الآية ١٥٤ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٥٤ من سورة الأعراف

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ١٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٤ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ولما سكت ) أي : سكن ( عن موسى الغضب ) أي : غضبه على قومه ( أخذ الألواح ) أي : التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل ، غيرة لله وغضبا له ( وفي نسختها هدى ورحمة ) يقول كثير من المفسرين : إنها لما ألقاها تكسرت ، ثم جمعها بعد ذلك ; ولهذا قال بعض السلف : فوجد فيها هدى ورحمة .

وأما التفصيل فذهب ، وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية ، والله أعلم بصحة هذا .

وأما الدليل القاطع على أنها تكسرت حين ألقاها ، وهي من جوهر الجنة فقد أخبر الله تعالى أنه لما أخذها بعد ما ألقاها وجد فيها هدى ورحمة .

( للذين هم لربهم يرهبون ) ضمن الرهبة معنى الخضوع ; ولهذا عداها باللام .

وقال قتادة : في قوله تعالى : ( أخذ الألواح ) قال : رب ، إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فاجعلهم أمتي .

قال : تلك أمة أحمد .

قال : رب ، إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون - أي آخرون في الخلق - السابقون في دخول الجنة ، رب اجعلهم أمتي .

قال : تلك أمة أحمد .

قال : رب ، إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها - كتابهم - وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا ، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا منها شيئا ، ولم يعرفوه .

قال قتادة : وإن الله أعطاهم أيتها الأمة من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم .

قال : رب ، اجعلهم أمتي .

قال : تلك أمة أحمد .

قال : رب ، إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول ، وبالكتاب الآخر ، ويقاتلون فصول الضلالة ، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب ، فاجعلهم أمتي .

قال : تلك أمة أحمد .

قال : رب ، إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ، ويؤجرون عليها - وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه ، بعث الله عليها نارا فأكلتها ، وإن ردت عليه تركت ، فتأكلها السباع والطير ، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم - قال : رب ، اجعلهم أمتي .

قال : تلك أمة أحمد .

قال رب ، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها ، كتبت له حسنة ، فإن عملها ، كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف رب اجعلهم أمتي .

قال : تلك أمة أحمد .

قال : رب ، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها ، فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة ، فاجعلهم أمتي : قال : تلك أمة أحمد .

قال : رب ، إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم ، فاجعلهم أمتي .

قال : تلك أمة أحمد .

قال : رب ، إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون والمشفوع لهم ، فاجعلهم أمتي .

قال : تلك أمة أحمد .

قال : قتادة فذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ الألواح ، وقال اللهم اجعلني من أمة أحمد

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولما سكت عن موسى الغضب ".

ولما كفّ عنه وسكن.

(31) * * * وكذلك كل كافٍّ عن شيء: " ساكت عنه "، وإنما قيل للساكت عن الكلام " ساكت "، لكفه عنه.

(32) وقد ذكر عن يونس الجرمي أنه قال (33) يقال: " سكت عنه الحزن "، وكلُّ شيء، فيما زعم، ومنه قول أبي النجم: وَهَمَّــتِ الأفْعَــى بِــأَنْ تَسِـيحَا وَسَـــكَتَ المُكَّــاءُ أَنْ يَصِيحَــا (34) * * * = " أخذ الألواح "، يقول: أخذها بعد ما ألقاها, وقد ذهب منها ما ذهب = " وفي نسختها هدى ورحمة "، يقول: وفيما نسخ فيها، أي كتب فيها (35) = " هدى " بيان للحق= " ورحمة للذين هم لربهم يرهبون "، يقول: للذين يخافون الله ويخشون عقابَه على معاصيه.

(36) * * * واختلف أهل العربية في وجه دخول " اللام " في قوله: " لربهم يرهبون "، مع استقباح العرب أن يقال في الكلام: " رهبت لك ": بمعنى رهبتك= " وأكرمت لك "، بمعنى أكرمتك.

فقال بعضهم: ذلك كما قال جل ثناؤه: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ، [سورة يوسف: 43]، أوصل الفعل باللام.

* * * وقال بعضهم: من أجل ربِّهم يرهبون.

* * * وقال بعضهم: إنَّما دخلت عَقِيب الإضافة: الذين هم راهبون لربهم، وراهبُو ربِّهم= ثم أدخلت " اللام " على هذا المعنى، لأنها عَقِيب الإضافة، لا على التكليف.

(37) * * * وقال بعضهم: إنما فعل ذلك، لأن الاسم تقدم الفعل, فحسن إدخال " اللام ".

* * * وقال آخرون: قد جاء مثله في تأخير الاسم في قوله: رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [سورة النمل: 72].

(38) * * * وذكر عن عيسى بن عمر أنه قال: سمعت الفرزدق يقول: " نقدت له مائة درهم "، يريد: نقدته مائة درهم.

(39) قال: والكلام واسع.

------------------- الهوامش : (31) (2) في المطبوعة : (( ولما كف موسى عن الغضب )) ، وهو اجتهاد من ناشر المطبوعة الأولى ، ولم يصب .

فإن المخطوطة أسقطت تفسير العبارة ، وجاء فيها هكذا : (( ولما سكت عن موسى الغضب ، وكذلك كل كاف ......

)) ، والتفسير الذي أثبته الناشر الأول تفسير ذكره الزجاج قال : (( معناه : ولما سكن .

وقيل: معناه: ولما سكت موسى عن الغضب - على القلب ، كما قالوا : أدخلت القلنسوة في رأس ، والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة .

قال والقول الأول الذي معناه سكن ، هو قول أهل العربية )) .

ولو أراد أبو جعفر ، لفسره كما فسره الزجاج ، فآثرت أن أضع تفسير أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 229 ، لأن الذي يليه هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن .

(32) (1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 229 .

(33) (2) انظر ما سلف ص : 129 ، تعليق : 3 .

(34) (3) لم أجد البيتين .

وكان في المطبوعة : (( تسبحا )) و (( تضبحا )) ، وهو خطأ وفساد ، ولأبي النجم أبيات كثيرة من الرجز على هذا الوزن ، ولم أجد الرجز بتمامه .

وصواب قراءة ما كان في المخطوطة هو ما أثبت .

(35) (4) انظر تفسير (( النسخة )) فيما سلف 2 : 472 .

= وكان في المطبوعة هنا ، مكان قوله : (( أي : كتب فيها )) ، ما نصه : (( أي : منها )) ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأن الناسخ كتبها بخط دقيق في آخر السطر ، فوصل الكلام بعضه ببعض ، فساءت كتابته .

(36) (5) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .

(37) (1) في المطبوعة : لا على التعليق )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكأنه يعني بقوله : (( التكليف )) معنى التعليق )) ، لأن (( التكليف )) هو (( التحميل )) ، ولم أجد تفسير هذه الكلمة في مكان آخر ، ولعلها من اصطلاح بعض قدماء النحاة .

(38) (2) انظر ما سلف 6 : 511 / 7 : 164 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 233 .

(39) (3) نقله الفراء في معاني القرآن 1 : 233 عن الكسائى ، قال : (( سمعت بعض العرب يقول : نقدت لها مئة درهم ، يريد : نقدتها مئة ، لامرأة تزوجها )) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون[ ص: 263 ] قوله تعالى ولما سكت عن موسى الغضب أي سكن .

وكذلك قرأها معاوية بن قرة " سكن " بالنون .

وأصل السكوت السكون والإمساك ; يقال : جرى الوادي ثلاثا ثم سكن ، أي أمسك عن الجري .

وقال عكرمة : سكت موسى عن الغضب ; فهو من المقلوب .

كقولك : أدخلت الأصبع في الخاتم وأدخلت الخاتم في الأصبع .

وأدخلت القلنسوة في رأسي ، وأدخلت رأسي في القلنسوة .أخذ الألواح التي ألقاها وفي نسختها هدى ورحمة أي هدى من الضلالة ; ورحمة أي من العذاب .

والنسخ : نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر .

ويقال للأصل الذي كتبت منه : نسخة ، وللفرع نسخة .

فقيل : لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما ; فردت عليه وأعيدت له تلك الألواح في لوحين ، ولم يفقد منها شيئا ; ذكره ابن عباس .

قال القشيري : فعلى هذا وفي نسختها أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة ونقل إلى الألواح الجديدة هدى ورحمة .

وقال عطاء : وفيما بقي منها .

وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها ، وذهب ستة أسباعها .

ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شيء .

وقيل : المعنى وفي نسختها أي وفيما نسخ له منها من اللوح المحفوظ هدى .

وقيل : المعنى وفيما كتب له فيها هدى ورحمة ، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه .

وهذا كما يقال : انسخ ما يقول فلان ، أي أثبته في كتابك .للذين هم لربهم يرهبون أي يخافون .

وفي اللام ثلاثة أقوال : قول الكوفيين هي زائدة .

قال الكسائي : حدثني من سمع الفرزدق يقول : نقدت لها مائة درهم ، بمعنى نقدتها .

وقيل : هي لام أجل ; المعنى : والذين هم من أجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة ; عن الأخفش .

وقال محمد بن يزيد : هي متعلقة بمصدر ; المعنى : للذين هم رهبتهم لربهم .

وقيل : لما تقدم المفعول حسن دخول اللام ; كقوله : إن كنتم للرؤيا تعبرون .

فلما تقدم المعمول وهو المفعول ضعف عمل الفعل فصار بمنزلة ما لا يتعدى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، فـ أَخَذَ الألْوَاحَ التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة وَفِي نُسْخَتِهَا أي: مشتملة ومتضمنة هُدًى وَرَحْمَةٌ أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى اللّه ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف اللّه ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا وتقوم عليه حجة اللّه فيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تبارك وتعالى : ( ولما سكت ) أي : سكن ، ( عن موسى الغضب أخذ الألواح ) التي كان ألقاها وقد ذهبت ستة أسباعها ( وفي نسختها ) اختلفوا فيه ، قيل : أراد بها الألواح ، لأنها نسخت من اللوح المحفوظ .

وقيل : إن موسى لما ألقى الألواح تكسرت فنسخ منها نسخة أخرى فهو المراد من قوله : ( وفي نسختها ) وقيل : أراد : وفيما نسخ منها .

وقال عطاء : فيما بقي منها .

وقال ابن عباس وعمرو بن دينار : لما ألقى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في لوحين فكان فيه ، ( هدى ورحمة ) أي : هدى من الضلالة ورحمة من العذاب ، ( للذين هم لربهم يرهبون ) أي : للخائفين من ربهم ، واللام في ( لربهم ) زيادة توكيد ، كقوله : ( ردف لكم ) النمل - 72 ، وقال الكسائي : لما تقدمت قبل الفعل حسنت ، كقوله : ( للرؤيا تعبرون ) يوسف - 43 ، وقال قطرب : أراد من ربهم يرهبون .

وقيل : أراد راهبون .

وقيل : أراد راهبون لربهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولمَّا سكت» سكن «عن موسى الغضب أخذ الألواح» التي ألقاها «وفي نسخَتها» أي ما نسخ فيها، أي كتب «هدىّ» من الضلالة «ورحمهٌ للذين هم لربِّهم يرهبون» يخافون، وأدخل اللام على المفعول لتقدمه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما سكن عن موسى غضبه أخذ الألواح بعد أن ألقاها على الأرض، وفيها بيان للحق ورحمة للذين يخافون الله، ويخشون عقابه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما فعله موسى بعد أن هدأ غضبه فقال : ( وَلَماَّ سَكَتَ .

.

.

) .السكوت فى أصل اللغة ترك الكلام ، والتعبير القرآنى هنا يشخص الغضب كأنما هو كائن حى يدفع موسى ويحركه ، ثم تركه بعد ذلك .

ففى الكلام استعارة مكنية حيث شبه الغضب بشخص آمر ، ناه .

واثبت له السكوت على طريق التخييل .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ) هذا مثل .

كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا ، والق الألواح ، وجر برأس أخيك إليك ، فترك النطق بذلك ، وقطع الإغراء .

ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذى طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك ولأنه من قبل شُعب البلاغة .

وإلا ، فما لقراءة معاوية بن قرة " ولما سكن عن موسى الغضب " لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزة ، وطرفا من تلك الروعة " .والمعنى : وحين سكت غضب موسى بسبب اعتذار أخيه وتوبة قومه أخذ الألواح التى كان قد ألقاها .وظاهر الآية يفيد أن الألواح لم تتكسر ، ولم يرفع من التوراة شىء ، وأنه أخذها بعينها .وقوله ( وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) أى : أخذ موسى الألواح التى سبق له أن ألقاها ، وفيما نسخ فى هذه الألواح أى : كتب هداية عظيمة إلى طريق الحق ، ورحمة واسعة للذين هم لربهم يرهبون .

أى : يخافون أشد الخوف من خالقهم - عز وجل - .والنسخ : الكتابة ، ونسخة هنا بمعنى منسوخة أى .

مكتوبة ، والمراد وفى منسوخها ومكتوبها هدى ورحمة .و ( هُمْ ) مبتدأ .

ويرهبون خبره ، والجملة صلة الموصول ، واللام فى ( لِّلَّذِينَ ) متعلقة بمحذوف صفة لرحمة أى : كائنة لهم .

أو هى لام العلة أى .

هدى ورحمة لأجلهم .

واللام فى لربهم " لتقوية عمل الفعل المؤخر كما فى قوله - تعالى - : ( إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ) أو هى ايضا لام العلة والمفعول محذوف ، أى : يرهبون المعاصى لأجل ربهم لا للرياء والتباهى .

ثم تمضى السورة فى حديثها عن بنى إسرائيل فتحكى لنا قصة موسى مع السبعين الذين اختارهم من قومه فنقول : ( واختار .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ أقوال: القول الأول: أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان يقويه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا وكذا، وألق الألواح وخذ برأس أخيك إليك، فلما زال الغضب، صار كأنه سكت.

والقول الثاني: وهو قول عكرمة، أن المعنى: سكت موسى عن الغضب وقلب كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي، والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة.

القول الثالث: المراد بالسكوت السكون والزوال، وعلى هذا جاز ﴿ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ ولا يجوز صمت لأن ﴿ سَكَتَ ﴾ بمعنى سكن، وأما صمت فمعناه سد فاه عن الكلام، وذلك لا يجوز في الغضب.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه هرون لم يقع منه تقصير وظهر له صحة عذره، فعند ذلك سكن غضبه.

وهو الوقت الذي قال فيه: ﴿ رَبِّ اغفر لِى وَلأَخِى  ﴾ وكما دعا لأخيه منبهاً بذلك على زوال غضبه، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما فعله من الأمرين، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَخَذَ الالواح ﴾ المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَى الالواح  ﴾ وظاهر هذا يدل على أن شيئاً منها لم ينكسر ولم يبطل، وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك وقوله: ﴿ وَفِى نُسْخَتِهَا ﴾ النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا كتبت كتاباً عن كتاب حرفاً بعد حرف.

قلت: نسخت ذلك الكتاب، كأنك نقلت ما في الأصل إلى الكتاب الثاني.

قال ابن عباس: لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً، فأعاد الله تعالى الألواح وفيها عين ما في الأولى، فعلى هذا قوله: ﴿ وَفِى نُسْخَتِهَا ﴾ أي وفيما نسخ منها.

وأما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها، ولا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضاً تكون نسخاً على هذا التقدير وقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ أي ﴿ هُدًى ﴾ من الضلالة ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ من العذاب ﴿ لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ يريد الخائفين من ربهم.

فإن قيل: التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله: ﴿ لِرَبِّهِمْ ﴾ .

قلنا فيه وجوه: الأول: أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً فدخلت اللام للتقوية، ونظيره قوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ  ﴾ الثاني: أنها لام الأجل والمعنى: للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة.

الثالث: أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول، وإن كان الفعل متعدياً كقولك قرأت في السورة وقرأت السورة، وألقى يده وألقى بيده، وفي القرآن ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﴾ فعلى هذا قوله: ﴿ لِرَبِّهِمْ ﴾ اللام صلة وتأكيد كقوله: ﴿ رَدِفَ لَكُم ﴾ وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا وألقي الألواح، وجرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء، ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلاّ لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة، وإلاّ فما لقراءة معاوية بن قرة: ﴿ ولما سكن عن موسى الغضب ﴾ ، لا تجد النفس عندها شيئاً من تلك الهزة، وطرفاً من تلك الروعة.

وقرئ: ﴿ ولما سكت ﴾ و ﴿ أسكت ﴾ أي أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه وتنصله، والمعنى: ولما طفئ غضبه ﴿ أَخَذَ الالواح ﴾ التي ألقاها ﴿ وَفِى نُسْخَتِهَا ﴾ وفيما نسخ منها، أي كتب.

والنسخة فعلة بمعنى مفعول كالخطبة ﴿ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ دخلت اللام لتقدم المفعول، لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً.

ونحوه ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43] وتقول: لك ضربت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا سَكَتَ ﴾ سَكَنَ وقَدْ قُرِئَ بِهِ.

﴿ عَنْ مُوسى الغَضَبُ ﴾ بِاعْتِذارِ هارُونَ، أوْ بِتَوْبَتِهِمْ وفي هَذا الكَلامِ مُبالَغَةٌ وبَلاغَةٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ جَعَلَ الغَضَبَ الحامِلَ لَهُ عَلى ما فَعَلَ كالأمْرِ بِهِ والمُغْرِي عَلَيْهِ حَتّى عَبَّرَ عَنْ سُكُونِهِ بِالسُّكُوتِ.

وقُرِئَ « سَكَتَ» و « أسْكَتَ» عَلى أنَّ المُسْكِتَ هو اللَّهُ أوْ أخُوهُ أوِ الَّذِينَ تابُوا.

﴿ أخَذَ الألْواحَ ﴾ الَّتِي ألْقاها.

﴿ وَفِي نُسْخَتِها ﴾ وفِيما نُسِخَ فِيها أيْ كُتِبَ، فِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُطْبَةِ وقِيلَ فِيما نُسِخَ مِنها أيْ مِنَ الألْواحِ المُنْكَسِرَةِ.

﴿ هُدًى ﴾ بَيانٌ لِلْحَقِّ.

﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ إرْشادٌ إلى الصَّلاحِ والخَيْرِ.

﴿ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ دَخَلَتِ اللّامُ عَلى المَفْعُولِ لِضَعْفِ الفِعْلِ بِالتَّأْخِيرِ، أوْ حُذِفَ المَفْعُولُ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ والتَّقْدِيرُ يَرْهَبُونَ مَعاصِيَ اللَّهِ لِرَبِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما كان الغضب لشدته كأنه هو الآمن لموسى بما فعل قيل {ولمّا سكت عن موسى الغضب} وقال الزجاج معناه سكن وقرئ به {أخذ الألواح} التي ألقاها {وفي نسختها} وفيما نسخ منها أي كتب فعلة بمعنى مفعول كالخطبة {هدًى وّرحمةٌ لّلّذين هم لربّهم يرهبون} دخلت اللام لتقدم المفعول وضعف عمل الفعل فيه باعتباره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَقِيَّةِ الحِكايَةِ أثَرَ ما بَيْنَ تَحَزُّبِ القَوْمِ إلى مُصِرٍّ وتائِبٍ، والإشارَةُ إلى ما لِكُلٍّ مِنهُما إجْمالًا، أيْ: ولَمّا سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ بِاعْتِذارِ أخِيهِ وتَوْبَةِ القَوْمِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ مِنَ النَّدَمِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ كانَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ: ولَمّا كُسِرَتْ سَوْرَةُ غَضَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَلَّ غَيْظُهُ بِاعْتِذارِ أخِيهِ فَقَطْ لِأنَّهُ زالَ غَضَبُهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ تَوْبَةَ القَوْمِ ما كانَتْ خالِصَةً بَعْدُ، وأصْلُ السُّكُوتِ قَطْعُ الكَلامِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ الغَضَبَ بِشَخْصٍ ناهٍ آمِرٍ، وأثْبَتَ لَهُ السُّكُوتَ عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ، وقالَ السُّكانِيُّ: إنَّ فِيهِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً حَيْثُ شَبَّهَ سُكُونَ الغَضَبِ وذَهابَ حِدَّتِهِ بِسُكُونِ الآمِرِ النّاهِي، والغَضَبُ قَرِينَتُها، وقِيلَ: الغَضَبُ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ عَنِ الشَّخْصِ النّاطِقِ، والسُّكُوتُ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِسُكُونِ هَيَجانِهِ وغَلَيانِهِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ مَكْنِيَّةٌ قَرِينَتُها تَصْرِيحِيَّةٌ لا تَخْيِيلِيَّةٌ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُبالَغَةٌ وبَلاغَةٌ لا يَخْفى عُلُوُّ شَأْنِهِما، وقالَ الزَّجّاجُ: مَصْدَرُ سَكَتَ الغَضَبُ السَّكْتَةُ، ومَصْدَرُ سَكَتَ الرَّجُلُ السُّكُوتُ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ سَكَتَ الغَضَبُ فِعْلًا عَلى حِدَةٍ، وقِيلَ: ونُسِبَ إلى عِكْرِمَةَ: إنَّ هَذا مِنَ القَلْبِ؛ وتَقْدِيرُهُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، ولا يَخْفى أنَّ السُّكُوتَ كانَ أجْمَلَ بِهَذا القائِلِ؛ إذْ لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ.

وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: (سَكَنَ) والمَعْنى عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أعْلى كَعْبًا عِنْدَ كُلِّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ وذَوْقٍ صَحِيحٍ، وقُرِئَ: (سُكِتَ) بِالبِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ والتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ.

و(أُسْكِتَ) بِالبِناءِ لِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ المُسْكِتَ هو اللَّهُ تَعالى أوْ أخُوهُ أوِ التّائِبُونَ.

﴿ أخَذَ الألْواحَ ﴾ الَّتِي ألْقاها.

﴿ وفِي نُسْخَتِها ﴾ أيْ: فِيما نُسِخَ فِيها وكُتِبَ، فَفِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُطْبَةِ، والنَّسْخُ الكِتابَةُ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى فِي، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: مَعْنى مَنسُوخَةٍ ما نُسِخَ فِيها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: النَّسْخُ هُنا بِمَعْنى النَّقْلِ، والمَعْنى فِيما نُقِلَ مِنَ الألْواحِ المُنْكَسِرَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقى الألْواحَ فَتَكَسَّرَ مِنها ما تَكَسَّرَ صامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَرُدَّ عَلَيْهِ ما ذَهَبَ في لَوْحَيْنِ، وفِيهِما ما في الأوَّلِ بِعَيْنِهِ، فَكَأنَّهُ نُسِخَ مِنَ الأوَّلِ.

﴿ هُدًى ﴾ أيْ: بَيانٌ لِلْحَقِّ عَظِيمٌ.

﴿ ورَحْمَةٌ ﴾ جَلِيلَةٌ بِالإرْشادِ إلى ما فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ.

﴿ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أيْ: يَخافُونَ أشَدَّ الخَوْفِ، واللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما قَبْلَهُ، أوْ هي لامُ الأجْلِ؛ أيْ: هُدًى ورَحْمَةٌ لِأجْلِهِمْ، والثّانِيَةُ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ الفِعْلِ المُؤَخَّرِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ أوْ هي لامُ العِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَرْهَبُونَ المَعاصِيَ لِأجْلِ رَبِّهِمْ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ، واحْتِمالُ تَعَلُّقِها بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَخْشَوْنَ لِرَبِّهِمْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ بِعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ يعني: اتخذوا العجل إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ يعني: يصيبهم عذاب من ربهم وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهو ما أمروا بقتل أنفسهم.

ويقال: هذا قول الله تعالى للنبي  يعني: يصيب أولادهم ذلة في الحياة الدنيا.

وهي الجزية وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ يعني: هكذا نعاقب المكذبين.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها يعني: رجعوا عن الشرك بالله وعن السيئة وَآمَنُوا يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد التوبة، ويقال: من بعد السيئات لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: لَغَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.

ثم رجع إلى قصة موسى-  - وهو قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ يعني: لما سكت عن موسى الغضب.

ويقال: ولما سكت موسى عن الغضب أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها يعني: في بقيتها فنسخت له الألواح، وأعيدت له في اللوحتين مكان التي انكسرت.

هُدىً وَرَحْمَةٌ يعني: فيما بقي منها بياناً من الضلالة ورحمة من العذاب.

لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ يعني: يخافون الله ويعملون له بالغيب.

ويقال: وفي نسختها يعني: في كتابها هدى من الضلالة ورحمة من العذاب للذين يخشون ربهم.

قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ أي من قومه سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا يعني: للميقات الذي وقتنا له فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني الزلزلة، تزلزل الجبل بهم فماتوا قالَ موسى رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل أن يصحبوني وَإِيَّايَ بقتل القبطي أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا قال الكلبي: ظن موسى أنه إنما أهلكهم باتخاذ بني إسرائيل العجل.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: انطلق موسى وهارون ومعهما شَبَّر وَشَبيِّر وهما ابنا هارون حتى انتهوا إلى جبل وفيه سرير، فنام عليه هارون فقبض، فرجع موسى إلى قومه، فقالوا له: أنت قتلته حسداً على خلقه ولينه.

قال: كيف أقتله ومعي ابناه، فاختاروا من شئتم، فاختاروا سبعين، فانتهوا إليه.

فقالوا له: من قتلك يا هارون: قال ما قتلني أحد ولكن توفاني الله تعالى.

فأخذتهم الرجفة فماتوا كلهم.

فقال موسى: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإياي.

وروي عن ابن عباس-  ما- أنه قال: لما انطلق موسى إلى الجبل أمر بأن يختار سبعين رجلاً من قومه: فاختار من كل سبط ستة رجال، فبغلوا اثنين وسبعين، فقال موسى: إني أمرت بسبعين فليرجع اثنان، ولهما أجر من حضر، فرجع يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا.

فذهب موسى مع السبعين إلى الجبل، فلما رجع إليهم موسى من المناجاة قالوا له: إنك قد لقيت ربك فأرنا الله جهرة حتى نراه كما رأيته.

فجاءتهم نار فأحرقتهم فماتوا.

فقال موسى: حين أماتهم الله تعالى رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ هذا اليوم وإياي معهم أتهلكنا بما فعل السفهاء منا يعني: أتوقعني في ملامة بني إسرائيل وتعييرهم بفعل هؤلاء السفهاء ثم أحياهم الله تعالى.

وروى أسباط عن السدي قال: إن موسى انطلق بسبعين من بني إسرائيل يعتذرون إلى ربهم عن عبادة العجل، وذكر نحو حديث عبد الله بن عباس ثم قال: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ يعني بليتك وعذابك ويقال: يعني عبادة العجل بليتك حيث جعلت الروح فيه تُضِلُّ بِها أي بالفتنة مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ من الفتنة أَنْتَ وَلِيُّنا أي حافظنا وناصرنا فَاغْفِرْ لَنا يعني: ذنوبنا وَارْحَمْنا يعني: ولا تعذبنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ يعني: المتجاوزين عن الذنوب.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قومه في عبادتهم العِجْل، وَغَضَبَهُ على أخيه في إِهمال أَمرهم «١» .

قال ابن عباس: لمَّا ألقاها، تكسَّرت، فَرُفِعَ أكثَرُها الذي فيه تفصيلُ كلِّ شيء، وبقي الذي في نُسْخَتِهِ الهدى والرحمة، وهو الذي أخذ «٢» بعد ذلك، قال ابن عبَّاس: كانت الألواح مِنْ زُمُرُّدِ، وقيل: من ياقوتٍ، وقيل: من زَبَرْجَدٍ، وقيل: من خشبٍ، واللَّه أعلم «٣» .

وقوله: ابْنَ أُمَّ استعطافٌ برحمِ الأمِّ إذ هو ألْصَقُ القراباتِ، وقوله: كادُوا، معناه: قاربوا، ولم يَفْعَلُوا، وقوله: وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يريد: عَبَدَةَ العجْلِ.

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وقد وقع ذلك النَّيْلُ بهم في عَهْدِ موسى عليه السلام، فالغضبُ والذِّلَّة هو أمرهم بقَتْل أنفسهم، وقال بعض المفسِّرين: الذِّلَّة: الجِزْيَة، ووَجْه هذا القول أن الغضب والذِّلَّة بقيتْ في عَقِبِ هؤلاء، وقال ابن جُرَيْج: الإِشارةُ إلى من مات من عَبَدة العجْل قبل التوبة بقَتْل الأنْفُس، وإِلى مَنْ فَرَّ، فلم يكُنْ حاضراً وقت القَتْلِ «٤» ، والغَضَبُ من اللَّه عزَّ وجلَّ، إِن أخذ بمعنى الإِرادة، فهو صفةُ ذات، وإِن أُخِذ بمعنى العقوبةِ وإِحلالِ النِّقْمة، فهو صفةُ فِعْلٍ، وقوله: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ، المرادُ أَولاً أولئك الَّذين افتَرْوا عَلَى الله سبحانه

في عبَادة العِجْل، وتكونُ قوَّة اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مفترٍ إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان «١» بن عُيَيْنَة وأبو قِلاَبة «٢» وغيرهما/: كلُّ صاحب بدعة أو فِرْيَة، ذليلٌ واستدلوا بالآية.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ...

الآية تضمَّنت وعداً بأن اللَّه سبحانه يغفرُ للتائبين وقرأ معاوية بنُ قُرَّة «٣» «وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ» .

قال أبو حَيَّان «٤» : واللام في لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ مُقَوِّية لوصولِ الفعْلِ، وهو يَرْهَبُونَ إلى مفعوله المتقدِّم.

وقال الكوفيُّون: زائدةٌ «٥» .

وقال الأخفشُ: لام المفعول له، أي: لأجْلِ ربِّهم.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ "سَكَتَ" بِفَتْحِ السِّينِ وتَشْدِيدٍ الكافِ وبِتاءٍ بَعْدَها "الغَضَبَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ "سَكَتَ" بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ الكافِ مَعَ كَسْرِها.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وطَلْحَةُ "سَكَنَ" بِنُونٍ.

قالَ الزَّجّاجُ "سَكَتَ" بِمَعْنى سَكَنَ، يُقالُ: سَكَتَ يَسْكُتُ سَكْتًا: إذا سَكَنَ، وسَكَتَ يَسْكُتُ سَكْتًا وسُكُوتًا: إذا قَطَعَ الكَلامَ.

قالَ: وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى.

ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، عَلى القَلْبِ، كَما قالُوا: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي.

والمَعْنى: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، والأُولى هو قَوْلُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخَذَ الألْواحَ ﴾ يَعْنِي الَّتِي كانَ ألْقاها.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَفِي نُسْخَتِها ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وفِيما بَقِيَ مِنها؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وفِيما نُسِخَ فِيهِما؛ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  خاصَّةً، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا سَكَتَ عن مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مِن تَشاءُ وتَهْدِي مِن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا سَكَنَ غَضَبُهُ أخَذَ الألْواحَ الَّتِي كانَ ألْقى، وقَدْ تَقَدَّمَ ما رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ أكْثَرُها أو ذَهَبَ في التَكَسُّرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ سَكَتَ ﴾ لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، شَبَّهَ خُمُودَ الغَضَبِ بِانْقِطاعِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ وهو سُكُوتُهُ، قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: تَقُولُ العَرَبُ: "سالَ الوادِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ سَكَتَ"، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ: "سَكَتَ الغَضَبُ": سَكْتٌ، ومَصْدَرُ قَوْلِكَ: "سَكَتَ الرَجُلُ": سُكُوتٌ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ فِعْلٌ عَلى حِدَةٍ ولَيْسَ مِن سُكُوتِ الناسِ، وقِيلَ: إنَّ في المَعْنى قَلْبًا، والمُرادُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، فَهو مِن بابِ: أدْخَلْتُ فَمِي في الحَجَرِ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفي هَذا أيْضًا اسْتِعارَةٌ، إذِ الغَضَبُ لَيْسَ يَتَكَلَّمُ فَيُوصَفُ بِالسُكُوتِ، وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: "وَلَمّا سَكَنَ"، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ: "وَلَمّا سَكَتَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَمّا صَبَرَ عن مُوسى الغَضَبُ"، قالَ النَقّاشُ: وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَلَمّا اشْتُقَّ عن مُوسى الغَضَبُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي نُسْخَتِها ﴾ مَعْناهُ: وفِيما يُنْسَخُ مِنها ويُقْرَأُ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِرَبِّهِمْ" يُحْتَمَلُ وُجُوهًا، مَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ رَهْبُتُهم لِرَبِّهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ المَفْعُولُ ضَعُفَ الفِعْلُ فَقَوِيَ عَلى التَعَدِّي بِاللامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هم لِأجْلِ طاعَةِ رَبِّهِمْ وخَوْفِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ العِقابَ والوَعِيدَ ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ الآيَةُ، مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اخْتارَ مِن قَوْمِهِ هَذِهِ العُدَّةَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلى مَوْضِعِ عِبادَةٍ وابْتِهالٍ ودُعاءٍ لِيَكُونَ مِنهُ ومِنهُمُ اعْتِذارٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن خَطَإ بَنِي إسْرائِيلَ في عِبادَةِ العِجْلِ وطَلَبٍ لِكَمالِ العَفْوِ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ اخْتِيارَهم كانَ بِسَبَبِ قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ مُوسى قَتَلَ هارُونَ حِينَ ذَهَبَ مَعَهُ ولَمْ يَرْجِعْ، فاخْتارَ هَؤُلاءِ لِيَذْهَبُوا فَيُكَلِّمُهم هارُونُ بِأنَّهُ ماتَ بِأجَلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمِيقاتِنا ﴾ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ ويُنافِرُ هَذا القَوْلَ، لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ كانَ عن تَوْقِيتٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وعِدَةٍ في الوَقْتِ والمَوْضِعِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ"، فَلَمّا انْحَذَفَ الخافِضُ تَعَدّى الفِعْلُ فَنَصَبَ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ الرَجْفَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم عَلى سُكُوتِهِمْ وإغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ عَلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِأنْفُسِهِمْ وخَفِيَ ذَلِكَ عن مُوسى في وقْتِ الِاخْتِيارِ حَتّى أعْلَمَهُ اللهُ، قالَهُ السُدِّيُّ.

وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم لِأنَّهم لَمّا دَنَوْا وعَلِمُوا أنَّ مُوسى يَسْمَعُ كَلامَ اللهِ قالُوا لَهُ: "أرِنا رَبَّكَ" فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لِتَشَطُّطِهِمْ في الدُعاءِ بِأنْ قالُوا: اللهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا قَبْلَنا ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: إنَّما أخَذَتْهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ هارُونَ وهو مَيِّتٌ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى وهارُونَ ذَهَبا إلى التَعَبُّدِ أو نَحْوِهِ فَماتَ هارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسى وجاءَ، فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: أيْنَ هارُونُ؟

فَقالَ: ماتَ، فَقالُوا بَلْ أنْتَ قَتَلْتَهُ لِأنَّكَ حَسَدْتَنا عَلى حُسْنِ خُلُقِهِ وعِشْرَتِهِ، فاخْتارَ السَبْعِينَ لِيَمْضُوا مَعَهُ حَتّى يَرَوْا بُرْهانَ ما قالَ لَهُمْ، فَلَمّا وصَلُوا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ أقُتِلْتَ أمْ مُتَّ؟

فَناداهُ مِنَ القَبْرِ: بَلْ مُتُّ، فَأخَذَتِ القَوْمَ الرَجْفَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا في رَجْفَتِهِمْ هَذِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ كانَتْ كالإغْماءِ ونَحْوِهِ، والرَجْفَةُ: الِاهْتِزازُ والتَقَلْقُلُ لِلْهَوْلِ العَظِيمِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ أسِفَ عَلَيْهِمْ، وعَلِمَ أنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ سَيَتَشَعَّبُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَأْتِ بِالقَوْمِ، فَجَعَلَ يَسْتَعْطِفُ رَبَّهُ، أيْ رَبِّ لَوْ أهْلَكْتَهم قَبْلَ هَذِهِ الحالِ وإيّايَ لَكانَ أحَقَّ عَلَيَّ، وهَذا وقْتٌ هَلاكُهم فِيهِ مُفْسِدٌ عَلَيَّ مُؤْذٍ لِي.

ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ الرَغْبَةِ والتَضَرُّعِ والتَذَلُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ﴾ أنْ يُرِيدَ وقْتَ إغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أيْ: وقْتَ عِبادَتِهِمْ -عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ-، وفي نَفْسِهِ هو وقْتُ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ، أيْ: فَأنْتَ قَدْ سَتَرْتَ وعَفَوْتَ حِينَئِذٍ، فَكَيْفَ الآنُ إذْ رُجُوعِي دُونَهم فَسادٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَنحى الكَلامِ -عَلى هَذا- مَحْضُ اسْتِعْطافٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مَنَحاهُ الإدْلاءُ بِالحُجَّةِ في صِيغَةِ اسْتِعْطافٍ، وإذا قُلْنا: إنَّ سَبَبَ الرَجْفَةِ كانَ عِبادَةَ العِجْلِ كانَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" لَهُ ولِلسَّبْعِينَ، و"السُفَهاءُ" إشارَةٌ إلى العَبَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكَذَلِكَ إذا كانَ سَبَبُها قَوْلَ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ: قَتَلْتَ هارُونَ، وإذا كانَ سَبَبُ الرَجْفَةِ طَلَبَهُمُ الرُؤْيَةَ وتَشَطُّطَهم في الدُعاءِ أو عِبادَتَهم بِأنْفُسِهِمُ العِجْلَ فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ وبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: بِالتَفَرُّقِ والكُفْرِ والعِصْيانِ يَكُونُ هَلاكُهُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "السُفَهاءُ" إشارَةً إلى السَبْعِينَ، ورُوِيَ أنَّ السَبْعِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولا مَن قَصَّرَ عَنِ العِشْرِينَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم أُحْيُوا وجُعِلُوا أنْبِياءَ كُلَّهم.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أعْلَمَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ السَبْعِينَ عَبَدُوا العِجْلَ تَعَجَّبَ وقالَ: ﴿ إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ ﴾ أيِ: الأُمُورُ بِيَدِكَ تَفْعَلُ ما تُرِيدُ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْلَمَ مُوسى بِعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ وبِصِفَتِهِ قالَ مُوسى: أيْ رَبِّ ومَن أخارَهُ؟

قالَ: أنا، قالَ مُوسى: فَأنْتَ أضْلَلْتَهُمْ، إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِـ"هِيَ" إلى قَوْلِهِمْ: "أرِنا اللهَ" إذْ كانَتْ فِتْنَةً مِنَ اللهِ أوجَبَتِ الرَجْفَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، واغْفِرْ مَعْناهُ: اسْتُرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

نظم هذا الكلام مثل نظم قوله: ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ [الأعراف: 149] وقوله: ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان ﴾ [الأعراف: 150]، أي: ثم سكَت عن موسى الغضب ولَمّا سكت عنه أخذ الألواح.

وهذه الجملة عطف على جملة ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ [الأعراف: 150].

والسكوت مستعار لذهاب الغضب عنهُ، شُبّه ثَوَرانُ الغضب في نفس موسى المنشئ خواطر العقوبة لأخيه ولقومه، وإلقاء الألواح حتى انكسرت، بكلام شخصُ يغريه بذلك، وحسّن هذا التشبيه أن الغضبان يجيش في نفسه حديث للنفس يدفعه إلى أفعال يطفئ بها ثَوران غضبه، فإذا سكن غضبه وهدَأت نفْسه كان ذلك بمنزلة سكوت المغري، فلذلك أطلق عليه السكوت، وهذا يستلزم تشبيه الغضب بالناطق المغري على طريقة المكنية، فاجتمع استعارتان، أو هو استعارة تمثيلية مكنية؛ لأنه لم تذكر الهيئة المشبهُ بها ورُمزَ إليها بذكر شيء من رَوادفها وهو السكوت، وفي هذا ما يؤيد أن إلقاء الألواح كان أثر للغضب.

والتعريف في ﴿ الألواح ﴾ للعهد، أي الألواح التي ألقاها، وإنما أخذها حفظاً لها للعمل بها، لأن انكسارها لا يضيع ما فيها من الكتابة.

والنُسخة بمعنى المنسوخ، كالخُطبة والقُبضة، والنّسخ هو نقللِ مثل المكتوب في لوح أو صحيفة أخرى، وهذا يقتضي أن هذه الألواح أخذت منها نسخة، لأن النسخة أضيفت إلى ضمير الألواح، وهذا من الإيجاز، إذ التقدير: أخذ الألواح فجُعلت منها نسخة وفي نسختها هدى ورحمة، وهذا يشير إلى ما في التوراة في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر الخروج «ثم قال الرب لموسى إنحت لك لوحين من حجر مثل الأولين فأكتُبُ أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما» ثم قال «فنحت لوحين من حجر كالأولين إلاهان» قال «وقال الرب لموسى أكتُبْ لنفسك هذه الكلمات» إلى أن قال «فكتَب على اللوحين كلمات العهد الكلمات العشر».

فوصْفُ النسخة بأن فيها هدى ورحمة يستلزم الأصل المنتسخ بذلك، لأن ما في النسخة نظيرُ ما في الأصل، وإنما ذكر لفظ النسخة هنا إشارة إلى أن اللوحتين الأصليين عوضا بنسخة لهما، وقد قيل إن رضاض الألواح الأصلية وضعه في تابوت العهد الذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿ أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى ﴾ في سورة البقرة (248).

وقوله: ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ يتنازع تعلّقه كلٌ من ﴿ هدى ﴾ و ﴿ رحمة ﴾ ، واللام في قوله: ﴿ لربهم يرهبون ﴾ لام التقوية دخلت على المفعول لضعف العامل بتأخيره عن المعمول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا ﴾ أمّا التَّوْبَةُ مِنَ السَّيِّئاتِ فَهي النَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ والعَزْمُ عَلى ألّا يَفْعَلُ مِثْلَها.

فَإنْ قِيلَ فالتَّوْبَةُ إيمانٌ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا ﴾ فالجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّهم تابُوا مِنَ المَعْصِيَةِ واسْتَأْنَفُوا عَمَلَ الإيمانِ بَعْدَ التَّوْبَةِ.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم تابُوا بَعْدَ المَعْصِيَةِ وآمَنُوا بِتِلْكَ التَّوْبَةِ.

والثّالِثُ: وآمَنُوا بِأنَّ اللَّهَ قابِلُ التَّوْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اعطى الله موسى التوراة ف سبعة الواح من زبرجد فيها تبيان لكل شيء وموعظة التوراة مكتوبة، فلما جاء بها فرأى بني إسرائيل عكوفاً على العجل، فرمى التوراة من يده فتحطمت، وأقبل على هرون فأخذ برأسه، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ﴾ قال: فيما بقي منها.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن مجاهد.

أن سعيد بن جبير قال: كانت الألواح من زمرد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى والرحمة، وقرأ ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ [ الأعراف: 145] وقرأ ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة ﴾ قال: ولم يذكر التفصيل ههنا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ﴾ قال: اختارهم ليقوموا مع هرون على قومه بأمر الله ﴿ فلما أخذتهم الرجفة ﴾ تناولتهم الصاعقة حين أخذت قومهم.

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي سعد عن مجاهد ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة ﴾ بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم، علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم.

قال أبو سعد: فحدثني محمد بن كعب القرضي قال: فلم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف، فأخذتهم الرجفة فماتوا ثم احياها الله.

وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى ابن أخي الرقاشي.

إن بني إسرائيل قالوا: ذات يوم لموسى: ألست ابن عمنا ومنا وتزعم أنك كلمت رب العزة، فانا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فلما أن أبوا إلا ذلك أوحى الله إلى موسى: ان اختر من قومك سبعين رجلاً.

فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً خيرة، ثم قال لهم: اخرجوا.

فلما برزوا جاءهم ما لا قبل لهم به فأخذتهم الرجفة، قالوا: يا موسى ردنا.

فقال لهم موسى: ليس لي من الأمر شيء سألتم شيئاً فجاءكم فماتوا جميعاً، قيل: يا موسى ارجع.

قال: رب إلى أين الرجعة؟

﴿ قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ [ الأعراف: 155] إلى قوله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون...

﴾ [ الأعراف: 155] الآية.

قال عكرمة: كتبت الرحمة يومئذ لهذه الأمة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال: لما حضر أجل هرون أوحى الله إلى موسى: أن انطلق أنت وهرون وابن هرون إلى غار في الجبل فأنا قابض روحه، فانطلق موسى وهرون وابن هرون، فما انتهوا إلى الغار دخلوا فإذا سري، فاضطجع عليه موسى ثم قام عنه فقال: ما أحسن هذا المكان يا هرون، فاضطجع هرون فقبض روحه، فرجع موسى وابن هرون إلى بني إسرائيل حزينين.

فقالوا له: اين هرون؟

قال: مات.

قالوا: بل قتلته، كنت تعلم أنا نحبه.

فقال لهم موسى: ويلكم أقتل أخي وقد سألته الله وزيراً، ولو أني أردت قتله أكان ابنه يدعني!؟

قالوا له: بلى قتلته حسدتناه.

قال: فاختاروا سبعين رجلاً فانطلق بهم، فمرض رجلان في الطريق فخط عليهما خطاً، فانطلق موسى وابن هرون وبنو إسرائيل حتى انتهوا إلى هرون، فقال: يا هرون من قتلك؟

قال: لم يقتلني أحد ولكني مت قالوا: ما تقضي يا موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء.

قال: فأخذتهم الرجفة فصعقوا وصعق الرجلان اللذان خلفوا، وقام موسى يدعو ربه ﴿ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فأحياهم الله فرجعوا إلى قومهم أنبياء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ﴾ ، قال المفسرون (١) (٢) ﴿ سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ﴾ ، ولا يجوز صمت هاهنا؛ لأن ﴿ سَكَتَ ﴾ بمعنى: سكن وصمت (٣) قال أصحاب النظر: (وإنما قيل لسكون الغضب: سكوت، وليس الغضب مما يجوز أن يتكلم (٤) (٥) وقال عكرمة: (المعنى: سكت موسى عن الغضب) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ﴾ ؛ لأنه كان قد ألقاها.

وقوله تعالى: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ .

قد ذكرنا معنى النسخ (٩) (١٠) قال ابن عباس (١١) (١٢) (١٣) ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ .

أي: فيما (١٤) ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ .

أي: وفي المكتوب فيها، وذلك المكتوب انتسخ من أصل فيسمى نسخة.

وقوله تعالى: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ .

قال ابن عباس (١٥) (١٦) ﴿ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ .

قال: (يريد: الخائفين من ربهم) (١٧) ﴿ لِرَبِّهِمْ ﴾ ؛ فقال الكسائي: (8) تقدم المفعول على الفعل حسنت اللام) (١٨) (١٩) (٢٠) قال النحويون: (لمّا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه، فصار بمنزلة ما لا يتعدى، فأدخل اللام) (٢١) وقال أبو علي الفارسي -وهو قول أكثر النحويين-: (قد يزاد بحروف الجر في المفعول، وإن كان الفعل متعديًا، وذلك نحو: قرأت السورة، وقرأت بالسورة (٢٢) ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى  ﴾ ، وفي موضع آخر ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ  ﴾ (٢٣) ﴿ لِرَبِّهِمْ ﴾ (٢٤) ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ .

وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ ، وقال بعضهم: إنها (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ يَرْهَبُونَ ﴾ .

لا رياء ولا سمعة.

(١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 229، و"معاني الأخفش" 2/ 311، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" ص 181، و"تفسير الطبري" 9/ 71، و"نزهة القلوب" ص 264، و"معاني النحاس" 3/ 85، و"تفسير السمرقندي" 1/ 572، و"تفسير المشكل" ص 87 (٢) انظر: "العين" 5/ 305، و"الجمهرة" 1/ 398، و"تهذيب اللغة" 2/ 1718، و"الصحاح" 1/ 253، و"المجمل" 2/ 468، و"مقاييس اللغة" 3/ 89، و"المفردات" ص 416، و"اللسان" 4/ 2046 (سكت).

(٣) انظر: "العين" 7/ 106، و"تهذيب اللغة" 2/ 2051، و"الصحاح" 1/ 256، و"المجمل" 2/ 540، و"معجم المقاييس" 3/ 308، و"اللسان" 4/ 2493 (صمت).

(٤) في (ب): (يتكلم به).

(٥) في (ب): (لأنه كان نفورته)، وهو تحريف.

(٦) ذكره الرازي 15/ 14، والقرطبي 7/ 293.

(٧) القَلَنْسُوة: من ملابس الرؤوس معروفة، انظر: "اللسان" 6/ 3720 (قلس).

(٨) "معاني الزجاج" 2/ 379، وقال الخازن 2/ 293: (والقول الأول أصح لأنه قول أهل اللغة والتفسير) اهـ.

وقال السمين في "الدر" 5/ 472: (القول بالقلب ينبغي أن لا يجوز لعدم الاحتياج إليه مع ما في القلب من الخلاف) اهـ.

(٩) انظر: "البسيط" النسخة الزهرية 1/ 78 ب.

(١٠) هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3558 (نسخ).

(١١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285، والرازي 15/ 15، والقرطبي 7/ 293، والخازن 2/ 293.

(١٢) عمرو بن دينار لعله: عمرو بن دينار الجمحي، أبو محمَّد المكي الأثرم، تقدمت ترجمته.

(١٣) ذكره الثعلبي 198 أ، والبغوي 3/ 285، الخازن 2/ 293.

(١٤) في (ب): (أي وفيما).

(١٥) "تنوير المقباس" 2/ 130، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والخازن 2/ 293.

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 71، و"معاني النحاس" 3/ 85، والسمرقندي 1/ 572.

(١٧) "تنوير المقباس" 2/ 135، وذكره ابن الجوزي 3/ 267، والخازن 2/ 293.

(١٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 286.

(١٩) في (ب): (ولك حديث).

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) انظر: "اللامات" للزجاجي ص 147، و"الهروي" ص 34، وقال ابن هشام في "المغني" 1/ 217: (هي لام التقوية، وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف إما بتأخر نحو ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أو بكونه فرعا في العمل) اهـ.

(٢٢) في (ب): (نحو قرأت السورة وألقى يده، وفي القرآن) وهو تحريف.

(٢٣) "الإيضاح العضدي" 1/ 197 - 198، وانظر: "المسائل العسكريات" ص 128.

(٢٤) في (ب): ( ﴿ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ ).

(٢٥) في (ب): (وقال بعضهم ألها لام)، وهو تحريف.

(٢٦) في (ب): (والمعنى والذين هم).

(٢٧) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 311، و"تفسير الطبري" 9/ 71، و"إعراب النحاس" 1/ 641، و"التبيان" ص 391، و"والفريد" 2/ 367، و"الدر المصون" 5/ 472.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِقَآءِ الآخرة ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به أي: ولقاؤهم الآخرة، أو من إضافة المصدر إلى الظرف ﴿ واتخذ قَوْمُ موسى ﴾ هم بنو إسرائيل ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد غيبته في الطور ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ بضم الحال والتشديد جمع حلى نحو ثدي وثدي، وقرئ بكسر الحاء للإتباع وقرئ بفتح الحاء وإسكان اللام، والحلي هو اسم ما يتزين به من الذهب والفضة ﴿ جَسَداً ﴾ أي جسماً دون روح، وانتصابه على البدل ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ الخوار هو: صوت البقر، وكان السامري قد قبض قبضة من تراب أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذفه في العجل فصار له خوار، وقيل: كان إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه فيسمع له خوار ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ ردّ عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته ﴿ اتخذوه ﴾ أي اتخذوه إلهاً، فحذف لمفعول الثاني للعلم به، وكذلك حذف من قوله: واتخذ قوم موسى ﴿ سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ ﴾ أي ندموا يقال: سقط في يد فلان إذا عجز عما يريد أو وقع فيما يكره ﴿ أَسِفاً ﴾ شديد الحزن على ما فعلوه، وقيل: شديد الغضب كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ا ﴾ [الزخرف: 55] ﴿ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي ﴾ أي قمتم مقامي، وفاعل بئس مضمر يفسره ما واسم المذموم محذوف، والمخاطب بذلك أما القوم الذين عبدوا العجل مع السامري حيث عبدوا غير الله في غيبة موسى عنهم، أو رؤساء بني إسرائيل كهارون عليه السلام، حيث لم يكفوا الذين عبدوا العجل ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ معناه: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور، فإنهم لما رأوا أنّ الأمر قد تم ظنوا أن موسى عليه السلام قد مات فعبدوا العجل ﴿ وَأَلْقَى الألواح ﴾ طرحها لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله من عبادة العجل ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ أي شعر رأسه ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ لأنه ظن أنه فرَّط في كف الذين عبدوا العجل ﴿ ابن أُمَّ ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأمّه، لأنه أدعى إلى العطف والحنوّ، وقرئ ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء بالفتح تشبيهاً بخمسة عشر جعَل الاسمان اسما واحداً فبنى ﴿ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين ﴾ أي لا تظن أني منهم أو لا تجد عليَّ في نفسك ما تجدُ عليهم يعني أصحاب العجل ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ ﴾ أي: غضب في الآخرة وذلة في الدنيا ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ أي سكن، وكذلك قرأ بعضهم، وقال الزمخشري: قوله: سكت مثل كأن الغضب كان يقول له ألق الألواح وجُرّ برأس أخيك، ثم سكت عن ذلك ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ أي فيما ينسخ منها، والنسخة فعلة بمعنى مفعول ﴿ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أي يخافون، ودخلت اللام لتقدّم المفعول كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43]، وقال المبرِّد: تتعلق بمصدر تقديره رهبتهم لربهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.

الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.

﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بضم الراء وسكون الشين.

﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.

الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.

﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم  ﴾ في طه.

الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.

التفسير: لما أهلك الله  أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟

فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.

وقيل: فائدة التفصيل أنه  أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى  ﴾ فلما أعلمه الله  خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.

وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.

ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.

والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.

وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.

﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.

وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.

وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.

﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.

وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله  وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.

وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى  سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.

وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى  أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.

واختلف العلماء أيضاً في أن الله  كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.

عن ابن عباس: أن موسى  جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.

فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.

قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله  .

فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.

قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله  وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.

وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى  سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.

وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.

وردّ بأنه  أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟

ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله  عن ذلك؟

ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله  ولا يلزم منه المنع في الآخرة.

ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.

وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.

ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.

وفي الآية سؤال وهو أنه  لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه  علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.

ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".

والدك والدق أخوان.

ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.

والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.

والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.

وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.

وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟

قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله  حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.

وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.

روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.

وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.

وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.

ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.

والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.

قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.

وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله  من غير واسطة كما سمعه موسى.

والغرض أنه  خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.

وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا  رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.

وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.

والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.

ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.

وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.

وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله  لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.

وقيل: طولها كان عشرة أذرع.

والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.

وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.

وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.

قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.

وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.

﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.

وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.

وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.

وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.

ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.

وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.

وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.

وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله  سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .

وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون  ﴾ .

ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.

فاحتجت الأشاعرة بها على أنه  قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.

وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.

وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.

وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا  ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله  .

وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله  عنها.

وبوجه آخر إن الله  إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله  ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.

وعن رسول  : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.

والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد  ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله  ﴿ مما علمت رشداً  ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.

ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.

ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.

ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.

قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.

أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.

ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.

قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.

والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.

ومن كسر الحاء فللإتباع.

فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.

واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.

قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.

وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.

وإنما قال  ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده  ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.

قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.

وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله  ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه  قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.

واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.

ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.

وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه  احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.

قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.

قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.

والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون  ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.

واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.

وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.

وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.

وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.

وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.

وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.

ثم قال الله  ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.

قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.

ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.

ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.

﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.

وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك  ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه  أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.

والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.

وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.

وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.

وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف  ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.

قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.

وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.

وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.

وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.

وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.

وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.

وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.

عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله  بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.

وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.

قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.

وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.

واعلم أن موسى  كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.

وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.

وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.

بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.

ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.

فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.

واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.

وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله  موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.

قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.

ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي  سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.

قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.

وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.

ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.

وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.

وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.

﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله  الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون  ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.

التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.

وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.

قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.

﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.

﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.

اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.

وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.

﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.

﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ ﴾ .

الذي غضب لله على قومه بعبادتهم العجل.

ولا يحتمل ما قاله أبو بكر الأصم: أن الغضب عقوبة وشتم؛ لأن الغضب معروف، لا يجوز أن يتأول ما قال هو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ ﴾ .

يعني: الألواح التي وضعها على الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ .

قال بعضهم: يعني في نسخة الألواح لما كانت نسخت من اللوح المحفوظ.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى ﴾ أي: الكتب التي انتسختها بنو إسرائيل من تلك الألواح.

وقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ أي: هدى من كل ضلالة، وبيان من كل غي وشبهة، ورحمة من كل سخط وغضب.

﴿ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ .

أي: للذين يخشون ربهم فيعملون بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ لِّمِيقَاتِنَا ﴾ ، أي: لتمام الموعدة التي وعد، وهو الأربعون الذي وعد، ولكن لا ندري ما ذلك الميقات الذي ذكر؟

وقوله: ﴿ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ ﴾ قال بعضهم: السبعون الذين اختارهم موسى ليكونوا مع هارون فَعُبِدَ العجل في أفنيتهم، فلم ينكروا ولم يغيروا عليهم، فأخذتهم الرجفة.

وقال الحسن: إنهم جميعاً قد عبدوا العجل إلا هارون، فالرجفة التي أخذتهم إنما أخذتهم عقوبة لما عبدوا العجل، ولسنا ندري من أولئك السبعون الذين اختارهم موسى؟

وأمكن أن يكون موسى اختار السبعين ليخرجوا معه؛ فيكونوا شهداء له على إنزال التوراة عليه وكلام ربه.

وقيل: هم الذين تركهم في أصل الجبل، فلما جاءهم موسى بالتوراة، قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ  ﴾ وهلكوا لقولهم ذلك، وقد ذكرنا أنا لا ندري من كانوا؟

وقيل: اختارهم موسى ليتوبوا إلى الله مما عمل قومهم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: لو شئت أمتهم وإياي بقتل القبطي.

وقال آخرون: لو شئت أهلكتهم على نفس الإهلاك وإياي على القدرة، أي: تقدر على إهلاكي، ولكن لا تهلكنا لما لم يكن ما نستحقه ذلك، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ ﴾ إهلاك فتنة وإياي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لك أن تهلكنا ابتداء إهلاك السفهاء بما فعلوا.

والثاني: يقول: لو شئت أهلكتهم وإياي من قبل، ولم تهلكنا يومنا؛ لأن موسى [إذا] أتى قومه وأخبرهم أنهم أهلكوا بسبب كذا لم يصدقه قومه بذلك، ولكنهم يتهمونه ويقولون: أنت قتلتهم على ما ذكر في بعض القصة أنه خرج بهارون إلى بعض الجبال فمات هارون هناك، فأخبر قومه بذلك فكذبوه، وقالوا: أنت قتلته؛ فعلى ذلك جائز أن يكون هاهنا خاف أن يتهمه قومه في أولئك ولا يصدقوه فيما حل بهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ﴾ .

يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: يراد به التقرير.

ويحتمل الإنكار والرد.

ويحتمل الإيجاب.

أما الإنكار: فيكون معناه: أتهلكنا بما فعل السفهاء [منا]، أي: لا تفعل ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، ومثل هذا قد يقال: يقول الرجل لآخر: أتفعل أنت كذا؟

على الإنكار، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هذا.

والله أعلم.

ويراد به: الإيجاب؛ كأنه قال: لك [أن] تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وما هي إلا فتنتك أن يكون ذلك امتحاناً وابتلاء ابتداء، أي: تفعله امتحاناً وابتلاء لا تعذيباً.

ويحتمل أن يكون على الاستفهام، لكن لم يخرج له الجواب؛ كقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه مما لم يخرج له جواب؛ فعلى ذلك هذا.

ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم، وإن كان بعضهم برآء من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان، وكان الفشل والهزيمة عليهم محنة منه إياهم؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ...

﴾ الآية [آل عمران: 152]؛ فعلى ذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ ﴾ .

قال أبو بكر: تضل بها، أي: تنهى من تشاء [نهياً ما لولا ذلك النهي لم يكن الفعل فعل الضلال، وتهدي من تشاء أي تأمره أمراً ما لولا ذلك الأمر لم يكن الفعل] فعل الاهتداء، لكن حرف "من" إنما يعبر به [عن] الأشخاص دون الأفعال، فلو كان على ما ذكر هو، لقال: تضل به ما تشاء، فإن لم يقل ذا، ثبت أنه ليس على ما ذكر.

وتأويله عندنا: أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك، ويخلق فعل الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك، وهو خالق كل شيء.

وأصل ذلك: أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة باختلاف وجوهها حقيقة، ذلك من الله خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق وصفه بأنه خالقه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ تَهْدِي ﴾ و ﴿ تُضِلُّ ﴾ .

ويحتمل: توفق وتخذل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ أي: أنت أولى بنا.

ويحتمل: أنت ولي هدايتنا.

أو: أنت ولي نعمتنا.

﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ ﴾ .

وأنت خير الراحمين؛ لأن كل أحد دونه إنما يرحم ويغفر برحمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .

تحتمل الكتابة الإيجاب، أي: أوجب لنا في هذه الدنيا حسنة [وفي الآخرة أو الإثبات، أي: أثبت لنا وأعطنا في هذه الدنيا حسنة ويكون كقوله: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة].

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا ﴾ ، أي: وفق لنا العمل الذي نستوجب به الحسنة في الدنيا والآخرة.

ويحتمل: اكتب لنا في الدنيا الحسنات، ولا تكتب علينا السيئات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ تختم بها الدنيا وتنقضي بها، وإلا ما من مسلم إلا وله في [هذه] الدنيا حسنة أتاه إياها، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً  ﴾ [أنهم] إنما سألوا حسنة لأن يختموا عليها، ويكون قوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ  ﴾ كذا، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: ملنا إليك.

وقال غيرهم: ﴿ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تبنا إليك.

وقيل: لذلك سمت اليهود أنفسهم يهوداً، أي: تائبين إلى الله، لكن لو كان كما ذكر، كان قوله: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً  ﴾ أي: تائباً، وذلك بعيد، ولكن إن كان [لذلك] سموا فهو - والله أعلم - ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً  ﴾ أي: لم يكن على المذهب الذي عليه اليهود، وكذلك لم يكن على المذهب الذي ادعت النصارى أنه كان عليه، ولكن كان حنيفاً مسلماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .

قال الحسن: يشاء أن يصيب عذابه من كفر بالله وكذب رسله، وشاء من أطاع الله وصدق رسله أن يصيب رحمته.

ودل قوله: ﴿ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ ﴾ أنه لما شاء أن يصيبهم عذابه شاء العمل والفعل الذي كان به يصيبهم؛ لأن حرف "من" إنما يعبر به عن بني آدم، و[ليس] جائز أن يشاء لهم الإيمان ثم يشاء لهم [أن يصيبهم] عذابه، ولكن إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون ويختارون فعل الضلال على فعل الهداية، شاء لهم ما اختاروا.

وقوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .

ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعيشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصّة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها، وذلك قوله: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ : معصية الله والخلاف له، ﴿ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ ، و[هو] كقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ جعل طيبات الدنيا نعمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظ للكافر فيها؛ فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة.

ويحتمل قوله - والله أعلم -: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أنهم إنما سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ يحتمل: يؤتون الزكاة المعروفة.

ويحتمل: تزكية النفس؛ كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا  ﴾ ومعلوم أنه لم يرد به زكاة المال، ولكن زكاة النفس بالتوحيد والتقوى، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ  ﴾ هو تلك الزكاة لا الزكاة المعروفة زكاة المال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وإن كان على الزكاة المعروفة فذلك في قوم ثقل عليهم واشتد إخراج الزكاة من أموالهم؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ...

 ﴾ كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع أن من آمن بآيات الله وصدقها فقد آمن بالله وبرسله، ومن كذب بآياته كذب بالله وخالف رسله؛ لأن طريق معرفة الله ورسله إنما هو من طريق الآيات والحجج، ليس من طريق المشاهدات والمحسوسات؛ لذلك كان الإيمان بالآيات إيماناً بالله وبرسله، والتكذيب بها كفر بالله ورسله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .

أي: يقفون أثر الرسول في كل سيرته، وفي كل أمره ونهيه، ويطيعونه؛ سماه رسولا ونبيّاً بقوله: ﴿ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ والرسول: المبعوث على تبليغ الرسالة والمأمور بها على كل حال، والنبي: المنبئ لهم أشياء عند السؤال والاستخبار، والرسول هو المأمور بالتبليغ سألوه أو لم يسألوا شاءوا أو أبوا، وكان لمحمد  كلاهما: الإنباء والتبليغ؛ كقوله: ﴿ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً ﴾ .

الأمي: ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 48].

﴿ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

أي: يجدونه مكتوباً في التوراة أنه رسول نبي، وأنه أمي.

قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ  ﴾ .

لئلا يقولوا: إنك أخذت هذا من الكتب المتقدمة ومن علومها وحكمتها، ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ ؛ لئلا يقولوا: إنه من تأليفك، ويعلموا أنه من عند الله جاء به، لا من ذات نفسه.

وفي قوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر - دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأن أولئك لم يأتوا بالتوراة، والإنجيل فيقولون: لا نجد ما تذكر في التوراة والإنجيل؛ دل ذلك منهم على أنهم وجدوه كذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

أي: يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة أنه يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه.

﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

ما أحل الله لهم.

﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ ﴾ ما حرم الله عليهم يجدونه في التوراة أنه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء ولا يحل شيئاً ولا يحرم إلا بأمر [من] الله له، لكنهم ينكرونه إنكار عناد ومكابرة؛ كقوله -  -: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ وغيره.

ويحتمل قوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...

﴾ الآية، أي: يأمرهم بما هو معروف في العقل وشهادة الخلقة، وهو التوحيد، وكذلك ينهاهم عما هو في العقل وشهادة الخلقة منكر، وهو الكفر وجميع المعاصي.

﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ أي: يحل ما هو طيب في العقل والطبع، ويحرم ما هو خبيث في العقل والطبع جميعاً؛ لأن من الأشياء ما هو مستخبث في الطبع لم يجعل غذاء البشر فيه، وإنما جعل غذاءهم فيما هو مستطاب في الطبع بلغ غايته في الطيب، ولا كذلك جعل غذاء البهائم والأنعام؛ هذا محتمل، والله أعلم.

ثم المعروف الطيبات لو تركت العقول والطباع على ما هي عليه، لكانت لا حاجة تقع إلى رسول يخبر أن هذا معروف، وأن هذا طيب أو خبيث أو منكر، ولكن تعرف العقول والطباع ذلك كله، لكن يعترض العقول من الشبه فتمنعها من معرفة ذلك، فاحتاجت إلى رسول يخبر عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ .

قيل: ما غلظوا على أنفسهم من الشدائد.

وقيل: إصرهم: شدة من العبادة والعمل.

وقيل: إصرهم: عهدهم.

وقيل: إصرهم: [أي] الثقل الذي كان بنو إسرائيل ألزموه.

وقال القتبي: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ أي: ذنبهم الذي كانوا يذنبون، أي: عقوبة الذنب الذي أذنبوا في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

قال الحسن: إن اليهود قالوا: يد الله مغلولة، أي: محبوسة عن عقوبتنا، فقال - عز وجل -: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ  ﴾ أي: غلت أيديهم إلى إعناقهم في النار، فأخبر أن أمة محمد  لما آمنوا به وصدقوه، رفعت تلك الأغلال التي كانت عليهم عن هذه الأمة بطاعتهم رسول الله  .

وقيل: الأغلال التي كانت عليهم: [الشدائد التي كانت عليهم] من نحو ما لا يجوز لهم العفو عن الدم العمد، ولا أخذ الدية، وما لا يجوز غسل النجاسات إلا العظم، وغير ذلك من الأشياء التي لم تحل لهم، فأحلت لهذه الأمة.

ويحتمل أن يكون الإصر والأغلال التي كانت عليهم: من نحو ما حرم من أشياء بظلم كان منهم وتحريم؛ نحو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  ﴾ ، إلى قوله: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ  ﴾ حرمت تلك الأشياء عليهم؛ عقوبة لبغيهم وظلمهم الذي كان منهم، أخبر أنه وضع عن هؤلاء ذلك، لم يحرم ذلك عليهم.

وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر أنه أمي، والأمي ما ذكر في قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ كان لا يتلوه ولا يخطه بيده، ثم أخبر على ما كان في كتبهم [من غير أن عرف ما في كتبهم] أو نظر فيها وعرف لسانهم؛ دل أنه [إنما] عرف ذلك بالله.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ ﴾ .

أي: صدقوا بمحمد  .

﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ .

قيل: أعانوه بأموالهم.

﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ .

بأيديهم بالسيف.

وقال الحسن: قوله: ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ إنما هو كلام مثنى، وهو إعانة.

وقيل: ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ [أطاعوه ﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ أعانوه، وقيل: عزروه] أي: عظموه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ .

يعني: القرآن؛ سماه نوراً؛ لما ينير الأشياء عن حقائقها بالعقول؛ لأن النور في الشاهد هو الذي يكشف عن الأشياء سواترها؛ فعلى ذلك القرآن هو نور؛ لما يرفع الشبه عن القلوب، ويكشف عن سواترها.

وقال بعضهم: سمى نوراً؛ لما ينير الأشياء ويعرف به ما غاب وما شهد، فيصير الغائب به [له] كالشاهد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما سكن عن موسى  الغضب وهدأ اْخذ الألواح التي رماها بسبب الغضب، وهذه الألواح مشتملة على الهداية من الضلال وبيان الحق، ومشتملة على الرحمة للذين يخشون ربهم، ويخافون عقابه.

<div class="verse-tafsir" id="91.bV6wd"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله