَأْخُذُوا بِها.
والثّانِي: أنَّ بَعْضَ ما فِيها أحْسَنُ مِن بَعْضٍ.
ثُمَّ في ذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أمَرُوا فِيها بِالخَيْرِ ونَهَوْا عَنَ الشَّرِّ، فَفِعْلُ الخَيْرِ هو الأحْسَنُ.
والثّانِي: أنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى أشْياءَ حَسَنَةٍ بَعْضُها أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، كالقَصاصِ والعَفْوِ والِانْتِصارِ والصَّبْرِ، فَأُمِرُوا أنْ يَأْخُذُوا بِالأحْسَنِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ المَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ العَزائِمَ والفَضائِلَ، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ، يَكُونُ المَعْنى: أنَّهم يَتَّبِعُونَ المَوْصُوفَ بِالحَسَنِ وهو الطّاعَةُ، ويَجْتَنِبُونَ المَوْصُوفَ بِالقُبْحِ وهو المَعْصِيَةُ.
والثّالِثُ: أحْسَنُها: الفَرائِضُ والنَّوافِلُ، وأُدْوَنُها في الحَسَنِ: المُباحُ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ لَلْكَلِمَةِ مَعْنَيانِ أوْ ثَلاثَةٌ، فَتُصْرَفُ إلى الأشْبَهِ بِالحَقِّ.
والخامِسُ: أنَّ أحْسَنَها: الجَمْعُ بَيْنَ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها جَهَنَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها دارُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهي مِصْرُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها مَنازِلُ مَن هَلَكَ مِنَ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ، يُرِيهِمْ إيّاها عِنْدَ دُخُولِهِمُ الشّامَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّها مَصارِعُ الفاسِقِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
ومَعْنى الكَلامِ: سَأُرِيكم عاقِبَةَ مَن خالَفَ أمْرِي، وهَذا تَهْدِيدٌ لَلْمُخالِفِ، وتَحْذِيرٌ لَلْمُوافِقِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى الناسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ قالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي الباقِلّانِيُّ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ ظَهَرَ وبَدا سُلْطانُهُ، فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صَعِقَ"، وهَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عن ثابِتٍ عن أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قَرَأ: "فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" قالَ: فَوَضَعَ الإبْهامَ قَرِيبًا مِن خِنْصَرِهِ، قالَ: فَساخَ الجَبَلُ، فَقالَ حُمَيْدٌ لِثابِتٍ: تَقُولُ هَذا؟
فَرَفَعَ ثابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وقالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ويَقُولُهُ أنَسٌ وأكْتُمُهُ أنا؟
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَلَمّا تَجَلّى اللهُ لِلْجَبَلِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ انْدَكَّ الجَبَلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يَتَمَسَّكُ بِهِ المُعْتَزِلَةُ تَمَسُّكًا شَدِيدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقائِلُهُ مِن أهْلِ السُنَّةِ إنَّما يَقُولُهُ مَعَ اعْتِقادِهِ جَوازَ الرُؤْيَةِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآيَةِ مِن أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ أنَّ الجَبَلَ خُلِقَ لَهُ إدْراكٌ وحَياةٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَن قالَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "فَلَمّا تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ" فَقَدْ أخْطَأ، ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُغَةِ ذَلِكَ، ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ في "الأغْفالِ" عَلَيْهِ.
والدَكُّ: الِانْسِحاقُ والتَفَتُّتُ، وقَرَأ النَبِيُّ ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "دَكًّا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وغَيْرُهُمْ: "دَكّاءَ" عَلى وزْنِ حَمْراءَ، والدَكّاءُ: الناقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فالمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالناقَةِ، فَرُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ الجَبَلُ بِرُمَّتِهِ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَفَتَّتَ وانْسَحَقَ حَتّى صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ.
قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ انْكَسَرَ سِتَّ فِرَقٍ، فَوَقَعَتْ مِنهُ ثَلاثٌ بِمَكَّةَ: ثَبِيرٌ، وغارُ ثَوْرٍ، وحِراءُ، وثَلاثٌ بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ، ووَرْقانُ، ورَضْوى، قالَهُ النَقّاشُ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: ساخَ في الأرْضِ فَلا يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"صَعِقًا" مَعْناهُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَحال مَن تُصِيبُهُ الصَعْقَةُ وهي الصَيْحَةُ المُفْرِطَةُ، قالَ الخَلِيلُ: وهي الوَقْعُ الشَدِيدُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ مَوْتًا، قالَ الزَجّاجُ: وهو ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ "أفاقَ" تَقْتَضِي غَيْرَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ، كَذا فَسَّرَهُ النَبِيُّ ، وقَوْلُهُ: ﴿ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ مَعْناهُ: مِن أنْ أسْألَكَ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا وأنْتَ لا تُبِيحُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّهُ لَفْظٌ قالَهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِشِدَّةِ هَوْلِ ما اطَّلَعَ، ولَمْ يَعْنِ بِهِ التَوْبَةَ مِن شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ولَكِنَّهُ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ المَقامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَتَحَرَّزُ مِنهُ أهْلُ السُنَّةِ أنْ تَكُونَ تَوْبَةً مِن سُؤالِ المُحالِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ،.
وقَرَأ نافِعٌ: "وَأنا" بِإثْباتِ الألِفِ في الإدْراجِ، قالَ الزَهْراوِيُّ، والأولى حَذْفُها في الإدْراجِ، وإثْباتُها لُغَةٌ شاذَّةٌ خارِجَةٌ عَنِ القِياسِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلُ" إمّا أنْ يُرِيدَ: مِن قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، أو مِن أهْلِ زَمانِهِ إنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّكَ لا تَرى في الدُنْيا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى قَرَّرَ مُوسى عَلى آلائِهِ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ وقَنَّعَهُ بِها وأمَرَهُ بِالشُكْرِ عَلَيْها، وكَأنَّهُ قالَ: ولا تَتَعَدَّها إلى غَيْرِها.
واصْطَفى أصْلُهُ: اصْتَفى، وهو افْتَعَلَ مِن صَفا يَصْفُو انْقَلَبَتِ التاءُ طاءً لِمَكانِ الصادِ، ومَعْناهُ: تَخَيَّرْتُكَ وخَصَصْتُكَ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الخَيْرِ والمِنَنِ، لا يُقالُ: اصْطَفاهُ لِشَرٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى الناسِ ﴾ عامٌّ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن شارَكَ مُوسى في الإرْسالِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ المُرْسَلِينَ مُشارِكُونَ لَهُ بِما هم رُسُلٌ، والظاهِرُ مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ مُوسى مُخَصَّصٌ بِالكَلامِ وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ في تَكْلِيمِ اللهِ غَيْرَهُ أشْياءُ بِما يَشاءُ، مِن أعْظَمِها «أنَّ رَسُولَ اللهِ سُئِلَ عن آدَمَ فَقالَ: "هُوَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّ ذَلِكَ قَدْ تُؤُوِّلَ بِأنَّهُ كانَ في الجَنَّةِ فَيَتُحَفَّظُ -عَلى هَذا- تَخْصِيصُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى الناسِ ﴾ عُمُومًا مُطْلَقًا في مَجْمُوعِ الدَرَجَتَيْنِ: الرِسالَةِ والكَلامِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِرِسالاتِي" عَلى الجَمْعِ، إذِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ ضُرُوبٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وتُحَلُّ الرِسالَةُ هاهُنا مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإرْسالُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبِكَلامِي"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِرِسالَتِي وبِكَلِمِي"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِرِسالاتِي وبِكَلِمِي"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: "وَتَكْلِيمِي" عَلى وزْنِ تَفْعِيلِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ تَأْدِيبٌ وتَقْنِيعٌ وحَمْلٌ عَلى جادَّةِ السَلامَةِ، ومِثالٌ لِكُلِّ أحَدٍ في حالِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ النِعَمِ مِن عِنْدِهِ بِمِقْدارٍ، وكُلُّ الأُمُورِ بِمَرْأًى مِنَ اللهِ ومَسْمَعٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ في "الألْواحِ" عِوَضٌ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي يُقَدَّرُ وصْلُهُ بَيْنَ "الألْواحِ" و"مُوسى" عَلَيْهِ السَلامُ، تَقْدِيرُهُ: في ألْواحِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى ﴾ أيْ: مَأْواهُ.
وقِيلَ: كانَتِ الألْواحُ اثْنَيْنِ، وقِيلَ: سَبْعَةً، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا: مَن بُرُدٍ، وقالَ الحَسَنُ: مِن خَشَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ لَفْظَةُ عُمُومٍ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ في مَعْنى الشَرْعِ ويُحْتاجُ إلَيْهِ في المَصْلَحَةِ، وقَوْلُهُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ" مِثْلُهُ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أمِرُوا بِهِ ونُهُوا عنهُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ: ، وقالَ السُدِّيُّ: الحَلالُ والحَرامُ.
وقَوْلُهُ: "بِقُوَّةٍ" مَعْناهُ: بِجِدٍّ وصَبْرٍ عَلَيْها واحْتِمالٍ لِمُؤْنَتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والسُدِّيُّ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "بِقُوَّةٍ" هُنا: بِطاعَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَأْخُذَ بِأشَدِّ مِمّا أمَرَ بِهِ قَوْمَهُ، وخُذْ أصْلُهُ: أُؤْخُذْ، حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: "بِأحْسَنِها" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما التَفْضِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: إذا اعْتَرَضَ فِيها مُباحانِ، فَيَأْخُذُونَ الأحْسَنَ مِنهُما كالعَفْوِ والقِصاصِ، والصَبْرِ والِانْتِصارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا عَلى القَوْلِ أنَّ أفْعَلَ في التَفْضِيلِ لا يُقالُ إلّا لِما لَهُما اشْتِراكٌ في المُفَضَّلِ فِيهِ.
وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَقَدْ يُرادُ بِالأحْسَنِ المَأْمُورُ بِهِ بِالإضافَةِ لِلْمَنهِيِّ عنهُ لِأنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ، وذَلِكَ كالناسِخِ بِالنِسْبَةِ لِلْمَنسُوخِ ونَحْوِ هَذا، وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الفَرائِضُ وهي لا تَدْخُلُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُتَصَوَّرَ اشْتِراكٌ في حُسْنٍ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عنهُ ولَوْ بِحَسَبِ المَلاذِ وشَهَواتِ النَفْسِ الأمّارَةِ، والمَعْنى الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "بِأحْسَنِها" أنْ يُرِيدَ بِـ"أحْسْنِ" وصْفَ الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جَعَلْنا لَكم شَرِيعَةً هي أحْسَنُ، كَما تَقُولُ: "اللهُ أكْبَرُ" دُونَ مُقايَسَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَمُرْهم يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها الَّذِي شَرَعْناهُ لَهُمْ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اعْتِراضاتٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَأُورِيكُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أُورِيكُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذِهِ القِراءَةِ مَرْدُودٌ وهو أبُو سَعِيدٍ المَأْثُورُ فَصاحَتُهُ.
فَوَجَّهَها أنَّ المُرادَ "أُرِيكُمْ" ثُمَّ أُشْبِعَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ ومُطِلَتْ حَتّى نَشَأتْ عنها واوٌ، ويَحْسُنُ احْتِمالُ الواوِ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ مَوْضِعُ وعِيدٍ وإغْلاظٍ فَمَكَّنَ الصَوْتَ فِيهِ.
وقَرَأ قَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: "سَأُورِثُكُمْ"، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، ونَسَبَها المَهْدَوِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وَثَبَتَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ فَلِذَلِكَ أُشْكِلَ هَذا الِاخْتِلافُ مَعَ أنّا لا نَتَأوَّلُ إلّا أنَّها مَرْوِيّاتٌ.
فَأمّا مَن قَرَأها: "سَأُورِيكُمْ" فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَأعْرِضُ عَلَيْكم وأجْعَلُكم تُحِسُّونَ لِتَعْتَبِرُوا حالَ دارِ الفاسِقِينَ.
والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ إلّا أنَّ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدَ لِلْفاسِقِينَ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّها رُؤْيَةُ العَيْنِ تَعَدِّي فِعْلِها، وقَدْ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَوْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لِتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: المَفْعُولُ الثالِثُ يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى فَهو مُقَدَّرٌ، أيْ: مُدَمَّرَةً أو خَرِبَةً أو مُسَعَّرَةً -عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي جَهَنَّمُ- قِيلَ لَهُ: ولا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَفْعُولِ والِاقْتِصارِ دُونَهُ أنَّها داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولَوْ جُوِّزَ لَكانَ عَلى قُبْحٍ في اللِسانِ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ في كِتابِ النَقّاشِ: دارُ الفاسِقِينَ مِصْرُ، والمُرادُ آلُ فِرْعَوْنَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: دارُ الفاسِقِينَ الشامُ، والمُرادُ العَمالِقَةُ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِقِتالِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: دارُ الفاسِقِينَ جَهَنَّمُ، والمُرادُ الكَفَرَةُ بِمُوسى عامَّةً، وقالَ النَقّاشُ عَنِ الكَلْبِيِّ: دارُ الفاسِقِينَ دُورُ ثَمُودَ وعادٍ والأُمَمِ الخالِيَةِ، أيْ: سَنَقُصُّها عَلَيْكم فَتَرَوْنَها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح مِن كُلِّ شَئ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَئ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ .
عطف على جملة ﴿ قال يا موسى، إني اصطفيتك على الناس برسالتي ﴾ [الأعراف: 144] إلى آخرها، لأن فيها: ﴿ فخذ ما آتيتك ﴾ [الأعراف: 144] والذي آتاه هو ألواح الشريعة، أو هو المقصود من قوله: ﴿ ما آتيتك ﴾ .
والتعريف في الألواح يجوز أن يكون تعريف العهد، إن كان ﴿ ما آتيتك ﴾ مراداً به الألواح التي أُعطيها موسى في المناجاة، فساغ أن تعرّف تعريف العهد، كأنه قيل: فخذ ألواحاً آتيتُكها، ثم قيل: كتبنا له في الألواح، وإذا كان ما آتيتك مراداً به الرسالة والكلام كان التعريف في الألواح تعريف الذهني، أي: وكتبنا له في ألواح معينة من جنس الألواح.
والألواح جمع لَوْحَ بفتح اللام، وهو قطعة مربعة من الخشب، وكانوا يكتبون على الألواح، أو لأنها ألواح معهودة للمسلمين الذين سيقت إليهم تفاصيل القصة (وإن كان سوق مجمل القصة لتهديد المشركين بأن يحل بهم ما حصل بالمكذبين بموسى).
وتسمية الألواح التي أعطاها الله موسى ألواحاً مجاز بالصورة لأن الألواح التي أعطيها موسى كانت من حجارة، كما في التوراة في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج، فتسميتها الألواح؛ لأنها على صورة الألواح، والذي بالإصحاح الرابع والثلاثين أن اللوحين كتبت فيهما الوصايا العشر التي ابتدأت بها شريعة موسى، وكانا لوحين، كما في التوراة، فإطلاق الجمع عليها هنا: إما من باب إطلاق صيغة الجمع على المثنى بناء على أن أقل الجمع اثنان، وإما لأنهما كانا مكتوبين على كلا وجهيهما، كما يقتضيه الإصحاح الثاني والثلاثون من سفر الخروج، فكانا بمنزلة أربعة ألواح.
وأسندت الكتابة إلى الله تعالى؛ لأنها كانت مكتوبة نقشاً في الحجر من غير فعل إنسان بل بمحض قدرة الله تعالى، كما يفهم من الإصحاح الثاني والثلاثين، كما أسند الكلام إلى الله في قوله: ﴿ وبكلامي ﴾ [الأعراف: 144].
و (مِنْ) التي في قوله: ﴿ من كل شيء ﴾ تبعيضية متعلقة ب ﴿ كتبنا ﴾ ومفعول ﴿ كتبنا ﴾ محذوف دل عليه فعل كتبنا أي مكتُوباً، ويجوز جعل (مِن) اسما بمعنى بعض فيكون منصوباً على المفعول به بكتبنا، أي كتبنا له بعضاً من كل شيء، وهذا كقوله تعالى في سورة النمل (16) ﴿ وأوتينا من كل شيء ﴾ وكل شيء عام عموماً عرفياً أي كل شيء تحتاج إليه الأمة في دينها على طريقة قوله تعالى: ﴿ مَا فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ [الأنعام: 138] علئى أحد تأويلين في أن المراد من الكتاب القرآن، وعلى طريقة قوله تعالى: ﴿ اليوم أكملتُ لكم دينكم ﴾ [المائدة: 3] أي أصوله.
والذي كتب الله لموسى في الألواح هو أصول كليات هامة للشريعة التي أوحى الله بها إلى موسى عليه السلام وهي ما في الإصحاح (20) من سفر الخروج ونصها: أنا الرب إلاهك الذي اخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك ءالهة أخرى أمامي، لا تصنع تمثالاً منحوتاً، ولا صورة مّا مما في السماء، من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبُدْهن لأني أنا الرب إلاهك غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيَّ واصنع إحساناً إلى ألوف من محِبّيّ وحافظي وصاياي، لا تنطق باسم الرب إلاهك باطلاً لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً، اذكر يوم السبت لتقدسه ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلاهك لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك واختك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب السما والأرض والبحر، وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه، أكرم أباك وأمك؛ لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلاهك، لا تقتلْ، لا تزْننِ لا تسرق، لا تشهد، على قريبك شهادة زور، لا تشته بيت قريبك، لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته، ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك اه، واشتهرت عند بني إسرائيل بالوصايا العشر، وبالكلمات العشر أي لجمل العشر.
وقد فصلت (في) من الإصحاح العشرين إلى نهاية الحادي والثلاثين من سفر الخروج، ومن جملتها الوصايا العشر التي كلم الله بها موسى في جبل سينا ووقع في الإصحاح الرابع والثلاثين إن الألواح لم تكتب فيها إلاّ الكلمات العشر، التي بالفقرات السبع عشرة منه، وقوله هنا ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ يقتضي الاعتماد على ما في الأصاحيح الثلاثة عشر.
والموعظة اسم مصدر الوعظ وهو نصح بإرشاد مشوب بتحذير من لحاق ضر في العاقبة أو بتحريض على جلب نفع، مغفول عنه، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ﴾ في سورة البقرة (275)، وقوله: ﴿ فأعرض عنهم وعظْهم ﴾ في سورة النساء (63)، وسيجيء قوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ في آخر سورة النحل (125).
والتفصيل التبيين للمجملات ولعل الموعظة هي الكلمات العشر والتفصيل ما ذكر بعدها من الأحكام في الإصحاحات التي ذكرناها.
وانتصب موعظة} على الحال من كل شيء، أو على البدل من (من) إذا كانت اسماً إذا كان ابتداء التفصيل قد عَقِبَ كتابة الألواح بما كلمه الله به في المناجاة مما تضمنه سفر الخروج من الإصحاح الحادي والعشرين إلى الإصحاح الثاني والثلاثين ولما أوحي إليه إثر ذلك.
ولك أن تجعل ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ حالين من الضمير المرفوع في قوله: ﴿ وكتبنا له ﴾ أي واعظينَ ومفصلين، فموعظة حال مقارنة وتفصيلاً حال مقدّرة، وأما جعلهما بدلين من قوله: ﴿ من كل شيء ﴾ فلا يستقيم بالنسبة لقوله: ﴿ وتفصيلاً ﴾ .
وقوله: ﴿ فخذها ﴾ يتعين أن الفاء دالة على شيء من معنى ما خاطب الله به موسى، ولما لم يقع فيما وَليتْه ما يصلح لأن يتقرع عنه الأمر بأخذها بقوة.
تعين أن يكون قوله: ﴿ فخذها ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ فخذ ما آتيتك ﴾ [الأعراف: 144] بدلَ اشتمال لأن الأخذ بقوة يشتمل عليه الأخذ المطلق، وقد اقتضاه العود، إلى ما خاطب الله به موسى إثر صعقته إتماماً لذلك الخطاب فأعيد مضمون ما سبق ليتصل ببقيته، فيكون بمنزلة أن يقول فخذ ما آتيتك بقوة وكن من الشاكرين، ويكون ما بينهما بمنزلة اعتراض، ولولا إعادة ﴿ فخذها ﴾ لكان ما بين قوله: ﴿ من الشاكرين ﴾ [الأعراف: 144] وقوله: ﴿ وأمرْ قومك يأخذوا ﴾ اعتراضاً على بابه ولمّا اقتضى المقام هذا الفصلَ، وإعادة الأمر بالأخذ، اقتضى حسن ذلك أن يكون في الإعادة زيادة، فأخر مقيّد الأخذ، وهو كونه بقوة، عن التعلق بالأمر الأول، وعلق بالأمر الثاني الرابط للأمر الأول، فليس قوله: ﴿ فخذها ﴾ بتأكيد، وعلى هذا الوجه يكون نظم حكاية الخطاب لموسى على هذا الأسلوب من نظم القرآن.
ويجوز أن يكون في أصل الخطاب المحكي إعادة ما يدل على الأمر بالأخذ لقصد تأكيد هذا الأخذ، فيكون توكيداً لفظياً، ويكون تأخيرُ القيد تحسيناً للتوكيد اللفظي ليكون معه زيادة فائدة، ويكون الاعتراض قد وقع بيْن التوكيد والموكّد وعلى هذا الوجه يكون نظم الخطاب على هذا الأسلوب من نظم الكلام الذي كلّم الله به موسى حكي في القرآن على أسلوبه الصادر به.
والضمير المؤنث في قوله: ﴿ فخذها ﴾ عائِد إلى الألواح باعتبار تقدم ذكرها في قوله: ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ .
والمقول لموسى هو مرجع الضمير، وفي هذا الضمير تفسير للإجمال في قوله: ﴿ ما آتيتك ﴾ [الأعراف: 144] وفي هذا ترجْيح كون ما صْدَق ﴿ ما آتيتك ﴾ هو الألواح، وَمن جَعلوا ما صْدَق ﴿ ما آتيتك ﴾ الرسالةَ والكلامَ جعلوا الفاءَ عاطفة لقول محذوف على جملة ﴿ وكتبنا ﴾ والتقدير عندهم: وكتبنا فقلنا خُذها بقوة، وما اخترناه أحسن وأوفق بالنظم.
والأخذُ: تناول الشيء، وهو هنا مجاز في التلقي والحفظ.
والباء في قوله: ﴿ بقوة ﴾ للمصاحبة.
والقوة حقيقتها حالة في الجسم يتأتّى له بها أن يعمل ما يشُق عمله في المعتاد فتكون في الأعضاء الظاهرة مثل قُوة اليدين على الصنع الشديد، والرجلْين على المشي الطويل، والعينين على النظر للمرئيات الدقيقة.
وتكون في الأعضاء الباطنة مثل قوة الدماغ على التفكير الذي لا يستطيعه غالب الناس، وعلى حفظ ما يعجز عن حفظه غالب الناس ومنه قولهم: قوة العقل.
وإطلاق اسم القُوى على العقل وفيما أنشد ثعْلب: وصاحِبيْن حازماً قَواهما *** نَبّهْتُ والرقادُ قدْ علاهما إلى أمونَيْن فعدّياهما *** وسمى الحكماء الحواس الخمس العقلية بالقوى الباطنية وهي الحافظة، والواهمة، والمفكرة، والمخيّلة، والحسُ المشترك.
فيقال: فرس قوي، وجمل قوي على الحقيقة، ويقال: عود قوي، إذا كان عسير الإنكسار، وأسّس قوي، إذا كان لا ينخسف بما يُبنى عليه من جدار ثقيل، إطلاقاً قريباً من الحقيقة، وهاته الحالة مقول عليها بالتشكيك لأنها في بعض موصوفاتها أشّدُ منها في بعض آخر، ويظهر تفاوتها في تفاوت ما يستطيع موصوفها أن يعمله من عمل ممّا هي حالة فيه، ولما كان من لوازم القوة أن قدره صاحبها على عمل ما يريده أشد مما هو المعتاد، والأعمالُ عليه أيسر، شاع إطلاقها على الوسائِل التي يستعين بها المرء على تذليل المصاعب مثل السلاح والعتاد، والمال، والجاه، وهو إطلاق كنائي قال تعالى: ﴿ قالوا نحن أولوا قوة ﴾ في سورة النمل (33).
ولكونها يلزمها الاقتدار على الفعل وُصف الله تعالى باسم القوي أي الكامل القدرة قال تعالى: ﴿ إن الله قوي شديد العقاب ﴾ في سورة الأنفال (52).
والقوة هنا في قوله: فخذها بقوة } تمثيل لحالة العزم على العمل بما في الألواح، بمنتهى الجِد والحِرص دون تأخير ولا تساهل ولا انقطاع عند المشقة ولا ملل، بحالة القوي الذي لا يستعصي عليه عمل يريده.
ومنه قوله تعالى: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ في سورة مريم (12).
وهذا الأخذ هو حَظ الرسول وأصحابه المبلغين للشريعة والمنفذين لها، فالله المشرّع، والرسولُ المنفذ، وأصحابه ووُلاةَ الأمور هم أعوان على التنفيذ، وإنما اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من خصائصه من يقوم مقامه في حضرته وعند مغيبه، وهُو وُهمْ فيما سوى ذلك كسائر الأمة.
فقوله: وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } تعريج على ما هو حظ عموم الأمة من الشريعة وهو التمسك بها، فهذا الأخذ مجاز في التمسك والعمل ولذلك عدي بالباء الدالة على اللصوق، يقال: أخذ بكذا إذا تمسك به وقبض عليه، كقوله: ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ [الأعراف: 150] وقوله: ﴿ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ﴾ [طه: 94].
ولم يُعد فعل الأخذ بالباء في قوله: ﴿ فخذها ﴾ لأنه مستعمل في معنى التلقي والحفظ لأنه أهم من الأخذ بمعنى التمسك والعمل، فإن الأول حظ ولي الأمر والثاني حظ جميع الأمة.
وجزم ﴿ يأخذوا ﴾ جواباً لقوله: ﴿ وأُمرْ ﴾ تحقيقاً لحصول امتثالهم عندما يأمرهم.
و ﴿ بأحسنها ﴾ وصف مسلوب المفاضلة مقصود به المبالغة في الحُسن، فإضافتها إلى ضمير الألواح على معنى اللام، أي: بالأحسن الذي هو لها وهو جميع ما فيها، لظهور أن ما فيها من الشرائع ليس بينه تفاضل بين أحسن ودون الأحسن، بل كله مرتبة واحدة فيما عين له، ولظهور أنهم لا يؤمنون بالأخذ ببعض الشريعة وترك بعضها، ولأن الشريعة مفصّل فيها مراتب الأعمال، فلو أن بعض الأعمال كان عندها أفضلَ من بعض، كالمندوب بالنسبة إلى المباح، وكالرخصة بالنسبة إلى العزيمة، كان الترغيب في العمل بالأفضل مذكوراً في الشريعة، فكان ذلك من جملة الأخذ بها، فقرائِن سلب صيغة التفضيل عن المفاضلة قائمة واضحة، فلا وجه للتردد في تفسير الأحسن في هذه الآية والتعزب إلى التنظير بتراكيب مصنوعة أو نادرة خارجة عن كلام الفصحاء، وهذه الآية والتعزب إلى التنظير بتراكيب مصنوعة أو نادرة خارجة عن كلام الفصحاء، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ في سورة الزمر (55).
والمعنى: واُمر قومَك يأخذوا بما فيها لحسنها.
كلام موجّه إلى موسى عليه السلام فيجوز أن يكون منفصلاً عن الكلام الذي قبله فيكون استئنافاً ابتدائياً: هو وعد له بدخولهم الأرض الموعودة، ويجوز أن تكون الجملة متصلة بما قبلها فتكون من تمام جملة ﴿ وأُمرْ قومك يأخذوا باحسنها ﴾ على أنها تحذير من التفريط في شيء مما كُتب له في الألواح.
والمعنى سأبين لكم عقاب الذين لا يأخذون بها.
والدار المكان الذي تسكنه العائِلة، كما في قوله تعالى: ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ في سورة القصص (81) والمكان الذي يحله الجماعة من حي أو قبيلة كما قال تعالى: ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ [الأعراف: 91] وقد تقدم.
وتطلق الدار على م ﴿ فنعم عقبى الدار ﴾ [الرعد: 24]، وقد يراد بها مآل المرء ومصيره؛ لأنه بمنزلة الدار يأوي إليه في شأنه.
وقد تقدم قريب من هذا عند قوله تعالى: ﴿ فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ﴾ في سورة الأنعام (135).
وخوطب بضمير الجمع باعتبار من معه من أصحابه شيوخ بني إسرائيل، أو باعتبار جماعة قومه فالخطاب شامل لموسى ومن معه.
والإراءة من رأى البصرية؛ لأنها عديت إلى مفعولين فقط.
وأوثر فعل أريكم } دون نحو: سأدخلكم، لأن الله منع معظم القوم الذين كانوا مع موسى من دخول الأرض المقدسة لمّا امتنعوا من قتال الكنعانيين كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ﴾ في سورة المائدة (26).
وجاء ذلك في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الأول: أن الله قال لموسى: ﴿ وأنت لا تدخل إلى هناك ﴾ وفي الإصحاح (34) وصعد موسى إلى الجبل (نبو) فأراه الله جميع الأرض وقال له: هذه الأرض التي أقسمتُ لإبراهيم قائِلاً لِنسلك أُعطيها قد أريتُك إياها بعينيك ولكنك لا تعبُرُ.
ويجوز أن يكون سأريكم خطاباً لقوم موسى، فيكون فعل أريكم كناية عن الحلول في دار الفاسقين، والحلول في ديار قوم لا يكون إلاّ الفتح والغلبة، فالإراءة رمز إلى الوعد بفتح بلاد الفاسقين، والمراد بالفاسقين المشركون، فالكلام وعد لموسى وقومه بأن يفتحوا ديار الأمم الحالة بالأرض المقدسة التي وعدهم الله بها، وهم المذكورون في التوراة في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر الخروج خطاباً للشعب إحفظ ما أنا موصيك به ها أنا طارد من قدامك الأموريين، والكنعانيين، والحثيين، والفرزيين، والحويين، واليبوسيين، احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فَخّا في وسطك بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم فإنك لا تسْجد لإله آخر.
ويؤيده مَا روي عن قتادة أن دار الفاسقين هي دار العمالقة والجبابرة، وهي الشام، فمن الخطأ تفسير من فسروا دار الفاسقين بأنها أرض مصر فإنهم قد كانوا بها وخرجوا منها ولم يرجعوا إليها، ومن البعيد تفسير دار الفاسقين بجهتهم، وفي الإصحاح 34 من سفر الخروج احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آت إليها فيزنون وراء آلهتهم ويذبحون لآلهتهم فتُدعى وتأكل من ذبيحتهم وتأخذ من بناتهم لبنيك فتزني بناتهم وراء آلهتهن ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهن، ولا يخفى حسن مناسبة التعبير عن أولئك الأقوام بالفاسقين على هذا الوجه.
وقيل المراد بدار الفاسقين ديار الأمم الخالية مثل ديار ثمود وقوم لوط الذين أهلكهم الله لكفرهم، أي ستمرون عليهم فترون ديارهم فتتعظون بسوء عاقبتهم لفسقهم، وفيه بعد لأن بني إسرائيل لم يمروا مع موسى على هذه البلاد.
والعدول عن تسمية الأمم بأسمائهم إلى التعبير عنهم بوصف الفاسقين؛ لأنه أدل على تسبب الوصف في المصير الذي صاروا إليه، ولأنه أجمع وأوجز، واختيار وصف الفاسقين دون المشركين والظالمين الشائِع في التعبير عن الشرك في القرآن؛ للتنبيه على أن عاقبتهم السوأى تسببت على الشرك وفاسد الأفعال معاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ ﴾ الآيَةَ في ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَرَضْنا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ أيْ فُرِضَ.
والثّانِي: أنَّهُ كِتابَةُ خَطٍّ بِالقَلَمِ في ألْواحٍ أنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ.
واخْتَلَفُوا في الألْواحِ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن ياقُوتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّها كانَتْ مِن زَبَرْجَدٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والرّابِعُ: قالَهُ الحَسَنُ كانَتِ الألْواحُ مِن خَشَبٍ، واللَّوْحُ مَأْخُوذٌ مِن أنَّ المَعانِيَ تَلُوحُ بِالكِتابَةِ فِيهِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في دِينِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والمُباحِ والمَحْظُورِ والواجِبِ وغَيْرِ الواجِبِ.
والثّانِي: كَتَبَ لَهُ التَّوْراةَ فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحِكَمِ والعِبَرِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَوْعِظَةَ النَّواهِي، والتَّفْصِيلَ: الأوامِرُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
والثّانِي: المَوْعِظَةُ: الزَّواجِرُ، والتَّفْصِيلُ: الأحْكامُ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
قالَ: وكانَتْ سَبْعَةُ ألْواحٍ.
﴿ فَخُذْها بِقُوَّةٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: بِطاعَةٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّالِثُ: بِصِحَّةِ عَزِيمَةٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
والرّابِعُ: بِشُكْرٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ فِيها غَيْرَ حَسَنٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ أحْسَنَها: المَفْرُوضاتُ، وغَيْرُ الأحْسَنِ: المُباحاتُ.
والثّانِي: أنَّهُ النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ.
والثّالِثُ: أنَّ فِعْلَ ما أُمِرَ بِهِ أحْسَنُ مِن تَرْكِ ما نُهِيَ عَنْهُ لِأنَّ العَمَلَ أثْقَلُ مِنَ التَّرْكِ وإنْ كانَ طاعَةً.
﴿ سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي جَهَنَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: هي مَنازِلُ مَن هَلَكَ بِالتَّكْذِيبِ مِن عادٍ وثَمُودَ والقُرُونِ الخالِيَةِ، لِتَعْتَبِرُوا بِها وبِما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّكالِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها مَنازِلُ سُكّانِ الشّامِ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ.
والرّابِعُ: أنَّها دارُ فِرْعَوْنَ وهي مِصْرُ.
وَقَرَأ قَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: (سَأُورِثُكُمْ).
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن ابن شودب قال: أوحى الله إلى موسى أتدري لم اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؟
قال: لا يا رب.
قال إنه لم يتواضع لي تواضعك أحد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: قال موسى: يا رب دلني على عمل إذا عملته كان شكراً لك فيما اصطنعت إلى قال: يا موسى قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
قال: فكان موسى أراد من العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به، فقال له: يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن.
قوله تعالى ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كتبت التوراة بأقلام من ذهب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح إثني عشر ذراعاً» .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: أخبرت أن الألواح من زبرجد ومن زمرد الجنة، أمر الرب تعالى جبريل فجاء بها من عدن، وكتبها بيده بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد الرب من نهر النور وكتب به الألواح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانوا يقولون: كانت الألواح من ياقوتة، وانا أقول: إنما كانت من زبرجد وكتابها الذهب، كتبها الله بيده فسمع أهل السموات صريف القلم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية قال: كانت ألواح موسى من برد.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: كانت الألواح من زمرد أخضر، أمر الرب تعالى جبريل فجاء بها من عدن، فكتب الرب بيده بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد الرب من نهر النور وكتب به الألواح.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال: كتب الله التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة يسمع صريف القلم، في ألواح من زمرد ليس بينه وبينه إلا الحجاب.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إن الله لم يمس شيئاً إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن حكيم بن جابر قال: أخبرت أن الله تبارك وتعالى لم يمس من خلقه بيده شيئاً إلا ثلاثة: غرس الجنة بيده وجعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة لموسى بيده.
وأخرج عبد بن حميد عن وردان بن خالد قال خلق الله آدم بيده، وخلق جبريل بيده، وخلق القلم بيده، وخلق عرشه بيده، وكتب الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه غيره بيده، وكتب التوراة بيده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أعطيَ موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة، فلما جاء بها فرأى بن إسرائيل عكوفاً على عبادة العجل، رمى بالتوراة من يده فتحطمت، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع.
وأخرج عبد بن حميد عن مغيث الشامي قال: بلغني أن الله تعالى لم يخلق بيده إلا ثلاثة أشياء: الجنة غرسها بيده، وآدم خلقه بيده، والتوراة كتبها بيده.
وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عمر قال: خلق الله آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، ثم قال لسائر الأشياء: كن فكان.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ﴾ أمروا به ونهوا عنه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ قال: مما أمروا به ونهوا عنه.
وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه وضعفه الذهبي عن ابن عباس قال: إن الله يقول في كتابه لموسى ﴿ إني اصطفيتك على الناس ﴾ [ الأعراف: 144] .
﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ﴾ قال: فكان يرى أن جميع الأشياء قد أثبتت له كما ترون أنتم علماءكم، فلما انتهى إلى ساحل البحر لقي العالم فاستنطقه، فأقر له بفضل علمه ولم يحسده الحديث.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس.
أن موسى لما كربه الموت قال: هذا من أجل آدم قد كان الله جعلنا في دار مثوى لا نموت فخطا آدم انزلنا هنا.
فقال الله لموسى: ابعث إليك آدم فتخاصمه؟
قال: نعم.
فلما بعث الله آدم سأله موسى فقال: لولا أنت لم نكن ههنا.
فقال له آدم: قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلاً أفلست تعلم أنه ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ [ الحديد: 22] قال: موسى بلى فخصمه آدم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الله عز وجل كتب في الألواح ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر أمته وما ذخر لهم عنده، وما يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال: فيما كتب الله لموسى في الألواح: يا موسى لا تحلف بي كاذباً فإني لا أزكي عمل من حلف بي كاذباً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه في قوله: ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ﴾ قال: كتب له اعبدني ولا تشرك بي شيئاً من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كل ذلك خلقي، فإذا أشرك بي غضبت، وإذا غضبت لعنت، وإن لعنتي تدرك الرابع من الولد، وإني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت والبركة مني تدرك الأمة بعد الأمة، ولا تحلف باسمي كاذباً فإني لا أزكي من حلف باسمي كاذباً، ووقر والديك فإنه من وقر والديه مددت له عمره ووهبت له ولداً يبره، ومن عق والديه قصرت له في عمره ووهب له ولداً يعقه، واحفظ السبت فإنه آخر يوم فرغت فيه من خلقي، ولا تزن، ولا تسرق، ولا تولّ وجهك عن عدوي، ولا تزن بامرأة جارك الذي يأمنك، ولا تغلب جارك على ماله، ولا تخلفه على امرأته.
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي حرزة القاص، ان العشر الآيات التي كتب الله تعالى لموسى في الألواح: أن اعبدني ولا تشرك بي شيئاً، ولا تحلف باسمي كاذباً فإني لا أزكي ولا أطهر من حلف باسمي كاذباً، واشكر لي ولوالديك أنسألك في أجلك وأقيك المتالف، ولا تسرق ولا تزن فأحجب عنك نور وجهي، وتغلق عن دعائك أبواب سماواتي، ولا تغدر بحليل جارك، واحب للناس ما تحب لنفسك، ولا تشهد بما لم يعِ سمعك ويفقه قلبك، فإني واقف أهل الشهادات على شهادتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها، ولا تذبح لغيري لا يَصعد إلى من قربان أهل الأرض إلا ما ذكر عليه اسمي.
وأخرج البيهقي عن عطاء قال: بلغني أن فيما أنزل الله على موسى عليه السلام: لا تجالسوا أهل الاهواء فيحدثوا في قلبك ما لم يكن.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن لال في مكارم الأخلاق عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان فيما أعطى الله موسى في الألواح الأول في أول ما كتب عشرة أبواب: يا موسى لا تشرك بي شيئاً فقد حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين النار، واشكر لي ولوالديك أقك المتالف وانسأ في عمرك وأحييك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها، ولا تقتل النفس التي حرمت إلا بالحق فتضيق عليك الأرض برحبها والسماء باقطارها وتبوء بسخطي والنار، ولا تحلف باسمي كذباً ولا آثماً فإني لا أطهر ولا أركي من لم ينزهني ويعظم أسمائي، ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم من فضيلي، ولا تنفس عليهم نعمتي ورزقي فإن الحاسد عدو نعمتي راد لقضائي ساخط لقسمتي التي أقسم بين عبادي، ومن لم يكن كذلك فلست منه وليس مني، ولا تشهد بما لم يع سمعك ويحفظ عقلك وتعقد عليه قلبك، فإني واقف أهل الشهادات على شهادتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها سؤلاً حثيثاً، ولا تزن، ولا تسرق، ولا تزن بحليلة جارك فأحجب عنك وجهي، وتغلق عنك أبواب السماء، وأحبب للناس ما تحب لنفسك، ولا تذبحن لغيري فإني لا أقبل من القربان إلا ما ذكر عليه اسمي وكان لخالصاً لوجهي، وتفرغ لي يوم السبت وفرغ لي نفسك وجميع أهل بيتك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل السبت لموسى عيداً، واختار لنا الجمعة فجعلها لنا عيداً» .
وأخرج أبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال: مما كتب الله لموسى في الألواح لا تتمن مال أخيك ولا أمراة أخيك.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: شوّقناكم فلم تشتافوا، ونُحْنَا لكم فلم تبكوا، ألا وان لله ملكاً ينادي في السماء كل ليلة: بشر القتَّالين بأن لهم عند الله سيفاً لا ينام وهو نار جهنم، أبناء الأربعين رزع قددنا حصاده، أبناء الخمسين هلموا إلى الحساب لا عذر لكم، أبناء الستين ماذا قدمتم وماذا أخرتم، أبناء السبعين ما تنتظرون ألا ليت الخلق لم يخلقوا فإذا خلقوا علموا لما خلقوا، ألا أتتكم الساعة فخذوا حذركم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: قال موسى: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة، الآخرون في الخلق والسابقون في دخول الجنة فاجعلهم أمتي: قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب أني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور والكذاب فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في قلوبهم يقرأونها قال قتادة: وكان من قبلكم إنما يقرأون كتابهم نظراً، فإذا رفعوها لم يحفظوا منها شيئاً ولم يعوه، وإن الله اعطاكم ايتها الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم قبلكم، فالله خصكم بها وكرامة أكرمكم بها قال: فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها قال قتادة: وكان من قبلكم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها ناراً فأكلتها وإن ردت تركت فأكلتها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم رحمة رحمكم بها وتخفيفاً خفف به عنكم فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب أني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي.
قالت تلك أمة أحمد.
قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح وقال: اللهم إذاً فاجعلني من أمة أحمد.
قال فاعطى اثنتين لم يعطهما ﴿ قال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ [ الأعراف: 144] قال: فرضي نبي الله، ثم أعطى الثانية ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 159] قال: فرضي نبي الله موسى كل الرضا.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال موسى: يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: رب أجد في الألواح أمة إذا همَّ بالحسنة كتبت له حسنة وإذا عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بالسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإذا عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب أجد في الألواح أمة هم المشفعون والمشفع لهم فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال رب أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم يوم القيامة فاجعلهم أمتي.
قالت تلك أمة أحمد.
قال: رب أجد في الألواح أمة ينصرون على من ناوأهم حتى يقاتلوا الأعور الدجال فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: فانتبذ الألواح من يده وقال: رب فاجعلني من أمة أحمد.
فأنزل الله: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 159] فرضي نبي الله موسى عليه السلام.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: فيما ناجى موسى ربه فيما وهب الله لمحمد وأمته حيث قرأ التوراة وأصاب فيها نعت النبي وأمته قال: يا رب من هذا النبي الذي جعلته وأمته أولاً وآخراً؟
قال: هذا محمد النبي الأمي العربي الحرمي التهامي من ولد قاذر بن اسمعيل، جعلته أوّلاً في المحشر، وجعلته آخراً ختمت به الرسل، يا موسى ختمت بشريعته الشرائع، وبكتابه الكتب، وبسنته السنن، وبدينه الأديان.
قال: يا رب إنك اصطفيتني وكلمتني؟
قال: يا موسى إنك صفيّ وهو حبيبي أبعثه يوم القيامة على كوم أجعل حوضه أعرض الحياض وأكثرهم وارداً وأكثرهم تبعاً قال: رب لقد كرمته وشرفته.
قال: يا موسى حق لي أن أكرمه وأفضله وأفضل أمته، لأنهم يؤمنون بي وبرسلي كلهم وكلمتي كلها وبغيبي كله ما كان فيهم شاهداً يعني النبي صلى لله عليه وسلم ومن بعد موته إلى يوم القيامة.
قال: يا رب هذا نعتهم؟
قال: نعم.
قال: يا رب وهبت لهم الجمعة أو لأمتي؟
قال: بل لهم الجمعة دون أمتك.
قال: يا رب إني نظرت في التوراة إلى نعت قوم غير محجلين فمن هم، أمن بني إسرائيل هم أمن من غيرهم؟
قال: تلك أمة أحمد الغر المحجلون من آثار الوضوء.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يمرون على الصراط كالبرق والريح فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يصلون الصلوات الخمس فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يتزرون إلى أنصافهم فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت قوماً يراعون الشمس مناديهم في جوّ السماء فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب إني وجدت في التوراة قوماً الحسنة منهم بعشرة والسيئة بواحدة فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم شاهرين سيوفهم لا ترد لهم حاجة؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً إذا أرادوا أمراً استخاروك ثم ركبوه فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني أجد في التوراة نعت قوم يشفع محسنهم في مسيئهم فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يحجون البيت الحرام لا ينأون عنه أبداً لا يقضون منه وطراً ابداً فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم قربانهم دماؤهم فمن هم؟
قال تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يقاتلون في سبيلك صفوفاً زحوفاً يفرغ عليهم الصبر افراغاً فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يذنب أحدهم الذنب فيتوضأ فيغفر له، ويصلي فتجعل الصلاة له نافلة بلا ذنب فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يشهدون لرسلك بما بلغوا فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يجعلون الصدقة في بطونهم فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم العنائم لهم حلال وهي محرمة على الأمم فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم جعلت الأرض لهم طهوراً ومسجداً فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت نعت قوم الرجل منهم خير من ثلاثين ممن كان قبلهم فمن هم؟
تلك أمة أحمد يا موسى الرجل من الأمم السالفة أعبد من الرجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بثلاثين ضعفاً، وهم خير منه بثلاثين ضعفاً بايمانه بالكتب كلها.
قال: يا رب إني وجدت نعت قوم يأوون إلى ذكرك ويتحابون عليه كما تأوي النسور إلى وكورها فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت إذا غضبوا هللوك وإذا تنازعوا سبحوك فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يغضبون لك كما يغضب النمر الحرب لنفسه فمن هم؟
قال: تلك أحمد.
قال يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم وتباشر بهم الملائكة فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تتباشر بهم الأشجار والجبال بممرهم عليها لتسبيحهم لك وتقديسهم لك فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم وهبت لهم الاسترجاع عند المصيبة، ووهب لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تصلي عليهم أنت وملائكتك فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يدخل محسنهم الجنة بغير حساب، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وظالمهم يغفر له فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب فاجعلني منهم.
قال: يا موسى أنت منهم وهم منك لأنك على ديني وهم على ديني، ولكن قد فضلتك برسالاتي وبكلامي فكن من الشاكرين.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يبعثون يوم القيامة قد ملأت صفوفهم ما بين المشرق والمغرب صفوفاً يهوّن عليهم الموقف لا يدرك فضلهم أحد من الأمم فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تقبضهم على فرشهم وهم شهداء عندك فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم لا يخافون فيك لومة لائم فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم أذلة على المؤمنين أعزة على الكفارين فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم صديقهم أفضل الصديقين فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب لقد كرمته وفضلتهُ.
قال: يا موسى هو كذلك نبي وصفي وحبيبي وأمته خير أمة.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم محرمة على الأمم الجنة إن يدخلوها حتى يدخلها نبيهم وأمته فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب لبني إسرائيل ما بالهم؟
قال: يا موسى إن قومك من بني إسرائيل يبدلون دينك من بعدك، ويغيرون كتابك الذي أنزلت عليك، وأن أمة محمد لا يغيرون سنته ولا يبطلون الكتاب الذي أنزلت عليه إلى أن تقوم الساعة، فلذلك بلغتهم سنام كرامتي، وفضلتهم على الأمم، وجعلت نبيهم أفضل الأنبياء.
أولهم في الحشر، وأوّلهم في انشقاق الأرض، وأولهم شافعاً، وأوّلهم مشفعاً.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم حلماء علماء كادوا أن يبلغوا بفقههم حتى يكونوا أنبياء فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا موسى أعطوا العلم الأول والآخر.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً توضع المائدة بين أيديهم فما يرفعونها حتى يغفر لهم فمن هم؟
قال: أولئك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يلبس أحدهم الثوب فما ينفضه حتى يغفر لهم فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم إذا استووا على ظهور دوابهم حمدوك فيغفر لهم فمن هم؟
قال: تلك أمة أحمد، أوليائي يا موسى الذي انتقم بهم من عبدة النيران والأوثان.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون فاجعلها أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلها أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونه ظاهراً فاجعلها أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يأكلون الفيء فاجعلها أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم يؤجرون عليها فاجعلها أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذاً هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشر حسنات فاجعلها أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون قرون الضلالة والمسيح الدجال فاجعلها أمتي.
قال تلك أمة أحمد.
قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فاعطي عند ذلك خصلتين ﴿ فقال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ﴾ قال: قد رضيت يا رب» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عبد الرحمن المغافري أن كعب الأحبار رأى حبر اليهود يبكي فقال له: ما يبكيك؟
قال: ذكرت بعض الأمور فقال له كعب: أنشدك بالله لئن أخبرتك ما أبكاك لتصدقني؟
قال: نعم.
قال: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة في التوراة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، فقال: موسى رب أجعلهم أمتي.
قال: هم أمة أحمد؟
قال الحبر: نعم.
قال كعب: فأنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون، إذا أرادوا أمراً قال افعله إن شاء الله فاجعلهم أمتي.
قال: هم أمة أحمد؟
قال الحبر: نعم.
قال كعب: فأنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله، وإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيد لهم طهور، والأرض لهم مسجداً حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي.
قال: هم أمة أحمد؟
قال الحبر نعم.
قال كعب: انشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب، واصطفيتهم ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ [ فاطر: 32] ولا أجد أحداً منه إلا مرحوماً فاجعلهم أمتي.
قال: هم أمة أحمد؟
قال الحبر: نعم.
قال كعب: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد في التوراة أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون الوان ثياب أهل الجنة، يصفّون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحد إلا من بري من الحسنات مثل ما بري الحجر من ورق الشجر فاجعلهم أمتي.
قال هم أمة أحمد؟
قال الحبر: نعم.
فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمداً وأمته قال: يا ليتني من أمة أحمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ [ الأعراف: 144] الآية فرضي موسى كل الرضا.
وأخرج أبو نعيم عن سعيد بن أبي هلال أن عبد الله بن عمرو قال لكعب: أخبرني عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؟
قال: أجدهم في كتاب الله: أن أحمد وأمته حمَّادون يحمدون الله على كل خير وشر، يكبرون الله على كل شرف يسبحون الله في كل منزل، نداؤهم في جو السماء، لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل على الصخر، يصفون في الصلاة كصفوف الملائكة، وصفَّون في القتال كصفوفهم في الصلاة، وإذا غزوا في سبيل الله كانت الملائكة بين أيديهم ومن خلفهم برماح شداد، إذا حضروا الصفّ في سبيل الله كان الله عليهم مظلاً كما تظل النسور على وكورها، لا يتأخرون زحفاً أبداً حتى يحضرهم جبريل عليه السلام.
وأخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس بن خرشة وكعب الأحبار، حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله؟
فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله به؟!
فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة الذي أنزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن خالد الربعي قال: قرأت في كتاب الله المنزل أن عثمان بن عفان رافع يديه إلى الله يقول: يا رب قتلني عبادك المؤمنون.
وأخرج أحمد في الزهد عن خالد الربعي قال: قرأت في التوراة إتق الله يا ابن آدم، وإذا شبعت فاذكر الجائع.
وأخرج أحمد عن قتادة قال: بلغنا أنه مكتوب في التوراة ابن آدم ارحم ترحم إنه من لا يَرحم لا يُرحم، كيف ترجو أن ارحمك وأنت لا ترحم عبادي؟
وأخرج أحمد وأبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي في صلاتك باكياً فإني أنا الله الذي اقترتب لقلبك وبالغيب رأيت نوري.
قال مالك: يعني الحلاوة والسرور الذي يجد المؤمن.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: أربعة أحرف في التوراة مكتوب من لم يشاور يندم، ومن استغنى استأثر، والفقر الموت الأحمر وكما تدين تدان.
وأخرج أحمد وأبو نعيم عن خيثمة قال: مكتوب في التوراة ابن آدم تفرغ لعبادتي املأ قلبك غنى وأسدّ فقرك، وإن لا تفعل املأ قلبك شغلاً ولا أسد فقرك.
وأخرج أحمد في الزهد عن بيان قال: بلغني أن في التوراة مكتوب ابن آدم كسيرة تكفيك، وخرقة تواريك، وحجر يأويك.
وأخرج أحمد عن وهيب المكي قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت اذكرك إذا غضبت فلا أمحقك مع من أمحق، وإذا ظلمت فارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.
وأخرج أحمد عن الحسن بن أبي الحسن قال: انتهت بنو اسرائيل إلى موسى عليه السلام فقالوا: إن التوراة تكبر علينا فأنبئنا بجماع من الأمر فيه تخفيف.
فاوحى الله إليه: ما سألك قومك؟
قال: يا رب أنت أعلم.
قال: إنما بعثتك لتبلغني عنهم وتبلغهم عني.
قال: فإنهم سألوني جماعاً من الأمر فيه تخفيف، ويزعمون أن التوراة تكبر عليهم فقال الله عز وجل: قل لهم لا تظالموا في المواريث، ولا يدخلن عليكم عبد بيتاً حتى يستأذن، وليتوضأ من الطعام ما يتوضأ للصلاة، فاستخفوها يسيراً ثم إنهم لم يقوموا بها.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك «تقبلوا إلي بستٍ أتقبل لكم بالجنة، من حدث فلا يكذب، ومن وعد فلا يخلف، ومن ائتمن فلا يخون، احفظوا أيديكم وأبصاركم وفروجكم» .
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة من يزدد علماً يزدد وجفاً.
وقال: مكتوب في التوراة من كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه فهو شريكه.
وأخرج أحمد عن قتادة قال: إن التوراة مكتوباً يا ابن آدم تذكرني وتنساني، وتدعو إلي وتفر مني، وأرزقك وتعبد غيري.
وأخرج عبد الله وابنه عن الوليد بن عمر قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة ابن آدم حرك يديك افتح لك باباً من الرزق، وأطعني فيما آمرك فما أعلمني بما يصلحك.
وأخرج عبد الله عن عقبة بن زينب قال: في التوراة مكتوب لا تتوكل على ابن آدم فإن ابن آدم لليس ولكن توكل على الحي الذي لا يموت، وفي التوراة مكتوب مات موسى كليم الله فمن ذا الذي لا يموت؟
وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال: وجدت فيما أنزل الله على موسى أن من أحب الدنيا أبغضه الله، ومن أبغض الدنيا أحبه الله، ومن أكرم الدنيا أهانه الله، ومن أهان الدنيا أكرمه الله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: مكتوب في التوراة ليكن وجهك بسطاً وكلمتك طيبة تكن أحب إلى الناس من الذين يعطونهم العطاء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل في التوراة مكتوب: يا ابن آدم اتق ربك، وابرر والديك، وصل رحمك، أمدَّ لك في عمرك، وأيسر لك يسرك، واصرف عنك عسرك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كردوس الثعلبي قال: مكتوب في التوراة اتق توقه إنما التوقي في التقوى، ارحموا ترحموا توبوا يتاب عليكم.
وأخرج الحكيم في نوادر الأصول عن أبي الجوزاء قال: قرأت في التوراة أن سرَّك أن تحيا وتبلغ علم اليقين فاحتمل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا، فإن من يغلب شهوات الدنيا يفرق الشيطان من ظله.
وأخرج الطبراني في السنة وأبو الشيخ عن كعب قال: لما أراد الله أن يكتب لموسى التوراة قال: يا جبريل ادخل الجنة فائتني بلوحين من شجرة الجنة، فدخل جبريل فاستقبلته شجرة من شجر الجنة من ياقوت الجنة، فقطع منها لوحين فتابعته على ما أمره الرحمن تبارك وتعالى، فأتى بهما الرحمن فأخذهما بيده، فعاد اللوحان نوراً لما مسّهما الرحمن تبارك وتعالى، وتحت العرش نهر يجري من نور لا يدري حملة العرش أين يجيء ولا أين يذهب منذ خلق الله الخلق، فلما استمد منه الرحمن جف فلم يجر، فلما كتب لموسى التوراة بيده ناول اللوحين موسى، فلما أخذهما موسى عاداً حجارة، فلما رجع إلى بني إسرائيل والى هرون وهو مغضب أخذ بلحيته ورأسه يجره إليه فقال له هرون: يا ابن آدم ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ﴾ [ الأعراف: 155] ومع ذلك إني خفت أن آتيك فتقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم تنتظر قولي، فاستغفر موسى ربه تبارك وتعالى، واستغفر لأخيه وقد تكسرت الألواح لما ألقاها من يده.
وأخرج أحمد في الزهد عن كعب الأحبار.
أن موسى عليه السلام كان يقول في دعائه: اللهم ليّن قلبي بالتوراة ولا تجعل قلبي قاسياً كالحجر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: سأل موسى جماعاً من العمل؟
فقيل له: انظر ما تريد أن يصاحبك به الناس فصاحب الناس به.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ فخذها بقوّة ﴾ قال: بجد وحزم ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال: دار الكفار.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فخذها بقوّة ﴾ قال: بجد ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ قال: أمر موسى أن يأخذوها بأشد مما أمر به قومه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فخذها بقوة ﴾ قال: إن الله تعالى يحب أن يؤخذ أمره بقوة وجد.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ فخذها بقوة ﴾ قال: بطاعة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ فخذها بقوة ﴾ يعني بجد واجتهاد ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ قال: بأحسن ما يجدون منها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال مصيرهم في الآخرة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ دار الفاسقين ﴾ قال: منازلهم في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال: جهنم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال: رفعت لموسى حتى نظر إليها.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال: مصر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: ألواح التوراة) (١) واختلفوا في الألواح (٢) (٣) (٤) وقال الحسن: (كانت من خشب نزلت من السماء) (٥) وقال وهب: (كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى فقطعها منها بيده) (٦) وقال ابن جريج: (كانت من زمرد (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال الكلبي (١١) (١٢) وأما الكتابة، فقال: ابن جريج: (كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور فكتب به الألواح) (١٣) وقال مقاتل: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ ﴾ كنقش الخاتم) (١٤) قال عطاء عن ابن عباس: (وكانت الألواح يومئذ ستة، ثم صارت أربعة وعشرين مِمّ ضُمَّ إليها من الوصايا والمواعظ) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، قيل: من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: هداية إلى كل أمر هو لله رضي) (١٨) وقال الكلبي: ﴿ مَوْعِظَةً ﴾ نهي عن الجهل ﴿ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [من الحلال والحرام (١٩) وقال مجاهد:] (٢٠) ﴿ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مما أمروا به ونهوا عنه (٢١) (٢٢) ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ .
قال ابن عباس (٢٤) (٢٥) (٢٦) ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ في دينك وحجتك) (٢٧) وقال أهل المعاني: (بصحة عزيمة؛ لأنه لو أخذه بضعف نية لأداه إلى فتور العمل به) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ .
قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يحلّوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا أمثالها ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها) (٢٩) وذكر أبو إسحاق في هذا وجهين: (أحدهما: أنهم أُمروا بالخير ونهوا عن الشرّ، وعرّفوا ما لهم في ذلك، فقيل: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ .
قال: ويجوز أن يكون ما أمرنا به؛ من الانتصار بعد الظلم، ونحو القصاص في الجروح؛ فهذا كله حسن، والعفو أحسن من القصاص، والصبر أحسن من الانتصار، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ (٣٠) وقال قُطرب (٣١) ﴿ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ ، أي: بحسنها وكلها حسن؛ كقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ).
وقول الفرزدق: بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ (٣٢) وقال أهل المعاني: (أحسنها الفرائض والنوافل وهي ما يستحق عليها الثواب، وأدونها في الحسن المباح؛ لأنه لا يستحق عليه حمد ولا ثواب) (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ .
قال ابن عباس (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقال قتادة: (سأدخلكم الشام فأريكم (٣٩) (٤٠) ﴿ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا) (٤١) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد، وذكره السمرقندي 1/ 569، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239 والبغوي 3/ 280 - 281، والخازن 2/ 287.
(٢) قال محمد أبو شهبة في كتاب "الإسرائيليات والموضوعات" في كتب التفسير ص 201 - 203: (ذكر في الألواح مم هي وما عددها، أقوالًا كثيرة، وفيها ما يخالف المعقول والمنقول وهي متضاربة يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم وإنما هي من الإسرائيليات حملها عنهم بعضهم بحسن نية وليس تفسير الآية متوقفا على كل هذا الذي رووه والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى وفيها التوراة وما ذكروه لا يجب علينا الإيمان به والأولى عدم البحث فيه؛ لأنه لا يؤدي إلى فائدة ولا يوصل إلى غاية) اهـ.
ملخصًا.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 281، وأخرجه الطبري 9/ 66، وابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٤) البُرْد، بالضم: ثَوْب مخطط وأكسية يتلحف بها.
انظر: "القاموس" ص 341 (برد).
(٥) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 260، والبغوي 3/ 281، وابن عطية 6/ 74، وابن الجوزي 3/ 258، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 281، وابن الجوزي 3/ 258، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.
(٧) انظر: "القاموس" ص 285 (زمرد)، وص 325 (ورد).
(٨) أخرجه الطبري 9/ 66، بسند جيد، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 197/ ب، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 287، والسيوطي في "الدر" 3/ 224.
(٩) أخرجه الطبري 9/ 66، من طرق جيدة بلفظ: من زمرد وفي رواية (من زمرد أخضر).
(١٠) "تفسير مقاتل" 2/ 63، وفيه: (كانت من زمرد وياقوت).
(١١) ذكره الثعلبي 197 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 287.
(١٢) الزَّبَرْجَد، بالفتح جَوْهر.
انظر: "القاموس" ص 364 (زبرجد).
(١٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 197/ ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239، والبغوي 3/ 281، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.
(١٤) "تفسير مقاتل" 2/ 62، وفيه: (نقرا كنقش الخاتم) اهـ.
(١٥) لم أقف عليه.
(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 57، و"معاني الزجاج" 2/ 375، والنحاس 3/ 76.
(١٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 239، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد عن ابن عباس قال: (كان الله عز وجل كتب في الألواح ذكر محمد وذكر أمته وما ادخر لهم عنده ولا يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم) اهـ.
(١٨) في "تنوير المقباس" 2/ 126، نحوه، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240 دون نسبة، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1565 بسند جيد عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ (قال: تبيانًا لكل شيء) اهـ.
(١٩) قال الماوردي في "تفسيره" 2/ 260: (قيل الموعظة: النواهي، والتفصيل: الأوامر وهو معنى قول الكلبي) اهـ.
(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢١) "تفسير مجاهد" 1/ 246، وأخرجه الطبري 9/ 57 من طرق جيدة.
(٢٢) قال محمد أبو شهبة في كتاب "الإسرائيليات والموضوعات" في كتب التفسير ص 203: (المحققون من المفسرين سلفًا وخلفًا على أن المراد: أن فيها تفصيلًا لكل شيء مما يحتاجون إليه في الحلال والحرام والمحاسن والقبائح مما يلائم شريعة موسى وعصره وإلا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب وأخلاق لا توجد في التوراة قط) اهـ.
(٢٣) لفظ: ﴿ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ﴾ ساقط من (ب).
(٢٤) أخرجه الطبري 9/ 58 بسند ضعيف، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1565 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (بجد وحزم).
(٢٥) "تفسير مقاتل" 2/ 63، وفيه: (يعني: التوراة بالجد والمواظبة عليه) اهـ.
(٢٦) "تنوير المقباس" 2/ 126.
(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 375، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 77.
(٢٨) ذكره البغوي 3/ 281، والخازن 2/ 288.
(٢٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 288، وأخرج الطبري 9/ 58 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه) اهـ.
(٣٠) "معاني الزجاج" 2/ 375، ونحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 823 (حسن).
(٣١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 240، والبغوي 3/ 281، وابن الجوزي 3/ 259، والرازي 14/ 237.
(٣٢) "ديوانه" 2/ 155، و"الكامل" 2/ 308، والصاحبي ص 434، وابن الجوزي 3/ 259، والرازي 14/ 237، و"اللسان" 6/ 3808 كبر، و"الدر المصون" 5/ 454، و"الخزانة" 8/ 242، وأوله: (إن الذي سمك السماء بني لنا) والشاهد فيه (أعز وأطول) حيث استعمل صيغتي التفضيل في غير التفضيل إذ لو كانتا للتفضيل لكان الفرزدق يعترف بأن لمهجوه وهو جرير بيتا دعائمه عزيزة طويلة وهذا لا يقصده الشاعر.
(٣٣) انظر: "معاني النحاس" 3/ 77، و"تفسير السمرقندي" 1/ 569، والماوردي 2/ 260 - 261، والبغوي 3/ 281، وابن عطية 6/ 75، وابن الجوزي 3/ 259، وقال الطبري في معنى الآية 9/ 58: (يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها والعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه) اهـ.
وانظر: "الفتاوى" لشيخ الإسلام 6/ 16، و12/ 17.
(٣٤) "تنوير المقباس" 2/ 126، وذكره الرازي 14/ 238، عن ابن عباس ومجاهد والحسن، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240 عن عطاء والحسن ومجاهد، وذكره البغوي 3/ 281 - 282، والخازن 2/ 289، عن عطاء والحسن، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1566 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (دار الكفار) اهـ.
(٣٥) أخرجه الطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 77، والثعلبي 197 ب.
(٣٦) ذكره الماوردي 2/ 261، وابن عطية 6/ 77، وابن الجوزي 3/ 260، والقرطبي 7/ 282 عن مجاهد والحسن، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 246 قال: (مصيرهم في الآخرة) اهـ، وأخرجه الطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة، وهذا القول ظاهر وهو اختيار الطبري 9/ 59، وابن كثير 2/ 275؛ لأن الجملة == متصلة بما قبلها، فهي من تمامها، وأولى الأمور أن يختم الأمر بالعمل بالوعيد على من ضيعه.
وقال ابن كثير: (هذا أولى والله أعلم لأن هذا كان بعد إنفصال موسى وقومه عن مصر وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه والله أعلم) اهـ.
(٣٧) في (ب): (وهو).
(٣٨) هذا قول الطبري 9/ 59.
(٣٩) في (ب): (وأيكم).
(٤٠) ذكره الثعلبي 197 ب، والماوردي 2/ 261، والواحدي في "الوسيط" 2/ 241، والبغوي 3/ 282، وابن عطية 6/ 77، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 236، والطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة عن قتادة قال: (منازلهم) اهـ.
وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" ص 281: (بلغنا عن أبي زرعة الرازي أن يحيى بن سلام المفسر حدث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: ﴿ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ قال: مصر، واستعظم أبو زرعة هذا واستقبحه وذكر أنه في تفسير سعيد عن قتادة: مصيرهم) اهـ.
(٤١) ذكره الثعلبي 197 ب، والبغوي 3/ 282، وابن عطية 6/ 77، والرازي 14/ 238، والخازن 2/ 289، وذهب الزمخشري في "تفسيره" 2/ 117، وابن عطية 6/ 77، والقرطبي 7/ 282 إلى أن المراد: منازل القرون الذين أهلكوا ومنها مصر دار فرعون وقومه، ويمكن الجمع بين القولين بأن الآية تضمنت الوعد للمؤمنين بدخول الأرض الموعودة ومنازل القرون الماضية والوعيد للفاسقين بهلاكهم ودخولهم جهنم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً ﴾ روي أن الثلاثين هي شهر ذي القعدة والعشر بعدها هي العشر الأول من ذي الحجة، وذلك تفصيل الأربعين المذكورة في البقرة ﴿ ميقات رَبِّهِ ﴾ أي ما وقت له من الوقت لمناجاته في الطور ﴿ اخلفني ﴾ أي كن خليفتي على بني إسرائيل مدة مغيبي ﴿ قَالَ رَبِّ أرني ﴾ لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها كما قال الشاعر: وأفرح ما يكون الشوق يوماً ** إذا دنت الديار من الديار واستدلت الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزة عقلاً، وأنها لو كانت محالاً لم يسألها موسى، فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل، وتأول الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين: أحدهما أنه إنما سأل ذلك تبكيتا لمن خرج معه من بني إسرائيل الذين طلبوا الرؤية ﴿ فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153]؛ فقال موسى ذلك ليسمعوا الجواب بالمنع فيتأولوا، والآخر أن معنى أرني أنظر إليك: عرفني نفسك تعريفاً واضحاً جلياً وكلا الوجهين بعيد، والثاني أبعد وأضعف، فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له أنظر إلى الجبل الآية ﴿ قَالَ لَن تَرَانِي ﴾ قال مجاهد وغيره: إن الله قال لموسى لن تراني، لأنك لا تطيق ذلك، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشدّ، فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق الجبل فأحرى ألا تطيق أنت، فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالاًلموسى، وقال قوم: المعنى سأتجلى لك على الجبل وهذا ضعيف يبطله قوله: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ فإذا تقرر هذا، فقوله تعالى: لن تراني نفي للرؤية، وليس فيه دليل على أنها محال، فإنه إنما جعل علة النفي عدم إطاقة موسى الرؤية لا استحالتها، ولو كانت الرؤية مستحيلة، لكان في الجواب زجر وإغلاظ كما قال الله لنوح: ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [هود: 46]، فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا لضعف البنية البشرية عن ذلك، وأما في الآخرة، فقد صرح بوقوع الرؤية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينكرها إلا مبتدع، وبين أهل السنة والمعتزلة في مسألة الرؤية تنازع طويل، وفي هذه القصة قصص كثيرة تركتها لعدم صحتها، ولما فيه من الأقوال الفاسدة ﴿ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾ أي مدكوكاً فهو مصدر بمعنى مفعول كقولك: ضربت الأمير، والدك والدق: أخوان، وهو التفتت، وقرئ: دكاء بالمد والهمز أي أرضاً دكا وقيل ذهب أعلى الجبل وبقي أكثره، وقيل تفتت حتى صار غباراً، وقيل ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقاً ﴾ أي مغشياً عليه ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ معناه تبت من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ أي أول قومه أو أهل زمانه، أو على وجه المبالغة في السبق إلى الإيمان ﴿ اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ هو عموم يراد به الخصوص، فإنّ جميع الرسل قد شاركوه في الرسالة، واختلف هل كلم الله غيره من الرسل أم لا، والصحيح: أنه كلم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ تأديباً أي اقنع بما أعطيتك من رسالتي وكلامي ولا تطلب غير ذلك ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح ﴾ أي ألواح التوراة وكانت سبعة، وقيل: عشرة وقيل: اثنان وقيل: كانت من زمردة وقيل: من ياقوت، وقيل: من خشب ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم، وكذلك ﴿ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وموضع كل شيء نصب على أنه مفعول كتبنا، وموعظة بدل منه ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ أي بجدّ وعزم، والضمير للتوراة ﴿ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ أي فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، وكذلك سائر المباحات من المندوبات ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ﴾ أي دار فرعون وقومه وهو مصر، ومعنى أريكم كيف اقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم المتقدّمة ليعتبروا بها، وقيل: جهنم، وقرأ ابن عباس: سأورثكم بالثاء المثلثة من الوراثة، وهي على هذا مصدر لقوله وأورثناها بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.
الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.
﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.
﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بضم الراء وسكون الشين.
﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.
الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.
﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم ﴾ في طه.
الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.
﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.
﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.
التفسير: لما أهلك الله أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟
فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.
وقيل: فائدة التفصيل أنه أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.
وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ فلما أعلمه الله خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.
وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.
ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.
والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.
وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.
﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.
وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.
وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.
﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.
وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.
وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.
وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.
واختلف العلماء أيضاً في أن الله كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.
عن ابن عباس: أن موسى جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.
فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.
قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله .
فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.
قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.
وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.
وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.
وردّ بأنه أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟
ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله عن ذلك؟
ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله ولا يلزم منه المنع في الآخرة.
ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.
وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.
ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.
وفي الآية سؤال وهو أنه لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.
وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.
ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".
والدك والدق أخوان.
ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.
والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.
والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.
وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.
وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟
قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.
وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.
روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.
وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.
وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.
ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.
والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.
قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.
وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى.
والغرض أنه خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.
وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.
وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.
والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.
ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.
وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.
وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.
وقيل: طولها كان عشرة أذرع.
والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.
وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.
وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.
قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.
وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.
﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.
وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.
وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.
وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.
ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.
وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.
وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.
وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .
وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ .
ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.
فاحتجت الأشاعرة بها على أنه قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.
وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.
وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.
وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله .
وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله عنها.
وبوجه آخر إن الله إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.
وعن رسول : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.
والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله ﴿ مما علمت رشداً ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.
ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.
ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.
ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.
قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.
أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.
ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.
قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.
والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.
ومن كسر الحاء فللإتباع.
فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.
واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.
قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.
وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.
وإنما قال ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.
قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.
وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.
واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.
ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.
وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.
قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.
قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.
والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.
واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.
وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.
وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.
وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.
وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.
وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.
ثم قال الله ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.
قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.
ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.
ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.
﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.
وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.
والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.
وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.
وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.
وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.
ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.
قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.
وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.
وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.
وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.
وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.
وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.
وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.
عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.
وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.
قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.
وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.
واعلم أن موسى كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.
وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.
وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.
بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.
ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.
فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.
واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.
وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.
قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.
ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.
قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.
وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.
ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.
وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.
وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.
﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.
التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.
وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.
قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.
﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.
﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.
اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.
وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.
﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.
﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ ﴾ وجهين: أحدهما: أنه إنما أضاف ذلك إلى نفسه لما تولى كتابتها الملائكة البررة الكرام، أضاف [ذلك] إلى نفسه تفضيلاً لهم وتعظيماً على ما ذكر في الكتاب في غير موضع؛ من نحو قوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ ، أخبر أن طاعة الرسول له طاعة، وغير ذلك، فكذلك هذا، والله أعلم.
أو أضاف ذلك إلى نفسه لما كان ويكون إلى يوم القيامة، إنما يكون بكن الذي كان منه في الأوقات التي أراد أن يكون، فعلى ذلك كَتْبُ تلك الألواح كان تحت ذلك الكن، وإن كان أضاف بعض تلك الأشياء إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ ﴾ و ﴿ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ﴾ ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ كذا وخلق لكم كذا ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ ﴾ ونحو ذلك، فذلك كله كان تحت قوله: ﴿ كُنْ ﴾ فكان على ما أراد أن يكون، في الأوقات التي أراد أن تكون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : مما يقع للعباد الحاجة إليه، ويحتمل: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من أمره ونهيه، وحله وحرامه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّوْعِظَةً ﴾ .
قال: الموعظة: هي التي تحمل القلوب على القبول، والجوارح على العمل.
وقال بعضهم: الموعظة: هي التي تنهى عما لا يحل.
قال أبو بكر: الموعظة: هي التي تلين القلوب القاسية، وتدمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة.
قال الشيخ - رحمه الله -: وعندنا الموعظة: هي تذكر العواقب، وتحمله على العمل بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
قيل: تفصيلاً لما أمروا به، ونهوا عنه.
وقيل: بياناً لكل ما يحتاج إليه.
وقوله: ﴿ فَخُذْهَا ﴾ يحتمل - أيضاً - وجهين: يحتمل قوله: ﴿ فَخُذْ ﴾ ، أي: اقبل، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ .
ويحتمل: اعمل بما فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ قال أهل التأويل: بجد ومواظبة، ولكن قوله: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ القوة المعروفة، وعلى قول المعتزلة لا يكون أخذاً بقوة، وقد أخبر أنه أخذها بقوة؛ لأنهم يقولون: إن القوة تكون قبل الفعل، ثم يقولون: إنها لا تبقى وقتين، فيكون في الحاصل لو كانت قبل الفعل أخذاً بغير قوة دلّ أنها مع الفعل، وتقول المعتزلة: دل قوله: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ على أن القوة قد تقدمت الأمر بالأخذ، لكن لا يكون ما ذكروا؛ لأنه أمر بأخذ بقوة دل أنها تقارن الفعل لا تتقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَأْخُذُواْ ﴾ ما ذكرنا من الوجهين القبول أو العمل، أي: مرهم يقبلوا بأحسن القبول.
ويحتمل: مرهم يعملوا بأحسن ما فيها من الأمر، والنهي، والحلال والحرام.
ويحتمل قوله: ﴿ بِأَحْسَنِهَا ﴾ ، أي: بما هو أحكم وأتقن.
أو بأحسن مما عمل به الأولون؛ إذ فيه أخبار الأولين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قال ذلك لبني إسرائيل: سأريكم دار الفاسقين، يعني: سنة الفاسقين، وهو الهلاك؛ كقوله : ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ وسنته في أهل الفسق والكفر والهلاك.
وقال ابن عباس - - [قال]: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ : جهنم، وأمكن أن يكون الخطاب للفسقة، سأريكم يا أهل الفسق دار الفاسقين.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي...
﴾ الآية.
يخرج هذا على وجهين: أحدهما: [سأصرف عن آياتي أي: ] سأصرفهم عن قبولها وتصديقها؛ إذ لم يستقبلوها بالتعظيم لها، بل استهزءوا بها واستخفوا بها على علم منهم أنها آيات من الله وحجة.
والثاني: سأصرف عن وجود الطعن والقدح فيها والكيد لها، ثم إن كل واحد من هذين الوجهين يتوجه على وجهين: قال الحسن: إن للكفر حدّاً إذا بلغ الكافر ذلك الحد يطبع عليه، فلا يقبل ولا يصدق آياته بعد ذلك.
والثاني: أنهم كانوا يتعنتون في آياته ويكابرون في ردّها مع علمهم أنها آيات وحجج من الله، فإذا تعانتوا صرفهم عن قبولها وتصديقها، وهو كقوله : ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ ، [وقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ] أي: خلق منهم فعل الزيغ وفعل الانصراف، وهكذا كل من يختار عداوة الله، فالله لا يختار له ولايته، ولكن يختار له ما اختار هو.
وأما قوله: ﴿ سَأَصْرِفُ ﴾ عن وجود الطعن فيها والقدح؛ وذلك أن الله - عز وجل - جعل للرسل والأنبياء أضداداً من كبراء الكفرة وعظمائهم، وكانوا يطعنون في الآيات، ويقدحون فيها، فأخبر أنه يصرفهم عن وجود الطعن فيها [والقدح] والكيد لها، أي: لا يجدون فيها مطعناً ولا قدحاً.
والثاني: قوله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ﴾ الهلاك والإبطال، بل [هم] المهلكون والآيات هي الباقية، ثم اختلف في الآيات: قال الحسن: آياتي: ديني، وتأويله ما ذكرنا أنهم إذا بلغوا ذلك الحد صرفهم عنها.
وقال غيره: آياته: حججه وبراهينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ .
كانوا يتكبرون هم على الرسل لما لم يروهم أمثالاً لأنفسهم وأشكالاً، وهكذا كل من تكبر على آخر يتكبر لما لم يره مثالاً لنفسه ولا شكلاً، أو يتكبر لما يرى نفسه سليمة عن العيوب، ويرى في غيره عيوباً، أو يرى لنفسه حقوقاً عليه فيتكبر، [فإذا كان التكبر] لهذا، فالخلق كلهم أكفاء بعضهم لبعض؛ لأنهم أمثال وأشكال، وفيهم العيوب والحاجات، فلا يسع لأحد التكبر على أحد، وإنما التكبر لله ، فله يليق لما لا مثل له ولا شكل، منزه عن العيوب كلها والحاجات؛ لذلك كان هو الموصوف بالكبرياء والعظمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ليسوا هم بأهل الكبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ﴾ أمكن أن يكون قوله: ﴿ يَرَوْاْ ﴾ ، أي: إن علموا أنه آية لا يؤمنون به أبداً، هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً.
﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾ .
أي: وإن علموا [أنه سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً ولا يتبعوه؛ مخافة أن تذهب بأسهم ومكانتهم ﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾ أي: وإن علموا] أن ذلك هو سبيل الغي والباطل يتخذوه سبيلاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ الصرف الذي ذكر عن آياته لما كذبوا الآيات بعد علمهم أنها آيات من الله، وكانوا عنها عافلين غفلة الإعراض والعناد لا غفلة الجهل والسهو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .
أي: الذين كذبوا بالآيات والبعث بعد الموت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أنهم كانوا مؤمنين من قبل فكذبوا الآيات، فكفروا بها، فحبطت الأعمال التي كانت لهم في حال الإيمان، وبطلت.
ويحتمل: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ : المعروف الذي كانوا يفعلون في حال الكفر؛ من نحو صلة الرحم، والصدقات وغيره من المعروف، والخيرات التي عملوا بها، حبط ثواب ذلك كله إذا لم يأتوا بالإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: ما يجزون إلا ما كانوا يعملون من الاستهزاء بالآيات والاستخفاف.
<div class="verse-tafsir"
وكتبنا لموسى في ألواح من خشب أو غيره من كل ما يحتاجه بنو إسرائيل من أمور دينهم ودنياهم موعظة لمن يتعظ منهم، وتفصيلًا للأحكام التي يحتاج إلى تفصيلها، فخذ هذه التوراة -يا موسى- بجد واجتهاد، وَأمُرْ قومك بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسن ما فيها مما أجره أعظم كفعل المأمور به على أكمل وجه، وكالصبر والعفو، سأريكم عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، وما يصير إليه من الهلاك والدمار.
<div class="verse-tafsir" id="91.e5XDN"