الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٥٥ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 181 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية : كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختار سبعين رجلا فبرز بهم ليدعوا ربهم ، فكان فيما دعوا الله قالوا : اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم ، ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ) الآية .
وقال السدي : إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل ، يعتذرون إليه من عبادة العجل ، ووعدهم موعدا ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه ، ثم ذهب بهم ليعتذروا .
فلما أتوا ذلك المكان قالوا : لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة ، فإنك قد كلمته ، فأرناه .
فأخذتهم الصاعقة فماتوا ، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول : رب ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم ؟
( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ) وقال محمد بن إسحاق : اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير ، وقال : انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم ، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا ، وطهروا ثيابكم .
فخرج بهم إلى طور سيناء ، لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم - فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمرهم به ، وخرجوا معه للقاء ربه ، فقالوا لموسى : اطلب لنا نسمع كلام ربنا .
فقال : أفعل .
فلما دنا موسى من الجبل ، وقع عليه عمود الغمام ، حتى تغشى الجبل كله .
ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا .
وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع ، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه .
فضرب دونه بالحجاب .
ودنا القوم ، حتى إذا دخلوا وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه : افعل ، ولا تفعل .
فلما فرغ إليه من أمره ، انكشف عن موسى الغمام ، فأقبل إليهم ، فقالوا لموسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة .
فأخذتهم الرجفة - وهي الصاعقة - فافتلتت أرواحهم ، فماتوا جميعا .
فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ، ويقول : ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ) قد سفهوا ، أفنهلك من ورائي من بني إسرائيل .
وقال سفيان الثوري : حدثني أبو إسحاق ، عن عمارة بن عبد السلولي ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : انطلق موسى وهارون وشبر وشبير ، فانطلقوا إلى سفح جبل ، فنام هارون على سرير ، فتوفاه الله ، عز وجل .
فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له : أين هارون ؟
قال : توفاه الله ، عز وجل .
قالوا له أنت قتلته ، حسدتنا على خلقه ولينه - أو كلمة نحوها - قال : فاختاروا من شئتم .
قال : فاختاروا سبعين رجلا .
قال : فذلك قوله تعالى : ( واختار موسى قومه سبعين رجلا ) فلما انتهوا إليه قالوا : يا هارون ، من قتلك ؟
قال : ما قتلني أحد ، ولكن توفاني الله .
قالوا : يا موسى ، لن تعصى بعد اليوم .
قال : فأخذتهم الرجفة .
قال : فجعل موسى ، عليه السلام ، يرجع يمينا وشمالا وقال : يا ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) قال : فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم .
هذا أثر غريب جدا ، وعمارة بن عبد هذا لا أعرفه .
وقد رواه شعبة ، عن أبي إسحاق عن رجل من بني سلول عن علي ، فذكره وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج : إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل ، ولا نهوهم ، ويتوجه هذا القول بقول موسى : ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) وقوله : ( إن هي إلا فتنتك ) أي : ابتلاؤك واختبارك وامتحانك .
قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وربيع بن أنس ، وغير واحد من علماء السلف والخلف .
ولا معنى له غير ذلك ; يقول : إن الأمر إلا أمرك ، وإن الحكم إلا لك ، فما شئت كان ، تضل من تشاء ، وتهدي من تشاء ، ولا هادي لمن أضللت ، ولا مضل لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت ، فالملك كله لك ، والحكم كله لك ، لك الخلق والأمر .
وقوله : ( أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) الغفر هو : الستر ، وترك المؤاخذة بالذنب ، والرحمة إذا قرنت مع الغفر ، يراد بها ألا يوقعه في مثله في المستقبل ، ( وأنت خير الغافرين ) أي : لا يغفر الذنوب إلا أنت
القول في تأويل قوله : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واختار موسى من قومه سبعين رجلا للوقت والأجل الذي وعده الله أن يلقاه فيه بهم، (40) للتوبة مما كان من فعل سفهائهم في أمر العجل، كما: - 15152- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي، قال: إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناسٍ من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل, ووعدهم موعدًا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه, ثم ذهب بهم ليعتذروا.
فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة, فإنك قد كلمته، فأرناه!
فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رَبِّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم, لو شئتَ أهلكتهم من قبل وإيّاي!
(41) 15153- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخيِّر فالخيرَ, وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم, واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم, صوموا وتَطَهَّروا, وطهِّروا ثيابكم!
فخرج بهم إلى طور سيْناء، لميقات وقَّته له ربه.
وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم.
فقال السبعون =فيما ذكر لي= حين صنعوا ما أمرهم به, وخرجوا معه للقاء ربِّه، لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربِّنا!
فقال: أفعل.
فلما دنا موسى من الجبل, وقع عليه عمودُ الغمام، حتى تغشى الجبلَ كله.
ودنا موسى فدخل فيه, وقال للقوم: ادنوا!
وكان موسى إذا كلمه الله وقَع على جبهته نور ساطع, لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه!
فضرب دونه بالحجاب.
ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقَعوا سجودًا, فسمعوه وهو يكلِّم موسى, يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل!
فلما فرغ الله من أمره، انكشف عن موسى الغمام.
أقبل إليهم, (42) فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة!
فأخذتهم الرجفة= وهي الصاعقة= فَافْتُلِتَتْ أرواحهم، (43) فماتوا جميعًا, وقام موسى عليه السلام يناشد ربّه ويدعوه ويرغب إليه, ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبلُ وإياي!
قد سفهوا!
أفتهلك مَنْ ورائي من بني إسرائيل؟
(44) 15154- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: كان الله أمرَه أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختار سبعين رجلا فبرزَ بهم ليدعوا ربَّهم.
فكان فيما دَعَوُا الله قالوا: اللهم أعطِنا ما لم تعط أحدًا بعدنا!
فكره الله ذلك من دعائهم, فأخذتهم الرجفة.
قال موسى: ربِّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيَّاي!
15155- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا خالد بن حيان, عن جعفر, عن ميمون: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: لموعدهم الذي وعدهم.
15156 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: اختارهم لتمام الوعد.
* * * وقال آخرون: إنما أخذتهم الرجفة من أجل دَعْواهم على موسى قتلَ هارون.
* ذكر من قال ذلك: 15157- حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا سفيان قال، حدثني أبو إسحاق, عن عمارة بن عبد السَّلولي, عن علي رضي الله عنه قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير, فانطلقوا إلى سفح جَبَلٍ, فنام هارون على سرير, فتوفاه الله.
فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟
قال: توفّاه الله.
قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خُلقه ولينه= أو كلمة نحوها= قال: فاختاروا من شئتم!
قال: فاختاروا سبعين رجلا.
قال: فذلك قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: فلما انتهوا إليه، قالوا: يا هارون، من قتلك؟
قال: ما قتلني أحد, ولكنني توفّاني الله!
قالوا: يا موسى لن تعصَي بعد اليوم!
قال: فأخذتهم الرجفة.
قال: فجعل موسى يرجع يمينًا وشمالا وقال: " يا رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء "، قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياءَ كلهم.
(45) 15158- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق, عن رجل من بني سلول, أنه سمع عليًّا رضي الله عنه يقول في هذه الآية: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: كان هارون حسنَ الخلق محبَّبًا في بني إسرائيل.
قال: فلما مات، دَفَنَه موسى.
قال: فلما أتى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟
قال: مات!
فقالوا: قتلته!
قال: فاختار منهم سبعين رجلا.
قال: فلما أتوا القبرَ قال موسى: أقُتِلت أو مِتّ!
قال مت!
فأُصعقوا, فقال موسى: ربِّ ما أقول لبني إسرائيل؟
إذا رجعت يقولون: أنت قتلتهم!
قال: فأحيُوا وجُعِلوا أنبياء.
15159- حدثني عبد الله بن الحجاج بن المنهال قال، حدثنا أبي قال، حدثنا الربيع بن حبيب قال: سمعت أبا سعيد =يعني الرقاشي= وقرأ هذه الآية: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، فقال: كانوا أبناءَ ما عدا عشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين, وذلك أن ابن عشرين قد ذهب جهلُه وصباه, وأنّ من لم يتجاوز الأربعين لم يفقد من عقله شيئًا.
(46) * * * وقال آخرون: إنما أخذت القوم الرَّجفة، لتركهم فِراق عبدة العجل, لا لأنهم كانوا من عَبَدته.
* ذكر من قال ذلك: 15160- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، فقرأ حتى بلغ: السُّفَهَاءُ مِنَّا ، ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: إنما تناولتهم الرجفة، لأنهم لم يزايلوا القوم حين نَصَبُوا العجل, وقد كرهوا أن يجامِعُوهم عليه.
15161- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، ممن لم يكن قال ذلك القول، على أنهم لم يجامعوهم عليه, فأخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكونوا باينوا قومَهم حين اتخذوا العجل.
قال: فلما خرجوا ودعوا, أماتهم الله ثم أحياهم.
فلما أخذتهم الرجفة قال: " رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ".
15162- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، قال مجاهد: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "= و " الميقات "، الموعد= فلما أخذتهم الرجفة بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاءَ فلم يستجب لهم، علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصابَه قومهم= قال أبو سعد (47) فحدثني محمد بن كعب القرظي قال: لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ويأمروهم بالمعروف.
قال: فأخذتهم الرجفة، فماتوا ثم أحياهم الله.
15163- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عون , عن سعيد بن حيان, عن ابن عباس: أن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه, إنما أخذتهم الرجفة، أنهم لم يرضَوا ولم ينهَوا عن العجل.
15164- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عون قال، حدثنا سعيد بن حيان, عن ابن عباس, بنحوه.
* * * واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: " قومه سبعين رجلا لميقاتنا ".
فقال بعض نحويي البصرة: معناه: واختار موسى من قومه سبعين رجلا = فلما نـزع " من " أعمل الفعل, كما قال الفرزدق: وَمِنَّـا الَّـذِي اخْـتِيرَ الرِّجَـالَ سَمَاحَةً وَجُـودًا, إِذَا هَـبَّ الرِّيَـاحُ الزَّعَـازِعُ (48) وكما قال الآخر: (49) أَمَـرْتُكَ الْخَـيْرَ, فَـافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَــدْ تَــرَكْتُكَ ذَا مَـالٍ وَذَا نَشَـبٍ (50) وقال الراعي: اخْـتَرْتُكَ النَّـاسَ إِذْ غَثَّـتْ خَـلائِقُهُمْ وَاعْتَـلَّ مَـنْ كَـانَ يُرْجَى عِنْدَهُ السُّولُ (51) * * * وقال بعض نحويي الكوفة: إنما استُجيز وقوع الفعل عليهم إذا طرحت " من ", لأنه مأخوذ من قولك: " هؤلاء خير القوم " و " خير من القوم ", فلما جازت الإضافة مكان " من " ولم يتغير المعنى, (52) استجازُوا: أن يقولوا: " اخترتكم رجلا ", و " اخترت منكم رجلا "، وقد قال الشاعر: (53) فَقُلْتُ لَهُ: اخْتَرْهَا قَلُوصًا سَمِينَةً (54) وقال الراجز: (55) * تَحْتَ الَّتِي اخْتَارَ لَهُ اللهُ الشَّجَرْ * (56) بمعنى: اختارَها له الله من الشجر.
(57) * * * قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني أولى عندي في ذلك بالصواب، لدلالة " الاختيار " على طلب " من " التي بمعنى التبعيض, ومن شأن العرب أن تحذف الشيء من حَشْو الكلام إذا عُرِف موضعه, وكان فيما أظهرت دلالةٌ على ما حذفت.
فهذا من ذلك إن شاء الله.
* * * وقد بينا معنى " الرجفة " فيما مضى بشواهدها, وأنّها: ما رجف بالقوم وزعزعهم وحرّكهم، (58) أهلكهم بعدُ فأماتهم، (59) أو أصعقهم, فسلب أفهامهم.
(60) * * * وقد ذكرنا الرواية في غير هذا الموضع وقول من قال: إنها كانت صاعقة أماتتهم.
(61) 15165- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فلما أخذتهم الرجفة "، ماتوا ثم أحياهم.
15166- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " سبعين رجلا لميقاتنا "، اختارهم موسى لتمام الموعد= " فلما أخذتهم الرجفة "، ماتوا ثم أحياهم الله.
15167- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس: " فلما أخذتهم الرجفة "، قال: رُجف بهم.
* * * القول في تأويل قوله : أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: أتهلك هؤلاء الذين أهلكتهم بما فعل السفهاء منا، أي: بعبادة من عبد العجل؟
قالوا: وكان الله إنما أهلكهم لأنهم كانوا ممن يَعبد العجل.
وقال موسى ما قال، ولا علم عنده بما كان منهم من ذلك.
(62) * ذكر من قال ذلك: 15168- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا "، فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجلَ!
فذلك حين يقول موسى: " إن هي إلا فتنتك تُضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ".
(63) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: إن إهلاكك هؤلاء الذين أهلكتهم، هلاك لمن وراءهم من بني إسرائيل، إذا انصرفت إليهم وليسوا معي= و " السفهاء "، على هذا القول، كانوا المهلَكين الذين سألوا موسى أن يُرِيهم ربَّهم.
* ذكر من قال ذلك: 15169- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: لما أخذت الرجفة السبعين فماتوا جميعًا, قام موسى يناشد ربّه ويدعوه ويرغب إليه، يقول: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟
أي: إن هذا لهم هلاكٌ, قد اخترت منهم سبعين رجلا الخيِّر فالخيِّر, أرجع إليهم وليس معى رجل واحد!
فما الذي يصدِّقونني به، أو يأمنونني عليه بعد هذا؟
(64) * * * وقال آخرون في ذلك بما: - 15170- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا "، أتؤاخذنا وليس منا رجلٌ واحد تَرَك عبادتك، ولا استبدل بك غيرك؟
* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية, قولُ من قال: إن موسى إنما حزن على هلاك السبعين بقوله: " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا "، وأنّه إنما عنى ب " السفهاء " عبدةَ العجل.
وذلك أنه محالٌ أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم كان تخيَّر من قومه لمسألة ربِّه ما أراه أن يسألَ لهم إلا الأفضل فالأفضل منهم, ومحالٌ أن يكون الأفضل كان عنده مَنْ أشرك في عبادة العجل واتخذَه دون الله إلهًا.
* * * قال: فإن قال قائل: فجائز أن يكون موسى عليه السلام كان معتقدًا أن الله سبحانه يعاقب قومًا بذنوب غيرهم, فيقول: أتهلكنا بذنوب من عبد العجل, ونحن من ذلك برآء؟
قيل: جائز أن يكون معنى " الإهلاك " قبض الأرواح على غير وجه العقوبة, كما قال جل ثناؤه: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ، [سورة النساء: 176]= يعني: مات= فيقول: أتميتنا بما فعل السُّفهاء منَّا؟
(65) * * * وأما قوله: " إن هي إلا فتنتك "، فإنه يقول جل ثناؤه: ما هذه الفعلة التي فعلَها قومي، من عبادتهم ما عبَدُوا دونك, إلا فتنة منك أصَابتهم= ويعني ب " الفتنة "، الابتلاء والاختبار (66) = يقول: ابتليتهم بها، ليتبين الذي يضلَّ عن الحق بعبادته إياه، والذي يهتدي بترك عبادته.
وأضاف إضلالهم وهدايتهم إلى الله, إذ كان ما كان منهم من ذلك عن سببٍ منه جل ثناؤه.
* * * وبنحو ما قلنا في " الفتنة " قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15171- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (إن هي إلا فتنتك) ، قال: بليّتك.
15172- ....
قال ) ، دثنا حبويه الرازي, عن يعقوب, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير: " إلا فتنتك "، : إلا بليتك.
(67) 15173- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر, (68) عن الربيع بن أنس: " إن هي إلا فتنتك "، قال: بليتك.
15174- ....
قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء "، إن هو إلا عذابك تصيبُ به من تشاء, وتصرفه عمن تشاء.
(69) 15175- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إن هي إلا فتنتك "، أنت فتنتهم.
* * * وقوله: " أنت ولينا "، يقول: أنت ناصرنا.
(70) = " فاغفر لنا "، يقول: فاستر علينا ذنوبَنا بتركك عقابَنا عليها= " وارحمنا "، تعطف علينا برحمتك= " وأنت خير الغافرين "، يقول: خير من صَفَح عن جُرم، وسَتر على ذنب.
(71) ------------------------ الهوامش: (40) (1) انظر تفسير (( الميقات )) فيما سلف 3 : 553 - 555 / 13 : 87 ، 90 .
(41) (2) الأثر : 15152 - مضى مطولا برقم 958 ، ومراجعه هناك .
(42) (1) في المطبوعة : (( وانكشف عن موسى .........
أقبل )) ، غير ما في المخطوطة .
كما فعل آنفاً في رقم : 957 .
(43) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( فالتقت أرواحهم )) ، ولا معنى لها ، صوابها ما أثبته .
(( افتلتت نفسه )) ( بالبناء للمجهول ) : مات فلتة ، أي بغتة .
وانظر ما سلف 2 : 87 ، تعليق : 1 .
(44) (3) الأثر : 15153 - مضى هذا الخبر برقم 957 ، ومراجعه هناك .
(45) الأثر : 15157 - ((عمارة بن عبد السلولي )) ، هو أخو (( سليم بن عبد السلولى )) و (( زيد بن عبد السلولي )) ، قال العجلي : (( هم ثلاثة إخوة : سليم بن عبد ، وعمارة بن عبد ، وزيد بن عبد ، ثقات ، سلوليون ، كوفيون )) .
روى عن علي ، وحذيفة .
لم يرو عنه غير أبي إسحق الهمداني .قال أحمد بن حنبل : (( عمارة بن عبد ، مستقيم الحديث ، لا يروى عنه غير أبي إسحق )) .
وقال أبو حاتم : (( شيخ مجهول لا يحتج بحديثه )) .
مترجم في ابن سعد 6 : 158 ، وابن أبي حاتم 3/1/367 ، وميزان الاعتدال 2 : 248 ، ومر ذكره في التعليق على رقم 8754 .
وهذا الخبر ، ذكره ابن كثير في تفسيره 3: 561 ، 562 : (( وهذا أثر غريب جدا ، وعمارة بن عبد هذا ، لا أعرفه )) .
فقد تبين مما ذكرت أنه معروف ، وأن ابن كثير لم يستوعب بحثه .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 128 ، ونسبه إلى عبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا في كتاب : من عاش بعد الموت ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ولم أجده في كتاب (( من عاش بعد الموت )) المطبوع ، فدل هذا علي نقص النسخة المطبوعة منه .
(46) (1) الأثر : 15159 - (( عبد الله بن الحجاج بن المنهال )) لم أجد له ترجمة .
وأبوه (( الحجاج بن المنهال الأنماطي )) ، مضى مرارا كثيرة .
و(( الربيع بن حبيب الحنفي )) ، (( أبو سعيد )) .
روى عن الحسن ، وابن سيرين ، وأبي جعفر الباقر .
روى عنه أبو داود الطيالسي ، ويحيى القطان ، وعبد الصمد بن عبد الوارث .
وثقه أحمد ويحيى .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/253 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 457 .
و (( أبو سعيد الرقاشي )) هو فيما أرجح (( قيس ، مولى أبي ساسان حضين بن المنذر الرقاشي )) .
وكان أبو سعيد قليل الحديث .
مترجم في ابن سعد 7/1/154 والكبير 4/1/151 ، وابن أبي حاتم 3/2/106 .
وهناك أيضا (( أبو سعيد الرقاشي )) ، البصري وهو (( بيان بن جندب الرقاشى )) ، روى عن أنس .
مترجم في الكبير 1/2/133 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 424 ، ولسان الميزان 2 : 69 .
قال ابن حبان في الثقات : (( يخطئ )) .
(47) (1) في المخطوطة والمطبوعة : (( قال ابن سعد )) ، والصواب ما أثبت ، كما سلف في إسناد الخبر .
(48) (1) ديوانه : 516 ، النقائض : 696 ، سيبويه 1 : 18 ، الكامل 1 : 21 ، أملى الشجرى 1 : 186 ، الخزانة 3 : 669 ، 672 ، اللسان ( خير ) وغيرها كثير .
وهو أول قصيدة ناقض بها جريراً ، وذكر فيها فضائل قومه بني تميم ومآثرهم ، وعنى بهذا البيت أباه غالبا ، وهو أحد أجواد بني تميم ، ثم قال بعده :ومِنَّـا الَّـذِي أَعْطَـى الرَّسُـولُ عَطِيَّةً أُسَــارَى تَمِيـمٍ ، والعُيُـونُ دَوَامِـعُ يعني الأقرع بن حابس ، الذي كلم رسول الله في أصحاب الحجرات ، وهم بنو عمرو بن جندب ابن العنبر بن عمرو بن تميم ، فرد رسول الله سبيهم .
ثم أفاض في ذكر مآثرهم .
(49) (2) هو أعشى طرود: (( إياس بن عامر بن سليم بن عامر )) .
وروى هذا البيت أيضاً في شعر نسب إلى عمرو بن معد يكرب ، وإلى العباس بن مرداس ، وإلى زرعة بن السائب ، وإلى خفاف بن فدية ( الخزانة 1 : 166 ) .
(50) ديوان الأعشين : 284 ، سيبويه 1 : 17 ، والمؤتلف والمختلف : 17 ، الكامل 1 : 21 ، أمالي الشجري 1 : 265 / 2 : 240 ، الخزانة 1 : 164 - 167 ، وغيرها كثير .
فمن نسبها إلى أعشى طرود قال من بعد أبيات يذكر وصية أبيه له: إِنِّـي حَـوَيْتُ عَـلَى الأَقْـوَامِ مَكْرُمَة قِدْمًــا، وَحَـذَّرَنِي مَـا يَتَّقُـونَ أَبِـي وَقَـالَ لِـي قَـوْلَ ذِي عِلْـمٍ وَتَجْرُبَـةٍ بِسَــالِفَاتِ أُمُـورِ الدَّهْـرِ وَالحِـقَبِ أَمَـرْتُكَ الرُّشْـدَ، فـافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَــدْ تَــرَكْتُكَ ذَا مَـالٍ وَذَا نَشَـبِ لا تَبْخَــلَنَّ بِمَــالٍ عَــنْ مَذَاهِبِـهِ فِـي غَـيْرِ زَلَّـةِ إِسْـرَافٍ وَلا تَغَـبِ فَــإنّ وُرَّاثَــهُ لَـنْ يَحْـمَدُوكَ بِـهِ إِذَا أَجَــنُّوكَ بَيْـنَ اللِّبْـنِ وَالخَشَـبِ (( التغب )) : الهلاك ، يعني إهلاك المال في غير حقه .
ويروى : (( ذا مال وذا نسب )) بالسين ، وهو أجود ، لأن النشب هو المال نفسه .
وقوله : (( بين النشب والخشب )) ، يعني : ما يسوى عليه في قبره من الطين والخشب .
أما الشعر المنسوب إلى عمرو بن معد يكرب أو غيره فهو : إِنِّـي حَـوَيْتُ عَـلَى الأقْـوَامِ مَكْرُمَـةً قِدْمًــا، وَحَـذَّرَنِي مَـا يَتَّقُـونَ أَبِـي فَقَــالَ لِـي قَـوْلَ ذِي رَأيٍ وَمَقْـدِرَةٍ مُجَـرَّبٍ عَـاقِلٍ نَـزْهٍ عَـنْ الــرَّيَبِ قَـدْ نِلْـتَ مَجْـدًا فَحَـاذِرْ أَنْ تُدَنِّسُـهُ أبٌ كَــرِيمٌ، وجَــدٌّ غَـيْرُ مُؤْتَشَـبِ أَمَـــرْتُكَ الخَــيْرَ................
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
واتْـرُكْ خَـلائِقَ قَـوْمٍ لا خَـلاقَ لَهُمْ وَاعْمِـدْ لأَخْــلاقِ أَهْلِ الفَضْلِ والأدَبِ وَإِنْ دُعِيــتَ لِغَـدْرٍ أوْ أُمِـرْتَ بِـهِ فَـاهْرُبْ بِنَفْسِـكَ عَنْـهُ آبِـدَ الْهَـرَبِ (51) (1) لم أجد البيت في مكان .
وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( إذ عنت )) بالعين المهملة والنون .
ولا معنى لها ، ورجحت أن الصواب (( غثت )) بالغين والثاء .
يقال : (( غثثت في خلقك وحالك غثاثة وغثوثة )) ، ولذلك إذا ساء خلقه وحاله .
و (( الغث )) الردئ من كل شيء .
و (( اعتل )) ، طلب العلل لمنع العطاء .
(52) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( فإذا جازت الإضافة )) ، وأثبت صواب سياقها من معاني القرآن للفراء ، فهو نص كلامه .
(53) (3) هو الراعي النميري .
(54) (4) طبقات فحول الشعراء ، لابن سلام : 450 ، وما قبلها ، وشرح الحماسة 4 : 37 ، وما قبله ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 395 ( وهذا روايته ) ، وغيرها .
وهو من شعر قاله الراعى لما نزل به ضيف من بنى كلاب في سنة حصاء مجدبة ، وليس عنده قرى ، والكلابي على ناب له ( وهي الناقة المسنة ) ، فأمر الراعى ابن أخيه حبتراً ، فنحرها من حيث لا يعلم الكلابي ، فأطمعه لحمها ، فقال الراعي في قصيدته يذكر أنه نظر إلى ناقة الكلابي : فَأَبْصَرْتُهَــا كَوْمَــاءَ ذَاتَ عَـرِيَكَـةٍ هِجَانًـا مِـنَ الَّلاتِـي تَمَتَّعْـنَ بِالصَّوَى فَــأَوْمَضْتُ إيمَـاضًـا خَفَيًّـا لِحَـبْتَرٍ وَللــهِ عَيْنًــا حَــبْتَرٍ!
أَيَّمَـا فَتَـى فَقُلْـتُ لَـهُ: أَلْصِـقْ بِـأَبْيَسِ سَـاقِهَا فَـإنْ يُجْـبَرِ العُرْقُـوبُ لا يَرْقَـأُ النَّسَا فَقَــامَ إِلَيْهَــا حَــبْتَرٌ بِسِــلاحِهِ، مَضَـى غَـيْرَ مَنْكُودٍ، ومُنْصُلَهُ انْـتَضَى كَــأَنِّي وَقَـدْ أشْـبَعْتُهُ مِـنْ سِـنَامِهَا كَشَـفْتُ غِطَـاءً عَـنْ فُـؤَادِي فَـانْجَلَى وهذا تصوير جميل جيد ، لهذه الحادثة الطريفة .
ثم قال : فَقُلْـتُ لِـرَبِّ النَّـابِ : خُذْهَـا فَتِيَّـةً وَنَـابٌ عَلَيْهَـا مِثْـلُ نَـابِكَ فِي الحَيَا أي : خذ مكانها ناقة فتية ، وناقة أخرى مسنة مثل نابك المسنة ، يوم يأتي الخصب ، وتحيي أموالنا .
(55) (1) هو العجاج .
(56) (2) ديوانه : 15 ، معاني القرآن للفراء 1 : 395 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 229 ، اللسان ( خير ) ، ورواية الديوان ، ومعاني القرآن : (( تحت الذي )) .
وهو من قصيدته في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، مضت منها أبيات كثيرة ، انظر ما سلف 10 : 172 ، تعليق : 2 ، وهذا البيت في ذكر نبى الله صلى اله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، وبيعتهم تحت الشجرة.
وهي بيعة الرضوان في عمرة الحديبية ، فذكر عهد رسول الله ، وعهد الصديق ، وعهد عمر ، وعهد المهاجرين ، وعهد الأنصار ، ثم ذكر بيعة الرضوان فقال : وَعُصْبَـةِ النَّبِـيِّ إِذْ خَـافُوا الحَـصَرْ شَــدُّوا لَـهُ سُـلْطَانَهُ حَـتَّى اقْتَسَـرْ بِــالْقَتْلِ أَقْوَامًــا وَأَقْوَامًــا أَسَـرْ تَحْـتَ الَّـذِي اخْتَـارَ لَـهُ اللـهُ الشَّجَرْ وفي المخطوطة : (( تحت التي اختارها له الله )) ، وهو خطأ ظاهر ، صوابه ما في المطبوعة .
(57) (3) انظر مجاز القرآن 1 : 229 ، ونصه : (( تحت الشجرة التي اختار له الله من الشجر )) .
(58) (1) في المطبوعة : (( ما رجف بالقوم وأرعبهم )) ، لم يحسن قراءة المخطوطة لأنها غير منقوطة ، ولأنها سيئة الكتابة ، فاجتهد واخطأ .
وقد مضى اللفظ على الصواب فيما سلف ، انظر التعليق التالي رقم : 3 ، في المراجع .
(59) (2) في المطبوعة ، زاد (( واو )) فكتب : (( وأهلكهم )) عطفاً على ما قبله ، فأفسد معنى أبي جعفر .
و إنما أراد أبو جعفر أن الرجفة : إما أن تعقب الهلاك ، وتصعق من تنزل به فتسلبه فهمه من شدة الروع .
(60) (3) انظر تفسير (( الرجفة )) فيما سلف : 12 : 544 ، 545 ، 566 .
(61) (4) انظر ما سلف قديماً 2 : 84 - 90 ، ثم ما سلف حديثاً ص : 140 .
(62) (1) انظر تفسير (( السفهاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سفه ) = وتفسير (( الهلاك )) فيما سلف ( هلك ) .
(63) (2) الأثر : 15168 - مضى قديمًا برقم 958 بتمامه ، ومضى صدره قريبًا برقم : 15152 (64) الأثر: 15169 مضى قديما برقم 957 بتمامه ، ومضى قريبا بتمامه رقم: 15153 .
(65) انظر تفسير (( الهلاك )) فيما سلف 9 : 30 / 104 : 147 ، وفهارس اللغة ( هلك ) .
(66) (1) انظر تفسير (( الفتنة )) فيما سلف 12 : 373 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(67) (2) الأثر : 15172 - (( حبويه الرازي )) هو : (( إسحق بن إسماعيل الرازي )) (( أبو يزيد )) ، مضى مرارًا ، آخرها رقم 15015 ، والراوي عن حبويه هو (( ابن وكيع )) ، كما هو ظاهر ، ولذلك وضعت نقطاً مكان اسمه ، في هذا الموضع وما يشابهه من المواضع ، حيث يختصر أبو جعفر شيخه من الإسناد .
(68) (3) في المطبعة والمخطوطة : (( أخبرنا ابن جعفر )) ، وهو خطأ ظاهر جداً ، صوابه ما أثبت .
وقد مضى هذا الإسناد وشبهه من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع ، انظر ما سلف قريباً : 15171 .
(69) (4) الأثر : 15174 - شيخ الطبري في هذا الإسناد ، هو (( المثنى )) المذكور في الأثر قبله .
وسأضع هذه النقط ، حيث يختصر أبو جعفر شيخه ، ثم لا أنبه إليه ، ومعلوم أن المحذوف هو شيخه في الإسناد قبله .
(70) (1) انظر تفسير (( ولى )) فيما سلف 11 : 282 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(71) (2) انظر تفسير (( المغفرة )) ، و (( الرحمة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) و ( رحم ) .
قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين[ ص: 264 ] قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا مفعولان ، أحدهما حذفت منه " من " وأنشد سيبويه :منا الذي اختير الرجال سماحة وبرا إذا هب الرياح الزعازعوقال الراعي يمدح رجلا :اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم واختل من كان يرجى عنده السوليريد : اخترتك من الناس .
وأصل اختار اختير ; فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفا ، نحو قال وباع .قوله تعالى فلما أخذتهم الرجفة أي ماتوا .
والرجفة في اللغة الزلزلة الشديدة .
ويروى أنهم زلزلوا حتى ماتوا .قوله تعالى قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أي أمتهم ; كما قال عز وجل : إن امرؤ هلك .
وإياي عطف .
والمعنى : لو شئت أمتنا من قبل أن نخرج إلى الميقات بمحضر بني إسرائيل حتى لا يتهموني .
أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد عن علي رضي الله عنه قال : انطلق موسى وهارون صلى الله عليهما وانطلق شبر وشبير - هما ابنا هارون - فانتهوا إلى جبل فيه سرير ، فقام عليه هارون فقبض روحه .
فرجع موسى إلى قومه ، فقالوا : أنت قتلته ، حسدتنا على لينه وعلى خلقه ، أو كلمة نحوها ، الشك من سفيان ، فقال : كيف أقتله ومعي ابناه !
قال : فاختاروا من شئتم ; فاختاروا من كل سبط عشرة .
قال : فذلك قوله : واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فانتهوا إليه ; فقالوا : من قتلك يا هارون ؟
قال : ما قتلني أحد ولكن الله توفاني .
قالوا : يا موسى ، ما تعصى .فأخذتهم الرجفة ، فجعلوا يترددون يمينا وشمالا ، ويقول : لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك قال : فدعا الله فأحياهم وجعلهم أنبياء كلهم .
وقيل : أخذتهم الرجفة لقولهم : أرنا الله جهرة كما قال الله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة [ ص: 265 ] على ما تقدم بيانه في " البقرة " وقال ابن عباس : إنما أخذتهم الرجفة ; لأنهم لم ينهوا من عبد العجل ولم يرضوا عبادته .
وقيل : هؤلاء السبعون غير من قالوا أرنا الله جهرة .
وقال وهب : ما ماتوا ، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى كادت أن تبين مفاصلهم ، وخاف موسى عليهم الموت .
وقد تقدم في " البقرة " عن وهب أنهم ماتوا يوما وليلة .
وقيل غير هذا في معنى سبب أخذهم بالرجفة .
والله أعلم بصحة ذلك .ومقصود الاستفهام في قوله : أتهلكنا الجحد ; أي لست تفعل ذلك .
وهو كثير في كلام العرب .
وإذا كان نفيا كان بمعنى الإيجاب ; كما قال :ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راحوقيل : معناه الدعاء والطلب ، أي لا تهلكنا ; وأضاف إلى نفسه .
والمراد القوم الذين ماتوا من الرجفة .
وقال المبرد : المراد بالاستفهام استفهام استعظام ; كأنه يقول : لا تهلكنا ، وقد علم موسى أن الله لا يهلك أحدا بذنب غيره ; ولكنه كقول عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك .
وقيل : المراد بالسفهاء السبعون .
والمعنى : أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم أرنا الله جهرة .إن هي إلا فتنتك أي ما هذا إلا اختبارك وامتحانك .
وأضاف الفتنة إلى الله عز وجل ولم يضفها إلى نفسه ; كما قال إبراهيم :وإذا مرضت فهو يشفين فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى : وقال يوشع : وما أنسانيه إلا الشيطان .
وإنما استفاد ذلك موسى عليه السلام من قوله تعالى له : فإنا قد فتنا قومك من بعدك .
فلما رجع إلى قومه ورأى العجل منصوبا للعبادة وله خوار قال إن هي إلا فتنتك تضل بها أي بالفتنة .من تشاء وتهدي من تشاء وهذا رد على القدرية .
و لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم اخْتَارَ مُوسَى منهم سَبْعِينَ رَجُلا من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم اللّه ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فتجرأوا على اللّه جراءة كبيرة، وأساءوا الأدب معه، فـ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فصعقوا وهلكوا.
فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى اللّه ويتبتل ويقول رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى اللّه واعتذر بأن المتجرئين على اللّه ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام، قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا.
فأجاب اللّه سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم.
قوله تعالى : ( واختار موسى قومه ) أي : من قومه ، فانتصب لنزع حرف الصفة ، ( سبعين رجلا لميقاتنا ) فيه دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل .
قال السدي : أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا ( فلما ) أتوا ذلك المكان قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا .
قال ابن إسحاق : اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ويسألوا التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم ، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل .
وقال قتادة ، وابن جريج ، ومحمد بن كعب : ( أخذتهم الرجفة ) لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل ، ولم يأمروهم بالمعروف ولم ينهوهم عن المنكر .
وقال ابن عباس : إن السبعين الذين قالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ) البقرة - 55 ، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة ، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختارهم وبرز بهم ليدعوا ربهم ، فكان فيما دعوا أن قالوا : اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ، ولا تعطه أحدا بعدنا ، فكره الله ذلك من دعائهم ، فأخذتهم الرجفة .
وقال وهب : لم تكن الرجفة صوتا ، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا ، حتى كادت أن تبين مفاصلهم ، فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت ، فاشتد عليه فقدهم ، وكانوا له وزراء على الخير ، سامعين مطيعين ، فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربه ، فكشف الله عنهم تلك الرجفة ، فاطمأنوا وسمعوا كلام ربهم ، فذلك قوله - عز وجل - : ( قال ) يعني موسى ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل ) يعني عن عبادة العجل ( وإياي ) بقتل القبطي .
( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) يعني عبدة العجل ، وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذهم العجل ، وقال هذا على طريق السؤال ، يسأل : أتهلكنا بفعل السفهاء؟
.
وقال المبرد : قوله " أهلكنا بما فعل السفهاء منا " استفهام استعطاف ، أي : لا تهلكنا ، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدل من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره .
قوله تعالى ( إن هي إلا فتنتك ) أي : التي وقع فيها السفهاء ، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك ، أضللت بها قوما فافتتنوا ، وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك ، فذلك هو معنى قوله : ( تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا ) ناصرنا وحافظنا ، ( فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين )
«واختار موسى قومه» أي من قومه «سبعين رجلا» ممن لم يعبدوا العجل بأمره تعالى «لميقاتنا» أي للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل فخرج بهم «فلما أخذتهم الرجفة» الزلزلة الشديدة، قال ابن عباس: لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، قال: وهم غير الذين سألوا الرؤية وأخذتهم الصاعقة «قال» موسى «ربِّ لو شئت أهلكتهم من قبل» أي قبل خروجي بهم ليعاين بنو إسرائيل ذلك ولا يتهموني «وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا» استفهام استعطاف، أي لا تعذبنا بذنب غيرنا «إن» ما «هي» أي الفتنة التي وقع فيها السفهاء «إلا فتنتُك» ابتلاؤك «تضل بها من تشاء» إضلاله «وتهدي من تشاء» هدايته «أنت ولينا» متولي أمورنا «فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين».
واختار موسى من قومه سبعين رجلا مِن خيارهم، وخرج بهم إلى طور "سيناء" للوقت والأجل الذي واعده الله أن يلقاه فيه بهم للتوبة مما كان من سفهاء بني إسرائيل من عبادة العجل، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك -يا موسى- حتى نرى الله جهرة فإنك قد كلَّمته فأرِنَاهُ، فأخذتهم الزلزلة الشديدة فماتوا، فقام موسى يتضرع إلى الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم، وقد أهلكتَ خيارهم؟
لو شئت أهلكتهم جميعًا من قبل هذا الحال وأنا معهم، فإن ذلك أخف عليَّ، أتهلكنا بما فعله سفهاء الأحلام منا؟
ما هذه الفعلة التي فعلها قومي من عبادتهم العجل إلا ابتلاءٌ واختبارٌ، تضلُّ بها مَن تشاء مِن خلقك، وتهدي بها من تشاء هدايته، أنت وليُّنا وناصرنا، فاغفر ذنوبنا، وارحمنا برحمتك، وأنت خير مَن صفح عن جُرْم، وستر عن ذنب.
قال الآلوسى : قوله - تعالى - ( واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا ) تتمة لشرح أحوال بنى إسرائيل وقال البعض : إنه شروع فى بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها .
واختار - من الاختيار بمعنى الانتخاب والاصطفاء - وهو يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد حذفت هنا وأوصل الفعل والأصل من قومه ، والمفعول الأول سبعين " .أى : اختار موسى سبعين رجلا من قومه للميقات الذى وقته الله له ، ودعاهم للذهاب معه .وهؤلاء السبعون كانوا من خيرتهم أو كانوا خلاصتهم ، لأن الجملة الكريمة جعلتهم بدلا من القوم جميعا فى الاختيار ، وكأن بنى إسرائيل على كثرتهم لا يوجد من بينهم فضلاء سوى هؤلاء السبعين .وتختلف روايات المفسرين فى سبب هذا الميقات وزمانه ، فمنهم من يرى أنه الميقات الكلامى الذى كلم الله فيه موسى تكليما فقد كان معه سبعون رجلا من شيوخ بنى إسرائيل ينتظرونه فى مكان وضعهم فيه غير مكان المناجاة ، فلما تمت مناجاة موسى لربه طلبوا منه أن يخاطبوا الله - تعالى - وأن يكلموه كما كلمه موسى ، وأن يروه جهرة فأخذتهم الصاعقة ، وكان ذلك قبل أن يخبر الله - تعالى - موسى أن قومه قد عبدوا العجل فى غيبته .والذى نرجحه وعليه المحققون من المفسرين والسياق القرآنى يؤيده أن هذا الميقات الذى جاء فى هذه الآية غير الميقات الأول ، وأنه كان بعد عبادة بنى إسرائيل للعجل فى غيبة موسى ، فقد عرفنا أن الله قد أخبره بذلك عند ذهابه إليه لتلقى التوراة ، فرجع موسى إليهم مسرعا ووبخهم على صنيعهم وأحرق العجل ، وأمره الله - تعالى - بعد ذلك أن يأتيه مع جماعة من بنى إسرائيل ليتوبوا إليه من عبادة العجل فاختار موسى هؤلاء السبعين ، وهناك روايات ترجح ذلك منها ما جاء عن محمد بن إسحاق قال : إن موسى - عليه السلام - لما رجع إلى قومه فرأى ما هم فيه من عيادة العجل ، وقال لأخيه والسامرى ما قال وحرق العجل وذراه فى اليم ، اختار من بنى إسرائيل سبعين رجلا الخيّر فالخير ، وقال : انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، فصوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم .
فخرج بهم إلى طور سياء لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم ، فقال له السبعون - فيما ذكر لى - حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه يا موسى : اطلب لنا نسمع كلام ربنا .
فقال : أفعل .
فلما دنا موسى من الجيل ، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا .
وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع ، لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر إليه .ودنا القوم حتى إذا دخلوا فى الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه ، أفعل ولا تفعل ، فلما انكشفت عن موسى الغمام أقيل إليهم فقالوا له : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة ) وهى الصاعقة التى يحصل منها الاضطراب الشديد فماتوا جميعاً فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول : ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ) قد سفهوا ، أتهلك من ورائى من بنى إسرائيل " .وهكذا نرى أن هؤلاء السبعين المختارين من بنى إسرائيل قد طلبوا من نبيهم موسى - عليه السلام - مالا يصح لهم أن يطلبوه فأخذتهم الرجفة بسبب ذلك ، أو بسبب أنهم عندما عبد بنو إسرائيل العجل فى غيبة موسى لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف .وقوله : ( فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ) أى : فلما أخذت هؤلاء السبعين المختارين الرجفة قال موسى يا رب إننى أتمنى لو كانت سبقت مشيئتك أن تهلكهم من قبل خروجهم معى إلى هذا المكان وأن تهلكنى معهم حتى لا أقع فى حرج شديد مع بنى إسرائيل ، لأنهم سيقولون لى : قد ذهبت بخيارنا لإهلاكهم .ويرى بعض المفسرين أن هذه الرجفة التى أخذتهم وصعقوا منها أدت إلى موتهم جميعا ثم أحياهم الله - تعالى - بعد ذلك ، ويرى آخرون أنهم غشى عليهم ثم أفاقوا .وقد قال موسى هذا القول لاستجلاب العفو من ربه عن هذه الجريمة التى اقترفها قومه .
بعد أن من عليهم - سبحانه - بالنعم السابقة الوافرة ، وأنقذهم من فرعون وقومه .
فكأنه يقول : يا رب لقد رحمتهم من ذنوب كثيرة ارتكبوها فيما سبق فارحمهم الآن كما رحمتهم من قبل جرياً على مقتضى كرمك .ومفعلو المشيئة محذوف ، أى : لو شئت إهلاكهم لأهلكتهم .وقوله ( وَإِيَّايَ ) معطوف على الضمير فى ( أَهْلَكْتَهُمْ ) ، وقد قال موسى ذلك تسليما منه لأمر الله وقضائه وإن كان لم يسبق منه ما يوجب هلاكه ، بل الذى سبق منه إنما هو الطاعة الكاملة لله رب العالمين .والاستفهام فى قوله ( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ ) للاستعطاف الذى بمعنى النفى أى : ألجأ إليك يا مولانا ألا تهلكنا بذنب غيرنا فلئن كان هؤلاء السفهاء قد خرجوا عن طاعتك ، وانتهكوا حرماتك .
فنحن يا رب مطيعون لك وخاضعون لأمرك .قوله ( إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ ) استئناف مقرر لما قبله ، و ( إِنْ ) نافية .
والفتنة : الابتلاء والاختبار ، والباء فى ( بِهَا ) للسببية أى : ما الفتنة التى وقع فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك لعبادك ، فأنت الذى ابتليتهم واختبرتهم ، فالأمر كله لك وبيدك .
لا يكشفه إلا أنت .كما لم يمتحن به ويختبر إلا أنت .
فنحن عائذون بك منك .
ولاجئون منك إليك .
ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن .وقوله ( أَنتَ وَلِيُّنَا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين ) أى : أنت القائم بأمورنا كلها لا أحد غيرك ، فاغفر لنا ما فرط منا ، وارحمنا برحمتك التى وسعت كل شىء ، وأنت خير الغافرين إذ كل غافر سواك إنما يغفر لغرض نفسانى ، كحب الثناء ، واجتلاب المنافع ، أما أنت - يا إلهنا - فمغفرتك لا لطلب عوض أو غرض وإثما هى لمحض الفضل والكرم .
في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: الاختيار: افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره، وأصل اختار: اختير، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفاً نحو قال وباع، ولهذا السبب استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما، مختار، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء فيهما ألفاً فاستويا في اللفظ.
وتحقيق الكلام فيه أن نقول: إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل والترك، وصالحة للفعل ولضده، وما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدراً لأحد الجانبين دون الثاني، وإلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح، وهو محال، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعاً زائداً وصلاحاً راجحاً، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده.
فعند حصول هذا الاعتقاد في القلب يصير الفعل راجحاً على الترك، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيراً من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلاً، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفاً على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً من تركه، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلاً اختيارياً والله أعلم.
فإن قيل: إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور.
فنقول: إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل، والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيراً لا شراً.
وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم.
المسألة الثانية: قال جماعة النحويين: معناه واختار موسى من قومه سبعين.
فحذفت كلمة من ووصل الفعل فنسب، يقال: اخترت من الرجال زيداً واخترت الرجال زيداً، وأنشدوا قول الفرزدق: ومنا الذي اختار الرجال سماحة *** وجوداً إذا هب الرياح الزعازع قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر: أستغفر الله ذنباً لست أحصيه *** ويقال أمرت زيداً بالخير وأمرت زيداً الخير قال الشاعر: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به *** والله أعلم.
وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله: ﴿ سَبْعِينَ رَجُلاً ﴾ عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات.
المسألة الثالثة: ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة، فصاروا اثنين وسبعين، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع.
وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخاً، فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا، ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى الميقات.
المسألة الرابعة: هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذي كلم الله تعالى موسى فيه وسأل موسى من الله الرؤية أو هو للخروج إلى موضع آخر؟
فيه أقوال للمفسرين: القول الأول: إنه لميقات الكلام والرؤية قالوا: إنه عليه السلام خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام، حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى عليه السلام.
ودخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل.
ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية وقالوا: ﴿ يا موسى لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة ﴾ وهي المراد من الرجفة المذكورة في هذه الآية، فقال موسى عليه السلام: ﴿ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا ﴾ فالمراد منه قولهم: ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ .
والقول الثاني: أن المراد من هذا الميقات ميقات مغاير لميقات الكلام وطلب الرؤية، وعلى هذا القول فقد اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أن هؤلاء السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل إلا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند اشتغالهم بعبادة العجل.
وثانيها: أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل.
وثالثها: أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا، ولا تعطيه أحداً بعدنا، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك الكلام فأخذتهم الرجفة.
واحتج القائلون بهذا القول على صحة مذهبهم بأمور: الأول: أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة، وظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة التي لا ينكر أنه يمكن أن يكون هذا عوداً إلى تتمة الكلام في القصة الأولى إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الواحدة في موضع واحد.
ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها، فأما ما ذكر بعض القصة، ثم الانتقال منها إلى قصة أخرى، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الأولى، فإنه يوجب نوعاً من الخبط والاضطراب، والأولى صون كلام الله تعالى عنه.
الثاني: أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم يظهر هناك منكر، إلا أنهم ﴿ قَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ فلو كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال: أتهلكنا بما يقوله السفهاء منا؟
فلما لم يقل موسى كذلك بل قال: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا ﴾ علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية.
الثالث: أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام والرؤية أنه خر موسى صعقاً وأنه جعل الجبل دكاً، وأما الميقات المذكور في هذه الآية، فإن الله تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة، ولم يذكر أن موسى عليه السلام أخذته الرجفة، وكيف يقال أخذته الرجفة، وهو الذي قال لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي؟
واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر.
واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا ﴾ فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات، فلما قال في هذه الآية: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا ﴾ وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات.
وجوابه: أن هذا الدليل ضعيف، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى.
والله أعلم.
والوجه الثالث: في تفسير هذا الميقات ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن موسى وهرون عليهما السلام انطلقا إلى سفح جبل، فنام هرون فتوفاه الله تعالى، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذي قتل هرون، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً وذهبوا إلى هرون فأحياه الله تعالى وقال ما قتلني أحد، فأخذتهم الرجفة هنالك، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.
والله أعلم.
المسألة الخامسة: اختلفوا في تلك الرجفة فقيل: إنها رجفة أوجبت الموت.
قال السدي: قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ولم يبق معي منهم واحد؟
فماذا أقول لبني إسرائيل وكيف يأمنوني على أحد منهم بعد ذلك؟
فأحياهم الله تعالى.
فمعنى قوله: ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى ﴾ أن موسى عليه السلام خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم ولم يصدقوا أنهم ماتوا، فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني.
والقول الثاني: أن تلك الرجفة ما كانت موتاً، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم، وتنقصم ظهورهم، وخاف موسى عليه السلام الموت، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة.
أما قوله: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا ﴾ فقال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يظن موسى عليه السلام أن الله تعالى يهلك قوماً بذنوب غيرهم، فيجب تأويل الآية، وفيه بحثان: الأول: أنه استفهام بمعنى الجحد، وأراد أنك لا تفعل ذلك.
كما تقول: أتهين من يخدمك؟
أي لا تفعل ذلك.
الثاني: قال المبرد: هو استفهام استعطاف، أي لا تهلكنا.
وأما قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ فقال الواحدي رحمه الله: الكناية في قوله: ﴿ هِىَ ﴾ عائدة إلى الفتنة كما تقول: إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند.
والمعنى: أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها قوماً فافتتنوا، وعصمت قوماً عنها فثبتوا على الحق، ثم أكد بيان أن الكل من الله تعالى، فقال: ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشآءُ ﴾ ثم قال الواحدي: وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر.
قالت المعتزلة: لا تعلق للجبرية بهذه الآية لأنه تعالى لم يقل؛ تضل بها من تشاء من عبادك عن الدين، ولأنه تعالى قال: ﴿ تُضِلُّ بِهَا ﴾ أي بالرجفة، ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها، فوجب حمل هذه الآية على التأويل.
فأما قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ فالمعنى: امتحانك وشدة تعبدك، لأنه لما أظهر الرجفة كلفهم بالصبر عليها.
وأما قوله: ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ ﴾ ففيه وجوه: الأول: تهدي بهذا الامتحان إلى الجنة والثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف ويبقى على الإيمان، وتعاقب من تشاء بشرط أن لا يؤمن، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه.
والثاني: أن يكون المراد بالإضلال الإهلاك، والتقدير: تهلك من تشاء بهذه الرجفة وتصرفها عمن تشاء.
والثالث: أنه لما كان هذا الامتحان كالسبب في هداية من اهتدى، وضلال من ضل، جاز أن يضافا إليه.
واعلم أن هذه التأويلات متسعة، والدلائل العقلية دالة على أنه يجب أن يكون المراد ما ذكرناه، وتقريرها من وجوه: الأول: أن القدرة الصالحة للإيمان والكفر لا يترجح تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطرف الآخر، إلا لأجل داعية مرجحة، وخالق تلك الداعية هو الله تعالى، وعند حصول تلك الداعية يجب الفعل وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت أن الهداية من الله تعالى وأن الإضلال من الله تعالى.
الثاني: أن أحداً من العقلاء لا يريد إلا الإيمان والحق والصدق، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل واحد مؤمناً محقاً، وحيث لم يكن الأمر كذلك ثبت أن الكل من الله تعالى.
الثالث: أنه لو كان حصول الهداية والمعرفة بفعل العبد فما لم يتميز عنده الاعتقاد الحق عن الاعتقاد الباطل، امتنع أن يخص أحد الاعتقادين بالتحصيل والتكوين، لكن علمه بأن هذا الاعتقاد هو الحق وأن الآخر هو الباطل، يقتضي كونه عالماً بذلك المعتقد أولاً كما هو عليه، فيلزم أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد مشروطة بكون ذلك الاعتقاد الحق حاصلاً، وذلك يقتضي كون الشيء مشروطاً بنفسه وأنه محال، فثبت أنه يمتنع أن يكون حصول الهداية والعلم بتخليق العبد، وأما الكلام في إبطال تلك التأويلات فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة والله أعلم.
ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك: ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ يفيد الحصر، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت، وهذا من تمام ما سبق ذكره من قوله: ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ﴾ وقوله: ﴿ فاغفر لَنَا وارحمنا ﴾ المراد منه أن إقدامه على قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ جراءة عظيمة، فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله: ﴿ وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين ﴾ معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلباً للثناء الجميل أو للثواب الجزيل، أو دفعاً للربقة الخسيسة عن القلب، وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض، بل لمحض الفضل والكرم، فوجب القطع بكونه ﴿ خَيْرُ الغافرين ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ أي من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، كقوله: وَمِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً، من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين، فقال: ليتخلف منكم رجلان: فتشاحوا، فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع.
وروي: أنه لم يصب إلا ستين شيخاً، فأوحى الله تعالى إليه أن تختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً.
وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، قد ذهب عنهم الجهل والصبا، فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سينا، لميقات ربه، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل.
ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.
فقال: رب أرني أنظر إليك، يريد: أن يسمعوا الردّ والإنكار من جهته، فأجيب بلن تراني، ورجف بهم الجبل فصعقوا.
ولما كانت الرجفة ﴿ قَالَ ﴾ موسى ﴿ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى ﴾ وهذا تمنّ منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب الرؤية، كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة: لو شاء الله لأهلكني قبل هذا ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا ﴾ يعني أتهلكنا جميعاً، يعني نفسه وإياهم، لأنه إنما طلب الرؤية زجراً للسفهاء، وهم طلبوها سفهاً وجهلاً ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ أي محنتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالاً فاسداً، حتى افتتنوا وضلوا ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء ﴾ تضلّ بالمحنة الجاهلين غير الثابتين في معرفتك، وتهدي العالمين بك الثابتين بالقول الثابت.
وجعل ذلك إضلالاً من الله وهدى منه، لأن محنته لما كانت سبباً لأن ضلّوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ مولانا القائم بأمورنا ﴿ واكتب لَنَا ﴾ وأثبت لنا وأقسم ﴿ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ عافية وحياة طيبة وتوفيقاً في الطاعة ﴿ وَفِي الآخرة ﴾ الجنة ﴿ هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ تبنا إليك.
وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب.
والهود: جمع هائد، وهو التائب.
ولبعضهم: يَا رَاكِبَ الذّنْبِ هُدْهُد ** واسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُد وقرأ أبو وجرة السعدي: ﴿ هدنا إليك ﴾ بكسر الهاء، من هاده يهيده إما حرّكه وأماله.
ويحتمل أمرين، أن يكون مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى حركنا إليك أنفسنا وأملناها أو حرّكنا إليك وأملنا على تقدير: فعلنا، كقولك: عدت يا مريض بكسر العين، فعلت من العيادة.
ويجوز: عدت بالإشمام.
وعدت، بإخلاص الضمة فيمن قال: عود المريض.
وقول القول.
ويجوز على هذه اللغة أن يكون ﴿ هُدْنَا ﴾ بالضم فعلنا من هاده يهيده ﴿ عَذَابِى ﴾ من حاله وصفته أني ﴿ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء ﴾ أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه، ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة.
وأمّا ﴿ رَّحْمَتِى ﴾ فمن حالها وصفتها أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلاّ وهو متقلب في نعمتي.
وقرأ الحسن: ﴿ من أساء ﴾ من الإساءة.
فسأكتب هذه الرحمة كتبه خاصة منكم يا بني إسرائيل للذين يكونون في آخر الزمان من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيء منها ﴿ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول ﴾ الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به وهو القرآن ﴿ النبى ﴾ صاحب المعجزات ﴿ الذى يَجِدُونَهُ ﴾ يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل ﴿ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل...
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات ﴾ ما حرّم عليهم من الأشياء الطيبة، كالشحوم وغيرها.
أو ما طاب في الشريعة والحكم، مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح، وما خلي كسبه من السحت، ويحرّم عليهم الخبائث ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به أو ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة.
الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال.
مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو: بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت.
وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم.
وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة.
وقرئ: ﴿ آصارهم ﴾ على الجمع ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّ.
وقرئ بالتخفيف.
وأصل العزر: المنع.
ومنه التعزير للضرب دون الحدّ، لأنه منع عن معاودة القبيح.
ألا ترى إلى تسميته الحدّ، والحدّ هو المنع.
و ﴿ النور ﴾ القرآن.
فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ وإنما أنزل مع جبريل؟
قلت: معناه أنزل مع نبوّته، لأنّ استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به.
ويجوز أن يعلق باتبعوا.
أي: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته وبما أمر به ونهي عنه، أو واتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه.
فإن قلت: كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى عليه السلام ودعائه؟
قلت: لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل، أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كفرهم بآيات الله العظام التي أجراها على يد موسى، وعرّض بذلك في قوله: ﴿ والذين هُم بآياتنا يُؤْمِنُونَ ﴾ وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به كعبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتابين لطفاً لهم وترغيباً في إخلاص الإيمان والعمل الصالح، وفي أن يحشروا معهم ولا يفرّق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ أيْ مِن قَوْمِهِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلَيْهِ ﴿ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَأْتِيَهُ في سَبْعِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فاخْتارَ مَن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً فَزادَ اثْنانِ فَقالَ: لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ فَتَشاجَرُوا فَقالَ: إنَّ لِمَن قَعَدَ أجْرَ مَن خَرَجَ، فَقَعَدَ كالِبٌ ويُوشَعُ وذَهَبَ مَعَ الباقِينَ، فَلَمّا دَنَوْا مِنَ الجَبَلِ غَشِيَهُ غَمامٌ فَدَخَلَ مُوسى بِهِمُ الغَمامَ وخَرُّوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوهُ تَعالى يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغَمامُ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ وقالُوا: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَة أيِ الصّاعِقَةُ، أوْ رَجْفَةُ الجَبَلِ فَصَعِقُوا مِنها.
﴿ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ﴾ تَمَنّى هَلاكَهم وهَلاكَهُ، قَبْلَ أنْ يَرى ما رَأى أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، أوْ عَنى بِهِ أنَّكَ قَدَرْتَ عَلى إهْلاكِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَمْلِ فِرْعَوْنَ عَلى إهْلاكِهِمْ وبِإغْراقِهِمْ في البَحْرِ وغَيْرِهِما فَتَرَحَّمْتَ عَلَيْهِمْ بِالإنْقاذِ مِنها فَإنْ تَرَحَّمْتَ عَلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرى لَمْ يَبْعُدْ مِن عَمِيمِ إحْسانِكَ.
﴿ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا ﴾ مِنَ العِنادِ والتَّجاسُرِ عَلى طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، وكانَ ذَلِكَ قالَهُ بَعْضُهم.
وقِيلَ المُرادُ بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ عِبادَةَ العِجْلِ، والسَّبْعُونَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ التَّوْبَةِ عَنْها فَغَشِيَتْهم هَيْبَةٌ قَلِقُوا مِنها ورَجَفُوا حَتّى كادَتْ تَبِينُ مَفاصِلُهم، وأشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ فَخافَ عَلَيْهِمْ مُوسى فَبَكى ودَعا فَكَشَفَها اللَّهُ عَنْهم.
﴿ إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ ﴾ ابْتِلاؤُكَ حِينَ أسْمَعْتَهم كَلامَكَ حَتّى طَمِعُوا في الرُّؤْيَةِ، أوْ أوْجَدْتَ في العِجْلِ خُوارًا فَزاغُوا بِهِ.
﴿ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ ﴾ ضَلالَهُ بِالتَّجاوُزِ عَنْ حَدِّهِ أوْ بِاتِّباعِ المَخايِلِ.
﴿ وَتَهْدِي مَن تَشاءُ ﴾ هُداهُ فَيَقْوى بِها إيمانُهُ.
﴿ أنْتَ ولِيُّنا ﴾ القائِمُ بِأمْرِنا.
﴿ فاغْفِرْ لَنا ﴾ بِمَغْفِرَةِ ما قارَفْنا.
﴿ وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ ﴾ تَغْفِرُ السَّيِّئَةَ وتُبْدِلُها بِالحَسَنَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{واختار موسى قومه} أي من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل {سبعين رجلاً} قيل اختار من اثنى عشر سبطا
الأعراف ١٤٧ ١٤٩ من كل سبط ستة فلغوا اثنين وسبعين رجلاً فقال ليتخلف منكم رجلان فقعجد كالب ويوشع {لميقاتنا} لاعتذارهم معن عبادة العجل {فلمّآ أخذتهم الرّجفة} الزلزلة
الشديدة {قال ربّ لو شئت أهلكتهم مّن قبل} بما كان منهم من عبادة العجل {وإيّاى} لقتلي القبطي {أتهلكنا بما فعل السّفهآء منّا} أتهلكنا عقوبة بما فعل الجهال منا وهم أصحاب العجل {إن هي إلاّ فتنتك} ابتلاؤك وهو راجع إلى قوله إنا قد فتنا قومك من بعدك فقال موسى هي تلك الفتنة التي أخبرتني بها أو هي ابتلاء الله تعالى عباده بما شاء ونبلوكم بالشر والخير فتنة {تضلّ بها} بالفتنة {من تشآء} من علمت منهم اختيار الضلالة {وتهدي} بها {من تشآء} من علمت منهم اختيار الهدى {أنت وليّنا} مولانا القائم بأمورنا {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين}
﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ تَتِمَّةٌ لِشَرْحِ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ البَعْضُ: إنَّهُ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِدْعاءِ التَّوْبَةِ وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، (واخْتارَ) يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما مَجْرُورٌ بِمِن وقَدْ حُذِفَتْ هُنا، وأُوصِلَ الفِعْلُ، والأصْلُ مِن قَوْمِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ وقَوْلُهُ الآخَرُ: فَقُلْتُ لَهُ اخْتَرْها قَلُوصًا سَمِينَةً ∗∗∗ ونابًا عَلا بِأمْثَلِ نابِكَ في الحَيا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سَبْعِينَ رَجُلا ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِ اخْتارَ عَلى المُخْتارِ، وأُخِّرَ عَنِ الثّانِي لِما مَرَّ مِرارًا، وقِيلَ: بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ومَنَعَهُ الأكْثَرُونَ بِناءً عَلى أنَّ البَدَلَ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، والِاخْتِيارُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخْتارٍ ومُخْتارٍ مِنهُ، وبِالطَّرْحِ يَسْقُطُ الثّانِي، وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ عَلى ضَعْفٍ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: سَبْعِينَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو عَطْفُ بَيانٍ ( لِمِيقاتِنا ) ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ وأبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُما مِن مُفَسِّرِي السُّنَّةِ والشِّيعَةِ إلى أنَّهُ المِيقاتُ الأوَّلُ وهو المِيقاتُ الكَلامِيُّ قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتارَ لِذَلِكَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا مَن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً حَتّى تَتامُّوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ، فَتَشاحُّوا فَقالَ: لِمَن قَعَدَ مِنكم مِثْلُ أجْرِ مَن خَرَجَ، فَقَعَدَ كالِبُ ويُوشَعُ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ إلّا سِتِّينَ شَيْخًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْتارَ مِنَ الشُّبّانِ عَشَرَةً، فاخْتارَهم فَأصْبَحُوا شُيُوخًا، وقِيلَ: كانُوا أبْناءً ما عَدا العِشْرِينَ ولَمْ يَتَجاوَزُوا الأرْبَعِينَ، فَذَهَبَ عَنْهُمُ الجَهْلُ والصِّبا، فَأمَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا ويُطَهِّرُوا ثِيابَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ، فَلَمّا دَنا مِنَ الجَبَلِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الغَمامِ حَتّى تَغَشّى الجَبَلَ كُلَّهُ، ودَنا مُوسى ودَخَلَ فِيهِ، وقالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا.
فَدَنَوْا حَتّى إذا دَخَلُوا الغَمامَ وقَعُوا سُجَّدًا فَسَمِعُوهُ وهو سُبْحانُهُ يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ؛ افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغَمامُ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ فَطَلَبُوا الرُّؤْيَةَ فَوَعَظَهم وكانَ ما كانَ.
وذَهَبَ آخَرُونَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، إلى أنَّهُ غَيْرُ المِيقاتِ الأوَّلِ قالُوا: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتِيَهُ في أُناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ فاخْتارَ مَنِ اخْتارَهُ، فَلَمّا أتَوُا الطُّورَ قالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما اخْتارَهم لِيَتُوبُوا إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْألُوهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن تَرَكُوا وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ.
ورَجَّحَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ مُدَّعِيًا أنَّ الأوَّلَ خِلافُ نَظْمِ الآياتِ وأقْوالِ المُفَسِّرِينَ، أمّا الأوَّلُ فَلَمّا قالَ الإمامُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَّةَ مِيقاتِ الكَلامِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ ثُمَّ أتْبَعَها بِقِصَّةِ العِجْلِ وما يَتَّصِلُ بِها فَظاهِرُ الحالِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ مُغايِرَةً لِلْمُتَقَدِّمَةِ؛ إذْ لا يَلِيقُ بِالفَصاحَةِ ذِكْرُ بَعْضِ القِصَّةِ ثُمَّ النَّقْلُ إلى أُخْرى، ثُمَّ الرُّجُوعُ إلى الأُولى، وإنَّهُ اضْطِرابٌ يُصانُ عَنْهُ كَلامُهُ تَعالى، وأيْضًا ذُكِرَ في الأُولى خُرُورُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَعِقًا، وفي الثّانِيَةِ قَوْلُهُ بَعْدَ أخْذِ الرَّجْفَةِ: ﴿ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ ﴾ وأيْضًا لَوْ كانَتِ الرَّجْفَةُ بِسَبَبِ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ لَقِيلَ: أتُهْلِكُنا بِما قالَ السُّفَهاءُ، وضَمَّ إلَيْهِ الطِّيبِيُّ أنَّهُ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ صاعِقَتَهم لَمْ يَذْكُرْ صَعْقَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِالعَكْسِ فَدَلَّ عَلى التَّغايُرِ، وأمّا الثّانِي فَلِما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِمّا ذَكَرْناهُ آنِفًا، وتَعَقَّبَ ما ذُكِرَ في التَّرْجِيحِ أوَّلًا صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ الإنْصافَ أنَّ المَجْمُوعَ قِصَّةٌ واحِدَةٌ في شَأْنِ ما مَنَّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ إنْجائِهِمْ مِن تَحْقِيقِ وعْدِ إيتاءِ الكِتابِ وضَرْبِ مِيقاتِهِ وعِبادَةِ العِجْلِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ كانَ في تِلْكَ الأيّامِ، وفي ذَلِكَ الشَّأْنِ فالبَعْضُ مَرْبُوطٌ بِالبَعْضِ بَقِيَ إيثارُ هَذا الأُسْلُوبِ وهو بَيِّنٌ لِأنَّ الأوَّلَ في شَأْنِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ، كَيْفَ وقَدْ عُطِفَ (واعَدْنا) عَلى (أنْجَيْناكُمْ)، وقَدْ بَيَّنَ أنَّهُ تَبْيِينٌ لِلتَّفْضِيلِ، وتَعْقِيبُ حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ مُسْتَطْرِدٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الطَّلَبَيْنِ عِنْدَنا ولِيُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ عِنْدَ المُعْتَزِلِيِّ.
والثّانِي في شَأْنِ جِنايَتِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الإحْسانِ البالِغِ بِاتِّخاذِ العِجْلِ والمُلاحَّةِ والِافْتِراقِ مِن لَوازِمِ النَّظْمِ، وتُعُقِّبَ ما ذُكِرَ فِيهِ ثانِيًا بِأنَّ قَوْلَ السُّدِّيِّ وحْدَهُ لا يَصْلُحُ رَدًّا، كَيْفَ وهَذا يُخالِفُ ما نَقَلَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ ﴾ إنَّهم كانُوا لَهُ وُزَراءَ مُطِيعِينَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- فَقْدُهم فَرَحِمَهم وخافَ عَلَيْهِمُ الفَوْتَ، وأيْنَ: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ) مِنَ الطّاعَةِ وحُسْنِ الِاسْتِئْزارِ قالَ: ثُمَّ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ إنَّ اتِّخاذَ العِجْلِ مُتَأخِّرٌ عَنْ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ خِلافَ ما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ، والحَمْلُ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ.
كَيْفَ ولا يُنافِي التَّراخِيَ الزَّمانِيَّ فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ يَخُصُّهُ بِهِ، هَذا وقَدِ اعْتَرَفَ المُفَسِّرُونَ في سُورَةِ طه بِأنَّهُ اخْتارَ سَبْعِينَ لِمِيقاتِ الكَلامِ ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ﴾ وما اعْتَذَرَ عَنْهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ اخْتِيارُ السَّبْعِينَ كانَ مَرَّتَيْنِ، ولَيْسَ في النَّقْلِ أنَّهم كانُوا مَعَهُ عِنْدَ المُكالَمَةِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَظاهِرٌ لِلْمُنْصِفِ سُقُوطُهُ.
انْتَهى.
وذَكَرَ القُطْبُ في تَوْهِينِ ما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ: بِأنَّ الخُرُوجَ لِلِاعْتِذارِ إنْ كانَ بَعْدَ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ ونُزُولِ التَّوْبَةِ فَلا مَعْنى لِلِاعْتِذارِ، وإنْ كانَ قَبْلَ قَتْلِهِمْ فالعَجَبُ مِنَ اعْتِذارٍ ثَمَرَتُهُ قَتْلُ الأنْفُسِ، ثُمَّ قالَ: ولا رَيْبَ أنَّ قِصَّةً واحِدَةً تَتَكَرَّرُ في القُرْآنِ يُذْكَرُ في سُورَةٍ بَعْضُها، وفي أُخْرى بَعْضٌ آخَرُ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِتَكْرارِ اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ بِشَيْءٍ مِن تِلْكَ القِصَّةِ، فَإذا جازَ ذِكْرُ قِصَّةٍ في سُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ في كُلِّ سُورَةٍ شَيْءٌ مِنها فَلِمَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِن سُورَةٍ واحِدَةٍ لِتَكَرُّرِ الِاعْتِبارِ.
اه، وهو ظاهِرٌ في تَرْجِيحِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ، وأنا أقُولُ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ هَذا المِيقاتَ هو المِيقاتُ الأوَّلُ لَيْسَ بِعاطِلٍ مِنَ القَوْلِ وبِهِ قالَ جَمْعٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وكَلامُنا في البَقَرَةِ ظاهِرٌ فِيهِ إلّا أنَّ الإنْصافَ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ هُنا يَقْتَضِي أنَّهُ غَيْرُهُ وما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ لا يَقْتَضِي أنَّهُ ظاهِرٌ في خِلافِهِ، وإلى القَوْلِ بِالغَيْرِيَّةِ ذَهَبَ جُلٌّ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، مِن طَرِيقِ أبِي سَعْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ بِالسَّبْعِينَ مِن قَوْمِهِ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى ويَسْألُونَهُ أنْ يَكْشِفَ عَنْهُمُ البَلاءَ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُمْ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهم أصابُوا مِنَ المَعْصِيَةِ ما أصابَ قَوْمُهم.
قالَ أبُو سَعْدٍ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ أنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهم مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَنْهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ ولَمْ يَأْمُرُوهم بِالمَعْرُوفِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الفَضْلِ بْنِ عِيسى ابْنِ أخِي الرَّقاشِيِّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا ذاتَ يَوْمٍ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتَ ابْنَ عَمِّنا ومِنّا؟
وتَزْعُمُ أنَّكَ كَلَّمْتَ رَبَّ العِزَّةِ؟
فَإنّا ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ فَلَمّا أبَوْا إلّا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى أنِ اخْتَرْ مِن قَوْمِكَ سَبْعِينَ رَجُلًا، فاخْتارَ سَبْعِينَ خِيرَةً ثُمَّ قالَ لَهُمْ: اخْرُجُوا، فَلَمّا بَرَزُوا جاءَهم ما لا قِبَلَ لَهم بِهِ.
الخَبَرَ.
وهُوَ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا المِيقاتَ لَيْسَ هو الأوَّلَ.
نَعَمْ إنَّهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، لَكِنَّهُما مُتَّفِقانِ عَلى القَوْلِ بِالغَيْرِيَّةِ، ويُوافِقُ السُّدِّيَّ في ذَلِكَ الحَسَنُ أيْضًا، فَلَيْسَ هو مُتَفَرِّدًا بِذَلِكَ كَما ظَنَّهُ صاحِبُ الكَشْفِ، وما ذَكَرَهُ مِن مُخالَفَةِ كَلامِ السُّدِّيِّ لِما نَقَلَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ في حَيِّزِ المَنعِ، وقَوْلُهُ: فَإنّا ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ إلَخْ يَظْهَرُ جَوابُهُ مِمّا ذَكَرْناهُ في البَقَرَةِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الِاحْتِمالاتِ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاخْتِيارَ كانَ مَرَّتَيْنِ غَيْرُ بَعِيدٍ وبِهِ قالَ بَعْضُهُمْ، وما ذَكَرَهُ القُطْبُ مِنَ التَّرْدِيدِ في الخُرُوجِ لِلِاعْتِذارِ ظاهِرُ بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ السُّدِّيِّ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنهُ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: انْطَلَقَ مُوسى إلى رَبِّهِ فَكَلَّمَهُ فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ: ﴿ وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ﴾ فَأجابَهُ مُوسى بِما أجابَهُ.
فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ ﴾ الآيَةَ.
فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا فَأبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم إلّا بِالحالِ الَّتِي كَرِهُوا فَفَعَلُوا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتِيَهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ فَوَعَدَهم مَوْعِدًا فاخْتارَ مُوسى سَبْعِينَ رَجُلًا إلَخْ.
وهو كَما تَرى ظاهِرٌ فِيما قُلْناهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلِاعْتِذارِ بَعْدَ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ ونُزُولِ التَّوْبَةِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَعْنى يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ طَلَبًا لِزِيادَةِ الرِّضى واسْتِنْزالِ مَزِيدِ الرَّحْمَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْإيذانِ بِعِظَمِ الجِنايَةِ وزِيادَةً فِيهِ وإشارَةً إلى أنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا في السُّوءِ لا يَكْفِي في العَفْوِ عَنْهُ قَتْلُ الأنْفُسِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِذارُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَبْلَ قَتْلِهِمْ أنْفُسَهُمْ، والسِّرُّ في أنَّهم أُمِرُوا بِهِ أنْ يَعْلَمُوا أيْضًا عِظَمَ الجِنايَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِعَدَمِ قَبُولِهِ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ أيِ الصّاعِقَةُ أوْ رَجْفَةُ الجَبَلِ فَصَعِقُوا مِنها، والكَثِيرُ عَلى أنَّهم ماتُوا جَمِيعًا، ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: غُشِيَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أفاقُوا، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ، أوْ لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَ القائِلِينَ ذَلِكَ مِن قَوْمِهِمْ مَزِيدُ عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى ما في البَعْضِ الآخَرِ مِنها، أوْ لِمُجَرَّدِ التَّأْدِيبِ عَلى ما في خَبَرِ القُرَظِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ إلَخْ.
صَدَرَ مِنهم في ذَلِكَ المَكانِ لا بَعْدَ الرُّجُوعِ كَما قِيلَ، ونَقَلْناهُ في البَقَرَةِ وحِينَئِذٍ يَبْعُدُ عَلى ما قِيلَ القَوْلُ بِأنَّ هَذا المِيقاتَ هو المِيقاتُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ فِيهِ طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّؤْيَةَ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَهُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ فَيَكُونُ هَذا الطَّلَبُ بَعْدَهُ، وبَعِيدٌ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ بَعْدَ أنْ رَأوْا ما وقَعَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا حَضَرَ أجَلُ هارُونَ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ انْطَلِقْ أنْتَ وهارُونُ وابْنُهُ إلى غارٍ في الجَبَلِ؛ فَإنّا قابِضُو رُوحِهِ، فانْطَلَقُوا جَمِيعًا فَدَخَلُوا الغارَ فَإذا سَرِيرٌ فاضْطَجَعَ عَلَيْهِ مُوسى ثُمَّ قامَ عَنْهُ فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا المَكانَ يا هارُونُ، فاضْطَجَعَ عَلَيْهِ هارُونُ فَقُبِضَ رُوحُهُ، فَرَجَعَ مُوسى وابْنُ أخِيهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ حَزِينَيْنِ فَقالُوا لَهُ: أيْنَ هارُونُ؟
قالَ: ماتَ.
قالُوا: بَلْ قَتَلْتَهُ، كُنْتَ تَعْلَمُ أنّا نُحِبُّهُ.
فَقالَ لَهُمْ: ويْلَكُمْ، أقْتُلُ أخِي وقَدْ سَألْتُهُ اللَّهَ تَعالى وزِيرًا، ولَوْ أنِّي أرَدْتُ قَتْلَهُ أكانَ ابْنُهُ يَدَعُنِي.
قالُوا: بَلى قَتَلْتَهُ حَسَدًا.
قالَ: فاخْتارُوا سَبْعِينَ رَجُلًا فانْطَلَقَ بِهِمْ فَمَرِضَ رَجُلانِ في الطَّرِيقِ فَخَطَّ عَلَيْهِما خَطًّا، فانْطَلَقَ هو وابْنُ هارُونَ وبَنُو إسْرائِيلَ حَتّى انْتَهَوْا إلى هارُونَ فَقالَ: يا هارُونُ، مَن قَتَلَكَ؟
قالَ: لَمْ يَقْتُلْنِي أحَدٌ ولَكِنِّي مُتُّ.
قالُوا: ما تُعْصى يا مُوسى، ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلُنا أنْبِياءَ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَصَعِقُوا وصَعِقَ الرَّجُلانِ اللَّذانِ خُلِّفُوا، وقامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُو رَبَّهُ فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أنْبِياءَ، لا يَكادُ يَصِحُّ فِيما أرى لِتَظافُرِ الآثارِ بِخِلافِهِ وإباءِ ظَواهِرِ الآياتِ عَنْهُ.
﴿ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ ﴾ عَرَّضَ لِلْعَفْوِ السّابِقِ لِاسْتِجْلابِ العَفْوِ اللّاحِقِ، يَعْنِي أنَّكَ قَدَرْتَ عَلى إهْلاكِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَمْلِ فِرْعَوْنَ عَلى إهْلاكِهِمْ وبِإغْراقِهِمْ في البَحْرِ وغَيْرِهِما، فَتَرَحَّمْتَ عَلَيْهِمْ ولَمْ تُهْلِكْهم فارْحَمْهُمُ الآنَ كَما رَحِمْتَهم مِن قَبْلُ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى كَرَمِكَ، وإنَّما قالَ: ﴿ وإيّايَ ﴾ تَسْلِيمًا مِنهُ وتَواضُعًا، وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: ( مِن قَبْلُ ) حِينِ فَرَّطُوا في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ وما فارَقُوا عَبَدَتَهُ حِينَ شاهَدُوا إصْرارَهم عَلَيْها، أيْ: لَوْ شِئْتَ إهْلاكَهم بِذُنُوبِهِمْ إذْ ذاكَ وإيّايَ أيْضًا حِينَ طَلَبْتُ مِنكَ الرُّؤْيَةَ، وقِيلَ: حِينَ قَتَلَ القِبْطِيَّ لَأهْلَكْتَنا، وقِيلَ: هو تَمَنٍّ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإهْلاكِ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِ أنْ لا يَرى ما يَرى مِن مُخالَفَتِهِمْ لَهُ مَثَلًا أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ.
﴿ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا ﴾ مِنَ العِنادِ وسُوءِ الأدَبِ أوْ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، والهَمْزَةُ إمّا لِإنْكارِ وُقُوعِ الإهْلاكِ ثِقَةً بِلُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أوْ لِلِاسْتِعْطافِ كَما قالَ المُبَرِّدُ، أيْ: لا تُهْلِكْنا، وأيًّا ما كانَ فَهو مِن مَقُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالَّذِي قَبْلَهُ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: كانَ ذَلِكَ قالَهُ بَعْضُهم غَيْرُ ظاهِرٍ ولا داعِيَ إلَيْهِ، والقَوْلُ بِأنَّ الدّاعِيَ ما فِيهِ مِنَ التَّضَجُّرِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ لا يَخْفى ما فِيهِ، ولَعَلَّ مُرادَ القائِلِ بِذَلِكَ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُشْبِهُ قَوْلَ أحَدِ السَّبْعِينَ فَكَأنَّهُ قالَهُ عَلى لِسانِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ دُونَهُ فافْهَمْ.
﴿ إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، واعْتِذارٌ عَمّا وقَعَ مِنهُمْ، وإنْ نافِيَةٌ، وهي لِلْفِتْنَةِ المَعْلُومَةِ لِلسِّياقِ، أيْ: ما الفِتْنَةُ إلّا فِتْنَتُكَ.
أيْ: مِحْنَتُكَ وابْتِلاؤُكَ حَيْثُ أسْمَعْتَهم كَلامَكَ فَطَمِعُوا في رُؤْيَتِكَ واتَّبَعُوا القِياسَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، أوْ أوْجَدْتَ في العِجْلِ خُوارًا فَزاغُوا بِهِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ قَوْمَكَ اتَّخَذُوا عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ قالَ: يا رَبِّ فَمَن جَعَلَ فِيهِ الرُّوحَ؟
قالَ: أنا.
قالَ: فَأنْتَ أضْلَلْتَهم يا رَبِّ.
قالَ: يا رَأْسَ النَّبِيِّينَ، يا أبا الحُكَماءِ، إنِّي رَأيْتُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ فَيَسَّرْتُهُ لَهم.
ولَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ عَلى الرَّجْفَةِ؛ أيْ: ما هي إلّا تَشْدِيدُكَ التَّعَبُّدَ والتَّكَلُّفَ عَلَيْنا بِالصَّبْرِ عَلى ما أنْزَلْتَهُ بِنا، ورُوِيَ هَذا عَنِ الرَّبِيعِ، وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَسْألَةِ الإراءَةِ وإنْ لَمْ تُذْكَرْ.
﴿ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ الفِتْنَةِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ أوِ المُضافِ.
أيْ: تُضِلُّ بِسَبَبِها مَن تَشاءُ إضْلالَهُ بِالتَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ أوْ بِاتِّباعِ المَخايِلِ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ.
وتَهْدِي مَن تَشاءُ هُداهُ، فَيَقْوى بِها إيمانُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: تُصِيبُ بِهَذِهِ الرَّجْفَةِ مَن تَشاءُ وتَصْرِفُها عَمَّنْ تَشاءُ، وقِيلَ: تُضِلُّ بِتَرْكِ الصَّبْرِ عَلى فِتْنَتِكَ وتَرْكِ الرِّضا بِها مَن تَشاءُ عَنْ نَيْلِ ثَوابِكَ ودُخُولِ جَنَّتِكَ وتَهْدِي بِالرِّضا لَها والصَّبْرِ عَلَيْها مَن تَشاءُ، وهو كَما تَرى.
﴿ أنْتَ ولِيُّنا ﴾ أيْ: أنْتَ القائِمُ بِأُمُورِنا الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لا غَيْرُكَ.
﴿ فاغْفِرْ لَنا ﴾ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُؤاخَذَتُكَ.
﴿ وارْحَمْنا ﴾ بِإفاضَةِ آثارِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْنا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الوِلايَةِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَن يَلِي الأُمُورَ ويَقُومُ بِها دَفْعُ الضُّرِّ وجَلْبُ النَّفْعِ، وقُدِّمَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ عَلى طَلَبِ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ أهَمُّ مِنَ التَّحْلِيَةِ، وسُؤالُ المَغْفِرَةِ لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ضِمْنِ سُؤالِها لِمَن سَألَها لَهُ مِمّا لا ضَيْرَ فِيهِ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ نَحْوَ ما صَدَرَ مِنهُ كَما لا يَخْفى، والقَوْلُ بِأنَّ إقْدامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقُولَ: ﴿ إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ ﴾ جُرْأةٌ عَظِيمَةٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى غُفْرانَها والتَّجاوُزَ عَنْها مِمّا يَأْباهُ السَّوْقُ عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ، ولا أظُنُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ ذَلِكَ ذَنْبًا مِنهُ لِيَسْتَغْفِرَهُ عَنْهُ، وفي نِدائِهِ السّابِقِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ.
﴿ وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ ﴾ إذْ كَلُّ غافِرٍ سِواكَ إنَّما يَغْفِرُ لِغَرَضٍ نَفْسانِيٍّ؛ كَحُبِّ الثَّناءِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، وأنْتَ تَغْفِرُ لا لِطَلَبِ عِوَضٍ، ولا غَرَضٍ، بَلْ لِمَحْضِ الفَضْلِ والكَرَمِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلُ، وتَخْصِيصُ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّها الأهَمُّ.
وفَسَّرَ بَعْضُهم ما ذُكِرَ بِغُفْرانِ السَّيِّئَةِ وتَبْدِيلِها بِالحَسَنَةِ لِيَكُونَ تَذْيِيلًا لِ اغْفِرْ وارْحَمْ مَعًا.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ يعني: اتخذوا العجل إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ يعني: يصيبهم عذاب من ربهم وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهو ما أمروا بقتل أنفسهم.
ويقال: هذا قول الله تعالى للنبي يعني: يصيب أولادهم ذلة في الحياة الدنيا.
وهي الجزية وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ يعني: هكذا نعاقب المكذبين.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها يعني: رجعوا عن الشرك بالله وعن السيئة وَآمَنُوا يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد التوبة، ويقال: من بعد السيئات لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: لَغَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.
ثم رجع إلى قصة موسى- - وهو قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ يعني: لما سكت عن موسى الغضب.
ويقال: ولما سكت موسى عن الغضب أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها يعني: في بقيتها فنسخت له الألواح، وأعيدت له في اللوحتين مكان التي انكسرت.
هُدىً وَرَحْمَةٌ يعني: فيما بقي منها بياناً من الضلالة ورحمة من العذاب.
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ يعني: يخافون الله ويعملون له بالغيب.
ويقال: وفي نسختها يعني: في كتابها هدى من الضلالة ورحمة من العذاب للذين يخشون ربهم.
قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ أي من قومه سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا يعني: للميقات الذي وقتنا له فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني الزلزلة، تزلزل الجبل بهم فماتوا قالَ موسى رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل أن يصحبوني وَإِيَّايَ بقتل القبطي أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا قال الكلبي: ظن موسى أنه إنما أهلكهم باتخاذ بني إسرائيل العجل.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: انطلق موسى وهارون ومعهما شَبَّر وَشَبيِّر وهما ابنا هارون حتى انتهوا إلى جبل وفيه سرير، فنام عليه هارون فقبض، فرجع موسى إلى قومه، فقالوا له: أنت قتلته حسداً على خلقه ولينه.
قال: كيف أقتله ومعي ابناه، فاختاروا من شئتم، فاختاروا سبعين، فانتهوا إليه.
فقالوا له: من قتلك يا هارون: قال ما قتلني أحد ولكن توفاني الله تعالى.
فأخذتهم الرجفة فماتوا كلهم.
فقال موسى: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإياي.
وروي عن ابن عباس- ما- أنه قال: لما انطلق موسى إلى الجبل أمر بأن يختار سبعين رجلاً من قومه: فاختار من كل سبط ستة رجال، فبغلوا اثنين وسبعين، فقال موسى: إني أمرت بسبعين فليرجع اثنان، ولهما أجر من حضر، فرجع يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا.
فذهب موسى مع السبعين إلى الجبل، فلما رجع إليهم موسى من المناجاة قالوا له: إنك قد لقيت ربك فأرنا الله جهرة حتى نراه كما رأيته.
فجاءتهم نار فأحرقتهم فماتوا.
فقال موسى: حين أماتهم الله تعالى رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ هذا اليوم وإياي معهم أتهلكنا بما فعل السفهاء منا يعني: أتوقعني في ملامة بني إسرائيل وتعييرهم بفعل هؤلاء السفهاء ثم أحياهم الله تعالى.
وروى أسباط عن السدي قال: إن موسى انطلق بسبعين من بني إسرائيل يعتذرون إلى ربهم عن عبادة العجل، وذكر نحو حديث عبد الله بن عباس ثم قال: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ يعني بليتك وعذابك ويقال: يعني عبادة العجل بليتك حيث جعلت الروح فيه تُضِلُّ بِها أي بالفتنة مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ من الفتنة أَنْتَ وَلِيُّنا أي حافظنا وناصرنا فَاغْفِرْ لَنا يعني: ذنوبنا وَارْحَمْنا يعني: ولا تعذبنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ يعني: المتجاوزين عن الذنوب.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قومه في عبادتهم العِجْل، وَغَضَبَهُ على أخيه في إِهمال أَمرهم «١» .
قال ابن عباس: لمَّا ألقاها، تكسَّرت، فَرُفِعَ أكثَرُها الذي فيه تفصيلُ كلِّ شيء، وبقي الذي في نُسْخَتِهِ الهدى والرحمة، وهو الذي أخذ «٢» بعد ذلك، قال ابن عبَّاس: كانت الألواح مِنْ زُمُرُّدِ، وقيل: من ياقوتٍ، وقيل: من زَبَرْجَدٍ، وقيل: من خشبٍ، واللَّه أعلم «٣» .
وقوله: ابْنَ أُمَّ استعطافٌ برحمِ الأمِّ إذ هو ألْصَقُ القراباتِ، وقوله: كادُوا، معناه: قاربوا، ولم يَفْعَلُوا، وقوله: وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يريد: عَبَدَةَ العجْلِ.
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وقد وقع ذلك النَّيْلُ بهم في عَهْدِ موسى عليه السلام، فالغضبُ والذِّلَّة هو أمرهم بقَتْل أنفسهم، وقال بعض المفسِّرين: الذِّلَّة: الجِزْيَة، ووَجْه هذا القول أن الغضب والذِّلَّة بقيتْ في عَقِبِ هؤلاء، وقال ابن جُرَيْج: الإِشارةُ إلى من مات من عَبَدة العجْل قبل التوبة بقَتْل الأنْفُس، وإِلى مَنْ فَرَّ، فلم يكُنْ حاضراً وقت القَتْلِ «٤» ، والغَضَبُ من اللَّه عزَّ وجلَّ، إِن أخذ بمعنى الإِرادة، فهو صفةُ ذات، وإِن أُخِذ بمعنى العقوبةِ وإِحلالِ النِّقْمة، فهو صفةُ فِعْلٍ، وقوله: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ، المرادُ أَولاً أولئك الَّذين افتَرْوا عَلَى الله سبحانه
في عبَادة العِجْل، وتكونُ قوَّة اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مفترٍ إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان «١» بن عُيَيْنَة وأبو قِلاَبة «٢» وغيرهما/: كلُّ صاحب بدعة أو فِرْيَة، ذليلٌ واستدلوا بالآية.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ...
الآية تضمَّنت وعداً بأن اللَّه سبحانه يغفرُ للتائبين وقرأ معاوية بنُ قُرَّة «٣» «وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ» .
قال أبو حَيَّان «٤» : واللام في لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ مُقَوِّية لوصولِ الفعْلِ، وهو يَرْهَبُونَ إلى مفعوله المتقدِّم.
وقال الكوفيُّون: زائدةٌ «٥» .
وقال الأخفشُ: لام المفعول له، أي: لأجْلِ ربِّهم.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ المَعْنى: اخْتارَ مِن قَوْمِهِ، فَحَذَفَ "مِن" تَقُولُ العَرَبُ: اخْتَرْتُكَ القَوْمَ، أيِ: اخْتَرْتُكَ مِنَ القَوْمِ، وأنْشَدُوا: مِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.
وفي هَذا المِيقاتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المِيقاتُ الَّذِي وقَّتَهُ اللَّهُ لِمُوسى لَيَأْخُذَ التَّوْراةَ، أمْرَ أنْ يَأْتِيَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ نَوْفُ البَكالِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى، وأمَرَهُ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لَيَدْعُوَ رَبَّهم، فَدَعَوا فَقالُوا: اللَّهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا قَبْلَنا، ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛ رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لِمُوسى، لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لَهُ: إنْ طائِفَةً تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُكَ، فَخُذْ مَعَكَ طائِفَةً مِنّا لَيَسْمَعُوا كَلامَهُ فَيُؤْمِنُوا فَتَذْهَبَ التُّهْمَةُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِن خِيارِهِمْ سَبْعِينَ، ثُمَّ ارْتَقِ بِهِمْ عَلى الجَبَلِ أنْتَ وهارُونُ، واسْتَخْلِفْ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ؛ قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لِمُوسى لَيَلْقاهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَعْتَذِرُ إلَيْهِ مِن فِعْلَ عَبَدَةِ العِجْلِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ مُوسى لا يَأْتِي إلّا بِإذْنٍ مِنهُ.
فَأمّا الرَّجْفَةُ فَهي الحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ.
وفي سَبَبِ أخْذِها إيّاهم أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ادِّعاؤُهم عَلى مُوسى قَتْلَ هارُونَ؛ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والثّانِي: اعْتِداؤُهم في الدُّعاءِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَنْهَوْا عَبَدَةَ العِجْلِ ولَمْ يَرْضَوْا؛ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَأْمُرُوهم بِالمَعْرُوفِ، ولَمْ يَنْهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، ولَمْ يُزايِلُوهم.
والرّابِعُ:" أنَّهم طَلَبُوا اسْتِماعَ الكَلامِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قامَ مُوسى يَبْكِي ويَقُولُ: رَبِّ ماذا أقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ إذا أتَيْتُهم وقَدْ أهْلَكْتَ خِيارَهم ﴿ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ شِئْتَ أمَتَّهم قَبْلَ أنْ تَبْتَلِيَهم بِما أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجْفَةُ.
وقِيلَ: لَوْ شِئْتَ أهْلَكَتْهم مِن قَبْلِ خُرُوجِنا وإيّايَ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُعايِنُونَ ذَلِكَ ولا يَتَّهِمُونَنِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: هَذا اسْتِفْهامُ اسْتِعْطافٍ، أيْ: لا تُهْلِكُنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى تَأْوِيلِ الجَحْدِ، أرادَ: لَسْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ.
و"السُّفَهاءُ" هاهُنا: عَبَدَةُ العِجْلِ.
وقالَ الفَرّاءُ: ظَنَّ مُوسى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاتِّخاذِ أصْحابِهِمُ العَجَلَ.
وإنَّما أُهْلِكُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الِابْتِلاءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: العَذابُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْتَ ولِيُّنا ﴾ أيْ: ناصِرُنا وحافِظُنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا سَكَتَ عن مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مِن تَشاءُ وتَهْدِي مِن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا سَكَنَ غَضَبُهُ أخَذَ الألْواحَ الَّتِي كانَ ألْقى، وقَدْ تَقَدَّمَ ما رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ أكْثَرُها أو ذَهَبَ في التَكَسُّرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ سَكَتَ ﴾ لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، شَبَّهَ خُمُودَ الغَضَبِ بِانْقِطاعِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ وهو سُكُوتُهُ، قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: تَقُولُ العَرَبُ: "سالَ الوادِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ سَكَتَ"، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ: "سَكَتَ الغَضَبُ": سَكْتٌ، ومَصْدَرُ قَوْلِكَ: "سَكَتَ الرَجُلُ": سُكُوتٌ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ فِعْلٌ عَلى حِدَةٍ ولَيْسَ مِن سُكُوتِ الناسِ، وقِيلَ: إنَّ في المَعْنى قَلْبًا، والمُرادُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، فَهو مِن بابِ: أدْخَلْتُ فَمِي في الحَجَرِ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفي هَذا أيْضًا اسْتِعارَةٌ، إذِ الغَضَبُ لَيْسَ يَتَكَلَّمُ فَيُوصَفُ بِالسُكُوتِ، وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: "وَلَمّا سَكَنَ"، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ: "وَلَمّا سَكَتَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَمّا صَبَرَ عن مُوسى الغَضَبُ"، قالَ النَقّاشُ: وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَلَمّا اشْتُقَّ عن مُوسى الغَضَبُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي نُسْخَتِها ﴾ مَعْناهُ: وفِيما يُنْسَخُ مِنها ويُقْرَأُ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِرَبِّهِمْ" يُحْتَمَلُ وُجُوهًا، مَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ رَهْبُتُهم لِرَبِّهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ المَفْعُولُ ضَعُفَ الفِعْلُ فَقَوِيَ عَلى التَعَدِّي بِاللامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هم لِأجْلِ طاعَةِ رَبِّهِمْ وخَوْفِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ العِقابَ والوَعِيدَ ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ الآيَةُ، مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اخْتارَ مِن قَوْمِهِ هَذِهِ العُدَّةَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلى مَوْضِعِ عِبادَةٍ وابْتِهالٍ ودُعاءٍ لِيَكُونَ مِنهُ ومِنهُمُ اعْتِذارٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن خَطَإ بَنِي إسْرائِيلَ في عِبادَةِ العِجْلِ وطَلَبٍ لِكَمالِ العَفْوِ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ اخْتِيارَهم كانَ بِسَبَبِ قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ مُوسى قَتَلَ هارُونَ حِينَ ذَهَبَ مَعَهُ ولَمْ يَرْجِعْ، فاخْتارَ هَؤُلاءِ لِيَذْهَبُوا فَيُكَلِّمُهم هارُونُ بِأنَّهُ ماتَ بِأجَلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمِيقاتِنا ﴾ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ ويُنافِرُ هَذا القَوْلَ، لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ كانَ عن تَوْقِيتٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وعِدَةٍ في الوَقْتِ والمَوْضِعِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ"، فَلَمّا انْحَذَفَ الخافِضُ تَعَدّى الفِعْلُ فَنَصَبَ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ الرَجْفَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم عَلى سُكُوتِهِمْ وإغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ عَلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِأنْفُسِهِمْ وخَفِيَ ذَلِكَ عن مُوسى في وقْتِ الِاخْتِيارِ حَتّى أعْلَمَهُ اللهُ، قالَهُ السُدِّيُّ.
وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم لِأنَّهم لَمّا دَنَوْا وعَلِمُوا أنَّ مُوسى يَسْمَعُ كَلامَ اللهِ قالُوا لَهُ: "أرِنا رَبَّكَ" فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لِتَشَطُّطِهِمْ في الدُعاءِ بِأنْ قالُوا: اللهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا قَبْلَنا ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: إنَّما أخَذَتْهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ هارُونَ وهو مَيِّتٌ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى وهارُونَ ذَهَبا إلى التَعَبُّدِ أو نَحْوِهِ فَماتَ هارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسى وجاءَ، فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: أيْنَ هارُونُ؟
فَقالَ: ماتَ، فَقالُوا بَلْ أنْتَ قَتَلْتَهُ لِأنَّكَ حَسَدْتَنا عَلى حُسْنِ خُلُقِهِ وعِشْرَتِهِ، فاخْتارَ السَبْعِينَ لِيَمْضُوا مَعَهُ حَتّى يَرَوْا بُرْهانَ ما قالَ لَهُمْ، فَلَمّا وصَلُوا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ أقُتِلْتَ أمْ مُتَّ؟
فَناداهُ مِنَ القَبْرِ: بَلْ مُتُّ، فَأخَذَتِ القَوْمَ الرَجْفَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا في رَجْفَتِهِمْ هَذِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ كانَتْ كالإغْماءِ ونَحْوِهِ، والرَجْفَةُ: الِاهْتِزازُ والتَقَلْقُلُ لِلْهَوْلِ العَظِيمِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ أسِفَ عَلَيْهِمْ، وعَلِمَ أنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ سَيَتَشَعَّبُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَأْتِ بِالقَوْمِ، فَجَعَلَ يَسْتَعْطِفُ رَبَّهُ، أيْ رَبِّ لَوْ أهْلَكْتَهم قَبْلَ هَذِهِ الحالِ وإيّايَ لَكانَ أحَقَّ عَلَيَّ، وهَذا وقْتٌ هَلاكُهم فِيهِ مُفْسِدٌ عَلَيَّ مُؤْذٍ لِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ الرَغْبَةِ والتَضَرُّعِ والتَذَلُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ﴾ أنْ يُرِيدَ وقْتَ إغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أيْ: وقْتَ عِبادَتِهِمْ -عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ-، وفي نَفْسِهِ هو وقْتُ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ، أيْ: فَأنْتَ قَدْ سَتَرْتَ وعَفَوْتَ حِينَئِذٍ، فَكَيْفَ الآنُ إذْ رُجُوعِي دُونَهم فَسادٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَنحى الكَلامِ -عَلى هَذا- مَحْضُ اسْتِعْطافٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مَنَحاهُ الإدْلاءُ بِالحُجَّةِ في صِيغَةِ اسْتِعْطافٍ، وإذا قُلْنا: إنَّ سَبَبَ الرَجْفَةِ كانَ عِبادَةَ العِجْلِ كانَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" لَهُ ولِلسَّبْعِينَ، و"السُفَهاءُ" إشارَةٌ إلى العَبَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكَذَلِكَ إذا كانَ سَبَبُها قَوْلَ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ: قَتَلْتَ هارُونَ، وإذا كانَ سَبَبُ الرَجْفَةِ طَلَبَهُمُ الرُؤْيَةَ وتَشَطُّطَهم في الدُعاءِ أو عِبادَتَهم بِأنْفُسِهِمُ العِجْلَ فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ وبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: بِالتَفَرُّقِ والكُفْرِ والعِصْيانِ يَكُونُ هَلاكُهُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "السُفَهاءُ" إشارَةً إلى السَبْعِينَ، ورُوِيَ أنَّ السَبْعِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولا مَن قَصَّرَ عَنِ العِشْرِينَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم أُحْيُوا وجُعِلُوا أنْبِياءَ كُلَّهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أعْلَمَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ السَبْعِينَ عَبَدُوا العِجْلَ تَعَجَّبَ وقالَ: ﴿ إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ ﴾ أيِ: الأُمُورُ بِيَدِكَ تَفْعَلُ ما تُرِيدُ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْلَمَ مُوسى بِعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ وبِصِفَتِهِ قالَ مُوسى: أيْ رَبِّ ومَن أخارَهُ؟
قالَ: أنا، قالَ مُوسى: فَأنْتَ أضْلَلْتَهُمْ، إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِـ"هِيَ" إلى قَوْلِهِمْ: "أرِنا اللهَ" إذْ كانَتْ فِتْنَةً مِنَ اللهِ أوجَبَتِ الرَجْفَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، واغْفِرْ مَعْناهُ: اسْتُرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وإياى أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ﴾ .
عطفت جملة ﴿ واختار موسى ﴾ على جملة: ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ [الأعراف: 148] عطَف القصة على القصة: لأن هذه القصة أيضاً من مواقع الموعظة والعبرة بين العبَر المأخوذة من قصة موسى مع بني إسرائيل، فإن في هذه عبرة بعظمة الله تعالى ورحمته، ودعاء موسى بما فيه جُماع الخيرات والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وملاك شريعته.
والاختيار تمييز المرغوب من بين ما هو مخلوط من مرغوب وضده، وهو زنة افتعال من الخير صيغ الفعل من غير دلالة على مطاوعة لفعل (خار).
وقوله: ﴿ سبعين رجلا ﴾ بدل من ﴿ قَوْمَه ﴾ بدلَ بعض من كل، وقيل إنما نُصب قوَمه على حذف حرف الجر، والتقدير: اختار من قومه، قالوا وحذْفُ الجار من المتعلق الذي هو في رتبة المفعول الثاني شائِع في ثلاثة أفعال: اختار، واستغفر وأمر، ومنه أمْرُتك الخير وعلى هذا يكون قوله: ﴿ سبعين ﴾ مفعولاً أول.
وأيّاً مَّا كان فبناء نظم الكلام على ذكر القوم ابتداء دون الاقتصار على سبعين رجلاً اقتضاه حال الإيجاز في الحكاية، وهو من مقاصد القرآن.
وهذا الاختيار وقع عندما أمره الله بالمجيئ للمناجاة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ﴾ [الأعراف: 142] الآية، فقد جاء في التوراة في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج: إن الله أمر موسى أن يصعد طور سينا هو وهارون و(ناداب) و(أبيهو) و(يشوع) وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ويكون شيوخ بني إسرائيل في مكان معين من الجبل ويتقد موسى حتى يدخل في السحاب ليسمع كلام الله وأن الله لما تجلى للجبل ارتجف الجبل ومكث موسى أربعين يوماً.
وجاء في الإصحاح الثاني والثلاثين والذي يعده، بعدَ ذكر عبادتهم العجل وكسر الألواح، أن الله أمر موسى بأن ينحت لوحين من حجر مثل الأولين ليكتب عليهما الكلمات العشر المكتوبة على اللوحين المنكسرين وأن يصعد إلى طور سينا وذكرتْ صفة صعود تقارب الصفة التي في الإصحاح الرابع والعشرين، وأن الله قال لموسى من أخطأ أمحُوه من كتابي، وأن موسى سجد لله تعالى واستغفر لقومه قلة امتثالهم وقال فإن عفرْتَ خطيئتهم وإلا فامحُني من كتابك.
وجاء في الإصحاح التاسع من سفر التثنية: أن موسى لما صعد الطور في المناجاة الثانية صام أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل طعاماً ولا يشرب ماء استغفاراً لخطيئة قومه وطلباً للعفو عنهم.
فتبين مما في التوراة أن الله جعل لموسى ميقاتين للمناجاة، وأنه اختار سبعين رجلاً للمناجاة الأولى ولم تَذْكر اختيارهم للمناجاة الثانية، ولما كانت المناجاة الثانية كالتكملة للأولى تعيّن أن موسى استصحب معه السبعين المختارين، ولذلك وقعت فيها الرجفة مثل المرة الأولى، ولم يذكر القرآن أن الرجفة أخذتهم في المرة الأولى، وإنما ذكر أن موسى خَرَّ صعقاً، ويتعين أن يكون السبعون قد أصابهم ما أصاب موسى لأنهم كانوا في الجبل أيضاً، وذكر الرجفة في المرة الثانية ولم تذكرها التوراة.
والضمير في أخذتهم الرجفة للسبعين.
فالظاهر أن المراد في هذه الآية هو حكاية حال ميقات المناجاة الثانية التي وقع فيها الاستغفار لقومه، وأن الرجفة المحكية هنا رجفة أخذتهم مثل الرجفة التي أخذتهم في المناجاة الأولى، لأن الرجفة تكون من تجلي أثر عظيم من آثار الصفات الإلهية كما تقدم، فإن قول موسى ﴿ اتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ يؤذن بأنه يعني به عبادتهم العجل، وحضورَهم ذلك.
وسكوتهم، وهي المعنيُ بقوله: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ وقد خشي موسى أن تلك الرجفة مقدمة عذاب كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يخشى الريح أن يكون مبدأ عذاب.
ويجوز أن يكون ذلك في المناجاة الأولى وأن قوله: ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ يعني به ما صدر من بني إسرائيل من التصلب قبل المناجاة، كقولهم ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ [البقرة: 61]، وسؤالهم رؤية الله تعالى.
لكن الظاهر أن مثل ذلك لا يطلق عليه (فَعَل) في قوله: ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ .
والحاصل أن موضع العبرة في هذه القصة هو التوقي من غضب الله، وخوف بطشه، ومقامُ الرسل من الخشية، ودعاء موسى، إلخ.
وقد صيغ نظم الكلام في قوله: ﴿ فلما أخذتهم الرجفة ﴾ على نحو ما صيغ عليه قوله: ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه غضبانَ أسفا ﴾ [الأعراف: 150] كما تقدم.
والأخذ مجاز في الإصابة الشديدة المتمكنة تمكن الآخذ من المأخوذ.
و (لو) في قوله: ﴿ لو شئت أهلكتهم ﴾ يجوز أن تكون مستعملة في التمني وهو معنى مجازي ناشئ من معنى الامتناع الذي هو معنى (لو) الأصلي ومنه قول المثل (لو ذات سوار لطمتني) إذ تقدير الجواب.
لو لطمتني لكان أهون علي، وقد صرح بالجواب في الآية وهو ﴿ شئت أهلكتهم ﴾ أي ليتك أردت إهلاكهم أي السبعين الذين معه.
فجملة أهلكتهم بدل اشتمال من جملة ﴿ شئت ﴾ من قبل خطيئة القوم التي تسبب عنها الرجوع إلى المناجاة.
وعلى هذا التقدير في (لو) لا يكون، في قوله ﴿ أهلكتهم ﴾ حذف اللام التي من شأنها أن تقترن بجواب (لو) وإنما قال: ﴿ أهلكتهم ﴾ وإياي ولم يقل: أهلكتنا، للتفرقة بين الإهلاكين لأن إهلاك السبعين لأجل سكوتهم على عبادة العجل، وإهلاك موسى، قد يكون لأجل أن لا يشهد هلاك القوم، قال تعالى: ﴿ فلما جاء أمرنا نجينا هوداً ﴾ [هود: 58] الآية ونظائرها كثيرة، وقد خشي موسى أن الله يهلك جميع القوم بتلك الرجفة لأن سائر القوم أجدر بالإهلاك من السبعين، وقد أشارت التوراة إلى هذا في الإصحاح «فرجع موسى إلى الله وقال إن الشعب قد أخطأ خطيئة عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة فان غفرت لهم خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت.
فقال الله لموسى من أخطأ إليّ أمحوه من كتابي» فالمحو من الكتاب هو محو تقدير الله له الحياةَ محوَ غضب، وهو المحكي في الآية بقوله ﴿ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ وقد خشي موسى أن تكون تلك الرجفة إمارة غضب ومقدمة إهلاك عقوبة على عبادتهم العجل، فلذلك قال ﴿ اتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فالسفهاء هم الذين عبدوا العجل وسمي شركهم سفهاً؛ لأنه شرك مشوب بخسة عقل إذ جعلوا صورة صنعوها بأنفسهم إلهاً لهم.
ويجوز أن يكون حرف (لو) مستعملاً في معناه الأصلي: من امتناع جوابه لامتناع شرطه، فيتجه أن يتساءل عن موجب حذف اللام من جواب (لو) ولم يقل: لأهلكتهم مع أن الغالب في جوابها الماضي المثبت أن يقترن باللام فحذف اللام هنا لنكتة أن التلازم بين شرط لو وجوابها هنا قوي لظهور أن الإهلاك من فعل الله وحده فهو كقوله تعالى: ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ سورة الواقعة (70) وسيأتي بيانه.
ويكون المعنى اعترافاً بمنة العفو عنهم فيما سبق، وتمهيداً للتعريض بطلب العفو عنهم الآن، وهو المقصود من قوله ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء ﴾ أي أنك لم تشأ إهلاكهم حين تلبسوا بعبادة العجل فلا تهلكهم الآن.
والاستفهام في قوله: ﴿ أتهلكنا ﴾ مستعمل في التفجع أي: أخشى ذلك، لأن القوم استحقوا العذاب ويخشى أن يشمل عذابُ الله من كان مع القوم المستحقين وإن لم يشاركهم في سبب العذاب، كما قال: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ [الأنفال: 25] وفي حديث أم سلمة أنها قالت: " يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبثُ " وفي حديث آخر، " ثم يحشرون على نياتهم " وقد خشي موسى سوء الظنة لنفسه ولأخيه وللبراء من قومه أن يُظنهم الأمم التي يبلغها خبرهم أنهم مجرمون.
وإنما جمع الضمير في قوله: ﴿ أتهلكنا ﴾ لأن هذا الإهلاك هو الإهلاك المتوقع من استمرار الرجفة، وتوقعه واحد في زمن واحد، بخلاف الإهلاك المتقدم ذكره فسببه مختلف فناسب توزيع مفعوله.
وجملة: ﴿ أتهلكنا ﴾ مستأنفة على طريقة تقطيع كلام الحزين الخائف السائل.
وكذلك جملة: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ وجملة ﴿ أنت ولينا ﴾ .
وضمير ﴿ إن هي ﴾ راجع إلى ما فعل السفهاء لأن ما صْدقَ ما فعل السفهاء هو الفتنة، والمعنى: ليست الفتنةُ الحاصلة بعبادة العجل إلا فتنة منك، أي من تقديرك وخلْق أسباببِ حدوثها، مثل سخافة عقول القوم، وإعجابهم بأصنام الكنعانيين، وعيبة موسى، وليننِ هارون، وخشيته من القوم، وخشية شيوخ إسرائيل من عامتهم، وغير ذلك مما يعلمه الله وأيقن موسى به إيقاناً إجمالياً.
والخبر في قوله: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ الآية: مستعمل في إنشاء التمجيد بسعة العلم والقدرة، والتعريض بطلب استبقائهم وهدايتهم، وليس مستعملاً في الاعتذار لقومه بقرينة قوله: ﴿ تضل بها من تشاء ﴾ الذي هو في موضع الحال من ﴿ فتنتك ﴾ فالإضلال بها حال من أحْوالها.
ثم عرَّض بطلب الهداية لهم بقوله: ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ والمجرور في قوله ﴿ بها ﴾ متعلق بفعل ﴿ تضل ﴾ وحده ولا يتنازعه معه فعل ﴿ تهدي ﴾ لأن الفتنة لا تكون سبب هداية بقرينة تسميتها فتنة، فمن قدر في التفسير: وتهدي بها أو نحوه، فقد غفل.
والباء: إما للملابسة، أي تضل من تشاء ملابساً لها، وإما للسببية، أي تضل بسبب تلك الفتنة، فهي من جهة فتنة، ومن جهة سبب ضلال.
والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال، ومرجها، وتشتت البال، وقد مضى تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ﴾ في سورة البقرة (102).
وقوله: ﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ في سورة العقود (71) وقوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ في سورة الأنعام (23).
والقصد من جملة: ﴿ أنت ولينا ﴾ الاعتراف بالانقطاع لعبادة الله تعالى، تمهيداً لمطلب المغفرة والرحمة، لأن شأن الولي أن يرحم مولاه وينصره.
والولي: الذي له وَلاية على أحد، والوَلايةِ حلف أو عتق يقتضي النصرة والإعانة، فإن كان من جانبين متكافئين فكلا المتعاقدين يقال له مَولى، وإن كان أحد الجانبين أقوى قيل للقوي (ولي) وللضعيف (مَولى) وإذ قد كانت الولاية غير قابلة للتعدد، لأن المرء لا يتولى غيرَ مواليه، كان قوله: ﴿ أنتَ ولينا ﴾ مقتضياً عدم الانتصار بغير الله.
وفي صريحه صيغة قصر.
والتفريع عن الولاية في قوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ تفريع كلام على كلام وليس المراد أن الولي يتعين عليه الغفران.
وقدم المغفرة على الرحمة لأن المغفرة سبب لرحمات كثيرة، فإن المغفرة تنهية لغضب الله المترتب على الذنب، فإذا انتهى الغضب تسنى أن يخلفه الرضا.
والرضا يقتضي الإحسان.
و ﴿ وخيرُ الغافرين ﴾ الذي يغفر كثيراً، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى: ﴿ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ﴾ في سورة آل عمران (150).
وإنما عطف جملة: ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ لأنه خبر في معنى طلب المغفرة العظيمة، فعطف على الدعاء، كانه قيل: فاغفر لنا وارحمنا واغفر لنا جميع ذنوبنا، لأن الزيادة في المغفرة من آثار الرحمة.
و ﴿ اكتُب ﴾ مستعار لمعنى العطاء المحقَق حصوله، المجدد مرة بعد مرة، لأن الذي يريد تحقيقَ عقد أو عدة، أو عطاء، وتعلّقه بالتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفة، فلا يقبل النكران، ولا النقصان، ولا الرجوع، وتسمى تلك الكتابة عهداً، ومنه ما كتبوه في صحيفة القطيعة، وما كتبوه من حلف ذي المجاز، قال الحارث بن حلزة: حذر الجَور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء ولو كان العطاء أو التعاقد لمرة واحدة لم يحتج للكتابة، لأن الحوز أو التمكين مغن عن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ﴾ [البقرة: 282] فالمعنى: آتنا الحسنة تلو الحسنة في أزمان حياتنا وفي يوم القيامة، دل على هذا المعنى لفظ ﴿ اكتب ﴾ ولولاه لكان دعاء صادقاً باعطاء حسنة واحدة، فيحتاج إلى الاستعانة على العموم بقرينة الدعاء، فإن النكرة يراد بها العموم في سياق الدعاء كقول الحريري في المقامة الخامسة: يا أهل ذا المغنى وُقيتم ضُرا *** (أي كل ضر وليس المراد وقيتم ضرا معيّنا).
والحسنة الحالة الحسنة، وهي: في الدنيا المرضية للناس، ولله تعالى، فتجمع خير الدنيا والدين، وفي الآخرة حالة الكمال، وقد تقدم بيانها في تفسير قوله تعالى: ﴿ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ في سورة البقرة (201).
وجملة: إنا هدنا إليك} مسوقة مساق التعليل للطلب والاستجابة، ولذلك فصلت ولان موقع حرف التأكيد في أولها موقع الاهتمام، فيفيد التعليل والربط، ويغني غناء فاء السببية كما تقدم غير مرة.
و ﴿ هُدْنا ﴾ معناه تبنا، يقال: هَادَ يهود إذا رجع وتاب فهو مَضموم الهاء في هذه الآية باتفاق القراءات المتواترة والمعنى تبنا مما عسى أن نكون ألممنا به من ذنب وتقصير، وهذا إخبار عن نفسه، وعن المختارين من قومه، بما يعلم من صدق سرائرهم.
جملة: ﴿ قال ﴾ الخ جوابٌ لكلام موسى عليه السلام، فلذلك فصلت لوقوعها على طريقة المحاورة، كما تقدم غير مرة، وكلام موسى، وإن كان طلبا، وهو لا يستدعي جواباً، فإن جواب الطالب عناية به وفضْل.
والمراد بالعذاب هنا عذاب الدنيا، لأن الكلام جواب لقول موسى: ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ والإهلاك عذاب، فبيّن اللَّهُ له أن عذاب الدنيا يصيب الله به من يشاء من عباده، وقد اجمل الله سبب المشيئة وهو أعلم به، وموسى يعلمه إجمالاً، فالكلام يتضمن طمأنة موسى من أن يناله العذاب هو والبزآء من قومه، لأن الله أعظم من أن يعاملهم معاملةَ المجرمين.
والمعنى إني قادر على تخصيص العذاب بمن عصوا وتنجية من لم يشارك في العصيان، وجاء الكلام على طريقة مجملة شأن كلام مَن لا يُسأل عما يعقل.
وقوله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ مقابل قول موسى: ﴿ فاغفر لنا وارحمنا ﴾ .
وهو وعد تعريض بحصول الرحمة المسؤولة له ولمن معه من المختارين، لأنها لما وسعت كل شيء فهم أرجى الناس بها، وأن العاصين هم أيضاً مغمورون بالرحمة، فمنها رحمة الإمهال والرزق، ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة.
وقوله: ﴿ عذابي أصيب به من اشاء ﴾ إلى قوله ﴿ كل شيء ﴾ جواب إجمالي، هو تمهيد للجواب التفصيلي في قوله: ﴿ فسأكتبها ﴾ .
والتفريع في قوله: ﴿ فسأكتبها ﴾ تفريع على سعة الرحمة، لأنها لما وسعت كل شيء كان منها ما يكتب أي يعطى في المستقبل للذين أجريت عليهم الصفات ويتضمن ذلك وعداً لموسى ولصلحاء قومه لتحقق تلك الصفات فيهم، وهو وعد ناظر إلى قول موسى ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ والضمير المنصوب في ﴿ أكْتُبها ﴾ عائدِ إلى ﴿ رحمتي ﴾ فهو ضمير جنس، وهو مساو للمعرف بلام الجنس، أي اكتب فَردا من هذا الجنس لأصحاب هذه الصفات، وليس المراد أنه يكتب جميع الرحمة لهؤلاء لأن هذا غير معروف في الاستعمال في الإخبار عن الأجناس، لكن يُعلم من السياق أن هذا النوع من الرحمة نوع عظيم بقرينة الثناء على متعلِقها بصفات توذن باستحقاقها، وبقرينة السكوت عن غيره، فيعلم أن لهذا المتعلِق رحمة خاصة عظيمة وأن غيره داخل في بعض مراتب عموم الرحمة المعلومة من قوله: ﴿ وَسِعت كل شيء ﴾ وقد أفصح عن هذا المعنى الحصر في قوله في آخر الآية ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ .
وتقدم معنى ﴿ أكتبها ﴾ قريباً.
وقد تقدم معنى: ﴿ وسعت كل شيء ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ في هذه السورة (89).
والمعنى: أن الرحمة التي سألها موسى له ولقومه وعدَ اللَّهُ بإعطائِها لمن كان منهم متصفاً بأنه من المتقين والمؤتين الزكاة، ولمن كان من المؤمنين بآيات الله، والآياتُ تصدق: بدلاِئل صدق الرسل، وبكلمات الله التي شرع بها للناس رَشادهم وهديهم، ولا سيما القرآن لأن كل مقدار ثلاث آيات منه هو آية لأنهُ معجز فدال على صدق الرسول، وهو المقصود هنا، وهم الذين يتبعون الرسول الامي إذا جاءهم، أي يطيعونه فيما يأمرهم، ولما جعلت هذه الأشياء بسبب تلك الرحمة علم أن التحصيل على بعضها يحصّل بعض تلك الرحمة بما يناسبه، بشرط الإيمان، كما علم من آيات أخرى خاطب الله بها موسى كقوله آنفاً ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ [الأعراف: 153] فتشمل هذه الرحمة من اتقى وآمن وآتى الزكاة من بني إسرائيل قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فإن أتباعهم إياه متعذر الحصول قبل بعثته، ولكن يجب أن يكونوا عازمين على اتباعه عند مجيئه إن كانوا عالمين بذلك كما قال تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ [آل عمران: 81، 82].
وتشمل الرحمة أيضاً الذين يؤمنون بآيات الله، والمعنى بها الآيات التي ستجيء في المستقبل، لأن آيات موسى قد استقر الإيمان بها يومئذ، وهذا موجب إعادة اسم الموصول في ذكر أصحاب هذه الصلة، للإشارة إلى أنهم طائفة أخرى، وهم من يكون عند بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك أبدل منهم قوله: ﴿ الذين يتبعون الرسولَ ﴾ إلخ.
وهو إشارة إلى اليهود والنصارى الكائنين في زمن البعثة وبعدها لقوله: ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم ﴾ ولقوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلالَ التي كانت عليهم ﴾ فإنه يدل على أنهم كانوا أهل شريعة فيها شدة وحرج، والمراد بآيات الله: القرآن، لأن ألفاظه هي المخصوصة باسم الآيات، لأنها جُعلت معجزات للفصحاء عن معارضتها.
ودالة على أنها من عند الله وعلى صدق رسوله، كما تقدم في المقدمة الثامنة.
وفي هذه الآية بشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهي مشيرة إلى ما في التوراة من الإصحاح العاشر حتى الرابع عشر، والاصحاح الثامن عشر من سفر التثنية: فإن موسى بعد أن ذكَرهم بخطيئة عبادتهم العجل، وذكر مناجاته لله للدعاء لهم بالمغفرة، كما تضمنه الاصحاح التاسع من ذلك السفر، وذكرناه آنفاً في تفسير قوله: ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ﴾ ، ثم ذكر في الإصحاح العاشر أمرهم بالتقوى بقوله: «فالآن يا إسرائيل ما يطلب منكَ الرب إلا أن تتقي ربك لتسلك في طرقه وتحبه».
ثم ذكر فيه وفي الثلاثة بعده وصايا تفصيلاً للتقوى، ثم ذكر في الاصحاح الرابع عشر الزكاة فقال «تعشيراً تعشر كل محصول زرعك سنة بسنة عشر حنطتك وخمرك وزيتك وأبكار بقرك وغنمك، وفي آخر ثلاث سنين تخرج كل عشر محصولك في تلك السنة فتضعه في أبوابك فيأتي اللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين على أبوابك فيأكلون ويشبعون» إلخ.
ثم ذكر أحكاماً كثيرة في الإصحاحات الثلاثة بعده.
ثم في الإصحاح الثامن عشر قوله: «يُقيم لك الرب نبياً ومن وسط إخواتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبتُ من الرب في حُوريب (أي جبل الطور حين المناجاة) يوم الاجتماع قال لي الرب أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» فدل هذا على أن هذا النبي من غير بني إسرائيل لقوله: «من وسط أخوتك» فإن الخطاب لبني إسرائيل، ولا يكونون إخوة لأنفسهم.
وإخوتُهم هم أبناء أخي أبيهم: إسماعيل أخي إسحاق، وهم العرب، ولو كان المراد به نبيئاً من بني إسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم، وعُلم أن النبي رسول بشرع جديد من قوله: «مثلك» فإن موسى كان نبياً رسولاً، فقد جمع القرآن ذلك كله في قوله: ﴿ للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ إلخ.
ومن نكت القرآن الجمع في هذه الآية بين وصفي النبوة والرسالة للإشارة إلى أن اليهود بدّلوا وصف الرسول، وعبروا عنه بالنبي، ليصدق على أنبياء ليصدق على أنبياء بني إسرائيل، وغفلوا عن مفاد قوله مثلك، وحذفوا وصف الأمي، وقد كانت هذه الآية سبب إسلام الحبر العظيم الأندلسي السموأل بن يحيى اليهودي، كما حكاه عن نفسه في كتابه الذي سماه «غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود».
فهذه الرحمة العظيمة تختص بالذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وتشمل الرسل والأنبياء الذين أخذ الله عليهم العهد بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فكانوا عالمين ببعثته يقيناً فهم آمنوا به، وتنزلوا منزلة من اتبع ما جاء به، لأنهم استعدوا لذلك، وتشمل المسلمين من العرب وغيرهم غير بني إسرائيل، لأنهم ساروا من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام من اليهود في اتباع الرسول النبي الأمي.
وتقديم وصف الرسول لأنه الوصف الأخص الأهم، ولأن في تقديمه زيادة تسجيل لتحريف أهل الكتاب، حيث حذفوا هذا الوصف ليصير كلام التوراة صادقاً بمن أتى بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل، ولأن محمداً صلى الله عليه وسلم اتشهر بوصف النبي الأمي، فصار هذا المركب كاللقب له، فلذلك لا يغير عن شهرته، وكذلك هو حيثما ورد ذكره في القرآن.
والأمي: الذي لا يعرف الكتابة والقراءة، قيل هو منسوب إلى الأم أي هو أشبه بأمه منه بأبيه، لأن النساء في العرب ما كُنّ يعرفن القراءة والكتابة، وما تعلمْنها إلاّ في الإسلام، فصار تعلم القراءة والكتابة من شعار الحرائر دون الإماء كما قال عُبيْد الراعي، وهو إسلامي: هُنَّ الحرائِر لا ربّاتُ أخمرَة *** سُودُ المحاجِر لا يقْرأن بالسّوَرِ أما الرجال ففيهم من يقرأ ويكتب.
وقيل: منسوب إلى الأمّة أي الذي حاله حال معظم الأمة، أي الأمة المعهودة عندهم وهي العربية، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلاّ النادر منهم، ولذلك يصفهم أهلُ الكتاب بالأُمييّن، لما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيل ﴾ في آل عمران (75).
والأميّة وصف خص الله به من رسله محمداً، إتماماً للإعجاز العلمي العقلي الذي أيده الله به، فجعل الأمية وصفاً ذاتياً له، ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة، ليظهر أن كماله النفساني كمالٌ لدُنّي إلهي، لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان، لأنه لمّا حصل له من المعرفة وسداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق، وكان على يقين من علمه، وبينة من أمره، ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنّما هو من فيوضات إلهية.
ومعنى: يجدونه مكتوباً } وجدان صفاته ونعوته، التي لا يشبهه فيها غيره، فجعلت خاصته بمنزلة ذاته.
وأطلق عليها ضمير الرسول النبي الأمي مجازاً بالاستخدام، وإنما الموجود نعته ووصفه، والقرينة قوله: ﴿ مكتوباً ﴾ فإن الذات لا تكتب، وعُدل عن التعبير بالوصف للدلالة على أنهم يجدون وصفاً لا يقبل الالتباس، وهو: كونه أمياً، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويُحل الطيبات، ويحرم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، وشدة شريعتهم.
وذكرالإنجيل هنا لأنه منزل لِبني إسرائيل، وقد آمن به جمع منهم ومن جاء بعدهم من خلفهم، وقد أعلم الله موسى بهذا.
والمكتوب في التوراة هو ما ذكرناه آنفاً، والمكتوب في الإنجيل بشارات جمة بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي بعضها التصريح بأنه يبعث بعثة عامة، ففي إنجيل متّى في الإصحاح الرابع والعشرين «ويقوم أنبياء كذَبةٌ كثيرون ويُضلون كثيرون، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى (أي يدوم شرعه إلى نهاية العالم) فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى» (أي منتهى الدنيا)، وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر «وإما المُعزّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلتُه لكم» (ومعنى باسمي أي بمماثلتي وهو كونه رسولاً مشرعاً لا نبيّاً موكداً).
وتقدم ذكر التوراة والإنجيل في أول سورة آل عمران.
وجملة: ﴿ يأمرهم بالمعروف ﴾ قال أبو علي الفارسي: «هي بيان للمكتوب عندهم ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير ﴿ يجدونه ﴾ لأن الضمير راجع للذكر والاسم.
والذكر والاسم لا يأمران» أي فتعين كون الضمير مجازاً، وكون الآمر بالمعروف هو ذات الرسول لا وصفه وذِكرُه، ولا شك أن المقصود من هذه الصفات تعريفهم بها؛ لتدلهم على تعيين الرسول الأمي عند مجيئه بشريعة هذه صفاتها.
وقد جعل الله المعروف والمنكر، والطيبات، والخبائث، والإصر والأغلال متعلقات لتشريع النبي الأمي وعلامات، فوجب أن يكون المراد منها ما يتبادر من معاني ألفاظها للأفهام المستقيمة.
فالمعروفُ شامل لكل ما تقبلُه العقول والفطر السليمة، والمنكر ضده، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى: ﴿ ولتْكُن منكم أمة يَدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ في سورة آل عمران (104).
ويجمعها معنى: الفطرة، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها ﴾ [الروم: 30]، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية.
والطيبات: جمع طيبة، وقد روعي في التأنيث معنى الأكِيلة، أو معنى الطُّعمة، تنبيهاً على أن المراد الطيبات من المأكولات، كما دل عليه قوله في نظائِرها نحو: ﴿ يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ في البقرة (168) وقوله: ﴿ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ﴾ في سورة المائدة (4)، وليس المراد الأفعال الحسنة؛ لأن الأفعال عُرّفت بوصف المعروف والمنكر.
والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبُولها ومرفوضها، وإنما تمتلك الناسَ فيها عوائِدُهم، ولما كان الإسلام دينَ الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه، ناط حال المأكولات بالطّيب وحرمتها بالخُبث، فالطّيب ما لا ضُر فيه ولا وخامَة ولا قذارة، والخبيثُ ما أضر، أوْ كان وَخيم العاقبة، أو كان مستقذراً لا يقبله العقلاء، كالنجاسة، وهذا ملاك المُباح والمحرم من المآكل، فلا تدخل العادات إلاّ في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح، فقد كانت قريش لا تأكل الضب، وقد وُضع على مَائدة رسول الله فكره أن يأكل منه، وقال: ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافُه ولهذا فالوجه: إن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح، وقد يكون مكروهاً اعتباراً بمضرة خفيفة، فلذلك ورد النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومحمله عند مالك في أشهر الروايات عنه، على الكراهة، وهو الذي لا ينبغي التردد فيه، وأي ضُر في أكل لحم الأسد، وكذلك إباحة أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية، لاختلاف عوائِد الناس في أكلها وعدمه، فقد كانت جَرْم لا يأكلون الدجاج، وَفقعس يأكلون الكلب، فلا يحجر على قوم لأجل كراهية غيرهم مما كرهه ذوقه أو عادة قومه، وقد تقدم شيء من هذا في آية سورة المائِدة، فعلى الفقيه أن يقصر النظر على طبائِع المأكولات وصفاتها، وما جهلت بعض صفاته وحرمته الشريعة مثل تحريم الخنزير.
وَوْضع الإصر إبطال تشريعه، أي بنسخ ما كان فيه شدة من الشرايع الإلهية السابقة، وحقيقة الوضع الحط من علو إلى سفل، وهو هنا مجاز في إبطال التكليف بالأعمال الشاقة.
وحقه التعدية إلى المفعول الثاني بحرف (في) الظرفية، فإذا عُدي إليْه ب (عن) دل على نقل المفعول الأول من مدخول (عن) وإذا عدي إلى المفعول الثاني ب (على) كان دالاً على حط المفعول الأول في مدخول (على) حطا متمكناً، فاستعير يضعُ عنهم} هنا إلى إزالة التكليفات التي هي كالإصر والأغلال فيشمل الوضْعُ معنى النسخ وغيره، كما سيأتي.
و«الإصر» ظاهر كلام الزمخشري في «الكشاف» و«الأساس» إنه حقيقة في الثّقل، (بكسر الثاءِ) الحسيّ بحيث يَصعب معه التحرك، ولم يقيده غيره من أصحاب دواوين اللغة، وهذا القيد من تحقيقاته، وَهو الذي جرى عليه ظاهر كلام ابن العربي في «الأحكام»، والمراد به هنا التكاليف الشاقة والحرج في الدين، فإن كان كما قيده الزمخشري يكن ﴿ ويضع عنهم أصرهم ﴾ تمثيلية بتشبيه حال المزال عنه ما يحْرجه من التكاليف بحال مَن كان محمّلاً بثقل فأزيل عن ظهره ثَقله، كما في قوله تعالى: ﴿ يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ [الأنعام: 31] وإن لم يكن كذلك كان «الإصر» استعارة مكنية ﴿ ويضع ﴾ تخييلاً، وهو أيضاً استعارة تبعية للإزالة.
وقد كانت شريعة التوراة مشتملة على أحكام كثيرة شاقة مثل العقوبة بالقتل على معاص كثيرة، منها العمل يومَ السبتتِ، ومثلُ تحريم مأكولات كثيرة طيبة وتغليظ التحريم في أمور هينة، كالعمل يوم السبت، وأشد ما في شريعة التوراة من الإصر أنها لم تشرع فيها التوبة من الذنوب، ولا استتابة المُجرم، والإصر قد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ في سورة البقرة (286) وقرأ ابن عامر وحده في القراءات المشهورة، (آصارهم) بلفظ الجمع، والجمع والإفراد في الأجناس سواء.
والأغلالُ } جمع غُل بضم الغين وهو إطار من حديد يجعل في رقبة الأسير والجاني ويمسك بسير من جلد، أو سلسلة من حديد بيد المُوكّل بحراسة الأسير، قال تعالى: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ [غافر: 71] ويستعار الغُل للتكليف والعمل الذي يؤلم ولا يطاق فهوَ استعارة فإن بنيْنا على كلام الزَمخشري كان ﴿ الأغلال ﴾ تمثيلية بتشبيه حال المحرر من الذل والإهانة بحال من أطلق من الأسر، فتعيّن أن وضع الأغلال استعارة لما يعانيه اليهود من المذلة بين الأمم الذين نزلوا في ديارهم بعد تخريب بيت المقدس، وزوال ملك يهوذا، فإن الإسلام جاء بتسوية أتباعه في حقوقهم في الجامعة الإسلامية، فلا يبقى فيه مَيز بين أصيل ودخيل، وصميم ولصيق، كما كان الأمر في الجاهلية، ومناسبة استعارة الأغلال للذلة أوضح، لأن الأغلال من شعار الإذلال في الأسر والقود ونحوهما.
وهذان الوصفان لهما مزيد اختصاص باليهود، المتحدث عنهم في خطاب الله تعالى لموسى، ولا يتحققان في غيرهم ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قد كان لهم شرع، وكان فيه تكاليف شاقة، بخلاف غير اليهود من العرب والفرس وغيرهم، ولذلك أضاف الله الإصر إلى ضميرهم، ووَصف الأغلال بما فيه ضميرهم، على أنك إذا تأملت في حال الأمم كلهم قبل الإسلام لا تجد شرائعهم وقوانينهم وأحوالهم خالية من إصر عليهم، مثل تحريم بعض الطيبات في الجاهلية، ومثل تكاليف شاقة عند النصارى والمجوس لا تتلاقى مع السماحة الفطرية، وكذلك لا تجدها خالية من رهق الجبابرة، وإذلال الرؤساء، وشدة الأقوياء على الضعفاء، وما كان يحدث بينهم من التقاتل والغارات، والتكايُل في الدماء، وأكلهم أموالهم بالباطل، فأرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بديننِ من شأنه أن يخلص البشر من تلك الشدائِد، كما قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] ولذلك فسرنا الوضع بما يَعم النسخ وغيره، وفسرنا الأغلال بما يخالف المراد من الأصر، ولا يناكد هذا ما في أديان الجاهلية والمجوسية وغيرها من التحلل في أحكام كثيرة، فإنه فساد عظيم لا يخفف وطأة ما فيها من الإصر، وهو التحلل الذي نظر إليه أبو خِراش الهُذلي في قوله، يَعْني شريعة الإسلام: فليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحَاطت بالرقاب السلاسل والفاء في قوله: ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ فاء الفصيحة، والمعنى: إذا كان هذا النبي كما علمتم من شهادة التوراة والإنجيل بنبوءته، ومن اتصاف شرعه بالصفة التي سمعتم، علمتم أن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا هديه، هم المفلحون.
والقصر المستفاد من تعريف المسند ومن ضمير الفصل قصر إضافي، أي هم الذين أفلحوا أي دون من كفر به بقرينة المقام، لأن مقام دعاء موسى يقتضي أنه أراد المغفرة والرحمة وكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة لكل من اتبع دينه، ولا يريد موسى شمول ذلك لمن لا يتبع الإسلام بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم ولكن جرى القصر على معنى الاحتراس من الإيهام، ويجوز أن يكون القصر ادعائياً، دالاً على معنى كمال صفة الفلاح للذين يتبعون النبي الأمي، ففلاح غيرهم من الأمم المفلحين الذين سبقوهم كلاَ فلاح، إذا نُسب إلى فلاحهم، أي إن الأمة المحمدية أفضل الأمم على الجملة، وإنهم الذين تنالهم الرحمة الإلهية التي تسع كل شيء من شؤونهم قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107].
ومعنى ﴿ عزروه ﴾ أيدوه وقّووْه، وذلك بإظهار ما تضمنته كتبهم من البشارة بصفاته، وصفات شريعته، وإعلان ذلك بين الناس، وذلك شيء زائِد على الإيمان به، كما فعل عبد الله بن سَلاَم، وكقول ورقة بن نوفل: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى»، وهو أيضاً مغاير للنصر، لأن النصر هو الإعانة في الحرب بالسلاح، ومن أجل ذلك عطف عليه ﴿ ونصروه ﴾ .
واتّباع النور تمثيل للاقتداء بما جاء به القرآن: شبه حال المقتدي بهدي القرآن، بحال الساري في الليل إذا رأى نوراً يلوح له اتّبعه، لعلمه بأنه يجد عنده منجاة من المخاوف وأضرار السير، وأجزاءُ هذا التمثيل استعارات، فالإتباع يصلح مستعاراً للاقتداء، وهو مجاز شائِع فيه، والنور يصلح مستعاراً للقرآن؛ لأن الشيء الذي يعلّم الحقّ والرشد يشبّه بالنور، وأحسن التمثيل ما كان صالحاً لاعتبار التشبيهات المفردة في أجزائه.
والإشارة في قوله: ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ للتنويه بشأنهَم، وللدلالة على أن المشار إليهم بتلك الأوصاف صاروا أحرياء بما يخبر به عنهم بعد اسم الإشارة كقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].
وفي هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، ويُلحق بهم من نصر دينه بعدهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا ﴾ وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لِمِيقاتِنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المِيقاتُ المَذْكُورُ في سُؤالِ الرُّؤْيَةِ.
والثّانِي أنَّهُ مِيقاتٌ غَيْرُ الأوَّلِ وهو مِيقاتُ التَّوْبَةِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الزَّلْزَلَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ المَوْتُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ماتُوا ثُمَّ أحْياهم.
والثّالِثُ: أنَّها نارٌ أحْرَقَتْهم فَظَنَّ مُوسى أنَّهم قَدْ هَلَكُوا ولَمْ يَهْلَكُوا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ﴾ وفي سَبَبِ أخْذِها لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهم سَألُوا الرُّؤْيَةَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يَنْهَوْا عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُؤالُ اسْتِفْهامٍ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَمَّهم بِانْتِقامِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ سُؤالُ نَفْيٍ، وتَقْدِيرُهُ: إنَّكَ لا تُعَذِّبُ إلّا مُذْنِبًا فَكَيْفَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا.
فَحَكى أنَّ اللَّهَ أماتَ بِالرَّجْفَةِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى مِن قَوْمِهِ، لا مَوْتَ فَناءٍ ولَكِنْ مَوْتَ ابْتِلاءٍ لِيُثَبِّتَ بِهِ مَن أطاعَ ويَنْتَقِمَ بِهِ مِمَّنْ عَصى وأخَذَتْ مُوسى غَشْيَةٌ ثُمَّ أفاقَ مُوسى وأحْيا اللَّهُ المَوْتى، فَقالَ: ﴿ إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ العَذابُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ الآية.
قال: كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً فاختار سبعين رجلاً فبرز بهم، فكان ليدعو ربكم فيما دعوا الله أن قالوا: اللهمَّ اعطنا ما لم تعطه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة قال موسى ﴿ لو شئت أهلكتهم من قبل...
إن هي إلا فتنتك ﴾ يقول: إن هو إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمن تشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف الحميري قال: لما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله لموسى: أجعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً، واجعل السكينة معكم في بيوتكم، واجعلكم تقرأون التوراة من ظهور قلوبكم فيقرأها الرجل منكم والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فقال: موسى: إن الله قد جعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً.
قالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس.
قال: ويجعل السكينة معكم في بيوتكم.
قالوا: لا نريد إلا كما كانت في التابوت.
قال: ويجعلكم تقرأون التوراة عن ظهور قلوبكم، فيقرأها الرجل منكم والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير.
قالوا: لا نريد أن نقرأها إلا نظراً.
قال الله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ﴾ إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ قال موسى: أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم اجعلني نبي هذه الأمة.
قال: إن نبيهم منهم.
قال: اجعلني من هذه الأمة.
قال: إنك لن تدركهم.
قال: رب أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم.
قال: فأوحى الله إليه ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 159] قال: فرضي موسى.
قال نوف: ألا تحمدون رباً شهد غيبتكم، وأخذ لكم بسمعكم، وجعل وفادة غيركم لكم؟.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف البكالي.
أن موسى لما اختار من قومه سبعين رجلاً قال لهم: فِدوا الى الله وسلوه فكانت لموسى مسألة ولهم مسألة، فلما انتهى إلى الطور المكان الذي وعده الله به قال لهم موسى: سلوا الله.
قالوا ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ [ النساء: 153] قال: ويحكم...
!
تسألون الله هذا مرتين؟
قال: هي مسألتنا أرنا الله جهرة فأخذتهم الرجفة فصعقوا، فقال موسى: أي رب جئتك سبعين من خيار بني إسرائيل، فأرجع إليهم وليس معي منهم أحد، فكيف أصنع ببني إسرائيل، أليس يقتلونني؟
فقيل له: سل مسألتك: قال: أي رب إني أسألك أن تبعثهم.
فبعثهم الله فذهبت مسألتهم ومسألته، وجعلت تلك الدعوة لهذه الأمة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سعيد الرقاشي في قوله: ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلاً ﴾ قال: كانوا قد جاوزوا الثلاثين ولم يبلغوا الأربعين، وذلك أن من جاوز الثلاثين فقد ذهب جهله وصباه، ومن بلغ الأربعين لم يفقد من عقله شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ﴾ قال: لتمام الموعد.
وفي قوله: ﴿ فلما أخذتهم الرجفة ﴾ قال: ماتوا ثم أحياهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ قال: بليتك.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ قال: مشيئتك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قال موسى: يا رب إن هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أرأيت الروح من نفحها فيه؟
قال الرب: أنا.
قال: رب فأنت إذاً أضللتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن راشد بن سعد.
أن موسى لما أتى ربه لموعده قال: يا موسى، إن قومك افتتنوا من بعدك.
قال: يا رب وكيف يفتنون وقد أنجيتهم من فرعون، ونجيتهم من البحر، وأنعمت عليهم؟
قال: يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً جسداً له خوار.
قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟
قال: أنا.
قال: فأنت أضللتهم يا رب.
قال: يا موسى، يا رأس النبيين، يا أبا الحكماء، إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي عمر العدني في مسنده وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا بالعجل، ولم ينهوا عنه.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن أولئك السبعين كانوا يلبسون ثياب الطهرة ثياب يغزله وينسجه العذارى، ثم يتبرزون صبيحة ليلة المطر إلى البرية فيدعون الله فيها، فوالله ما سأل القوم يومئذ شيئاً إلا أعطاه الله هذه الأمة.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن.
أن السبعين الذين اختار موسى من قومه كانوا يعرفون بخضاب السواد.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ ﴾ ، الاختيار: افتعال من لفظ الخير، يقال: اختار الشيء أي: أخذ خيره وخياره (١) (٢) (٣) قال جماعة النحويين (٤) (٥) (٦) وأنشدوا قول الفرزدق (٧) منَّا الذي اختير الرِّجالَ سماحة ...
وجودًا إذا هبَّ الرِّياح الزَّعازعُ قال الفراء: (وإنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذا طُرحت (من)؛ لأنه مأخوذ من قولك: هؤلاء خير القوم، وخير من القوم، فلما جازت الإضافة مكان (من) ولم يتغير المعنى استجازوا أن يقولوا: اخترتكم رجلاً، واخترت منكم رجلاً) (٨) (٩) (١٠) (١١) أراد: اختر منها، قال أبو علي: (والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، من ذلك قولك: اخترت من الرجال زيدًا (١٢) (١٣) قال الشاعر: أستغفر الله ذنبًا لست مُحْصِيَه (١٤) أمرتُك الخير فافعل (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ﴾ .
قال السدي: (أمر الله موسى أن يأتيه (١٧) (١٨) وقال ابن يسار (١٩) (٢٠) (٢١) وقال وهب: (إنهم لم يصدقوا موسى أنه يسمع كلام الله وقالوا: يحضرك طائفة منا حتى يكلمك، فيسمعوا كلامه فنؤمن، وتذهب التهمة) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: ماتوا) (٢٣) (٢٤) قال ابن يسار، والسدي: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم قالوا: ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ) (٢٥) (٢٦) وروى أبو الجوزاء (٢٧) (٢٨) (٢٩) ونحو ذلك قال قتادة وابن جريج (٣٠) (٣١) وقال وهب: (لم تكن تلك الرجفة موتًا ، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم، وتنقص ظهورهم، وخاف موسى عليهم الموت، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ﴾ .
قال الزجاج: (أي: لو شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة) (٣٣) وقال السدي: (قال موسى: يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم، وليس معي رجل واحد، فما الذي يصدقونني به أو يأمنوني (٣٤) (٣٥) فمعني قوله: ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ ﴾ ﴿ وَإِيَّايَ ﴾ أن موسى خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم، ولم يصدقوه أنهم ماتوا، فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، وكانوا (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾ .
قال الفراء: (ظن موسى أنهم أُهلكوا باتخاذ [أصحابه] (٣٧) ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾ ، يعني: عبدة العجل] (٣٨) (٣٩) ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ (٤٠) (٤١) (٤٢) وقال قوم: (لا يجوز أن يُظن بموسى أن الله -عز وجل- يهلك قومًا بذنوب غيرهم، ولكن قوله: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾ استفهام على تأويل الجحد، وأراد: لست تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يكرمك؟
أي: لست تهين من يكرمك)، وهذا قول ابن الأنباري (٤٣) (٤٤) (٤٥) [و] (٤٦) (٤٧) وقوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾ .
الكناية في قوله ﴿ هِيَ ﴾ تعود إلى الفتنة، [كما تقول: إن هو إلا زيد، وإن هي إلا هند، والمعنى: إن تلك الفتنة] (٤٨) ﴿ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾ أي: اختبارك، وابتلاؤك، وهذا تأكيد لقوله: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾ لأن معناه: لا تهلكنا بفعلهم، فإن تلك الفتنة كانت اختبارًا منك وابتلاءً أضللت بها قوماً فافتتنوا، وهديت قومًا فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك (٤٩) ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ﴾ (٥٠) (٥١) (١) في (ب): (وختاره).
(٢) في (ب): (أصلها).
(٣) انظر: "العين" 4/ 301، و"البارع" ص224، و"تهذيب اللغة" 1/ 959، 960، == و"الصحاح" 2/ 651، و"المجمل" 2/ 308، و"مقاييس اللغة" 2/ 233، و"المفردات" ص 301، و"اللسان" 3/ 1299 (خير).
(٤) انظر: "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الأخفش" 2/ 312، و"المقتضب" 4/ 330، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"إعراب النحاس" 2/ 154.
(٥) لفظ: (من) ساقط من (ب).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) "ديوانه" 2/ 418، و"الكتاب" 1/ 39، و"الكامل" 1/ 33، و"تفسير الطبري" 9/ 74، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 131، و"اللسان" (3/ 1299 (غير)، و"الدر المصون" 5/ 474 وبلا نسبة في "معاني الأخفش" 2/ 312، و"المقتضب" 4/ 330، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"إعراب النحاس" 1/ 642، وانظر شرحه في "الخزانة" 9/ 123 - 125.
(٨) "معاني الفراء" 1/ 395.
(٩) الرّاعي: هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري أبو جندل البصري، شاعر أموي، لقب بالراعي؛ لكثرة وصفه الإبل، وتوفي بعد سنة 90 هـ.
انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 298، و"الشعر والشعراء" ص 265، و"الأغاني" 24/ 168، و"الأعلام" 4/ 188.
(١٠) "ديوانه" ص 259، و"الدر المصون" 5/ 473، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 2/ 395، و"تفسير الطبري" 9/ 75، والقلوص: الفتية من الإبل، والناب: المسنة، والحيا: الخصب والمطر لإحيائه الأرض فتخصب، والحيا: الشحم والسمن، وصدره في الديوان، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 521: فقلت لرب الناب خذها ثنية (١١) في (أ): (فقلت لها)، وهو تحريف.
(١٢) النص في "الإيضاح العضدي" 1/ 200 وفيه: (فمن ذلك قولك: اخترت زيدًا من الرجال ..).
(١٣) لفظ: (واستغفر الله ذنبي) ساقط من (ب)، وفي "الإيضاح": (واستغفرت الله ذنبي).
(١٤) لم أعرف قائله وهو في "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الفراء" 1/ 233، و"أدب الكاتب" ص 419، و"تأويل مشكل القرآن" ص 229، و"المقتضب" 4/ 331، و"الأصول" 1/ 178، و"الخصائص" 3/ 247، و"الصاحبي" ص 291، و"المخصص" 14/ 71، و"اللسان" 6/ 3274 (غفر)، و"الدر المصون" 5/ 474، وعجزه: ربُّ العباد إليه الوجه والعمل == والشاهد: أستغفر الله ذنبًا حيث حذف حرف الجر من ثاني مفعولي (استغفر) الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، والأصل: أستغفر الله من ذنب.
انظر: "الخزانة" 3/ 111.
(١٥) في (أ): (وافعل).
(١٦) الشاهد مختلف في نسبته وهو في ديوان عمرو بن معد يكرب ص 63، والعباس بن مرداس ص 131، و"خفاف بن ندبة" ص 126، ونسب إلى زرعة بن السائب أو أعشى طرود، وهو في "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الأخفش" 2/ 312، و"الكامل" للمبرد 1/ 33، و"المقتضب" 4/ 331، و"تفسير الطبري" 9/ 74، و"الأصول" 1/ 178، و"البغداديات" ص 283، و"المحتسب" 1/ 51، و"المخصص" 14/ 71، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 558، و"الدر المصون" 5/ 474 وعجزه: فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، والشاهد (أمرتك الخير)، حيث حذف الجار، والأصل أمرتك بالخير.
انظر: "الخزانة" 9/ 124.
(١٧) لفظ: (في) ساقط من (ب).
(١٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 72 بسند جيد.
(١٩) ابن يسار: هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، إمام تقدمت ترجمته.
(٢٠) في (ب): (عن من ورائهم).
(٢١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 72 بسند جيد.
(٢٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ.
(٢٣) "تنوير المقباس" 2/ 130، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 573.
(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 380، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 86.
(٢٥) أخرجه الطبري 9/ 72 بسند جيد عن السدي وابن إسحاق.
(٢٦) أخرجه الطبري 9/ 72، وابن أبي حاتم 5/ 1574 بسند جيد.
(٢٧) أبو الجوزاء البصري: هو أوس بن عبد الله الربعي.
تقدمت ترجمته.
(٢٨) لفظ: (لم) ساقط من (ب).
(٢٩) أخرجه الطبري 9/ 73، 74 من طرق جيدة (٣٠) أخرجه الطبري 9/ 74 بسند جيد عن قتادة وابن جريج.
(٣١) ذكره الثعلبي 198 ب، والبغوي 3/ 286 عن قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي.
(٣٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والبغوي 3/ 286، والخازن 2/ 294.
(٣٣) "معاني الزجاج" 2/ 380.
(٣٤) في (ب): (أو يأمنونني علي).
(٣٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 76، وفي "التاريخ" 1/ 428 بسند جيد، وذكره الثعلبي 198 ب، والرازي 15/ 18.
(٣٦) في (ب): (وكان).
(٣٧) لفظ: (أصحابه) ساقط من (ب).
(٣٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٩) في (ب): (وقوله تعالى).
(٤٠) "معاني الفراء" 1/ 395.
(٤١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٤٢) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 49، والخازن 2/ 295.
(٤٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 249، وابن الجوزي 3/ 269، والسمين في "الدر" 5/ 476.
(٤٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٤٥) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 642، و"معاني النحاس" 3/ 87 (٤٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٤٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 249، والبغوي 3/ 287، وابن الجوزي 3/ 269، والرازي 15/ 19.
(٤٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤٩) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 76، و"معاني النحاس" 3/ 88، و"إعراب النحاس" 1/ 642، و"تفسير السمرقندي" 1/ 573.
(٥٠) لفظ: ( ﴿ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ﴾ ) ساقط من (ب).
(٥١) انظر: "تفسير الرازي" 15/ 19، والقرطبي 7/ 296، والخازن 2/ 295.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ أي من قومه ﴿ سَبْعِينَ رَجُلاً ﴾ حملهم معه إلى الطور يسمعون كلام الله لموسى فقالوا: أرنا الله جهرة فأخذتهم الرجفة عقاباً لهم على قولهم، وقيل: إنما أخذتهم الرجفة لعبادتهم العجل أو لسكوتهم على عبادته، والأوّل أرجح لقوله فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ويحتمل أن تكون رجفة موت أو إغماء، والأول أظهر لقوله: ثم بعثناكم من بعد موتكم ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وإياي ﴾ يحتمل أن تكون لو هنا للتمني أي تمنوا أن يكون هو وهم قد ماتوا قبل ذلك، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين، ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه التضرع والاستسلام لأمر الله كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت فإنا عبيدك وتحت قهرك، وأنت تفعل ما تشاء، ويحتمل ان يكون قالها على وجه التضرع والرغبة كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، ولكنك عافيتنا وأبقيتنا فافعل معنا الآن ما وعدتنا، وأحي هؤلاء القوم الذين أخذتهم الرجفة ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ ﴾ أي أتهلكنا وتهلك سائر بني إسرائيل بما فعل السفهاء الذين طلبوا الرؤية، والذين عبدوا العجل، فمعنى هذا إدلاء بحجته، وتبرؤ من فعل السفهاء، ورغبة إلى الله أن لا يعم الجميع بالعقوبة ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ أي الأمور كلها بيدك ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ ﴾ ومعنى هذا: اعتذار عن فعل السفهاء، فإنه كان بقضاء الله ومشيئته ﴿ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ﴾ أي تبنا، وهذا الكلام الذي قاله موسى عليه السلام إنما هو: استعطاف ورغبة إلى الله وتضرع إليه، ولا يتقضي شيئاً مما توهم الجهال فيه من الجفاء في قوله: أتهلكنا بما يفعل السفهاء منا لأنا قد بينا أنه إنما قال ذلك استعطافاً لله وبراءة من فعل السفهاء ﴿ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ ﴾ قيل: الإشارة بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة، والصحيح أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم، وقرئ من أساء.
بالسين وفتح الهمزة من الإساءة وأنكرها بعض المقرئين وقال: إنها تصحيف ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يحتمل أن يريد رحمته في الدنيا فيكون خصوصاً في الرحمة، وعموماً في كل شيء لأنّ المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي: تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا، ويحتمل أن يريد رحمة الآخرة فيكون خصوصاً في كل شيء لأنّ الرحمة في الآخرة مختصة بالمؤمنين، ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق، فيكون عموماً في الرحمة، وفي كل شيء ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ إن كانت الرحمة المذكورة رحمة الآخرة فهي بلا شك مختصة بهؤلاء الذين كتب بها الله لهم، وهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت رحمة الدنيا، فهي أيضاً مختصة بهم لأن الله نصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكن لهم في الأرض ما لم يمكن لغيرهم، وإن كانت على الإطلاق: فقوله: سأكتبها تخصيص للإطلاق ﴿ والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغير هذه الأمّة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ عذابي أصيب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أصارهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون على التوحيد.
الوقوف ﴿ لميقاتنا ﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿ وإياي ﴾ ط ﴿ منا ﴾ ج لتصدر "ان" النافية مع اتحاد القائل ﴿ فتنتك ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ ط ﴿ الغافرين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ من أشاء ﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿ كل شيء ﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿ يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿ الإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ يأمرهم ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿ مكتوباً ﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿ كانت عليهم ﴾ ط ﴿ أنزل معه ﴾ لا لأن ما بعده خبر "فالذين".
﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ ويميت ﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة.
﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه.
التفسير: الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ومن هنا سمي فعل الحيوان فعلاً اختيارياً، وذلك أن صدور الفعل عن الحيوان موقوف على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً له من تركه.
قال النحويون: أصله واختار موسى من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، فمن الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ثم يتسع فيحذف الحرف.
من ذلك قولهم: اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً.
وكذا استغفرت الله من ذنبي واستغفرته ذنبي.
وجوّز بعضهم في الآية أنيراد بالقوم المعتبرون منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم فيكون مفعولاً أوّل من غير واسطة ويكون ﴿ سبعين ﴾ بدلاً أو بياناً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع.
وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخاً فأوحى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً.
وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سينا لميقات ربه.
وللمفسرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام والرؤية أم غيره؟
الذاهبون إلى الأوّل قالوا: إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية.
والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مر في البقرة في تفسير قوله ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك ﴾ وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل، ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل.
واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة، فظاهر الحال يتقضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك القصة وإلا انخرم التناسب.
عن علي أن موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل فنام هارون فتوفاه الله ، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا إنه قتل هارون فاختار من قومه سبعين فذهبوا إلى هارون فأحياه الله فقال: ما قتلني أحد فأخذتهم الرجفة هنالك.
قيل: كانت موتاً.
وقيل أخذتهم الرعدة حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم فخاف موسى عليهم الموت فدعا الله وقال ﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ﴾ قال في الكشاف: هذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله لأهلكني قبل هذا ﴿ أتهلكنا ﴾ جميعاً يعني نفسه وإياهم ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ قال أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله أهلك قوماً بذنوب غيره، فهذا الاستفهام بمعنى الجحد أراد أنك لا تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يخدمك تريد أنك لا تفعل ذلك، وقال المبرد: إنه استفهام استعطاف أي لا تهلكنا.
قيل: لو كان تسفيههم لقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ ناسب أن يقال: أتهلكنا بما قاله السفهاء.
فإذن التسفيه لفعل صدر عنهم كعبادة العجل أو غيرها، ومنه يعلم أن هذا الميقات غير ميقات طلب الرؤية ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ الضمير يعود إلى الفتنة أي كما تقول إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند قاله الواحدي.
ولعله يعود إلى مقدر ذهني والمعنى أن الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك ابتلاءك ومحنتك حين كلمتني وسمعوا كلامك أو حين أسمعتهم صوت العجل ﴿ تضل بها ﴾ أي بالفتنة من تشاء فيفتتن ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ فيثبت على الحق.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة ظاهرة على مذهبنا أن الإضلال والهداية من الله .
وقالت المعتزلة: إنمحنته لما كانت سببباً لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أو الضمر يعود إلى الرجفة أي ﴿ تضل ﴾ على الجنة بسبب عدم الصبر على تلك الرجفة، أو لعدم الإيمان بأنها من عندك ﴿ من تشاء وتهدي ﴾ إلى الجنة بها الأضداد ما قلنا ﴿ من تشاء ﴾ أو المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بالرجفة وتصرفها عمن تشاء ﴿ أنت ولينا ﴾ يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر إلا أنت ﴿ فاغفر لنا وارحمنا ﴾ قيل: تذكر أن قوله ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ جراءة عظيمة فأشرك نفسه مع قومه في طلب المغفرة والرحمة ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ لأن غفرانك غير متوقف على جلب نفع أو دفع ضر بل لمحض الفضل والكرم.
﴿ واكتب ﴾ أوجب ﴿ لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴾ وقد فسرنا في سورة البقرة.
واعلم أن كونه ولياً للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته.
وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء.
فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله ﴿ إنَّا هدنا إليك ﴾ قال أهل اللغة: النهود التوبة أي تبنا ورجعنا.
وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين ﴿ قال ﴾ الله في جواب موسى ﴿ عذابي ﴾ من حالة وصفته أني ﴿ أصيب به من أشاء ﴾ إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي.
وقالت المعتزلة: أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة.
وقرأ الحسن ﴿ من أساء ﴾ من الإساءة ﴿ ورحمتي ﴾ من شأنها أنها ﴿ وسعت كل شيء ﴾ قالت الأشاعرة: هذا من العام الذي أريد به الخاص.
وقال أكثر المحققين: إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته.
وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ وقيل: الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته.
وقيل: الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب.
وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة.
واعلم أن تكاليف الله كثيرة ولكنها محصورة في نوعين: التروك والأفعال.
فقوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ إشارة إلى التروك.
التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ وإما غيره وذلك قوله ﴿ والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً.
ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره.
وصف محمداً في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة.
الثانية النبوة.
فإن قيل: النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟
قلت: لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر.
ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً.
الثالثة.
كونه أمياً.
قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب.
قال صلى الله عليه وآله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" .
وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة.
وكان هذا من جملة معجزاب نبينا وبيانه من وجوه: الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل.
والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ﴾ الثالث: أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه.
ثم إن الله آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين.
الصفة الرابعة ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل.
ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله ﴿ والإنجيل ﴾ أنهم يجدون نعته مكتوباً عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك.
الخامسة والسادسة ﴿ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ﴾ وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في قوله : "ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله" فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها.
السابعة ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ قيل: أي ما يستطاب طبعاً لأن تناول ذلك يفيد لذة.
وقيل: يعني الأشياء التي حكم الله بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل: ويحل المحللات وهو تكرار.
ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات.
وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعاً وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل.
وقيل: يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها.
الثامنة ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: الميتة والدم ونحوهما من المحرمات.
وقيل: كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل.
التاسعة ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة.
وكذا الأغلال التي كانت علهيم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب.
وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله أغلالاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل.
عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة.
فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما قال : "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة.
ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ قال ابن عباس: يعني من اليهود والأولى حمله على العموم ﴿ وعزروه ﴾ وقروه وعظموه.
قال في الكشاف: وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح.
فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله ﴿ ونصروه ﴾ فرق كبير ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه ﴾ وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق بـ ﴿ اتبعوا ﴾ أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه لما قال ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان، ثم أراد أن يحقق عموم رسالته إلى المكلفين فقال ﴿ قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ وانتصابه على الحال من ﴿ إليكم ﴾ وفيه دليل على أن محمداً صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الخلق كافة خلافاً لطائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أتباع عيسى الأصفهاني، زعموا أن محمداً رسول صادق لكنه مبعوث إلى العرب خاصة وفساده ظاهر لأنه من المعلوم بالتواتر من دينه أنه كان يدعي عموم الرسالة فإن كان رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم.
وزعم بعض العلماء أنه عام دخله التخصيص لأنه غير مبعوث إلى غير المكلفين بقوله: : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وأيضاً يمكن وجود قوم في طرف من أطراف العمارة لم يصل إليهم خبر وجوده فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوّته.
والجواب أن رفع القلم عن الأصناف الثلاثة أيضاً حكم عليهم بهذا الاعتبار يدخلون تحت الخطاب وإن وجود قوم كما زعمتم من المستبعدات فلا يستحق الالتفات إليه.
قال بعض الأكابر: إن الآية وإن دلت على أنه مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء ما كان مبعوثاً إلى كلهم.
وقد تمسك جمع من العلماء بالحديث المشهور: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وختم بي النبيون" ورد بأن مجموع هذه الأمور من خواصه لا كل واحد واحد، وبأن آدم بعث إلى كل أولاده في ذلك الزمان فيكون مبعوثاً إلى كل الناس وقتئذ.
ولا يخفى ضعف هذا الرد لأنا نعلم من دين محمد أنه خاتم النبيين وحده في رواية أخرى: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وإذا كان بعض هذه الأمور من خواصه لزم أن يكون كل واحد منها كذلك.
وأيضاً أن آدم لم يكن مبعوثاً إلى حواء لأنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ولا تقرباً.
ثم لما أمر رسول الله بأن يقول للناس أني رسول الله إليكم أتبعه ذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى وأنها لا تتم إلا بتقرير أصول أربعة: أوّلها إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً وأشار إليه بقوله ﴿ الذي له ملك السموات والأرض ﴾ إذ لو لم يكن للعالم مؤثر موجب بالذات لا فاعل بالاختيار لم يمكن القول ببعثة الرسول.
ومحل ﴿ الذي ﴾ نصب أو رفع على المدح أو جر بدلاً أو وصفاً لله.
وثانيها أن إله العالم واحد وذلك قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لو فرض إلهان لم يكن عبادة أحدهما أولى من عبادة الآخر.
وثالثها أنه تعالى قادر على الخير والشر والبعث والحساب كما قال ﴿ يحيى ويميت ﴾ وإنما لم يوسط العاطف بين هذه الجمل لأن كل واحد منها مبينة لما قبلها، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت أصل رابع وهو أنه يصح من الله إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف.
أما بالأصل الأوّل والثاني فلأنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ولا سيما إذا كان فرداً منزهاً عن الشريك والنظير مستقلاً بالأمر والنهي.
وأما الأصل الثالث فلأنه يحسن من القادر تكليف المكلف بنوع من طاعته إيصالاً له إلى الجزاء إلى لذة الجزاء، فإن تحصيل لذة الأجر بدون كونه أجر ممتنع وأشار إلى هذا الأصل الرابع بقوله ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ﴾ اقتصر من الصفات المذكورة ههنا على الأمية لأنها أجل الأوصاف وأدلها على حقيته، وذلك أنه لم يتفق له مطالعة كتاب ولا مصاحبة معلم لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب عنها رسول الله غيبة طويلة يمكن التعلم فيها ومع ذلك فتح الله عليه أبواب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأوّلين والآخرين فليس ذلك إلا بتأييد سماوي وفيض إلهي.
ثم وصفه بقوله ﴿ الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ لأن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممن آمن بالله وبكتبه.
وإنما لم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قول ﴿ إني رسول الله ﴾ بل عدل إلى المظهر ليمكن أن يجري عليه الصفات المذكورة.
ولما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً من كان، أنا أو غيري إظهاراً للنصفة واحترازاً عن العصبية.
واعلم أن الكمالات إما نظرية وأشار إليها بقوله ﴿ فآمنوا بالله ﴾ وإما عملية وإليها الإشارة بقوله ﴿ واتبعوه ﴾ والأولى إشارة إلى التكاليف المستفادة من أقواله، والثانية إشارة إلى المستفادة من أفعاله، فإن كل فعل يصدر عنه وقد واضب عليه فلا بد أن يكون جانب فعله ذلك الفعل جانب فعله راجحاً على تركه.
ثم إن ظاهر الأمر للوجوب فيجب علينا اتباعه وإن كان ذلك مندوباً له إلا أن يدل دليل منفصل على أن ذلك الفعل من خصائصه.
ومعنى الترجي في ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ قد مر في نظائره ولا سيما في أوّل البقرة في قوله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ثم لما ذكر الرسول وأنه يجب على الخلق متابعته ذكر أن في قوم موسى من اتبع الحق وهدي إليه فقال ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ أي يهدون الناس بكلمة الحق ﴿ وبه ﴾ أي بالحق ﴿ يعدلون ﴾ بينهم في الحكم لا يجورون.
وهذه الآية متى حصلت في أي زمان كانت؟
اختلف المفسرون في ذلك.
فقيل: هم اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كعبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما.
ولفظ الأمة قد يطلق على القليل إذا كان لهم شأن كما أطلق على الواحد في قوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ وقيل: إنهم قوم ثبتوا على دين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين.
ثم من المفسرين من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن بناء على أن خبر نبينا لم يصل إليهم فهم معذورون، ومنهم من استبعد عدم وصول الخبر إليهم مع أن خبر هذه الشريعة طار في كل أفق وتغلغل في كل نفق فقال: إنهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.
وروي عن النبي أن جبرائيل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبرائيل: هل تعرفون من تكلمون؟
قالوا: لا.
قال: هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به.
وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فرد محمد على موسى ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت والله أعلم.
التأويل: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ المختار من الخلق من اختاره الله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ فالذي اختاره الله كان مثل موسى ﴿ وأنا اخترتك ﴾ .
والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة.
وههنا نكتة هي أن قلب موسى لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك ﴾ قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهاراً فأخذتهم الصاعقة.
فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة.
ولما كان موسى ثابتاً في مقام التوحيد كان ينظر بنور الواحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً لهم فقال ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ تزيع بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف.
﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ﴾ الرؤية كما كتبت لمحمد ﴿ فسأكتبها ﴾ يعني حسنة الرؤية والرحمة ﴿ للذين يتقون ﴾ بالله عن غيره ﴿ ويؤتون ﴾ عن نصاب هذا المقام ﴿ الزكاة ﴾ إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون، وفي قوله ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ﴾ إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما قال : "أول ما خلق الله روحي" .
وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون.
فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يُؤوَّل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال صلى الله عليه وآله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" وأما اتباعه في مقام أمبته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته ﴿ مكتوباً عندهم ﴾ بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق ﴿ يأمرهم بالمعروف ﴾ وهو طلب الحق ﴿ وينهاهم عن المنكر ﴾ طلب ما سواه ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ الدنيا وما فيها ﴿ ويضع عنهم أصرهم ﴾ أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله: "الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم" فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام.
فقد وضع النبي هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ فالذين آمنوا به وعزروه ﴾ وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة ﴿ واتبعوا ﴾ نور الوحدة الذي ﴿ أنزل معه ﴾ له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية.
وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى ﴿ وبه يعدلون ﴾ في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب بـ ﴿ لن تراني ﴾ وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين وقال في حقهم: "كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق" فلهذا دعا موسى : اللهم اجعلني من أمة محمد شوقاً إلى لقاء ربه فافهم جداً.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ ﴾ .
الذي غضب لله على قومه بعبادتهم العجل.
ولا يحتمل ما قاله أبو بكر الأصم: أن الغضب عقوبة وشتم؛ لأن الغضب معروف، لا يجوز أن يتأول ما قال هو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ ﴾ .
يعني: الألواح التي وضعها على الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ .
قال بعضهم: يعني في نسخة الألواح لما كانت نسخت من اللوح المحفوظ.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى ﴾ أي: الكتب التي انتسختها بنو إسرائيل من تلك الألواح.
وقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ أي: هدى من كل ضلالة، وبيان من كل غي وشبهة، ورحمة من كل سخط وغضب.
﴿ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ .
أي: للذين يخشون ربهم فيعملون بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ لِّمِيقَاتِنَا ﴾ ، أي: لتمام الموعدة التي وعد، وهو الأربعون الذي وعد، ولكن لا ندري ما ذلك الميقات الذي ذكر؟
وقوله: ﴿ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ ﴾ قال بعضهم: السبعون الذين اختارهم موسى ليكونوا مع هارون فَعُبِدَ العجل في أفنيتهم، فلم ينكروا ولم يغيروا عليهم، فأخذتهم الرجفة.
وقال الحسن: إنهم جميعاً قد عبدوا العجل إلا هارون، فالرجفة التي أخذتهم إنما أخذتهم عقوبة لما عبدوا العجل، ولسنا ندري من أولئك السبعون الذين اختارهم موسى؟
وأمكن أن يكون موسى اختار السبعين ليخرجوا معه؛ فيكونوا شهداء له على إنزال التوراة عليه وكلام ربه.
وقيل: هم الذين تركهم في أصل الجبل، فلما جاءهم موسى بالتوراة، قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ ﴾ وهلكوا لقولهم ذلك، وقد ذكرنا أنا لا ندري من كانوا؟
وقيل: اختارهم موسى ليتوبوا إلى الله مما عمل قومهم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: لو شئت أمتهم وإياي بقتل القبطي.
وقال آخرون: لو شئت أهلكتهم على نفس الإهلاك وإياي على القدرة، أي: تقدر على إهلاكي، ولكن لا تهلكنا لما لم يكن ما نستحقه ذلك، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ ﴾ إهلاك فتنة وإياي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لك أن تهلكنا ابتداء إهلاك السفهاء بما فعلوا.
والثاني: يقول: لو شئت أهلكتهم وإياي من قبل، ولم تهلكنا يومنا؛ لأن موسى [إذا] أتى قومه وأخبرهم أنهم أهلكوا بسبب كذا لم يصدقه قومه بذلك، ولكنهم يتهمونه ويقولون: أنت قتلتهم على ما ذكر في بعض القصة أنه خرج بهارون إلى بعض الجبال فمات هارون هناك، فأخبر قومه بذلك فكذبوه، وقالوا: أنت قتلته؛ فعلى ذلك جائز أن يكون هاهنا خاف أن يتهمه قومه في أولئك ولا يصدقوه فيما حل بهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: يراد به التقرير.
ويحتمل الإنكار والرد.
ويحتمل الإيجاب.
أما الإنكار: فيكون معناه: أتهلكنا بما فعل السفهاء [منا]، أي: لا تفعل ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، ومثل هذا قد يقال: يقول الرجل لآخر: أتفعل أنت كذا؟
على الإنكار، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هذا.
والله أعلم.
ويراد به: الإيجاب؛ كأنه قال: لك [أن] تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وما هي إلا فتنتك أن يكون ذلك امتحاناً وابتلاء ابتداء، أي: تفعله امتحاناً وابتلاء لا تعذيباً.
ويحتمل أن يكون على الاستفهام، لكن لم يخرج له الجواب؛ كقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ ونحوه مما لم يخرج له جواب؛ فعلى ذلك هذا.
ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم، وإن كان بعضهم برآء من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان، وكان الفشل والهزيمة عليهم محنة منه إياهم؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ...
﴾ الآية [آل عمران: 152]؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ ﴾ .
قال أبو بكر: تضل بها، أي: تنهى من تشاء [نهياً ما لولا ذلك النهي لم يكن الفعل فعل الضلال، وتهدي من تشاء أي تأمره أمراً ما لولا ذلك الأمر لم يكن الفعل] فعل الاهتداء، لكن حرف "من" إنما يعبر به [عن] الأشخاص دون الأفعال، فلو كان على ما ذكر هو، لقال: تضل به ما تشاء، فإن لم يقل ذا، ثبت أنه ليس على ما ذكر.
وتأويله عندنا: أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك، ويخلق فعل الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك، وهو خالق كل شيء.
وأصل ذلك: أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة باختلاف وجوهها حقيقة، ذلك من الله خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق وصفه بأنه خالقه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ تَهْدِي ﴾ و ﴿ تُضِلُّ ﴾ .
ويحتمل: توفق وتخذل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ أي: أنت أولى بنا.
ويحتمل: أنت ولي هدايتنا.
أو: أنت ولي نعمتنا.
﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ ﴾ .
وأنت خير الراحمين؛ لأن كل أحد دونه إنما يرحم ويغفر برحمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .
تحتمل الكتابة الإيجاب، أي: أوجب لنا في هذه الدنيا حسنة [وفي الآخرة أو الإثبات، أي: أثبت لنا وأعطنا في هذه الدنيا حسنة ويكون كقوله: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة].
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا ﴾ ، أي: وفق لنا العمل الذي نستوجب به الحسنة في الدنيا والآخرة.
ويحتمل: اكتب لنا في الدنيا الحسنات، ولا تكتب علينا السيئات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ تختم بها الدنيا وتنقضي بها، وإلا ما من مسلم إلا وله في [هذه] الدنيا حسنة أتاه إياها، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [أنهم] إنما سألوا حسنة لأن يختموا عليها، ويكون قوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ ﴾ كذا، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: ملنا إليك.
وقال غيرهم: ﴿ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تبنا إليك.
وقيل: لذلك سمت اليهود أنفسهم يهوداً، أي: تائبين إلى الله، لكن لو كان كما ذكر، كان قوله: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ﴾ أي: تائباً، وذلك بعيد، ولكن إن كان [لذلك] سموا فهو - والله أعلم - ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ﴾ أي: لم يكن على المذهب الذي عليه اليهود، وكذلك لم يكن على المذهب الذي ادعت النصارى أنه كان عليه، ولكن كان حنيفاً مسلماً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
قال الحسن: يشاء أن يصيب عذابه من كفر بالله وكذب رسله، وشاء من أطاع الله وصدق رسله أن يصيب رحمته.
ودل قوله: ﴿ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ ﴾ أنه لما شاء أن يصيبهم عذابه شاء العمل والفعل الذي كان به يصيبهم؛ لأن حرف "من" إنما يعبر به عن بني آدم، و[ليس] جائز أن يشاء لهم الإيمان ثم يشاء لهم [أن يصيبهم] عذابه، ولكن إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون ويختارون فعل الضلال على فعل الهداية، شاء لهم ما اختاروا.
وقوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعيشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصّة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها، وذلك قوله: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ : معصية الله والخلاف له، ﴿ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ ، و[هو] كقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ جعل طيبات الدنيا نعمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظ للكافر فيها؛ فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة.
ويحتمل قوله - والله أعلم -: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أنهم إنما سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ يحتمل: يؤتون الزكاة المعروفة.
ويحتمل: تزكية النفس؛ كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ ومعلوم أنه لم يرد به زكاة المال، ولكن زكاة النفس بالتوحيد والتقوى، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ هو تلك الزكاة لا الزكاة المعروفة زكاة المال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وإن كان على الزكاة المعروفة فذلك في قوم ثقل عليهم واشتد إخراج الزكاة من أموالهم؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ...
﴾ كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع أن من آمن بآيات الله وصدقها فقد آمن بالله وبرسله، ومن كذب بآياته كذب بالله وخالف رسله؛ لأن طريق معرفة الله ورسله إنما هو من طريق الآيات والحجج، ليس من طريق المشاهدات والمحسوسات؛ لذلك كان الإيمان بالآيات إيماناً بالله وبرسله، والتكذيب بها كفر بالله ورسله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
أي: يقفون أثر الرسول في كل سيرته، وفي كل أمره ونهيه، ويطيعونه؛ سماه رسولا ونبيّاً بقوله: ﴿ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ والرسول: المبعوث على تبليغ الرسالة والمأمور بها على كل حال، والنبي: المنبئ لهم أشياء عند السؤال والاستخبار، والرسول هو المأمور بالتبليغ سألوه أو لم يسألوا شاءوا أو أبوا، وكان لمحمد كلاهما: الإنباء والتبليغ؛ كقوله: ﴿ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً ﴾ .
الأمي: ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...
﴾ الآية [العنكبوت: 48].
﴿ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .
أي: يجدونه مكتوباً في التوراة أنه رسول نبي، وأنه أمي.
قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ﴾ .
لئلا يقولوا: إنك أخذت هذا من الكتب المتقدمة ومن علومها وحكمتها، ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ ؛ لئلا يقولوا: إنه من تأليفك، ويعلموا أنه من عند الله جاء به، لا من ذات نفسه.
وفي قوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر - دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأن أولئك لم يأتوا بالتوراة، والإنجيل فيقولون: لا نجد ما تذكر في التوراة والإنجيل؛ دل ذلك منهم على أنهم وجدوه كذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
أي: يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة أنه يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه.
﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .
ما أحل الله لهم.
﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ ﴾ ما حرم الله عليهم يجدونه في التوراة أنه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء ولا يحل شيئاً ولا يحرم إلا بأمر [من] الله له، لكنهم ينكرونه إنكار عناد ومكابرة؛ كقوله - -: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ وغيره.
ويحتمل قوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...
﴾ الآية، أي: يأمرهم بما هو معروف في العقل وشهادة الخلقة، وهو التوحيد، وكذلك ينهاهم عما هو في العقل وشهادة الخلقة منكر، وهو الكفر وجميع المعاصي.
﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ أي: يحل ما هو طيب في العقل والطبع، ويحرم ما هو خبيث في العقل والطبع جميعاً؛ لأن من الأشياء ما هو مستخبث في الطبع لم يجعل غذاء البشر فيه، وإنما جعل غذاءهم فيما هو مستطاب في الطبع بلغ غايته في الطيب، ولا كذلك جعل غذاء البهائم والأنعام؛ هذا محتمل، والله أعلم.
ثم المعروف الطيبات لو تركت العقول والطباع على ما هي عليه، لكانت لا حاجة تقع إلى رسول يخبر أن هذا معروف، وأن هذا طيب أو خبيث أو منكر، ولكن تعرف العقول والطباع ذلك كله، لكن يعترض العقول من الشبه فتمنعها من معرفة ذلك، فاحتاجت إلى رسول يخبر عن ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ .
قيل: ما غلظوا على أنفسهم من الشدائد.
وقيل: إصرهم: شدة من العبادة والعمل.
وقيل: إصرهم: عهدهم.
وقيل: إصرهم: [أي] الثقل الذي كان بنو إسرائيل ألزموه.
وقال القتبي: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ أي: ذنبهم الذي كانوا يذنبون، أي: عقوبة الذنب الذي أذنبوا في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
قال الحسن: إن اليهود قالوا: يد الله مغلولة، أي: محبوسة عن عقوبتنا، فقال - عز وجل -: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ﴾ أي: غلت أيديهم إلى إعناقهم في النار، فأخبر أن أمة محمد لما آمنوا به وصدقوه، رفعت تلك الأغلال التي كانت عليهم عن هذه الأمة بطاعتهم رسول الله .
وقيل: الأغلال التي كانت عليهم: [الشدائد التي كانت عليهم] من نحو ما لا يجوز لهم العفو عن الدم العمد، ولا أخذ الدية، وما لا يجوز غسل النجاسات إلا العظم، وغير ذلك من الأشياء التي لم تحل لهم، فأحلت لهذه الأمة.
ويحتمل أن يكون الإصر والأغلال التي كانت عليهم: من نحو ما حرم من أشياء بظلم كان منهم وتحريم؛ نحو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ ، إلى قوله: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ حرمت تلك الأشياء عليهم؛ عقوبة لبغيهم وظلمهم الذي كان منهم، أخبر أنه وضع عن هؤلاء ذلك، لم يحرم ذلك عليهم.
وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر أنه أمي، والأمي ما ذكر في قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ كان لا يتلوه ولا يخطه بيده، ثم أخبر على ما كان في كتبهم [من غير أن عرف ما في كتبهم] أو نظر فيها وعرف لسانهم؛ دل أنه [إنما] عرف ذلك بالله.
وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ ﴾ .
أي: صدقوا بمحمد .
﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ .
قيل: أعانوه بأموالهم.
﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ .
بأيديهم بالسيف.
وقال الحسن: قوله: ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ إنما هو كلام مثنى، وهو إعانة.
وقيل: ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ [أطاعوه ﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ أعانوه، وقيل: عزروه] أي: عظموه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ .
يعني: القرآن؛ سماه نوراً؛ لما ينير الأشياء عن حقائقها بالعقول؛ لأن النور في الشاهد هو الذي يكشف عن الأشياء سواترها؛ فعلى ذلك القرآن هو نور؛ لما يرفع الشبه عن القلوب، ويكشف عن سواترها.
وقال بعضهم: سمى نوراً؛ لما ينير الأشياء ويعرف به ما غاب وما شهد، فيصير الغائب به [له] كالشاهد.
<div class="verse-tafsir"
واصطفى موسى سبعين رجلًا من خيار قومه ليعتذروا إلى ربهم مما فعله سفهاؤهم من عبادة العجل، ووعدهم الله ميقاتًا يحضرون فيه، فلما حضروا تجرؤوا على الله، وطلبوا من موسى أن يريهم الله عيانًا، فأخذتهم الزلزلة فصعقوا من هولها وهلكوا، فتضرَّع موسى إلى ربه، فقال: يا رب، لو شئت إهلاكهم وإهلاكي معهم من قبل مجيئهم لأهلكتهم، أتهلكنا بسبب ما فعله خفاف العقول منا؟
فما قام به قومي من عبادة العجل ما هو إلا ابتلاء واختبار تضل به من تشاء، وتهدي من تشاء، أنت متولي أمرنا فاغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا برحمتك الواسعة، وأنت خير من غفر ذنبًا، وعفا عن إثم.
من فوائد الآيات في الآيات دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة لا يعذر فيه صاحبه عند إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البعيد.
من آداب الدعاء البدء بالنفس، حيث بدأ موسى دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدُّبًا مع الله فيما ظهر عليه من الغضب، ثم طلب المغفرة لأخيه فيما عسى أن يكون قد ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع عبدة العجل عن ذلك.
التحذير من الغضب وسلطته على عقل الشخص، ولذلك نسب الله له فعل السكوت كأنه هو الآمر والناهي.
ضرورة التوقي من غضب الله، وخوف بطشه، فانظر إلى مقام موسى عند ربه، وانظر خشيته من غضب ربه.
<div class="verse-tafsir" id="91.JX1z4"