الآية ١٤٦ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٤٦ من سورة الأعراف

سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ ١٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٦ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ( 147 ) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) أي : سأمنع فهم الحجج والأدلة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي ، ويتكبرون على الناس بغير حق ، أي : كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل ، كما قال تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) [ الأنعام : 110 ] وقال تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) [ الصف : 5 ] وقال بعض السلف : لا ينال العلم حيي ولا مستكبر .

وقال آخر : من لم يصبر على ذل التعلم ساعة ، بقي في ذل الجهل أبدا .

وقال سفيان بن عيينة في قوله : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) قال : أنزع عنهم فهم القرآن ، وأصرفهم عن آياتي .

قال ابن جرير : وهذا يدل على أن هذا خطاب لهذه الأمة قلت : ليس هذا بلازم ; لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة ، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا ، والله أعلم .

وقوله : ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) كما قال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] .

وقوله : ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ) أي : وإن ظهر لهم سبيل الرشد ، أي : طريق النجاة لا يسلكوها ، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا .

ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال بقوله : ( ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ) أي : كذبت بها قلوبهم ، ( وكانوا عنها غافلين ) أي : لا يعلمون شيئا مما فيها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: سأنـزع عنهم فهم الكتاب.

* ذكر من قال ذلك: 15122- حدثنا أحمد بن منصور المروزي قال، حدثني محمد بن عبد الله بن بكر قال: سمعت ابن عيينة يقول في قول الله: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق "، قال يقول: أنـزع عنهم فهم القرآن, وأصرفهم عن آياتي.

(17) * * * قال أبو جعفر: وتأويل ابن عيينة هذا يدل على أن هذا الكلام كان عنده من الله وعيدًا لأهل الكفر بالله ممن بعث إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، دون قوم موسى, لأن القرآن إنما أنـزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون، موسى عليه السلام .

* * * وقال آخرون في ذلك: معناه: سأصرفهم عن الاعتبار بالحجج.

* ذكر من قال ذلك: 15123- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " سأصرف عن آياتي"، عن خلق السماوات والأرض والآيات فيها, سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه سيصرف عن آياته, وهي أدلته وأعلامه على حقيقة ما أمر به عباده وفرض عليهم من طاعته في توحيده وعدله، (18) وغير ذلك من فرائضه.

والسماوات والأرض, وكل موجود من خلقه، فمن آياته, والقرآن أيضًا من آياته، (19) وقد عم بالخبر أنه يصرف عن آياته المتكبرين في الأرض بغير الحق, وهم الذين حقَّت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون, فهم عن فهم جميع آياته والاعتبار والادّكار بها مصروفون، لأنهم لو وفِّقوا لفهم بعض ذلك فهُدوا للاعتبار به، اتعظوا وأنابوا إلى الحق, وذلك غير كائن منهم, لأنه جلّ ثناؤه قال: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا ، فلا تبديل لكلمات الله.

* * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن ير هؤلاء الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق و= " وتكبرهم فيها بغير الحق "، تجبرهم فيها, واستكبارهم عن الإيمان بالله ورسوله، والإذعان لأمره ونهيه, (20) وهم لله عبيدٌ يغذوهم بنعمته، (21) ويريح عليهم رزقه بكرة وعشيًّا، (22) = " كل آية "، يقول: كل حجة لله على وحدانيته وربوبيته, وكل دلالة على أنه لا تنبغي العبادة إلا له خالصة دون غيره.

(23) = " لا يؤمنوا بها "، يقول: لا يصدقوا بتلك الآية أنها دالة على ما هي فيه حجة, ولكنهم يقولون: " هي سحر وكذب " = " وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا "، يقول: وإن ير هؤلاء الذين وصف صفتهم طريق الهدى والسداد الذي إن سلكوه نجوا من الهلكة والعطب، وصاروا إلى نعيم الأبد، لا يسلكوه ولا يتخذوه لأنفسهم طريقًا, جهلا منهم وحيرة (24) = " وإن يروا سبيل الغي"، يقول: وإن يروا طريق الهلاك الذي إن سلكوه ضلّوا وهلكوا.

* * * وقد بينا معنى " الغي" فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

(25) " يتخذوه سبيلا "، يقول: يسلكوه ويجعلوه لأنفسهم طريقًا، لصرف الله إياهم عن آياته، وطبعه على قلوبهم, فهم لا يفلحون ولا ينجحون= " ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين "، يقول تعالى ذكره: صرفناهم عن آياتنا أن يعقلوها ويفهموها فيعتبروا بها و يذكروا فينيبوا، عقوبةً منا لهم على تكذيبهم بآياتنا = " وكانوا عنها غافلين "، يقول: وكانوا عن آياتنا وأدلتنا الشاهدة على حقيقة ما أمرناهم به ونهيناهم عنه= " غافلين "، لا يتفكرون فيها, لاهين عنها، لا يعتبرون بها, فحق عليهم حينئذ قول ربنا فعَطِبوا.

(26) * * * واختلف القرأة في قراءة قوله: " الرشد ".

فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض المكيين وبعض البصريين: (الرُّشْدِ)، بضم " الراء " وتسكين " الشين ".

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة وبعض المكيين: (الرَّشَدِ)، بفتح " الراء " و " الشين ".

* * * ثم اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك إذا ضمت راؤه وسكنت شينه, وفيه إذا فتحتا جميعًا.

فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: معناه إذا ضمت راؤه وسكنت شينه: الصلاح, كما قال الله: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ، [سورة النساء: 6]، بمعنى: صلاحًا.

وكذلك كان يقرؤه هو= ومعناه إذا فتحت راؤه وشينه: الرشد في الدين, كما قال جل ثناؤه: تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [سورة الكهف: 66]، (27) بمعنى الاستقامة والصواب في الدين.

* * * وكان الكسائي يقول: هما لغتان بمعنى واحد, مثل: " السُّقم " و " السَّقَم ", و " الحُزْن " و " الحَزَن " وكذلك " الرُّشْد " و " الرَّشَد ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضةٌ القراءة بهما في قرأة الأمصار، متفقتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ بها.

------------------- الهوامش : (17) (2) الأثر : 15122 - (( أحمد بن منصور بن سيار الرمادى )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 10260 ، 10521 .

و (( محمد بن عبد الله بن بكر بن سليمان الخزاعى الصنعانى الخلنجى )) ، صدوق .

روى عنه النسائى ، وأبو حاتم وغيرهما .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/2/295 .

(18) (1) في المطبوعة : (( على حقيقة ما امر به عباده )) ، فعل بها ما فعل بسوابقها .

انظر ما سلف ص : 68 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(19) (2) انظر تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .

(20) (1) انظر تفسير (( التكبر )) فيما سلف : 70 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(21) (2) في المطبوعة : (( يغدوهم )) بالدال المهملة ، والصواب ما أثبت .

(22) (3) (( أراح عليه حقه )) ، رده عليه ، يقول الشاعر :إلا تريحــى علينــا الحـق طائعـة دُونَ القُضَـاةِ ، فَقَاضِينَـا إلَـى حَـكَمِ (23) (4) انظر تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .

(24) (5) انظر تفسير (( السبيل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .

= وتفسير (( الرشد )) فيما سلف 3 : 482 / 5 : 416 / 7 : 576 .

(25) (6) انظر تفسير (( الغي )) فيما سلف 5 : 416 / 12 : 333 .

(26) (1) انظر تفسير (( الغفلة )) فيما سلف ص : 75 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(27) (2) قراءتنا وقراءة السبعة : (( رشدا )) ( بضم الراء وسكون الشين ) ، وقراءة أبي عمرو من السبعة كما ذكر أبو جعفر ، ولذلك استدل بها أبو عمرو في هذا الموضع .

ولم يذكر هذه القراءة أبو جعفر في تفسير الآية من سورة الكهف .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلينقوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق قال قتادة : سأمنعهم فهم كتابي .

وقاله سفيان بن عيينة .

وقيل : سأصرفهم عن الإيمان بها .

وقيل : سأصرفهم عن نفعها ; وذلك مجازاة على تكبرهم .

نظيره : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم .

والآيات - على هذا - المعجزات أو الكتب المنزلة .

وقيل : خلق السماوات والأرض .

أي أصرفهم عن الاعتبار بها .

يتكبرون يرون أنهم أفضل الخلق .

وهذا ظن باطل ; فلهذا قال : بغير الحق فلا يتبعون نبيا ولا يصغون إليه لتكبرهم .قوله تعالى وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلايعني : هؤلاء المتكبرون أخبر عنهم أنهم يتركون طريق الرشاد ويتبعون سبيل الغي والضلال ; أي الكفر يتخذونه دينا .ثم علل فقال : ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا أي ذلك الفعل الذي فعلته بهم بتكذيبهم وكانوا عنها غافلين أي كانوا في تركهم تدبر الحق كالغافلين .

ويحتمل أن يكونوا غافلين عما يجازون به ; كما يقال : ما أغفل فلان عما يراد به ; وقرأ مالك بن دينار ( وإن يروا ) بضم الياء في الحرفين ; أي يفعل ذلك بهم .

وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة " سبيل الرشد " بضم الراء وإسكان الشين .

وأهل الكوفة إلا عاصما ( الرشد ) بفتح الراء والشين .

قال أبو عبيد : فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد فقال : الرشد في الصلاح .

والرشد في الدين .

قال النحاس : سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد مثل السخط والسخط ، وكذا قال الكسائي .

والصحيح عن أبي عمرو غير ما قال أبو عبيد .

قال إسماعيل بن إسحاق : حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال : إذا كان الرشد وسط الآية [ ص: 255 ] فهو مسكن ، وإذا كان رأس الآية فهو محرك .

قال النحاس : يعني برأس الآية نحو وهيئ لنا من أمرنا رشدا فهما عنده لغتان بمعنى واحد ; إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات .

ويقال : رشد يرشد ، ورشد يرشد .

وحكى سيبويه رشد يرشد .

وحقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد ، وهو ضد الخيبة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: يتكبرون على عباد اللّه وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه اللّه خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات اللّه ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح.

وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم للّه ورسوله، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى اللّه، وإلى دار كرامته لا يَتَّخِذُوهُ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا والسبب في انحرافهم هذا الانحراف ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ فردهم لآيات اللّه، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) قال ابن عباس : يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي ، يعني : سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق ، كقوله : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) .

قال سفيان بن عيينة : سأمنعهم فهم القرآن .

قال ابن جريج : يعني عن خلق السماوات والأرض وما فيها أي أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها .

وقيل : حكم الآية لأهل مصر خاصة ، وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى موسى عليه السلام .

والأكثرون على أن الآية عامة ( وإن يروا ) يعني : هؤلاء المتكبرين ( كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد ) قرأ حمزة والكسائي " الرشد " بفتح الراء والشين ، والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما لغتان كالسقم والسقم والبخل والبخل والحزن والحزن .

وكان أبو عمرو يفرق بينهما ، فيقول : الرشد - بالضم - الصلاح في الأمر ، وبالفتح الاستقامة في الدين .

معنى الآية : إن يروا طريق الهدى والسداد ( لا يتخذوه ) لأنفسهم ( سبيلا ( وإن يروا سبيل الغي ) أي طريق الضلال ( يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) عن التفكير فيها والاتعاظ بها غافلين ساهين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سأصرف عن آياتي» دلائل قدرتي من المصنوعات وغيرها «الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق» بأن أخذلهم فلا يتكبرون فيها «وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل» طريق «الرُّشد» الهدى الذي جاء من عند الله «لا يتخذوه سبيلا» يسلكوه «وإن يروا سبيل الغي» الضلال «يتخذوه سبيلا ذلك» الصرف «بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين» تقدم مثله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سأصرف عن فَهْم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي، والمتكبرين على الناس بغير الحق، فلا يتبعون نبيًا ولا يصغون إليه لتكبرهم، وإنْ يَرَ هؤلاء المتكبرون عن الإيمان كل آية لا يؤمنوا بها لإعراضهم ومحادَّتهم لله ورسوله، وإن يروا طريق الصلاح لا يتخذوه طريقًا، وإن يروا طريق الضلال، أي الكفر يتخذوه طريقًا ودينًا؛ وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن النظر فيها والتفكر في دلالاتها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - عاقبة من يتكبرون فى الأرض بغير الحق فقال - تعالى - : ( سَأَصْرِفُ عَنْ .

.

.

) .قوله - تعالى - ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ) استئناف مسوق لبيان أن أعداء دعاة الحق هم المستكبرون ، لأن من شأن التكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال عى وجوه الخير .

ومعنى صرف هؤلاء المتكبرين عن الانتفاع بآيات الله وحججه ، منعهم عن ذلك بالطبع على قلوبهم لسوء استعدادهم لا يتفكرون ولا يتدبرون ولا يعتبرون .أى : سأطبع على قلوبهم هؤلاء الذين يعدون أنفسهم كبراء ، ويرون أنفسهم أنهم أعلى شأناً من غيرهم ، مع أنهم أجهل الناس عقلا ، وأتعسهم حالا .وقوله ( بِغَيْرِ الحق ) صلة للتكبر على معنى يتكبرون ويتطاولون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل ، وسفههم المفرط ، أو متعلق بمحذوف هو حال من فاعله ، أى يتكبرون متلبسين بغير الحق .ثم بين - سبحانه - ما هم عليه من عناد وجحود فقال : ( وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ) أى : وأن يروا كل آية من الآيات التى تهدى إلى لاحق وترشد إلى الخير لا يؤمنوا بها لفساد قلوبهم ، وحسدهم لغيرهم على ما آتاه الله من فضله ، وتكبرهم على الناس .

والجلمة الكريمة معطوفة على جملة ( يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ) داخلة معها فى حكم الصلة .والمقصود بالآية إما المنزلة فيكزن المراد برؤيتها مشاهدتها والإحساس بها عن طريق السماع .

وإمَّا ما يعمها وغيرها من المعجزات ، فيكون المراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبطار .( وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد ) أى : الصلاح والاستقامة والسداد ( لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) أى : لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه لمخالفته لأهوائهم وشهواتهم ( وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي ) أى : طريق الضلال عن الحق ( يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) أى : طريقاً يميلون إليه ، ويسيرون فيه بدون تفكر أو تدبر .

وهذا شأن من مرد على الضلال ، وانغمس فى الشرور والآثام .

إنه لإلفه المنكرات صار الحسن عنده قبيحا والقبيح حسنا ، وصدق الله إذ يقول : ( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان الأسباب التى أدت بهم إلى هذا الضلال العجيب فقال - تعالى - : ( ذلك بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ) أى : ذلك المذكور من التكبر وعدم الإيمان بشىء من الدلائل الدالة على الحق وإعراضهم عن سبيل الهدى .

وإقبالهم التام على طريق الغواية ، كائن بسبب أنهم كذبوا بآياتنا الدالة على بطلان ما هم عليه من أباطيل ، وبسبب أنهم كانوا عن هذه الآيات غافلين لاهين لا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون بما اشتملت عليه من عظات .فالله - تعالى - لم يخلقهم مطبوعين على شىء مما ذكر طبعاً ، ولم يجبرهم ويكرههم عليه إكراهاً ، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم للتكذيب بآياته الدالة على الحق .واسم الإشارة ( ذلك ) مبتدأ ، وخبره الجار والمجرور بعده ، أى : ذلك الصرف بسبب تكذيبهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين  ﴾ ذكر في هذه الآية ما يعاملهم به فقال: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وذلك ظاهر، وقالت المعتزلة: لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: قال الجبائي لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى يصرفهم عن الإيمان بآياته لأن قوله: ﴿ سَأَصْرِفُ ﴾ يتناول المستقبل وقد بين تعالى أنهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف، لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في الأرض بغير الحق وبأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً، فثبت أن الآية دالة على أن الكفر قد حصل لهم في الزمان الماضي، فهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله.

الوجه الثاني: أن قوله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض ﴾ مذكور على وجه العقوبة على التكبر والكفر، فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم، لكان معناه أنه تعالى خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر، ومعلوم أن العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز، فثبت أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر.

الوجه الثالث: أنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه فكيف يمكن أن يقول مع ذلك ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ  ﴾ ، ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ  ﴾ فثبت أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها على وجوه أخرى.

فالوجه الأول: قال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به، وهو شبيه بقوله: ﴿ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  ﴾ فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة.

والوجه الثاني: في التأويل ما ذكره الجبائي فقال: سأصرف هؤلاء المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء والمؤمنين، وإنما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم، وذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله.

والوجه الثالث: أن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان.

فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات، فحينئذ يصرفهم الله عنها.

والوجه الرابع: أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله ذلك منه، صح من الله تعالى أن يصرفه عنه.

والوجه الخامس: نقل عن الحسن أنه قال: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه، فالمراد من قوله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي ﴾ هؤلاء.

فهذا جملة ما قيل في هذا الباب، وظهر أن هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال.

والله أعلم.

المسألة الثانية: معنى يتكبرون: أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى، لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبراً، وقال بعضهم: التكبر: إظهار كبر النفس على غيرها.

وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد، وصفة مدح في الله جل جلاله، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه لأن ذلك في حقه حق.

وفي حق غيره باطل.

واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله: ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ الرشد ﴾ بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين.

وفرق أبو عمرو بينهما فقال: ﴿ الرشد ﴾ بضم الراء الصلاح لقوله تعالى: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً  ﴾ أي صلاحاً، و ﴿ الرشد ﴾ بفتحهما الاستقامة في الدين.

قال تعالى: ﴿ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً  ﴾ وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد، مثل الحزن والحزن، والسقم والسقم، وقيل: ﴿ الرشد ﴾ بالضم الاسم، وبالفتحتين المصدر.

البحث الثاني: ﴿ سَبِيلَ الرشد ﴾ عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و ﴿ سَبِيلَ الغى ﴾ ما يكون مضاداً لذلك، ثم بيّن تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين: أحدهما: كونهم مكذبين بآيات الله.

والثاني: كونهم غافلين عنها، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ذكروا في عدد الألواح وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح وقيل: سبعة.

وقيل؛ لوحين، وأنها كانت من زمرّد جاء بها جبريل عليه السلام.

وقيل: من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء.

وقيل: أمر الله موسى بقطعها من صخرة صماء لينها له، فقطعها بيده وشقها بأصابعه.

وعن الحسن كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراة، وأن طولها كان عشرة أذرع.

وقوله: ﴿ مِن كُلّ شَيْء ﴾ في محل النصب مفعول كتبنا.

و ﴿ مَّوْعِظَةٌ ﴾ وتفصيلاً بدل منه.

والمعنى: كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام.

وقيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزأ منه في سنة لم يقرأها إلاّ أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى عليهم السلام.

وعن مقاتل: كتب في الألواح: إني أنا الله الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئاً، ولا تقطعوا السبيل، ولا تحلفوا بإسمي كاذبين؛ فإن من حلف بإسمي كاذباً فلا أزكيه، ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا تعقوا الوالدين ﴿ فَخُذْهَا ﴾ فقلنا له: خذها، عطفاً على كتبنا، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ ﴾ [الأعراف: 144] والضمير في ﴿ خُذْهَا ﴾ للألواح، أو لكل شيء، لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات، أو للتوراة.

ومعنى ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بجدّ وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل ﴿ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ أي فيها ما هو حسن وأحسن، كالاقتصاص، والعفو، والانتصار، والصبر.

فمرهم أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب، كقوله تعالى: ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ [الزمر: 55] وقيل: يأخذوا بما هو واجب أو ندب، لأنه أحسن من المباح.

ويجوز أن يراد: يأخذوا بما أمروا به، دون ما نهوا عنه، على قولك: الصيف أحرّ من الشتاء ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ﴾ يريد دار فرعون وقومه وهي مصر، كيف أقفرت منهم ودمّروا لفسقهم، لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم.

وقيل: منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممرّكم عليها في أسفاركم.

وقيل: دار الفاسقين: نار جهنم.

وقرأ الحسن: ﴿ سأوريكم ﴾ وهي لغة فاشية بالحجاز.

يقال: أورني كذا، وأوريته.

ووجهه أن تكون من أوريت الزند كأنَّ المعنى بيّنه لي وأنره لأستبينه وقرئ: ﴿ سأورثكم ﴾ قراءة حسنة يصححها قوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ [الأعراف: 137] .

﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي ﴾ بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم، فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها، غفلة وانهماكاً فيما يشغلهم عنها من شهواتهم.

وعن الفضيل بن عياض: ذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عظمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي» وقيل: سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى، بأن جمع لها السحرة، فأبى الله إلاَّ علو الحقّ وانتكاس الباطل.

ويجوز: سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها.

وتسميتها سحراً بإهلاكهم.

وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم بها، لئلا يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ فيه وجهان: أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين، لأن التكبر بالحقّ لله وحده.

وأن يكون صلة لفعل التكبر، أي يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم ﴿ وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ ﴾ من الآيات المنزلة عليهم ﴿ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ﴾ وقرأ مالك بن دينار: ﴿ وإن يروا ﴾ بضم الياء.

وقرئ: ﴿ سبيل الرشد ﴾ و ﴿ الرشد ﴾ و ﴿ الرشاد ﴾ ، كقولهم: السقم والسقم والسقام.

وما أسفه من ركب المفازة، فإن رأى طريقاً مستقيماً أعرض عنه وتركه، وإن رأى معتسفاً مردياً أخذ فيه وسلكه، ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه ﴿ ذلك ﴾ في محل الرفع أو النصب على معنى: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو صرفهم الله ذلك الصرف بسبب ﴿ وَلِقَاء الآخرة ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به.

أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، ومن إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى: ولقاء ما وعد الله في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ ﴾ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ.

﴿ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ ﴾ في الأرْضِ بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها.

وقِيلَ سَأصْرِفُهم عَنِ إبْطالِها وإنِ اجْتَهَدُوا كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ فَعادَ عَلَيْهِ بِإعْلائِها أوْ بِإهْلاكِهِمْ.

﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ صِلَةُ يَتَكَبَّرُونَ أيْ يَتَكَبَّرُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ وهو دِينُهُمُ الباطِلُ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ.

﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ ﴾ مُنَزَّلَةٍ أوْ مُعْجِزَةٍ.

﴿ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ لِعِنادِهِمْ واخْتِلالِ عُقُولِهِمْ بِسَبَبِ انْهِماكِهِمْ في الهَوى والتَّقْلِيدِ وهو يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ.

﴿ وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ﴾ لِاسْتِيلاءِ الشَّيْطَنَةِ عَلَيْهِمْ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ الرُّشْدِ ﴾ بِفَتْحَتَيْنِ وقُرِئَ « الرَّشادِ» وثَلاثَتُها لُغاتٌ كالسُّقْمِ والسَّقَمِ والسَّقامِ، ﴿ وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ ﴾ أيْ ذَلِكَ الصَّرْفُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ لِلْآياتِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ ذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ سَأصْرِفُ ذَلِكَ الصَّرْفَ بِسَبَبِهِما.

﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ ﴾ أيْ ولِقائِهِمُ الدّارَ الآخِرَةَ، أوْ ما وعَدَ اللَّهُ في الدّارِ الآخِرَةِ.

﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ لا يَنْتَفِعُونَ بِها.

﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ إلّا جَزاءَ أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سأصرف عن آياتي} عن فهمها قال ذو النون قدس الله روحه أبى الله أن يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمة القرآن {الَّذِينَ يَتكَبَّرُونَ} يتطاولون على الخلق وياتفون عن قبول الحق وحقيقته التكلف للكبريءا التى اختص بالباري عزت قدرته {فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} هو حال أى يتكرون غير محقين لأن التكبر بالحق لله وحده {وإن يروا كل آية} من الآيات المنزلة عليهم {لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ} طريق صلاح الأمر وطريق الهدى الرَّشد حمزة وعلي وهما كالسقم والسقم {لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغي} الضلال {يتخذوه سبيلا} ومخل {ذلك} الرفع أي ذلك

الصرف {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بآياتنا} يبسبب تكذيبهم {وَكَانُوا عَنْهَا غافلين} غفلة عناد واعراض لا غفلة سهوا وجهل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِتَحْذِيرِهِمْ عَنِ التَّكَبُّرِ المُوجِبِ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ في الآياتِ الَّتِي كُتِبَتْ في ألْواحِ التَّوْراةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمَواعِظِ والأحْكامِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما وُعِدُوا إراءَتَهُ مِن دارِ الفاسِقِينَ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ عَنْها مَنعُهم بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَكادُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ أيْ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أنْفُسَهم كُبَراءَ ويَرَوْنَ أنَّ لَهُمُ ارْتِفاعًا في العالَمِ السُّفْلِيِّ ومِزْيَةً عَلى الخَلْقِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِآياتِي ولا يَغْتَنِمُونَ مَغانِمَ آثارِها فَلا تَسْلُكُوا مَسْلَكَهم فَتَكُونُوا أمْثالَهم.

وقِيلَ: هو جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِنَ الوَعْدِ بِإدْخالِ أرْضِ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ ما تُلِيَ آنِفًا ونَظائِرُهُ وبِالصَّرْفِ عَنْها إزالَةُ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ مَقامِ مُعارَضَتِها ومُمانَعَتِها لِوُقُوعِ أخْبارِها وظُهُورِ أحْكامِها وآثارِها بِإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِ مُوسى أوْ يُوشَعَ عَلَيْهِما السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَرى دارَهم وهم فِيها؟

فَقِيلَ لَهُمْ: سَأُهْلِكُهُمْ، وإنَّما عُدِلَ إلى الصَّرْفِ لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالآياتِ واطْمِئْنانًا بِها، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ الكَلامُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سَأُرِيكُمْ ﴾ وإمّا بِما تَقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَها مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وأْمُرْ ) إلَخْ.

عَلى مَعْنى الأمْرِ كَذَلِكَ، وأمّا الإرادَةُ فَإنِّي سَأصْرِفُ عَنِ الأخْذِ بِآياتِي أهْلَ الطَّبْعِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ: الكَلامُ مَعَ كافِرِي مَكَّةَ والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها ﴾ الآيَةَ، وإيرادُ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ لِلِاعْتِبارِ، أيْ: سَأصْرِفُ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ إبْطالِ الآياتِ وإنِ اجْتَهَدُوا كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ فَعادَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِعَكْسِ ما أرادَ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الكَلامِ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اعْتِراضٌ في خِلالِ ما سِيقَ لِلِاعْتِبارِ ومِن حَقِّ مَن ساقَ قِصَّةً لَهُ أنْ يُنَبِّهَ عَلى مَكانِهِ كُلَّما وجَدَ فُرْصَةَ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ أنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، واحْتَجَّ بِالآيَةِ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّ عَنْهُ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالصَّرْفِ المَنعُ عَنِ الإيمانِ ولَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ كَما عَلِمْتَ، وقَدْ خاضَ المُعْتَزِلَةُ في تَأْوِيلِها فَأوَّلُوها بِوُجُوهٍ ذَكَرَها الطَّبَرْسِيُّ.

﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ إمّا صِلَةً لِلتَّكَبُّرِ عَلى مَعْنى يَتَكَبَّرُونَ ويَتَعَزَّزُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ وهو دِينُهُمُ الباطِلُ وظُلْمُهُمُ المُفْرِطُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: يَتَكَبَّرُونَ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ومَآلِهِ، يَتَكَبَّرُونَ غَيْرَ مُحِقِّينَ لِأنَّ التَّكَبُّرَ بِحَقٍّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الَّذِي أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ««الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظَمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي في واحِدٍ مِنهُما قَذَفْتُهُ في النّارِ»».

وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَتَكَبَّرُونَ عَلى مَن لا يَتَكَبَّرُ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأمّا التَّكَبُّرُ عَلى المُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا صُورَةُ تَكَبُّرٍ لا تَكَبُّرٌ حَقِيقَةً فَلَعَلَّ مُرادَ هَذا القائِلِ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِما ذُكِرَ لِإظْهارِ أنَّهم يَتَكَبَّرُونَ حَقِيقَةً.

﴿ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ عُطِفَ عَلى يَتَكَبَّرُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، والمُرادُ بِالآيَةِ إمّا المَنزِلَةُ فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها مُشاهَدَتُها والإحْساسُ بِها بِسَماعِها أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ المُعْجِزاتِ، فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها مُطْلَقُ المُشاهَدَةِ المُنْتَظِمَةِ لِلسَّماعِ والإبْصارِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الآياتِ فِيما تَقَدَّمَ بِالمَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، والآيَةُ هُنا بِالمَنزِلَةِ أوِ المُعْجِزَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ الدَّوْرُ عَلى ما قِيلَ فَلْيُفْهَمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى: سَأصْرِفُ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى رَأْيِ صاحِبِ المِفْتاحِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ عُمُومُ النَّفْيِ لا نَفْيُ العُمُومِ: أيْ: كَفَرُوا بِكُلِّ أيَّةِ آيَةٍ.

﴿ وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ ﴾ أيْ: طَرِيقَ الهُدى والسَّدادِ.

﴿ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ﴾ أيْ: لا يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ ولا يَسْلُكُونَهُ أصْلًا لِاسْتِيلاءِ الشَّيْطَنَةِ عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (الرَّشَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ: (الرَّشادِ) وثَلاثُها لُغاتٌ والسَّقَمِ والسُّقْمِ والسَّقامِ، وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو كَما قالَ الجُبّائِيُّ بَيْنَ الرُّشْدِ والرَّشَدِ بِأنَّ الرُّشْدَ بِالضَّمِّ الصَّلاحُ في الأمْرِ، والرَّشَدَ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ الفَرْقِ.

﴿ وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ ﴾ أيْ: طَرِيقَ الضَّلالِ.

﴿ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ﴾ أيْ: يَخْتارُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مَسْلَكًا مُسْتَمِرًّا لا يَكادُونَ يَعْدِلُونَ عَنْهُ لِمُوافَقَتِهِ لِأهْوائِهِمْ وإفْضائِهِ بِهِمْ إلى شَهَواتِهِمْ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ: المَذْكُورُ مِنَ التَّكَبُّرِ وعَدَمِ الإيمانِ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ وإعْراضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ الهُدى وإقْبالِهِمِ التّامِّ إلى سَبِيلِ الضَّلالِ حاصِلٌ؛ ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ وعَلى حَقِّيَّةِ أضْدادِها.

﴿ وكانُوا عَنْها غافِلِينَ ﴾ غَيْرَ مُعْتَدِّينَ بِها؛ فَلا يَتَكَفَّرُونَ فِيها وإلّا لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الأباطِيلِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الصَّرْفِ، وما فِيهِ البَحْثُ يَدْفَعُ بِأدْنى عِنايَةٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن مَدَّتْ إلَيْهِ العِنايَةُ أسْبابَها، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وقِيلَ: مَحَلُّ اسْمِ الإشارَةِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَأصْرِفُهم ذَلِكَ الصَّرْفَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِنا وغَفْلَتِهِمْ عَنْها، ولا مانِعَ مِن كَوْنِ العامِلِ أصْرِفُ المُقَدَّمَ لِأنَّ الفاصِلَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس-  ما- أنه قال: أعطى الله تعالى موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد فيها تبيان لكل شيء وموعظة.

قال: التوراة مكتوبة.

ويقال: طول الألواح عشرة أذرع مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً من الجهل وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ يعني: تبياناً لكل شيء من الحلال والحرام.

قال الفقيه- رحمه الله تعالى-: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال: حدثنا أبو بكر بن أبي العوام.

قال: حدثنا أبي قال: حدثنا يحيى بن سابق عن خيثمة بن خليفة عن ربيعة عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله  يقول: «كَانَ فِيمَا أَعْطَى الله مُوسَى فِي الأَلْوَاحِ عَشَرَة أبْوَابٍ: يا مُوسَى لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً، فَقَدْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وُجُوهَ المُشْرِكِينَ النَّارُ، وَاشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، أَقِكَ المَتَالِفَ، وأنسئ لَكَ فِي عُمُرِكَ، وَأُحْيِيكَ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَأَقْلِبُكَ إلَى خَيْرِ مِنْهَا، وَلا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُهَا إلاَّ بالحَقِّ، فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الأرْضِ بِرُحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخْطِي وَنَاري، وَلا تَحْلِفْ بِاسْمِي كَاذِباً فَإنِّي لا أُطَهِّرُ ولا أُزَكِّي مَنْ لَمْ يُنَزِّهْنِي، وَلَمْ يُعَظِّمْ أَسْمَائِي، وَلا تَحْسُدِ النَّاسَ عَلَى ما آتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّ الحَاسِدَ عَدُوٌّ لِنِعْمَتِي، رَادٌّ لِقَضَائِي، سَاخِطٌ لِقِسْمَتِي، الَّتي أَقْسِمُ بَيْنَ عِبَادِي، ولا تَشْهَدْ بِمَا لِمَ يَقَعْ بِسَمْعِكَ، وَيَحْفَظْ قَلْبُكَ، فَإنِّي لوَاقِفٌ أَهْلَ الشَّهَادَاتِ عَلَى شَهَادَاتِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ أَسَأَلَهُمْ عَنْهَا سُؤَالاً حَثِيثاً، وَلاَ تَزْنِ، وَلاَ تَسْرِقْ، فَأَحْجُبَ عَنْكَ وَجْهِي، وَأُغْلِقَ عَنْكَ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَأَحْبِبْ لِلنَّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ.

ولا تُذَكِّ لِغَيْرِي، فَإنِّي لا أقْبَلُ مِنَ القُربَانِ إلاَّ ما ذُكِرَ علَيْهِ اسْمِي، وَكَانَ خَالِصاً لِوَجْهِي، وَتَفَرَّغْ لِي يَوْمَ السَّبْتِ وَجَمِيعُ أهْلِ بَيْتِكَ» .

فقال النبي  : «جُعِلَ يَوْمُ السَّبْتِ لِمُوسَى عِيداً وَاخْتَارَ لَنَا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَجَعَلَها لنا عِيداً» .

قوله تعالى: فَخُذْها بِقُوَّةٍ يعني: اعمل بما أمرك الله بجد ومواظبة عليها وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي يعملون بما فيها من الحلال والحرام.

ويقال: امرهم بالخير وانههم عن الشر: يعني: اعملوا بالخير وامتنعوا عن الشر.

ويقال: اعملوا بأحسن الوجوه وهو أنه لو يكافئ ظالمه وينتقم منه جاز، ولو تجاوز كان أحسن وقال الكلبي: كان موسى-  - أشد عبادةً من قومه.

فأمر بما لم يؤمروا به.

يعني: أمر بأن يعمل بالمواظبة، وأمر قومه بأن يأخذوا بأحسن الفعل.

ثم قال: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ قال مقاتل: يعني: سنة أهل مصر يعني: هلاكهم حين قذفهم البحر فأراهم سنة الفاسقين في التقديم.

ويقال: جهنم هي دارُ الكافرين.

ويقال: إذا سافروا أراهم منازل عاد وثمود.

وقال مجاهد: مصيرهم في الآخر إلى النار.

قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ يعني: أصرف قلوب الذين يتكبرون عن الإيمان حتى لا يؤمنوا.

فأخذلهم بكفرهم ولا أوفقهم بتكذيبهم الأنبياء مجازاة لهم.

ويقال: أمنع قلوبهم من التفكر في أمر الدين وفي خلق السموات والأرض الذين يتكبرون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني: يتعظمون عن الإيمان لكي لا يتفكروا في السماء، ولا يعقلون فيها، ولا يذكرونها.

ويقال: سأصرف عن النعماء التي أعطيتها المؤمنين يوم القيامة أصرف عنهم تلك النعمة وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ امتنعوا منها كي لاَّ يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ يعني: طريق الحق الإسلام لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يعني: لا يتخذوه ديناً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يعني: طريق الضلالة والكفر يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي ديناً ويتّبعونه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا قال مقاتل: أي بآياتنا التسع وقال الكلبي: يعني: بمحمد والقرآن وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يعني: تاركين لها.

قرأ حمزة والكسائي سَبِيلَ الرُّشْدِ بنصب الراء، والشين، وقرأ الباقون الرُّشْدِ بضم الراء وإسكان الشين وهما لغتان ومعناهما واحد.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بمحمد والقرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ يعني: كذبوا بالبعث بعد الموت حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني: بطلت حسناتهم هَلْ يُجْزَوْنَ أي هل يثابون إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: في الدنيا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكُلُّ الأمور بِمَرْأًى منه ومَسْمَعٍ، وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أي: مِنْ كل شيءٍ يَنْفَعُ في معنى الشرْع، وقوله: وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ مثُلُه، وقوله: بِقُوَّةٍ، أي: بجدٍّ وصبرٍ عليها قاله ابن عباس «١» ، وقوله: بِأَحْسَنِها يحتملُ معنيين.

أحدهما: التفضيلُ كما إِذا عرض مثلاً مباحانِ كالعفو والقِصَاصِ، فيأخذون بالأحْسنِ منهما.

والمعنى الثاني: يأخذون بَحَسن وَصْفِ الشريعة بجملتها كما تقول: اللَّه أَكْبَرُ، دون مقايسة.

وقوله سبحانه: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ، الرؤية هنا: رؤيةُ عَيْن هذا هو الأظهر إِلا أن المعنى يتضمَّن الوعد للمؤمنين، والوعِيدَ للفاسقين، ودارٌ الفاسقين: قيل: هي مِصْرُ، والمراد آل فرعون، وقيل: الشام، والمراد العَمَالِقَةُ وقيل: جَهَنَّم، والمرادُ الكَفَرَةُ بموسى، وقيل غير هذا ممَّا يفتقرُ إِلى صحة إِسناد.

وقوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ...

الآية: المعنى:

سأَمْنَعُ وأصُدُّ، قال سفيان بن عُيَيْنَة: الآياتُ هنا كلُّ كتابٍ منزّل «٢» .

قال ع «٣» : والمعنى عن فَهْمِها وتصدِيقها، وقال ابن جُرَيْج: الآياتُ: العلامات المنصوبة الدالَّة على الوحدانية، والمعنى: عن النظر فيها، والتفكُّر والاستدلال بها، واللفظُ يعمُّ الوجْهَيْن «٤» /، والمتكبِّرون في الأرض بغير الحَقِّ: هم الكُفَّار، قُلْتُ: ويدخل في هذا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ في هَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها خاصَّةٌ لِأهْلِ مِصْرَ فِيما رَأوْا مِنَ الآَياتِ.

والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ، وهو أصَحُّ.

وفي الآَياتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها آَياتُ الكُتُبِ المَتْلُوَّةِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْنَعُهم فَهْمَها.

والثّانِي: أمْنَعُهم مِنَ الإيمانِ بِها.

والثّالِثُ: أصْرِفُهم عَنِ الِاعْتِراضِ عَلَيْها بِالإبْطالِ.

والثّانِي: أنَّها آَياتُ المَخْلُوقاتِ كالسَّماءِ والأرْضِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وغَيْرِها، فَيَكُونُ المَعْنى: أصْرِفُهم عَنَ التَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ بِما خَلَقْتُ.

وفي مَعْنى يَتَكَبَّرُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَتَكَبَّرُونَ عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرَّسُولِ.

والثّانِي: يُحَقِّرُونَ النّاسَ ويَرَوْنَ لَهُمُ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " سَبِيلَ الرُّشْدِ " بِضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " سَبِيلَ الرُّشْدِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ مُثَقَّلَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهم ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ ﴾ ، أيْ: كانُوا في تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِها والتَّدَبُّرِ لَها بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وكانُوا عَنْ جَزائِها غافِلِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَأصْرِفُ عن آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ المَعْنى: سَأمْنَعُ وأصُدُّ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الآياتُ هُنا كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمَعْنى: عن فَهْمِها وتَصْدِيقِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الآياتُ: العَلاماتُ المَنصُوبَةُ الدالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمَعْنى: عَنِ النَظَرِ فِيها والتَفْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ بِها، واللَفْظُ يَعُمُّ الوَجْهَيْنِ.

والمُتَكَبِّرُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ في الأرْضِ هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ حَتْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الطائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ ألّا يُؤْمِنُوا.

وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "يَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ، قَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمُ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وسائِرُ السَبْعَةِ، وقَرَأها مَضْمُومَةَ الياءِ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الرُشْدِ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأبُو البَرَهْسَمِ: "الرُشُدِ" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى أنَّ "الرُشْدَ" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، و"الرَشَدَ" بِفَتْحِهِما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرُشْدُ بِضَمِّ الراءِ: الصَلاحُ في النَظَرِ، و"الرَشَدُ" بِفَتْحِهِما: الدِينُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما فَأتْبَعَتِ الضَمَّةُ الضَمَّةَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَتَّخِذُوها" و"تَتَّخِذُوها" عَلى تَأْنِيثِ السَبِيلِ، والسَبِيلُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَرْفِ، أيْ صَرَفْنا إيّاهم وعُقُوبَتُنا لَهم هي بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ النَظَرِ في الآياتِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحُجَجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، وسَوْقُها في جُمْلَةِ المُكَذَّبِ بِهِ، ولِقاءِ الآخِرَةِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا.

أيْ: هُنالِكَ يُفْتَضَحُ لَهم حالُهم.

و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ وفَسَدَتْ، وأصْلُ الحَبَطِ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الَّذِي كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ فاسِدًا، إذْ مَآلُ العامِلِينَ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، وساغَ أنْ يُسْتَعْمَلَ "حَبِطَتْ" هُنا إذْ كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً في طَرِيقِ صَلاحٍ، فَكَأنَّ الحَبَطَ فِيها إنَّما هو بِحَسَبِ مُعْتَقَداتِهِمْ، وأمّا بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها فَفاسِدَةٌ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"» أيْ فَسادًا لِكَثْرَةِ الأكْلِ بَعْدَ الصَلاحِ الَّذِي كانَ أوَّلًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو السَمّالِ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون هذه الآية تكملة لما خاطب الله به موسى وقومه، فتكون جملة ﴿ سأصرف ﴾ الخ بأسهم، استئنافاً بيانياً، لأن بني إسرائيل كانوا يهابون أولئك الأقوام ويخْشوْن، فكأنهم تساءلوا كيف تُرينا دارهم وَتعدُنا بها، وهلْ لا نهلك قبل الحلول بها، كما حكى الله عنهم ﴿ قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبّارين ﴾ الآية في سورة العقود (22) وقد حكى ذلك في الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد، فاجيبوا بأن الله سيصرف أولئك عن آياتِه.

والصرف الدفع أي سَأَصُدُّ عن آياتي، أي عن تعطيلها وإبطالها.

والآيات الشريعة، ووعد الله أهلها بأن يورثهم أرض الشام، فيكون المعنى سأتَوَلّى دفعهم عنكم، ويكون هذا مثل ما ورد في التوراة في الإصحاح الرابع والثلاثين «ها أنا طاردٌ من قُدَّامِك الأُموريين الخ»، فالصرف على هذا الوجه عناية من الله بموسى وقومِه بما يُهيء لهم من أسباب النصر على أولئك الأقوام الأقوياء، كإلقاء الرعببِ في قلوبهم، وتشتيت كلمتهم، وإيجاد الحوادث التي تفت في ساعد عُدتهم أو تكونُ الجملة جواباً لسؤال من يقول: إذا دخلنا أرض العدو فلعلهم يؤمنون بهدينا، ويتبعون ديننا، فلا نحتاج إلى قتالهم، فأجيبوا بأن الله يَصرفهم عن إتباع آياته؛ لأنهم جُبلوا على التكبر في الأرض، والإعراضضِ عن الآيات، فالصرف هنا صرف تكويني في نفوس الأقوام، وعن الحسن: أن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى حد إذا وصل إليه مَات قلبه.

وفي قَصِّ الله تعالى هذا الكلامَ على محمد صلى الله عليه وسلم تعريض بكفار العرب بأن الله دافِعُهم عن تعطيل آياته، وبأنه مانع كثيراً منهم عن الإيمان بها لما ذكرناه آنفاً.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ من خطاب الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم رَوى الطبري ذلك عن سفيان بن عيينة، فتكون الجملة معترضة في أثناء قصة بني إسرائيل بمناسبة قوله: ﴿ سأُريكم دار الفاسقين ﴾ [الأعراف: 145] تعريضاً بأن حال مشركي العرب كحال أولئك الفاسقين، وتصريحاً بسبب إدامتهم العناد والإعراض عن الإيمان، فتكون الجملة مستأنفة استينافاً ابتدائياً، وتأتي في معنى الصرف عن الآيات الوجوه السابقة واقتران فعل ﴿ سأصرف ﴾ بسين الاستقبال القريب تنبهه على أن الله يُعجل ذلك الصرف.

وتقديم المجرور على مفعول ﴿ أصرف ﴾ للاهتمام بالآيات، ولأن ذكره عقب الفعل المتعلق هو به أحسنُ.

وتعريف المصروفين عن الآيات بطريق الموصولية للإيماء بالصلة إلى علة الصرف.

وهي ما تضمنته الصلات المذكورة، لأن من صارت تلك الصفات حالات له يَنصره الله، أو لأنه إذا صار ذلك حاله رين على قلبه، فصرف قلبه عن إدراك دلالة الآيات وزالت منه الأهلية لذلك الفهم الشريف.

والأوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتَمّ الانطباق.

والتكبر الاتصاف بالكبر.

وقد صيغ له الصيغة الدالة على التكلف، وقد بينا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ أبَى واستكبر ﴾ [البقرة: 34] وقوله: ﴿ استكْبرتم ﴾ في سورة البقرة (87)، والمعنى: أنهم يُعْجبَون بأنفسهم، ويعُدون أنفسهم عظماءَ فلا يأتمرون لآمر، ولا ينتصحون لناصح.

وزيادة قوله: في الأرض } لتفضيح تكبرهم، والتشهير بهم بأن كبرهم مظروف في الأرض، أي ليس هو خفياً مقتصراً على أنفسهم، بل هو مبثوث في الأرض، أي مبثوث أثره، فهو تكبر شائع في بقاع الأرض كقوله: ﴿ يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ [يونس: 23] وقوله: ﴿ ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ﴾ [البقرة: 27] وقوله: ﴿ ولا تمش في الأرض مَرحاً ﴾ [الإسراء: 37] وقولُ مرة بن عَدّاءَ الفقعسي: فهلاّ أعدوني لِمثلي تفاقَدوا *** وفي الأرْض مبثوثٌ شجاعٌ وعقرب وقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ زيادة لتشنيع التكبر بذكر ما هو صفة لازمة له، وهو مغايرة الحق، أي: باطل وهي حال لازمة للتكبر، كاشفة لوصفه، إذ التكبر لا يكون بحق في جانب الخلق، وإنما هو وصف لله بحق؛ لأنه العظيم على كل موجود، وليس تكبر الله بمقصود أن يحترز عنه هنا حتى يجعل القيد ﴿ بغير الحق ﴾ للاحتراز عنه، كما في «الكشاف».

ومن المفسرين من حاول جعل قوله: ﴿ بغير الحق ﴾ قيداً للتكبر، وجعل من التكبر ما هو حق، لأن للمحق أن يتكبر على المبطل، ومنه المقالة الشمهورة «الكِبْر على المتكبر صدقة» وهذه المقالة المستشهد بها جرت على المجاز أو الغلط.

وقوله: ﴿ وإن يَروا كل آية لا يؤمنوا بها ﴾ عطف على قوله: ﴿ يتكبرون ﴾ فهو في حكم الصلة، والقول فيه كالقول في قوله: ﴿ لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ﴾ في سورة يونس (96، 97) وكل مستعملة في معنى الكثرة، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولئن أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ﴾ في سورة البقرة (145).

والسبيل مستعار لوسيلة الشيء بقرينة إضافته إلى الرشد وإلى الغي.

والرؤية مستعارة للإدراك.

والاتخاذ حقيقته مطاوع أخّذه بالتشديد، إذا جعله آخذاً، ثم أطلق على أخذ الشيء ولو لم يعطه إياه غيرُه، وهوَ هنا مستعار للملازمة، أي لا يلازمون طريق الرشد، ويلازمون طريق الغي.

والرشد الصلاح وفعل النافع، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ في سورة النساء (6) والمراد به هنا: الشيء الصالح كله من الإيمان والأعمال الصالحة.

والغي الفساد والضلال، وهو ضد الرشد بهذا المعنى، كما أن السفه ضد الرشد بمعنى حسن النظر في المال، فالمعنى: أن يدركوا الشيءَ الصالح لم يعملوا به.

لغلبة الهوى على قلوبهم، وإن يدركوا الفساد عملوا به لغلبة الهوى، فالعمل به حمل للنفس على كلفة، وذلك تأباه الأنفس التي نشأت على متابعة مَرغوبها، وذلك شأن الناس الذين لم يروّضوا أنفسهم بالهدى الإلهي، ولا بالحكمة ونصائح الحكماء والعقلاء، بخلاف الغي، فإنه ما ظهر في العالم إلاّ من آثار شهوات النفوس ودعواتها التي يزيَن لها الظاهر العاجل، وتجهل عواقب السوء الآجلة، كما جاء في الحديث: ﴿ حفّت الجنة بالمكاره وُحفّت النار بالشهوات ﴾ .

والتعبير في الصلات الأربع بالأفعال المضارعة: لإفادة تجدد تلك الأفعال منهم واستمرارهم عليها.

وقرأ الجمهور: ﴿ الرُشد ﴾ بضم فسكون وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: بفتحتين، وهما لغتان فيه.

وجملة: ﴿ ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن توسيمهم بتلك الصلات يثير سؤالاً.

والمشار إليه بذلك ما تضمنه الكلام السابق، نُزّل منزلة الموجود في الخارج وهو ما تضمنه قوله: ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ إلى آخر الآية، واستعمل له اسم إشارة المفرد؛ لتأويل المشار إليه بالمذكور كقوله تعالى: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاّ بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [الفرقان: 68] أي من يفعل المذكور، وهذا الاستعمال كثير في اسم الإشارة، وألحق به الضمير كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ﴾ في سورة البقرة (61).

والباء السببية أي: كِبْرُهم.

وعدمُ إيمانهم، واتباعُهم سبيل الغي، وإعراضُهم عن سبيل الرشد سببه تَكذيبهم بالآيات، فأفادت الجملة بيان سبب الكبر، وما عطف عليه من الأوصاف التي هي سبب صرفهم عن الآيات، فكان ذلك سبب السبب، وهذا أحسن من إرجاع الإشارة إلى الصرف المأخوذة من ﴿ سأصرف ﴾ لأن هذا المحمل يجعل التكذيب سبباً ثانياً للصرف، وجعله سبباً للسبب أرشق.

واجتلبت (أن) الدالة على المصدرية والتوكيد؛ لتحقيق هذا التسبب وتأكيده، لأنه محل عرابة.

وجعل المسند فعلاً ماضياً، لإفادة أن وصف التكذيب قديم راسخ فيهم، فكان رسوخ ذلك فيهم سبباً في أن خُلق الطبعُ والختمُ على قلوبهم فلا يشعرون بنقائصهم، ولا يصلحون أنفسهم، فلا يزالون متكبرين معرضين غاوين.

ومعنى ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ إنهم ابتدأوا بالتكذيب، ولم ينظروا، ولم يهتموا بالتأمل في الآيات فداموا على الكبر وما معه، فصرف الله قلوبهم عن الانتفاع بالآيات، وليس المراد الإخبار بأنهم حصل منهم التكذيب، لأن ذلك قد علم من قوله: ﴿ وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ﴾ .

والغفلة انصراف العقل والذهن عن تذكر شيء بقصدٍ أو بغير قصد، وأكثر استعماله في القرآن فيما كان عن قصد بإعراض وتشاغل، والمذموم منها ما كان عن قصد، وهو مناط التكليف والمؤاخذة، فأما الغفلة عن غير قصد فلا مؤاخذة عليها، وهي المقصود من قول علماء أصول الفقه: يمتنع تكليف الغافل.

وللتنبيه على أن غفلتهم عن قصد صيغ الإخبار عنهم بصيغة ﴿ كانوا عنها غافلين ﴾ للدلالة على استمرار غفلتهم.

وكونها دأباً لهم، وإنما تكون كذلك إذا كانوا قد التزموها، فأما لو كانت عن غير قصد.

فإنها قد تعتريهم وقد تفارقهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَأمْنَعُهم مِن فَهْمِ القُرْآنِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والثّانِي: سَأجْعَلُ جَزاءَهم عَلى كُفْرِهِمْ ضَلالَهم عَنِ الِاهْتِداءِ بِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ.

والثّالِثُ: سَأصْرِفُهم عَنْ دَفْعِ الِانْتِقامِ عَنْهم.

وَفي ﴿ يَتَكَبَّرُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُحَقِّرُونَ النّاسَ ويَرَوْنَ أنَّ لَهم عَلَيْهِمْ فَضْلًا.

والثّانِي: يَتَكَبَّرُونَ عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرَّسُولِ.

﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّشْدَ الإيمانُ، والغَيَّ: الكُفْرُ.

والثّانِي: أنَّ الرُّشْدَ الهِدايَةُ.

والغَيَّ: الضَّلالُ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غافِلِينَ عَنِ الإيمانِ.

والثّانِي: غافِلِينَ عَنِ الجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون ﴾ يقول سأصرفهم عن أن يتفكروا في آياتي.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ قال: عن خلق السموات والأرض والآيات التي فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها أو يعتبروا فيها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان بن عيينة في قوله: ﴿ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ﴾ أنزع عنهم فهم القرآن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون أوليائي.

ويستحلون محارمي حتى لا يؤمنوا بما جئت به) (١) ﴿ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ ﴾ هم: المشركون.

قال (٢) ﴿ سَأَصْرِفُ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ ﴾ عن قبول آياتي والتصديق بها لعنادهم الحق؛ عوقبوا بأن حرموا الهداية وسُتِرَ عنهم الحق.

وهذا كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ).

وذكر قولًا آخر، قال: (المعنى: ﴿ سَأَصْرِفُ ﴾ عن إبطال ﴿ آيَاتِيَ ﴾ وعن الاعتراض عليها هؤلاء الكفرة، كما تقول: وهو يمنعنى من زيد، أي: من ضربه، وأذاه، وكما قال عبد المطلب لما قصدت الحبشة البيت: (إن لهذا البيت (٣) (٤) (٥) وقال ابن جريج: (الآيات خلق السموات والأرض، يعني: أصرفهم عن الاعتبار بما فيها) (٦) (٧) (٨) قال أبو إسحاق: (أي: أجعل جزاءهم الإضلال عن هداية ﴿ آيَاتِيَ ﴾ ).

قال: ومعنى: ﴿ يَتَكَبَّرُونَ ﴾ أنهم يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم، وهذه الصفة -أعنى: المتكبر- لا تكون إلا لله عز وجل (٩) ﴿ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ (١٠) وقال غيره من أهل المعاني (١١) (١٢) وقال أحمد بن يحيى: ﴿ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ من الكِبَر لا من الكِبْر (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ ﴾ حجة على القدرية (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد سبيل الهدى والبيان الذي جاء من الله، ﴿ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾ قال: يريد: لا يتخذوه دينا، ﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ ﴾ يريد: طاعة الشيطان وضلالته، ﴿ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾ يريد: دينا) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ قال الزجاج: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يصلح أن يكون نصبا على معنى: فعل الله بهم ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ أي: جحدوا الإيمان بها والنظر فيها والتدبر لها (١٩) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 241، والبغوي 3/ 282، والخازن 2/ 289.

(٢) في: (ب): (كما قال).

(٣) هذه كلمة سارت مسير الأمثال، وذلك أن أبرهة الحبشي لما سار لهدم الكعبة وأشرف على مكة وجد إبلا لعبد المطلب وأخذها فذهب عبد المطلب إليه وكلمه في الإبل فعجب أبرهة منه وقال: (أتكلمني في الإبل ولا تكلمني في بيت فيه عزك وشرفك؟

فقال عبد المطلب: (أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه) وفي رواية (يحميه).

انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 51، و"الروض الأنف" 1/ 69، و"السيرة النبوية" لأبي شهبة ص 167 - 169.

(٤) في: (ب): (عنه).

(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 241.

(٦) أخرجه الطبري 9/ 60 بسند جيد.

(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 197/ ب، عن ابن زيد وابن جريج.

(٨) "تفسير مقاتل" 2/ 63، والأكثر على أن الآية عامة أي: سأمنع وأصد عن النظر في الآيات الكونية والشرعية والتفكر والاستدلال بها، انظر: الطبري 9/ 60، و"معاني النحاس" 3/ 78، والسمرقندي 1/ 569، والبغوي 3/ 282، وابن عطية 6/ 78، وابن الجوزي 3/ 260.

(٩) في (أ): (جل وعز).

(١٠) "معاني الزجاج" 2/ 376.

(١١) انظر: "معاني النحاس" 3/ 79، و"تفسير السمرقندي" 1/ 569، والماوردي 2/ 262.

(١٢) انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 35، و"اشقاق أسماء الله" للزجاجي ص 155، 241، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 93.

(١٣) قوله: (من الكِبَر، هو: بكسر الكاف وفتح الباء لا من الكِبْر هو بفتح الكاف وسكون الباء والتكبر التعظم، وكبَر، بكسر الكاف وفتح الباء الهرم ضد الصغر، وكِبْر، بسكون الباء: العظمة، وكبُر، بفتح الكاف وضم الباء: عظم.

انظر: "العين" 5/ 361، و"الجمهرة" 1/ 327، و"الصحاح" 2/ 801، و"المجمل" 3/ 776، و"مقاييس اللغة" 5/ 153، و"المفردات" ص 696، و"اللسان" 5/ 125 (كبير).

(١٤) "تهذيب اللغة" 10/ 210 - 211 (كبر).

(١٥) انظر: "تفسير الرازي" 15/ 3 - 4.

(١٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(١٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 241 - 242 بدون نسبة، وانظر: "تفسير الطبري" 13/ 114 - 115، و"معاني الزجاج" 3/ 376، والنحاس 3/ 79، والسمرقندي 1/ 570، والماوردي 2/ 57.

(١٨) "معاني الزجاج" 2/ 376، وفيه: (ذلك يصلح أن يكون رفعا أي أمرهم ذلك، ويجوز أن يكون نصبا ..) اهـ.

وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 390، والسمين في == "الدر" 5/ 457 - 458: (الأظهر أنه مبتدأ خبره الجار بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، وجوز فيه النصب فقدره ابن عطية 7/ 162، فعلنا ذلك، فجعله مفعولا به، وقدره الزمخشري 2/ 117، صرفهم الله ذلك الصرف بعينه، فجعله مصدراً) اهـ، وانظر: "الفريد" 2/ 360.

(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 61، و"معاني الزجاج" 2/ 376، النحاس 3/ 80 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض ﴾ الآيات: يحتمل هنا أن يراد بها القرآن وغيره من الكتب أو العلامات والبراهين، والصرف يراد به حدّهم عن فهمها وعن الإيمان بها عقوبة لهم على تكبرهم، وقيل: الصرف منعهم من إبطالها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.

الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.

﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بضم الراء وسكون الشين.

﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.

الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.

﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم  ﴾ في طه.

الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.

التفسير: لما أهلك الله  أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟

فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.

وقيل: فائدة التفصيل أنه  أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى  ﴾ فلما أعلمه الله  خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.

وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.

ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.

والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.

وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.

﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.

وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.

وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.

﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.

وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله  وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.

وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى  سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.

وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى  أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.

واختلف العلماء أيضاً في أن الله  كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.

عن ابن عباس: أن موسى  جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.

فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.

قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله  .

فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.

قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله  وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.

وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى  سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.

وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.

وردّ بأنه  أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟

ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله  عن ذلك؟

ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله  ولا يلزم منه المنع في الآخرة.

ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.

وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.

ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.

وفي الآية سؤال وهو أنه  لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه  علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.

ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".

والدك والدق أخوان.

ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.

والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.

والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.

وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.

وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟

قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله  حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.

وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.

روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.

وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.

وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.

ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.

والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.

قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.

وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله  من غير واسطة كما سمعه موسى.

والغرض أنه  خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.

وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا  رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.

وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.

والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.

ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.

وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.

وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله  لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.

وقيل: طولها كان عشرة أذرع.

والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.

وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.

وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.

قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.

وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.

﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.

وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.

وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.

وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.

ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.

وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.

وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.

وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله  سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .

وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون  ﴾ .

ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.

فاحتجت الأشاعرة بها على أنه  قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.

وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.

وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.

وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا  ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله  .

وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله  عنها.

وبوجه آخر إن الله  إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله  ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.

وعن رسول  : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.

والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد  ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله  ﴿ مما علمت رشداً  ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.

ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.

ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.

ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.

قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.

أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.

ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.

قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.

والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.

ومن كسر الحاء فللإتباع.

فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.

واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.

قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.

وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.

وإنما قال  ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده  ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.

قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.

وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله  ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه  قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.

واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.

ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.

وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه  احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.

قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.

قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.

والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون  ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.

واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.

وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.

وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.

وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.

وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.

وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.

ثم قال الله  ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.

قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.

ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.

ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.

﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.

وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك  ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه  أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.

والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.

وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.

وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.

وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف  ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.

قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.

وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.

وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.

وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.

وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.

وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.

وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.

عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله  بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.

وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.

قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.

وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.

واعلم أن موسى  كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.

وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.

وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.

بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.

ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.

فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.

واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.

وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله  موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.

قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.

ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي  سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.

قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.

وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.

ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.

وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.

وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.

﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله  الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون  ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.

التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.

وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.

قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.

﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.

﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.

اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.

وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.

﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.

﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ ﴾ وجهين: أحدهما: أنه إنما أضاف ذلك إلى نفسه لما تولى كتابتها الملائكة البررة الكرام، أضاف [ذلك] إلى نفسه تفضيلاً لهم وتعظيماً على ما ذكر في الكتاب في غير موضع؛ من نحو قوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ ، أخبر أن طاعة الرسول له طاعة، وغير ذلك، فكذلك هذا، والله أعلم.

أو أضاف ذلك إلى نفسه لما كان ويكون إلى يوم القيامة، إنما يكون بكن الذي كان منه في الأوقات التي أراد أن يكون، فعلى ذلك كَتْبُ تلك الألواح كان تحت ذلك الكن، وإن كان أضاف بعض تلك الأشياء إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ  ﴾ و ﴿ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً  ﴾ ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً  ﴾ كذا وخلق لكم كذا ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ  ﴾ ونحو ذلك، فذلك كله كان تحت قوله: ﴿ كُنْ ﴾ فكان على ما أراد أن يكون، في الأوقات التي أراد أن تكون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : مما يقع للعباد الحاجة إليه، ويحتمل: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من أمره ونهيه، وحله وحرامه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّوْعِظَةً ﴾ .

قال: الموعظة: هي التي تحمل القلوب على القبول، والجوارح على العمل.

وقال بعضهم: الموعظة: هي التي تنهى عما لا يحل.

قال أبو بكر: الموعظة: هي التي تلين القلوب القاسية، وتدمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة.

قال الشيخ - رحمه الله -: وعندنا الموعظة: هي تذكر العواقب، وتحمله على العمل بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

قيل: تفصيلاً لما أمروا به، ونهوا عنه.

وقيل: بياناً لكل ما يحتاج إليه.

وقوله: ﴿ فَخُذْهَا ﴾ يحتمل - أيضاً - وجهين: يحتمل قوله: ﴿ فَخُذْ ﴾ ، أي: اقبل، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ  ﴾ .

ويحتمل: اعمل بما فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ قال أهل التأويل: بجد ومواظبة، ولكن قوله: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ القوة المعروفة، وعلى قول المعتزلة لا يكون أخذاً بقوة، وقد أخبر أنه أخذها بقوة؛ لأنهم يقولون: إن القوة تكون قبل الفعل، ثم يقولون: إنها لا تبقى وقتين، فيكون في الحاصل لو كانت قبل الفعل أخذاً بغير قوة دلّ أنها مع الفعل، وتقول المعتزلة: دل قوله: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ على أن القوة قد تقدمت الأمر بالأخذ، لكن لا يكون ما ذكروا؛ لأنه أمر بأخذ بقوة دل أنها تقارن الفعل لا تتقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَأْخُذُواْ ﴾ ما ذكرنا من الوجهين القبول أو العمل، أي: مرهم يقبلوا بأحسن القبول.

ويحتمل: مرهم يعملوا بأحسن ما فيها من الأمر، والنهي، والحلال والحرام.

ويحتمل قوله: ﴿ بِأَحْسَنِهَا ﴾ ، أي: بما هو أحكم وأتقن.

أو بأحسن مما عمل به الأولون؛ إذ فيه أخبار الأولين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قال ذلك لبني إسرائيل: سأريكم دار الفاسقين، يعني: سنة الفاسقين، وهو الهلاك؛ كقوله  : ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ  ﴾ وسنته في أهل الفسق والكفر والهلاك.

وقال ابن عباس -  - [قال]: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ : جهنم، وأمكن أن يكون الخطاب للفسقة، سأريكم يا أهل الفسق دار الفاسقين.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي...

﴾ الآية.

يخرج هذا على وجهين: أحدهما: [سأصرف عن آياتي أي: ] سأصرفهم عن قبولها وتصديقها؛ إذ لم يستقبلوها بالتعظيم لها، بل استهزءوا بها واستخفوا بها على علم منهم أنها آيات من الله وحجة.

والثاني: سأصرف عن وجود الطعن والقدح فيها والكيد لها، ثم إن كل واحد من هذين الوجهين يتوجه على وجهين: قال الحسن: إن للكفر حدّاً إذا بلغ الكافر ذلك الحد يطبع عليه، فلا يقبل ولا يصدق آياته بعد ذلك.

والثاني: أنهم كانوا يتعنتون في آياته ويكابرون في ردّها مع علمهم أنها آيات وحجج من الله، فإذا تعانتوا صرفهم عن قبولها وتصديقها، وهو كقوله  : ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم  ﴾ ، [وقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ] أي: خلق منهم فعل الزيغ وفعل الانصراف، وهكذا كل من يختار عداوة الله، فالله لا يختار له ولايته، ولكن يختار له ما اختار هو.

وأما قوله: ﴿ سَأَصْرِفُ ﴾ عن وجود الطعن فيها والقدح؛ وذلك أن الله - عز وجل - جعل للرسل والأنبياء أضداداً من كبراء الكفرة وعظمائهم، وكانوا يطعنون في الآيات، ويقدحون فيها، فأخبر أنه يصرفهم عن وجود الطعن فيها [والقدح] والكيد لها، أي: لا يجدون فيها مطعناً ولا قدحاً.

والثاني: قوله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ﴾ الهلاك والإبطال، بل [هم] المهلكون والآيات هي الباقية، ثم اختلف في الآيات: قال الحسن: آياتي: ديني، وتأويله ما ذكرنا أنهم إذا بلغوا ذلك الحد صرفهم عنها.

وقال غيره: آياته: حججه وبراهينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

كانوا يتكبرون هم على الرسل لما لم يروهم أمثالاً لأنفسهم وأشكالاً، وهكذا كل من تكبر على آخر يتكبر لما لم يره مثالاً لنفسه ولا شكلاً، أو يتكبر لما يرى نفسه سليمة عن العيوب، ويرى في غيره عيوباً، أو يرى لنفسه حقوقاً عليه فيتكبر، [فإذا كان التكبر] لهذا، فالخلق كلهم أكفاء بعضهم لبعض؛ لأنهم أمثال وأشكال، وفيهم العيوب والحاجات، فلا يسع لأحد التكبر على أحد، وإنما التكبر لله  ، فله يليق لما لا مثل له ولا شكل، منزه عن العيوب كلها والحاجات؛ لذلك كان هو الموصوف بالكبرياء والعظمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ليسوا هم بأهل الكبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ﴾ أمكن أن يكون قوله: ﴿ يَرَوْاْ ﴾ ، أي: إن علموا أنه آية لا يؤمنون به أبداً، هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً.

﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾ .

أي: وإن علموا [أنه سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً ولا يتبعوه؛ مخافة أن تذهب بأسهم ومكانتهم ﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾ أي: وإن علموا] أن ذلك هو سبيل الغي والباطل يتخذوه سبيلاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ الصرف الذي ذكر عن آياته لما كذبوا الآيات بعد علمهم أنها آيات من الله، وكانوا عنها عافلين غفلة الإعراض والعناد لا غفلة الجهل والسهو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

أي: الذين كذبوا بالآيات والبعث بعد الموت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أنهم كانوا مؤمنين من قبل فكذبوا الآيات، فكفروا بها، فحبطت الأعمال التي كانت لهم في حال الإيمان، وبطلت.

ويحتمل: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ : المعروف الذي كانوا يفعلون في حال الكفر؛ من نحو صلة الرحم، والصدقات وغيره من المعروف، والخيرات التي عملوا بها، حبط ثواب ذلك كله إذا لم يأتوا بالإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: ما يجزون إلا ما كانوا يعملون من الاستهزاء بالآيات والاستخفاف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سأصرف عن الاعتبار بآياتي في الآفاق والأنفس، وعن فهم آيات كتابي؛ الذين يستعلون على عباد الله وعلى الحق بغير حق، وإن يروا كل آية لا يصدِّقوا بها؛ لاعتراضهم عليها وإعراضهم عنها، ولمُحَادَّتِهِم الله ورسوله، وإن يروا طريق الحق الْمُوصِلَ إلى مرضاة الله لا يسلكوه، ولا يرغبوا فيه، وإن يروا طريق الغواية والضلال الْمُوصِلَ إلى سخط الله يسلكوه، ذلك الذي أصابهم إنما أصابهم لتكذيبهم بآيات الله العظيمة الدالة على صدق ما جاء به الرسل، ولغفلتهم عن النظر فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.aglQj"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل