الآية ١٥٦ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٥٦ من سورة الأعراف

۞ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ١٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 186 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٦ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ) هناك الفصل الأول من الدعاء دفع المحذور ، وهذا لتحصيل المقصود ( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ) أي : أوجب لنا وأثبت لنا فيهما حسنة ، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة .

[ الآية : 201 ] ( إنا هدنا إليك ) أي : تبنا ورجعنا وأنبنا إليك .

قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وأبو العالية ، والضحاك ، وإبراهيم التيمي ، والسدي ، وقتادة ، وغير واحد .

وهو كذلك لغة .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن شريك ، عن جابر ، عن عبد الله بن نجي عن علي رضي الله عنه قال : إنما سميت اليهود لأنهم قالوا : ( إنا هدنا إليك ) جابر - هو ابن يزيد الجعفي - ضعيف .

قال تعالى مجيبا لموسى في قوله : ( إن هي إلا فتنتك [ تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ] ) الآية : ( عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ) أي : أفعل ما أشاء ، وأحكم ما أريد ، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك ، سبحانه لا إله إلا هو .

وقوله تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) آية عظيمة الشمول والعموم ، كقوله إخبارا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) [ غافر : 7 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبي ، حدثنا الجريري ، عن أبي عبد الله الجشمي ، حدثنا جندب - هو ابن عبد الله البجلي ، رضي الله عنه - قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى راحلته فأطلق عقالها ، ثم ركبها ، ثم نادى : اللهم ، ارحمني ومحمدا ، ولا تشرك في رحمتنا أحدا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتقولون هذا أضل أم بعيره ؟

ألم تسمعوا ما قال ؟

" قالوا : بلى .

قال : " لقد حظرت رحمة واسعة ; إن الله ، عز وجل ، خلق مائة رحمة ، فأنزل رحمة واحدة يتعاطف بها الخلق ; جنها وإنسها وبهائمها ، وأخر عنده تسعا وتسعين رحمة ، أتقولون هو أضل أم بعيره ؟

" .

رواه أبو داود عن علي بن نصر ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، به وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان ، عن أبي عثمان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله عز وجل ، مائة رحمة ، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وأخر تسعا وتسعين إلى يوم القيامة " .

تفرد بإخراجه مسلم ، فرواه من حديث سليمان - هو ابن طرخان - وداود بن أبي هند كلاهما ، عن أبي عثمان - واسمه عبد الرحمن بن مل - عن سلمان هو الفارسي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم به وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لله مائة رحمة ، عنده تسعة وتسعون ، وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإنس وبين الخلق ، فإذا كان يوم القيامة ضمها إليه " .

تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لله مائة رحمة ، فقسم منها جزءا واحدا بين الخلق ، فيه يتراحم الناس والوحش والطير " .

ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية ، عن الأعمش ، به وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني ، عن حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، ليدخلن الجنة الفاجر في دينه ، الأحمق في معيشته .

والذي نفسي بيده ، ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه .

والذي نفسي بيده ، ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه " .

هذا حديث غريب جدا ، " وسعد " هذا لا أعرفه وقوله : ( فسأكتبها للذين يتقون ) الآية ، يعني : فسأوجب حصول رحمتي منة مني وإحسانا إليهم ، كما قال تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) [ الأنعام : 54 ] وقوله : ( للذين يتقون ) أي : سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات ، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يتقون ، أي : الشرك والعظائم من الذنوب .

( ويؤتون الزكاة ) قيل : زكاة النفوس .

وقيل : [ زكاة ] الأموال .

ويحتمل أن تكون عامة لهما ; فإن الآية مكية ( والذين هم بآياتنا يؤمنون ) أي : يصدقون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: مخبرًا عن دعاء نبيه موسى عليه السلام أنه قال فيه: " واكتب لنا "، أي: اجعلنا ممن كتَبت له= " في هذه الدنيا حسنَةً"، وهي الصالحات من الأعمال (1) = " وفي الآخرة "، ممن كتبتَ له المغفرة لذنوبه، كما : - 15176- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة "، قال: مغفرة.

* * * وقوله: " إنا هُدنا إليك "، يقول: إنا تبنا إليك.

(2) * * * وبنحو ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15177- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، وابن فضيل، وعمران بن عيينة, عن عطاء, عن سعيد بن جبير= وقال عمران: عن ابن عباس = " إنا هدنا إليك " قال: تبنا إليك.

15178- قال حدثنا زيد بن حباب, عن حماد بن سلمة, عن عطاء, عن سعيد بن جبير، قال: تبنا إليك.

15179- ....

قال، حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق، عن الضحاك, عن ابن عباس قال: تبنا إليك.

15180- ....

قال، حدثنا عبد الله بن بكر, عن حاتم بن أبي صغيرة, عن سماك: أن ابن عباس قال في هذه الآية: " إنا هدنا إليك "، قال: تبنا إليك.

(3) 15181- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير= قال: أحسبه عن ابن عباس: " إنا هدنا إليك "، قال: تبنا إليك.

15182- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " إنا هدنا إليك "، يقول تبنا إليك.

15183- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن سعيد بن جبير في قوله: " إنا هدنا إليك "، قال: تبنا إليك.

15184- ....

قال، حدثنا عبد الرحمن، ووكيع بن الجراح قالا حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني, عن سعيد بن جبير، بمثله.

15185- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن الأصبهاني, عن سعيد بن جبير, مثله.

15186- ....

قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم قال: تبنا إليك.

15187- ....

قال، حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام عن إبراهيم التيمي قال: تبنا إليك.

15187م- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن العوام, عن إبراهيم التيمي، مثله.

15188- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " إنا هدنا إليك "، أي: إنا تبنا إليك.

15189- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: " هدنا إليك "، قال: تبنا.

15190- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إنا هدنا إليك "، يقول: تبنا إليك.

15191- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " إنا هدنا إليك "، يقول: تبنا إليك.

15192- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

15193- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية، قال: " هدنا إليك "، قال: تبنا إليك.

15194- ...

قال، حدثنا أبي, عن أبي حجير, عن الضحاك، قال: تبنا إليك.

(4) 15195- ....

قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: تبنا إليك.

15196- وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول, فذكر مثله.

15197- ...

قال، حدثنا أبي، وعبيد الله, عن شريك, عن جابر, عن مجاهد قال: تبنا إليك.

15198- ...

قال، حدثنا حبويه أبو يزيد, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, مثله.

(5) 15199- ...

قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن جابر, عن عبد الله بن يحيى, عن علي عليه السلام قال: إنما سميت " اليهود "، لأنهم قالوا: " هدنا إليك ".

(6) 15200- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " إنا هدنا إليك "، يعني: تبنا إليك.

15201- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو قال، سمعت رجلا يسأل سعيدًا: " إنا هدنا إليك "، قال: إنا هدنا إليك.

* * * وقد بينا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

(7) * * * القول في تأويل قوله : قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى: هذا الذي أصبتُ به قومك من الرجفة، عذابي أصيب به من أشاء من خلقي, كما أصيب به هؤلاء الذين أصبتهم به من قومك (8) = " ورحمتي وسعت كل شيء "، يقول: ورحمتي عمَّت خلقي كلهم.

(9) * * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: مخرجه عامٌّ، ومعناه خاص, والمراد به: ورحمتي وَسِعت المؤمنين بي من أمة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم.

واستشهد بالذي بعده من الكلام, وهو قوله: " فسأكتبها للذين يتقون "، الآية.

* ذكر من قال ذلك: 15202- حدثني المثني قال، حدثنا أبو سلمة المنقري قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أنه قرأ: " ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ".

قال: جعلها الله لهذه الأمة.

(10) 15203- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، قال سفيان قال، أبو بكر الهذلي: فلما نـزلت: " ورحمتي وسعت كل شيء "، قال إبليس: أنا من " الشيء "!

فنـزعها الله من إبليس، قال: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) ، فقال اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا!

فنـزعها الله من اليهود فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ، قال: نـزعها الله عن إبليس، وعن اليهود، وجعلها لهذه الأمة.

(11) 15204- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: لما نـزلت: " ورحمتي وسعت كل شيء "، قال إبليس: أنا من " كل شيء!".

قال الله: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) ، الآية.

فقالت اليهود: ونحن نتقي ونؤتي الزكاة!

فأنـزل الله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ، قال: نـزعها الله عن إبليس، وعن اليهود, وجعلها لأمة محمدٍ: سأكتبها للذين يتّقون من قومك.

15205- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء "، فقال إبليس: أنا من ذلك " الشيء "!

فأنـزل الله: " فسأكتبها للذين يتقون " معاصي الله= " والذين هم بآياتنا يؤمنون "، فتمنتها اليهود والنصارى، فأنـزل الله شرطًا وَثيقًا بَيِّنًا, فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ، فهو نبيّكم، كان أميًّا لا يكتُب صلى الله عليه وسلم.

15206- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا خالد الحذاء, عن أنيس بن أبي العريان, عن ابن عباس في قوله: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ، قال: فلم يعطها, فقال: " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون " إلى قوله: الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ .

(12) 15207- حدثني ابن وكيعٍ قال، حدثنا ابن علية، وعبد الأعلى, عن خالد, عن أنيس أبي العُريان= قال عبد الأعلى، عن أنيس أبي العُرْيان= وقال: قال ابن عباس: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ، قال: فلم يعطها موسى، قال: " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها "، إلى آخر الآية.

15208- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: كان الله كتب في الألواح ذكر محمد وذكرَ أمته، وما ذَخَر لهم عنده، وما يسَّر عليهم في دينهم، وما وَسَّع عليهم فيما أحلّ لهم, فقال: " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون " = يعني: الشركَ= الآية.

* * * وقال آخرون: بل ذلك على العموم في الدنيا، وعلى الخصوص في الآخرة.

* ذكر من قال ذلك: 15209- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن وقتادة في قوله: " ورحمتي وسعت كل شيء "، قالا وسعت في الدنيا البَرَّ والفاجر, وهي يوم القيامة للذين اتَّقوا خاصَّةً.

* * * وقال آخرون: هي على العموم, وهي التوبة.

* ذكر من قال ذلك: 15210- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ، قال: سأل موسى هذا, فقال الله: " عذابي أصيب به من أشاء "= العذاب الذي ذَكر= " ورحمتي"، التوبةُ =(وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون)، قال: فرحمته التوبةُ التي سأل موسى عليه السلام، كتبها الله لنا.

* * * وأما قوله: " فسأكتبها للذين يتقون "، فإنه يقول: فسأكتب رحمتي التي وسعت كل شيء= ومعنى " أكتب " في هذا الموضع: أكتب في اللوح الذي كُتِب فيه التوراة " للذين يتقون "، (13) يقول: للقوم الذين يخافون الله ويخشون عقابه على الكفر به والمعصية له في أمره ونهيه, فيؤدُّون فرائضه, ويجتنبون معاصيه.

(14) وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنّهم يتقونه.

فقال بعضهم: هو الشرك.

* ذكر من قال ذلك: 15211- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " فسأكتبها للذين يتقون "، يعني الشرك.

* * * وقال آخرون: بل هو المعاصي كلها.

* ذكر من قال ذلك: 15212- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة " فسأكتبها للذين يتقون "، معاصي الله.

* * * وأما " الزكاة وإيتاؤها "، فقد بيَّنا صفتها فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.

(15) * * * وقد ذكر عن ابن عباس في هذا الموضع أنه قال في ذلك ما: - 15213- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " ويؤتون الزكاة "، قال: يطيعون الله ورسولَه.

* * * فكأنّ ابن عباس تأوَّل ذلك بمعنى أنه العمل بما يزكِّي النفسَ ويطهِّرها من صالحات الأعمال.

* * * وأما قوله: " والذين هم بآياتنا يؤمنون "، فإنه يقول: وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلتنا يصدِّقون ويقرُّون.

(16) ---------------- الهوامش : (1) (3) انظر تفسير (( الحسنة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .

(2) (4) انظر تفسير (( هاد )) فيما سلف 12 : 198 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(3) (1) الأثر : 15180 - (( عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي )) ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، مضى برقم : 8284 ، 10885 ، 11232 .

و(( حاتم بن أبي صغيرة )) ، هو (( حاتم بن مسلم )) (( أبو يونس )) القشيري ، وقيل : الباهلي ، و(( أبو صغيرة)) ، هو أبو أمه ، ثقة .

روى له الجماعة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 71 ، وابن أبي حاتم 1/2/257 .

وكان في المخطوطة والمطبوعة : (( حاتم بن أبي مغيرة )) ، بالميم في أوله ، وهو خطأ محض .

(4) (1) الأثر : 15194 - (( أبو حجير )) الذي يروى عن الضحاك ، ويروى عنه وكيع ، قال أحمد ابن حنبل : (( ما حدثني عنه إلا وكيع )) ، مترجم في لسان الميزان 6 : 363 .

ولم أجد له ترجمة في غيره من كتب الرجال .

(5) (2) الأثر : 15198 - (( حبويه )) ، (( أبو يزيد )) ، مضى قريباً برقم 15172 .

(6) (3) الأثر : 15199- (( جابر بن عبد الله بن يحيى )) ، هكذا هو في المخطوطة ، وفي المطبوعة (( جابر ، عن عبد الله بن يحيى )) ، ولم أجد لشيء من ذلك ذكراً في الكتب .

وهو محرف بلا شك عن شيء آخر .

وانظر ما سلف رقم 1094 ، عن ابن جريج .

بمعنى هذا الخبر .

(7) (4) انظر تفسير (( هاد )) فيما سلف ص : 152 ، تعليق .

4 ، والمراجع هناك .

(8) (1) انظر تفسير (( الإصابة ))فيما سلف من فهارس اللغة ( صوب ) .

(9) (2) انظر تفسير (( وسع )) فيما سلف 12 : 562 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .

(10) (3) الأثر : 15202 - (( أبو سلمة المنقري )) ، هو (( أبو سلمة التبوذكي )) : (( موسى بن إسماعيل المنقري )) ، مولاهم ، روى عنه البخاري ، وأبو داود ، وروى له الباقون من أصحاب الكتب الستة بالواسطة .

ثقة إمام .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/280 ، وابن أبي حاتم 4/1/136 .

(11) (1) الأثر : 15203 - لا(( عبد الكريم )) ، هو (( عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان )) ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 892 .

و(( إبراهيم بن بشار الرمادى )) ، ثقة .

مضى برقم 892 ، 6321 .

و (( سفيان )) هو : ابن عيينة .

و (( أبو بكر الهذلى )) ضعيف مضى مرارًا ، آخرها رقم 14690 .

(12) (1) الأثران 15206 ، 15207 - (( أنيس أبو العريان المجاشعى )) ، بغير ( ابن ) بينهما ، مترجم في الكبير 1 / 2 / 44 ، وابن أبي حاتم 1/1/333 ، ولم يشر واحد منها إلى انه : (( أنيس ابن أبي العريان )) .

وفي المخطوطة في الخبر الأول : (( أنيس بن أبي العريان )) بإثبات ( ابن ) ، وفي الخبر الثاني في الموضعين كليهما (( أنيس بن العريان )) بغير ( ابن ) كما أثبتها ، وأما في المطبوعة ، فإنه جعله في المواضع كلها (( أنيس ابن أبي العريان )) ، وهو تصرف معيب لا شك في ذلك .

والظاهر أنه اختلف على ابن علية رواية اسمه ، رواه مرة (( أنيس بن أبي العريان )) ، ثم رواه أخرى (( أنيس أبي العريان )) ، كما في الأثر الثاني منهما ، وذكر الطبري قول عبد الأعلى ، ليؤيد به هذه الرواية عن ابن علية .

فإن صح هذا الاختلاف على ابن عيينة ، وإلا فإنه ينبغي أن يكون أحد أمرين: إما أن يكون صواب الخبر الأول: (( أنيس أبي العريان )) .

والثاني (( أنيس أبي العريان )) في الأولى ، وعن عبد الأعلى (( أنيس ابن أبي العريان )) .

أو : أن يكون الأول عن ابن عيينة : (( أنيس بن أبي العريان )) ، والثاني أيضاً : (( أنيس ابن أبي العريان )) ، وعن عبد الأعلى : (( أنيس بن أبي العريان )) .

والله أعلم بالصواب في كل ذلك ، ولا مرجح عندي ..

(13) (1) في المطبوعة والمخطوطة : (( الذين يتقون )) بغير لام ، والصواب ما أثبت .

(14) (2) انظر تفسير (( التقوى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .

(15) (1) انظر تفسير (( إيتاء الزكاة )) فيما سلف 1 : 573 ، 574 ، وما بعده في فهارس اللغة ( زكا ) و( أتى) .

(16) (2) انظر تفسير (( الآيات )) و (( والإيمان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي) و ( أمن) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون[ ص: 266 ] قوله تعالى واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي وفقنا للأعمال الصالحة التي تكتب لنا بها الحسنات .وفي الآخرة أي جزاء عليها .إنا هدنا إليك أي تبنا ; قاله مجاهد وأبو العالية وقتادة : والهود : التوبة وقد تقدم في " البقرة " .قال عذابي أصيب به من أشاء أي المستحقين له ، أي هذه الرجفة والصاعقة عذاب مني أصيب به من أشاء .

وقيل : المعنى من أشاء أي من أشاء أن أضله .قوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء عموم ، أي لا نهاية لها ، أي من دخل فيها لم تعجز عنه .

وقيل : وسعت كل شيء من الخلق حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها .

قال بعض المفسرين : طمع في هذه الآية كل شيء حتى إبليس ، فقال : أنا شيء ; فقال الله تعالى : فسأكتبها للذين يتقون فقالت اليهود والنصارى : نحن متقون ; فقال الله تعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الآية .

فخرجت الآية عن العموم ، والحمد لله .روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كتبها الله عز وجل لهذه الأمة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقال موسى في تمام دعائه وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح.

وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً :وهي ما أعد اللّه لأوليائه الصالحين من الثواب.

إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا.

قَالَ اللّه تعالى عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة اللّه، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ المعاصي، صغارها وكبارها.

وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ الواجبة مستحقيها وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ومن تمام الإيمان بآيات اللّه معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( واكتب لنا ) أوجب لنا ( في هذه الدنيا حسنة ) النعمة والعافية ، ( وفي الآخرة ) أي : وفي الآخرة ( حسنة ) أي المغفرة والجنة ، ( إنا هدنا إليك ) أي : تبنا إليك ، ( قال ) الله تعالى : ( عذابي أصيب به من أشاء ) من خلقي ، ( ورحمتي وسعت كل شيء ) عمت كل شيء ، قال الحسن وقتادة : وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر ، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة .

وقال عطية العوفي : وسعت كل شيء ولكن لا تجب إلا للذين يتقون ، وذلك أن الكافر يرزق ، ويدفع عنه بالمؤمنين لسعة رحمة الله للمؤمنين ، فيعيش فيها ، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة ، كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه .

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وقتادة ، وابن جريج : لما نزلت : " ورحمتي وسعت كل شيء " قال إبليس : أنا من ذلك الشيء ، فقال الله سبحانه وتعالى : ( فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ) فتمناها اليهود والنصارى ، وقالوا : نحن نتقي ونؤمن ، ونؤتي الزكاة ، فجعلها الله لهذه الأمة فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واكتب» وأجب «لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة» حسنة «إنَّا هُدْنا» تبنا «إليك قال» تعالى: «عذابي أصيب به من أشاء» تعذيبه «ورحمتي وسعت» عمَّت «كلَّ شيء» في الدنيا «فسأكتبها» في الآخرة «للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتتا يؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واجعلنا ممن كتبتَ له الصالحات من الأعمال في الدنيا وفي الآخرة، إنا رجعنا تائبين إليك، قال الله تعالى لموسى: عذابي أصيب به مَن أشاء مِن خلقي، كما أصبتُ هؤلاء الذين أصبتهم من قومك، ورحمتي وسعت خلقي كلَّهم، فسأكتبها للذين يخافون الله، ويخشون عقابه، فيؤدون فرائضه، ويجتنبون معاصيه، والذين هم بدلائل التوحيد وبراهينه يصدقون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أضاف موسى إلى هذه الدعوات الطيبات دعوات أخرى فقال - كما حكى القرآن فيه - ( واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة ) أى : وأثبت لنا فى هذه الدنيا ما يحسن من نعمة وطاعة وعافية وتوفيق ، وأثبتت لنا فى الآخرة - أيضا - ما يحسن من مغفرة ورحمة وجنة عرضها السموات والأرض .وقوله ( إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ) استئناف مسوق لتعليل الدعاء فإن التوبة الصادقة تجعل الدعاء جديرا بالإجابة ، أى : لأنا تبنا إليك من المعاصى التى جئناك للاعتذار منها .

فاكتب لنا الحسنات فى الدارين ، ولا تحرمنا من عطائك الجزيل .وهدنا : بمعنى تبنا .

يقال : هاد يهود إذا رجع وتاب .وصدرت الجملة الكريمة ب " إن " المفيدة للتحقيق لإظهار كمال النشاط والرغبة فى مضمونها .

وقوله : ( قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الجواب ، كأنه قيل : فماذا قال الله - تعالى - عند دعاء موسى ، فكان الجواب : قال عذابى .

.

.

الخ .ثم قال الله - تعالى - لموسى ردا على دعائه : يا موسى إن عذابى الذى تخشى أن يصيب قومك أصيب به من اشاء تعذيبه من العصاة ، فلا يتعين أن يكون قومك محلا له بعد توبتهم ، فقد اقتضت حكمتى ان اجازى الذين اساءوا بما عملوا واجازى الذين احسنوا بالحسنى .( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) فلا تضيق عن قومك ، ولا عن غيرهم من خلقى ممن هم أهل لها .وقد استفاضت الآيات والأحاديث التى تصرح بأن رحمة الله - تعالى - قد وسعت كل شىء ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إن لله عز وجل مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة " .ثم بين - سبحانه - من هم أهل لرحمته فقال : ( فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) .أى : فسأكتب رحمتى للذين يصونون أنفسهم عن كل ما يغضب الله ويؤدون الزكاة المفروضة عليهم فى أموالهم .وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع اقتضاء التقوى له للتعريض بقوم موسى .

لأن إيتاءها كان شاقاً على نفوسهم لحرصهم الشديد على المال .ولعل الصلاة لم تذكر مع أنها مقدمة على سائر العبادات .

اكتفاء عنها بالاتقاء الذى هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها .

وترك المنهيات عن آخرها .وسأكتبها كذلك للذين هم بآياتنا يؤمنون إيمانا تاما خالصاً لا رياء فيه .

ولا نقص معه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلم عند مشاهدة الرجفة.

فقوله: ﴿ واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً ﴾ معناه أنه قرر أولاً أنه لا ولى له إلا الله تعالى وهو قوله: ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران: أحدهما: دفع الضرر.

والثاني: تحصيل النفع، ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر، وهو قوله: ﴿ فاغفر لَنَا وارحمنا ﴾ ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله: ﴿ واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة ﴾ وقوله: ﴿ واكتب ﴾ أي وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة حَسَنَةً  ﴾ .

واعلم أن كونه تعالى ولياً للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته، وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب هذه الأشياء، فذكر السبب الأول أولاً، وهو كونه تعالى ولياً له وفرع عليه طلب هذه الأشياء، ثم ذكر بعده السبب الثاني، وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ قال المفسرون: ﴿ هُدْنَا ﴾ أي تبنا ورجعنا إليك، قال الليث: الهود التوبة، وإنما ذكر هذا السبب أيضاً لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلهاً ورباً وولياً، وكوننا عبيداً له تائبين خاضعين خاشعين، فالأول: عهد عزة الربوبية.

والثاني: عهد ذلة العبودية، فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما.

ولما حكى الله تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جواباً لموسى عليه السلام، فقال تعالى قال: ﴿ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشآءُ ﴾ معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه، وقرأ الحسن ﴿ مَنْ أَسَاء ﴾ من الإساءة، واختار الشافعي هذه القراءة وقوله: ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيء ﴾ فيه أقوال كثيرة.

قيل المراد من قوله: ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيء ﴾ هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل، وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وقيل: الوجود خير من العدم، وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته وأقل المراتب وجوده، وقيل الخير مطلوب بالذات، والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب، وما بالعرض مرجوح مغلوب، وقال المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير لأنه إن كان منتفعاً أو متمكناً من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال: ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيء ﴾ وقال أصحابنا قوله: ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيء ﴾ من العام الذي أريد به الخاص، كقوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء  ﴾ .

أما قوله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاوة والذين هم بئاياتنا يؤمنون ﴾ .

فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين: الأول: التروك، وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، والاحتراز عنها والاتقاء منها، وهذا النوع إليه الإشارة بقوله: ﴿ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ والثاني: الأفعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه.

أما القسم الأول: فهو الزكاة وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزكواة ﴾ .

وأما القسم الثاني: فيدخل فيه ما يجب على الإنسان علماً وعملاً أما العلم فالمعرفة، وأما العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان ويدخل فيها الصلاة وإلى هذا المجموع الإشارة بقوله: ﴿ والذين هُم بئاياتنا يُؤْمِنُونَ ﴾ ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ أي من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، كقوله: وَمِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً، من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين، فقال: ليتخلف منكم رجلان: فتشاحوا، فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع.

وروي: أنه لم يصب إلا ستين شيخاً، فأوحى الله تعالى إليه أن تختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً.

وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، قد ذهب عنهم الجهل والصبا، فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سينا، لميقات ربه، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل.

ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.

فقال: رب أرني أنظر إليك، يريد: أن يسمعوا الردّ والإنكار من جهته، فأجيب بلن تراني، ورجف بهم الجبل فصعقوا.

ولما كانت الرجفة ﴿ قَالَ ﴾ موسى ﴿ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى ﴾ وهذا تمنّ منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب الرؤية، كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة: لو شاء الله لأهلكني قبل هذا ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا ﴾ يعني أتهلكنا جميعاً، يعني نفسه وإياهم، لأنه إنما طلب الرؤية زجراً للسفهاء، وهم طلبوها سفهاً وجهلاً ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ أي محنتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالاً فاسداً، حتى افتتنوا وضلوا ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء ﴾ تضلّ بالمحنة الجاهلين غير الثابتين في معرفتك، وتهدي العالمين بك الثابتين بالقول الثابت.

وجعل ذلك إضلالاً من الله وهدى منه، لأن محنته لما كانت سبباً لأن ضلّوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ مولانا القائم بأمورنا ﴿ واكتب لَنَا ﴾ وأثبت لنا وأقسم ﴿ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ عافية وحياة طيبة وتوفيقاً في الطاعة ﴿ وَفِي الآخرة ﴾ الجنة ﴿ هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ تبنا إليك.

وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب.

والهود: جمع هائد، وهو التائب.

ولبعضهم: يَا رَاكِبَ الذّنْبِ هُدْهُد ** واسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُد وقرأ أبو وجرة السعدي: ﴿ هدنا إليك ﴾ بكسر الهاء، من هاده يهيده إما حرّكه وأماله.

ويحتمل أمرين، أن يكون مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى حركنا إليك أنفسنا وأملناها أو حرّكنا إليك وأملنا على تقدير: فعلنا، كقولك: عدت يا مريض بكسر العين، فعلت من العيادة.

ويجوز: عدت بالإشمام.

وعدت، بإخلاص الضمة فيمن قال: عود المريض.

وقول القول.

ويجوز على هذه اللغة أن يكون ﴿ هُدْنَا ﴾ بالضم فعلنا من هاده يهيده ﴿ عَذَابِى ﴾ من حاله وصفته أني ﴿ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء ﴾ أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه، ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة.

وأمّا ﴿ رَّحْمَتِى ﴾ فمن حالها وصفتها أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلاّ وهو متقلب في نعمتي.

وقرأ الحسن: ﴿ من أساء ﴾ من الإساءة.

فسأكتب هذه الرحمة كتبه خاصة منكم يا بني إسرائيل للذين يكونون في آخر الزمان من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيء منها ﴿ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول ﴾ الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به وهو القرآن ﴿ النبى ﴾ صاحب المعجزات ﴿ الذى يَجِدُونَهُ ﴾ يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل ﴿ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل...

وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات ﴾ ما حرّم عليهم من الأشياء الطيبة، كالشحوم وغيرها.

أو ما طاب في الشريعة والحكم، مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح، وما خلي كسبه من السحت، ويحرّم عليهم الخبائث ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به أو ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة.

الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال.

مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو: بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت.

وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم.

وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة.

وقرئ: ﴿ آصارهم ﴾ على الجمع ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّ.

وقرئ بالتخفيف.

وأصل العزر: المنع.

ومنه التعزير للضرب دون الحدّ، لأنه منع عن معاودة القبيح.

ألا ترى إلى تسميته الحدّ، والحدّ هو المنع.

و ﴿ النور ﴾ القرآن.

فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ وإنما أنزل مع جبريل؟

قلت: معناه أنزل مع نبوّته، لأنّ استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به.

ويجوز أن يعلق باتبعوا.

أي: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته وبما أمر به ونهي عنه، أو واتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه.

فإن قلت: كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى عليه السلام ودعائه؟

قلت: لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل، أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كفرهم بآيات الله العظام التي أجراها على يد موسى، وعرّض بذلك في قوله: ﴿ والذين هُم بآياتنا يُؤْمِنُونَ ﴾ وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به كعبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتابين لطفاً لهم وترغيباً في إخلاص الإيمان والعمل الصالح، وفي أن يحشروا معهم ولا يفرّق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ حُسْنَ مَعِيشَةٍ وتَوْفِيقَ طاعَةٍ.

﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ الجَنَّةَ.

﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ تُبْنا إلَيْكَ مِن هادَ يَهُودُ إذا رَجَعَ.

وقُرِئَ بِالكَسْرِ مِن هادَ يَهِيدُهُ إذا أمالَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى أمَلْنا أنْفُسَنا وأُمِلْنا إلَيْكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَضْمُومُ أيْضًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنهُ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ عَوْدُ المَرِيضِ.

﴿ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ تَعْذِيبَهُ.

﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ في الدُّنْيا المُؤْمِنُ والكافِرُ بَلِ المُكَلَّفُ وغَيْرُهُ.

﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ فَسَأُثْبِتُها في الآخِرَةِ، أوْ فَسَأكْتُبُها كَتْبَةً خاصَّةً مِنكم يا بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ.

﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ خَصَّها بِالذِّكْرِ لِإنافَتِها ولِأنَّها كانَتْ أشَقَّ عَلَيْهِمْ.

﴿ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ﴾ فَلا يَكْفُرُونَ بِشَيْءٍ مِنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)

{واكتب لنا} وأثبت لنا واقسم {في هذه الدنيا حسنة} عافية وحياة طيبة وتوفيقا في الطاعة {وفي الآخرة} الجنة {إنّا هدنآ إليك} تبنا إليك وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب والهد جمع هائد وهو التائب {قال عذابي} من صفته اتى {أصيب به من أشآء} أي لا أعفو عنه {ورحمتي وسعت كلّ شيءٍ} أي من صفة رحمتى أنها واسعة تبلغ كل شئء ما من مسلم ولا كافر إلا وعليه أثر رحمتي في الدنيا {فسأكتبها} أي هذه الرحمة {للّذين يتّقون} الشرك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم {ويؤتون الزكاة} المفروضة {والذين هم بآياتنا} يجميع كتبنا {يؤمنون} لا يكفرون بشئ منها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واكْتُبْ لَنا ﴾ أيْ: أثْبِتْ واقْسِمْ لَنا ﴿ فِي هَذِهِ الدُّنْيا ﴾ الَّتِي عَرانا فِيها ما عَرانا ﴿ حَسَنَةً ﴾ حَياةً طَيِّبَةً وتَوْفِيقًا لِلطّاعَةِ.

وقِيلَ: ثَناءً جَمِيلًا ولَيْسَ بِجَمِيلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ: اقْبَلْ وِفادَتَنا ورُدَّنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

﴿ وفِي الآخِرَةِ ﴾ أيْ: واكْتُبْ لَنا أيْضًا في الآخِرَةِ حَسَنَةً وهي المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَنَّةُ.

قِيلَ: إنَّ هَذا كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: اغْفِرْ وارْحَمْ.

﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تُبْنا إلَيْكَ مِن هادَ يَهُودُ إذا رَجَعَ وتابَ كَما قالَ: إنِّي امْرُؤٌ مِمّا جَنَيْتُ هائِدُ ومِن كَلامِ بَعْضِهِمْ: يا راكِبَ الذَّنْبِ هُدْ ∗∗∗ هُدْ واسْجُدْ كَأنَّكَ هُدْهُدْ وقِيلَ: مَعْناهُ مالَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (هِدْنا) بِكَسْرِ الهاءِ مِن هادَ يَهِيدُ إذا حُرِّكَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي وجْرَةَ السَّعْدِيِّ أنَّهُ أنْكَرَ الضَّمَّ وقالَ: واللَّهِ لا أعْلَمُهُ في كَلامِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ، وإنَّما هُوَ: هِدْنا بِالكَسْرِ، أيْ: مِلْنا وهو مَحْجُوجٌ بِالتَّواتُرِ، وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ بِمَعْنى حَرَّكْنا أنْفُسَنا أوْ حَرَّكَنا غَيْرُنا، وكَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ عَلَيْها عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: عُودَ المَرِيضُ، ولا بَأْسَ بِذَلِكَ إذا كانَ الهَوْدُ بِمَعْنى المَيْلِ سِوى أنَّ تِلْكَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومِمَّنْ جَوَّزَ الأمْرَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وتَعَقَّبَهُ السَّمِينُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِالتِباسُ وجَبَ أنْ يُؤْتى بِحَرَكَةٍ تُزِيلُهُ فَيُقالُ: عِقْتُ إذا عاقَكَ غَيْرُكَ بِالكَسْرِ فَقَطْ أوِ الإشْمامِ إلّا أنَّ سِيبَوَيْهِ جَوَّزَ في نَحْوِ قِيلَ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن غَيْرِ احْتِرازٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ النَّشاطِ والرَّغْبَةِ في مَضْمُونِها، ﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بَعْدَ دُعائِهِ؟

فَقِيلَ: قالَ: ﴿ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ أيْ: شَأْنِي أُصِيبُ بِعَذابِي مَن أشاءُ تَعْذِيبَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِغَيْرِي فِيهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرٌو الأسْوَدُ: (مَن أساءَ) بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، ونُسِبَتْ إلى زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأنْكَرَ بَعْضُهم صِحَّتَها.

﴿ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: شَأْنُها أنَّها واسِعَةٌ تَبْلُغُ كُلَّ شَيْءٍ، ما مِن مُسْلِمٍ ولا كافِرٍ ولا مُطِيعٍ ولا عاصٍ إلّا وهو مُتَقَلِّبٌ في الدُّنْيا بِنِعْمَتِي، وفي نِسْبَةِ الإصابَةِ إلى العَذابِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ ونِسْبَةِ السِّعَةِ إلى الرَّحْمَةِ بِصِيغَةِ الماضِي إيذانٌ بِأنَّ الرَّحْمَةَ مُقْتَضى الذّاتِ، وأمّا العَذابُ فَمُقْتَضى مَعاصِي العِبادِ، والمَشِيئَةُ مُعْتَبَرَةٌ في جانِبِ الرَّحْمَةِ أيْضًا، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِها قِيلَ: تَعْظِيمًا لِأمْرِ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: لِلشِّعارِ بِغايَةِ الظُّهُورِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ فَإنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلى اعْتِبارِ المَشِيئَةِ كَما لا يَخْفى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ: كَما ذُكِرَ مِن إصابَةِ عَذابِي وسِعَةِ رَحْمَتِي لِكُلِّ مَن أشاءُ فَسَأُثْبِتُها إثْباتًا خاصًّا: ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ أيِ الكُفْرَ والمَعاصِيَ؛ إمّا ابْتِداءً أوْ بَعْدَ المُلابَسَةِ.

﴿ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ المَفْرُوضَةَ عَلَيْهِمْ في أمْوالِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: يُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والظّاهِرُ خِلافُهُ، وتَخْصِيصُ إيتاءِ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ مَعَ اقْتِضاءِ التَّقْوى لَهُ لِلتَّعْرِيضِ بِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِمَزِيدِ حُبِّهِمْ لِلدُّنْيا، ولَعَلَّ الصَّلاةَ إنَّما لَمْ تُذْكَرْ مَعَ إنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ وكَوْنِها عِمادَ الدِّينِ اكْتِفاءً مِنها بِالِاتِّقاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ بِأسْرِها وتَرْكِ المَنهِيّاتِ عَنْ آخِرِها.

﴿ والَّذِينَ هم بِآياتِنا ﴾ كُلَّها كَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ المُضافُ؛ ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ إيمانًا مُسْتَمِرًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِ عَيْنُ ما أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ الأوَّلِ دُونَ أنْ يُقالَ: ويُؤْمِنُونَ بِآياتِنا عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ كَما سَلَكَ في سابِقِهِ قِيلَ: لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ القَصْرِ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: هم بِجَمِيعِ آياتِنا يُؤْمِنُونَ لا بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ بِبَعْضٍ وكَفَرَ بِبَعْضٍ؛ كَقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ هَذا الجَوابِ فَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى حِينَ جَعَلَ تَوْبَةَ عَبَدَةِ العِجْلِ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم وكانَ الكَلامُ الَّذِي أطْمَعَ السَّبْعِينَ في الرُّؤْيَةِ في ذَلِكَ ضَمَّنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُعاءَهُ التَّخْفِيفَ والتَّيْسِيرَ حَيْثُ قالَ: ﴿ واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ أيْ: خَصْلَةً حَسَنَةً عارِيَةً عَنِ المَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّ في القَتْلِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ ما لا يَخْفى، فَأجابَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ وقَوْمُكَ، مِمَّنْ تَناوَلَتْهُ مَشِيئَتِي؛ ولِذَلِكَ جَعَلْتُ تَوْبَتَهم مَشُوبَةً بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.

ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وقَدْ نالَ قَوْمَكَ نَصِيبٌ مِنها في ضِمْنِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.

وسَأكْتُبُ الرَّحْمَةَ خالِصَةً غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ كَما دَعَوْتَ لِمَن صِفَتُهم كَيْتَ وكَيْتَ لا لِقَوْمِكَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَيَكْفِيهِمْ ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَتْ مُقارِنَةً العَذابَ، وعَلى هَذا فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ سُؤالُهُ في قَوْمِهِ، ومَنَّ اللَّهُ تَعالى بِما سَألَهُ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُجِيبَ بِما ذَكَرَ قالَ: أتَيْتُكَ يا رَبِّ بِوَفْدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَكانَتْ وِفادَتُنا لِغَيْرِنا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: دَعا مُوسى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَجَعَلَ دُعاءَهُ لِمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واتَّبَعَهُ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى رَواها جَمْعٌ عَنْهُ: سَألَ مُوسى رَبَّهُ مَسْألَةً فَأعْطاهُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَلا الآيَةَ.

لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ ما قَرَّرَهُ هَذا الشَّيْخُ بَعِيدٌ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ في ذَلِكَ: كَأنَّهُ لَمّا سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِنَفْسِهِ ولِقَوْمِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ أُجِيبَ بِأنَّ عَذابِي لِغَيْرِ التّائِبِينَ إنْ شِئْتُ، ورَحْمَتِي الدُّنْيَوِيَّةُ تَعُمُّ التّائِبَ وغَيْرَهُ، وأمّا الجَمْعُ بَيْنَ الرَّحْمَتَيْنِ فَهو لِلْمُسْتَعِدِّينَ، فَإنْ تابَ مَن دَعَوْتُ لَهم وثَبَتُوا كَأعْقابِهِمْ نالَتْهُمُ الرَّحْمَةُ الخاصَّةُ الجامِعَةُ، وأثَّرَ فِيهِمْ دُعاؤُكَ، وإنْ داوَمُوا عَلى ما هم فِيهِ بَعُدُوا عَنِ القَبُولِ، والغَرَضُ تَرْغِيبُهم عَلى الثَّباتِ عَلى التَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ وتَحْذِيرُهم عَنِ المُعاوَدَةِ عَمّا فَرَطَ مِنهم مَعَ التَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والحَثِّ عَلى اتِّباعِهِ أحْسَنَ تَخَلُّصٍ وحَثٍّ يُحَيِّرُ الألْبابَ ويُبْدِي لِلْمُتَأمِّلِ فِيهِ العَجَبَ العُجابَ، وإلى بَعْضِ هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ.

وقالَ العَلّامَةَ الطِّيبِيُّ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ هَذا الجَوابَ وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَذابِي ﴾ إلَخْ كالتَّمْهِيدِ لِلْجَوابِ، والجَوابُ: ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ إلَخْ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ والحَسَنَةَ في الدّارَيْنِ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ خاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿ واكْتُبْ لَنا ﴾ وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ فَأجابَهُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِأنَّ تَقْيِيدَكَ المُطْلَقَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ؛ فَإنَّ عَذابِي مِن شَأْنِهِ أنَّهُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِي، فَأُمَتُّكَ لَوْ تَعَرَّضُوا لِما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَعْذِيبَ مَن باشَرَهُ لا يَنْفَعُهم دُعاؤُكَ لَهُمْ، وإنَّ رَحْمَتِي مِن شَأْنِها أنْ تَعُمَّ في الدُّنْيا الخَلْقَ صالِحَهم وطالِحَهم مُؤْمِنَهم وكافِرَهُمْ، فالحَسَنَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ عامَّةٌ فَلا تَخْتَصُّ بِأُمَّتِكَ فَتَخْصِيصُها تَحْجِيرٌ لِلْواسِعِ، وأمّا الحَسَنَةُ الأُخْرَوِيَّةُ فَهي لِلْمَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا، وجُعِلَ ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ كالقَوْلِ بِالمُوجِبِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ ما طَلَبَ وجَعَلَ العِلَّةَ ما جَعَلَ، فَضَمَّ اللَّهُ تَعالى ما ضَمَّ، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يُوجِبُ اخْتِصاصَ الحَسَنَتَيْنِ مَعًا هَذِهِ الصِّفاتُ المُتَعَدِّدَةُ لا التَّوْبَةُ المُجَرَّدَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ تَرْتِيبَ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى جَوابًا عَنْ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ وأُيِّدَ هَذا التَّقْرِيرُ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ: وسِعَتْ رَحْمَتُهُ في الدُّنْيا البَرَّ والفاجِرَ، وهي يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُتَّقِينَ خاصَّةً.

اه.

ما أُرِيدَ مِنهُ، وما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ التَّحَجُّرِ في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما في دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما التَّحَجُّرُ في مِثْلِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، عَنْ جُنْدُبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قالَ: ««جاءَ أعْرابِيٌّ فَأناخَ راحِلَتَهُ ثُمَّ عَقَلَها وصَلّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نادى: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومُحَمَّدًا ولا تُشْرِكْ في رَحْمَتِنا أحَدًا.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَقَدْ حَظَرْتَ رَحْمَةً واسِعَةً، إنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأنْزَلَ رَحْمَةً يَتَعاطَفُ بِها الخَلْقُ جِنُّها وإنْسُها وبَهائِمُها، وعِنْدَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ»».

وأنا أقُولُ: قَدْ يُقالُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما طَلَبَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ لَهُ ولِقَوْمِهِ وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ مِمّا لا شَكَّ في صِحَّتِهِ، ولا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَ لِلْقَوْمِ كَيْفَ كانُوا وفي أيِّ حالَةٍ وُجِدُوا، وعَلى أيِّ طَرِيقَةٍ سَلَكُوا، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَقَعُ مِمَّنْ لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِرَبِّهِ فَضْلًا عَنْ مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما هَذا الطَّلَبُ لَهم مِن حَيْثُ إنَّهم تائِبُونَ راجِعُونَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بِاسْتِجابَةِ دُعائِهِ بِذَلِكَ بَلْ هي أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَيْفَ يَشُكُّ في أنَّهُ غُفِرَ لَهُ ورُحِمَ وأُوتِيَ خَيْرَ الدّارِينَ وهو - هو - وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمِهِ فالظّاهِرُ أنَّ التّائِبَ مِنهم أُوتِيَ خَيْرَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ إنْ كانَتْ هي التَّوْبَةَ بِالقَتْلِ فَقَدْ جاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى بَعْدَ أنْ كانَ ما كانَ: ما يُحْزِنُكَ؟

أمّا مَن قُتِلَ مِنكم فَحَيٌّ يُرْزَقُ عِنْدِي، وأمّا مَن بَقِيَ فَقَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتَهُ فَسُرَّ بِذَلِكَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، وإنْ كانَتْ غَيْرَها فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّوْبَةَ تُقْبَلُ بِمُقْتَضى الوَعْدِ المَحْتُومِ، وخَيْرُ مَن قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ في الآخِرَةِ كَثِيرٌ، وأمّا خَيْرُ الدُّنْيا فَقَدْ نَطَقَتِ الآياتُ بِأنَّ القَوْمَ غَرْقى فِيهِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ .

وحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ في تَوْجِيهِ الجَوابِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا رَأى مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شِدَّةَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ ولِهَذا بالَغَ في الدُّعاءِ خَشْيَةً مِن طُولِ غَضَبِهِ تَعالى عَلى مَن يُشْفِقُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ سَكَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ رَوْعَتَهُ وأجابَ طُلْبَتَهُ بِأُسْلُوبٍ عَجِيبٍ، وطَرِيقٍ بَدِيعٍ غَرِيبٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ﴿ عَذابِي ﴾ أيْ: الَّذِي تَخْشى أنْ تُصِيبَ بَعْضُ نِبالِهِ الَّتِي أرْمِيها بِيَدِ جَلالِي عَنْ قِسِيِّ إرادَتِي مَن دَعَوْتَ لَهُ، أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ فَلا يَتَعَيَّنُ قَوْمُكَ الَّذِينَ تَخْشى عَلَيْهِمْ ما تَخْشى لِأنْ يَكُونَ غَرَضًا لَهُ بَعْدَ أنْ تابُوا مِنَ الذَّنْبِ وتَرَكُوا فِعْلَهُ.

﴿ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ إنْسانًا كانَ أوْ غَيْرَهُ مُطِيعًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فَما مِن شَيْءٍ إلّا وهو داخِلٌ فِيها سابِحٌ في تَيّارِها أوْ سايِحٌ في فَيافِيها، بَلْ ما مِن مُعَذَّبٍ إلّا ويَرْشَحُ عَلَيْهِ ما يَرْشَحُ مِنها، ولا أقَلَّ مِن أدْنى لَمْ أُعَذِّبْهُ بِأشَدَّ مِمّا هو فِيهِ مَعَ قُدْرَتِي عَلَيْهِ، فَطِبْ نَفْسًا وقَرَّ عَيْنًا، فَدُخُولُ قَوْمِكَ في رَحْمَةٍ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ولَمْ تَضِقْ عَنْ شَيْءٍ أمْرٌ لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ كَيْفَ وقَدْ هادُوا إلَيَّ ووَفَدُوا عَلَيَّ، أفَتَرى أنِّي أُضَيِّقُ الواسِعَ عَلَيْهِمْ؟

وأُوَجِّهُ نِبالَ الخَيْبَةِ إلَيْهِمْ وأرُدُّهم بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ فَيَرْجِعُ كُلٌّ مِنهم صِفْرَ الكَفَّيْنِ؟

لا أرانِي أفْعَلُ، بَلْ إنِّي سَأرْحَمُهم وأُذْهِبُ عَنْهم ما أهَمَّهُمْ، وأكْتُبُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِن رَحْمَتِي لِأخْلافِهِمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ آخِرَ الزَّمانِ ويَتَّصِفُونَ بِما يُرْضِينِي ويَقُومُونَ بِأعْباءِ ما يُرادُ مِنهُمْ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ إلَخْ.

ولَعَلَّ تَقْدِيمَ وصْفِ العَذابِ دُونَ وصْفِ الرَّحْمَةِ لِيَفْرَغَ ذِهْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَخافُ مِنهُ مَعَ أنَّ في عَكْسِ هَذا التَّرْتِيبِ ما يُوجِبُ انْتِشارَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، ووَصْفُ أخْلافِهِمْ بِما وُصِفُوا بِهِ لِاسْتِنْهاضِ هَمِّهِمْ إلى الِاتِّصافِ بِما يُمْكِنُ اتِّصافُهم بِهِ مِنهُ، أوْ إلى الثَّباتِ عَلَيْهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ في الجَوابِ بِحُصُولِ السُّؤالِ بِأنْ يُقالَ: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى مَثَلًا اخْتِيارًا لِما هو أبْلَغُ فِيهِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَثِيرٍ مِمّا وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ، وأقُولُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ: خَيْرُ الِاحْتِمالاتِ ما تَشْهَدُ لَهُ الآثارُ، وإذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي.

فَتَأمَّلْ.

والسِّينُ فِي: (فَسَأكْتُبُها) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما لا يَخْفى وجْهُهُ عَلى ذَوِي الكَمالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً يعني: اقض لنا وأعطنا في الدنيا العلم والعبادة والنصرة والرزق الحسن الحلال وَفِي الْآخِرَةِ يعني: وأعطنا في الآخرة حسنة وهي الجنة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ يعني: تبنا إليك وأقبلنا إليك هكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وقتادة.

وأصله في اللغة الرجوع من الشيء إلى الشيء قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ يعني: هذا عذابي أخصّ به من أشاء من العباد من كان أهلاً لذلك وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ إنْ رحمتهم ويقال: إن الزلزلة والرجفة كانتا عذابي، وأنا أنزلتها، وأنا أصيب بالعذاب من أشاء، وما سألت من الغفران فمن رحمتي ورحمتي وسعت كل شيء من كان أهلاً لها.

ويقال: لكل شيء حظ من رحمتي.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن قتادة والحسن قالا: ورحمتي التي وسعت كل شيء يعني: وسعت في الدنيا البر والفاجر وفي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة.

ويقال: لما نزلت هذه الآية وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ تطاول إبليس، وقال: أنا من تلك الأشياء فأكذبه الله تعالى وآيسه فأنزل قوله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ يعني: فسأقضيها وسأوجهها للذين يتقون الشرك وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فقالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالآيات، وهي التوراة والإنجيل، ونعطي الزكاة فهذه الرحمة لنا فأكذبهم الله تعالى وأنزل الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الآية ويقال ورحمتي وسعت كل شيء يعني: طمع كل قوم برحمتي، وأنا أوجبتها للمؤمنين وهم أمة محمد  الذين يتقون الشرك، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون، يعني: يصدقون بمحمد  والقرآن.

قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ يعني: محمدا  الذي لا يكتب ولا يقرأ الكتب قال الزجاج: الأُمِّيُّ الذي هو على خِلْقَةِ أمه لم يتعلم الكتابة وهو على جبلته.

ويقال: إنما سمي محمد  أمِّيّاً لأنه كان من أم القرى وهي مكة.

ثم قال: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ يعني: يجدون نعته وصفته فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعني: شرائع الإسلام بالتوحيد يرخص لهم الحلالات من الشحوم واللحوم وأشباهها وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ يعني: ويبيّن لهم الحرام الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير والخمر وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ يعني: ثقلهم من العهود قرأ ابن عامر آصَارَهُمْ على معنى الجماعة.

وأصل الإصر الثقل.

فسمي العهد إصْراً لأن حفظ العهد يكون ثقيلاً.

ويقال: يعني الأمور التي كانت عليهم في الشرائع.

ويقال: هو ما عهد عليهم من تحريم الطيبات.

ثم قال: وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ وهي كناية عن أمور شديدة لأن في الشريعة الأولى كان الواحد منهم إذا أصابه البول في ثوبه وجب قطعه، وكان عليهم ألا يعملوا في السبت، وغير ذلك من الأعمال الشديدة فوضع عنهم ذلك.

ثم قال: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يعني: صدقوه وأقروا بنبوته وَعَزَّرُوهُ يعني: عظموه وشرفوه.

ويقال: أعانوه وَنَصَرُوهُ بالسيف وَاتَّبَعُوا النُّورَ يعني: القرآن الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ يعني: أهل هذه الصفة هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي والناجون في الآخرة وهم في الرحمة التي قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156] .

قوله: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قلْتُ: قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْني» ولام التقْويَةِ هي المَزِيدَةُ لتقويةٍ عاملٍ ضَعُفَ إِما لتأخير نحو: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ، وإِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] أو لكَوْنِهِ فرعاً في العمل نحو: مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ [البقرة: ٩١] فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [البروج:

١٦] ، وقد اجتمع التأخيرُ والفرعيةُ في: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ [الأنبياء: ٧٨] .

انتهى.

وقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ...

الآية: قال الفَخْرُ»

: قال جماعة النحوِّيين:

معناه: واختار موسى مِنْ قومه، فحذف «مِنْ» ، يقال: اخترت مِنَ الرجالِ زيْداً، واخترْتُ الرجالَ زَيْداً.

انتهى.

قال ع «٢» : معنى هذه الآية أَن موسى عليه السلام اختار مِنْ قومه هذه العِدَّة لَيَذْهَبَ بهم إِلى مَوْضِعِ عبادةٍ وابتهالٍ ودعاءٍ، فيكون منه ومنهم اعتذار إِلى اللَّه سبحانه مِنْ خطإِ بني إِسرائيل في عبادةِ العِجْلِ، وقد تقدَّم في «سورة البقرة» [البقرة: ٥١] قصصهم، قالتْ فرقة من العلماء: إِنَّ موسى عليه السلام لمَّا أعلمه اللَّه سبحانه بعبادة بني إِسرائيل العِجْلَ، وبصفته، قالَ موسى: أيْ ربِّ، ومَنْ اختاره؟

قَالَ: أنا، قال موسى: فأنْتَ، يا ربِّ، أضْلَلْتهُمْ، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أيْ: إِنَّ الأمور بيدك تفْعلُ ما تريد.

وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)

وقوله سبحانه: وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ...

الآية: اكْتُبْ: معناه:

أَثْبتْ واقض، والكَتْب: مستعمل في كلّ ما يخلّد، وحَسَنَةً: لفظ عامٌّ في كل ما يحسن في الدنيا من عاقبة وطاعة للَّه سبحانه، وغَيْرِ ذلك، وحَسَنَةُ الآخرةِ: الجَنَّة، لا حَسَنَةَ دونها، ولا مرمى وراءها، وهُدْنا- بضم الهاء-: معناه: تُبْنَا.

وقوله سبحانه: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ، يحتمل أن يريد ب «العذاب»

الرجفةَ التي نزلَتْ بالقوم، ثم أخبر سبحانه عن رحمته، ويحتملُ وهو الأظهر: أن الكلام قصد به الخَبَرُ عن عذابه، وعن رحمته، وتصريف ذلك في خليقته كما يشاء سبحانه، ويندرجُ في عمومِ العذابِ أصحابُ الرجفة، وقرأ الحسنُ بنُ أبي الحسن، وطَاوُسٌ، وعَمْرُو «١» بن فائدٍ: «مَنْ أَسَاءَ» «٢» من الإِساءة، ولا تعلُّق فيه للمعتزلة، وأطنب القُرَّاء في التحفُّظ من هذه القراءَةِ، وَحَمَلَهُمْ على ذلك شُحُّهم «٣» على الدِّين.

وقوله سبحانه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قال بعض العلماء: هو عمومٌ في الرحمة، وخصوصٌ في قوله: كُلَّ شَيْءٍ، والمراد: مَنْ قد سبق في عِلْم اللَّه أن يرحمهم، وقوله سبحانه: فَسَأَكْتُبُها، أي: أقدِّرها وأقضيها.

وقال نَوْفٌ البِكَالِيُّ «٤» : إِن موسى عليه السلام قال: يا رَبِّ، جعلْتَ وِفَادَتِي لأمَّة محمَّد عليه السلام، وقوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ: الظاهر: أنها الزكاةُ المختصَّة بالمالِ، وروي عن ابن عباس أن المعنى: يؤتون الأعمالَ التي يزكُّون بها أنفسهم «٥» .

وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ...

الآية: هذه ألفاظٌ أخرجَت

اليهودَ والنصارى مِنَ الاشتراك الذي يظهر في قوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وخلُصَتْ هذه العِدَةُ لأمة محمّد/ صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس «١» وغيره.

قلْتُ: وهذه الآيةُ الكريمة مُعْلِمَةٌ بشَرَف هذه الأمَّة على العُمُوم في كلِّ مَنْ آمَنَ باللَّه تعالى، وأقرَّ برسالة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثم هم يتفاوتون بعدُ في الشرف بحَسَب تفاوتهم في حقيقة الاتباعية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في «الإِحياء» : وإِنما أمّته صلّى الله عليه وسلّم مَنِ اتبعه، وما اتبعه إِلاَّ مَنْ أعرض عن الدنيا، وأَقْبَلَ على الآخرةِ، فإِنه عليه السلام ما دَعَا إِلاَّ إِلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وما صَرَفَ إِلاَّ عن الدنيا والحظوظِ العاجلةِ، فبقدْرِ ما تُعْرِضُ عن الدنيا، وتُقْبِلُ على الآخرة، تسلك سبيله الذي سلكه صلّى الله عليه وسلّم، وبقَدْرِ ما سَلَكْتَ سبيله، فقد اتبعته، وبقَدْر ما اتبعتَهُ، صِرْتَ من أمته، وبقَدْرِ ما أَقبلْتَ على الدنيا، عَدَلْتَ عن سبيله، ورغبْتَ عَنْ متابعته، والتحقت بالذين قال اللَّه تعالى فيهم: فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: ٣٧، ٣٨، ٣٩] .

انتهى، فإن أردتّ اتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الحقيقة، واقتفاء أثره، فابحث عن سيرته وخُلُقه في كتب الحديث والتفسير.

قال ابنُ القَطَّان في تصنيفه الذي صنَّفه في «الآيات والمعجزات» : والقول الوجيز في زُهْدِهِ وعبادتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وسائر حلاه ومعاليه صلّى الله عليه وسلّم: أنه مَلَكَ مِنْ أقْصَى اليمن إلى صحراء عمان إِلى أقصى الحجاز، ثم تُوُفِّيَ عليه السلام، وعليه دَيْنٌ، ودِرْعُهِ مَرْهونةٌ في طَعَام لأهله، ولم يتركْ ديناراً ولا درهماً، ولا شَيَّد قَصْراً، ولا غَرَس نَخْلاً، ولا شَقَّقَ نَهْراً، وكان يأكل على الأرْضِ ويجلسُ على الأرض، ويَلْبَسُ العَبَاءة، ويجالسُ المَساكين، ويَمْشِي في الأسواق، ويتوسَّد يَدُه، ويلعقُ أصابعه، ويُرقِّع ثوبه، ويَخْصِفُ نَعْلَه، ويُصْلِح خُصَّه، ويمهنُ لأهله، ولا يأكل متْكِئاً، ويقول: «أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْد» ، ويقتصُّ من نفْسه، ولا يرى ضاحكاً مِلْء فِيهِ ولو دُعِيَ إِلى ذراعٍ، لأجاب، ولو أُهْدِيَ إِليه كُرَاعٌ لَقِبل، لا يأكلُ وحده، ولا يَضْرِبُ عبده، ولا يمنعُ رفْده ولا ضَرَبَ قطُّ بيدِهِ إِلاَّ في سَبِيل اللَّه، وقام للَّه حتَّى تَوَرَّمَتْ قدماه، فقيل له: أتَفْعَلُ هذا وقد غَفَرَ اللَّه لك مَا تَقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ؟

فقال: «أفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً» ، وكان يُسْمَعُ لجوفه أزير كأزيز المِرْجَلِ «٢» من البكاءِ إِذا قام بالليل صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وأتباعه صلاةً دائمةً إلى يوم القيامة.

انتهى.

وقال «١» الفَخْر: قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ...

الآية: قال بعضهم:

الإِشارة بذلك إِلى مَنْ تقدَّم ذكْرُه من بني إِسرائيل، والمعنى: يتبعونه باعتقاد نبوَّته من حيث وَجَدُوا صفتَهُ في التوراة، وسيجدونه مكتوباً في الإِنجيل.

وقال بعضهم: بل المرادُ مَنْ لحق مِنْ بني إِسرائيل أيام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبيَّن تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا تكتب لهم رحمةُ الآخرة إِلاّ إذا اتبعوا النبيَّ الأُميُّ.

قال الفخْر «٢» : وهذا القول أقربُ.

انتهى.

وقوله: يَجِدُونَهُ، أي: يجدون صفة نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ونعته ففي «البخاريِّ» وغيره، عن عبد اللَّه بن عمرو أنَّ في التوراة مِنْ صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «يا أيّها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً/ وَنَذِيراً وَحِرْزاً لِلأُمِيِّيِّن، أنْتَ عَبْدِي وَرَسُولي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سخَّاب «٣» في الأَسْوَاق، وَلاَ يَجْزي بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حتى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاء بأنْ يَقُولُوا: لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوباً غُلْفاً، وأَذَاناً صُمًّا، وَأَعْيُناً عُمْياً» ، وفي «البخاريِّ» :

«فَيَفْتَحُ بِهِ عُيُونَاً عُمْياً، وآذاناً صُمًّا، وقُلُوباً غُلْفاً «٤» » ، ونصَّ كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إِلاَّ أنه قال: «قُلُوباً غُلُوفاً، وآذناً صُمُوماً» .

وقوله سبحانه: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ...

الآية: يحتملُ أن يكون ابتداء كلامٍ وُصِفَ به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أن يكون متعلِّقاً ب «يجدونه» في موضع الحال على تجوُّزٍ، أي:

يجدونه في التوراةِ آمراً بشرط وجوده، والمعروف: ما عُرِفَ بالشرع، وكلُّ معروف من جهة المروءة، فهو معروف بالشرع، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت لأتمّم محاسن الأخلاق» «٥» والْمُنْكَرِ: مقابله، والطَّيِّباتِ عند مالك: هي المحلّلات، والْخَبائِثَ هي المحرَّمات، وكذلك قال ابن عباس، والإِصْرُ الثّقل «٦» ، وبه فسّر هنا قتادة «٧» وغيره،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واكْتُبْ لَنا ﴾ أيْ: حَقَّقَ لَنا وأوْجَبَ ﴿ فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ وهي الأعْمالُ الصّالِحَةُ ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ ﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تُبْنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ " الَّذِينَ هادَوْا " [البَقَرَةِ:٦٢] كَأنَّهم رَجَعُوا مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.

وقَرَأ أبُو وجْزَةَ السَّعْدِيُّ: ﴿ إنّا هُدْنا ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لا تَتَغَيَّرُ؛ يُقالُ: هادَ يَهُودُ ويَهِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ: مِن أساءَ بِسِينٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مَعَ النَّصْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ في هَذا الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَخْرَجَهُ عامٌّ ومَعْناهُ خاصٌّ، وتَأْوِيلُهُ: ورَحْمَتِي وسِعَتِ المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ عَلى العُمُومِ في الدُّنْيا، والخُصُوصِ في الآَخِرَةِ؛ وتَأْوِيلُها: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا، البَرَّ والفاجِرَ، وفي الآَخِرَةِ وفي الآَخِرَةِ هي لَلْمُتَّقِينَ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

فَعَلى هَذا، مَعْنى الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا لَلْكافِرِ أنَّهُ يُرْزَقُ ويُدْفَعُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ في حَقِّ قارُونَ: ﴿ وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّ الرَّحْمَةَ التَّوْبَةُ، فَهي عَلى العُمُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الرَّحْمَةَ تَسَعُ كُلَّ الخَلْقِ، إلّا أنَّ أهْلَ الكُفْرِ خارِجُونَ مِنها، فَلَوْ قُدِّرَ دُخُولُهم فِيها لَوَسِعَتْهم، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا.

﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ في الآَخِرَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ فَسَأُوجِبُها.

وفي الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُتَّقُونَ لَلشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَلْمَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، ذَهَبا إلى أنَّها العَمَلُ بِما يُزَكِّي النَّفْسَ ويُطَهِّرُها.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ قالَ إبْلِيسُ: أنا مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَنَزَعَها اللَّهُ مِن إبْلِيسَ، فَقالَ: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ﴾ فَقالَتِ اليَهُودَ: نَحْنُ نَتَّقِي، ونُؤْتِي الزَّكاةَ، ونُؤْمِنُ بِآَياتِ رَبِّنا، فَنَزَعَها اللَّهُ مِنهم، وجَعَلَها لَهَذِهِ الأُمَّةِ، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ﴾ .

وقالَ نَوْفُ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى: أجْعَلُ لَكُمُ الأرْضَ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأجْعَلُ السَّكِينَةَ مَعَكم في بُيُوتِكم، وأجْعَلُكم تَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ عَنْ ظُهُورِ قُلُوبِكم، يَقْرَؤُها الرَّجُلُ مِنكم، والمَرْأةُ، والحُرُّ، والعَبْدُ، والصَّغِيرُ، والكَبِيرُ، فَأخْبَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: لا نُرِيدُ أنْ نُصَلِّيَ إلّا في الكَنائِسِ والبَيْعِ، ولا أنْ تَكُونَ السَّكِينَةُ إلّا في التّابُوتِ، ولا أنْ نَقْرَأ التَّوْراةَ إلّا نَظَرًا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ المُفْلِحُونَ ﴾ وفي هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ المُفْلِحُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كُلُّ مَن آَمَنَ بِمُحَمَّدٍ  ، وتَبِعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ.

وفي تَسْمِيَتِهِ بِالأُمِّيِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَكْتُبُ.

والثّانِي: لِأنَّهُ مِن أُمِّ القُرى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ﴾ أيْ: يَجِدُونَ نَعْتَهُ ونُبُوَّتَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ﴾ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْرُوفُ: مَكارِمُ الأخْلاقِ، وصِلَةُ الأرْحامِ.

والمُنْكَرُ: عِبادَةُ الأوْثانِ، وقَطْعُ الأرْحامِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ: الإيمانُ، والمُنْكَرُ: الشَّرُّ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْرُوفُ: الحَقُّ، لِأنَّ العُقُولَ تَعْرِفُ صِحَّتَهُ، والمُنْكَرَ: الباطِلُ، لِأنَّ العُقُولَ تُنْكِرُ صِحَّتَهُ.

وَفِي الطَّيِّباتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَلالُ، والمَعْنى: يَحِلُّ لَهُمُ الحَلالُ.

والثّانِي: أنَّها ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَطْيِبُهُ.

والثّالِثُ: أنَّها الشُّحُومُ المُحَرَّمَةُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والرّابِعُ: ما كانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُهُ مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والِحامِ.

وَفِي الخَبائِثِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَرامُ، والمَعْنى: ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الحَرامَ.

والثّانِي: أنَّها ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَخْبِثُهُ ولا تَأْكُلُهُ، كالحَيّاتِ، والحَشَراتِ.

والثّالِثُ: ما كانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ صُرْهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ آَصارهم مَمْدُودَةَ الألِفِ عَلى الجَمْعِ.

وفي هَذا الإصْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّشْدِيدُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ مِن تَحْرِيمِ السَّبْتَ، وأكْلِ الشُّحُومِ والعُرُوقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ مَسْرُوقٌ: لَقَدْ كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ، فَيُصْبِحُ وقَدْ كُتِبَ عَلى بابِ بَيْتِهِ: إنَّ كَفّارَتَهُ أنْ تَنْزِعَ عَيْنَيْكَ فَيَنْزِعُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ الأغْلالِ تَمْثِيلٌ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتُ هَذا طَوْقًا في عُنُقِكَ، ولَيْسَ هُناكَ طَوْقٌ، إنَّما جَعَلْتُ لُزُومَهُ كالطَّوْقِ.

والأغْلالُ: أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم في القَتْلِ دِيَةٌ، وأنْ لا يَعْمَلُوا في السَّبْتِ، وأنْ يُقْرِضُوا ما أصابَ جُلُودَهم مِنَ البَوْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ  وعَزَّرُوهُ ورَوى أبانُ "وَعَزَّرُوهُ" بِتَخْفِيفِ الزّايِ.

وفي المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَصَرُوهُ وأعانُوهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عَظَّمُوهُ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والنُّورُ الَّذِي أنْزَلَ مَعَهُ: القُرْآَنُ، سَمّاهُ نُورًا، لِأنَّ بَيانَهُ في القُلُوبِ كَبَيانِ النُّورِ في العُيُونِ.

وفي قَوْلِهِ "مَعَهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "عَلَيْهِ" .

والثّانِي: بِمَعْنى أُنْزِلَ في زَمانِهِ.

قالَ قَتادَةُ: أمّا نَصْرُهُ، فَقَدْ سَبَقْتُمْ إلَيْهِ، ولَكِنَّ خَيْرَكم مَن آَمَنَ بِهِ واتَّبَعَ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ ﴾ في الكَلِماتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ: كَلِماتُهُ: آَياتُهُ.

والثّانِي: أنَّها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ﴾ "واكْتُبْ" مَعْناهُ: أثْبِتْ واقْضِ، والكَتْبُ مُسْتَعْمَلٌ في ما يَخْلُدُ، و"حَسَنَةً" لَفْظٌّ عامٌّ في كُلِّ ما يَحْسُنُ في الدُنْيا مِن عافِيَةٍ وغِنًى وطاعَةٍ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ الجَنَّةُ لا حَسَنَةَ دُونَها ولا مَرْمى وراءَها، و"هُدْنا" بِضَمِّ الهاءِ مَعْناهُ: تُبْنا، وقَرَأ أبُو وجْزَةَ "هِدْنا" بِكَسْرِ الهاءِ، ومَعْناهُ: حَرَّكْنا أنْفُسَنا وجَذَبْناها لِطاعَتِكَ، وهو مَأْخُوذٌ مَن هادَ يَهِيدُ إذا حَرَّكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ الآيَةُ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّ الرَجْفَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ بِالقَوْمِ هي عَذابِي أُصِيبَ بِهِ مَن شِئْتُ، ثُمَّ أخْبَرَ عن رَحْمَتِهِ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ الكَلامَ قُصِدَ بِهِ الخَبَرُ عن عَذابِهِ وعن رَحْمَتِهِ مِن أوَّلِ ما ابْتَدَأ، ويَنْدَرِجُ أمْرُ أصْحابِ الرَجْفَةِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ، وطاوُسُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "مَن أساءَ" مِنَ الإساءَةِ، أيْ مَن عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ القِراءَةِ تَعَلُّقٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما إنْفاذُ الوَعِيدِ، والآخَرُ خَلْقُ المَرْءِ أفْعالَهُ، وأنَّ "أساءَ" لا فِعْلَ لِلَّهِ فِيهِ، وهَذانَ التَعَلُّقانِ فِيهِما احْتِمالٌ يَنْفَصِلُ عنهُ كَما يَنْفَصِلُ عن سائِرِ الظَواهِرِ، إلّا أنَّ القَرَأةَ أطْنَبُوا في التَحَفُّظِ مِن هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: لا تَصِحُّ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ وطاوُسٍ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ رَجُلُ سُوءٍ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَرَأها مَرَّةً واسْتَحْسَنَها فَقامَ إلَيْهِ عَبْدُ الرَحْمَنِ المُقْبِرِيُّ وصاحَ بِهِ وأسْمَعَهُ، فَقالَ سُفْيانُ: لَمْ أدْرِ ولَمْ أفْطِنْ لِما يَقُولُ أهْلُ البِدَعِ، وهَذا إفْراطٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وحَمَلَهم عَلى ذَلِكَ شُحُّهم عَلى الدِينِ وظَنُّهم أنَّ الِانْفِصالَ عن تَعَلُّقِ المُعْتَزِلَةِ مُتَعَذِّرٌ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى رَحْمَتَهُ بِأنَّها وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو عُمُومٌ في الرَحْمَةِ وخُصُوصٌ في قَوْلِهِ: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ، والمُرادُ مَن قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَرْحَمَهُ دُونَ مَن سِواهُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عُمُومٌ في رَحْمَةِ الدُنْيا لِأنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ والحَيَوانَ كُلُّهُ مُتَقَلِّبٌ في رَحْمَةِ اللهِ الدُنْيَوِيَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَرَحْمَتِي" يُرادُ بِهِ التَوْبَةُ، وهي خاصَّةٌ -عَلى هَذا- في الرَحْمَةِ وفي الأشْياءِ لِأنَّ المُرادَ مَن قَدْ تَقَعُ مِنهُ التَوْبَةُ، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ طَمِعَ في رَحْمَةِ اللهِ، فَلَمّا سَمِعَ ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ يَئِسَ إبْلِيسُ وبَقِيَتِ اليَهُودُ والنَصارى، فَلَمّا تَمادَتِ الصِفَةُ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ويَئِسَ اليَهُودُ والنَصارى مِنَ الآيَةِ، وقالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ أيْ أُقَدِّرُها وأقْضِيها، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: يا رَبِّ جَعَلْتُ وِفادَتِي لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: فاحْمَدُوا اللهَ الَّذِي جَعَلَ وِفادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكُمْ، وقَوْلُهُ: "يَتَّقُونَ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَتَّقُونَ الشِرْكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَتَّقُونَ المَعاصِيَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ: "الشِرْكُ لا غَيْرُ" خَرَجَ إلى قَوْلِ المُرْجِئَةِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ الآيَةِ شَرْطُ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ ، ومَن قالَ: "المَعاصِي ولا بُدَّ" خَرَجَ إلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، والصَوابُ بِأنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ عامَّةً ولَكِنْ لَيْسَ بِأنْ نَقُولَ: "وَلا بُدَّ مِنِ اتِّقاءِ المَعاصِي"، بَلْ بِأنْ نَقُولَ: "مَعَ أنَّ مَواقِعَ المَعاصِي في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى"، ومَعْنى: "يَتَّقُونَ" يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُتَّقى وِقايَةً وحِجابًا، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى الرُتْبَةَ العالِيَةَ لِيَتَسابَقَ السامِعُونَ إلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ الظاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَيُؤْتُونَ ﴾ أنَّها الزَكاةُ المُخْتَصَّةُ بِالمالِ، وخَصَّها هُنا بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَها، وجَعْلَها مِثالًا لِجَمِيعِ الطاعاتِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عنهُ: ويُؤْتُونَ الأعْمالَ الَّتِي يُزَكُّونَ بِها أنْفُسَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وإياى أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ﴾ .

عطفت جملة ﴿ واختار موسى ﴾ على جملة: ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ [الأعراف: 148] عطَف القصة على القصة: لأن هذه القصة أيضاً من مواقع الموعظة والعبرة بين العبَر المأخوذة من قصة موسى مع بني إسرائيل، فإن في هذه عبرة بعظمة الله تعالى ورحمته، ودعاء موسى بما فيه جُماع الخيرات والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وملاك شريعته.

والاختيار تمييز المرغوب من بين ما هو مخلوط من مرغوب وضده، وهو زنة افتعال من الخير صيغ الفعل من غير دلالة على مطاوعة لفعل (خار).

وقوله: ﴿ سبعين رجلا ﴾ بدل من ﴿ قَوْمَه ﴾ بدلَ بعض من كل، وقيل إنما نُصب قوَمه على حذف حرف الجر، والتقدير: اختار من قومه، قالوا وحذْفُ الجار من المتعلق الذي هو في رتبة المفعول الثاني شائِع في ثلاثة أفعال: اختار، واستغفر وأمر، ومنه أمْرُتك الخير وعلى هذا يكون قوله: ﴿ سبعين ﴾ مفعولاً أول.

وأيّاً مَّا كان فبناء نظم الكلام على ذكر القوم ابتداء دون الاقتصار على سبعين رجلاً اقتضاه حال الإيجاز في الحكاية، وهو من مقاصد القرآن.

وهذا الاختيار وقع عندما أمره الله بالمجيئ للمناجاة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ﴾ [الأعراف: 142] الآية، فقد جاء في التوراة في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج: إن الله أمر موسى أن يصعد طور سينا هو وهارون و(ناداب) و(أبيهو) و(يشوع) وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ويكون شيوخ بني إسرائيل في مكان معين من الجبل ويتقد موسى حتى يدخل في السحاب ليسمع كلام الله وأن الله لما تجلى للجبل ارتجف الجبل ومكث موسى أربعين يوماً.

وجاء في الإصحاح الثاني والثلاثين والذي يعده، بعدَ ذكر عبادتهم العجل وكسر الألواح، أن الله أمر موسى بأن ينحت لوحين من حجر مثل الأولين ليكتب عليهما الكلمات العشر المكتوبة على اللوحين المنكسرين وأن يصعد إلى طور سينا وذكرتْ صفة صعود تقارب الصفة التي في الإصحاح الرابع والعشرين، وأن الله قال لموسى من أخطأ أمحُوه من كتابي، وأن موسى سجد لله تعالى واستغفر لقومه قلة امتثالهم وقال فإن عفرْتَ خطيئتهم وإلا فامحُني من كتابك.

وجاء في الإصحاح التاسع من سفر التثنية: أن موسى لما صعد الطور في المناجاة الثانية صام أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل طعاماً ولا يشرب ماء استغفاراً لخطيئة قومه وطلباً للعفو عنهم.

فتبين مما في التوراة أن الله جعل لموسى ميقاتين للمناجاة، وأنه اختار سبعين رجلاً للمناجاة الأولى ولم تَذْكر اختيارهم للمناجاة الثانية، ولما كانت المناجاة الثانية كالتكملة للأولى تعيّن أن موسى استصحب معه السبعين المختارين، ولذلك وقعت فيها الرجفة مثل المرة الأولى، ولم يذكر القرآن أن الرجفة أخذتهم في المرة الأولى، وإنما ذكر أن موسى خَرَّ صعقاً، ويتعين أن يكون السبعون قد أصابهم ما أصاب موسى لأنهم كانوا في الجبل أيضاً، وذكر الرجفة في المرة الثانية ولم تذكرها التوراة.

والضمير في أخذتهم الرجفة للسبعين.

فالظاهر أن المراد في هذه الآية هو حكاية حال ميقات المناجاة الثانية التي وقع فيها الاستغفار لقومه، وأن الرجفة المحكية هنا رجفة أخذتهم مثل الرجفة التي أخذتهم في المناجاة الأولى، لأن الرجفة تكون من تجلي أثر عظيم من آثار الصفات الإلهية كما تقدم، فإن قول موسى ﴿ اتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ يؤذن بأنه يعني به عبادتهم العجل، وحضورَهم ذلك.

وسكوتهم، وهي المعنيُ بقوله: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ وقد خشي موسى أن تلك الرجفة مقدمة عذاب كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يخشى الريح أن يكون مبدأ عذاب.

ويجوز أن يكون ذلك في المناجاة الأولى وأن قوله: ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ يعني به ما صدر من بني إسرائيل من التصلب قبل المناجاة، كقولهم ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ [البقرة: 61]، وسؤالهم رؤية الله تعالى.

لكن الظاهر أن مثل ذلك لا يطلق عليه (فَعَل) في قوله: ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ .

والحاصل أن موضع العبرة في هذه القصة هو التوقي من غضب الله، وخوف بطشه، ومقامُ الرسل من الخشية، ودعاء موسى، إلخ.

وقد صيغ نظم الكلام في قوله: ﴿ فلما أخذتهم الرجفة ﴾ على نحو ما صيغ عليه قوله: ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه غضبانَ أسفا ﴾ [الأعراف: 150] كما تقدم.

والأخذ مجاز في الإصابة الشديدة المتمكنة تمكن الآخذ من المأخوذ.

و (لو) في قوله: ﴿ لو شئت أهلكتهم ﴾ يجوز أن تكون مستعملة في التمني وهو معنى مجازي ناشئ من معنى الامتناع الذي هو معنى (لو) الأصلي ومنه قول المثل (لو ذات سوار لطمتني) إذ تقدير الجواب.

لو لطمتني لكان أهون علي، وقد صرح بالجواب في الآية وهو ﴿ شئت أهلكتهم ﴾ أي ليتك أردت إهلاكهم أي السبعين الذين معه.

فجملة أهلكتهم بدل اشتمال من جملة ﴿ شئت ﴾ من قبل خطيئة القوم التي تسبب عنها الرجوع إلى المناجاة.

وعلى هذا التقدير في (لو) لا يكون، في قوله ﴿ أهلكتهم ﴾ حذف اللام التي من شأنها أن تقترن بجواب (لو) وإنما قال: ﴿ أهلكتهم ﴾ وإياي ولم يقل: أهلكتنا، للتفرقة بين الإهلاكين لأن إهلاك السبعين لأجل سكوتهم على عبادة العجل، وإهلاك موسى، قد يكون لأجل أن لا يشهد هلاك القوم، قال تعالى: ﴿ فلما جاء أمرنا نجينا هوداً ﴾ [هود: 58] الآية ونظائرها كثيرة، وقد خشي موسى أن الله يهلك جميع القوم بتلك الرجفة لأن سائر القوم أجدر بالإهلاك من السبعين، وقد أشارت التوراة إلى هذا في الإصحاح «فرجع موسى إلى الله وقال إن الشعب قد أخطأ خطيئة عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة فان غفرت لهم خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت.

فقال الله لموسى من أخطأ إليّ أمحوه من كتابي» فالمحو من الكتاب هو محو تقدير الله له الحياةَ محوَ غضب، وهو المحكي في الآية بقوله ﴿ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ وقد خشي موسى أن تكون تلك الرجفة إمارة غضب ومقدمة إهلاك عقوبة على عبادتهم العجل، فلذلك قال ﴿ اتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فالسفهاء هم الذين عبدوا العجل وسمي شركهم سفهاً؛ لأنه شرك مشوب بخسة عقل إذ جعلوا صورة صنعوها بأنفسهم إلهاً لهم.

ويجوز أن يكون حرف (لو) مستعملاً في معناه الأصلي: من امتناع جوابه لامتناع شرطه، فيتجه أن يتساءل عن موجب حذف اللام من جواب (لو) ولم يقل: لأهلكتهم مع أن الغالب في جوابها الماضي المثبت أن يقترن باللام فحذف اللام هنا لنكتة أن التلازم بين شرط لو وجوابها هنا قوي لظهور أن الإهلاك من فعل الله وحده فهو كقوله تعالى: ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ سورة الواقعة (70) وسيأتي بيانه.

ويكون المعنى اعترافاً بمنة العفو عنهم فيما سبق، وتمهيداً للتعريض بطلب العفو عنهم الآن، وهو المقصود من قوله ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء ﴾ أي أنك لم تشأ إهلاكهم حين تلبسوا بعبادة العجل فلا تهلكهم الآن.

والاستفهام في قوله: ﴿ أتهلكنا ﴾ مستعمل في التفجع أي: أخشى ذلك، لأن القوم استحقوا العذاب ويخشى أن يشمل عذابُ الله من كان مع القوم المستحقين وإن لم يشاركهم في سبب العذاب، كما قال: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ [الأنفال: 25] وفي حديث أم سلمة أنها قالت: " يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبثُ " وفي حديث آخر، " ثم يحشرون على نياتهم " وقد خشي موسى سوء الظنة لنفسه ولأخيه وللبراء من قومه أن يُظنهم الأمم التي يبلغها خبرهم أنهم مجرمون.

وإنما جمع الضمير في قوله: ﴿ أتهلكنا ﴾ لأن هذا الإهلاك هو الإهلاك المتوقع من استمرار الرجفة، وتوقعه واحد في زمن واحد، بخلاف الإهلاك المتقدم ذكره فسببه مختلف فناسب توزيع مفعوله.

وجملة: ﴿ أتهلكنا ﴾ مستأنفة على طريقة تقطيع كلام الحزين الخائف السائل.

وكذلك جملة: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ وجملة ﴿ أنت ولينا ﴾ .

وضمير ﴿ إن هي ﴾ راجع إلى ما فعل السفهاء لأن ما صْدقَ ما فعل السفهاء هو الفتنة، والمعنى: ليست الفتنةُ الحاصلة بعبادة العجل إلا فتنة منك، أي من تقديرك وخلْق أسباببِ حدوثها، مثل سخافة عقول القوم، وإعجابهم بأصنام الكنعانيين، وعيبة موسى، وليننِ هارون، وخشيته من القوم، وخشية شيوخ إسرائيل من عامتهم، وغير ذلك مما يعلمه الله وأيقن موسى به إيقاناً إجمالياً.

والخبر في قوله: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ الآية: مستعمل في إنشاء التمجيد بسعة العلم والقدرة، والتعريض بطلب استبقائهم وهدايتهم، وليس مستعملاً في الاعتذار لقومه بقرينة قوله: ﴿ تضل بها من تشاء ﴾ الذي هو في موضع الحال من ﴿ فتنتك ﴾ فالإضلال بها حال من أحْوالها.

ثم عرَّض بطلب الهداية لهم بقوله: ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ والمجرور في قوله ﴿ بها ﴾ متعلق بفعل ﴿ تضل ﴾ وحده ولا يتنازعه معه فعل ﴿ تهدي ﴾ لأن الفتنة لا تكون سبب هداية بقرينة تسميتها فتنة، فمن قدر في التفسير: وتهدي بها أو نحوه، فقد غفل.

والباء: إما للملابسة، أي تضل من تشاء ملابساً لها، وإما للسببية، أي تضل بسبب تلك الفتنة، فهي من جهة فتنة، ومن جهة سبب ضلال.

والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال، ومرجها، وتشتت البال، وقد مضى تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ﴾ في سورة البقرة (102).

وقوله: ﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ في سورة العقود (71) وقوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ في سورة الأنعام (23).

والقصد من جملة: ﴿ أنت ولينا ﴾ الاعتراف بالانقطاع لعبادة الله تعالى، تمهيداً لمطلب المغفرة والرحمة، لأن شأن الولي أن يرحم مولاه وينصره.

والولي: الذي له وَلاية على أحد، والوَلايةِ حلف أو عتق يقتضي النصرة والإعانة، فإن كان من جانبين متكافئين فكلا المتعاقدين يقال له مَولى، وإن كان أحد الجانبين أقوى قيل للقوي (ولي) وللضعيف (مَولى) وإذ قد كانت الولاية غير قابلة للتعدد، لأن المرء لا يتولى غيرَ مواليه، كان قوله: ﴿ أنتَ ولينا ﴾ مقتضياً عدم الانتصار بغير الله.

وفي صريحه صيغة قصر.

والتفريع عن الولاية في قوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ تفريع كلام على كلام وليس المراد أن الولي يتعين عليه الغفران.

وقدم المغفرة على الرحمة لأن المغفرة سبب لرحمات كثيرة، فإن المغفرة تنهية لغضب الله المترتب على الذنب، فإذا انتهى الغضب تسنى أن يخلفه الرضا.

والرضا يقتضي الإحسان.

و ﴿ وخيرُ الغافرين ﴾ الذي يغفر كثيراً، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى: ﴿ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ﴾ في سورة آل عمران (150).

وإنما عطف جملة: ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ لأنه خبر في معنى طلب المغفرة العظيمة، فعطف على الدعاء، كانه قيل: فاغفر لنا وارحمنا واغفر لنا جميع ذنوبنا، لأن الزيادة في المغفرة من آثار الرحمة.

و ﴿ اكتُب ﴾ مستعار لمعنى العطاء المحقَق حصوله، المجدد مرة بعد مرة، لأن الذي يريد تحقيقَ عقد أو عدة، أو عطاء، وتعلّقه بالتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفة، فلا يقبل النكران، ولا النقصان، ولا الرجوع، وتسمى تلك الكتابة عهداً، ومنه ما كتبوه في صحيفة القطيعة، وما كتبوه من حلف ذي المجاز، قال الحارث بن حلزة: حذر الجَور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء ولو كان العطاء أو التعاقد لمرة واحدة لم يحتج للكتابة، لأن الحوز أو التمكين مغن عن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ﴾ [البقرة: 282] فالمعنى: آتنا الحسنة تلو الحسنة في أزمان حياتنا وفي يوم القيامة، دل على هذا المعنى لفظ ﴿ اكتب ﴾ ولولاه لكان دعاء صادقاً باعطاء حسنة واحدة، فيحتاج إلى الاستعانة على العموم بقرينة الدعاء، فإن النكرة يراد بها العموم في سياق الدعاء كقول الحريري في المقامة الخامسة: يا أهل ذا المغنى وُقيتم ضُرا *** (أي كل ضر وليس المراد وقيتم ضرا معيّنا).

والحسنة الحالة الحسنة، وهي: في الدنيا المرضية للناس، ولله تعالى، فتجمع خير الدنيا والدين، وفي الآخرة حالة الكمال، وقد تقدم بيانها في تفسير قوله تعالى: ﴿ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ في سورة البقرة (201).

وجملة: إنا هدنا إليك} مسوقة مساق التعليل للطلب والاستجابة، ولذلك فصلت ولان موقع حرف التأكيد في أولها موقع الاهتمام، فيفيد التعليل والربط، ويغني غناء فاء السببية كما تقدم غير مرة.

و ﴿ هُدْنا ﴾ معناه تبنا، يقال: هَادَ يهود إذا رجع وتاب فهو مَضموم الهاء في هذه الآية باتفاق القراءات المتواترة والمعنى تبنا مما عسى أن نكون ألممنا به من ذنب وتقصير، وهذا إخبار عن نفسه، وعن المختارين من قومه، بما يعلم من صدق سرائرهم.

جملة: ﴿ قال ﴾ الخ جوابٌ لكلام موسى عليه السلام، فلذلك فصلت لوقوعها على طريقة المحاورة، كما تقدم غير مرة، وكلام موسى، وإن كان طلبا، وهو لا يستدعي جواباً، فإن جواب الطالب عناية به وفضْل.

والمراد بالعذاب هنا عذاب الدنيا، لأن الكلام جواب لقول موسى: ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ والإهلاك عذاب، فبيّن اللَّهُ له أن عذاب الدنيا يصيب الله به من يشاء من عباده، وقد اجمل الله سبب المشيئة وهو أعلم به، وموسى يعلمه إجمالاً، فالكلام يتضمن طمأنة موسى من أن يناله العذاب هو والبزآء من قومه، لأن الله أعظم من أن يعاملهم معاملةَ المجرمين.

والمعنى إني قادر على تخصيص العذاب بمن عصوا وتنجية من لم يشارك في العصيان، وجاء الكلام على طريقة مجملة شأن كلام مَن لا يُسأل عما يعقل.

وقوله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ مقابل قول موسى: ﴿ فاغفر لنا وارحمنا ﴾ .

وهو وعد تعريض بحصول الرحمة المسؤولة له ولمن معه من المختارين، لأنها لما وسعت كل شيء فهم أرجى الناس بها، وأن العاصين هم أيضاً مغمورون بالرحمة، فمنها رحمة الإمهال والرزق، ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة.

وقوله: ﴿ عذابي أصيب به من اشاء ﴾ إلى قوله ﴿ كل شيء ﴾ جواب إجمالي، هو تمهيد للجواب التفصيلي في قوله: ﴿ فسأكتبها ﴾ .

والتفريع في قوله: ﴿ فسأكتبها ﴾ تفريع على سعة الرحمة، لأنها لما وسعت كل شيء كان منها ما يكتب أي يعطى في المستقبل للذين أجريت عليهم الصفات ويتضمن ذلك وعداً لموسى ولصلحاء قومه لتحقق تلك الصفات فيهم، وهو وعد ناظر إلى قول موسى ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ والضمير المنصوب في ﴿ أكْتُبها ﴾ عائدِ إلى ﴿ رحمتي ﴾ فهو ضمير جنس، وهو مساو للمعرف بلام الجنس، أي اكتب فَردا من هذا الجنس لأصحاب هذه الصفات، وليس المراد أنه يكتب جميع الرحمة لهؤلاء لأن هذا غير معروف في الاستعمال في الإخبار عن الأجناس، لكن يُعلم من السياق أن هذا النوع من الرحمة نوع عظيم بقرينة الثناء على متعلِقها بصفات توذن باستحقاقها، وبقرينة السكوت عن غيره، فيعلم أن لهذا المتعلِق رحمة خاصة عظيمة وأن غيره داخل في بعض مراتب عموم الرحمة المعلومة من قوله: ﴿ وَسِعت كل شيء ﴾ وقد أفصح عن هذا المعنى الحصر في قوله في آخر الآية ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ .

وتقدم معنى ﴿ أكتبها ﴾ قريباً.

وقد تقدم معنى: ﴿ وسعت كل شيء ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ في هذه السورة (89).

والمعنى: أن الرحمة التي سألها موسى له ولقومه وعدَ اللَّهُ بإعطائِها لمن كان منهم متصفاً بأنه من المتقين والمؤتين الزكاة، ولمن كان من المؤمنين بآيات الله، والآياتُ تصدق: بدلاِئل صدق الرسل، وبكلمات الله التي شرع بها للناس رَشادهم وهديهم، ولا سيما القرآن لأن كل مقدار ثلاث آيات منه هو آية لأنهُ معجز فدال على صدق الرسول، وهو المقصود هنا، وهم الذين يتبعون الرسول الامي إذا جاءهم، أي يطيعونه فيما يأمرهم، ولما جعلت هذه الأشياء بسبب تلك الرحمة علم أن التحصيل على بعضها يحصّل بعض تلك الرحمة بما يناسبه، بشرط الإيمان، كما علم من آيات أخرى خاطب الله بها موسى كقوله آنفاً ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ [الأعراف: 153] فتشمل هذه الرحمة من اتقى وآمن وآتى الزكاة من بني إسرائيل قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فإن أتباعهم إياه متعذر الحصول قبل بعثته، ولكن يجب أن يكونوا عازمين على اتباعه عند مجيئه إن كانوا عالمين بذلك كما قال تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ [آل عمران: 81، 82].

وتشمل الرحمة أيضاً الذين يؤمنون بآيات الله، والمعنى بها الآيات التي ستجيء في المستقبل، لأن آيات موسى قد استقر الإيمان بها يومئذ، وهذا موجب إعادة اسم الموصول في ذكر أصحاب هذه الصلة، للإشارة إلى أنهم طائفة أخرى، وهم من يكون عند بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك أبدل منهم قوله: ﴿ الذين يتبعون الرسولَ ﴾ إلخ.

وهو إشارة إلى اليهود والنصارى الكائنين في زمن البعثة وبعدها لقوله: ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم ﴾ ولقوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلالَ التي كانت عليهم ﴾ فإنه يدل على أنهم كانوا أهل شريعة فيها شدة وحرج، والمراد بآيات الله: القرآن، لأن ألفاظه هي المخصوصة باسم الآيات، لأنها جُعلت معجزات للفصحاء عن معارضتها.

ودالة على أنها من عند الله وعلى صدق رسوله، كما تقدم في المقدمة الثامنة.

وفي هذه الآية بشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهي مشيرة إلى ما في التوراة من الإصحاح العاشر حتى الرابع عشر، والاصحاح الثامن عشر من سفر التثنية: فإن موسى بعد أن ذكَرهم بخطيئة عبادتهم العجل، وذكر مناجاته لله للدعاء لهم بالمغفرة، كما تضمنه الاصحاح التاسع من ذلك السفر، وذكرناه آنفاً في تفسير قوله: ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ﴾ ، ثم ذكر في الإصحاح العاشر أمرهم بالتقوى بقوله: «فالآن يا إسرائيل ما يطلب منكَ الرب إلا أن تتقي ربك لتسلك في طرقه وتحبه».

ثم ذكر فيه وفي الثلاثة بعده وصايا تفصيلاً للتقوى، ثم ذكر في الاصحاح الرابع عشر الزكاة فقال «تعشيراً تعشر كل محصول زرعك سنة بسنة عشر حنطتك وخمرك وزيتك وأبكار بقرك وغنمك، وفي آخر ثلاث سنين تخرج كل عشر محصولك في تلك السنة فتضعه في أبوابك فيأتي اللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين على أبوابك فيأكلون ويشبعون» إلخ.

ثم ذكر أحكاماً كثيرة في الإصحاحات الثلاثة بعده.

ثم في الإصحاح الثامن عشر قوله: «يُقيم لك الرب نبياً ومن وسط إخواتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبتُ من الرب في حُوريب (أي جبل الطور حين المناجاة) يوم الاجتماع قال لي الرب أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» فدل هذا على أن هذا النبي من غير بني إسرائيل لقوله: «من وسط أخوتك» فإن الخطاب لبني إسرائيل، ولا يكونون إخوة لأنفسهم.

وإخوتُهم هم أبناء أخي أبيهم: إسماعيل أخي إسحاق، وهم العرب، ولو كان المراد به نبيئاً من بني إسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم، وعُلم أن النبي رسول بشرع جديد من قوله: «مثلك» فإن موسى كان نبياً رسولاً، فقد جمع القرآن ذلك كله في قوله: ﴿ للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ إلخ.

ومن نكت القرآن الجمع في هذه الآية بين وصفي النبوة والرسالة للإشارة إلى أن اليهود بدّلوا وصف الرسول، وعبروا عنه بالنبي، ليصدق على أنبياء ليصدق على أنبياء بني إسرائيل، وغفلوا عن مفاد قوله مثلك، وحذفوا وصف الأمي، وقد كانت هذه الآية سبب إسلام الحبر العظيم الأندلسي السموأل بن يحيى اليهودي، كما حكاه عن نفسه في كتابه الذي سماه «غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود».

فهذه الرحمة العظيمة تختص بالذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وتشمل الرسل والأنبياء الذين أخذ الله عليهم العهد بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فكانوا عالمين ببعثته يقيناً فهم آمنوا به، وتنزلوا منزلة من اتبع ما جاء به، لأنهم استعدوا لذلك، وتشمل المسلمين من العرب وغيرهم غير بني إسرائيل، لأنهم ساروا من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام من اليهود في اتباع الرسول النبي الأمي.

وتقديم وصف الرسول لأنه الوصف الأخص الأهم، ولأن في تقديمه زيادة تسجيل لتحريف أهل الكتاب، حيث حذفوا هذا الوصف ليصير كلام التوراة صادقاً بمن أتى بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل، ولأن محمداً صلى الله عليه وسلم اتشهر بوصف النبي الأمي، فصار هذا المركب كاللقب له، فلذلك لا يغير عن شهرته، وكذلك هو حيثما ورد ذكره في القرآن.

والأمي: الذي لا يعرف الكتابة والقراءة، قيل هو منسوب إلى الأم أي هو أشبه بأمه منه بأبيه، لأن النساء في العرب ما كُنّ يعرفن القراءة والكتابة، وما تعلمْنها إلاّ في الإسلام، فصار تعلم القراءة والكتابة من شعار الحرائر دون الإماء كما قال عُبيْد الراعي، وهو إسلامي: هُنَّ الحرائِر لا ربّاتُ أخمرَة *** سُودُ المحاجِر لا يقْرأن بالسّوَرِ أما الرجال ففيهم من يقرأ ويكتب.

وقيل: منسوب إلى الأمّة أي الذي حاله حال معظم الأمة، أي الأمة المعهودة عندهم وهي العربية، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلاّ النادر منهم، ولذلك يصفهم أهلُ الكتاب بالأُمييّن، لما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيل ﴾ في آل عمران (75).

والأميّة وصف خص الله به من رسله محمداً، إتماماً للإعجاز العلمي العقلي الذي أيده الله به، فجعل الأمية وصفاً ذاتياً له، ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة، ليظهر أن كماله النفساني كمالٌ لدُنّي إلهي، لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان، لأنه لمّا حصل له من المعرفة وسداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق، وكان على يقين من علمه، وبينة من أمره، ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنّما هو من فيوضات إلهية.

ومعنى: يجدونه مكتوباً } وجدان صفاته ونعوته، التي لا يشبهه فيها غيره، فجعلت خاصته بمنزلة ذاته.

وأطلق عليها ضمير الرسول النبي الأمي مجازاً بالاستخدام، وإنما الموجود نعته ووصفه، والقرينة قوله: ﴿ مكتوباً ﴾ فإن الذات لا تكتب، وعُدل عن التعبير بالوصف للدلالة على أنهم يجدون وصفاً لا يقبل الالتباس، وهو: كونه أمياً، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويُحل الطيبات، ويحرم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، وشدة شريعتهم.

وذكرالإنجيل هنا لأنه منزل لِبني إسرائيل، وقد آمن به جمع منهم ومن جاء بعدهم من خلفهم، وقد أعلم الله موسى بهذا.

والمكتوب في التوراة هو ما ذكرناه آنفاً، والمكتوب في الإنجيل بشارات جمة بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي بعضها التصريح بأنه يبعث بعثة عامة، ففي إنجيل متّى في الإصحاح الرابع والعشرين «ويقوم أنبياء كذَبةٌ كثيرون ويُضلون كثيرون، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى (أي يدوم شرعه إلى نهاية العالم) فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى» (أي منتهى الدنيا)، وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر «وإما المُعزّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلتُه لكم» (ومعنى باسمي أي بمماثلتي وهو كونه رسولاً مشرعاً لا نبيّاً موكداً).

وتقدم ذكر التوراة والإنجيل في أول سورة آل عمران.

وجملة: ﴿ يأمرهم بالمعروف ﴾ قال أبو علي الفارسي: «هي بيان للمكتوب عندهم ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير ﴿ يجدونه ﴾ لأن الضمير راجع للذكر والاسم.

والذكر والاسم لا يأمران» أي فتعين كون الضمير مجازاً، وكون الآمر بالمعروف هو ذات الرسول لا وصفه وذِكرُه، ولا شك أن المقصود من هذه الصفات تعريفهم بها؛ لتدلهم على تعيين الرسول الأمي عند مجيئه بشريعة هذه صفاتها.

وقد جعل الله المعروف والمنكر، والطيبات، والخبائث، والإصر والأغلال متعلقات لتشريع النبي الأمي وعلامات، فوجب أن يكون المراد منها ما يتبادر من معاني ألفاظها للأفهام المستقيمة.

فالمعروفُ شامل لكل ما تقبلُه العقول والفطر السليمة، والمنكر ضده، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى: ﴿ ولتْكُن منكم أمة يَدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ في سورة آل عمران (104).

ويجمعها معنى: الفطرة، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها ﴾ [الروم: 30]، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية.

والطيبات: جمع طيبة، وقد روعي في التأنيث معنى الأكِيلة، أو معنى الطُّعمة، تنبيهاً على أن المراد الطيبات من المأكولات، كما دل عليه قوله في نظائِرها نحو: ﴿ يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ في البقرة (168) وقوله: ﴿ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ﴾ في سورة المائدة (4)، وليس المراد الأفعال الحسنة؛ لأن الأفعال عُرّفت بوصف المعروف والمنكر.

والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبُولها ومرفوضها، وإنما تمتلك الناسَ فيها عوائِدُهم، ولما كان الإسلام دينَ الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه، ناط حال المأكولات بالطّيب وحرمتها بالخُبث، فالطّيب ما لا ضُر فيه ولا وخامَة ولا قذارة، والخبيثُ ما أضر، أوْ كان وَخيم العاقبة، أو كان مستقذراً لا يقبله العقلاء، كالنجاسة، وهذا ملاك المُباح والمحرم من المآكل، فلا تدخل العادات إلاّ في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح، فقد كانت قريش لا تأكل الضب، وقد وُضع على مَائدة رسول الله فكره أن يأكل منه، وقال: ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافُه ولهذا فالوجه: إن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح، وقد يكون مكروهاً اعتباراً بمضرة خفيفة، فلذلك ورد النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومحمله عند مالك في أشهر الروايات عنه، على الكراهة، وهو الذي لا ينبغي التردد فيه، وأي ضُر في أكل لحم الأسد، وكذلك إباحة أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية، لاختلاف عوائِد الناس في أكلها وعدمه، فقد كانت جَرْم لا يأكلون الدجاج، وَفقعس يأكلون الكلب، فلا يحجر على قوم لأجل كراهية غيرهم مما كرهه ذوقه أو عادة قومه، وقد تقدم شيء من هذا في آية سورة المائِدة، فعلى الفقيه أن يقصر النظر على طبائِع المأكولات وصفاتها، وما جهلت بعض صفاته وحرمته الشريعة مثل تحريم الخنزير.

وَوْضع الإصر إبطال تشريعه، أي بنسخ ما كان فيه شدة من الشرايع الإلهية السابقة، وحقيقة الوضع الحط من علو إلى سفل، وهو هنا مجاز في إبطال التكليف بالأعمال الشاقة.

وحقه التعدية إلى المفعول الثاني بحرف (في) الظرفية، فإذا عُدي إليْه ب (عن) دل على نقل المفعول الأول من مدخول (عن) وإذا عدي إلى المفعول الثاني ب (على) كان دالاً على حط المفعول الأول في مدخول (على) حطا متمكناً، فاستعير يضعُ عنهم} هنا إلى إزالة التكليفات التي هي كالإصر والأغلال فيشمل الوضْعُ معنى النسخ وغيره، كما سيأتي.

و«الإصر» ظاهر كلام الزمخشري في «الكشاف» و«الأساس» إنه حقيقة في الثّقل، (بكسر الثاءِ) الحسيّ بحيث يَصعب معه التحرك، ولم يقيده غيره من أصحاب دواوين اللغة، وهذا القيد من تحقيقاته، وَهو الذي جرى عليه ظاهر كلام ابن العربي في «الأحكام»، والمراد به هنا التكاليف الشاقة والحرج في الدين، فإن كان كما قيده الزمخشري يكن ﴿ ويضع عنهم أصرهم ﴾ تمثيلية بتشبيه حال المزال عنه ما يحْرجه من التكاليف بحال مَن كان محمّلاً بثقل فأزيل عن ظهره ثَقله، كما في قوله تعالى: ﴿ يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ [الأنعام: 31] وإن لم يكن كذلك كان «الإصر» استعارة مكنية ﴿ ويضع ﴾ تخييلاً، وهو أيضاً استعارة تبعية للإزالة.

وقد كانت شريعة التوراة مشتملة على أحكام كثيرة شاقة مثل العقوبة بالقتل على معاص كثيرة، منها العمل يومَ السبتتِ، ومثلُ تحريم مأكولات كثيرة طيبة وتغليظ التحريم في أمور هينة، كالعمل يوم السبت، وأشد ما في شريعة التوراة من الإصر أنها لم تشرع فيها التوبة من الذنوب، ولا استتابة المُجرم، والإصر قد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ في سورة البقرة (286) وقرأ ابن عامر وحده في القراءات المشهورة، (آصارهم) بلفظ الجمع، والجمع والإفراد في الأجناس سواء.

والأغلالُ } جمع غُل بضم الغين وهو إطار من حديد يجعل في رقبة الأسير والجاني ويمسك بسير من جلد، أو سلسلة من حديد بيد المُوكّل بحراسة الأسير، قال تعالى: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ [غافر: 71] ويستعار الغُل للتكليف والعمل الذي يؤلم ولا يطاق فهوَ استعارة فإن بنيْنا على كلام الزَمخشري كان ﴿ الأغلال ﴾ تمثيلية بتشبيه حال المحرر من الذل والإهانة بحال من أطلق من الأسر، فتعيّن أن وضع الأغلال استعارة لما يعانيه اليهود من المذلة بين الأمم الذين نزلوا في ديارهم بعد تخريب بيت المقدس، وزوال ملك يهوذا، فإن الإسلام جاء بتسوية أتباعه في حقوقهم في الجامعة الإسلامية، فلا يبقى فيه مَيز بين أصيل ودخيل، وصميم ولصيق، كما كان الأمر في الجاهلية، ومناسبة استعارة الأغلال للذلة أوضح، لأن الأغلال من شعار الإذلال في الأسر والقود ونحوهما.

وهذان الوصفان لهما مزيد اختصاص باليهود، المتحدث عنهم في خطاب الله تعالى لموسى، ولا يتحققان في غيرهم ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قد كان لهم شرع، وكان فيه تكاليف شاقة، بخلاف غير اليهود من العرب والفرس وغيرهم، ولذلك أضاف الله الإصر إلى ضميرهم، ووَصف الأغلال بما فيه ضميرهم، على أنك إذا تأملت في حال الأمم كلهم قبل الإسلام لا تجد شرائعهم وقوانينهم وأحوالهم خالية من إصر عليهم، مثل تحريم بعض الطيبات في الجاهلية، ومثل تكاليف شاقة عند النصارى والمجوس لا تتلاقى مع السماحة الفطرية، وكذلك لا تجدها خالية من رهق الجبابرة، وإذلال الرؤساء، وشدة الأقوياء على الضعفاء، وما كان يحدث بينهم من التقاتل والغارات، والتكايُل في الدماء، وأكلهم أموالهم بالباطل، فأرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بديننِ من شأنه أن يخلص البشر من تلك الشدائِد، كما قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] ولذلك فسرنا الوضع بما يَعم النسخ وغيره، وفسرنا الأغلال بما يخالف المراد من الأصر، ولا يناكد هذا ما في أديان الجاهلية والمجوسية وغيرها من التحلل في أحكام كثيرة، فإنه فساد عظيم لا يخفف وطأة ما فيها من الإصر، وهو التحلل الذي نظر إليه أبو خِراش الهُذلي في قوله، يَعْني شريعة الإسلام: فليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحَاطت بالرقاب السلاسل والفاء في قوله: ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ فاء الفصيحة، والمعنى: إذا كان هذا النبي كما علمتم من شهادة التوراة والإنجيل بنبوءته، ومن اتصاف شرعه بالصفة التي سمعتم، علمتم أن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا هديه، هم المفلحون.

والقصر المستفاد من تعريف المسند ومن ضمير الفصل قصر إضافي، أي هم الذين أفلحوا أي دون من كفر به بقرينة المقام، لأن مقام دعاء موسى يقتضي أنه أراد المغفرة والرحمة وكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة لكل من اتبع دينه، ولا يريد موسى شمول ذلك لمن لا يتبع الإسلام بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم ولكن جرى القصر على معنى الاحتراس من الإيهام، ويجوز أن يكون القصر ادعائياً، دالاً على معنى كمال صفة الفلاح للذين يتبعون النبي الأمي، ففلاح غيرهم من الأمم المفلحين الذين سبقوهم كلاَ فلاح، إذا نُسب إلى فلاحهم، أي إن الأمة المحمدية أفضل الأمم على الجملة، وإنهم الذين تنالهم الرحمة الإلهية التي تسع كل شيء من شؤونهم قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107].

ومعنى ﴿ عزروه ﴾ أيدوه وقّووْه، وذلك بإظهار ما تضمنته كتبهم من البشارة بصفاته، وصفات شريعته، وإعلان ذلك بين الناس، وذلك شيء زائِد على الإيمان به، كما فعل عبد الله بن سَلاَم، وكقول ورقة بن نوفل: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى»، وهو أيضاً مغاير للنصر، لأن النصر هو الإعانة في الحرب بالسلاح، ومن أجل ذلك عطف عليه ﴿ ونصروه ﴾ .

واتّباع النور تمثيل للاقتداء بما جاء به القرآن: شبه حال المقتدي بهدي القرآن، بحال الساري في الليل إذا رأى نوراً يلوح له اتّبعه، لعلمه بأنه يجد عنده منجاة من المخاوف وأضرار السير، وأجزاءُ هذا التمثيل استعارات، فالإتباع يصلح مستعاراً للاقتداء، وهو مجاز شائِع فيه، والنور يصلح مستعاراً للقرآن؛ لأن الشيء الذي يعلّم الحقّ والرشد يشبّه بالنور، وأحسن التمثيل ما كان صالحاً لاعتبار التشبيهات المفردة في أجزائه.

والإشارة في قوله: ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ للتنويه بشأنهَم، وللدلالة على أن المشار إليهم بتلك الأوصاف صاروا أحرياء بما يخبر به عنهم بعد اسم الإشارة كقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].

وفي هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، ويُلحق بهم من نصر دينه بعدهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ ﴾ في الحَسَنَةِ هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها النِّعْمَةُ سُمِّيَتْ حَسَنَةً لِحُسْنِ مَوْقِعِها في النُّفُوسِ.

والثّانِي: أنَّها الثَّناءُ الصّالِحُ.

والثّالِثُ: أنَّها مُسْتَحَقّاتُ الطّاعَةِ.

﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ تُبْنا إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ.

والثّانِي: رَجَعْنا بِالتَّوْبَةِ إلَيْكَ، لِأنَّهُ مِن هادَ يَهُودُ إذا رَجَعَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والثّالِثُ: يَعْنِي تَقَرَّبْنا بِالتَّوْبَةِ إلَيْكَ مِن قَوْلِهِمْ: ما لَهُ عِنْدَ فُلانٍ هَوادَةٌ، أيْ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ سَبَبٌ يُقَرِّبُهُ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن أشاءُ مِن خَلْقِي كَما أُصِيبُ بِهِ قَوْمَكَ.

الثّانِي: مَن أشاءُ في التَّعْجِيلِ والتَّأْخِيرِ.

﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ مَخْرَجَها عامٌّ ومَعْناها خاصٌّ، تَأْوِيلُ ذَلِكَ: ورَحْمَتِي وسَعَتِ المُؤْمِنِينَ بِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الآيَةَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها عَلى العُمُومِ في الدُّنْيا والخُصُوصِ في الآخِرَةِ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: ورَحْمَتِي وسَعَتْ في الدُّنْيا البَرَّ والفاجِرَ، وفي الآخِرَةِ هي لِلَّذِينِ اتَّقَوْا خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها التَّوْبَةُ، وهي عَلى العُمُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الشِّرْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَتَّقُونَ المَعاصِيَ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زَكاةُ أمْوالِهِمْ لِأنَّها مِن أشَقِّ فَرائِضِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: مَعْناهُ أيْ يُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، وذَهَبا إلى أنَّهُ العَمَلُ بِما يُزَكِّي النَّفْسَ ويُطَهِّرُها مِن صالِحاتِ الأعْمالِ.

فَأمّا المُكَنّى عَنْهُ بِالهاءِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ فَقَدْ قِيلَ إنَّ مُوسى لَمّا انْطَلَقَ بِوَفْدِ بَنِي إسْرائِيلَ كَلَّمَهُ اللَّهُ وقالَ: إنِّي قَدْ بَسَطْتُ لَهُمُ الأرْضَ طَهُورًا ومَساجِدَ يُصَلُّونَ فِيها حَيْثُ أدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ إلّا عِنْدَ مِرْحاضٍ أوْ قَبْرٍ أوْ حَمّامٍ، وجَعَلَتُ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ، وجَعَلْتُهم يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ عَنْ ظَهْرِ ألْسُنِهِمْ، قالَ فَذَكَرَ مُوسى ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا لا نَسْتَطِيعُ حَمْلَ السَّكِينَةِ في قُلُوبِنا فاجْعَلْها لَنا في تابُوتٍ، ولا نَقْرَأُ التَّوْراةَ إلّا نَظَرًا، ولا نُصَلِّي إلّا في السَّكِينَةِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ يَعْنِي ما مَضى مِنَ السَّكِينَةِ والصَّلاةِ والقِراءَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَن هم فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله: ﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ قال: فلم يعطها موسى ﴿ قال عذابي أصيب به من أشاء ﴾ إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ قال: فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جرير ﴿ واكتب لها في هذه الدنيا حسنه ﴾ قال: مغفرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ قال: تبنا إليك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ قال: تبنا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وجزة السعدي وكان من أعلم الناس بالعربية قال: لا والله لا أعلمها في كلام أحد من العرب ﴿ هدنا ﴾ قيل: فكيف قال: هدنا بكسر الهاء؟

يقول: ملنا.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قالا: وسعت في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قال: رحمته في الدنيا على خلقه كلهم يتقلبون فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سماك بن الفضل.

أنه ذكر عنده أي شيء أعظم، فذكروا السموات والأرض وهو ساكت فقالوا: ما تقول يا أبا الفضل؟

فقال: ما من شيء أعظم من رحمته، قال الله تعالى ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو داود عن جندب بن عبد الله البجلي قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نادى: اللهمَّ ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حظرت رحمة واسعة، أن الله خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها، وعنده تسعة وتسعون» .

وأخرج أحمد ومسلم عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسع وتسعون إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان موقوفاً وابن مردويه عن سلمان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السموات والأرض، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، فأهبط منها رحمة إلى الأرض، فيها تراحم الخلائق، وبها تعطف الوالدة على ولدها، وبها يشرب الطير والوحوش من الماء، وبها تعيش الخلائق، فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثم أفاضها على المتقين، وزاد تسعاً وتسعين رحمة، ثم قرأ ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ﴾ » .

وأخرج الطبراني عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه، الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، يدخلني الجبابرة والملوك والأشراف.

وقالت الجنة: يا رب، يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين.

فقال الله للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال: لما نزلت ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قال إبليس: يا رب، وأنا من الشيء.

فنزلت ﴿ فسأكتبها للذين يتقون...

﴾ الآية.

فنزعها الله من إبليس.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: لما نزلت ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قال: إبليس: وأنا من الشيء.

فنسخها الله، فأنزل ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: لما نزلت ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قال: إبليس: أنا من كل شيء.

قال الله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ﴾ قالت يهود: فنحن نتقي ونؤتي الزكاة.

قال الله: ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ﴾ فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه.

وأخرج البيهقي في الشعب عن سفيان بن عيينة قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ مد إبليس عنقه فقال: أنا من الشيء.

فنزلت ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ فمدت اليهود والنصارى أعناقها فقالوا: نحن نؤمن بالتوراة والإِنجيل، ونؤدي الزكاة.

فاختلسها الله من إبليس واليهود والنصارى، فجعلها لهذه الأمة خاصة فقال: ﴿ الذين يتبعون...

﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار في مسنده وابن مردويه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه مسألة فأعطاها محمداً صلى الله عليه وسلم.

قوله: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ إلى قوله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ فأعطى محمداً صلى الله عليه وسلم كل شيء.

سأل موسى ربه في هذه الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ قال: كتبها الله لهذه الأمة.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: دعا موسى فبعث الله سبعين، فجعل دعاءه حين دعاه آمن بمحمد، واتبعه قوله: ﴿ فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين،...

فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين يتبعون محمداً ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ قال يتقون الشرك.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال موسى: يا ليتني أخرت في أمة محمد.

فقالت اليهود لموسى: أيخلق ربك خلقاً ثم يعذبهم؟

فأوحى الله إليه: يا موسى ارزع.

قال: قد زرعت.

قال: أحصد.

قال: قد حصدت.

قال: دس.

قال: قد دست.

قال: ذر.

قال: قد ذريت.

قال: فما بقي؟

قال: ما بقي شيء فيه خير.

قال: كذلك لا أعذب من خلقي إلا من لا خير فيه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أنه سئل عن أبي بكر وعمر فقال: إنهما من السبعين الذين سألهم موسى بن عمران فاخراً حتى أعطيهما محمداً صلى الله عليه وسلم.

قال: وتلا هذه الآية ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم الجمعة نزل جبريل عليه السلام إلى المسجد الحرام، فركز لواءه بالمسجد الحرام وغدا بسائر الملائكة إلى المساجد التي يجمع فيها يوم الجمعة، فركزوا ألويتهم وراياتهم بأبواب المساجد، ثم نشروا قراطيس من فضة وأقلاماً من ذهب، ثم كتبوا الأول فالأول من بكَّر إلى الجمعة، فإذا بلغ من في المسجد سبعين رجلاً قد بكروا طووا القراطيس، فكان أولئك السبعون كالذين اختارهم موسى من قومه، والذين اختارهم موسى من قومه كانوا أنبياء» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا راح منا إلى الجمعة سبعون رجلاً كانوا كسبعين موسى الذين وفدوا إلى ربهم أو أفضل» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ النبي الأمي ﴾ قال: كان لا يكتب ولا يقرأ.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ الرسول النبي الأمي ﴾ قال: هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «خرج علينا رسول الله صلى عليه وسلم يوماً كالمودع فقال: أنا محمد النبي الأمي، أنا محمد النبي الأمي، أنا محمد النبي الأمي، ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت خزنة النار وحملة العرش، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم كتاب الله، أحلوا حلاله وحرِّموا حرامه» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وان الشهر كذا وكذا، وضرب بيده ست مرات وقبض واحدة» .

وأخرج أبو الشيخ من طريق مجالد.

قال حدثني عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب، فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال: صدق، سمعت أصحابنا يقولون ذلك.

قوله تعالى: ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل ﴾ .

أخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل ﴾ قال: يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوباً عندهم.

وأخرج ابن سعد عن قتادة قال: بلغنا أن نعت رسول الله صلى عليه وسلم في بعض الكتب محمد رسول الله ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون على كل حال.

وأخرج ابن سعد وأحمد عن رجل من الأعراب قال: جلبت حلوية إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا الرجل ولأسمعن منه.

فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشيان، فتبعتهما حتى أتيا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟

فقال برأسه هكذا؛ أي لا.

فقال ابنه: أي والذي أنزل التوراة إن لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فقال: أقيموا اليهودي عن أخيكم، ثم ولي كفنه والصلاة عليه» .

وأخرج ابن سعد والبخاري وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ [ الأحزاب: 45] وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله.

ويفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.

وأخرج ابن سعد والدارمي في مسنده والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ [ الأحزاب: 45] وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله.

ويفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفا.

وأخرج الدارمي عن كعب قال: في السطر الأول: محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام.

وفي السطر الثاني: محمد رسوله الله أمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم، وأصواتهم بالليل في جوّ السماء كأصوات النحل.

وأخرج ابن سعد والدارمي وابن عساكر عن أبي فروة عن ابن عباس.

إنه سأل كعب الأحبار كيف قد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمادون يحمدون الله في كل سراء، ويكبرون الله على كل نجد، ويوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جوّ السماء.

وأخرج أبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب: كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟

قال: نجده موصوفاً فيها محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، وأعطى المفاتيح ليبصر الله به أعيناً عوراً، ويسمع به آذاناً صماً، ويقيم به السنة معوجة حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف.

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صفتي أحمد المتوكل مولده بمكة ومهاجره إلى طيبة، ليس بفظ ولا غليظ، يجزي بالحسنة الحسنة ولا يكافئ بالسيئة، أمته الحمادون يأتزرون على أنصافهم، ويوضئون أطرافهم، أناجيلهم في صدورهم، يصفون للصلاة كما يصفون للقتال، قربانهم الذي يتقربون به إلى دمائهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار» .

وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: إن أبي كان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى، وكان لم يدخر عني شيئاً مما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني، إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئاً مما كنت أعلمه، إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما: نبي يبعث قد أظل زمانه فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما، فلا تعرضن لهما ولا تنظرن فيهما حينك هذا، فإن الله إن يرد بك خيراً ويخرج ذلك النبي تتبعه، ثم أنه مات فدفناه فلم يكن شيء أحب إليّ من أن أنظر في الورقتين، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين؟

فإذا فيهما: محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ويجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويصفح، وأمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، تذلل ألسنتهم بالتكبير وينصر نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدروهم وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم.

فمكث ما شاء الله ثم بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة، فأخرت حتى استثبت، ثم بلغني أنه توفي وأن خليفته قد قام مقامه، وجاءتنا جنوده فقلت: لا أدخل في هذا الدين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدمت علينا عمال عمر بن الخطاب، فلما رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر، فوالله إني لذات ليلة فوق سطحي، فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً...

﴾ [ النساء: 47] الآية.

فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي، فما كان شيء أحب إليّ من الصباح فغدوت على المسلمين.

وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب «أن يهودياً كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير، فتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما عندي ما أعطيك.

قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني.

قال: إذن أجلس معك يا محمد فجلس معه فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتهددون اليهودي ويتوعدونه، فقالوا: يا رسول الله، يهودي يحبسك؟

قال: منعني ربي أن أظلم معاهداً ولا غيره، فلما ترحل النهار أسلم اليهودي وقال: شطر مالي في سبيل الله، أما ولله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحشاء ولا قوّال للخنا» .

وأخرج ابن سعد عن الزهري.

أن يهودياً قال: ما كان بقي شيء من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة إلا رأيته إلا الحلم، وإني أسلفته ثلاثين ديناراً في ثمر إلى أجل معلوم، فتركته حتى إذا بقي من الأجل يوم أتيته فقلت: يا محمد، اقضني حقي فإنكم معاشر بني عبد المطلب مطل.

فقال عمر: يا يهودي الخبيث، أما والله لولا مكانه لضربت الذي فيه عيناك، فقال رسول الله صلى عليه وسلم «غفر الله لك يا أبا حفص، نحن كنا إلى غير هذا منك أحوج إلى أن تكون أمرتني بقضاء ما عليّ، وهو إلى أن تكون أعنته على قضاء حقه أحوج فلم يزده جهلي عليه إلا حلماً.

قال: يا يهودي، إنما يحل حقك غداً، ثم قال: يا أبا حفص، أذهب به إلى الحائط الذي كان سأل أوّل يوم، فإن رضيه فاعطه كذا وكذا صاعاً وزده لما قلت له كذا وكذا صاعاً وزده، فإن لم يرض فاعط ذلك من حائط كذا وكذا» ، فأتى بي الحائط فرضي تمره فأعطاه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أمره من الزيادة، فلما قبض اليهودي تمره قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وأنه والله ما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلا أني قد كنت رأيت في رسول الله صفته في التوراة كلها إلا الحلم، فاختبرت حلمه اليوم فوجدته على ما وصف في التوراة، وإني أشهدك أن هذا التمر وشطر مالي في فقراء المسلمين.

فقال عمر: فقلت: أو بعضهم؟

فقال: أو بعضهم.

قال: وأسلم أهل بيت اليهودي كلهم إلا شيخ كان بان مائة سنة فعسا على الكفر.

وأخرج ابن سعد عن كثيِّر بن مرة قال: إن الله يقول: لقد جاءكم رسول ليس بوهن ولا كسل، يفتح أعيناً كانت عمياً، ويسمع آذاناً كانت صماً، ويختن قلوباً كانت غلفاً، ويقيم سنة كانت عوجاء، حتى يقال: لا إله إلا الله.

وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس فقال «أخرجوا إليَّ أعلمكم» فقالوا: عبد الله بن صوريا.

فخلا به رسول الله صلى عليه وسلم، فناشده بدينه وبما أنعم به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام، «أتعلم أني رسول الله؟» قال: اللهمَّ نعم، وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك المبين في التوراة ولكنهم حسدوك.

قال: «فما يمنعك أنت؟» قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم.

وأخرج الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن الفلتان بن عاصم قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أتقرأ التوراة؟» قال: نعم قال: «والإِنجيل؟» قال: نعم.

فناشده هل تجدني في التوراة والإِنجيل؟

قال: نجد نعتاً مثل نعتك ومثل هيئتك ومخرجك، وكنا نرجو أن تكون منا، فلما خرجت تخوَّفنا أن تكون هو أنت، فنظرنا فإذا ليس أنت هو.

قال: «ولم ذاك؟» قال: إن معه من أمته سبعين ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، وإنما معك نفر يسير.

قال: «والذي نفسي بيده لأنا هو، إنهم لأمتي وأنهم لأكثر من سبعين ألفاً وسبعين ألفاً» .

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعثت قريش النظر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم: سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقدموا المدينة فقالوا: أتيناكم لأمر حدث فينا، منا غلام يتيم يقول قولاً عظيماً، يزعم أنه رسول الرحمن قالوا: صفوا لنا نعته.

فوصفوا لهم قالوا: فمن تبعه منكم؟

قالوا: سفلتنا.

فضحك حبر منهم فقال: هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب قال: كان في بني إسرائيل رجل عصى الله تعالى مائتي سنة، ثم مات فأخذوه فألقوه على مزبلة، فأوحى الله إلى موسى عليه السلام: أن أخرج فصلِّ عليه قال: يا رب، بنو إسرائيل شهدوا أنه عصاك مائتي سنة، فأوحى الله إليه: هكذا كان لأنه كان كلما نشر التوراة، ونظر إلى اسم محمد صلى الله عليه وسلم قبَّله وضعه على عينيه وصلى عليه، فشكرت له ذلك وغفرت ذنوبه وزوّجته سبعين حوراء.

وأخرج ابن سعد والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإِنجيل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: «قدم الجارود بن عبد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال: والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإِنجيل ولقد بشَّر بك ابن البتول» .

وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال: قرأت في الإِنجيل نعت محمد صلى الله عليه وسلم: إنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو طمرين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة ويلبس قميصاً مرقوعاً، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر، وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل عليه السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أوحى الله تعالى إلى شعيب «إني باعث نبياً أمياً أفتح به آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب المتحبب المختار، لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح رحيماً بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوّال للخنا، يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع يعني اليابس لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشراً ونذيراً، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبرَّ شعاره، والمغفرة والمعروف حليته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإِسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به من بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب، وأهواء متشتتة وأمم مختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، آمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وتوحيداً لي وإيماناً بي وإخلاصاً لي وتصديقاً لما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس.

طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، أُلهمهم التسبيح والتكبير والتمجيد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، ويصفُّون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قياماً وقعوداً وسجوداً، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفاً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً، اختم بكتبهم الكتب، وشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، من أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني وهو مني بريء، واجعلهم أفضل الأمم، واجعلهم أمة وسطاء شهداء على الناس، إذا عضبوا هللوني، وإذا قبضوا كبَّروني، وإذا تنازعوا سبَّحوني، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، مناديهم في جو السماء، لهم دوي كدوي النحل، طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال: إن الله أوحى في الزبور «يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقاً نبياً لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً، وقد غفرت له أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم، يا داود إني فضَّلت محمداً وأمته على الأمم، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافاً مضاعفة، ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أؤخره لهم في الآخرة، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صباً، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبدالله بن عمرو قال: أجد في الكتب أن هذه الأمة تحب ذكر الله كما تحب الحمامة وكرها، ولهم أسرع إلى ذكر الله من الإِبل إلى وردها يوم ظمئها.

قوله تعالى: ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ﴾ الآية.

أخرج الطبراني عن حبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل من الأعراب يستفتيه عن الرجل، ما الذي يحل له والذي يحرم عليه في ماله ونسكه وماشيته وعنزه وفرعه من نتاج إبله وغنمه؟

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلَّ لك الطيبات وحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام فتأكل منه حتى تستغني عنه.

قال: ما فقري الذي آكل ذلك إذا بلغته؟

أمْ ما غناي الذي يغنيني عنه؟

قال: إذا كنت ترجو نتاجاً فتبلغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو عشاء تصيبه مدركاً فتبلغ إليه بلحوم ماشيتك، وإذا كنت لا ترجو من ذلك شيئاً فاطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه.

قال الأعرابي: وما عشائي الذي أدعه إذا وجدته؟

قال: إذا رويت أهلك غبوقاً من اللبن فاجتنب ما حرم عليك من الطعام، وأما مالك فإنه ميسور كله ليس منه حرام غير أن في نتاجك من إبلك فرعاً، وفي نتاجك من غنمك فرعاً تغذوه ماشيتك، حتى تستغني، ثم إن شئت فاطعمه أهلك وإن شئت تصدَّق بلحمه، وأمره أن يعقر من الغنم في كل مائة عشراً» .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ قال: الحلال ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: التثقيل الذي كان في دينهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ قال: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلون من المحرمات من المآكل التي حرَّمها الله.

وفي قوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: هو ما كان أخذ الله عليهم من الميثاق فيما حرم عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: عهدهم ومواثيقهم في تحريم ما أحلَّ الله لهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة والإِنجيل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: التشديد في العبادة، كان أحدهم يذنب الذنب فيكتب على باب داره: إن توبتك أن تخرج أنت وأهلك ومالك إلى العدو فلا ترجع حتى يأتي الموت على آخركم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا أصابهم ونحوه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله: ﴿ والأغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: الشدائد التي كانت عليهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ويضع عنه إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: تشديد شدد على القوم، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالتجاوز عنهم.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: ما غلظوا على أنفسهم من قطع أثر البول، وتتبع العروق في اللحم وشبهه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: عهدهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عزروه ﴾ يعني عَظَّموه وَوَقَّروه.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وعزَّروه ونصروه ﴾ قال: بالسيف.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وعزَّروه ﴾ يقول: نصروه.

قال: فأما نصره وتعزيزه وقد سبقتم به، ولكن خيركم من آمن واتبع النور الذي أنزل معه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاده ﴿ وعزَّروه ﴾ قال: شددوا أمره وأعانوا رسوله ونصروه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وعزروه ﴾ مثقلة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ .

أي: أوجب لنا، والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب، وقد مضى ذلك، وسؤالهم الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله عنهم في قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً  ﴾ .

ومضى تفسير هذه الآية.

و (١) ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ ، قال: (يريد: حسنة، يعني: الجنة) (٢) ﴿ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ حسنة.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ .

قال جميع المفسرين (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: على الذنب اليسير) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .

قد ذكرنا (٧) (٨) والأحسن في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه الحسن وقتادة (٩) (١٠) (١١) (١٢) أحدهما: (أن الرحمة يراد بها الصنع والأفضال، وما يخلو من صنع الله وأفضاله مؤمنٌ ولا كافر، كالمطر يسمى الرحمة، وما خرج منه كافر ولا غيره)، وهذا معنى ما ذكرنا عن المفسرين أنهم قالوا: (رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر).

الوجه الثاني: (أن رحمته (١٣) (١٤) ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، يعني: مما يجوز أن يفتح عليهم، وكذلك (١٥) ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

معناه: من الأشياء التي يمكن أن يؤتاها مثلها.

وهذا مذهب جماعة المفسرين (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ، يعني: فسأوجبها في الآخرة ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ، وهذا معنى قول المفسرين (١٩) (٢٠) ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ إلى آخر الآية.

قال ابن عباس: ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ (يريد: أمة محمد  ) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: صدقات الأموال عند محلها) (٢٢) وروي أيضًا عنه أنه قال في قوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ : (يطيعون الله ورسوله) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قال: (يريد: بما أنزلت (٢٦) (٢٧) قال المفسرون (٢٨) ﴿ وَاكْتُبْ لَنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ .

فسألوه النعمة في الدنيا والآخرة، وتقربوا إليه بالتوبة من المعاصي، فأخبرهم الله تعالى أنه واسع الرحمة بقوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ، فكانوا هم من جملة من وسعتهم الرحمة، ثم خص أمة محمد  بذكرهم وأوجب لهم الرحمة بقوله: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ).

ولهذا قال نوف (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وروى عطاء أيضًا عن ابن عباس أيضاً في هذه الآية أنه قال: (هذه الوفادة صارت للصالحين من أمة محمد) (٣٣) ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ هذه الأمة، فقال: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ﴾ .

[والأمي] (٣٤) (٣٥) ﴿ الْأُمِّيَّ ﴾ : الذي هو على خِلْقَة الأُمَّة، لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته) (٣٦)  : "إنا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسُب" (٣٧) قال الأزهري: ([وقد] (٣٨)  : الأمي؛ لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولاً وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة؛ لأنه تلا عليهم كتاب الله منظومًا تارة بعد تارة بالنظم الذي أنزل عليه فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، وكان الخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها أو نقص، فحفظه الله على نبيّه كما أنزله وأبانه من سائر من بعثه إليهم بهذه الآية، وفي ذلك أنزل الله: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ الآية (٣٩) ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴾ .

أي: يجدونه بنعته وصفته، وهو مذكور في الكتابين بنعوته وصفاته، قد عرف ذلك أهلهما.

وقوله تعالى: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ .

قال الزجاج: (يجوز أن يكون ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ استئنافًا، ويجوز أن يكون المعنى ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ﴾ أنه ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ) (٤٠) (٤١) وقال أبو علي فيما استدرك عليه: إلا وجه لقوله ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا ﴾ أنه ﴿ يَأْمُرُهُمْ ﴾ إن كان يعني: إن ذلك مراد؛ لأنه لا شيء يدل على حذفه، ولأنا لم نعلمهم حذفوا هذا في شيء.

قال: وتفسير الآية: إن وجدت فيها المتعدي إلى مفعولين و ﴿ مَكْتُوبًا ﴾ مفعول ثانٍ، والمعنى: يجدون ذكره أو اسمه مكتوبًا.

قال سيبويه: (تقول إذا نظرت في هذا الكتاب (٤٢) (٤٣) (٤٤) ﴿ يَجِدُونَهُ ﴾ المفعول الأول دون تقدير حذف المضاف لم يكن المفعول الثاني هو الأول فلا يستقيم ذلك، فأما قوله (٤٥) ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ فهو عندي تفسير لما كُتب، كما أن قول: ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

تفسير لوعدهم، وكما أن قوله: ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ  ﴾ تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالاً من المفعول الأول، ألا ترى أنه إذا كان المعنى: يجدون ذكره أو اسمه، لم يجز أن يكون يأمرهم حالاً منه، لأن الاسم والذكر لا يأمران إنما يأمر المذكور والمسمى) (٤٦) فأما تفسير المعروف، فقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ يريد: مكارم الأخلاق وخلع الأنداد، وصلة الأرحام) (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ .

قال عطاء: (يريد: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام، والكفر بما أنزل الله على النبيين) (٤٩) وقال الكلبي: (هو ما لا يعرف في شريعة ولا سنة) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ﴾ .

قال عطاء: (يريد: ما حُرّم عليهم في التوراة والإنجيل من لحوم الإبل وشحوم الضأن والمعز والبقر) (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس (٥٣) ﴿ المَيْتَةَ وَالدَّمَ ﴾ وما ذكر (٥٤) ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ .

[و] (٥٥) ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ .

ذكرنا معنى (الإصر) في آخر سورة البقرة.

واختلف (٥٦) ﴿ إِصْرَهُمْ ﴾ ﴿ وآصَارهم ﴾ (٥٧) ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ ﴾ (٥٨) (٥٩) (٦٠) قال ابن عباس: (يريد: العهد (٦١) (٦٢) وهو قول الحسن والضحاك والسدي ومجاهد (٦٣) قال الزجاج: (والإصر ما عقدته من عقد ثقيل) (٦٤) وقال سعيد بن جبير: (هو شدة العبادة) (٦٥) وقال ابن جريج: (من أَتبع محمدًا  من أهل الكتاب وضع عنه ما كان عليه من التشديد في دينه) (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

قال المفسرون (٦٧) قال ابن قتيبة: ﴿ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ ﴾ تحريم الله عليهم كثيراً مما أطلقه الله لأمة محمد  ، وجعله أغلالًا لأن التحريم يمنع، كما يقبض الغُل اليد فاستعيرت) (٦٨) وقال الزجاج: (الأغلال تمثيل؛ ألا ترى أنك تقول: قد جعلت هذا طوقًا في عنقك، وليس هناك طوق، وإنما تأويله: أني قد وليتك هذا وألزمتك القيام [به] (٦٩) (٧٠) ﴿ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ أنه من قَتَل قُتِل لا تقبل في ذلك ديةٌ، وكان عليهم إذا أصاب جلودهم شيء من البول أن يقرضوه، وكان عليهم أن لا يعملوا في السبت) (٧١) وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح (٧٢) (٧٣) وقوله تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ﴾ ، قال ابن عباس: (يعني: من اليهود) (٧٤) ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ ، (يريد: وقروه) (٧٥) ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ  ﴾ .

﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ أي: على عدوه، ﴿ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ﴾ ، قال المفسرون (٧٦) وقال عطاء: (يريد: الهدى والبيان والرشاد) (٧٧) وقال الزجاج: (أي: اتبعوا الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور) (٧٨) (١) (الواو) ساقطة من (ب).

(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 250.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 77، 78، وأخرجه من طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وقتادة والسدي والضحاك وأبي العالية، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 573، والماوردي 2/ 266.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 229، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 151، و"تفسير غريب القرآن" ص 181، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"نزهة القلوب" ص 478، و"معاني النحاس" 3/ 88، و"تفسير المشكل" ص 87.

(٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3689، وانظر: "العين" 4/ 76، (هود)، و"الزاهر" 2/ 214 (٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 250.

(٧) انظر: "البسيط" تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) أول الكتاب.

(٨) الرحمة: صفة من صفات الله تعالى تثبت له كما أثبتها لنفسه ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين ولا نؤولها بإرادة الخير كما يفعل أهل التأويل.

انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، و"مختصر الصواعق" لابن القيم 3/ 869.

(٩) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 243، الطبري 9/ 80، وابن أبي حاتم 5/ 1578 بسند جيد عن الحسن وقتادة.

(١٠) لفظ: (عطية العوفي) ساقط من (ب).

(١١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 250، والبغوي 3/ 287.

(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 380.

(١٣) في (ب): (أن رحمته وسعت تسع)، وهو تحريف.

(١٤) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 213.

(١٥) في (ب): (وكذلك في).

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، والسمرقندي 1/ 573، والماوردي 2/ 267.

(١٧) في (ب): (منه).

(١٨) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 271، وفيه قال ابن الأنباري: (أن الرحمة تسع كل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر دخولهم فيها لوسعتهم) اهـ.

(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80 (٢٠) لفظ: (ذلك) ساقط من (ب).

(٢١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 79، 80، 82، وابن أبي حاتم 5/ 1580 من عدة طرق جيدة.

(٢٢) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1580 بسند ضعيف، وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 267، وابن الجوزي 3/ 271 (هذا هو قول الجمهور) اهـ.

ورجحه ابن عطية 6/ 99.

(٢٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 81، وابن أبي حاتم 5/ 1580 بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم قال: (يعني: طاعة الله والإخلاص).

(٢٤) هذا توجيه الطبري 9/ 81، وانظر الماوردي 2/ 267 ، وابن الجوزي 3/ 271.

(٢٥) ذكره الماوردي 2/ 267، وابن الجوزي 3/ 271.

(٢٦) كذا في (النسخ): (بما أنزلت) والأولى (بما أُنزل).

(٢٧) "تنوير المقباس" 2/ 132.

(٢٨) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 81، وقد أخرجه من عدة طرق جيدة عن قتادة، وابن جريج، وأبي بكر الهذلي ونوف البكالي.

(٢٩) نوف بن فضالة الحميري البكالي أبو يزيد الشامي.

تقدمت ترجمته.

(٣٠) في (ب): (ربنا).

(٣١) في (ب): (لسهمكم).

(٣٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 237 - 238 والطبري 9/ 83 من عدة طرق جيدة.

(٣٣) أخرجه الطبري 9/ 82، 83، وابن أبي حاتم 5/ 1580، من عدة طرق جيدة.

(٣٤) لفظ: (والأمي) ساقط من (ب).

(٣٥) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، و"معاني النحاس" 3/ 89، والسمرقندي 1/ 574.

(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 381، والأُمَّة -بضم الهمزة وفتح الميم المشددة-، انظر: "اللسان" 1/ 138 (أمم) وجبلته -بالكسر- أي خلقته، وقال الزجاج في "معانيه" 1/ 159: (معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلة أُمَّته أي: لا يكتب فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه) اهـ.

وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 204: (قيل للذي لا يكتب: أمي؛ لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نُسب إلى ما ولد عليه أي: هو على ما ولدته أُمه عليه) اهـ.

(٣٧) أخرجه البخاري رقم (1913) في كتاب الصوم، باب: قول النبي  : "لا نكتب ولا نحسب"، مسلم رقم (1080) كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، عن عبد الله ابن عمر  ما.

(٣٨) لفظ: (قد) ساقط من (ب).

(٣٩) "تهذيب اللغة" 1/ 204 (أم).

(٤٠) "الإغفال" لأبي علي ص 817، وفي "معاني الزجاج" 2/ 381، قال: (قوله: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ يجوز أن يكون ﴿ يَأْمُرُهُمْ ﴾ مستأنفًا) اهـ.

(٤١) في (ب): (الذي).

(٤٢) في "الكتاب" 3/ 269، و"الإغفال" ص 818: (تقول إذا نظرت في الكتاب).

(٤٣) "الكتاب" 3/ 269.

(٤٤) في (ب): (يدل على أن هذا أن)، وهو تحريف.

(٤٥) في النسخ: (قولهم)، وهو تحريف.

(٤٦) "الإغفال" ص 817 - 820، وانظر: "الدر المصون" 5/ 479 - 481، وذكر رد الفارسي على الزجاج، وقال: (وهذا الرد تحامل منه عليه لأنه أراد تفسير المعنى وهو تفسير حسن) اهـ.

(٤٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 253، وابن الجوزي 3/ 272، وذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 289، والقرطبي 7/ 299، الخازن 2/ 298، عن عطاء فقط.

(٤٨) "تنوير المقباس" 2/ 132.

(٤٩) ذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 289، والقرطبي 7/ 299، والخازن 2/ 298، وجعله الواحدي في "الوسيط" 2/ 253، وابن الجوزي 3/ 272، من قول ابن عباس.

(٥٠) ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 574، بلا نسبة.

(٥١) لم أقف عليه، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 381، النحاس 3/ 89.

(٥٢) هذا هو قول الطبري 9/ 84، والثعلبي 199 أ، والماوردي 2/ 269، والبغوي 3/ 289.

(٥٣) ذكره الرازي في "تفسيره" 15/ 24، وأخرج الطبري 9/ 84، وابن أبي حاتم 5/ 1583 بسند جيد عن ابن عباس قال: (هي لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله) اهـ.

(٥٤) في (ب): (وما ذكره) وهو يريد قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ  ﴾ (٥٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٥٦) في (ب): (واختلفوا).

(٥٧) قرأ ابن عامر: (آصَارهم) -بفتح الهمزة والصاد، وألف بعدها على الجمع- وقرأ الباقون: ﴿ إِصْرَهُمْ ﴾ -بكسر الهمزة وسكون الصاد من غير ألف بعدها على الإفراد-، انظر: "السبعة" ص 295، و"المبسوط" ص 185، و"التذكرة" 2/ 426، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.

(٥٨) في (ب): (فلو شاء)، وهو تحريف.

(٥٩) في "الحجة" لأبي علي 4/ 94: (أراد ضروبًا من المآثم مختلفة).

(٦٠) "الحجة" لأبي علي 4/ 93، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 425، و"إعراب القراءات" 1/ 210، و"الحجة" لابن خالويه ص 165، ولابن زنجلة ص 298، و"الكشف" 1/ 479.

(٦١) في: (أ): (يريد: بالعهد).

(٦٢) أخرجه الطبري 9/ 85، ابن أبي حاتم 5/ 1583 من عدة طرق جيدة.

(٦٣) أخرجه الطبري 9/ 85، من عدة طرق عن مجاهد والحسن والسدي والضحاك، وذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي3/ 289، عن هؤلاء.

(٦٤) "معاني الزجاج" 2/ 381، وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 181، و"نزهة القلوب" ص 123، و"تفسير المشكل" ص 87.

(٦٥) أخرجه الطبري 9/ 85، وابن أبي حاتم 5/ 1583، من عدة طرق جيدة.

(٦٦) أخرجه الطبري 9/ 85 بسند جيد عن ابن جريج عن مجاهد، وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 90، وقال: (الأقوال فيه متقاربة أي: ما يثقل عليهم) اهـ.

(٦٧) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 85، وقد أخرجه من طرق عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد.

(٦٨) "تأويل مشكل القرآن" ص 148، وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 181، وقال القرطبي 7/ 300: (الأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال، هذا قول جمهور المفسرين) اهـ.

(٦٩) لفظ: (به) ساقط من (ب).

(٧٠) في: (أ): (لزومه له) وفي "معاني الزجاج" 2/ 381 (لزومه لك).

(٧١) "معاني الزجاج" 2/ 381، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 91.

(٧٢) المسُوح جمع مِسْح: وهو الكساء من الشعر، انظر: "اللسان" 7/ 4198 (مسح).

(٧٣) ذكره الرازي 15/ 25، بلا نسبة.

(٧٤) "تنوير المقباس" 2/ 132.

(٧٥) أخرجه الطبري 9/ 85، وابن أبي حاتم 5/ 1585 بسند جيد عن ابن عباس قال: (حموه ووقروه) وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 147، و"اللسان" 5/ 2925 (عزر).

(٧٦) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 86، والسمرقندي 1/ 574، والماوردي 2/ 269.

(٧٧) ذكره الرازي 15/ 25، بلا نسبة.

(٧٨) "معاني الزجاج" 2/ 382، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 91.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ أي من قومه ﴿ سَبْعِينَ رَجُلاً ﴾ حملهم معه إلى الطور يسمعون كلام الله لموسى فقالوا: أرنا الله جهرة فأخذتهم الرجفة عقاباً لهم على قولهم، وقيل: إنما أخذتهم الرجفة لعبادتهم العجل أو لسكوتهم على عبادته، والأوّل أرجح لقوله فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ويحتمل أن تكون رجفة موت أو إغماء، والأول أظهر لقوله: ثم بعثناكم من بعد موتكم ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وإياي ﴾ يحتمل أن تكون لو هنا للتمني أي تمنوا أن يكون هو وهم قد ماتوا قبل ذلك، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين، ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه التضرع والاستسلام لأمر الله كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت فإنا عبيدك وتحت قهرك، وأنت تفعل ما تشاء، ويحتمل ان يكون قالها على وجه التضرع والرغبة كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، ولكنك عافيتنا وأبقيتنا فافعل معنا الآن ما وعدتنا، وأحي هؤلاء القوم الذين أخذتهم الرجفة ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ ﴾ أي أتهلكنا وتهلك سائر بني إسرائيل بما فعل السفهاء الذين طلبوا الرؤية، والذين عبدوا العجل، فمعنى هذا إدلاء بحجته، وتبرؤ من فعل السفهاء، ورغبة إلى الله أن لا يعم الجميع بالعقوبة ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ أي الأمور كلها بيدك ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ ﴾ ومعنى هذا: اعتذار عن فعل السفهاء، فإنه كان بقضاء الله ومشيئته ﴿ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ﴾ أي تبنا، وهذا الكلام الذي قاله موسى عليه السلام إنما هو: استعطاف ورغبة إلى الله وتضرع إليه، ولا يتقضي شيئاً مما توهم الجهال فيه من الجفاء في قوله: أتهلكنا بما يفعل السفهاء منا لأنا قد بينا أنه إنما قال ذلك استعطافاً لله وبراءة من فعل السفهاء ﴿ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ ﴾ قيل: الإشارة بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة، والصحيح أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم، وقرئ من أساء.

بالسين وفتح الهمزة من الإساءة وأنكرها بعض المقرئين وقال: إنها تصحيف ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يحتمل أن يريد رحمته في الدنيا فيكون خصوصاً في الرحمة، وعموماً في كل شيء لأنّ المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي: تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا، ويحتمل أن يريد رحمة الآخرة فيكون خصوصاً في كل شيء لأنّ الرحمة في الآخرة مختصة بالمؤمنين، ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق، فيكون عموماً في الرحمة، وفي كل شيء ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ إن كانت الرحمة المذكورة رحمة الآخرة فهي بلا شك مختصة بهؤلاء الذين كتب بها الله لهم، وهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت رحمة الدنيا، فهي أيضاً مختصة بهم لأن الله نصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكن لهم في الأرض ما لم يمكن لغيرهم، وإن كانت على الإطلاق: فقوله: سأكتبها تخصيص للإطلاق ﴿ والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغير هذه الأمّة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عذابي أصيب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أصارهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون على التوحيد.

الوقوف ﴿ لميقاتنا ﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿ وإياي ﴾ ط ﴿ منا ﴾ ج لتصدر "ان" النافية مع اتحاد القائل ﴿ فتنتك ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ ط ﴿ الغافرين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ من أشاء ﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿ كل شيء ﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿ يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿ الإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ يأمرهم ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿ مكتوباً ﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿ كانت عليهم ﴾ ط ﴿ أنزل معه ﴾ لا لأن ما بعده خبر "فالذين".

﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ ويميت ﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة.

﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ومن هنا سمي فعل الحيوان فعلاً اختيارياً، وذلك أن صدور الفعل عن الحيوان موقوف على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً له من تركه.

قال النحويون: أصله واختار موسى من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، فمن الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ثم يتسع فيحذف الحرف.

من ذلك قولهم: اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً.

وكذا استغفرت الله من ذنبي واستغفرته ذنبي.

وجوّز بعضهم في الآية أنيراد بالقوم المعتبرون منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم فيكون مفعولاً أوّل من غير واسطة ويكون ﴿ سبعين ﴾ بدلاً أو بياناً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع.

وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخاً فأوحى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً.

وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سينا لميقات ربه.

وللمفسرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام والرؤية أم غيره؟

الذاهبون إلى الأوّل قالوا: إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية.

والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مر في البقرة في تفسير قوله ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك ﴾ وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل، ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل.

واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه  ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة، فظاهر الحال يتقضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك القصة وإلا انخرم التناسب.

عن علي  أن موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل فنام هارون فتوفاه الله  ، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا إنه قتل هارون فاختار من قومه سبعين فذهبوا إلى هارون فأحياه الله  فقال: ما قتلني أحد فأخذتهم الرجفة هنالك.

قيل: كانت موتاً.

وقيل أخذتهم الرعدة حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم فخاف موسى عليهم الموت فدعا الله  وقال ﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ﴾ قال في الكشاف: هذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله لأهلكني قبل هذا ﴿ أتهلكنا ﴾ جميعاً يعني نفسه وإياهم ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ قال أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله  أهلك قوماً بذنوب غيره، فهذا الاستفهام بمعنى الجحد أراد أنك لا تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يخدمك تريد أنك لا تفعل ذلك، وقال المبرد: إنه استفهام استعطاف أي لا تهلكنا.

قيل: لو كان تسفيههم لقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ ناسب أن يقال: أتهلكنا بما قاله السفهاء.

فإذن التسفيه لفعل صدر عنهم كعبادة العجل أو غيرها، ومنه يعلم أن هذا الميقات غير ميقات طلب الرؤية ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ الضمير يعود إلى الفتنة أي كما تقول إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند قاله الواحدي.

ولعله يعود إلى مقدر ذهني والمعنى أن الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك ابتلاءك ومحنتك حين كلمتني وسمعوا كلامك أو حين أسمعتهم صوت العجل ﴿ تضل بها ﴾ أي بالفتنة من تشاء فيفتتن ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ فيثبت على الحق.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة ظاهرة على مذهبنا أن الإضلال والهداية من الله  .

وقالت المعتزلة: إنمحنته لما كانت سببباً لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أو الضمر يعود إلى الرجفة أي ﴿ تضل ﴾ على الجنة بسبب عدم الصبر على تلك الرجفة، أو لعدم الإيمان بأنها من عندك ﴿ من تشاء وتهدي ﴾ إلى الجنة بها الأضداد ما قلنا ﴿ من تشاء ﴾ أو المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بالرجفة وتصرفها عمن تشاء ﴿ أنت ولينا ﴾ يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر إلا أنت ﴿ فاغفر لنا وارحمنا ﴾ قيل: تذكر أن قوله ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ جراءة عظيمة فأشرك نفسه مع قومه في طلب المغفرة والرحمة ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ لأن غفرانك غير متوقف على جلب نفع أو دفع ضر بل لمحض الفضل والكرم.

﴿ واكتب ﴾ أوجب ﴿ لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة  ﴾ وقد فسرنا في سورة البقرة.

واعلم أن كونه  ولياً للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته.

وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء.

فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله ﴿ إنَّا هدنا إليك ﴾ قال أهل اللغة: النهود التوبة أي تبنا ورجعنا.

وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين ﴿ قال ﴾ الله  في جواب موسى ﴿ عذابي ﴾ من حالة وصفته أني ﴿ أصيب به من أشاء ﴾ إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي.

وقالت المعتزلة: أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة.

وقرأ الحسن ﴿ من أساء ﴾ من الإساءة ﴿ ورحمتي ﴾ من شأنها أنها ﴿ وسعت كل شيء ﴾ قالت الأشاعرة: هذا من العام الذي أريد به الخاص.

وقال أكثر المحققين: إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته.

وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ وقيل: الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته.

وقيل: الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب.

وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله  للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة.

واعلم أن تكاليف الله  كثيرة ولكنها محصورة في نوعين: التروك والأفعال.

فقوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ إشارة إلى التروك.

التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ وإما غيره وذلك قوله ﴿ والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً.

ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره.

وصف محمداً  في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة.

الثانية النبوة.

فإن قيل: النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟

قلت: لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر.

ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً.

الثالثة.

كونه أمياً.

قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب.

قال صلى الله عليه وآله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" .

وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة.

وكان هذا من جملة معجزاب نبينا  وبيانه من وجوه: الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل.

والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون  ﴾ الثالث: أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه.

ثم إن الله  آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين.

الصفة الرابعة ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل.

ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله ﴿ والإنجيل ﴾ أنهم يجدون نعته مكتوباً عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك.

الخامسة والسادسة ﴿ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ﴾ وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في قوله  : "ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله" فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها.

السابعة ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ قيل: أي ما يستطاب طبعاً لأن تناول ذلك يفيد لذة.

وقيل: يعني الأشياء التي حكم الله  بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل: ويحل المحللات وهو تكرار.

ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات.

وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعاً وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل.

وقيل: يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها.

الثامنة ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: الميتة والدم ونحوهما من المحرمات.

وقيل: كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل.

التاسعة ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة.

وكذا الأغلال التي كانت علهيم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب.

وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله  أغلالاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل.

عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة.

فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما قال  : "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة.

ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ قال ابن عباس: يعني من اليهود والأولى حمله على العموم ﴿ وعزروه ﴾ وقروه وعظموه.

قال في الكشاف: وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح.

فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله ﴿ ونصروه ﴾ فرق كبير ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه ﴾ وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق بـ ﴿ اتبعوا ﴾ أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه  لما قال ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان، ثم أراد أن يحقق عموم رسالته إلى المكلفين فقال ﴿ قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ وانتصابه على الحال من ﴿ إليكم ﴾ وفيه دليل على أن محمداً صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الخلق كافة خلافاً لطائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أتباع عيسى الأصفهاني، زعموا أن محمداً  رسول صادق لكنه مبعوث إلى العرب خاصة وفساده ظاهر لأنه من المعلوم بالتواتر من دينه أنه كان يدعي عموم الرسالة فإن كان رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم.

وزعم بعض العلماء أنه عام دخله التخصيص لأنه غير مبعوث إلى غير المكلفين بقوله:  : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وأيضاً يمكن وجود قوم في طرف من أطراف العمارة لم يصل إليهم خبر وجوده فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوّته.

والجواب أن رفع القلم عن الأصناف الثلاثة أيضاً حكم عليهم بهذا الاعتبار يدخلون تحت الخطاب وإن وجود قوم كما زعمتم من المستبعدات فلا يستحق الالتفات إليه.

قال بعض الأكابر: إن الآية وإن دلت على أنه  مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء ما كان مبعوثاً إلى كلهم.

وقد تمسك جمع من العلماء بالحديث المشهور: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وختم بي النبيون" ورد بأن مجموع هذه الأمور من خواصه لا كل واحد واحد، وبأن آدم بعث إلى كل أولاده في ذلك الزمان فيكون مبعوثاً إلى كل الناس وقتئذ.

ولا يخفى ضعف هذا الرد لأنا نعلم من دين محمد أنه خاتم النبيين وحده في رواية أخرى: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وإذا كان بعض هذه الأمور من خواصه لزم أن يكون كل واحد منها كذلك.

وأيضاً أن آدم لم يكن مبعوثاً إلى حواء لأنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ولا تقرباً.

ثم لما أمر رسول الله بأن يقول للناس أني رسول الله إليكم أتبعه ذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى وأنها لا تتم إلا بتقرير أصول أربعة: أوّلها إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً وأشار إليه بقوله ﴿ الذي له ملك السموات والأرض ﴾ إذ لو لم يكن للعالم مؤثر موجب بالذات لا فاعل بالاختيار لم يمكن القول ببعثة الرسول.

ومحل ﴿ الذي ﴾ نصب أو رفع على المدح أو جر بدلاً أو وصفاً لله.

وثانيها أن إله العالم واحد وذلك قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لو فرض إلهان لم يكن عبادة أحدهما أولى من عبادة الآخر.

وثالثها أنه تعالى قادر على الخير والشر والبعث والحساب كما قال ﴿ يحيى ويميت ﴾ وإنما لم يوسط العاطف بين هذه الجمل لأن كل واحد منها مبينة لما قبلها، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت أصل رابع وهو أنه يصح من الله  إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف.

أما بالأصل الأوّل والثاني فلأنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ولا سيما إذا كان فرداً منزهاً عن الشريك والنظير مستقلاً بالأمر والنهي.

وأما الأصل الثالث فلأنه يحسن من القادر تكليف المكلف بنوع من طاعته إيصالاً له إلى الجزاء إلى لذة الجزاء، فإن تحصيل لذة الأجر بدون كونه أجر ممتنع وأشار إلى هذا الأصل الرابع بقوله ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ﴾ اقتصر من الصفات المذكورة ههنا على الأمية لأنها أجل الأوصاف وأدلها على حقيته، وذلك أنه لم يتفق له مطالعة كتاب ولا مصاحبة معلم لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب عنها رسول الله  غيبة طويلة يمكن التعلم فيها ومع ذلك فتح الله عليه أبواب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأوّلين والآخرين فليس ذلك إلا بتأييد سماوي وفيض إلهي.

ثم وصفه بقوله ﴿ الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ لأن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممن آمن بالله وبكتبه.

وإنما لم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قول ﴿ إني رسول الله ﴾ بل عدل إلى المظهر ليمكن أن يجري عليه الصفات المذكورة.

ولما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً من كان، أنا أو غيري إظهاراً للنصفة واحترازاً عن العصبية.

واعلم أن الكمالات إما نظرية وأشار إليها بقوله ﴿ فآمنوا بالله ﴾ وإما عملية وإليها الإشارة بقوله ﴿ واتبعوه ﴾ والأولى إشارة إلى التكاليف المستفادة من أقواله، والثانية إشارة إلى المستفادة من أفعاله، فإن كل فعل يصدر عنه وقد واضب عليه فلا بد أن يكون جانب فعله ذلك الفعل جانب فعله راجحاً على تركه.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب فيجب علينا اتباعه وإن كان ذلك مندوباً له إلا أن يدل دليل منفصل على أن ذلك الفعل من خصائصه.

ومعنى الترجي في ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ قد مر في نظائره ولا سيما في أوّل البقرة في قوله ﴿ لعلكم تتقون  ﴾ ثم لما ذكر الرسول وأنه يجب على الخلق متابعته ذكر أن في قوم موسى من اتبع الحق وهدي إليه فقال ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ أي يهدون الناس بكلمة الحق ﴿ وبه ﴾ أي بالحق ﴿ يعدلون ﴾ بينهم في الحكم لا يجورون.

وهذه الآية متى حصلت في أي زمان كانت؟

اختلف المفسرون في ذلك.

فقيل: هم اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كعبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما.

ولفظ الأمة قد يطلق على القليل إذا كان لهم شأن كما أطلق على الواحد في قوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ وقيل: إنهم قوم ثبتوا على دين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين.

ثم من المفسرين من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن بناء على أن خبر نبينا لم يصل إليهم فهم معذورون، ومنهم من استبعد عدم وصول الخبر إليهم مع أن خبر هذه الشريعة طار في كل أفق وتغلغل في كل نفق فقال: إنهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.

وروي عن النبي  أن جبرائيل ذهب به  ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبرائيل: هل تعرفون من تكلمون؟

قالوا: لا.

قال: هذا محمد  النبي الأمي فآمنوا به.

وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فرد محمد على موسى  ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت والله أعلم.

التأويل: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ المختار من الخلق من اختاره الله  ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة  ﴾ فالذي اختاره الله كان مثل موسى ﴿ وأنا اخترتك  ﴾ .

والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة.

وههنا نكتة هي أن قلب موسى  لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك ﴾ قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهاراً فأخذتهم الصاعقة.

فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة.

ولما كان موسى  ثابتاً في مقام التوحيد كان ينظر بنور الواحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً لهم فقال ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ تزيع بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف.

﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ﴾ الرؤية كما كتبت لمحمد  ﴿ فسأكتبها ﴾ يعني حسنة الرؤية والرحمة ﴿ للذين يتقون ﴾ بالله عن غيره ﴿ ويؤتون ﴾ عن نصاب هذا المقام ﴿ الزكاة ﴾ إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون، وفي قوله ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ﴾ إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما قال  : "أول ما خلق الله روحي" .

وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون.

فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ﴾ فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يُؤوَّل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال صلى الله عليه وآله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" وأما اتباعه في مقام أمبته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته ﴿ مكتوباً عندهم ﴾ بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق ﴿ يأمرهم بالمعروف ﴾ وهو طلب الحق ﴿ وينهاهم عن المنكر ﴾ طلب ما سواه ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ الدنيا وما فيها ﴿ ويضع عنهم أصرهم ﴾ أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله: "الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم" فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام.

فقد وضع النبي  هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ فالذين آمنوا به وعزروه ﴾ وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة ﴿ واتبعوا ﴾ نور الوحدة الذي ﴿ أنزل معه ﴾ له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية.

وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى ﴿ وبه يعدلون ﴾ في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب بـ ﴿ لن تراني ﴾ وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين وقال في حقهم: "كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق" فلهذا دعا موسى  : اللهم اجعلني من أمة محمد  شوقاً إلى لقاء ربه فافهم جداً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ ﴾ .

الذي غضب لله على قومه بعبادتهم العجل.

ولا يحتمل ما قاله أبو بكر الأصم: أن الغضب عقوبة وشتم؛ لأن الغضب معروف، لا يجوز أن يتأول ما قال هو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ ﴾ .

يعني: الألواح التي وضعها على الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ .

قال بعضهم: يعني في نسخة الألواح لما كانت نسخت من اللوح المحفوظ.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى ﴾ أي: الكتب التي انتسختها بنو إسرائيل من تلك الألواح.

وقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ أي: هدى من كل ضلالة، وبيان من كل غي وشبهة، ورحمة من كل سخط وغضب.

﴿ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ .

أي: للذين يخشون ربهم فيعملون بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ لِّمِيقَاتِنَا ﴾ ، أي: لتمام الموعدة التي وعد، وهو الأربعون الذي وعد، ولكن لا ندري ما ذلك الميقات الذي ذكر؟

وقوله: ﴿ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ ﴾ قال بعضهم: السبعون الذين اختارهم موسى ليكونوا مع هارون فَعُبِدَ العجل في أفنيتهم، فلم ينكروا ولم يغيروا عليهم، فأخذتهم الرجفة.

وقال الحسن: إنهم جميعاً قد عبدوا العجل إلا هارون، فالرجفة التي أخذتهم إنما أخذتهم عقوبة لما عبدوا العجل، ولسنا ندري من أولئك السبعون الذين اختارهم موسى؟

وأمكن أن يكون موسى اختار السبعين ليخرجوا معه؛ فيكونوا شهداء له على إنزال التوراة عليه وكلام ربه.

وقيل: هم الذين تركهم في أصل الجبل، فلما جاءهم موسى بالتوراة، قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ  ﴾ وهلكوا لقولهم ذلك، وقد ذكرنا أنا لا ندري من كانوا؟

وقيل: اختارهم موسى ليتوبوا إلى الله مما عمل قومهم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: لو شئت أمتهم وإياي بقتل القبطي.

وقال آخرون: لو شئت أهلكتهم على نفس الإهلاك وإياي على القدرة، أي: تقدر على إهلاكي، ولكن لا تهلكنا لما لم يكن ما نستحقه ذلك، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ ﴾ إهلاك فتنة وإياي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لك أن تهلكنا ابتداء إهلاك السفهاء بما فعلوا.

والثاني: يقول: لو شئت أهلكتهم وإياي من قبل، ولم تهلكنا يومنا؛ لأن موسى [إذا] أتى قومه وأخبرهم أنهم أهلكوا بسبب كذا لم يصدقه قومه بذلك، ولكنهم يتهمونه ويقولون: أنت قتلتهم على ما ذكر في بعض القصة أنه خرج بهارون إلى بعض الجبال فمات هارون هناك، فأخبر قومه بذلك فكذبوه، وقالوا: أنت قتلته؛ فعلى ذلك جائز أن يكون هاهنا خاف أن يتهمه قومه في أولئك ولا يصدقوه فيما حل بهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ﴾ .

يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: يراد به التقرير.

ويحتمل الإنكار والرد.

ويحتمل الإيجاب.

أما الإنكار: فيكون معناه: أتهلكنا بما فعل السفهاء [منا]، أي: لا تفعل ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، ومثل هذا قد يقال: يقول الرجل لآخر: أتفعل أنت كذا؟

على الإنكار، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هذا.

والله أعلم.

ويراد به: الإيجاب؛ كأنه قال: لك [أن] تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وما هي إلا فتنتك أن يكون ذلك امتحاناً وابتلاء ابتداء، أي: تفعله امتحاناً وابتلاء لا تعذيباً.

ويحتمل أن يكون على الاستفهام، لكن لم يخرج له الجواب؛ كقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه مما لم يخرج له جواب؛ فعلى ذلك هذا.

ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم، وإن كان بعضهم برآء من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان، وكان الفشل والهزيمة عليهم محنة منه إياهم؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ...

﴾ الآية [آل عمران: 152]؛ فعلى ذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ ﴾ .

قال أبو بكر: تضل بها، أي: تنهى من تشاء [نهياً ما لولا ذلك النهي لم يكن الفعل فعل الضلال، وتهدي من تشاء أي تأمره أمراً ما لولا ذلك الأمر لم يكن الفعل] فعل الاهتداء، لكن حرف "من" إنما يعبر به [عن] الأشخاص دون الأفعال، فلو كان على ما ذكر هو، لقال: تضل به ما تشاء، فإن لم يقل ذا، ثبت أنه ليس على ما ذكر.

وتأويله عندنا: أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك، ويخلق فعل الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك، وهو خالق كل شيء.

وأصل ذلك: أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة باختلاف وجوهها حقيقة، ذلك من الله خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق وصفه بأنه خالقه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ تَهْدِي ﴾ و ﴿ تُضِلُّ ﴾ .

ويحتمل: توفق وتخذل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ أي: أنت أولى بنا.

ويحتمل: أنت ولي هدايتنا.

أو: أنت ولي نعمتنا.

﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ ﴾ .

وأنت خير الراحمين؛ لأن كل أحد دونه إنما يرحم ويغفر برحمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .

تحتمل الكتابة الإيجاب، أي: أوجب لنا في هذه الدنيا حسنة [وفي الآخرة أو الإثبات، أي: أثبت لنا وأعطنا في هذه الدنيا حسنة ويكون كقوله: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة].

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا ﴾ ، أي: وفق لنا العمل الذي نستوجب به الحسنة في الدنيا والآخرة.

ويحتمل: اكتب لنا في الدنيا الحسنات، ولا تكتب علينا السيئات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ تختم بها الدنيا وتنقضي بها، وإلا ما من مسلم إلا وله في [هذه] الدنيا حسنة أتاه إياها، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً  ﴾ [أنهم] إنما سألوا حسنة لأن يختموا عليها، ويكون قوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ  ﴾ كذا، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: ملنا إليك.

وقال غيرهم: ﴿ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تبنا إليك.

وقيل: لذلك سمت اليهود أنفسهم يهوداً، أي: تائبين إلى الله، لكن لو كان كما ذكر، كان قوله: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً  ﴾ أي: تائباً، وذلك بعيد، ولكن إن كان [لذلك] سموا فهو - والله أعلم - ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً  ﴾ أي: لم يكن على المذهب الذي عليه اليهود، وكذلك لم يكن على المذهب الذي ادعت النصارى أنه كان عليه، ولكن كان حنيفاً مسلماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .

قال الحسن: يشاء أن يصيب عذابه من كفر بالله وكذب رسله، وشاء من أطاع الله وصدق رسله أن يصيب رحمته.

ودل قوله: ﴿ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ ﴾ أنه لما شاء أن يصيبهم عذابه شاء العمل والفعل الذي كان به يصيبهم؛ لأن حرف "من" إنما يعبر به عن بني آدم، و[ليس] جائز أن يشاء لهم الإيمان ثم يشاء لهم [أن يصيبهم] عذابه، ولكن إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون ويختارون فعل الضلال على فعل الهداية، شاء لهم ما اختاروا.

وقوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .

ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعيشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصّة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها، وذلك قوله: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ : معصية الله والخلاف له، ﴿ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ ، و[هو] كقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ جعل طيبات الدنيا نعمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظ للكافر فيها؛ فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة.

ويحتمل قوله - والله أعلم -: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أنهم إنما سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ يحتمل: يؤتون الزكاة المعروفة.

ويحتمل: تزكية النفس؛ كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا  ﴾ ومعلوم أنه لم يرد به زكاة المال، ولكن زكاة النفس بالتوحيد والتقوى، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ  ﴾ هو تلك الزكاة لا الزكاة المعروفة زكاة المال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وإن كان على الزكاة المعروفة فذلك في قوم ثقل عليهم واشتد إخراج الزكاة من أموالهم؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ...

 ﴾ كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع أن من آمن بآيات الله وصدقها فقد آمن بالله وبرسله، ومن كذب بآياته كذب بالله وخالف رسله؛ لأن طريق معرفة الله ورسله إنما هو من طريق الآيات والحجج، ليس من طريق المشاهدات والمحسوسات؛ لذلك كان الإيمان بالآيات إيماناً بالله وبرسله، والتكذيب بها كفر بالله ورسله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .

أي: يقفون أثر الرسول في كل سيرته، وفي كل أمره ونهيه، ويطيعونه؛ سماه رسولا ونبيّاً بقوله: ﴿ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ والرسول: المبعوث على تبليغ الرسالة والمأمور بها على كل حال، والنبي: المنبئ لهم أشياء عند السؤال والاستخبار، والرسول هو المأمور بالتبليغ سألوه أو لم يسألوا شاءوا أو أبوا، وكان لمحمد  كلاهما: الإنباء والتبليغ؛ كقوله: ﴿ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً ﴾ .

الأمي: ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 48].

﴿ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

أي: يجدونه مكتوباً في التوراة أنه رسول نبي، وأنه أمي.

قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ  ﴾ .

لئلا يقولوا: إنك أخذت هذا من الكتب المتقدمة ومن علومها وحكمتها، ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ ؛ لئلا يقولوا: إنه من تأليفك، ويعلموا أنه من عند الله جاء به، لا من ذات نفسه.

وفي قوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر - دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأن أولئك لم يأتوا بالتوراة، والإنجيل فيقولون: لا نجد ما تذكر في التوراة والإنجيل؛ دل ذلك منهم على أنهم وجدوه كذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

أي: يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة أنه يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه.

﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

ما أحل الله لهم.

﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ ﴾ ما حرم الله عليهم يجدونه في التوراة أنه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء ولا يحل شيئاً ولا يحرم إلا بأمر [من] الله له، لكنهم ينكرونه إنكار عناد ومكابرة؛ كقوله -  -: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ وغيره.

ويحتمل قوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...

﴾ الآية، أي: يأمرهم بما هو معروف في العقل وشهادة الخلقة، وهو التوحيد، وكذلك ينهاهم عما هو في العقل وشهادة الخلقة منكر، وهو الكفر وجميع المعاصي.

﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ أي: يحل ما هو طيب في العقل والطبع، ويحرم ما هو خبيث في العقل والطبع جميعاً؛ لأن من الأشياء ما هو مستخبث في الطبع لم يجعل غذاء البشر فيه، وإنما جعل غذاءهم فيما هو مستطاب في الطبع بلغ غايته في الطيب، ولا كذلك جعل غذاء البهائم والأنعام؛ هذا محتمل، والله أعلم.

ثم المعروف الطيبات لو تركت العقول والطباع على ما هي عليه، لكانت لا حاجة تقع إلى رسول يخبر أن هذا معروف، وأن هذا طيب أو خبيث أو منكر، ولكن تعرف العقول والطباع ذلك كله، لكن يعترض العقول من الشبه فتمنعها من معرفة ذلك، فاحتاجت إلى رسول يخبر عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ .

قيل: ما غلظوا على أنفسهم من الشدائد.

وقيل: إصرهم: شدة من العبادة والعمل.

وقيل: إصرهم: عهدهم.

وقيل: إصرهم: [أي] الثقل الذي كان بنو إسرائيل ألزموه.

وقال القتبي: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ أي: ذنبهم الذي كانوا يذنبون، أي: عقوبة الذنب الذي أذنبوا في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

قال الحسن: إن اليهود قالوا: يد الله مغلولة، أي: محبوسة عن عقوبتنا، فقال - عز وجل -: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ  ﴾ أي: غلت أيديهم إلى إعناقهم في النار، فأخبر أن أمة محمد  لما آمنوا به وصدقوه، رفعت تلك الأغلال التي كانت عليهم عن هذه الأمة بطاعتهم رسول الله  .

وقيل: الأغلال التي كانت عليهم: [الشدائد التي كانت عليهم] من نحو ما لا يجوز لهم العفو عن الدم العمد، ولا أخذ الدية، وما لا يجوز غسل النجاسات إلا العظم، وغير ذلك من الأشياء التي لم تحل لهم، فأحلت لهذه الأمة.

ويحتمل أن يكون الإصر والأغلال التي كانت عليهم: من نحو ما حرم من أشياء بظلم كان منهم وتحريم؛ نحو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  ﴾ ، إلى قوله: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ  ﴾ حرمت تلك الأشياء عليهم؛ عقوبة لبغيهم وظلمهم الذي كان منهم، أخبر أنه وضع عن هؤلاء ذلك، لم يحرم ذلك عليهم.

وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر أنه أمي، والأمي ما ذكر في قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ كان لا يتلوه ولا يخطه بيده، ثم أخبر على ما كان في كتبهم [من غير أن عرف ما في كتبهم] أو نظر فيها وعرف لسانهم؛ دل أنه [إنما] عرف ذلك بالله.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ ﴾ .

أي: صدقوا بمحمد  .

﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ .

قيل: أعانوه بأموالهم.

﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ .

بأيديهم بالسيف.

وقال الحسن: قوله: ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ إنما هو كلام مثنى، وهو إعانة.

وقيل: ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ [أطاعوه ﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ أعانوه، وقيل: عزروه] أي: عظموه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ .

يعني: القرآن؛ سماه نوراً؛ لما ينير الأشياء عن حقائقها بالعقول؛ لأن النور في الشاهد هو الذي يكشف عن الأشياء سواترها؛ فعلى ذلك القرآن هو نور؛ لما يرفع الشبه عن القلوب، ويكشف عن سواترها.

وقال بعضهم: سمى نوراً؛ لما ينير الأشياء ويعرف به ما غاب وما شهد، فيصير الغائب به [له] كالشاهد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واجعلنا من الذين أكرمتهم في هذه الحياة بالنعم والعافية ووفقتهم للعمل الصالح، وممن أعددت لهم الجنة من عبادك الصالحين في الآخرة، إنا تبنا إليك، ورجعنا مُقِرِّين بتقصيرنا، قال الله تعالى: عذابي أصيب به من أشاء ممن يعمل بأسباب الشقاء، ورحمتي شملت كل شيء في الدنيا؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغَمَره فضله وإحسانه، فسأكتب رحمتي في الآخرة للذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والذين يعطون زكاة أموالهم مستحقيها، والذين هم بآياتنا يؤمنون.

<div class="verse-tafsir" id="91.D2EOj"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد