الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٥٧ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 230 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) وهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء بشروا أممهم ببعثه وأمروهم بمتابعته ، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم كما قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن الجريري ، عن أبي صخر العقيلي ، حدثني رجل من الأعراب ، قال : جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغت من بيعتي قلت : لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه ، قال : فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون ، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرا التوراة يقرؤها ، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنشدك بالذي أنزل التوراة ، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي ؟
" فقال برأسه هكذا ، أي : لا .
فقال ابنه ، إي : والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله فقال : " أقيموا اليهودي عن أخيكم " .
ثم ولي كفنه والصلاة عليه هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح ، عن أنس .
وقال الحاكم صاحب المستدرك : أخبرنا أبو محمد - عبد الله بن إسحاق البغوي ، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن شرحبيل بن مسلم ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن هشام بن العاص الأموي قال : بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام ، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة - يعني غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني ، فدخلنا عليه ، فإذا هو على سرير له ، فأرسل إلينا برسوله نكلمه ، فقلنا : والله لا نكلم رسولا إنما بعثنا إلى الملك ، فإن أذن لنا كلمناه وإلا لم نكلم الرسول فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك ، قال : فأذن لنا فقال : تكلموا فكلمه هشام بن العاص ، ودعاه إلى الإسلام ، فإذا عليه ثياب سواد فقال له هشام : وما هذه التي عليك ؟
فقال : لبستها وحلفت ألا أنزعها حتى أخرجكم من الشام .
قلنا : ومجلسك هذا ، والله لنأخذنه منك ، ولنأخذن ملك الملك الأعظم ، إن شاء الله ، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم .
قال : لستم بهم ، بل هم قوم يصومون بالنهار ، ويقومون بالليل ، فكيف صومكم ؟
فأخبرناه ، فملئ وجهه سوادا فقال : قوموا .
وبعث معنا رسولا إلى الملك ، فخرجنا ، حتى إذا كنا قريبا من المدينة ، قال لنا الذي معنا : إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك ، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال ؟
قلنا : والله لا ندخل إلا عليها ، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك .
فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا ، حتى انتهينا إلى غرفة فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا ، فقلنا : لا إله إلا الله ، والله أكبر فالله يعلم لقد تنفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح ، فأرسل إلينا : ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم .
وأرسل إلينا : أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له ، وعنده بطارقته من الروم ، وكل شيء في مجلسه أحمر ، وما حوله حمرة ، وعليه ثياب من الحمرة ، فدنونا منه فضحك ، فقال : ما كان عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم ؟
وإذا عنده رجل فصيح بالعربية ، كثير الكلام ، فقلنا : إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك ، وتحيتك التي تحيي بها لا تحل لنا أن نحييك بها .
قال : كيف تحيتكم فيما بينكم ؟
قلنا : السلام عليك .
قال : وكيف تحيون ملككم ؟
قلنا : بها .
قال : وكيف يرد عليكم ؟
قلنا : بها .
قال : فما أعظم كلامكم ؟
قلنا : لا إله إلا الله ، والله أكبر فلما تكلمنا بها والله يعلم - لقد تنفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها ، قال : فهذه الكلمة التي قلتموها حيث تنفضت الغرفة ، كلما قلتموها في بيوتكم تنفضت عليكم غرفكم ؟
قلنا : لا ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك .
قال : لوددت أنكم كلما قلتم تنفض كل شيء عليكم .
وإني خرجت من نصف ملكي .
قلنا : لم ؟
قال : لأنه كان أيسر لشأنها ، وأجدر ألا تكون من أمر النبوة ، وأنها تكون من حيل الناس .
ثم سألنا عما أراد فأخبرناه .
ثم قال : كيف صلاتكم وصومكم ؟
فأخبرناه ، فقال : قوموا فقمنا .
فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير ، فأقمنا ثلاثا .
فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه ، فاستعاد قولنا ، فأعدناه .
ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة ، فيها بيوت صغار عليها أبواب ، ففتح بيتا وقفلا فاستخرج حريرة سوداء ، فنشرها ، فإذا فيها صورة حمراء ، وإذا فيها رجل ضخم العينين .
عظيم الأليتين ، لم أر مثل طول عنقه ، وإذا ليست له لحية ، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله .
قال : أتعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا آدم ، عليه السلام ، وإذا هو أكثر الناس شعرا .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة سوداء ، وإذا فيها صورة بيضاء ، وإذا له شعر كشعر القطط ، أحمر العينين ، ضخم الهامة ، حسن اللحية ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا نوح ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج حريرة سوداء ، وإذا فيها رجل شديد البياض ، حسن العينين ، صلت الجبين ، طويل الخد ، أبيض اللحية كأنه يبتسم ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا إبراهيم ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر فإذا فيه صورة بيضاء ، وإذا - والله - رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعرفون هذا ؟
قلنا : نعم ، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وبكينا .
قال : والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس ، وقال : والله إنه لهو ؟
قلنا : نعم ، إنه لهو ، كأنك تنظر إليه ، فأمسك ساعة ينظر إليها ، ثم قال : أما إنه كان آخر البيوت ، ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة سوداء ، فإذا فيها صورة أدماء سحماء وإذا رجل جعد قطط ، غائر العينين ، حديد النظر ، عابس متراكب الأسنان ، مقلص الشفة كأنه غضبان ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا موسى عليه السلام .
وإلى جانبه صورة تشبهه ، إلا أنه مدهان الرأس ، عريض الجبين ، في عينيه قبل ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا هارون بن عمران ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة ، كأنه غضبان ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا لوط ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة ، أقنى ، خفيف العارضين ، حسن الوجه فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال هذا إسحاق ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق ، إلا أنه على شفته خال ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
[ قال ] هذا يعقوب ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة سوداء ، فيها صورة رجل أبيض ، حسن الوجه ، أقنى الأنف ، حسن القامة ، يعلو وجهه نور ، يعرف في وجهه الخشوع ، يضرب إلى الحمرة ، قال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا إسماعيل جد نبيكم ، عليهما السلام .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج حريرة بيضاء ، فيها صورة كأنها آدم ، عليه السلام ، كأن وجهه الشمس ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا يوسف ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر فاستخرج حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين ، أخفش العينين ضخم البطن ، ربعة متقلد سيفا ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا داود ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج حريرة بيضاء ، فيها صورة رجل ضخم الأليتين ، طويل الرجلين ، راكب فرسا ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا سليمان بن داود ، عليه السلام .
ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة سوداء ، فيها صورة بيضاء ، وإذا شاب شديد سواد اللحية ، كثير الشعر ، حسن العينين ، حسن الوجه ، فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا .
قال : هذا عيسى ابن مريم ، عليه السلام .
قلنا : من أين لك هذه الصور ؟
لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء ، عليهم السلام ، لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله .
فقال : إن آدم ، عليه السلام ، سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده ، فأنزل عليه صورهم ، فكان في خزانة آدم ، عليه السلام ، عند مغرب الشمس ، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال .
ثم قال : أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي ، وإن كنت عبدا لأشركم ملكة ، حتى أموت .
ثم أجازنا فأحسن جائزتنا ، وسرحنا ، فلما أتينا أبا بكر الصديق ، رضي الله عنه ، فحدثناه بما أرانا ، وبما قال لنا ، وما أجازنا ، قال : فبكى أبو بكر وقال : مسكين !
لو أراد الله به خيرا لفعل .
ثم قال : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم .
هكذا أورده الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي ، رحمه الله ، في كتاب " دلائل النبوة " ، عن الحاكم إجازة ، فذكره وإسناده لا بأس به .
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا عثمان بن عمر ، حدثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، قال : لقيت عبد الله بن عمرو فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ؟
قال : أجل والله ، إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن : " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ويفتح به قلوبا غلفا ، وآذانا صما ، وأعينا عميا " قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك ، فما اختلف حرفا ، إلا أن كعبا قال بلغته ، قال : " قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا " .
وقد رواه البخاري في صحيحه ، عن محمد بن سنان ، عن فليح ، عن هلال بن علي - فذكر بإسناده نحوه وزاد بعد قوله : " ليس بفظ ولا غليظ " : " ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح " .
ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق " التوراة " على كتب أهل الكتاب .
وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا ، والله أعلم .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا محمد بن عمر بن إبراهيم - من ولد جبير بن مطعم - قال : حدثتني أم عثمان بنت سعيد - وهي جدتي - عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير ، عن أبيه محمد بن جبير ، عن أبيه جبير بن مطعم ، قال : خرجت تاجرا إلى الشام ، فلما كنت بأدنى الشام ، لقيني رجل من أهل الكتاب ، فقال : هل عندكم رجل نبيا ؟
قلت : نعم .
قال : هل تعرف صورته إذا رأيتها ؟
قلت : نعم .
فأدخلني بيتا فيه صور ، فلم أر صورة النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينما أنا كذلك إذ دخل رجل منهم علينا ، فقال : فيم أنتم ؟
فأخبرناه ، فذهب بنا إلى منزله ، فساعة ما دخلت نظرت إلى صورة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا رجل آخذ بعقب النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : من هذا الرجل القابض على عقبه ؟
قال : إنه لم يكن نبي إلا كان بعده نبي إلا هذا النبي ، فإنه لا نبي بعده ، وهذا الخليفة بعده ، وإذا صفة أبي بكر ، رضي الله عنه وقال أبو داود : حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير حدثنا حماد بن سلمة أن سعيد بن إياس الجريري أخبرهم ، عن عبد الله بن شقيق العقيلي ، عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب قال : بعثني عمر إلى الأسقف ، فدعوته ، فقال له عمر : هل تجدني في الكتاب ؟
قال : نعم .
قال : كيف تجدني ؟
قال : أجدك قرنا .
قال : فرفع عمر الدرة وقال قرن مه ؟
قال : قرن حديد ، أمير شديد .
قال : فكيف تجد الذي بعدي ؟
قال : أجد خليفة صالحا ، غير أنه يؤثر قرابته قال عمر : يرحم الله عثمان ، ثلاثا .
قال : كيف تجد الذي بعده ؟
قال : أجد صدأ حديد .
قال : فوضع عمر يده على رأسه وقال : يا دفراه ، يا دفراه !
قال : يا أمير المؤمنين ، إنه خليفة صالح ، ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول ، والدم مهراق وقوله تعالى ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) هذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة ، وهكذا كان حاله ، عليه الصلاة والسلام ، لا يأمر إلا بخير ، ولا ينهى إلا عن شر ، كما قال عبد الله بن مسعود : إذا سمعت الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) فأرعها سمعك ، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه .
ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله تعالى به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له ، والنهي عن عبادة من سواه ، كما أرسل به جميع الرسل قبله ، كما قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر - هو العقدي عبد الملك بن عمرو - حدثنا سليمان - هو ابن بلال - عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الملك بن سعيد ، عن أبي حميد وأبي أسيد ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم ، وتلين له أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه منكم قريب ، فأنا أولاكم به .
وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم ، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه منكم بعيد ، فأنا أبعدكم منه " هذا [ حديث ] جيد الإسناد ، لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب [ الستة ] وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : إذا حدثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ، فظنوا به الذي هو أهدى ، والذي هو أهنا ، [ والذي هو أنجى ] والذي هو أتقى ثم رواه عن يحيى بن سعيد ، عن مسعر ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : إذا حدثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ، فظنوا به الذي هو أهداه وأهناه وأتقاه وقوله : ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) أي : يحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر ، والسوائب ، والوصائل ، والحام ، ونحو ذلك ، مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم ، ويحرم عليهم الخبائث .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : كلحم الخنزير والربا ، وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى .
وقال بعض العلماء : كل ما أحل الله تعالى ، فهو طيب نافع في البدن والدين ، وكل ما حرمه ، فهو خبيث ضار في البدن والدين .
وقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح العقليين ، وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له .
وكذا احتج بها من ذهب من العلماء إلى أن المرجع في حل المآكل التي لم ينص على تحليلها ولا تحريمها ، إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها ، وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته .
وفيه كلام طويل أيضا .
وقوله : ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) أي : إنه جاء بالتيسير والسماحة ، كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " بعثت بالحنيفية السمحة " .
وقال لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري ، لما بعثهما إلى اليمن : " بشرا ولا تنفرا ، ويسرا ولا تعسرا ، وتطاوعا ولا تختلفا " .
وقال صاحبه أبو برزة الأسلمي : إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت تيسيره .
وقد كانت الأمم الذين كانوا قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم ، فوسع الله على هذه الأمة أمورها ، وسهلها لهم ; ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ، ما لم تقل أو تعمل " وقال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ; ولهذا قد أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) [ البقرة : 286 ] وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه : قد فعلت ، قد فعلت وقوله : ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ) أي : عظموه ووقروه ، ( واتبعوا النور الذي أنزل معه ) أي : القرآن والوحي الذي جاء به مبلغا إلى الناس ، ( أولئك هم المفلحون ) أي : في الدنيا والآخرة .
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ قال أبو جعفر: وهذا القول إبانةٌ من الله جل ثناؤه عن أنّ الذين وَعَد موسى نبيَّه عليه السلام أن يكتب لهم الرحمة التي وصفَها جل ثناؤه بقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم, لأنه لا يعلم لله رسولٌ وُصف بهذه الصفة = أعني " الأمي" = غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15214- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
15215- ....
قال، حدثنا زيد بن حباب, عن حماد بن سلمة, عن عطاء, عن ابن عباس قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
15216- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا يحيى بن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد في قوله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فقال موسى عليه السلام: ليتني خلقت في أمّة محمدٍ!.
15217- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: الذين يتّبعون محمدًا صلى الله عليه وسلم.
15218- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن شهر بن حوشب, عن نوف الحميري قال: لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه، قال الله لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا, وأجعل السكينة معكم في بيوتكم, وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظَهْر قلوبكم, (17) يقرؤها الرجل منكم والمرأةُ، والحرُّ والعبدُ، والصغير والكبير.
فقال موسى لقومه: إن الله قد يجعل لكم الأرض طهورًا ومسجدًا.
قالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس!
قال: ويجعل السكينة معكم في بيوتكم.
قالوا: لا نريد إلا أن تكون كما كانت، في التابوت!
قال: ويجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم, (18) ويقرؤها الرجل منكم والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير.
قالوا: لا نريد أن نقرأها إلا نظرًا!
فقال الله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ إلى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
(19) 15219- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن يحيى بن أبي كثير, عن نوف البكالي قال: لما انطلق موسى بوفد بني إسرائيل، كلّمه الله فقال: إني قد بسطت لهم الأرض طهورًا ومساجدَ يصلُّون فيها حيث أدركتهم الصلاة، إلا عند مرحاضٍ أو قبر أو حمّام, وجعلت السكينة في قلوبهم, وجعلتهم يقرأون التوراةَ عن ظهر ألسنتهم.
قال: فذكر ذلك موسى لبني إسرائيل, فقالوا: لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا, فاجعلها لنا في تابوت, ولا نقرأ التوراة إلا نظرًا, ولا نصلي إلا في الكنيسة!
فقال الله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، حتى بلغ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
قال: فقال موسى عليه السلام: يا ربّ، اجعلني نبيَّهم!
قال: نبيُّهم منهم!
قال: رب اجعلني منهم!
قال: لن تدركهم!
قال: يا ربّ، أتيتك بوفد بني إسرائيل, فجعلت وِفَادَتنا لغيرنا!
فأنـزل الله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [سورة الأعراف: 159].
= قال نوف البكالي: فاحمدوا الله الذي حَفظ غيبتكم, وأخذ لكم بسهمكم, وجعل وفادة بني إسرائيل لكم.
15220- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن يحيى بن أبي كثير, عن نوف البكالي بنحوه= إلا أنه قال: فإني أنـزل عليكم التوراة تقرأونها عن ظهر ألسنتكم, رجالكم ونساؤُكم وصبيانكم.
قالوا: لا نُصلّي إلا في كنيسة, ثم ذكر سائر الحديث نحوه.
15221- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
(20) 15222- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: هؤلاء أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
15223- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: لما قيل: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ، تمنّتها اليهود والنصارى, فأنـزل الله شرطًا بيّنًا وثيقًا فقال: " الذين يتبعون الرَّسول النبيّ الأمي"، وهو نبيكم صلى الله عليه وسلم، كان أمِّيًّا لا يكتبُ.
(21) * * * وقد بينا معنى " الأمي" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.
(22) * * * وأما قوله: " الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل "، فإن " الهاء " في قوله: " يجدونه "، عائدة على " الرسول ", وهو محمّد صلى الله عليه وسلم، كالذي: - 15224- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: " الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ"، هذا محمّد صلى الله عليه وسلم.
15225- حدثني ابن المثني قال، حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا فليح، عن هلال بن علي, عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو, فقلت: أخبرني عن صفة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في التوراة.
قال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفتِه في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا للأمِّيين, أنت عبدي ورسولي, سميتك المتوكّل, (23) ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخَّاب في الأسواق, ولا يجزي بالسيئة السيئة, ولكن يعفو ويصفح، ولن نقبضه حتى نقيم به الملةَ العوجاء, بأن يقولوا: " لا إله إلا الله "، فنفتح به قلوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمًّا, وأعينًا عُمْيًا= قال عطاء: ثم لقيتُ كعبًا فسألته عن ذلك, فما اختلفا حرفًا, إلا أن كعبًا قال بلغته: قلوبًا غُلُوفيا، وآذانًا صمومِيَا, وأعينًا عُمْوميا.
(24) 15226- حدثني أبو كريب قال، حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا فليح بن سليمان, عن هلال بن علي قال، حدثني عطاء قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص, فذكر نحوه= إلا أنه قال في كلام كعب: أعينًا عمومَا, وآذانًا صموما, وقلوبًا غُلُوفَا.
15227- ...
قال، حدثنا موسى قال، حدثنا عبد العزيز بن سلمة, عن هلال بن علي, عن عطاء بن يسار, عن عبد الله بنحوه= وليس فيه كلام كعب.
15228- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال الله: " الذي يجدونه مكتوبًا عندهم "، يقول: يجدون نعتَه وأمرَه ونبوّته مكتوبًا عندهم.
* * * القول في تأويل قوله : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يأمر هذا النبيُّ الأميُّ أتباعَه بالمعروف= وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى, فذلك " المعروف " الذي يأمرهم به (25) = " وينهاهم عن المنكر " وهو الشرك بالله, والانتهاء عمّا نهاهم الله عنه.
(26) وقوله: " ويحل لهم الطيبات "، وذلك ما كانت الجاهلية تحرِّمه من البحائر والسَّوائب والوصائل والحوامي (27) = " ويحرم عليهم الخَبَائث "، وذلك لحم الخنـزير والرِّبا وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله، (28) كما:- 15229- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " ويحرم عليهم الخبائث "، وهو لحم الخنـزير والربا, وما كانوا يستحلونه من المحرَّمات من المآكلِ التي حرمها الله.
* * * وأما قوله: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: يعني بـ" الإصر "، العهدَ والميثاقَ الذي كان أخذه على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة.
* ذكر من قال ذلك: 15230- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: عهدهم.
15231- ...
قال حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك، قال: عهدهم.
15232- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن علي قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, مثله.
15233- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن مبارك, عن الحسن: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: العهود التي أعطوها من أنفسهم.
15234- ....
قال، حدثنا ابن نمير, عن موسى بن قيس, عن مجاهد: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: عهدهم.
(29) 15235- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثيقَهم التي أخذت عليهم في التوراة والإنجيل.
15236- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم.
يقول: يضع ذلك عنهم.
* * * وقال بعضهم: عني بذلك أنه يضع عمن اتّبع نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم، التشديدَ الذي كان على بني إسرائيل في دينهم.
* ذكر من قال ذلك: 15237- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم بإقالةٍ منه وتجاوزٍ عنه.
15238- حدثني المثني قال حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: البولَ ونحوه، مما غُلِّظ على بني إسرائيل.
15239- ....
قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد قال: شدّة العمل.
15240- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " قال: من اتبع محمدًا ودينه من أهل الكتاب, وُضع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم.
15241- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث, عن ابن سيرين قال: قال أبو هريرة لابن عباس: ما علينا في الدين من حَرَج أن نـزني ونسرق؟
قال: بلى!
ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وُضِع عنكم.
15242- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: إصرهم الذي جعله عليهم.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ " الإصر " هو العهد= وقد بينا ذلك بشواهده في موضعٍ غير هذا بما فيه الكفاية (30) = وأن معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأميُّ العهدَ الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل، من إقامة التوراة والعملِ بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول, وتحريم الغنائم, ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضةً, فنسخها حُكْم القرآن.
* * * وأما " الأغلال التي كانت عليهم ", فكان ابن زيد يقول بما: - 15243- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عنه في قوله: " والأغلال التي كانت عليهم "، قال: " الأغلال "، وقرأ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [سورة المائدة: 64].
قال: تلك الأغلال.
قال: ودعاهم إلى أن يؤمنوا بالنبيّ فيضع ذلك عنهم.
* * * القول في تأويل قوله : فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأمي, وأقرُّوا بنبوّته (31) = " وعزَّروه "، يقول: وَقَّروه وعظموه وحَمَوه من الناس، (32) كما: - 15244- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " وعزروه "، يقول: حموه وقَّروه.
15245- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثني موسى بن قيس, عن مجاهد: " وعزروه ونصروه " : " عزَّروه "، سدَّدوا أمره, وأعانوا رَسُوله= " ونَصَرُوه ".
* * * وقوله: " نصروه "، يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه، بجهادهم ونصب الحرب لهم = " واتبعوا النور الذي أنـزل معه "، يعني القرآن والإسلام (33) = " أولئك هم المفلحون "، يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، هم المنجحون المدرِكون ما طلبُوا ورجَوْا بفعلهم ذلك.
(34) 15246- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: فما نقموا= يعني اليهود= إلا أن حسدوا نبيَّ الله, فقال الله: " الذين آمنوا به وعزّروه ونصروه "، فأما نصره وتعزيره فقد سبقتم به, ولكن خياركم من آمن بالله واتَّبع النور الذي أنـزل معه.
* * * يريد قتادة بقوله " فما نَقَموا إلا أن حسدوا نبي الله "، أن اليهودَ كان محمَّد صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند الله رحمةً عليهم لو اتبعوه, لأنه جاء بوضع الإصر والأغلال عنهم, فحملهم الحسد على الكفر به، وترك قبول التخفيف، لغلبة خِذْلانِ الله عليهم.
----------------- الهوامش : (17) (1) في المطبوعة : (( عن ظهور قلوبكم )) ، بجمع (( ظهور )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .
(18) (2) في المطبوعة : (( عن ظهور )) ، وتنظر التعليق السالف .
(19) الأثر: 15218 "نوف الحميري" هو نوف البكالي المذكور في الأثريين التاليين: 515219 ، 15220 ، وهو "نوف بن فضالة الحميري البكالي الشامي" مضى برقم : 3965 ، 9446 ، 9456 .
(20) (1) الأثر : 15221 - (( إسحق بن إسماعيل )) هو (( حبويه )) ، (( أبو يزيد الرازي )) ، الذي مضى قريباً برقم : 15198 ، وصرح هنا أول مرة باسمه .
(21) (2) الأثر : 15223 - انظر الأثر السالف رقم : 15205 (22) (3) انظر تفسير (( الأمي )) فيما سلف 2 : 257 - 259 / 3 : 442 / 6 : 281 ، 282 ، 522/ ثم انظر رقم : 5827 ، 1774 ، 6775 .
(23) (1) في المطبوعة : (( سميتك )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(24) (2) الأثر : 15225 - (( عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدي )) ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، روى له الجماعة ، سلف برقم : 5458 .
و (( فليح )) ، هو (( فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزامي )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 5090 .
و (( هلال بن على بن أسامة المدني )) ، وينسب إلى جده فيقال : (( هلال بن أسامة )) ، ثقة ، مضى برقم : 1495.
وانظر الآثار التالية .
(25) (1) انظر تفسير (( المعروف )) فيما سلف 9 : 201 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(26) (2) انظر تفسير (( المنكر )) فيما سلف 10 : 496 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(27) (3) انظر تفسير (( الطيبات )) فيما سلف 11 : 96 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(28) (4) انظر تفسير (( الخبائث )) فيما سلف 11 : 96 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(29) (1) الأثر : 15234 - (( موسى بن قيس الحضرمى )) ، مضى برقم : 6513 .
(30) (1) انظر تفسير (( الإصر )) فيما سلف 6 : 135 - 138 ، 560 .
(31) (2) انظر تفسير (( الإيمان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أمن ) .
(32) (3) انظر تفسير (( التعزير )) فيما سلف 10 : 119 - 121 .
(33) (1) انظر تفسير (( النور )) فيما سلف 11 : 526 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(34) (2) انظر تفسير (( الفلاح )) فيما سلف : 12 : 505 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون فيه عشر مسائل :الأولى : روى يحيى بن أبي كثير عن نوف البكالي الحميري : لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه قال الله تعالى لموسى : أنا أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر ، وأجعل السكينة في قلوبكم ، وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهر قلوبكم ، يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير [ ص: 267 ] والكبير .
فقال ذلك موسى لقومه ، فقالوا : لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت ، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا ، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا .
فقال الله تعالى : فسأكتبها للذين يتقون إلى قوله المفلحون .
فجعلها لهذه الأمة .
فقال موسى : يا رب ، اجعلني نبيهم .
فقال : نبيهم منهم .
قال : رب اجعلني منهم .
قال : إنك لن تدركهم .
فقال موسى : يا رب ، أتيتك بوفد بني إسرائيل ، فجعلت وفادتنا لغيرنا .
فأنزل الله عز وجل : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون .
فرضي موسى .
قال نوف : فاحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم .
وذكر أبو نعيم أيضا هذه القصة من حديث الأوزاعي قال : حدثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال حدثني نوف البكالي إذا افتتح موعظة قال : ألا تحمدون ربكم الذي حفظ غيبتكم وأخذ لكم بعد سهمكم وجعل وفادة القوم لكم .
وذلك أن موسى عليه السلام وفد ببني إسرائيل فقال الله لهم : إني قد جعلت لكم الأرض مسجدا حيثما صليتم فيها تقبلت صلاتكم إلا في ثلاثة مواطن من صلى فيهن لم أقبل صلاته المقبرة والحمام والمرحاض .
قالوا : لا ، إلا في الكنيسة .
قال : وجعلت لكم التراب طهورا إذا لم تجدوا الماء .
قالوا : لا ، إلا بالماء .
قال : وجعلت لكم حيثما صلى الرجل فكان وحده تقبلت صلاته .
قالوا : لا ، إلا في جماعة .الثانية : قوله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي هذه الألفاظ كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله : فسأكتبها للذين يتقون وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ; قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما .
و يتبعون يعني في شرعه ودينه وما جاء به .
والرسول والنبي صلى الله عليه وسلم اسمان لمعنيين ; فإن الرسول أخص من النبي .
وقدم الرسول اهتماما بمعنى الرسالة ، وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم ; ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال : وبرسولك الذي أرسلت .
فقال له : قل آمنت بنبيك الذي أرسلت خرجه في الصحيح .
وأيضا فإن في قوله : " وبرسولك الذي أرسلت " تكرير الرسالة ; وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه .
بخلاف قوله : " ونبيك الذي أرسلت " فإنهما لا تكرار فيهما .
وعلى هذا فكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ; لأن الرسول والنبي قد اشتركا في [ ص: 268 ] أمر عام وهو النبأ ، وافترقا في أمر خاص وهي الرسالة .
فإذا قلت : محمد رسول من عند الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول الله .
وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .الثالثة : قوله تعالى : الأمي هو منسوب إلى الأمة الأمية ، التي هي على أصل ولادتها ، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها ; قاله ابن عزيز .
وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب ; قال الله تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك .
وروي في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب .
الحديث .
وقيل : نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة أم القرى ; ذكره النحاس .الرابعة : قوله تعالى : الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل روى البخاري قال : حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال عن عطاء بن يسار لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة .
فقال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا .في غير البخاري قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلفا حرفا ; إلا أن كعبا قال بلغته : قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا .
قال ابن عطية : وأظن هذا وهما أو عجمة .
وقد روي عن كعب أنه قالها : قلوبا غلوفا وآذانا صموما وأعينا عموميا .
قال الطبري : هي لغة حميرية .
وزاد كعب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قال : مولده بمكة ، وهجرته بطابة ، وملكه بالشأم ، وأمته الحامدون ، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزل ، يوضئون أطرافهم ويأتزرون إلى أنصاف ساقهم ، رعاة الشمس ، يصلون الصلوات حيثما أدركتهم ولو على ظهر [ ص: 269 ] الكناسة ، صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة .
ثم قرأ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص .الخامسة : قوله تعالى يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر قال عطاء : يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد ، ومكارم الأخلاق ، وصلة الأرحام .
وينهاهم عن المنكر عبادة الأصنام ، وقطع الأرحام .السادسة : قوله تعالى ويحل لهم الطيبات مذهب مالك أن الطيبات هي المحللات ; فكأنه وصفها بالطيب ; إذ هي لفظة تتضمن مدحا وتشريفا .
وبحسب هذا نقول في الخبائث : إنها المحرمات ; ولذلك قال ابن عباس : الخبائث هي لحم الخنزير والربا وغيره .
وعلى هذا حلل مالك المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها .
ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم ; إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها ; لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير ، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع .
ويرى الخبائث لفظا عاما في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات ; فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى .
والناس على هذين القولين .
وقد تقدم في " البقرة " هذا المعنى .السابعة : قوله تعالى ويضع عنهم إصرهم الإصر : الثقل ; قاله مجاهد وقتادة وابن جبير .
والإصر أيضا : العهد ; قاله ابن عباس والضحاك والحسن .
وقد جمعت هذه الآية المعنيين ، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال ; فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال ; كغسل البول ، وتحليل الغنائم ، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها ; فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه .
وروي : جلد أحدهم .
وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها ، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها ، إلى غير ذلك مما ثبت في الحديث الصحيح وغيره .الثامنة : قوله تعالى والأغلال التي كانت عليهم فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال .
ومن الأثقال ترك الاشتغال يوم السبت ; فإنه يروى أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه .
هذا قول جمهور المفسرين .ولم يكن فيهم الدية ، [ ص: 270 ] وإنما كان القصاص .
وأمروا بقتل أنفسهم علامة لتوبتهم ، إلى غير ذلك .
فشبه ذلك بالأغلال ; كما قال الشاعر :فليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسلوعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى العدل شيئا فاستراح العواذلفشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطي إلى المحظورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب .
ومن هذا المعنى قولأبي أحمد بن جحش لأبي سفيان :اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامهأي لزمك عارها .
يقال : طوق فلان كذا إذا لزمه .التاسعة : إن قيل : كيف عطف الأغلال وهو جمع على الإصر وهو مفرد ; فالجواب أن الإصر مصدر يقع على الكثرة .
وقرأ ابن عامر ( آصارهم ) بالجمع ; مثل أعمالهم .
فجمعه لاختلاف ضروب المآثم .
والباقون بالتوحيد ; لأنه مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه مع إفراد لفظه .
وقد أجمعوا على التوحيد في قوله : ولا تحمل علينا إصرا وهكذا كلما يرد عليك من هذا المعنى ; مثل وعلى سمعهم لا يرتد إليهم طرفهم ومن طرف خفي كله بمعنى الجمع .العاشرة : فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه أي وقروه ونصروه .
قال الأخفش : وقرأ الجحدري وعيسى ( وعزروه ) بالتخفيف .
وكذا ( وعزرتموهم ) .
يقال : عزره يعزره ويعزره .والنور القرآنوالفلاح : الظفر بالمطلوب .
وقد تقدم هذا .
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.
والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها اللّه لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه.
وأنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.
فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك باللّه، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.
فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ من المطاعم والمشارب، والمناكح.
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أي: عظموه وبجلوه وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنـزلَ مَعَهُ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح.
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنـزل معه، فأولئك هم الخاسرون.
( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ) الآية .
قال نوف البكالي الحميري : لما اختار موسى قومه سبعين رجلا قال الله تعالى لموسى : أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا ، تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر ، وأجعل السكينة في قلوبكم ، وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم ، يقرؤها الرجل والمرأة ، والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فقال ذلك موسى لقومه ، فقالوا : لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا ، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا ، فقال الله تعالى : " فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة " إلى قوله : " أولئك هم المفلحون " ، فجعلها الله لهذه الأمة .
فقال موسى عليه السلام : يا رب اجعلني نبيهم ، فقال : نبيهم منهم ، قال : رب اجعلني منهم فقال : إنك لن تدركهم ، فقال موسى عليه السلام : يا رب إني أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا ، فأنزل الله تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) الأعراف - 159 ، فرضي موسى .
قوله تعالى : ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ) وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - .
قال ابن عباس رضي الله عنهما هو نبيكم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وهو منسوب إلى الأم ، أي هو على ما ولدته أمه .
وقيل هو منسوب إلى أمته ، أصله أمتي فسقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني وقيل : هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة .
( الذي يجدونه ) أي : يجدون صفته ونعته ونبوته ، ( مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أن أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة : قال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا " .
تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال عن عطاء عن ابن سلام أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي حدثنا عبد الله بن عثمان عن أبي حمزة عن الأعمش عن أبي صالح عن عبد الله بن ضمرة عن كعب - رضي الله عنه - قال : إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد ، يأتزرون على أنصافهم ويوضئون أطرافهم ، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء ، مناديهم ينادي في جو السماء ، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل ، مولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام .
قوله تعالى : ( يأمرهم بالمعروف ) أي : بالإيمان ، ( وينهاهم عن المنكر ) أي : عن الشرك ، وقيل : المعروف : الشريعة والسنة ، والمنكر : ما لا يعرف في شريعة ولا سنة .
وقال عطاء : يأمرهم بالمعروف : بخلع الأنداد ، ومكارم الأخلاق ، وصلة الأرحام ، وينهاهم عن المنكر : عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام .
( ويحل لهم الطيبات ) يعني : ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ( ويحرم عليهم الخبائث ) يعني : الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، والزنا وغيرها من المحرمات .
( ويضع عنهم إصرهم ) قرأ ابن عامر " آصارهم " بالجمع .
والإصر : كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل .
قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد : يعني العهد الثقيل كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة .
وقال قتادة : يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين ، ( والأغلال ) يعني : الأثقال ( التي كانت عليهم ) وذلك مثل : قتل الأنفس في التوبة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض ، وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية ، وترك العمل في السبت ، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس ، وغير ذلك من الشدائد .
وشبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق .
( فالذين آمنوا به ) أي : بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
( وعزروه ) وقروه ، ( ونصروه ) على الأعداء ( واتبعوا النور الذي أنزل معه ) يعني : القرآن ( أولئك هم المفلحون )
«الذين يتبعون الرسول النبي الأمي» محمدا صلى الله عليه وسلم «الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل» باسمه وصفته «يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات» مما حُرم في شرعهم «ويحرم عليهم الخبائث» من الميتة ونحوها «ويضع عنهم إصرَهُم» ثقلهم «والأغلال» الشدائد «التي كانت عليهم» كقتل النفس من التوبة وقطع أثر النجاسة.
«فالذين آمنوا به» منهم «وعَزَّروه» ووقروه «ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه» أي القرآن «أولئك هم المفلحون».
هذه الرحمة سأكتبها للذين يخافون الله ويجتنبون معاصيه، ويتبعون الرسول النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يجدون صفته وأمره مكتوبَيْن عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالتوحيد والطاعة وكل ما عرف حُسْنه، وينهاهم عن الشرك والمعصية وكل ما عرف قُبْحه، ويُحِلُّ لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والمناكح، ويُحرِّم عليهم الخبائث منها كلحم الخنزير، وما كانوا يستحلُّونه من المطاعم والمشارب التي حرَّمها الله، ويذهب عنهم ما كُلِّفوه من الأمور الشاقة كقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، والقصاص حتمًا من القاتل عمدًا كان القتل أم خطأ، فالذين صدَّقوا بالنبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم وأقروا بنبوته، ووقروه وعظَّموه ونصروه، واتبعوا القرآن المنزل عليه، وعملوا بسنته، أولئك هم الفائزون بما وعد الله به عباده المؤمنين.
ثم أضاف - سبحانه - صفات أخرى لمن هم أهل لرحمته ورضوانه .وهذه الصفات تنطبق كل الانطباق على محمد صلى الله عليه وسلم الذى أمر بنو إسرائيل وغيرهم باتباعه فقال تعالى : ( الذين يَتَّبِعُونَ الرسول .
.
.
.
) .قوله - تعالى - ( الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي ) فى محل جر على أنه نعت لقوله : ( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) أو بدل منه .
أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف .
أى : هم الذين يتبعون .
.
.
الخ .وقد وصف الله - تعالى - رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأوصاف كريمة تدعو العاقل المنصف إلى اتباعه والإيمان به .الوصف الأول : أنه رسول الله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً .الوصف الثانى : أنه بنى أوحى الله إليه بشريعة عامة كاملة باقية إلى يوم الدين .الوصف الثالث : أنه أمى ما قرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم ولا أخذ علمه عن أحد ولكن الله - تعالى - أوحى إليه بالقرآن الكريم عن طريق جبريل - عليه السلام - ، وأفاض عليه من لدنه علوما نافعة ومبادىء توضح ما أنزله عليه من القرآن الكريم ، فسبق بذلك الفلاسفة والمشرعين والمؤرخين وأرباب العلوم الكونية والطبيعية ، فأميته مع هذه العلوم التى يصلح عليها أمر الدنيا والآخرة ، أوضح دليل على أن ما يوقله إنما هو بوحى من الله إليه .قال تعالى : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ) وقال - سبحانه - ( وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون ) الصفة الرابعة : أشار إليها بقوله ( الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل ) أى هذا الرسول النبى الأمى من صفاته أن أهل الكتاب يجدون اسمه ونعته مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل ، ووجود اسمه ونعته فى كتبهم من أكبر الدواعى إلى الإيمان به وتصديقه واتباعه ولقد كان اليهود يبشرون ببعثة النبى صلى الله عليه وسلم قبل زمانه ويقرؤون فى كتبهم ما يدل على ذلك ، فلما بعث الله - تعالى - نبيه بالهدى ودين الحق آمن منهم الذين فتحوا قلوبهم للحق ، وخافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى ، وأما الذين استنكفوا واستكبروا ، وحسدوا محمدا صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله فقد أخذوا يحذفون من كتبهم ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم فيها ، " أو يؤولونه تأويلا فاسداً أو يكتمونه عن عامتهم .ورغم حرصهم على حذف ما جاء عن الرسول فى كتبهم أو تأويلهم السقيم له ، أو كتمانه عن الأميين منهم .
أبى الله - تعالى - إلا أن يتم نوره ، إذ بقى فى التوراة والإنجيل ما بشر بالنبى صلى الله عليه وسلم وصرح بنعوته وصفاته ، بل وباسمه صريحا .وذد تحدث العلماء الاثبات عن بشارات الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم وجمعوا عشرات النصوص التى ذكرت نعوته وصفاته ، وها نحن نذكر طرفا مما قاله العلماء فى هذا الشأن .قال الإمام الماوردى فى ( أعلام النبوة ) : ( وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء ، بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مما هو حجة على أممهم ، ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم ، بما أطلعه الله - تعالى - على غيبه ، ليكون عونا للرسل ، وحثا على القبول ، فمنهم من عينه باسمه ، ومنهم من ذكره بصفته ومنهم من عزاه إلى قومه ، ومنهم من أضافه إلى بلده ، ومنهم من خصه بأفعاله ، ومنه من ميزه بظهوره وانتشاره ، وقد حقق الله - تعالى - هذه الصفات جميعها فيه ، حتى صار جلياً بعد الاحتمال ، ويقينا بعد الارتياب ) .وجاء فى ( منية الأذكياء فى قصص الأنبياء ) : ( إن نبينا - عليه الصلاة والسلام - قد بشر به الأنبياء السابقون ، وشهدوا بصدق نبوته ، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال ، حيث صرحوا باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته ، ومع أن أهل الكتاب حذفوا اسمه من نسخهم الأخيرة إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا ، لبقاء الصفات التى اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهى أظهر دلالة من الاسم على المسمى ، إذ قد يشترك اثنان فى اسم ، ويمتنع اشتراك اثنين فى جميع الأوصاف .
لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا فى تحريف بعض الصفات ليبعد صدقها على النبى صلى الله عليه وسلم فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها فى بعض المواضع اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره ، ولا ما قصد به .
ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم .
لانتشار النسخ بالطبع وتيسير المقابلة بينها " .وقال المرحوم الشيخ ( رحمة الله الهندى ) فى كتابه ( إظهار الحق ) ( إن الأخبار الواقعة فى حق محمد صلى الله عليه وسلم توجد كثيرة إلى الآن - أيضا - مع وقوع التحريفات فى هذه الكتب .
ومن عرف أولا طريق أخبار النبى المتقدم عن النبى المتأخر .
ثم نظر ثانيا بنظر الانصاف إلى هذه الاخبارات وقابلها بالاخبارات التى نقلها الانجيليون فى حق عيسى - عليه السلام - جزم بأن الاخبارات المحمدية فى غاية القوة ) .وقد جمع صاحب كتاب ( إظهار الحق ) وغيره من العلماء والمؤرخين كثيراً من البشائر التى وردت فى التوراة والإنجيل خاصة بالنبى صلى الله عليه وسلم ومبينة نعوته وصفاته .ومن أجمع ما جاء فى التوراة خاصاً بالنبى صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخارى عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضى الله عنهما - قال : ( قرأت فى التوراة صفة النبى صلى الله عليه وسلم ( محمد رسول الله : عبدى ورسولى ، سميته المتوكل ، ليس بفظ ، ولا غليط ، ولا صخاب فى الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، بل يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله ) .كذلك مما يشهد بوجود النبى صلى الله عليه وسلم فى التوراة ، ما أخرجه الإمام أحمد عن أبى صخر العقيلى قال : ( حدثنى رجل من الأعراب فقال : جلبت حلوبة .
إلى المدينة فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم فلما فرغت من بيعى قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه ، قال : فتلقانى بين ابى بكر وعمر يمشيان ، فتبعتهم حتى إذا أتوا على رجل من اليهود وقد نشر التوراة يقرؤها يعزى بها نفسه عن ابن له فى الموت كأجمل الفتيان وأحسنها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالذى أنزل التوراة هل تجد فى كتابك هذا صفتى ومخرجى ) فقال برأسه هكذا ، أى : لا ، فقال ابنه : أى والذى أنزل التوراة إنا لنجد فى كتابنا صفتك ومخرجك ، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقيموا اليهودى عن أخيكم " ثم تولى كفنه والصلاة عليه .هذا ، ومن أراد مزيد معرفة بتلك المسألة فليراجع ما كتبه العلماء فى ذلك .ثم وصف الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بصفة خامسة فقال تعالى : ( يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر ) أى هذا الرسول النبى الأمى الذى يجده أهل الكتاب مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل من صفاته كذلك أنه يأمرهم بالمعروف الذى يتناول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما يتناول مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وغير ذلك من الأمور التى جاء بها الشرع الحنيف .
وارتاحت لها العقول السليمة ، والقلوب الطاهرة وينهاهم عن المنكر الذى يتناول الكفر والمعاصى ومساوىء الأخلاق .ثم وصف الله - تعالى - رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بصفة سادسة فقال تعالى : ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث ) أى : يحل لهم ما حرمه الله عليهم من الطيبات كالشحوم وغيرها بسبب ظلمهم وفسوقهم عقوبة لهم ، ويحل لهم كذلك ما كانوا قد حرموه على أنفسهم دون أن يأذن به الله كلحوم الإبل وألبانها ، ويحرم عليهم ما هو خبيث كالدم ولحم الميتة والخنزير فى المأكولات ، وكأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل فى المعاملات وفى ذلك سعادتهم وفلاحهم .ثم وصف الله تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بصفة سابعة فقال تعالى : ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) .الإصر : الثقل الذى يأصر صاحبه .
أى بحبسه عن الحركة الثقيلة ، ويطلق على العهد كما فى قوله تعالى : ( قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي ) أى عهدى .قال القرطبى : " وقد جمعت هذه الآية المعنيين ، فإن بنى إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال ، كغسل البول ، وتحليل الغنائم ، ومجالسة الحائض ، ومؤاكلتها ومضاجعتها .فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضته .
وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها وإذا حاضت المرأة لم يقربوها .
إلى غير ذلك مما ثبت فى الصحيح وغيره " .والأغلال : جمع غل .
وهو ما يوضع فى العنق أو اليد من الحديد .
والتعبير بوضع الإصر والأغلال عنهم استعارة لما كان فى شرائعهم من الأشياء الشاقة والتكاليف الشديدة كاشتراط قتل النفس لصحة التوبة .
فقد شبه - سبحانه - ما أخذ به بنو إسرائيل من الشدة فى العبادات والمعاملات والمأكولات جزاء ظلمهم بحال من يحمل أثقالا يئن من حملها وهو فوق ذلك مقيد بالسلاسل؛ والأغلال فى عنقه ويديه ورجليه .والمعنى : إن من صفات هذا الرسول النبى الأمى أنه جاءهم ليرفع عنهم ما ثقل عليهم من تكاليف كلفهم الله بها بسبب ظلمهم .
لأنه - عليه الصلاة والسلام - جاء بالتبشير والتخفيف .
وبعث بالحنيفية السمحة .
ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم : " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " .قال الإمام ابن كثير : " وقد كانت الأمم التى قبلنا فى شرائعهم ضيق عليهم .
فوسع الله على هذه الأمة أمورها .
وسهلها لهم .
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسهم ما لم تقل أو تعمل " وقال : " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولهذا قال : أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا : ( رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ أَنتَ مَوْلاَنَا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين ) وثبت فى صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه : قد فعلت قد فعلت " .إذا ، فمن الواجب على بنى إسرائيل أن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم الذى هذه صفاته ، والذى فى اتباعه سعادتهم فى دنياهم وآخرتهم ، ولهذا ختم الله - تعالى - الآية الكريمة ببيان حالة المصدقين لنبيه فقال تعالى :( فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ أولئك هُمُ المفلحون ) .أى : فالذين آمنوا بهذا الرسول النبى الأمى من بنى إسرائيل وغيرهم وعزروه ، بأن منعوه وحموه من كل من يعاديه ، مع التعظيم والتوقير له ونصروه بكل وسائل النصر ( واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ ) وهو القرآن والوحى الذى جاء به ودعا إليه الناس ، ( أولئك هُمُ المفلحون ) أى الفائزون الظافرون برحمة الله ورضوانه .وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت النبى صلى الله عليه وسلم بأحسن الصفات وأكرم المناقب ، وأقامت الحجة على أهل الكتاب بما يجدونه فى كتبهم وعلى ألسنة رسلهم بأنه ما جاء إلا لهدايته وسعادتهم ، وأنهم إن آمنوا به وصدقوه ، كانوا من ( الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أولئك الذين هَدَاهُمُ الله وأولئك هُمْ أُوْلُواْ الألباب )
اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بالآيات، ضم إلى ذلك أن يكون من صفته اتباع ﴿ النبى الأمى الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل ﴾ واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة، إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق، وقال في قوله: ﴿ والإنجيل ﴾ أن المراد سيجدونه مكتوباً في الإنجيل، لأن من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل، وقال بعضهم: بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي الأمي.
والقول الثاني أقرب، لأن اتباعه قبل أن بعث ووجد لا يمكن.
فكأنه تعالى بين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى، ومن هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعاً للنبي الأمي في شرائعه.
إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى وصف محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات تسع.
الصفة الأولى: كونه رسولاً، وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف.
الصفة الثانية: كونه نبياً، وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى.
الصفة الثالثة: كونه أمياً.
قال الزجاج: معنى ﴿ الأمى ﴾ الذي هو على صفة أمة العرب.
قال عليه الصلاة والسلام: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب».
فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أمياً.
قال أهل التحقيق وكونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لابد وأن يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير، ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير.
فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى ﴾ والثاني: أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كتاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارتاب المبطلون ﴾ الثالث: أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر، ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلاً وفهماً، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات.
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل ﴾ وهدا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل، لأن ذلك لو لم يكن مكتوباً لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفِّرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول قوله: فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكوراً في التوراة والإنجيل وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته.
الصفة الخامسة: قوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بالمعروف ﴾ قال الزجاج: يجوز أن يكون قوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بالمعروف ﴾ استئنافاً، ويجوز أن يكون المعنى ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ ﴾ أنه ﴿ يَأْمُرُهُم بالمعروف ﴾ وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله عليه الصلاة والسلام: «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله» وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته.
أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفاً بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزهاً عن الأضداد والأنداد، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيواناً، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث أنها مخلوقة لله تعالى، ومن حيث أن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام.
ومن حيث إن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسراراً عجيبة وحكماً خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه الصلاة والسلام: «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله» كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف.
الصفة السادسة: قوله: ﴿ وينهاهم عَنِ المنكر ﴾ والمراد منه أضداد الأمور المذكورة وهي عبادة الأوثان، والقول في صفات الله بغير علم، والكفر بما أنزل الله على النبيين، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين.
الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات ﴾ من الناس من قال: المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين: الأول: أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذ محض التكرير.
الثاني: أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة، لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي؟
بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل.
الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث ﴾ قال عطاء عن ابن عباس، يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله: ﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ وأقول: كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سبباً للألم، والأصل في المضار الحرمة، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا لدليل منفصل.
وعلى هذا الأصل: فرع الشافعي رحمه الله تحريم بيع الكلب، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصحيحين أنه قال: الكلب خبيث، وخبيث ثمنه وإذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراماً لقوله تعالى: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث ﴾ وأيضاً الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله: ﴿ إِنَّمَا الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ رِجْسٌ ﴾ والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه، والخبيث حرام لقوله تعالى: ﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث ﴾ .
الصفة التاسعة: قوله تعالى: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر (وحده آصارهم) على الجمع، والباقون ﴿ إِصْرَهُمْ ﴾ على الواحد.
قال أبو علي الفارسي: الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته، وهو مفرد إلى الكثرة، كما قال: ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم ﴾ ومن جمع، أراد ضروباً من العهود مختلفة، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله: ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ﴾ .
المسألة الثانية: الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله، والمراد منه: أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة.
وقوله: ﴿ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ المراد منه: الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضار الخاطئة، وتتبع العروق من اللحم وجعلها الله أغلالاً، لأن التحريم يمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع عن الفعل، وقيل: كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعاً لله تعالى، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة.
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة، لأن كل ما كان ضرراً كان إصراً وغلاً، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» في الإسلام، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» وهو أصل كبير في الشريعة.
واعلم أنه لما وصف محمداً عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع.
قال بعده: ﴿ فالذين ءامَنُواْ بِهِ ﴾ قال ابن عباس: يعني من اليهود ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ يعني وقروه.
قال صاحب الكشاف: أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو الضرب، دون الحد، لأنه منع من معاودة القبيح.
ثم قال تعالى: ﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ أي على عدوه ﴿ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ وهو القرآن.
وقيل الهدى والبيان والرسالة.
وقيل الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور.
فإن قيل: كيف يمكن حمل النور هاهنا على القرآن؟
والقرآن ما أنزل مع محمد، وإنما أنزل مع جبريل.
قلنا: معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن.
ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات ﴿ قَالَ أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون ﴾ أي هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ أي من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، كقوله: وَمِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً، من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين، فقال: ليتخلف منكم رجلان: فتشاحوا، فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع.
وروي: أنه لم يصب إلا ستين شيخاً، فأوحى الله تعالى إليه أن تختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً.
وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، قد ذهب عنهم الجهل والصبا، فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سينا، لميقات ربه، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل.
ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.
فقال: رب أرني أنظر إليك، يريد: أن يسمعوا الردّ والإنكار من جهته، فأجيب بلن تراني، ورجف بهم الجبل فصعقوا.
ولما كانت الرجفة ﴿ قَالَ ﴾ موسى ﴿ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى ﴾ وهذا تمنّ منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب الرؤية، كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة: لو شاء الله لأهلكني قبل هذا ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا ﴾ يعني أتهلكنا جميعاً، يعني نفسه وإياهم، لأنه إنما طلب الرؤية زجراً للسفهاء، وهم طلبوها سفهاً وجهلاً ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ أي محنتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالاً فاسداً، حتى افتتنوا وضلوا ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء ﴾ تضلّ بالمحنة الجاهلين غير الثابتين في معرفتك، وتهدي العالمين بك الثابتين بالقول الثابت.
وجعل ذلك إضلالاً من الله وهدى منه، لأن محنته لما كانت سبباً لأن ضلّوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ مولانا القائم بأمورنا ﴿ واكتب لَنَا ﴾ وأثبت لنا وأقسم ﴿ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ عافية وحياة طيبة وتوفيقاً في الطاعة ﴿ وَفِي الآخرة ﴾ الجنة ﴿ هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ تبنا إليك.
وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب.
والهود: جمع هائد، وهو التائب.
ولبعضهم: يَا رَاكِبَ الذّنْبِ هُدْهُد ** واسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُد وقرأ أبو وجرة السعدي: ﴿ هدنا إليك ﴾ بكسر الهاء، من هاده يهيده إما حرّكه وأماله.
ويحتمل أمرين، أن يكون مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى حركنا إليك أنفسنا وأملناها أو حرّكنا إليك وأملنا على تقدير: فعلنا، كقولك: عدت يا مريض بكسر العين، فعلت من العيادة.
ويجوز: عدت بالإشمام.
وعدت، بإخلاص الضمة فيمن قال: عود المريض.
وقول القول.
ويجوز على هذه اللغة أن يكون ﴿ هُدْنَا ﴾ بالضم فعلنا من هاده يهيده ﴿ عَذَابِى ﴾ من حاله وصفته أني ﴿ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء ﴾ أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه، ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة.
وأمّا ﴿ رَّحْمَتِى ﴾ فمن حالها وصفتها أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلاّ وهو متقلب في نعمتي.
وقرأ الحسن: ﴿ من أساء ﴾ من الإساءة.
فسأكتب هذه الرحمة كتبه خاصة منكم يا بني إسرائيل للذين يكونون في آخر الزمان من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيء منها ﴿ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول ﴾ الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به وهو القرآن ﴿ النبى ﴾ صاحب المعجزات ﴿ الذى يَجِدُونَهُ ﴾ يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل ﴿ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل...
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات ﴾ ما حرّم عليهم من الأشياء الطيبة، كالشحوم وغيرها.
أو ما طاب في الشريعة والحكم، مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح، وما خلي كسبه من السحت، ويحرّم عليهم الخبائث ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به أو ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة.
الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال.
مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو: بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت.
وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم.
وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة.
وقرئ: ﴿ آصارهم ﴾ على الجمع ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّ.
وقرئ بالتخفيف.
وأصل العزر: المنع.
ومنه التعزير للضرب دون الحدّ، لأنه منع عن معاودة القبيح.
ألا ترى إلى تسميته الحدّ، والحدّ هو المنع.
و ﴿ النور ﴾ القرآن.
فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ وإنما أنزل مع جبريل؟
قلت: معناه أنزل مع نبوّته، لأنّ استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به.
ويجوز أن يعلق باتبعوا.
أي: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته وبما أمر به ونهي عنه، أو واتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه.
فإن قلت: كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى عليه السلام ودعائه؟
قلت: لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل، أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كفرهم بآيات الله العظام التي أجراها على يد موسى، وعرّض بذلك في قوله: ﴿ والذين هُم بآياتنا يُؤْمِنُونَ ﴾ وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به كعبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتابين لطفاً لهم وترغيباً في إخلاص الإيمان والعمل الصالح، وفي أن يحشروا معهم ولا يفرّق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَأْمُرُهم، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ هُمُ الَّذِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ بَدَلَ البَعْضِ أوِ الكُلِّ، والمُرادُ مَن آمَنَ مِنهم بِمُحَمَّدٍ وإنَّما سَمّاهُ رَسُولًا بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ونَبِيًّا بِالإضافَةِ إلى العِبادِ.
﴿ الأُمِّيَّ ﴾ الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وصَفَهُ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَمالَ عِلْمِهِ مَعَ حالِهِ إحْدى مُعْجِزاتِهِ.
﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴾ اسْمًا وصِفَةً.
﴿ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ﴾ مِمّا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ كالشُّحُومِ.
﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ﴾ كالدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ أوْ كالرِّبا والرَّشْوَةِ.
﴿ وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ ويُخَفِّفُ عَنْهم ما كُلِّفُوا بِهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَتَعْيِينِ القَصاصِ في العَمْدِ والخَطَإ، وقَطْعِ الأعْضاءِ الخاطِئَةِ وقَرْضِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، وأصْلُ الإصْرِ الثِّقَلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ أيْ يَحْبِسُهُ مِنَ الحَراكِ لِثِقَلِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « آصارَهم» .
﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ﴾ وعَظَّمُوهُ بِالتَّقْوِيَةِ.
وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وأصْلُهُ المَنعُ ومِنهُ التَّعْزِيرُ.
﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ لِي.
﴿ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ﴾ أيْ مَعَ نُبُوَّتِهِ يَعْنِي القُرْآنَ، وإنَّما سَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ بِإعْجازِهِ ظاهِرٌ أمْرُهُ مُظْهِرٌ غَيْرَهُ، أوْ لِأنَّهُ كاشِفٌ الحَقائِقَ مُظْهِرٌ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مُتَعَلِّقًا بِاتَّبَعُوا أيْ واتَّبَعُوا النُّورَ المَنَزَّلَ مَعَ اتِّباعِ النَّبِيِّ فَيَكُونُ إشارَةً إلى اتِّباعِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِالرَّحْمَةِ الأبَدِيَّةِ، ومَضْمُونُ الآيَةِ جَوابُ دُعاءِ مُوسى .
<div class="verse-tafsir"
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
{الذين يتبعون الرسول} الذى نوحى الهي كتاباً مختصاً به وهو القرآن {النّبيّ} صاحب المعجزات {الأمّيّ الّذي يجدونه} أي يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل {مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم
بالمعروف} يخلع الأنداد وإنصاف العباد {وينهاهم عن المنكر} عبادة الأصنام وقيطعة الأرحام {ويحلّ لهم الطّيّبات} ما حرم عليهم من الأشياء الطيبة
الأعراف ١٤٩ ١٥١ كالشحوم وغيرها أو ما طاب في الشريعة مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح وما خلا كسبه من السحت {ويحرّم عليهم الخبائث} ما يستخبث كالدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به أو ما خبث في الحكم كالربا والرشوة ونحوهما من المكاسب الخبيثة {ويضع عنهم إصرهم} هو الثقل الذى يأصر صابحه أي يحبسه عن الحراك لثقله والمراد التكاليف الصعبة كقتل النفس في توبتهم وقطع الأعضاء الخاطئة آصارهم شامي على الجمع {والأغلال الّتي كانت عليهم} هي الأحكام الشاقة نحو بت القضاء بالقصاصا عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب واحراق الغنائم وطهور الذنوب على أبواب البيوت وشبهت بالغل للزومها لزوم الغل {فالذين آمنوا به} بمحمد صلى الله عليه وسلم {وعزّروه} وعظموه أو منعوه من العدو حتى لا يقوى علهي عدو وأصل العذر المنع ومنع التعزير لأنه منع عن معاودة القبيح كالحد فهو المنع {ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه} أى القرآن ومع متعلق باتبعوا أى واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النى ب والعمل بسنته {أولئك هم المفلحون} الفائزون بكل خير والناجون من كل شر
﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِتَبْلِيغِ الأحْكامِ.
﴿ النَّبِيَّ ﴾ أيِ الَّذِي أنْبَأ الخَلْقَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فالأوَّلُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى، والثّانِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الإضافَةُ إلى الخَلْقِ، وقُدِّمَ الأوَّلُ عَلَيْهِ لِشَرَفِهِ، وتَقَدَّمَ إرْسالُ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ، وجَعَلُوا إشارَةً إلى أنَّ الرَّسُولَ والنَّبِيَّ هَنا مُرادٌ بِهِما مَعْناهُما اللُّغَوِيُّ لِإجْرائِهِما عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ كَما أنَّهُما كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا ﴾ ) وفُسِّرَ في الكَشّافِ الرَّسُولُ بِالَّذِي يُوحى إلَيْهِ كِتابٌ، والنَّبِيُّ بِالَّذِي لَهُ مُعْجِزَةٌ، ويُشِيرُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ بِأنَّ الرَّسُولَ مَن لَهُ كِتابٌ خاصٌّ والنَّبِيُّ أعَمُّ.
وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ أكْثَرَ الرُّسُلِ لَمْ يَكُونُوا أصْحابَ كِتابٍ مُسْتَقِلٍّ كَإسْماعِيلَ ولُوطٍ وإلْياسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَمْ وكَمْ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ أنَّ النَّبِيَّ هو الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ وما لا تَسْتَقِلُّ العُقُولُ بِدِرايَتِهِ ابْتِداءً بِلا واسِطَةِ بَشَرٍ، والرَّسُولُ هو المَأْمُورُ مَعَ ذَلِكَ بِإصْلاحِ النَّوْعِ، فالنُّبُوَّةُ نُظِرَ فِيها إلى الإنْباءِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، والرِّسالَةُ إلى المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، والثّانِي وإنْ كانَ أخَصَّ وُجُودًا إلّا أنَّهُما مَفْهُومانِ مُفْتَرِقانِ ولِهَذا لَمْ يَكُنْ رَسُولًا نَبِيًّا مِثْلَ إنْسانٍ حَيَوانٍ.
اه.
وفِيهِ مُخالَفَةٌ بَيِّنَةٌ لِما ذُكِرَ أوَّلًا، ولا حَجْرَ في الِاعْتِبارِ.
نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ الفَرْقَ المَذْكُورَ مَعَ تَغايُرِ المَفْهُومَيْنِ عَلى كُلِّ حالٍ مِن عُرْفِ الشَّرْعِ والِاسْتِعْمالِ، وأمّا في الوَضْعِ والحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ فَهُما عامّانِ.
وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ بِالِاسْتِعْمالَيْنِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَهُما.
ولا يَرِدُ أنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّ العامَّ بَعْدَ الخاصِّ لا يُفِيدُ والمَعْرُوفُ في مِثْلِ ذَلِكَ العَكْسُ، ولا يَخْفى أنَّ المُرادَ بِهَذا الرَّسُولِ النَّبِيِّ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ﴿ الأُمِّيَّ ﴾ أيِ الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وهو عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ نِسْبَةً إلى أُمَّةِ العَرَبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
ورَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»».
أوْ إلى أُمِّ القُرى؛ لِأنَّ أهْلَها كانُوا كَذَلِكَ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ إلى أُمِّهِ كَأنَّهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي ولَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْها، ووُصِفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَمالَ عِلْمِهِ مَعَ حالِهِ إحْدى مُعْجِزاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَهو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - بِأبِي هو وأُمِّي - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صِفَةُ مَدْحٍ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ فَلا، وذَلِكَ كَصِفَةِ التَّكَبُّرِ؛ فَإنَّها صِفَةُ مَدْحٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وصِفَةُ ذَمٍّ لِغَيْرِهِ.
واخْتُلِفَ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ صَدَرَ عَنْهُ الكِتابَةُ في وقْتٍ أمْ لا؟
فَقِيلَ: نَعَمْ صَدَرَتْ عَنْهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ الصُّلْحَ وهي مُعْجِزَةٌ أيْضًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وظاهِرُ الحَدِيثِ يَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ أصْلًا، وإنَّما أُسْنِدَتْ إلَيْهِ في الحَدِيثِ مَجازًا.
وجاءَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ تُنْطَقُ لَهُ الحُرُوفُ المَكْتُوبَةُ إذا نَظَرَ فِيها.
ولَمْ أرَ لِذَلِكَ سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوْقَ ذَلِكَ.
نَعَمْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «(ما ماتَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى قَرَأ وكَتَبَ)».
فَذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ لِلشَّعْبِيِّ فَقالَ: صَدَقَ، سَمِعْتُ أصْحابَنا يَقُولُونَ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الأُمِّيُّ نِسْبَةً إلى الأمِّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وضَمُّ الهَمْزَةِ مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ (الأمِّيِّ) بِالفَتْحِ وإنِ احْتَمَلَتْ أنْ تَكُونَ مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ أيْضًا، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، هو إمّا بَدَلُ كُلٍّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ هَؤُلاءِ المَعْهُودِينَ أوْ بَعْضٍ عَلى أنَّهُ عامٌّ ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مِنهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى القَطْعِ وإضْمارِ ناصِبٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ (يَأْمُرُهُمْ)، أوْ (أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)، وكِلاهُما خِلافُ المُتَبادَرِ مِنَ النَّظْمِ.
﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا ﴾ بِاسْمِهِ ونُعُوتِهِ الشَّرِيفَةِ بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ أنَّهُ هُوَ؛ ولِذَلِكَ عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: يَجِدُونَ اسْمَهُ أوْ وصْفَهُ مَكْتُوبًا.
﴿ عِنْدَهُمْ ﴾ ظَرْفٌ لِ مَكْتُوبًا الواقِعِ حالًا أوْ لِ يَجِدُونَ، وذُكِرَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وأنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاضِرَةٌ عِنْدَهم لا يَغِيبُ عَنْهم أصْلًا.
﴿ فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴾ اللَّذَيْنِ يَعْتَدُّ بِهِما بَنُو إسْرائِيلَ سابِقًا ولاحِقًا، وكَأنَّهُ لِهَذا المَعْنى اقْتَصَرَ عَلَيْهِما وإلّا فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكْتُوبٌ في الزَّبُورِ أيْضًا.
أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والدّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّوْراةِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ حَتّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويَفْتَحَ أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا».
ومِثْلُهُ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
وجاءَ مِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ يَعْقُوبَ الرَّبْعِيِّ عَنْ سَهْلٍ مَوْلى خَيْثَمَةَ قالَ: «قَرَأْتُ في الإنْجِيلِ نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ لا قَصِيرٌ ولا طَوِيلٌ، أبْيَضُ ذُو ضَفِيرَتَيْنِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمٌ، لا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، ويَرْكَبُ الحِمارَ والبَعِيرَ ويَحْلِبُ الشّاةَ، ويَلْبَسُ قَمِيصًا مَرْقُوعًا، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ وهو يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهو مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، اسْمُهُ أحْمَدُ».
وجاءَ مِن خَبَرٍ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى في الزَّبُورِ: يا داوُدُ، إنَّهُ سَيَأْتِي مِن بَعْدِكَ نَبِيٌّ اسْمُهُ أحْمَدُ ومُحَمَّدٌ، لا أغْضَبُ عَلَيْهِ أبَدًا، ولا يَعْصِينِي أبَدًا، وقَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَنِي ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ، أعْطَيْتُهم مِنَ النَّوافِلِ مِثْلَ ما أعْطَيْتُ الأنْبِياءَ، وافْتَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الفَرائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ حَتّى يَأْتُونِي يَوْمَ القِيامَةِ ونُورُهم مِثْلُ نُورِ الأنْبِياءِ؛ وذَلِكَ أنِّي افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَطَهَّرُوا إلى كُلِّ صَلاةٍ كَما افْتَرَضْتُ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُمْ، وأمَرْتُهم بِالغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ كَما أمَرْتُ الأنْبِياءَ قَبْلَهم وأمَرْتُهم بِالحَجِّ كَما أمَرْتُ الأنْبِياءَ قَبْلَهُمْ، وأمَرْتُهم بِالجِهادِ كَما أمَرْتُ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ، يا داوُدُ، إنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ عَلى الأُمَمِ كُلِّهِمْ، أعْطَيْتُهم سِتَّ خِصالٍ لَمْ أُعْطِها غَيْرَهم مِنَ الأُمَمِ: لا أُؤاخِذُهم بِالخَطَأِ والنِّسْيانِ، وكُلُّ ذَنْبٍ رَكِبُوهُ عَلى غَيْرِ عَمْدٍ إذا اسْتَغْفَرُونِي مِنهُ غَفَرْتُهُ، وما قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ مِن شَيْءِ طَيِّبَةٍ بِهِ أنْفُسُهم عَجَّلْتُهُ لَهم أضْعافًا مُضاعَفَةً، ولَهم عِنْدِي أضْعافٌ مُضاعَفَةٌ، وأفْضَلُ مِن ذَلِكَ، وأعْطَيْتُهم عَلى المَصائِبِ إذا صَبَرُوا وقالُوا: ﴿ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ الصَّلاةَ والرَّحْمَةَ والهُدى إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، فَإنَّ دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهُمْ، فَإمّا أنْ يَرَوْهُ عاجِلًا، وإمّا أنْ أصْرِفَ عَنْهم سُوءًا، وإمّا أنْ أدَّخِرَهُ لَهم في الآخِرَةِ، يا داوُدُ، مَن لَقِيَنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدِي لا شَرِيكَ لِي صادِقًا بِها فَهو مَعِي في جَنَّتِي وكَرامَتِي، ومَن لَقِيَنِي وقَدْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا وكَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ واسْتَهْزَأ بِكِتابِي صَبَبْتُ عَلَيْهِ مِن قَبْرِهِ العَذابَ صَبًّا، وضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ عِنْدَ مَنشَرِهِ في قَبْرِهِ، ثُمَّ أُدْخِلُهُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ النّاطِقَةِ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكْتُوبٌ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِ يَجِدُونَهُ أوْ بِ مَكْتُوبًا.
وذِكْرُ الإنْجِيلِ قَبْلَ نُزُولِهِ مِن قَبِيلِ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والقُرْآنِ الكَرِيمِ قَبْلَ مَجِيئِهِما.
﴿ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وهو عَلى ما قِيلَ مُتَضَمِّنٌ لِتَفْصِيلِ بَعْضِ أحْكامِ الرَّحْمَةِ الَّتِي وعَدَ فِيما سَبَقَ بِكَتْبِها إجْمالًا؛ إذْ ما أشارَتْ إلَيْهِ المُتَعاطِفاتُ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وجُوِّزَ كَوْنُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ يَجِدُونَهُ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في مَكْتُوبًا، وقِيلَ: هو مُفَسِّرٌ لِ مَكْتُوبًا، أيْ: لِما كُتِبَ، والمُرادُ بِالمَعْرُوفِ قِيلَ الإيمانُ، وقِيلَ: ما عُرِفَ في الشَّرِيعَةِ، والمُرادُ بِالمُنْكَرِ ضِدُّ ذَلِكَ.
﴿ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ﴾ فُسِّرَ الأوَّلُ بِالأشْياءِ الَّتِي يَسْتَطِيبُها الطَّبْعُ كالشُّحُومِ، والثّانِي بِالأشْياءِ الَّتِي يَسْتَخْبِثُها كالدَّمِ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأصْلَ في كُلِّ ما تَسْتَطِيبُهُ النَّفْسُ ويَسْتَلِذُّهُ الطَّبْعُ الحِلُّ، وفي كُلِّ ما تَسْتَخْبِثُهُ النَّفْسُ ويَكْرَهُهُ الطَّبْعُ الحُرْمَةُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الطَّيِّبَ بِما طابَ في حُكْمِ الشَّرْعِ، والخَبِيثَ بِما خَبُثَ فِيهِ كالرِّبا والرَّشْوَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ يُحِلُّ ما يُحْكَمُ بِحِلِّهِ ويُحَرِّمُ ما يُحْكَمُ بِحُرْمَتِهِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ.
ورَدُّوهُ بِأنَّهُ يُفِيدُ فائِدَةً، وأيَّ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لا بِالعَقْلِ والرَّأْيِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخَبِيثِ بِمَعْنى ما يُسْتَخْبَثُ طَبْعًا، أوْ ما خَبُثَ شَرْعًا، وقالَ: كالدَّمِ أوِ الرِّبا ومُثِّلَ لِلطَّيِّبِ بِالشَّحْمِ، وجُعِلَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى اقْتِضاءِ التَّحْلِيلِ سَبْقُ التَّحْرِيمِ، والشَّحْمُ كانَ مُحَرَّمًا عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى اقْتِضاءِ التَّحْرِيمِ سَبْقُ التَّحْلِيلِ، وجَعْلُ الدَّمِ وأخِيهِ مِمّا حُرِّمَ عَلى هَذا؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحِلُّ، ولا يَرِدُ: ﴿ وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا ﴾ لِأنَّهُ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ﴾ أوْ لِأنَّ المُرادَ إبْقاؤُهُ عَلى حِلِّهِ لِمُقابَلَتِهِ بِتَحْرِيمِ الرِّبا، ودَفَعَ بِهَذا ما تُوُهِّمَ مِن عَدَمِ الفائِدَةِ.
﴿ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: يُخَفِّفُ عَنْهم ما كُلِّفُوهُ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ؛ كَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أوْ مِنهُ ومِنَ البَدَنِ، وإحْراقِ الغَنائِمِ، وتَحْرِيمِ السَّبْتِ، وقَطْعِ الأعْضاءِ الخاطِئَةِ، وتَعَيُّنِ القِصاصِ في العَمْدِ والخَطَأِ مِن غَيْرِ شَرْعِ الدِّيَةِ؛ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ في الألْواحِ إلّا أنَّهُ شُرِعَ بَعْدُ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ عَلى ما قِيلَ، وأصْلُ الأصْرِ الثِّقْلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ عَنِ الحَراكِ، والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي في الأصْلِ كَما قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ ويُقالُ لَها جامِعَةٌ أيْضًا، ولَعَلَّ غَيْرَ الحَدِيدِ إذا جُمِعَ بِهِ يَدٌ إلى عُنُقٍ يُقالُ لَهُ ذَلِكَ أيْضًا، والمُرادُ مِنهُما هُنا ما عَلِمْتَ، وهو المَأْثُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَمْثِيلٌ، وعَنْ عَطاءٍ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا قامَتْ تُصَلِّي لَبِسُوا المُسُوحَ، وغَلُّوا أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ، ورُبَّما ثَقَبَ الرَّجُلُ تَرْقُوَتَهُ وجَعَلَ فِيها طَرَفَ السِّلْسِلَةِ وأوْثَقَها عَلى السّارِيَةِ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَلى العِبادَةِ، وعَلى هَذا فالأغْلالُ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ حَقِيقَتُهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (آصارَهُمْ) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ: (أصْرَهُمْ) بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ، وبِالضَّمِّ عَلى الجَمْعِ أيْضًا.
﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ﴾ أيْ: صَدَّقُوا بِرِسالَتِهِ ونَبُّوتِهِ.
﴿ وعَزَّرُوهُ ﴾ أيْ: عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ الرّاغِبُ: التَّعْزِيرُ النُّصْرَةُ مَعَ التَّعْظِيمِ، والتَّعْزِيرُ الَّذِي هو دُونَ الحَدِّ يَرْجِعُ إلَيْهِ لِأنَّهُ تَأْدِيبٌ، والتَّأْدِيبُ نُصْرَةٌ؛ لِأنَّ أخْلاقَ السُّوءِ أعْداءٌ، ولِذا قالَ في الحَدِيثِ: ««انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا.
فَقِيلَ: كَيْفَ أنْصُرُهُ ظالِمًا؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَكُفُّهُ عَنِ الظُّلْمِ»».
وأصْلُهُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ المَنعُ، والمُرادُ مَنعُهُ حَتّى لا يَقْوى عَلَيْهِ عَدُوٌّ، وقُرِئَ: (عَزَرُوهُ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿ ونَصَرُوهُ ﴾ عَلى أعْدائِهِ في الدِّينِ، وعَطْفُ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ ظاهِرٌ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ، وكَذا عَلى ما قالَهُ الجَمْعُ؛ إذِ الأوَّلُ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ دَرْءِ المَفاسِدِ، وهَذا مِن قَبِيلِ جَلْبِ المَصالِحِ، ومَن فَسَّرَ الأوَّلَ بِالتَّعْظِيمِ مَعَ التَّقْوِيَةِ أخْذًا مِن كَلامِ الرّاغِبِ قالَ هُنا: نَصَرُوهُ لِي.
أيْ: قَصَدُوا بِنَصْرِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى وإعْلاءَ كَلِمَتِهِ فَلا تَكْرارَ؛ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ.
﴿ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ﴾ وهو القُرْآنُ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالنُّورِ لِظُهُورِهِ في نَفْسِهِ بِإعْجازِهِ وإظْهارِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ وصِدْقِ الدَّعْوى، فَهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنُّورِ الظّاهِرِ بِنَفْسِهِ، والمُظْهِرِ لِغَيْرِهِ، بَلْ هو نُورٌ عَلى نُورٍ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ أنْزَلَ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مَعَ نُبُوَّتِهِ أوْ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مَعَهُ وإنَّما نَزَلَ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
نَعَمْ اسْتِباؤُهُ أوْ إرْسالُهُ كانَ مَصْحُوبًا بِالقُرْآنِ مَشْفُوعًا بِهِ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِ اتَّبَعُوا عَلى مَعْنى شارَكُوهُ في اتِّباعِهِ وحِينَئِذٍ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ، وقَدْ يُعَلَّقُ بِهِ عَلى مَعْنى اتَّبَعُوا القُرْآنَ مَعَ اتِّباعِهِمُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إشارَةً إلى العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اتَّبَعُوا، أيِ اتَّبَعُوا النُّورَ مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ، وحاصِلُهُ ما ذُكِرَ في الِاحْتِمالِ الثّانِي، وأنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً مِن نائِبِ فاعِلِ أُنْزِلَ.
وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ مَعَ بِمَعْنى عَلى وهو مُتَعَلِّقٌ بِ أُنْزِلَ ولَمْ يَشْتَهِرْ، ورُوِيَ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي هُنا مُرادِفَةٌ لِعِنْدَ وهو أحَدُ مَعانِيها المَشْهُورَةِ إلّا أنَّهُ لا يَخْفى بُعْدُهُ وإنْ قِيلَ حاصِلُ المَعْنى حِينَئِذٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ ﴿ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ أيْ: هُمُ الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ لا المُتَّصِفُونَ بِأضْدادِ صِفاتِهِمْ، وفي الإشارَةِ إشارَةٌ إلى عِلِّيَّةِ تِلْكَ الصِّفاتِ لِلْحُكْمِ، وكافُ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اليَهُودُ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِن أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُتَّصِفِينَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والِاتِّصافُ بِذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى إدْراكِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما لا يَخْفى وهو الأوْلى عِنْدِي.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ المَعْنى الأعَمُّ أيْضًا، وجَعَلَهُ ابْنُ الخازِنِ قَوْلَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ ما فِيهِ ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ كَوْنُ المُرادِ مِنهُ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن نُعُوتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ، وقِيلَ: عَلى كَتْبِ الرَّحْمَةِ لِمَن مَرَّ، وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّها تَعْلِيمٌ لِكَيْفِيَّةِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيانِ عُلُوِّ رُتْبَةِ مُتَّبِعِيهِ واغْتِنامِهِمْ مَغانِمَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ في الدّارَيْنِ إثْرَ بَيانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ والإشارَةِ إلى إرْشادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيّاهم بِما في ضِمْنِ ﴿ يَأْمُرُهُمْ ﴾ إلَخْ، وجُعِلَ الحَصْرُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ ثُمَّ قالَ: فَيَدْخُلُ فِيهِمْ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا حَيْثُ لَمْ يَنْجُوا عَمّا في تَوْبَتِهِمْ مِنَ المَشَقَّةِ الهائِلَةِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما سَلَكَهُ في تَفْسِيرِ الآياتِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولا يَصْفُو عَنْ كَدَرٍ.
<div class="verse-tafsir"
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً يعني: اقض لنا وأعطنا في الدنيا العلم والعبادة والنصرة والرزق الحسن الحلال وَفِي الْآخِرَةِ يعني: وأعطنا في الآخرة حسنة وهي الجنة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ يعني: تبنا إليك وأقبلنا إليك هكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وقتادة.
وأصله في اللغة الرجوع من الشيء إلى الشيء قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ يعني: هذا عذابي أخصّ به من أشاء من العباد من كان أهلاً لذلك وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ إنْ رحمتهم ويقال: إن الزلزلة والرجفة كانتا عذابي، وأنا أنزلتها، وأنا أصيب بالعذاب من أشاء، وما سألت من الغفران فمن رحمتي ورحمتي وسعت كل شيء من كان أهلاً لها.
ويقال: لكل شيء حظ من رحمتي.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن قتادة والحسن قالا: ورحمتي التي وسعت كل شيء يعني: وسعت في الدنيا البر والفاجر وفي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة.
ويقال: لما نزلت هذه الآية وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ تطاول إبليس، وقال: أنا من تلك الأشياء فأكذبه الله تعالى وآيسه فأنزل قوله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ يعني: فسأقضيها وسأوجهها للذين يتقون الشرك وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فقالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالآيات، وهي التوراة والإنجيل، ونعطي الزكاة فهذه الرحمة لنا فأكذبهم الله تعالى وأنزل الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الآية ويقال ورحمتي وسعت كل شيء يعني: طمع كل قوم برحمتي، وأنا أوجبتها للمؤمنين وهم أمة محمد الذين يتقون الشرك، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون، يعني: يصدقون بمحمد والقرآن.
قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ يعني: محمدا الذي لا يكتب ولا يقرأ الكتب قال الزجاج: الأُمِّيُّ الذي هو على خِلْقَةِ أمه لم يتعلم الكتابة وهو على جبلته.
ويقال: إنما سمي محمد أمِّيّاً لأنه كان من أم القرى وهي مكة.
ثم قال: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ يعني: يجدون نعته وصفته فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعني: شرائع الإسلام بالتوحيد يرخص لهم الحلالات من الشحوم واللحوم وأشباهها وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ يعني: ويبيّن لهم الحرام الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير والخمر وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ يعني: ثقلهم من العهود قرأ ابن عامر آصَارَهُمْ على معنى الجماعة.
وأصل الإصر الثقل.
فسمي العهد إصْراً لأن حفظ العهد يكون ثقيلاً.
ويقال: يعني الأمور التي كانت عليهم في الشرائع.
ويقال: هو ما عهد عليهم من تحريم الطيبات.
ثم قال: وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ وهي كناية عن أمور شديدة لأن في الشريعة الأولى كان الواحد منهم إذا أصابه البول في ثوبه وجب قطعه، وكان عليهم ألا يعملوا في السبت، وغير ذلك من الأعمال الشديدة فوضع عنهم ذلك.
ثم قال: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يعني: صدقوه وأقروا بنبوته وَعَزَّرُوهُ يعني: عظموه وشرفوه.
ويقال: أعانوه وَنَصَرُوهُ بالسيف وَاتَّبَعُوا النُّورَ يعني: القرآن الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ يعني: أهل هذه الصفة هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي والناجون في الآخرة وهم في الرحمة التي قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156] .
قوله: <div class="verse-tafsir"
قلْتُ: قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْني» ولام التقْويَةِ هي المَزِيدَةُ لتقويةٍ عاملٍ ضَعُفَ إِما لتأخير نحو: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ، وإِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] أو لكَوْنِهِ فرعاً في العمل نحو: مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ [البقرة: ٩١] فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [البروج:
١٦] ، وقد اجتمع التأخيرُ والفرعيةُ في: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ [الأنبياء: ٧٨] .
انتهى.
وقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ...
الآية: قال الفَخْرُ»
: قال جماعة النحوِّيين:
معناه: واختار موسى مِنْ قومه، فحذف «مِنْ» ، يقال: اخترت مِنَ الرجالِ زيْداً، واخترْتُ الرجالَ زَيْداً.
انتهى.
قال ع «٢» : معنى هذه الآية أَن موسى عليه السلام اختار مِنْ قومه هذه العِدَّة لَيَذْهَبَ بهم إِلى مَوْضِعِ عبادةٍ وابتهالٍ ودعاءٍ، فيكون منه ومنهم اعتذار إِلى اللَّه سبحانه مِنْ خطإِ بني إِسرائيل في عبادةِ العِجْلِ، وقد تقدَّم في «سورة البقرة» [البقرة: ٥١] قصصهم، قالتْ فرقة من العلماء: إِنَّ موسى عليه السلام لمَّا أعلمه اللَّه سبحانه بعبادة بني إِسرائيل العِجْلَ، وبصفته، قالَ موسى: أيْ ربِّ، ومَنْ اختاره؟
قَالَ: أنا، قال موسى: فأنْتَ، يا ربِّ، أضْلَلْتهُمْ، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أيْ: إِنَّ الأمور بيدك تفْعلُ ما تريد.
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
وقوله سبحانه: وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ...
الآية: اكْتُبْ: معناه:
أَثْبتْ واقض، والكَتْب: مستعمل في كلّ ما يخلّد، وحَسَنَةً: لفظ عامٌّ في كل ما يحسن في الدنيا من عاقبة وطاعة للَّه سبحانه، وغَيْرِ ذلك، وحَسَنَةُ الآخرةِ: الجَنَّة، لا حَسَنَةَ دونها، ولا مرمى وراءها، وهُدْنا- بضم الهاء-: معناه: تُبْنَا.
وقوله سبحانه: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ، يحتمل أن يريد ب «العذاب»
الرجفةَ التي نزلَتْ بالقوم، ثم أخبر سبحانه عن رحمته، ويحتملُ وهو الأظهر: أن الكلام قصد به الخَبَرُ عن عذابه، وعن رحمته، وتصريف ذلك في خليقته كما يشاء سبحانه، ويندرجُ في عمومِ العذابِ أصحابُ الرجفة، وقرأ الحسنُ بنُ أبي الحسن، وطَاوُسٌ، وعَمْرُو «١» بن فائدٍ: «مَنْ أَسَاءَ» «٢» من الإِساءة، ولا تعلُّق فيه للمعتزلة، وأطنب القُرَّاء في التحفُّظ من هذه القراءَةِ، وَحَمَلَهُمْ على ذلك شُحُّهم «٣» على الدِّين.
وقوله سبحانه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قال بعض العلماء: هو عمومٌ في الرحمة، وخصوصٌ في قوله: كُلَّ شَيْءٍ، والمراد: مَنْ قد سبق في عِلْم اللَّه أن يرحمهم، وقوله سبحانه: فَسَأَكْتُبُها، أي: أقدِّرها وأقضيها.
وقال نَوْفٌ البِكَالِيُّ «٤» : إِن موسى عليه السلام قال: يا رَبِّ، جعلْتَ وِفَادَتِي لأمَّة محمَّد عليه السلام، وقوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ: الظاهر: أنها الزكاةُ المختصَّة بالمالِ، وروي عن ابن عباس أن المعنى: يؤتون الأعمالَ التي يزكُّون بها أنفسهم «٥» .
وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ...
الآية: هذه ألفاظٌ أخرجَت
اليهودَ والنصارى مِنَ الاشتراك الذي يظهر في قوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وخلُصَتْ هذه العِدَةُ لأمة محمّد/ صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس «١» وغيره.
قلْتُ: وهذه الآيةُ الكريمة مُعْلِمَةٌ بشَرَف هذه الأمَّة على العُمُوم في كلِّ مَنْ آمَنَ باللَّه تعالى، وأقرَّ برسالة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثم هم يتفاوتون بعدُ في الشرف بحَسَب تفاوتهم في حقيقة الاتباعية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في «الإِحياء» : وإِنما أمّته صلّى الله عليه وسلّم مَنِ اتبعه، وما اتبعه إِلاَّ مَنْ أعرض عن الدنيا، وأَقْبَلَ على الآخرةِ، فإِنه عليه السلام ما دَعَا إِلاَّ إِلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وما صَرَفَ إِلاَّ عن الدنيا والحظوظِ العاجلةِ، فبقدْرِ ما تُعْرِضُ عن الدنيا، وتُقْبِلُ على الآخرة، تسلك سبيله الذي سلكه صلّى الله عليه وسلّم، وبقَدْرِ ما سَلَكْتَ سبيله، فقد اتبعته، وبقَدْر ما اتبعتَهُ، صِرْتَ من أمته، وبقَدْرِ ما أَقبلْتَ على الدنيا، عَدَلْتَ عن سبيله، ورغبْتَ عَنْ متابعته، والتحقت بالذين قال اللَّه تعالى فيهم: فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: ٣٧، ٣٨، ٣٩] .
انتهى، فإن أردتّ اتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الحقيقة، واقتفاء أثره، فابحث عن سيرته وخُلُقه في كتب الحديث والتفسير.
قال ابنُ القَطَّان في تصنيفه الذي صنَّفه في «الآيات والمعجزات» : والقول الوجيز في زُهْدِهِ وعبادتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وسائر حلاه ومعاليه صلّى الله عليه وسلّم: أنه مَلَكَ مِنْ أقْصَى اليمن إلى صحراء عمان إِلى أقصى الحجاز، ثم تُوُفِّيَ عليه السلام، وعليه دَيْنٌ، ودِرْعُهِ مَرْهونةٌ في طَعَام لأهله، ولم يتركْ ديناراً ولا درهماً، ولا شَيَّد قَصْراً، ولا غَرَس نَخْلاً، ولا شَقَّقَ نَهْراً، وكان يأكل على الأرْضِ ويجلسُ على الأرض، ويَلْبَسُ العَبَاءة، ويجالسُ المَساكين، ويَمْشِي في الأسواق، ويتوسَّد يَدُه، ويلعقُ أصابعه، ويُرقِّع ثوبه، ويَخْصِفُ نَعْلَه، ويُصْلِح خُصَّه، ويمهنُ لأهله، ولا يأكل متْكِئاً، ويقول: «أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْد» ، ويقتصُّ من نفْسه، ولا يرى ضاحكاً مِلْء فِيهِ ولو دُعِيَ إِلى ذراعٍ، لأجاب، ولو أُهْدِيَ إِليه كُرَاعٌ لَقِبل، لا يأكلُ وحده، ولا يَضْرِبُ عبده، ولا يمنعُ رفْده ولا ضَرَبَ قطُّ بيدِهِ إِلاَّ في سَبِيل اللَّه، وقام للَّه حتَّى تَوَرَّمَتْ قدماه، فقيل له: أتَفْعَلُ هذا وقد غَفَرَ اللَّه لك مَا تَقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ؟
فقال: «أفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً» ، وكان يُسْمَعُ لجوفه أزير كأزيز المِرْجَلِ «٢» من البكاءِ إِذا قام بالليل صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وأتباعه صلاةً دائمةً إلى يوم القيامة.
انتهى.
وقال «١» الفَخْر: قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ...
الآية: قال بعضهم:
الإِشارة بذلك إِلى مَنْ تقدَّم ذكْرُه من بني إِسرائيل، والمعنى: يتبعونه باعتقاد نبوَّته من حيث وَجَدُوا صفتَهُ في التوراة، وسيجدونه مكتوباً في الإِنجيل.
وقال بعضهم: بل المرادُ مَنْ لحق مِنْ بني إِسرائيل أيام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبيَّن تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا تكتب لهم رحمةُ الآخرة إِلاّ إذا اتبعوا النبيَّ الأُميُّ.
قال الفخْر «٢» : وهذا القول أقربُ.
انتهى.
وقوله: يَجِدُونَهُ، أي: يجدون صفة نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ونعته ففي «البخاريِّ» وغيره، عن عبد اللَّه بن عمرو أنَّ في التوراة مِنْ صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «يا أيّها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً/ وَنَذِيراً وَحِرْزاً لِلأُمِيِّيِّن، أنْتَ عَبْدِي وَرَسُولي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سخَّاب «٣» في الأَسْوَاق، وَلاَ يَجْزي بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حتى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاء بأنْ يَقُولُوا: لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوباً غُلْفاً، وأَذَاناً صُمًّا، وَأَعْيُناً عُمْياً» ، وفي «البخاريِّ» :
«فَيَفْتَحُ بِهِ عُيُونَاً عُمْياً، وآذاناً صُمًّا، وقُلُوباً غُلْفاً «٤» » ، ونصَّ كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إِلاَّ أنه قال: «قُلُوباً غُلُوفاً، وآذناً صُمُوماً» .
وقوله سبحانه: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ...
الآية: يحتملُ أن يكون ابتداء كلامٍ وُصِفَ به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أن يكون متعلِّقاً ب «يجدونه» في موضع الحال على تجوُّزٍ، أي:
يجدونه في التوراةِ آمراً بشرط وجوده، والمعروف: ما عُرِفَ بالشرع، وكلُّ معروف من جهة المروءة، فهو معروف بالشرع، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت لأتمّم محاسن الأخلاق» «٥» والْمُنْكَرِ: مقابله، والطَّيِّباتِ عند مالك: هي المحلّلات، والْخَبائِثَ هي المحرَّمات، وكذلك قال ابن عباس، والإِصْرُ الثّقل «٦» ، وبه فسّر هنا قتادة «٧» وغيره،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واكْتُبْ لَنا ﴾ أيْ: حَقَّقَ لَنا وأوْجَبَ ﴿ فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ وهي الأعْمالُ الصّالِحَةُ ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ ﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تُبْنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ " الَّذِينَ هادَوْا " [البَقَرَةِ:٦٢] كَأنَّهم رَجَعُوا مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.
وقَرَأ أبُو وجْزَةَ السَّعْدِيُّ: ﴿ إنّا هُدْنا ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لا تَتَغَيَّرُ؛ يُقالُ: هادَ يَهُودُ ويَهِيدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ .
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ: مِن أساءَ بِسِينٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مَعَ النَّصْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ في هَذا الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَخْرَجَهُ عامٌّ ومَعْناهُ خاصٌّ، وتَأْوِيلُهُ: ورَحْمَتِي وسِعَتِ المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ عَلى العُمُومِ في الدُّنْيا، والخُصُوصِ في الآَخِرَةِ؛ وتَأْوِيلُها: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا، البَرَّ والفاجِرَ، وفي الآَخِرَةِ وفي الآَخِرَةِ هي لَلْمُتَّقِينَ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
فَعَلى هَذا، مَعْنى الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا لَلْكافِرِ أنَّهُ يُرْزَقُ ويُدْفَعُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ في حَقِّ قارُونَ: ﴿ وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّ الرَّحْمَةَ التَّوْبَةُ، فَهي عَلى العُمُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ الرَّحْمَةَ تَسَعُ كُلَّ الخَلْقِ، إلّا أنَّ أهْلَ الكُفْرِ خارِجُونَ مِنها، فَلَوْ قُدِّرَ دُخُولُهم فِيها لَوَسِعَتْهم، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا.
﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ في الآَخِرَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ فَسَأُوجِبُها.
وفي الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُتَّقُونَ لَلشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لَلْمَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، ذَهَبا إلى أنَّها العَمَلُ بِما يُزَكِّي النَّفْسَ ويُطَهِّرُها.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ قالَ إبْلِيسُ: أنا مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَنَزَعَها اللَّهُ مِن إبْلِيسَ، فَقالَ: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ﴾ فَقالَتِ اليَهُودَ: نَحْنُ نَتَّقِي، ونُؤْتِي الزَّكاةَ، ونُؤْمِنُ بِآَياتِ رَبِّنا، فَنَزَعَها اللَّهُ مِنهم، وجَعَلَها لَهَذِهِ الأُمَّةِ، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ﴾ .
وقالَ نَوْفُ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى: أجْعَلُ لَكُمُ الأرْضَ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأجْعَلُ السَّكِينَةَ مَعَكم في بُيُوتِكم، وأجْعَلُكم تَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ عَنْ ظُهُورِ قُلُوبِكم، يَقْرَؤُها الرَّجُلُ مِنكم، والمَرْأةُ، والحُرُّ، والعَبْدُ، والصَّغِيرُ، والكَبِيرُ، فَأخْبَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: لا نُرِيدُ أنْ نُصَلِّيَ إلّا في الكَنائِسِ والبَيْعِ، ولا أنْ تَكُونَ السَّكِينَةُ إلّا في التّابُوتِ، ولا أنْ نَقْرَأ التَّوْراةَ إلّا نَظَرًا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ المُفْلِحُونَ ﴾ وفي هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ المُفْلِحُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كُلُّ مَن آَمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، وتَبِعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ.
وفي تَسْمِيَتِهِ بِالأُمِّيِّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَكْتُبُ.
والثّانِي: لِأنَّهُ مِن أُمِّ القُرى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ﴾ أيْ: يَجِدُونَ نَعْتَهُ ونُبُوَّتَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ﴾ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْرُوفُ: مَكارِمُ الأخْلاقِ، وصِلَةُ الأرْحامِ.
والمُنْكَرُ: عِبادَةُ الأوْثانِ، وقَطْعُ الأرْحامِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ: الإيمانُ، والمُنْكَرُ: الشَّرُّ.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْرُوفُ: الحَقُّ، لِأنَّ العُقُولَ تَعْرِفُ صِحَّتَهُ، والمُنْكَرَ: الباطِلُ، لِأنَّ العُقُولَ تُنْكِرُ صِحَّتَهُ.
وَفِي الطَّيِّباتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الحَلالُ، والمَعْنى: يَحِلُّ لَهُمُ الحَلالُ.
والثّانِي: أنَّها ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَطْيِبُهُ.
والثّالِثُ: أنَّها الشُّحُومُ المُحَرَّمَةُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والرّابِعُ: ما كانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُهُ مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والِحامِ.
وَفِي الخَبائِثِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الحَرامُ، والمَعْنى: ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الحَرامَ.
والثّانِي: أنَّها ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَخْبِثُهُ ولا تَأْكُلُهُ، كالحَيّاتِ، والحَشَراتِ.
والثّالِثُ: ما كانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ صُرْهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ آَصارهم مَمْدُودَةَ الألِفِ عَلى الجَمْعِ.
وفي هَذا الإصْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: التَّشْدِيدُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ مِن تَحْرِيمِ السَّبْتَ، وأكْلِ الشُّحُومِ والعُرُوقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ مَسْرُوقٌ: لَقَدْ كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ، فَيُصْبِحُ وقَدْ كُتِبَ عَلى بابِ بَيْتِهِ: إنَّ كَفّارَتَهُ أنْ تَنْزِعَ عَيْنَيْكَ فَيَنْزِعُهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ الأغْلالِ تَمْثِيلٌ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتُ هَذا طَوْقًا في عُنُقِكَ، ولَيْسَ هُناكَ طَوْقٌ، إنَّما جَعَلْتُ لُزُومَهُ كالطَّوْقِ.
والأغْلالُ: أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم في القَتْلِ دِيَةٌ، وأنْ لا يَعْمَلُوا في السَّبْتِ، وأنْ يُقْرِضُوا ما أصابَ جُلُودَهم مِنَ البَوْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ وعَزَّرُوهُ ورَوى أبانُ "وَعَزَّرُوهُ" بِتَخْفِيفِ الزّايِ.
وفي المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: نَصَرُوهُ وأعانُوهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: عَظَّمُوهُ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والنُّورُ الَّذِي أنْزَلَ مَعَهُ: القُرْآَنُ، سَمّاهُ نُورًا، لِأنَّ بَيانَهُ في القُلُوبِ كَبَيانِ النُّورِ في العُيُونِ.
وفي قَوْلِهِ "مَعَهُ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "عَلَيْهِ" .
والثّانِي: بِمَعْنى أُنْزِلَ في زَمانِهِ.
قالَ قَتادَةُ: أمّا نَصْرُهُ، فَقَدْ سَبَقْتُمْ إلَيْهِ، ولَكِنَّ خَيْرَكم مَن آَمَنَ بِهِ واتَّبَعَ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ ﴾ في الكَلِماتِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ قَتادَةُ: كَلِماتُهُ: آَياتُهُ.
والثّانِي: أنَّها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَسُولَ النَبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عنهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمُ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ هَذِهِ الألْفاظُ أخْرَجَتِ اليَهُودَ والنَصارى مِنَ الِاشْتِراكِ الَّذِي يَظْهَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ، وخَلَصَتْ هَذِهِ العِدَةُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ .
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما.
و"يَتَّبِعُونَ" مَعْناهُ: في شَرْعِهِ ودِينِهِ، و"الرَسُولَ" و"النَبِيَّ" اسْمانِ لِمَعْنَيَيْنِ، فَإنَّ الرَسُولَ أخَصُّ مِنَ النَبِيِّ، هَذا في الآدَمِيِّينَ لِاشْتِراكِ المُلْكِ في لَفْظَةِ الرَسُولِ.
والنَبِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ النَبَإ، وقِيلَ: لَمّا كانَ طَرِيقًا إلى رَحْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وسَبَبًا شُبِّهَ بِالنَبِيِّ الَّذِي هو الطَرِيقُ، وأنْشَدُوا: لَأصْبَحَ رَتْمًا دُقاقَ الحَصى ∗∗∗ مَكانَ النَبِيِّ مِنَ الكاثِبِ وأصْلُهُ الهَمْزُ ولَكِنَّهُ خُفِّفَ، كَذا قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وذَلِكَ كَتَخْفِيفِهِمْ خابِيَةً وهي مَن خَبَّأ، واسْتُعْمِلَ تَخْفِيفُهُ حَتّى قَدْ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "لا تَنْبِرُوا اسْمِي"،» وقُدِّمَ الرَسُولُ اهْتِمامًا بِمَعْنى الرِسالَةِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، وإلّا فَمَعْنى النُبُوَّةِ هو المُتَقَدِّمُ، وكَذَلِكَ «رَدَّ رَسُولُ اللهِ عَلى البَراءِ بْنِ عازِبٍ حِينَ قالَ: "آمَنتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وبِرَسُولِكَ الَّذِي أرْسَلْتَ"، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ"» لِيَتَرَتَّبَ الكَلامُ كَما تَرَتَّبَ الأمْرُ في نَفْسِهِ، لِأنَّهُ نُبِّئَ ثُمَّ أُرْسِلَ، وأيْضًا في العِبارَةِ المَرْدُودَةِ تَكْرارُ الرِسالَةِ وهو مَعْنًى واحِدٌ.
و"الأُمِّيُّ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، قِيلَ: نَسَبٌ إلى أُمِّ القُرى وهي مَكَّةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللَفْظَةُ -عَلى هَذا- مُخْتَصَّةٌ بِالنَبِيِّ وغَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى عَدَمِ الكِتابَةِ، وقِيلَ: هو مَنسُوبٌ -لِعَدَمِ الكِتابَةِ والحِسابِ- إلى الأُمِّ، أيْ: هو عَلى حالِ الصُدُورِ عَنِ الأُمِّ في عَدَمِ الكِتابَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ، وهَذا أيْضًا مُضَمَّنٌ عَدَمَ الكِتابَةِ لِأنَّ الأُمَّةَ بِجُمْلَتِها غَيْرُ كاتِبَةٍ حَتّى تَحْدُثَ فِيها الكِتابَةُ كَسائِرِ الصَنائِعِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ: "الأمِّيُّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَنسُوبٌ إلى الأمِّ وهو القَصْدُ، أيْ لِأنَّ هَذا النَبِيَّ مَقْصِدُ لِلنّاسِ ومَوْضِعُ أمٍّ يَؤُمُّونَهُ بِأفْعالِهِمْ وتَشَرُّعِهِمْ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ أنْ يُرِيدَ الأُمِّيَّ فَغُيِّرَ تَغْيِيرَ النِسَبِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يَجِدُونَهُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ، والهاءُ مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ، والمُرادُ صِفَتُهُ ونَعْتُهُ.
ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِمُوسى: قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أجْعَلُ لَكُمُ الأرْضَ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأجْعَلُ السَكِينَةَ مَعَكم في بُيُوتِكُمْ، وأجْعَلُكم تَقْرَؤُونَ التَوْراةَ عن ظَهْرِ قُلُوبِكُمْ، فَأخْبَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا: إنَّما نُرِيدُ أنْ نُصَلِّيَ في الكَنائِسِ، وأنْ تَكُونَ السَكِينَةُ كَما كانَتْ في التابُوتِ، وأنْ لا نَقْرَأ التَوْراةَ إلّا نَظَرًا، فَقِيلَ لَهُمْ: فَنَكْتُبُها لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ .
ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ : « "يا أيُّها النَبِيُّ، إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَيِّئَةِ السَيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، ولَنْ أقْبِضَهُ حَتّى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمًّا، وأعْيُنًا عُمْيًا"».
وفي البُخارِيِّ: « "فَنَفْتَحُ بِهِ عُيُونًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا"».
ونَصُّ كَعْبِ الأحْبارِ نَحْوُ هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أنَّهُ قالَ: "قُلُوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمُومًا"، قالَ الطَبَرِيُّ: وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ، وقَدْ رُوِيَتْ "غُلُوفِيا وصُمُومِيا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّ هَذا وهْمًا وعُجْمَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ابْتِداءً وصْفَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى النَبِيَّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِـ "يَجِدُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ عَلى تَجَوُّزٍ، أيْ: يَجِدُونَهُ في التَوْراةِ آمِرًا بِشَرْطِ وُجُودِهِ، فالمَعْنى الأوَّلُ لا يَقْتَضِي أنَّهم عَلِمُوا مِنَ التَوْراةِ أنَّهُ يَأْمُرُهم ويَنْهاهم ويُحِلُّ ويُحَرِّمُ، والمَعْنى الثانِي يَقْتَضِي ذَلِكَ، فالمَعْنى الثانِي -عَلى هَذا- ذَمٌّ لَهُمْ، ونَحا إلى هَذا أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في "الأغْفالِ": "يَأْمُرُهُمْ" عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِما كُتِبَ مِن ذِكْرِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَجِدُونَهُ" لِأنَّ الضَمِيرَ لِلذِّكْرِ والِاسْمِ، والذِكْرُ والِاسْمُ لا يَأْمُرانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما قَدَّمْتُهُ مِنَ التَجَوُّزِ وشَرْطِ الوُجُودِ يَقْرُبُ مِمّا مَنَعَ مِنهُ أبُو عَلِيٍّ، وانْظُرْ، و"بِالمَعْرُوفِ" ما عَرَفَ الشَرْعُ، وكُلُّ مَعْرُوفٍ مِن جِهَةِ المُرُوءَةِ فَهو مَعْرُوفٌ بِالشَرْعِ، فَقَدْ قالَ : « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَحاسِنَ الأخْلاقِ"،» و"المُنْكَرُ" مُقابِلُهُ.
و"الطَيِّباتُ" قالَ فِيها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها إشارَةٌ إلى البَحِيرَةِ ونَحْوِها، ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّها المُحَلَّلاتُ، فَكَأنَّهُ وصَفَها بِالطَيِّبِ إذْ هي لَفْظَةٌ تَتَضَمَّنُ مَدْحًا وتَشْرِيفًا، وبِحَسْبِ هَذا يَقُولُ في "الخَبائِثِ" إنَّها المُحَرَّماتُ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الخَبائِثُ: هي لَحْمُ الخِنْزِيرِ والرِبا وغَيْرُهُ، وعَلى هَذا حَلَّلَ مالِكٌ المُتَقَذَّراتِ كالحَيّاتِ والخَنافِسِ والعَقارِبِ ونَحْوِها، ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الطَيِّباتِ هي مِن جِهَةِ الطَعْمِ إلّا أنَّ اللَفْظَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ عَلى عُمُومِها لِأنَّ عُمُومَها بِهَذا الوَجْهِ مِنَ الطَعْمِ يَقْتَضِي تَحْلِيلَ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، بَلْ يَراها مُخْتَصَّةً فِيما حَلَّلَهُ الشَرْعُ، ويَرى الخَبائِثَ لَفْظًا عامًّا في المُحَرَّماتِ بِالشَرْعِ وفي المُتَقَذَّراتِ فَيُحَرِّمُ العَقارِبَ والخَنافِسَ والوَزْغَ وما جَرى هَذا المَجْرى، والناسُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ إلّا أنَّ في تَعْيِينِ الخَبائِثِ اخْتِلافًا لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ تَقَصِّيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَضَعُ عنهم إصْرَهُمْ ﴾ الآيَةُ، "يَضَعُ" كانَ قِياسُهُ أنْ يَكُونَ "يَضَعُ" بِكَسْرِ الضادِ لَكِنْ رَدَّهُ حَرْفُ الحَلْقِ إلى فَتْحِ الضادِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو "يَضَعْ عَّنْهُمُ" العَيْنَ في العَيْنِ.
وأشَمَّها الرَفْعَ وأشْبَعَها أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَيُذْهِبُ عنهم إصْرَهُمْ"، والإصْرُ: الثِقْلُ، وبِهِ فَسَّرَ هُنا- قَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والإصْرُ أيْضًا: العَهْدُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والحَسَنُ، وغَيْرُهم.
وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعْنَيَيْنِ، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ كانَ أُخِذَ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ أنْ يَقُومُوا بِأعْمالٍ ثِقالٍ فَوُضِعَ عنهم بِمُحَمَّدٍ ذَلِكَ العَهْدُ وثِقَلُ تِلْكَ الأعْمالِ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الإصْرُ: شِدَّةُ العِبادَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والناسُ: "إصْرَهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ، ويَعْلى بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو سِراجٍ الهُذَلِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "آصارَهُمْ" بِالجَمْعِ، لَمّا كانَتِ الأعْمالُ كَثِيرَةً كانَتْ أثْقالُها مُتَغايِرَةً، ومَن وحَّدَ الإصْرَ فَإنَّما فَهو مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: في كِتابِ بَعْضِ العُلَماءِ: "أُصُرَهُمْ" واحِدُ مَفْتُوحِ الهَمْزَةِ عن نافِعٍ، وعِيسى، والزَيّاتِ، وذَلِكَ غَلَطٌ.
وذَكَرَ ها مَكِّيٌّ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ وقالَ: هي لُغَةٌ.
﴿ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ أيْضًا لِتِلْكَ الأثْقالِ، كَقَطْعِ الجِلْدِ مِن أثَرِ البَوْلِ، وأنْ لا دِيَةَ، ولا بُدَّ مِن قَتْلٍ لِلْقاتِلِ، وتَرْكِ الأشْغالِ يَوْمَ السَبْتِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى يَوْمَ السَبْتِ رَجُلًا يَحْمِلُ قَصَبًا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: "طَوْقُ فُلانٍ كَذا" إذا ألْزَمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: اذْهَبْ بِها اذْهَبْ بِها ∗∗∗ ∗∗∗ طُوِّقْتَها طَوْقَ الحَمامَهْ أيْ: لَزِمَكَ عارُها.
وَمِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الهُذَلِيِّ: فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أمَّ مالِكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِقابِ السَلاسِلُ وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ سِوى الحَقِّ شَيْئًا فاسْتَراحَ العَواذِلُ يُرِيدُ أوامِرَ الإسْلامِ ولَوازِمَ الإيمانِ الَّذِي قَيَّدَ الفَتْكَ كَما قالَ .
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما المُرادُ هُنا بِالأغْلالِ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في اليَهُودِ ﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ، فَمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ زالَتْ عنهُ الدَعْوَةُ وتَغْلِيلُها.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ ﴾ ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وسُلَيْمانُ التَيْمِيُّ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "عَزَّرُوهُ" بِالتَخْفِيفِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى التَشْدِيدِ في الزايِ، ومَعْناهُ في القِراءَتَيْنِ وقَّرُوهُ.
والتَعْزِيرُ والنَصْرُ مُشاهَدَةٌ خاصَّةٌ لِلصَّحابَةِ، واتِّباعُ النُورِ يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والنُورُ كِنايَةٌ عن جُمْلَةِ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "مَعَهُ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، والتَقْدِيرُ: مَعَ بَعْثِهِ أو نُبُوَّتِهِ أو نَحْوِ هَذا، وشُبِّهَ الشَرْعُ والهُدى بِالنُورِ إذِ القُلُوبُ تَسْتَضِيءُ بِهِ كَما يَسْتَضِيءُ البَصَرُ بِالنُورِ، و"المُفْلِحُونَ" مَعْناهُ: الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ، وهَذا يَعُمُّ مَعانِيَ الفَلاحِ فَإنَّ مَن بَقِيَ فَقَدْ فازَ بِبُغْيَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وإياى أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ﴾ .
عطفت جملة ﴿ واختار موسى ﴾ على جملة: ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ [الأعراف: 148] عطَف القصة على القصة: لأن هذه القصة أيضاً من مواقع الموعظة والعبرة بين العبَر المأخوذة من قصة موسى مع بني إسرائيل، فإن في هذه عبرة بعظمة الله تعالى ورحمته، ودعاء موسى بما فيه جُماع الخيرات والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وملاك شريعته.
والاختيار تمييز المرغوب من بين ما هو مخلوط من مرغوب وضده، وهو زنة افتعال من الخير صيغ الفعل من غير دلالة على مطاوعة لفعل (خار).
وقوله: ﴿ سبعين رجلا ﴾ بدل من ﴿ قَوْمَه ﴾ بدلَ بعض من كل، وقيل إنما نُصب قوَمه على حذف حرف الجر، والتقدير: اختار من قومه، قالوا وحذْفُ الجار من المتعلق الذي هو في رتبة المفعول الثاني شائِع في ثلاثة أفعال: اختار، واستغفر وأمر، ومنه أمْرُتك الخير وعلى هذا يكون قوله: ﴿ سبعين ﴾ مفعولاً أول.
وأيّاً مَّا كان فبناء نظم الكلام على ذكر القوم ابتداء دون الاقتصار على سبعين رجلاً اقتضاه حال الإيجاز في الحكاية، وهو من مقاصد القرآن.
وهذا الاختيار وقع عندما أمره الله بالمجيئ للمناجاة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ﴾ [الأعراف: 142] الآية، فقد جاء في التوراة في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج: إن الله أمر موسى أن يصعد طور سينا هو وهارون و(ناداب) و(أبيهو) و(يشوع) وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ويكون شيوخ بني إسرائيل في مكان معين من الجبل ويتقد موسى حتى يدخل في السحاب ليسمع كلام الله وأن الله لما تجلى للجبل ارتجف الجبل ومكث موسى أربعين يوماً.
وجاء في الإصحاح الثاني والثلاثين والذي يعده، بعدَ ذكر عبادتهم العجل وكسر الألواح، أن الله أمر موسى بأن ينحت لوحين من حجر مثل الأولين ليكتب عليهما الكلمات العشر المكتوبة على اللوحين المنكسرين وأن يصعد إلى طور سينا وذكرتْ صفة صعود تقارب الصفة التي في الإصحاح الرابع والعشرين، وأن الله قال لموسى من أخطأ أمحُوه من كتابي، وأن موسى سجد لله تعالى واستغفر لقومه قلة امتثالهم وقال فإن عفرْتَ خطيئتهم وإلا فامحُني من كتابك.
وجاء في الإصحاح التاسع من سفر التثنية: أن موسى لما صعد الطور في المناجاة الثانية صام أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل طعاماً ولا يشرب ماء استغفاراً لخطيئة قومه وطلباً للعفو عنهم.
فتبين مما في التوراة أن الله جعل لموسى ميقاتين للمناجاة، وأنه اختار سبعين رجلاً للمناجاة الأولى ولم تَذْكر اختيارهم للمناجاة الثانية، ولما كانت المناجاة الثانية كالتكملة للأولى تعيّن أن موسى استصحب معه السبعين المختارين، ولذلك وقعت فيها الرجفة مثل المرة الأولى، ولم يذكر القرآن أن الرجفة أخذتهم في المرة الأولى، وإنما ذكر أن موسى خَرَّ صعقاً، ويتعين أن يكون السبعون قد أصابهم ما أصاب موسى لأنهم كانوا في الجبل أيضاً، وذكر الرجفة في المرة الثانية ولم تذكرها التوراة.
والضمير في أخذتهم الرجفة للسبعين.
فالظاهر أن المراد في هذه الآية هو حكاية حال ميقات المناجاة الثانية التي وقع فيها الاستغفار لقومه، وأن الرجفة المحكية هنا رجفة أخذتهم مثل الرجفة التي أخذتهم في المناجاة الأولى، لأن الرجفة تكون من تجلي أثر عظيم من آثار الصفات الإلهية كما تقدم، فإن قول موسى ﴿ اتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ يؤذن بأنه يعني به عبادتهم العجل، وحضورَهم ذلك.
وسكوتهم، وهي المعنيُ بقوله: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ وقد خشي موسى أن تلك الرجفة مقدمة عذاب كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يخشى الريح أن يكون مبدأ عذاب.
ويجوز أن يكون ذلك في المناجاة الأولى وأن قوله: ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ يعني به ما صدر من بني إسرائيل من التصلب قبل المناجاة، كقولهم ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ [البقرة: 61]، وسؤالهم رؤية الله تعالى.
لكن الظاهر أن مثل ذلك لا يطلق عليه (فَعَل) في قوله: ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ .
والحاصل أن موضع العبرة في هذه القصة هو التوقي من غضب الله، وخوف بطشه، ومقامُ الرسل من الخشية، ودعاء موسى، إلخ.
وقد صيغ نظم الكلام في قوله: ﴿ فلما أخذتهم الرجفة ﴾ على نحو ما صيغ عليه قوله: ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه غضبانَ أسفا ﴾ [الأعراف: 150] كما تقدم.
والأخذ مجاز في الإصابة الشديدة المتمكنة تمكن الآخذ من المأخوذ.
و (لو) في قوله: ﴿ لو شئت أهلكتهم ﴾ يجوز أن تكون مستعملة في التمني وهو معنى مجازي ناشئ من معنى الامتناع الذي هو معنى (لو) الأصلي ومنه قول المثل (لو ذات سوار لطمتني) إذ تقدير الجواب.
لو لطمتني لكان أهون علي، وقد صرح بالجواب في الآية وهو ﴿ شئت أهلكتهم ﴾ أي ليتك أردت إهلاكهم أي السبعين الذين معه.
فجملة أهلكتهم بدل اشتمال من جملة ﴿ شئت ﴾ من قبل خطيئة القوم التي تسبب عنها الرجوع إلى المناجاة.
وعلى هذا التقدير في (لو) لا يكون، في قوله ﴿ أهلكتهم ﴾ حذف اللام التي من شأنها أن تقترن بجواب (لو) وإنما قال: ﴿ أهلكتهم ﴾ وإياي ولم يقل: أهلكتنا، للتفرقة بين الإهلاكين لأن إهلاك السبعين لأجل سكوتهم على عبادة العجل، وإهلاك موسى، قد يكون لأجل أن لا يشهد هلاك القوم، قال تعالى: ﴿ فلما جاء أمرنا نجينا هوداً ﴾ [هود: 58] الآية ونظائرها كثيرة، وقد خشي موسى أن الله يهلك جميع القوم بتلك الرجفة لأن سائر القوم أجدر بالإهلاك من السبعين، وقد أشارت التوراة إلى هذا في الإصحاح «فرجع موسى إلى الله وقال إن الشعب قد أخطأ خطيئة عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة فان غفرت لهم خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت.
فقال الله لموسى من أخطأ إليّ أمحوه من كتابي» فالمحو من الكتاب هو محو تقدير الله له الحياةَ محوَ غضب، وهو المحكي في الآية بقوله ﴿ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ وقد خشي موسى أن تكون تلك الرجفة إمارة غضب ومقدمة إهلاك عقوبة على عبادتهم العجل، فلذلك قال ﴿ اتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فالسفهاء هم الذين عبدوا العجل وسمي شركهم سفهاً؛ لأنه شرك مشوب بخسة عقل إذ جعلوا صورة صنعوها بأنفسهم إلهاً لهم.
ويجوز أن يكون حرف (لو) مستعملاً في معناه الأصلي: من امتناع جوابه لامتناع شرطه، فيتجه أن يتساءل عن موجب حذف اللام من جواب (لو) ولم يقل: لأهلكتهم مع أن الغالب في جوابها الماضي المثبت أن يقترن باللام فحذف اللام هنا لنكتة أن التلازم بين شرط لو وجوابها هنا قوي لظهور أن الإهلاك من فعل الله وحده فهو كقوله تعالى: ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ سورة الواقعة (70) وسيأتي بيانه.
ويكون المعنى اعترافاً بمنة العفو عنهم فيما سبق، وتمهيداً للتعريض بطلب العفو عنهم الآن، وهو المقصود من قوله ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء ﴾ أي أنك لم تشأ إهلاكهم حين تلبسوا بعبادة العجل فلا تهلكهم الآن.
والاستفهام في قوله: ﴿ أتهلكنا ﴾ مستعمل في التفجع أي: أخشى ذلك، لأن القوم استحقوا العذاب ويخشى أن يشمل عذابُ الله من كان مع القوم المستحقين وإن لم يشاركهم في سبب العذاب، كما قال: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ [الأنفال: 25] وفي حديث أم سلمة أنها قالت: " يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبثُ " وفي حديث آخر، " ثم يحشرون على نياتهم " وقد خشي موسى سوء الظنة لنفسه ولأخيه وللبراء من قومه أن يُظنهم الأمم التي يبلغها خبرهم أنهم مجرمون.
وإنما جمع الضمير في قوله: ﴿ أتهلكنا ﴾ لأن هذا الإهلاك هو الإهلاك المتوقع من استمرار الرجفة، وتوقعه واحد في زمن واحد، بخلاف الإهلاك المتقدم ذكره فسببه مختلف فناسب توزيع مفعوله.
وجملة: ﴿ أتهلكنا ﴾ مستأنفة على طريقة تقطيع كلام الحزين الخائف السائل.
وكذلك جملة: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ وجملة ﴿ أنت ولينا ﴾ .
وضمير ﴿ إن هي ﴾ راجع إلى ما فعل السفهاء لأن ما صْدقَ ما فعل السفهاء هو الفتنة، والمعنى: ليست الفتنةُ الحاصلة بعبادة العجل إلا فتنة منك، أي من تقديرك وخلْق أسباببِ حدوثها، مثل سخافة عقول القوم، وإعجابهم بأصنام الكنعانيين، وعيبة موسى، وليننِ هارون، وخشيته من القوم، وخشية شيوخ إسرائيل من عامتهم، وغير ذلك مما يعلمه الله وأيقن موسى به إيقاناً إجمالياً.
والخبر في قوله: ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ الآية: مستعمل في إنشاء التمجيد بسعة العلم والقدرة، والتعريض بطلب استبقائهم وهدايتهم، وليس مستعملاً في الاعتذار لقومه بقرينة قوله: ﴿ تضل بها من تشاء ﴾ الذي هو في موضع الحال من ﴿ فتنتك ﴾ فالإضلال بها حال من أحْوالها.
ثم عرَّض بطلب الهداية لهم بقوله: ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ والمجرور في قوله ﴿ بها ﴾ متعلق بفعل ﴿ تضل ﴾ وحده ولا يتنازعه معه فعل ﴿ تهدي ﴾ لأن الفتنة لا تكون سبب هداية بقرينة تسميتها فتنة، فمن قدر في التفسير: وتهدي بها أو نحوه، فقد غفل.
والباء: إما للملابسة، أي تضل من تشاء ملابساً لها، وإما للسببية، أي تضل بسبب تلك الفتنة، فهي من جهة فتنة، ومن جهة سبب ضلال.
والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال، ومرجها، وتشتت البال، وقد مضى تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ﴾ في سورة البقرة (102).
وقوله: ﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ في سورة العقود (71) وقوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ في سورة الأنعام (23).
والقصد من جملة: ﴿ أنت ولينا ﴾ الاعتراف بالانقطاع لعبادة الله تعالى، تمهيداً لمطلب المغفرة والرحمة، لأن شأن الولي أن يرحم مولاه وينصره.
والولي: الذي له وَلاية على أحد، والوَلايةِ حلف أو عتق يقتضي النصرة والإعانة، فإن كان من جانبين متكافئين فكلا المتعاقدين يقال له مَولى، وإن كان أحد الجانبين أقوى قيل للقوي (ولي) وللضعيف (مَولى) وإذ قد كانت الولاية غير قابلة للتعدد، لأن المرء لا يتولى غيرَ مواليه، كان قوله: ﴿ أنتَ ولينا ﴾ مقتضياً عدم الانتصار بغير الله.
وفي صريحه صيغة قصر.
والتفريع عن الولاية في قوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ تفريع كلام على كلام وليس المراد أن الولي يتعين عليه الغفران.
وقدم المغفرة على الرحمة لأن المغفرة سبب لرحمات كثيرة، فإن المغفرة تنهية لغضب الله المترتب على الذنب، فإذا انتهى الغضب تسنى أن يخلفه الرضا.
والرضا يقتضي الإحسان.
و ﴿ وخيرُ الغافرين ﴾ الذي يغفر كثيراً، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى: ﴿ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ﴾ في سورة آل عمران (150).
وإنما عطف جملة: ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ لأنه خبر في معنى طلب المغفرة العظيمة، فعطف على الدعاء، كانه قيل: فاغفر لنا وارحمنا واغفر لنا جميع ذنوبنا، لأن الزيادة في المغفرة من آثار الرحمة.
و ﴿ اكتُب ﴾ مستعار لمعنى العطاء المحقَق حصوله، المجدد مرة بعد مرة، لأن الذي يريد تحقيقَ عقد أو عدة، أو عطاء، وتعلّقه بالتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفة، فلا يقبل النكران، ولا النقصان، ولا الرجوع، وتسمى تلك الكتابة عهداً، ومنه ما كتبوه في صحيفة القطيعة، وما كتبوه من حلف ذي المجاز، قال الحارث بن حلزة: حذر الجَور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء ولو كان العطاء أو التعاقد لمرة واحدة لم يحتج للكتابة، لأن الحوز أو التمكين مغن عن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ﴾ [البقرة: 282] فالمعنى: آتنا الحسنة تلو الحسنة في أزمان حياتنا وفي يوم القيامة، دل على هذا المعنى لفظ ﴿ اكتب ﴾ ولولاه لكان دعاء صادقاً باعطاء حسنة واحدة، فيحتاج إلى الاستعانة على العموم بقرينة الدعاء، فإن النكرة يراد بها العموم في سياق الدعاء كقول الحريري في المقامة الخامسة: يا أهل ذا المغنى وُقيتم ضُرا *** (أي كل ضر وليس المراد وقيتم ضرا معيّنا).
والحسنة الحالة الحسنة، وهي: في الدنيا المرضية للناس، ولله تعالى، فتجمع خير الدنيا والدين، وفي الآخرة حالة الكمال، وقد تقدم بيانها في تفسير قوله تعالى: ﴿ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ في سورة البقرة (201).
وجملة: إنا هدنا إليك} مسوقة مساق التعليل للطلب والاستجابة، ولذلك فصلت ولان موقع حرف التأكيد في أولها موقع الاهتمام، فيفيد التعليل والربط، ويغني غناء فاء السببية كما تقدم غير مرة.
و ﴿ هُدْنا ﴾ معناه تبنا، يقال: هَادَ يهود إذا رجع وتاب فهو مَضموم الهاء في هذه الآية باتفاق القراءات المتواترة والمعنى تبنا مما عسى أن نكون ألممنا به من ذنب وتقصير، وهذا إخبار عن نفسه، وعن المختارين من قومه، بما يعلم من صدق سرائرهم.
جملة: ﴿ قال ﴾ الخ جوابٌ لكلام موسى عليه السلام، فلذلك فصلت لوقوعها على طريقة المحاورة، كما تقدم غير مرة، وكلام موسى، وإن كان طلبا، وهو لا يستدعي جواباً، فإن جواب الطالب عناية به وفضْل.
والمراد بالعذاب هنا عذاب الدنيا، لأن الكلام جواب لقول موسى: ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ والإهلاك عذاب، فبيّن اللَّهُ له أن عذاب الدنيا يصيب الله به من يشاء من عباده، وقد اجمل الله سبب المشيئة وهو أعلم به، وموسى يعلمه إجمالاً، فالكلام يتضمن طمأنة موسى من أن يناله العذاب هو والبزآء من قومه، لأن الله أعظم من أن يعاملهم معاملةَ المجرمين.
والمعنى إني قادر على تخصيص العذاب بمن عصوا وتنجية من لم يشارك في العصيان، وجاء الكلام على طريقة مجملة شأن كلام مَن لا يُسأل عما يعقل.
وقوله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ مقابل قول موسى: ﴿ فاغفر لنا وارحمنا ﴾ .
وهو وعد تعريض بحصول الرحمة المسؤولة له ولمن معه من المختارين، لأنها لما وسعت كل شيء فهم أرجى الناس بها، وأن العاصين هم أيضاً مغمورون بالرحمة، فمنها رحمة الإمهال والرزق، ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة.
وقوله: ﴿ عذابي أصيب به من اشاء ﴾ إلى قوله ﴿ كل شيء ﴾ جواب إجمالي، هو تمهيد للجواب التفصيلي في قوله: ﴿ فسأكتبها ﴾ .
والتفريع في قوله: ﴿ فسأكتبها ﴾ تفريع على سعة الرحمة، لأنها لما وسعت كل شيء كان منها ما يكتب أي يعطى في المستقبل للذين أجريت عليهم الصفات ويتضمن ذلك وعداً لموسى ولصلحاء قومه لتحقق تلك الصفات فيهم، وهو وعد ناظر إلى قول موسى ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ والضمير المنصوب في ﴿ أكْتُبها ﴾ عائدِ إلى ﴿ رحمتي ﴾ فهو ضمير جنس، وهو مساو للمعرف بلام الجنس، أي اكتب فَردا من هذا الجنس لأصحاب هذه الصفات، وليس المراد أنه يكتب جميع الرحمة لهؤلاء لأن هذا غير معروف في الاستعمال في الإخبار عن الأجناس، لكن يُعلم من السياق أن هذا النوع من الرحمة نوع عظيم بقرينة الثناء على متعلِقها بصفات توذن باستحقاقها، وبقرينة السكوت عن غيره، فيعلم أن لهذا المتعلِق رحمة خاصة عظيمة وأن غيره داخل في بعض مراتب عموم الرحمة المعلومة من قوله: ﴿ وَسِعت كل شيء ﴾ وقد أفصح عن هذا المعنى الحصر في قوله في آخر الآية ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ .
وتقدم معنى ﴿ أكتبها ﴾ قريباً.
وقد تقدم معنى: ﴿ وسعت كل شيء ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ في هذه السورة (89).
والمعنى: أن الرحمة التي سألها موسى له ولقومه وعدَ اللَّهُ بإعطائِها لمن كان منهم متصفاً بأنه من المتقين والمؤتين الزكاة، ولمن كان من المؤمنين بآيات الله، والآياتُ تصدق: بدلاِئل صدق الرسل، وبكلمات الله التي شرع بها للناس رَشادهم وهديهم، ولا سيما القرآن لأن كل مقدار ثلاث آيات منه هو آية لأنهُ معجز فدال على صدق الرسول، وهو المقصود هنا، وهم الذين يتبعون الرسول الامي إذا جاءهم، أي يطيعونه فيما يأمرهم، ولما جعلت هذه الأشياء بسبب تلك الرحمة علم أن التحصيل على بعضها يحصّل بعض تلك الرحمة بما يناسبه، بشرط الإيمان، كما علم من آيات أخرى خاطب الله بها موسى كقوله آنفاً ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ [الأعراف: 153] فتشمل هذه الرحمة من اتقى وآمن وآتى الزكاة من بني إسرائيل قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فإن أتباعهم إياه متعذر الحصول قبل بعثته، ولكن يجب أن يكونوا عازمين على اتباعه عند مجيئه إن كانوا عالمين بذلك كما قال تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ [آل عمران: 81، 82].
وتشمل الرحمة أيضاً الذين يؤمنون بآيات الله، والمعنى بها الآيات التي ستجيء في المستقبل، لأن آيات موسى قد استقر الإيمان بها يومئذ، وهذا موجب إعادة اسم الموصول في ذكر أصحاب هذه الصلة، للإشارة إلى أنهم طائفة أخرى، وهم من يكون عند بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك أبدل منهم قوله: ﴿ الذين يتبعون الرسولَ ﴾ إلخ.
وهو إشارة إلى اليهود والنصارى الكائنين في زمن البعثة وبعدها لقوله: ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم ﴾ ولقوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلالَ التي كانت عليهم ﴾ فإنه يدل على أنهم كانوا أهل شريعة فيها شدة وحرج، والمراد بآيات الله: القرآن، لأن ألفاظه هي المخصوصة باسم الآيات، لأنها جُعلت معجزات للفصحاء عن معارضتها.
ودالة على أنها من عند الله وعلى صدق رسوله، كما تقدم في المقدمة الثامنة.
وفي هذه الآية بشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهي مشيرة إلى ما في التوراة من الإصحاح العاشر حتى الرابع عشر، والاصحاح الثامن عشر من سفر التثنية: فإن موسى بعد أن ذكَرهم بخطيئة عبادتهم العجل، وذكر مناجاته لله للدعاء لهم بالمغفرة، كما تضمنه الاصحاح التاسع من ذلك السفر، وذكرناه آنفاً في تفسير قوله: ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ﴾ ، ثم ذكر في الإصحاح العاشر أمرهم بالتقوى بقوله: «فالآن يا إسرائيل ما يطلب منكَ الرب إلا أن تتقي ربك لتسلك في طرقه وتحبه».
ثم ذكر فيه وفي الثلاثة بعده وصايا تفصيلاً للتقوى، ثم ذكر في الاصحاح الرابع عشر الزكاة فقال «تعشيراً تعشر كل محصول زرعك سنة بسنة عشر حنطتك وخمرك وزيتك وأبكار بقرك وغنمك، وفي آخر ثلاث سنين تخرج كل عشر محصولك في تلك السنة فتضعه في أبوابك فيأتي اللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين على أبوابك فيأكلون ويشبعون» إلخ.
ثم ذكر أحكاماً كثيرة في الإصحاحات الثلاثة بعده.
ثم في الإصحاح الثامن عشر قوله: «يُقيم لك الرب نبياً ومن وسط إخواتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبتُ من الرب في حُوريب (أي جبل الطور حين المناجاة) يوم الاجتماع قال لي الرب أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» فدل هذا على أن هذا النبي من غير بني إسرائيل لقوله: «من وسط أخوتك» فإن الخطاب لبني إسرائيل، ولا يكونون إخوة لأنفسهم.
وإخوتُهم هم أبناء أخي أبيهم: إسماعيل أخي إسحاق، وهم العرب، ولو كان المراد به نبيئاً من بني إسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم، وعُلم أن النبي رسول بشرع جديد من قوله: «مثلك» فإن موسى كان نبياً رسولاً، فقد جمع القرآن ذلك كله في قوله: ﴿ للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ إلخ.
ومن نكت القرآن الجمع في هذه الآية بين وصفي النبوة والرسالة للإشارة إلى أن اليهود بدّلوا وصف الرسول، وعبروا عنه بالنبي، ليصدق على أنبياء ليصدق على أنبياء بني إسرائيل، وغفلوا عن مفاد قوله مثلك، وحذفوا وصف الأمي، وقد كانت هذه الآية سبب إسلام الحبر العظيم الأندلسي السموأل بن يحيى اليهودي، كما حكاه عن نفسه في كتابه الذي سماه «غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود».
فهذه الرحمة العظيمة تختص بالذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وتشمل الرسل والأنبياء الذين أخذ الله عليهم العهد بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فكانوا عالمين ببعثته يقيناً فهم آمنوا به، وتنزلوا منزلة من اتبع ما جاء به، لأنهم استعدوا لذلك، وتشمل المسلمين من العرب وغيرهم غير بني إسرائيل، لأنهم ساروا من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام من اليهود في اتباع الرسول النبي الأمي.
وتقديم وصف الرسول لأنه الوصف الأخص الأهم، ولأن في تقديمه زيادة تسجيل لتحريف أهل الكتاب، حيث حذفوا هذا الوصف ليصير كلام التوراة صادقاً بمن أتى بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل، ولأن محمداً صلى الله عليه وسلم اتشهر بوصف النبي الأمي، فصار هذا المركب كاللقب له، فلذلك لا يغير عن شهرته، وكذلك هو حيثما ورد ذكره في القرآن.
والأمي: الذي لا يعرف الكتابة والقراءة، قيل هو منسوب إلى الأم أي هو أشبه بأمه منه بأبيه، لأن النساء في العرب ما كُنّ يعرفن القراءة والكتابة، وما تعلمْنها إلاّ في الإسلام، فصار تعلم القراءة والكتابة من شعار الحرائر دون الإماء كما قال عُبيْد الراعي، وهو إسلامي: هُنَّ الحرائِر لا ربّاتُ أخمرَة *** سُودُ المحاجِر لا يقْرأن بالسّوَرِ أما الرجال ففيهم من يقرأ ويكتب.
وقيل: منسوب إلى الأمّة أي الذي حاله حال معظم الأمة، أي الأمة المعهودة عندهم وهي العربية، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلاّ النادر منهم، ولذلك يصفهم أهلُ الكتاب بالأُمييّن، لما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيل ﴾ في آل عمران (75).
والأميّة وصف خص الله به من رسله محمداً، إتماماً للإعجاز العلمي العقلي الذي أيده الله به، فجعل الأمية وصفاً ذاتياً له، ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة، ليظهر أن كماله النفساني كمالٌ لدُنّي إلهي، لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان، لأنه لمّا حصل له من المعرفة وسداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق، وكان على يقين من علمه، وبينة من أمره، ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنّما هو من فيوضات إلهية.
ومعنى: يجدونه مكتوباً } وجدان صفاته ونعوته، التي لا يشبهه فيها غيره، فجعلت خاصته بمنزلة ذاته.
وأطلق عليها ضمير الرسول النبي الأمي مجازاً بالاستخدام، وإنما الموجود نعته ووصفه، والقرينة قوله: ﴿ مكتوباً ﴾ فإن الذات لا تكتب، وعُدل عن التعبير بالوصف للدلالة على أنهم يجدون وصفاً لا يقبل الالتباس، وهو: كونه أمياً، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويُحل الطيبات، ويحرم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، وشدة شريعتهم.
وذكرالإنجيل هنا لأنه منزل لِبني إسرائيل، وقد آمن به جمع منهم ومن جاء بعدهم من خلفهم، وقد أعلم الله موسى بهذا.
والمكتوب في التوراة هو ما ذكرناه آنفاً، والمكتوب في الإنجيل بشارات جمة بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي بعضها التصريح بأنه يبعث بعثة عامة، ففي إنجيل متّى في الإصحاح الرابع والعشرين «ويقوم أنبياء كذَبةٌ كثيرون ويُضلون كثيرون، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى (أي يدوم شرعه إلى نهاية العالم) فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى» (أي منتهى الدنيا)، وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر «وإما المُعزّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلتُه لكم» (ومعنى باسمي أي بمماثلتي وهو كونه رسولاً مشرعاً لا نبيّاً موكداً).
وتقدم ذكر التوراة والإنجيل في أول سورة آل عمران.
وجملة: ﴿ يأمرهم بالمعروف ﴾ قال أبو علي الفارسي: «هي بيان للمكتوب عندهم ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير ﴿ يجدونه ﴾ لأن الضمير راجع للذكر والاسم.
والذكر والاسم لا يأمران» أي فتعين كون الضمير مجازاً، وكون الآمر بالمعروف هو ذات الرسول لا وصفه وذِكرُه، ولا شك أن المقصود من هذه الصفات تعريفهم بها؛ لتدلهم على تعيين الرسول الأمي عند مجيئه بشريعة هذه صفاتها.
وقد جعل الله المعروف والمنكر، والطيبات، والخبائث، والإصر والأغلال متعلقات لتشريع النبي الأمي وعلامات، فوجب أن يكون المراد منها ما يتبادر من معاني ألفاظها للأفهام المستقيمة.
فالمعروفُ شامل لكل ما تقبلُه العقول والفطر السليمة، والمنكر ضده، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى: ﴿ ولتْكُن منكم أمة يَدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ في سورة آل عمران (104).
ويجمعها معنى: الفطرة، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها ﴾ [الروم: 30]، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية.
والطيبات: جمع طيبة، وقد روعي في التأنيث معنى الأكِيلة، أو معنى الطُّعمة، تنبيهاً على أن المراد الطيبات من المأكولات، كما دل عليه قوله في نظائِرها نحو: ﴿ يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ في البقرة (168) وقوله: ﴿ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ﴾ في سورة المائدة (4)، وليس المراد الأفعال الحسنة؛ لأن الأفعال عُرّفت بوصف المعروف والمنكر.
والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبُولها ومرفوضها، وإنما تمتلك الناسَ فيها عوائِدُهم، ولما كان الإسلام دينَ الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه، ناط حال المأكولات بالطّيب وحرمتها بالخُبث، فالطّيب ما لا ضُر فيه ولا وخامَة ولا قذارة، والخبيثُ ما أضر، أوْ كان وَخيم العاقبة، أو كان مستقذراً لا يقبله العقلاء، كالنجاسة، وهذا ملاك المُباح والمحرم من المآكل، فلا تدخل العادات إلاّ في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح، فقد كانت قريش لا تأكل الضب، وقد وُضع على مَائدة رسول الله فكره أن يأكل منه، وقال: ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافُه ولهذا فالوجه: إن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح، وقد يكون مكروهاً اعتباراً بمضرة خفيفة، فلذلك ورد النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومحمله عند مالك في أشهر الروايات عنه، على الكراهة، وهو الذي لا ينبغي التردد فيه، وأي ضُر في أكل لحم الأسد، وكذلك إباحة أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية، لاختلاف عوائِد الناس في أكلها وعدمه، فقد كانت جَرْم لا يأكلون الدجاج، وَفقعس يأكلون الكلب، فلا يحجر على قوم لأجل كراهية غيرهم مما كرهه ذوقه أو عادة قومه، وقد تقدم شيء من هذا في آية سورة المائِدة، فعلى الفقيه أن يقصر النظر على طبائِع المأكولات وصفاتها، وما جهلت بعض صفاته وحرمته الشريعة مثل تحريم الخنزير.
وَوْضع الإصر إبطال تشريعه، أي بنسخ ما كان فيه شدة من الشرايع الإلهية السابقة، وحقيقة الوضع الحط من علو إلى سفل، وهو هنا مجاز في إبطال التكليف بالأعمال الشاقة.
وحقه التعدية إلى المفعول الثاني بحرف (في) الظرفية، فإذا عُدي إليْه ب (عن) دل على نقل المفعول الأول من مدخول (عن) وإذا عدي إلى المفعول الثاني ب (على) كان دالاً على حط المفعول الأول في مدخول (على) حطا متمكناً، فاستعير يضعُ عنهم} هنا إلى إزالة التكليفات التي هي كالإصر والأغلال فيشمل الوضْعُ معنى النسخ وغيره، كما سيأتي.
و«الإصر» ظاهر كلام الزمخشري في «الكشاف» و«الأساس» إنه حقيقة في الثّقل، (بكسر الثاءِ) الحسيّ بحيث يَصعب معه التحرك، ولم يقيده غيره من أصحاب دواوين اللغة، وهذا القيد من تحقيقاته، وَهو الذي جرى عليه ظاهر كلام ابن العربي في «الأحكام»، والمراد به هنا التكاليف الشاقة والحرج في الدين، فإن كان كما قيده الزمخشري يكن ﴿ ويضع عنهم أصرهم ﴾ تمثيلية بتشبيه حال المزال عنه ما يحْرجه من التكاليف بحال مَن كان محمّلاً بثقل فأزيل عن ظهره ثَقله، كما في قوله تعالى: ﴿ يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ [الأنعام: 31] وإن لم يكن كذلك كان «الإصر» استعارة مكنية ﴿ ويضع ﴾ تخييلاً، وهو أيضاً استعارة تبعية للإزالة.
وقد كانت شريعة التوراة مشتملة على أحكام كثيرة شاقة مثل العقوبة بالقتل على معاص كثيرة، منها العمل يومَ السبتتِ، ومثلُ تحريم مأكولات كثيرة طيبة وتغليظ التحريم في أمور هينة، كالعمل يوم السبت، وأشد ما في شريعة التوراة من الإصر أنها لم تشرع فيها التوبة من الذنوب، ولا استتابة المُجرم، والإصر قد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ في سورة البقرة (286) وقرأ ابن عامر وحده في القراءات المشهورة، (آصارهم) بلفظ الجمع، والجمع والإفراد في الأجناس سواء.
والأغلالُ } جمع غُل بضم الغين وهو إطار من حديد يجعل في رقبة الأسير والجاني ويمسك بسير من جلد، أو سلسلة من حديد بيد المُوكّل بحراسة الأسير، قال تعالى: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ [غافر: 71] ويستعار الغُل للتكليف والعمل الذي يؤلم ولا يطاق فهوَ استعارة فإن بنيْنا على كلام الزَمخشري كان ﴿ الأغلال ﴾ تمثيلية بتشبيه حال المحرر من الذل والإهانة بحال من أطلق من الأسر، فتعيّن أن وضع الأغلال استعارة لما يعانيه اليهود من المذلة بين الأمم الذين نزلوا في ديارهم بعد تخريب بيت المقدس، وزوال ملك يهوذا، فإن الإسلام جاء بتسوية أتباعه في حقوقهم في الجامعة الإسلامية، فلا يبقى فيه مَيز بين أصيل ودخيل، وصميم ولصيق، كما كان الأمر في الجاهلية، ومناسبة استعارة الأغلال للذلة أوضح، لأن الأغلال من شعار الإذلال في الأسر والقود ونحوهما.
وهذان الوصفان لهما مزيد اختصاص باليهود، المتحدث عنهم في خطاب الله تعالى لموسى، ولا يتحققان في غيرهم ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قد كان لهم شرع، وكان فيه تكاليف شاقة، بخلاف غير اليهود من العرب والفرس وغيرهم، ولذلك أضاف الله الإصر إلى ضميرهم، ووَصف الأغلال بما فيه ضميرهم، على أنك إذا تأملت في حال الأمم كلهم قبل الإسلام لا تجد شرائعهم وقوانينهم وأحوالهم خالية من إصر عليهم، مثل تحريم بعض الطيبات في الجاهلية، ومثل تكاليف شاقة عند النصارى والمجوس لا تتلاقى مع السماحة الفطرية، وكذلك لا تجدها خالية من رهق الجبابرة، وإذلال الرؤساء، وشدة الأقوياء على الضعفاء، وما كان يحدث بينهم من التقاتل والغارات، والتكايُل في الدماء، وأكلهم أموالهم بالباطل، فأرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بديننِ من شأنه أن يخلص البشر من تلك الشدائِد، كما قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] ولذلك فسرنا الوضع بما يَعم النسخ وغيره، وفسرنا الأغلال بما يخالف المراد من الأصر، ولا يناكد هذا ما في أديان الجاهلية والمجوسية وغيرها من التحلل في أحكام كثيرة، فإنه فساد عظيم لا يخفف وطأة ما فيها من الإصر، وهو التحلل الذي نظر إليه أبو خِراش الهُذلي في قوله، يَعْني شريعة الإسلام: فليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحَاطت بالرقاب السلاسل والفاء في قوله: ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ فاء الفصيحة، والمعنى: إذا كان هذا النبي كما علمتم من شهادة التوراة والإنجيل بنبوءته، ومن اتصاف شرعه بالصفة التي سمعتم، علمتم أن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا هديه، هم المفلحون.
والقصر المستفاد من تعريف المسند ومن ضمير الفصل قصر إضافي، أي هم الذين أفلحوا أي دون من كفر به بقرينة المقام، لأن مقام دعاء موسى يقتضي أنه أراد المغفرة والرحمة وكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة لكل من اتبع دينه، ولا يريد موسى شمول ذلك لمن لا يتبع الإسلام بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم ولكن جرى القصر على معنى الاحتراس من الإيهام، ويجوز أن يكون القصر ادعائياً، دالاً على معنى كمال صفة الفلاح للذين يتبعون النبي الأمي، ففلاح غيرهم من الأمم المفلحين الذين سبقوهم كلاَ فلاح، إذا نُسب إلى فلاحهم، أي إن الأمة المحمدية أفضل الأمم على الجملة، وإنهم الذين تنالهم الرحمة الإلهية التي تسع كل شيء من شؤونهم قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107].
ومعنى ﴿ عزروه ﴾ أيدوه وقّووْه، وذلك بإظهار ما تضمنته كتبهم من البشارة بصفاته، وصفات شريعته، وإعلان ذلك بين الناس، وذلك شيء زائِد على الإيمان به، كما فعل عبد الله بن سَلاَم، وكقول ورقة بن نوفل: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى»، وهو أيضاً مغاير للنصر، لأن النصر هو الإعانة في الحرب بالسلاح، ومن أجل ذلك عطف عليه ﴿ ونصروه ﴾ .
واتّباع النور تمثيل للاقتداء بما جاء به القرآن: شبه حال المقتدي بهدي القرآن، بحال الساري في الليل إذا رأى نوراً يلوح له اتّبعه، لعلمه بأنه يجد عنده منجاة من المخاوف وأضرار السير، وأجزاءُ هذا التمثيل استعارات، فالإتباع يصلح مستعاراً للاقتداء، وهو مجاز شائِع فيه، والنور يصلح مستعاراً للقرآن؛ لأن الشيء الذي يعلّم الحقّ والرشد يشبّه بالنور، وأحسن التمثيل ما كان صالحاً لاعتبار التشبيهات المفردة في أجزائه.
والإشارة في قوله: ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ للتنويه بشأنهَم، وللدلالة على أن المشار إليهم بتلك الأوصاف صاروا أحرياء بما يخبر به عنهم بعد اسم الإشارة كقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].
وفي هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، ويُلحق بهم من نصر دينه بعدهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا وفي تَسْمِيَتِهِ بِالأُمِّيِّ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَكْتُبُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ مِن أُمِّ القُرى وهي مَكَّةُ.
الثّالِثُ: لِأنَّ مِنَ العَرَبِ أُمَّةً أُمِّيَّةً.
﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴾ لِأنَّ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ: إنِّي سَأُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وأجْعَلُ كَلامِي في فِيهِ فَيَقُولُ لَهم كُلَّ ما أوْصَيْتُهُ بِهِ.
وَفِيها: وأمّا ابْنُ الأُمَّةِ فَقَدْ بارَكْتُ عَلَيْهِ جِدًّا جِدًّا وسَأدَّخِرُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ.
وَفي الإنْجِيلِ بِشارَةٌ بِالفارَقَلِيطِ في مَواضِعَ: يُعْطِيكم فارَقَلِيطَ آخَرَ يَكُونُ مَعَكُمُ الدَّهْرَ كُلَّهُ.
وَفِيها قَوْلُ المَسِيحِ لِلْحَوارِيِّينَ: أنا أذْهَبُ وسَيَأْتِيكُمُ الفارَقَلِيطُ رُوحُ الحَقِّ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، إنَّهُ نَذِيرُكم يَجْمَعُ بَيْنَ الحَقِّ ويُخْبِرُكم بِالأُمُورِ المُزْمَعَةِ ويَمْدَحُنِي ويَشْهَدُ لِي.
فَهَذا تَفْسِيرُ: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ﴾ وهو الحَقُّ.
﴿ وَيَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ﴾ وهو الباطِلُ وإنَّما سُمِّيَ الحَقُّ مَعْرُوفًا لِأنَّهُ مَعْرُوفُ الصِّحَّةِ في العُقُولِ، وسُمِّيَ الباطِلُ مُنْكَرًا لِأنَّهُ مُنْكَرُ الصِّحَّةِ في العُقُولِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ.
﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ﴾ يَعْنِي ما كانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِن لَحْمِ الخِنْزِيرِ والدِّماءِ.
﴿ وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَهْدُهُمُ الَّذِي كانَ اللَّهُ تَعالى أخَذَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّشْدِيدُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي كانَ في دِينِهِمْ مِن تَحْرِيمِ السَّبْتِ وتَحْرِيمِ الشُّحُومِ والعُرُوقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِيما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.
والثّانِي: يَعْنِي ما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ .
﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَظَّمُوهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
والثّانِي: مَنَعُوهُ مِن أعْدائِهِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
وَمِنهُ تَعْزِيرُ الجانِي لِأنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنَ العَوْدِ إلى مِثْلِهِ.
﴿ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، آمَنُوا بِهِ مِن بَعْدِهِ فَرَوى قَتادَةُ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قالَ لِأصْحابِهِ: «أيُّ الخَلْقِ أعْجَبُ إلَيْكم إيمانًا؟
قالُوا: المَلائِكَةُ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ (ص ): المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ.
فَقالُوا: النَّبِيُّونَ، فَقالَ: (يُوحى إلَيْهِمْ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ قالُوا: نَحْنُ يا نَبِيَّ اللَّهِ.
فَقالَ: أنا فِيكم فَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَن هُمْ؟
قالَ: (هم قَوْمٌ يَكُونُونَ بَعْدَكم يَجِدُونَ كِتابًا في ورَقٍ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ» فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ﴾ <div class="verse-tafsir"
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله: ﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ قال: فلم يعطها موسى ﴿ قال عذابي أصيب به من أشاء ﴾ إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ قال: فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جرير ﴿ واكتب لها في هذه الدنيا حسنه ﴾ قال: مغفرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ قال: تبنا إليك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ قال: تبنا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وجزة السعدي وكان من أعلم الناس بالعربية قال: لا والله لا أعلمها في كلام أحد من العرب ﴿ هدنا ﴾ قيل: فكيف قال: هدنا بكسر الهاء؟
يقول: ملنا.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قالا: وسعت في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قال: رحمته في الدنيا على خلقه كلهم يتقلبون فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سماك بن الفضل.
أنه ذكر عنده أي شيء أعظم، فذكروا السموات والأرض وهو ساكت فقالوا: ما تقول يا أبا الفضل؟
فقال: ما من شيء أعظم من رحمته، قال الله تعالى ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ .
وأخرج أحمد وأبو داود عن جندب بن عبد الله البجلي قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نادى: اللهمَّ ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حظرت رحمة واسعة، أن الله خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها، وعنده تسعة وتسعون» .
وأخرج أحمد ومسلم عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسع وتسعون إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان موقوفاً وابن مردويه عن سلمان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السموات والأرض، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، فأهبط منها رحمة إلى الأرض، فيها تراحم الخلائق، وبها تعطف الوالدة على ولدها، وبها يشرب الطير والوحوش من الماء، وبها تعيش الخلائق، فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثم أفاضها على المتقين، وزاد تسعاً وتسعين رحمة، ثم قرأ ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ﴾ » .
وأخرج الطبراني عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه، الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، يدخلني الجبابرة والملوك والأشراف.
وقالت الجنة: يا رب، يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين.
فقال الله للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال: لما نزلت ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قال إبليس: يا رب، وأنا من الشيء.
فنزلت ﴿ فسأكتبها للذين يتقون...
﴾ الآية.
فنزعها الله من إبليس.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: لما نزلت ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قال: إبليس: وأنا من الشيء.
فنسخها الله، فأنزل ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: لما نزلت ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ قال: إبليس: أنا من كل شيء.
قال الله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ﴾ قالت يهود: فنحن نتقي ونؤتي الزكاة.
قال الله: ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ﴾ فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه.
وأخرج البيهقي في الشعب عن سفيان بن عيينة قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ مد إبليس عنقه فقال: أنا من الشيء.
فنزلت ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ فمدت اليهود والنصارى أعناقها فقالوا: نحن نؤمن بالتوراة والإِنجيل، ونؤدي الزكاة.
فاختلسها الله من إبليس واليهود والنصارى، فجعلها لهذه الأمة خاصة فقال: ﴿ الذين يتبعون...
﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار في مسنده وابن مردويه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه مسألة فأعطاها محمداً صلى الله عليه وسلم.
قوله: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ إلى قوله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ فأعطى محمداً صلى الله عليه وسلم كل شيء.
سأل موسى ربه في هذه الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ قال: كتبها الله لهذه الأمة.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: دعا موسى فبعث الله سبعين، فجعل دعاءه حين دعاه آمن بمحمد، واتبعه قوله: ﴿ فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين،...
فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين يتبعون محمداً ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ قال يتقون الشرك.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال موسى: يا ليتني أخرت في أمة محمد.
فقالت اليهود لموسى: أيخلق ربك خلقاً ثم يعذبهم؟
فأوحى الله إليه: يا موسى ارزع.
قال: قد زرعت.
قال: أحصد.
قال: قد حصدت.
قال: دس.
قال: قد دست.
قال: ذر.
قال: قد ذريت.
قال: فما بقي؟
قال: ما بقي شيء فيه خير.
قال: كذلك لا أعذب من خلقي إلا من لا خير فيه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
أنه سئل عن أبي بكر وعمر فقال: إنهما من السبعين الذين سألهم موسى بن عمران فاخراً حتى أعطيهما محمداً صلى الله عليه وسلم.
قال: وتلا هذه الآية ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا...
﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم الجمعة نزل جبريل عليه السلام إلى المسجد الحرام، فركز لواءه بالمسجد الحرام وغدا بسائر الملائكة إلى المساجد التي يجمع فيها يوم الجمعة، فركزوا ألويتهم وراياتهم بأبواب المساجد، ثم نشروا قراطيس من فضة وأقلاماً من ذهب، ثم كتبوا الأول فالأول من بكَّر إلى الجمعة، فإذا بلغ من في المسجد سبعين رجلاً قد بكروا طووا القراطيس، فكان أولئك السبعون كالذين اختارهم موسى من قومه، والذين اختارهم موسى من قومه كانوا أنبياء» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا راح منا إلى الجمعة سبعون رجلاً كانوا كسبعين موسى الذين وفدوا إلى ربهم أو أفضل» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ النبي الأمي ﴾ قال: كان لا يكتب ولا يقرأ.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ الرسول النبي الأمي ﴾ قال: هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «خرج علينا رسول الله صلى عليه وسلم يوماً كالمودع فقال: أنا محمد النبي الأمي، أنا محمد النبي الأمي، أنا محمد النبي الأمي، ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت خزنة النار وحملة العرش، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم كتاب الله، أحلوا حلاله وحرِّموا حرامه» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وان الشهر كذا وكذا، وضرب بيده ست مرات وقبض واحدة» .
وأخرج أبو الشيخ من طريق مجالد.
قال حدثني عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب، فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال: صدق، سمعت أصحابنا يقولون ذلك.
قوله تعالى: ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل ﴾ .
أخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل ﴾ قال: يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوباً عندهم.
وأخرج ابن سعد عن قتادة قال: بلغنا أن نعت رسول الله صلى عليه وسلم في بعض الكتب محمد رسول الله ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون على كل حال.
وأخرج ابن سعد وأحمد عن رجل من الأعراب قال: جلبت حلوية إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا الرجل ولأسمعن منه.
فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشيان، فتبعتهما حتى أتيا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟
فقال برأسه هكذا؛ أي لا.
فقال ابنه: أي والذي أنزل التوراة إن لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فقال: أقيموا اليهودي عن أخيكم، ثم ولي كفنه والصلاة عليه» .
وأخرج ابن سعد والبخاري وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ [ الأحزاب: 45] وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله.
ويفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.
وأخرج ابن سعد والدارمي في مسنده والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ [ الأحزاب: 45] وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله.
ويفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفا.
وأخرج الدارمي عن كعب قال: في السطر الأول: محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام.
وفي السطر الثاني: محمد رسوله الله أمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم، وأصواتهم بالليل في جوّ السماء كأصوات النحل.
وأخرج ابن سعد والدارمي وابن عساكر عن أبي فروة عن ابن عباس.
إنه سأل كعب الأحبار كيف قد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمادون يحمدون الله في كل سراء، ويكبرون الله على كل نجد، ويوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جوّ السماء.
وأخرج أبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب: كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟
قال: نجده موصوفاً فيها محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، وأعطى المفاتيح ليبصر الله به أعيناً عوراً، ويسمع به آذاناً صماً، ويقيم به السنة معوجة حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف.
وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صفتي أحمد المتوكل مولده بمكة ومهاجره إلى طيبة، ليس بفظ ولا غليظ، يجزي بالحسنة الحسنة ولا يكافئ بالسيئة، أمته الحمادون يأتزرون على أنصافهم، ويوضئون أطرافهم، أناجيلهم في صدورهم، يصفون للصلاة كما يصفون للقتال، قربانهم الذي يتقربون به إلى دمائهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار» .
وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: إن أبي كان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى، وكان لم يدخر عني شيئاً مما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني، إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئاً مما كنت أعلمه، إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما: نبي يبعث قد أظل زمانه فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما، فلا تعرضن لهما ولا تنظرن فيهما حينك هذا، فإن الله إن يرد بك خيراً ويخرج ذلك النبي تتبعه، ثم أنه مات فدفناه فلم يكن شيء أحب إليّ من أن أنظر في الورقتين، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين؟
فإذا فيهما: محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ويجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويصفح، وأمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، تذلل ألسنتهم بالتكبير وينصر نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدروهم وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم.
فمكث ما شاء الله ثم بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة، فأخرت حتى استثبت، ثم بلغني أنه توفي وأن خليفته قد قام مقامه، وجاءتنا جنوده فقلت: لا أدخل في هذا الدين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدمت علينا عمال عمر بن الخطاب، فلما رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر، فوالله إني لذات ليلة فوق سطحي، فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً...
﴾ [ النساء: 47] الآية.
فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي، فما كان شيء أحب إليّ من الصباح فغدوت على المسلمين.
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب «أن يهودياً كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير، فتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما عندي ما أعطيك.
قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني.
قال: إذن أجلس معك يا محمد فجلس معه فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتهددون اليهودي ويتوعدونه، فقالوا: يا رسول الله، يهودي يحبسك؟
قال: منعني ربي أن أظلم معاهداً ولا غيره، فلما ترحل النهار أسلم اليهودي وقال: شطر مالي في سبيل الله، أما ولله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحشاء ولا قوّال للخنا» .
وأخرج ابن سعد عن الزهري.
أن يهودياً قال: ما كان بقي شيء من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة إلا رأيته إلا الحلم، وإني أسلفته ثلاثين ديناراً في ثمر إلى أجل معلوم، فتركته حتى إذا بقي من الأجل يوم أتيته فقلت: يا محمد، اقضني حقي فإنكم معاشر بني عبد المطلب مطل.
فقال عمر: يا يهودي الخبيث، أما والله لولا مكانه لضربت الذي فيه عيناك، فقال رسول الله صلى عليه وسلم «غفر الله لك يا أبا حفص، نحن كنا إلى غير هذا منك أحوج إلى أن تكون أمرتني بقضاء ما عليّ، وهو إلى أن تكون أعنته على قضاء حقه أحوج فلم يزده جهلي عليه إلا حلماً.
قال: يا يهودي، إنما يحل حقك غداً، ثم قال: يا أبا حفص، أذهب به إلى الحائط الذي كان سأل أوّل يوم، فإن رضيه فاعطه كذا وكذا صاعاً وزده لما قلت له كذا وكذا صاعاً وزده، فإن لم يرض فاعط ذلك من حائط كذا وكذا» ، فأتى بي الحائط فرضي تمره فأعطاه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أمره من الزيادة، فلما قبض اليهودي تمره قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وأنه والله ما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلا أني قد كنت رأيت في رسول الله صفته في التوراة كلها إلا الحلم، فاختبرت حلمه اليوم فوجدته على ما وصف في التوراة، وإني أشهدك أن هذا التمر وشطر مالي في فقراء المسلمين.
فقال عمر: فقلت: أو بعضهم؟
فقال: أو بعضهم.
قال: وأسلم أهل بيت اليهودي كلهم إلا شيخ كان بان مائة سنة فعسا على الكفر.
وأخرج ابن سعد عن كثيِّر بن مرة قال: إن الله يقول: لقد جاءكم رسول ليس بوهن ولا كسل، يفتح أعيناً كانت عمياً، ويسمع آذاناً كانت صماً، ويختن قلوباً كانت غلفاً، ويقيم سنة كانت عوجاء، حتى يقال: لا إله إلا الله.
وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس فقال «أخرجوا إليَّ أعلمكم» فقالوا: عبد الله بن صوريا.
فخلا به رسول الله صلى عليه وسلم، فناشده بدينه وبما أنعم به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام، «أتعلم أني رسول الله؟» قال: اللهمَّ نعم، وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك المبين في التوراة ولكنهم حسدوك.
قال: «فما يمنعك أنت؟» قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم.
وأخرج الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن الفلتان بن عاصم قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أتقرأ التوراة؟» قال: نعم قال: «والإِنجيل؟» قال: نعم.
فناشده هل تجدني في التوراة والإِنجيل؟
قال: نجد نعتاً مثل نعتك ومثل هيئتك ومخرجك، وكنا نرجو أن تكون منا، فلما خرجت تخوَّفنا أن تكون هو أنت، فنظرنا فإذا ليس أنت هو.
قال: «ولم ذاك؟» قال: إن معه من أمته سبعين ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، وإنما معك نفر يسير.
قال: «والذي نفسي بيده لأنا هو، إنهم لأمتي وأنهم لأكثر من سبعين ألفاً وسبعين ألفاً» .
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعثت قريش النظر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم: سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقدموا المدينة فقالوا: أتيناكم لأمر حدث فينا، منا غلام يتيم يقول قولاً عظيماً، يزعم أنه رسول الرحمن قالوا: صفوا لنا نعته.
فوصفوا لهم قالوا: فمن تبعه منكم؟
قالوا: سفلتنا.
فضحك حبر منهم فقال: هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب قال: كان في بني إسرائيل رجل عصى الله تعالى مائتي سنة، ثم مات فأخذوه فألقوه على مزبلة، فأوحى الله إلى موسى عليه السلام: أن أخرج فصلِّ عليه قال: يا رب، بنو إسرائيل شهدوا أنه عصاك مائتي سنة، فأوحى الله إليه: هكذا كان لأنه كان كلما نشر التوراة، ونظر إلى اسم محمد صلى الله عليه وسلم قبَّله وضعه على عينيه وصلى عليه، فشكرت له ذلك وغفرت ذنوبه وزوّجته سبعين حوراء.
وأخرج ابن سعد والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإِنجيل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: «قدم الجارود بن عبد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال: والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإِنجيل ولقد بشَّر بك ابن البتول» .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال: قرأت في الإِنجيل نعت محمد صلى الله عليه وسلم: إنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو طمرين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة ويلبس قميصاً مرقوعاً، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر، وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل عليه السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أوحى الله تعالى إلى شعيب «إني باعث نبياً أمياً أفتح به آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب المتحبب المختار، لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح رحيماً بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوّال للخنا، يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع يعني اليابس لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشراً ونذيراً، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبرَّ شعاره، والمغفرة والمعروف حليته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإِسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به من بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب، وأهواء متشتتة وأمم مختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، آمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وتوحيداً لي وإيماناً بي وإخلاصاً لي وتصديقاً لما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس.
طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، أُلهمهم التسبيح والتكبير والتمجيد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، ويصفُّون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قياماً وقعوداً وسجوداً، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفاً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً، اختم بكتبهم الكتب، وشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، من أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني وهو مني بريء، واجعلهم أفضل الأمم، واجعلهم أمة وسطاء شهداء على الناس، إذا عضبوا هللوني، وإذا قبضوا كبَّروني، وإذا تنازعوا سبَّحوني، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، مناديهم في جو السماء، لهم دوي كدوي النحل، طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم» .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال: إن الله أوحى في الزبور «يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقاً نبياً لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً، وقد غفرت له أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم، يا داود إني فضَّلت محمداً وأمته على الأمم، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافاً مضاعفة، ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أؤخره لهم في الآخرة، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صباً، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبدالله بن عمرو قال: أجد في الكتب أن هذه الأمة تحب ذكر الله كما تحب الحمامة وكرها، ولهم أسرع إلى ذكر الله من الإِبل إلى وردها يوم ظمئها.
قوله تعالى: ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ﴾ الآية.
أخرج الطبراني عن حبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل من الأعراب يستفتيه عن الرجل، ما الذي يحل له والذي يحرم عليه في ماله ونسكه وماشيته وعنزه وفرعه من نتاج إبله وغنمه؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلَّ لك الطيبات وحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام فتأكل منه حتى تستغني عنه.
قال: ما فقري الذي آكل ذلك إذا بلغته؟
أمْ ما غناي الذي يغنيني عنه؟
قال: إذا كنت ترجو نتاجاً فتبلغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو عشاء تصيبه مدركاً فتبلغ إليه بلحوم ماشيتك، وإذا كنت لا ترجو من ذلك شيئاً فاطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه.
قال الأعرابي: وما عشائي الذي أدعه إذا وجدته؟
قال: إذا رويت أهلك غبوقاً من اللبن فاجتنب ما حرم عليك من الطعام، وأما مالك فإنه ميسور كله ليس منه حرام غير أن في نتاجك من إبلك فرعاً، وفي نتاجك من غنمك فرعاً تغذوه ماشيتك، حتى تستغني، ثم إن شئت فاطعمه أهلك وإن شئت تصدَّق بلحمه، وأمره أن يعقر من الغنم في كل مائة عشراً» .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ قال: الحلال ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: التثقيل الذي كان في دينهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ قال: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلون من المحرمات من المآكل التي حرَّمها الله.
وفي قوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: هو ما كان أخذ الله عليهم من الميثاق فيما حرم عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: عهدهم ومواثيقهم في تحريم ما أحلَّ الله لهم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة والإِنجيل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: التشديد في العبادة، كان أحدهم يذنب الذنب فيكتب على باب داره: إن توبتك أن تخرج أنت وأهلك ومالك إلى العدو فلا ترجع حتى يأتي الموت على آخركم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا أصابهم ونحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله: ﴿ والأغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: الشدائد التي كانت عليهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ويضع عنه إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ قال: تشديد شدد على القوم، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالتجاوز عنهم.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: ما غلظوا على أنفسهم من قطع أثر البول، وتتبع العروق في اللحم وشبهه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ قال: عهدهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عزروه ﴾ يعني عَظَّموه وَوَقَّروه.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وعزَّروه ونصروه ﴾ قال: بالسيف.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وعزَّروه ﴾ يقول: نصروه.
قال: فأما نصره وتعزيزه وقد سبقتم به، ولكن خيركم من آمن واتبع النور الذي أنزل معه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاده ﴿ وعزَّروه ﴾ قال: شددوا أمره وأعانوا رسوله ونصروه.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وعزروه ﴾ مثقلة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول ﴾ هذا الوصف خصص أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: لما قال الله: ورحمتي وسعت كل شيء طمع فيها كل أحد حتى إبليس، فلما قال: فسأكتبها للذين يتقون فيئس إبليس لعنه الله، وبقيت اليهود والنصارى ﴿ النبي الأمي ﴾ أي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون ﴾ [العنكبوت: 48]، قال بعضهم: الأميّ منسوب إلى الأمّوقيل: إلى الأمة ﴿ النبي الأمي ﴾ ضمير الفاعل في يجدونه لبني إسرائيل، وكذلك الضمير في عندهم، ومعنى يجدونه يجدون نعته وصفته ولنذكر هنا ما ورد في التوراة والإنجيل وأخبار المتقدمين من ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما ورد في البخاري وغيره أنّ في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأمّيين أنت عبدي ورسولي، أسميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق لا تجزي بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح به عيوناً عمياً، وآذناً صماً، وقلوباً غلفاً» .
ومن ذلك ما في التوراة مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق بأيديهم إلى الآن: إنّ الملك نزل على إبراهيم فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك فقال الله لإبراهيم: ذلك لك قد استجيب لك في إسماعيل وأنا أباركه وأنميه وأكبره وأعظمه بماذ ماذ، وتفسير هذه الحروف محمد [سفر التكوين: 17].
ومن ذلك في التوراة إنّ الرب تعالى جاء في طور سيناء، وطلع من ساعد وظهر من جبال فاران، ويعني بطور سيناء موضع مناجاة موسى عليه السلام، وساعد موضع عيسى وفاران هي مكة موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه، ومعنى ما ذكر من مجيء الله وطلوعه وظهوره هو: ظهور دينه على يد الأنبياء الثلاثة المنسوبين لتلك المواضع، وتفسير ذلك ما في كتاب شعيا خطاباً لمكة: قومي فأزهري مصباحك فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك، فقد تخلل الأرض الظلام، وعلا على الأمم المصاب، والرب يشرق عليك إشراقاً، ويظهر كرامته عليك، تسير الأمم إلى نورك، والملوك إلى ضوء طلوعك، ارفعي بصرك إلى ما حولك، وتأملي فإنهم مستجمعون عندك، وتحج إليك عساكر الأمم وفي بعض كتبهم: لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته.
ومن ذلك في التوراة سفر [التكوين: 16] أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك فقال لها: يا هاجر أي تريدين؟
ومن أين تريدين؟
ومن أين أقبلت؟
فقالت: أهرب من سيدتي سارة، فقال لها: ارجعي إلى سارة وستحبلين وتلدين ولداً اسمه إسماعيل هو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع، ووجه دلالة هذا الكلام على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا الذي وعدها به الملك من أن يد ولدها فوق الجميع وأن يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع، ووجه دلالة هذا الكلام على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا الذي وعدها به الملك من أن يد ولدها فوق الجميع وأن يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع إنما ظهرت بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم وظهور دينه وعلو كلمته، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك أيضاً من التوراة أن الرب يقيم لهم نبياً من إخوتهم، وأي رجل لم يسمع ذلك الكلام يؤديه ذلك النبي عن الله فينتقم الله منه، ودلالة هذا الكلام ظاهرة بأن أولاد إسماعيل هو إخوة أولاد إسحاق، وقد انتقم الله من اليهود الذين لم يسمعوا كلام محمد صلى الله عليه وسلم كبني قريظة وبني قينقاع وغيرهم.
ومن ذلك في التوراة: إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام وقد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه وسيلد اثني عشر عظيماً، وأجعله لأمة عظيمة.
ومن ذلك في الإنجيل أن المسيح قال للحواريين: إني ذاهب عنكم وسيأتيكم الفارقليط الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له.
وبهذا وصف الله سبحانه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى ﴾ [النجم: 3-4] وتفسير الفارقليط أنه مشتق من الحمد واسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد وقيل معنى الفارقليط الشافع المشفع.
ومن ذلك في التوراة: مولده بمكة أو مسكنه بطيبة وأمته الحمادون، وبيان ذلك أن أمته يقرأون: الحمد لله في صلاتهم مراراً كثيرة في كل يوم وليلة، وعن شهر بن حوشب مثل ذلك في إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حمير أن كعبا أخبره بأمره وكيف كان ذلك، وقيل كان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من عظمائهم وخيارهم، قال كعب: وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة، وبكتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عني شيئاً مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني، فقال يا بني: قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئاً مما كان يعلم، إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث، وقد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه؛ وقد قطعها من كتابك وجعلتهما في هذه الكوّة التي ترى وطينت عليهما، فلا تتعرض لهما ولا تنظرهما زمانك هذا وأقرهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله يزيدك بهذا خيراً، فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين.
فلما انقضى المأتم فتحت الكوّة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمادون الذي يحمدون الله كل شرف، وعلى كل حال، وتذلل بالتكبير ألسنتهم، وينصر الله نبيهم على كل ما ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء ويأتزرون على أوساطهم وأناجيلهم في صدورهم ويأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون والشافعون المشفع لهم، فلما قرأت هذا قلت في نفسي: والله ما علمني شيئاً خيراً لي من هذا فمكثت ما شاء الله حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبيني وبينه بلاد بعيدة منقطعة لا أقدر على إتيانه، وبلغني أنه خرج في مكة فهو يظهر مرة ويستخفي مرة، فقلت: هو هذا وتخوفت ما كان والدي حذرني وخوفني من ذكر الكذابين، وجعلت أحب أن أتبين وأتثبت فلم أزل بذلك حتى بلغني أنه أتى المدينة فقلت في نفسي: إنّي لأرجو أن يكون إياه وجعلت ألتمس السبيل إليه، فلم يقدر لي حتى بلغني أنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: في نفسي: لعله لم يكن الذي كنت أظن.
ثم بلغني أن خليفة قام مقامه، ثم لم ألبث إلا قليلاً حتى جاءتنا جنوده فقلت في نفسي: لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظر، وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم، وإلى ما تكون عاقبتهم.
فلم أزل أقدذم ذلك وأؤخره لأتبين وأتثبت حتى قدم علينا عمر بن الخطاب، فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وبرهم ووفاءهم بالعهد، وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذي كنت أنتظر، فحدثت نفسي بالدخول في دين الإسلام.
فوالله إني ذات ليلة فوق سطح إذا برجل من المسلمين يتلو كتاب الله حتى أتى على هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أصحاب السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ [النساء: 47] فلما سمعت هذه الآية خشيت الله ألا أصبح حتى يحوّل وجهي في قفاي، فما كان شيء أحبّ إليّ من الصباح، فغدوت على عمر فأسلمت حين أصبحت.
وقال كعب لعمر عند انصرافهم إلى الشام: يا أمير المؤمنين إنه مكتوب في كتاب الله إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل، وكانوا أهلها مفتوحة على يد رجل من الصالحين رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين، سره مثل علانيته، وعلانيته مثل سره، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء وأتباعه رهبان بالليل وأسْد بالنهار، متراحمون متواصلون متباذلون، فقال له عمر: ثكلتك أمك، أحق ما تقول؟
قال أي والذي أنزل التوراة على موسى، والذي يسمع ما تقول إنه لحق، فقال عمر: الحمد لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم برحمته التي وسعت كل شيء.
ومن ذلك كتاب فروة بن عمر الجذامي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ملوك العرب بالشام، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد رسول الله من فروة بن عمر إني مقرّ بالإسلام مصدق، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبد الله ورسول وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم عليه السلام، فأخذه هرقل لما بلغه إسلامه وسجنه فقال والله لا أفارق دين محمد أبداً فإنك تعرف أنه النبي الذي بشّر به عيسى بن مريم، ولكنك حرصت على ملكك وأحببت بقاءه فقال قيصر صدق والإنجيل.
يشهد لهذا ما أخرجه البخاري ومسلم من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وسؤال هرقل عن أحواله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فلما أخبر بها علم أنه رسول الله، وقال إنه يملك موضع قدميّ ولو خلصت إليه لغسلت قدميه البخاري كتاب بدء الوحي.
ومن حديث زيد بن اسلم عن أبيه وهو عندنا بالإسناد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج زمان الجاهلية مع ناس من قريش في التجارة إلى الشام، قال فإني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد قبض على عنقي، فذهبت أنازعه فقيل لي: لا تفعل فإنه لا نصيف لك منه، فأدخلني كنيسة فإذا تراب عظيم ملقى، فجاءني بزنبيل ومجرفة فقال لي: أنقل ما هاهنا فجعلت أنظر كيف أصنع، فلما كان من الهاجرة وافاني وعليه ثوب أرى سائر جسده منه، فقال: أئنك على ما أرى ما نقلت شيئاً، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغي فقلت: واثكل أمك يا عمر، أبلغت ما أرى ثم وثبت إلى المجرفة فضربت بها هامته فنشرت دماغة ثم واريته في التراب وخرجت على وجهي لا أدري أين أسير، فسرت بقية يومي وليلتي من الغد إلى الهاجرة فانتهيت إلى دير فاستظللت بفنائه فخرج إليّ رجل منه فقال لي يا عبد الله ما يقعدك هنا؟
فقلت: أضللت أصحابي، فقال لي ما أنت على طريق وإنك لتنظر بعيني خائف، فادخل فأصب من الطعام واسترح.
فدخلت فأتاني بطعام وشراب وأطعمني، ثم صعد فيّ النظر وصوّبه، فقال لي ما اسمك فقلت عمر بن الخطاب، فقال: أنت والله صاحبنا، فاكتب لي على ديري هذا وما فيه، فقلت: يا هذا إنك قد صنعت إليّ صينعة فلا تكررها، فقال إنما هو كتاب في رق، فإن كنت صاحبنا فذلك، وإلا لم يضرك شيء فكتب له على ديره وما فيه، فأتاني بثياب ودراهم فدفعها إليّ ثم أوكف أتاناً فقال لي: أتراها فقلت: نعم، قال سر عليها، فإنك لا تمر بقوم إلا سقوها وعلفوها وأضافوك، فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إليّ.
قال فركبتها فكان كما قال، حتى لحقت بأصحابي وهم متوجهون إلى الحجاز، فضربتها مدبرة وانطلقت معهم.
فلما وافى عمر الشام في زمان خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب وهو صاحب دير العرس فلما رآه عرفه، فقال: قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه، ثم أقبل على أصحابه فحدثهم بحديثه فلما فرغ منه أقبل على الراهب فقال: هل عندكم من نفع للمسلمين، قال: نعم يا أميرالمؤمنين، قال: إن أضفتم المسلمين ومرضتموهم وأرشدتموهم فعلنا ذلك.
قال: نعم يا أمير المؤمنين فوفى له عمر رضي الله عنه ورحمه.
وعن سيف يرفعه إلى سالم بن عبد الله قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق فقال: السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء؛ والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء.
ومن ذلك أن عمرو بن العاصي قدم المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسله إلى عُمان والياً عليها، فجاءه يوماً يهودي من يهود عمان فقال له: أنشدك بالله، من أرسلك إلينا؟
فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودي: والله إنك لتعلم أنه رسول الله؛ قال عمرو: نعم، فقال اليهودي: لئن كان حقاً ما تقول؛ لقد مات اليوم.
فلما سمع عمرو ذلك جمع أصحابه وكتب ذلك اليوم الذي قال له اليهوديّ أن النبي صلى الله عليه وسلم مات فيه.
ثم خرج فأخبر بموت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق ووجده قد مات في ذلك اليوم صلى الله عليه وسلم وبارك وشرف وكرم.
ومن ذلك أن وفد غسان قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيهم أبو بكر الصديق فقال لهم من أنتم؟
قالوا رهط من غسان قدمنا على محمد لنسمع كلامه، فقال لهم انزلوا حيث تنزل الوفود، ثم ائتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه، فقالوا وهل نقدر على كلامه كما أردنا فتبسم أبو بكر، وقال: إنه ليطوف بالأسواق، ويمشي وحده، ولا شرطة معه، ويرغب من يراه منه فقالوا لأبي بكر من أنت أيها الرجل فقال أنا أبو بكر بن أبي قحافة، فقالوا أنت تقوم بهذا الأمر بعده فقال أبو بكر الأمر إلى الله، فقال لهم كيف تخدعون عن الإسلام وقد أخبركم أهل الكتاب بصفته، وأنه آخر الأنبياء ثم لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا ﴿ يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر ﴾ يحتمل أن يكون هذا من وصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، فتكون الجملة في موضع الحال من ضمير المفعول في يجدونه، أو تفسير لما كتب من ذكر أو يكون استئناف وصف من اله تعالى غير مذكور في التوراة والإنجيل ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث ﴾ مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام، ومذهب الشافعي أن الطيبات هي المستلذات، وأن الخبائث هي المستقذرات: كالخنافس والعقارب وغيرها ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ وهو مثل لما كلفوا في شرعهم من المشقات، كقتل الأنفس في التوبة؛ وقطع موضع النجاسة من الثوب، وكذلك الأغلال عبارة عما منعت منه شريعتهم كتحريم الشحوم، وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ أي منعوه بالنصر حتى لا يقوى عليه عدو ﴿ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ هو القرآن أو الشرع كله، ومعنى معه مع بعثه ورسالته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ عذابي أصيب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أصارهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون على التوحيد.
الوقوف ﴿ لميقاتنا ﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿ وإياي ﴾ ط ﴿ منا ﴾ ج لتصدر "ان" النافية مع اتحاد القائل ﴿ فتنتك ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ ط ﴿ الغافرين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ من أشاء ﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿ كل شيء ﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿ يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿ الإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ يأمرهم ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿ مكتوباً ﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿ كانت عليهم ﴾ ط ﴿ أنزل معه ﴾ لا لأن ما بعده خبر "فالذين".
﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ ويميت ﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة.
﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه.
التفسير: الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ومن هنا سمي فعل الحيوان فعلاً اختيارياً، وذلك أن صدور الفعل عن الحيوان موقوف على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً له من تركه.
قال النحويون: أصله واختار موسى من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، فمن الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ثم يتسع فيحذف الحرف.
من ذلك قولهم: اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً.
وكذا استغفرت الله من ذنبي واستغفرته ذنبي.
وجوّز بعضهم في الآية أنيراد بالقوم المعتبرون منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم فيكون مفعولاً أوّل من غير واسطة ويكون ﴿ سبعين ﴾ بدلاً أو بياناً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع.
وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخاً فأوحى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً.
وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سينا لميقات ربه.
وللمفسرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام والرؤية أم غيره؟
الذاهبون إلى الأوّل قالوا: إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية.
والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مر في البقرة في تفسير قوله ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك ﴾ وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل، ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل.
واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة، فظاهر الحال يتقضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك القصة وإلا انخرم التناسب.
عن علي أن موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل فنام هارون فتوفاه الله ، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا إنه قتل هارون فاختار من قومه سبعين فذهبوا إلى هارون فأحياه الله فقال: ما قتلني أحد فأخذتهم الرجفة هنالك.
قيل: كانت موتاً.
وقيل أخذتهم الرعدة حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم فخاف موسى عليهم الموت فدعا الله وقال ﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ﴾ قال في الكشاف: هذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله لأهلكني قبل هذا ﴿ أتهلكنا ﴾ جميعاً يعني نفسه وإياهم ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ قال أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله أهلك قوماً بذنوب غيره، فهذا الاستفهام بمعنى الجحد أراد أنك لا تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يخدمك تريد أنك لا تفعل ذلك، وقال المبرد: إنه استفهام استعطاف أي لا تهلكنا.
قيل: لو كان تسفيههم لقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ ناسب أن يقال: أتهلكنا بما قاله السفهاء.
فإذن التسفيه لفعل صدر عنهم كعبادة العجل أو غيرها، ومنه يعلم أن هذا الميقات غير ميقات طلب الرؤية ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ الضمير يعود إلى الفتنة أي كما تقول إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند قاله الواحدي.
ولعله يعود إلى مقدر ذهني والمعنى أن الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك ابتلاءك ومحنتك حين كلمتني وسمعوا كلامك أو حين أسمعتهم صوت العجل ﴿ تضل بها ﴾ أي بالفتنة من تشاء فيفتتن ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ فيثبت على الحق.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة ظاهرة على مذهبنا أن الإضلال والهداية من الله .
وقالت المعتزلة: إنمحنته لما كانت سببباً لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أو الضمر يعود إلى الرجفة أي ﴿ تضل ﴾ على الجنة بسبب عدم الصبر على تلك الرجفة، أو لعدم الإيمان بأنها من عندك ﴿ من تشاء وتهدي ﴾ إلى الجنة بها الأضداد ما قلنا ﴿ من تشاء ﴾ أو المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بالرجفة وتصرفها عمن تشاء ﴿ أنت ولينا ﴾ يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر إلا أنت ﴿ فاغفر لنا وارحمنا ﴾ قيل: تذكر أن قوله ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ جراءة عظيمة فأشرك نفسه مع قومه في طلب المغفرة والرحمة ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ لأن غفرانك غير متوقف على جلب نفع أو دفع ضر بل لمحض الفضل والكرم.
﴿ واكتب ﴾ أوجب ﴿ لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴾ وقد فسرنا في سورة البقرة.
واعلم أن كونه ولياً للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته.
وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء.
فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله ﴿ إنَّا هدنا إليك ﴾ قال أهل اللغة: النهود التوبة أي تبنا ورجعنا.
وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين ﴿ قال ﴾ الله في جواب موسى ﴿ عذابي ﴾ من حالة وصفته أني ﴿ أصيب به من أشاء ﴾ إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي.
وقالت المعتزلة: أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة.
وقرأ الحسن ﴿ من أساء ﴾ من الإساءة ﴿ ورحمتي ﴾ من شأنها أنها ﴿ وسعت كل شيء ﴾ قالت الأشاعرة: هذا من العام الذي أريد به الخاص.
وقال أكثر المحققين: إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته.
وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ وقيل: الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته.
وقيل: الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب.
وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة.
واعلم أن تكاليف الله كثيرة ولكنها محصورة في نوعين: التروك والأفعال.
فقوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ إشارة إلى التروك.
التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ وإما غيره وذلك قوله ﴿ والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً.
ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره.
وصف محمداً في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة.
الثانية النبوة.
فإن قيل: النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟
قلت: لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر.
ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً.
الثالثة.
كونه أمياً.
قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب.
قال صلى الله عليه وآله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" .
وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة.
وكان هذا من جملة معجزاب نبينا وبيانه من وجوه: الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل.
والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ﴾ الثالث: أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه.
ثم إن الله آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين.
الصفة الرابعة ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل.
ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله ﴿ والإنجيل ﴾ أنهم يجدون نعته مكتوباً عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك.
الخامسة والسادسة ﴿ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ﴾ وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في قوله : "ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله" فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها.
السابعة ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ قيل: أي ما يستطاب طبعاً لأن تناول ذلك يفيد لذة.
وقيل: يعني الأشياء التي حكم الله بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل: ويحل المحللات وهو تكرار.
ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات.
وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعاً وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل.
وقيل: يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها.
الثامنة ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: الميتة والدم ونحوهما من المحرمات.
وقيل: كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل.
التاسعة ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة.
وكذا الأغلال التي كانت علهيم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب.
وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله أغلالاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل.
عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة.
فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما قال : "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة.
ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ قال ابن عباس: يعني من اليهود والأولى حمله على العموم ﴿ وعزروه ﴾ وقروه وعظموه.
قال في الكشاف: وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح.
فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله ﴿ ونصروه ﴾ فرق كبير ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه ﴾ وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق بـ ﴿ اتبعوا ﴾ أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه لما قال ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان، ثم أراد أن يحقق عموم رسالته إلى المكلفين فقال ﴿ قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ وانتصابه على الحال من ﴿ إليكم ﴾ وفيه دليل على أن محمداً صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الخلق كافة خلافاً لطائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أتباع عيسى الأصفهاني، زعموا أن محمداً رسول صادق لكنه مبعوث إلى العرب خاصة وفساده ظاهر لأنه من المعلوم بالتواتر من دينه أنه كان يدعي عموم الرسالة فإن كان رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم.
وزعم بعض العلماء أنه عام دخله التخصيص لأنه غير مبعوث إلى غير المكلفين بقوله: : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وأيضاً يمكن وجود قوم في طرف من أطراف العمارة لم يصل إليهم خبر وجوده فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوّته.
والجواب أن رفع القلم عن الأصناف الثلاثة أيضاً حكم عليهم بهذا الاعتبار يدخلون تحت الخطاب وإن وجود قوم كما زعمتم من المستبعدات فلا يستحق الالتفات إليه.
قال بعض الأكابر: إن الآية وإن دلت على أنه مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء ما كان مبعوثاً إلى كلهم.
وقد تمسك جمع من العلماء بالحديث المشهور: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وختم بي النبيون" ورد بأن مجموع هذه الأمور من خواصه لا كل واحد واحد، وبأن آدم بعث إلى كل أولاده في ذلك الزمان فيكون مبعوثاً إلى كل الناس وقتئذ.
ولا يخفى ضعف هذا الرد لأنا نعلم من دين محمد أنه خاتم النبيين وحده في رواية أخرى: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وإذا كان بعض هذه الأمور من خواصه لزم أن يكون كل واحد منها كذلك.
وأيضاً أن آدم لم يكن مبعوثاً إلى حواء لأنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ولا تقرباً.
ثم لما أمر رسول الله بأن يقول للناس أني رسول الله إليكم أتبعه ذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى وأنها لا تتم إلا بتقرير أصول أربعة: أوّلها إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً وأشار إليه بقوله ﴿ الذي له ملك السموات والأرض ﴾ إذ لو لم يكن للعالم مؤثر موجب بالذات لا فاعل بالاختيار لم يمكن القول ببعثة الرسول.
ومحل ﴿ الذي ﴾ نصب أو رفع على المدح أو جر بدلاً أو وصفاً لله.
وثانيها أن إله العالم واحد وذلك قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لو فرض إلهان لم يكن عبادة أحدهما أولى من عبادة الآخر.
وثالثها أنه تعالى قادر على الخير والشر والبعث والحساب كما قال ﴿ يحيى ويميت ﴾ وإنما لم يوسط العاطف بين هذه الجمل لأن كل واحد منها مبينة لما قبلها، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت أصل رابع وهو أنه يصح من الله إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف.
أما بالأصل الأوّل والثاني فلأنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ولا سيما إذا كان فرداً منزهاً عن الشريك والنظير مستقلاً بالأمر والنهي.
وأما الأصل الثالث فلأنه يحسن من القادر تكليف المكلف بنوع من طاعته إيصالاً له إلى الجزاء إلى لذة الجزاء، فإن تحصيل لذة الأجر بدون كونه أجر ممتنع وأشار إلى هذا الأصل الرابع بقوله ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ﴾ اقتصر من الصفات المذكورة ههنا على الأمية لأنها أجل الأوصاف وأدلها على حقيته، وذلك أنه لم يتفق له مطالعة كتاب ولا مصاحبة معلم لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب عنها رسول الله غيبة طويلة يمكن التعلم فيها ومع ذلك فتح الله عليه أبواب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأوّلين والآخرين فليس ذلك إلا بتأييد سماوي وفيض إلهي.
ثم وصفه بقوله ﴿ الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ لأن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممن آمن بالله وبكتبه.
وإنما لم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قول ﴿ إني رسول الله ﴾ بل عدل إلى المظهر ليمكن أن يجري عليه الصفات المذكورة.
ولما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً من كان، أنا أو غيري إظهاراً للنصفة واحترازاً عن العصبية.
واعلم أن الكمالات إما نظرية وأشار إليها بقوله ﴿ فآمنوا بالله ﴾ وإما عملية وإليها الإشارة بقوله ﴿ واتبعوه ﴾ والأولى إشارة إلى التكاليف المستفادة من أقواله، والثانية إشارة إلى المستفادة من أفعاله، فإن كل فعل يصدر عنه وقد واضب عليه فلا بد أن يكون جانب فعله ذلك الفعل جانب فعله راجحاً على تركه.
ثم إن ظاهر الأمر للوجوب فيجب علينا اتباعه وإن كان ذلك مندوباً له إلا أن يدل دليل منفصل على أن ذلك الفعل من خصائصه.
ومعنى الترجي في ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ قد مر في نظائره ولا سيما في أوّل البقرة في قوله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ثم لما ذكر الرسول وأنه يجب على الخلق متابعته ذكر أن في قوم موسى من اتبع الحق وهدي إليه فقال ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ أي يهدون الناس بكلمة الحق ﴿ وبه ﴾ أي بالحق ﴿ يعدلون ﴾ بينهم في الحكم لا يجورون.
وهذه الآية متى حصلت في أي زمان كانت؟
اختلف المفسرون في ذلك.
فقيل: هم اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كعبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما.
ولفظ الأمة قد يطلق على القليل إذا كان لهم شأن كما أطلق على الواحد في قوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ وقيل: إنهم قوم ثبتوا على دين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين.
ثم من المفسرين من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن بناء على أن خبر نبينا لم يصل إليهم فهم معذورون، ومنهم من استبعد عدم وصول الخبر إليهم مع أن خبر هذه الشريعة طار في كل أفق وتغلغل في كل نفق فقال: إنهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.
وروي عن النبي أن جبرائيل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبرائيل: هل تعرفون من تكلمون؟
قالوا: لا.
قال: هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به.
وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فرد محمد على موسى ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت والله أعلم.
التأويل: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ المختار من الخلق من اختاره الله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ فالذي اختاره الله كان مثل موسى ﴿ وأنا اخترتك ﴾ .
والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة.
وههنا نكتة هي أن قلب موسى لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك ﴾ قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهاراً فأخذتهم الصاعقة.
فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة.
ولما كان موسى ثابتاً في مقام التوحيد كان ينظر بنور الواحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً لهم فقال ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ تزيع بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف.
﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ﴾ الرؤية كما كتبت لمحمد ﴿ فسأكتبها ﴾ يعني حسنة الرؤية والرحمة ﴿ للذين يتقون ﴾ بالله عن غيره ﴿ ويؤتون ﴾ عن نصاب هذا المقام ﴿ الزكاة ﴾ إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون، وفي قوله ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ﴾ إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما قال : "أول ما خلق الله روحي" .
وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون.
فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يُؤوَّل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال صلى الله عليه وآله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" وأما اتباعه في مقام أمبته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته ﴿ مكتوباً عندهم ﴾ بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق ﴿ يأمرهم بالمعروف ﴾ وهو طلب الحق ﴿ وينهاهم عن المنكر ﴾ طلب ما سواه ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ الدنيا وما فيها ﴿ ويضع عنهم أصرهم ﴾ أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله: "الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم" فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام.
فقد وضع النبي هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ فالذين آمنوا به وعزروه ﴾ وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة ﴿ واتبعوا ﴾ نور الوحدة الذي ﴿ أنزل معه ﴾ له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية.
وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى ﴿ وبه يعدلون ﴾ في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب بـ ﴿ لن تراني ﴾ وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين وقال في حقهم: "كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق" فلهذا دعا موسى : اللهم اجعلني من أمة محمد شوقاً إلى لقاء ربه فافهم جداً.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ ﴾ .
الذي غضب لله على قومه بعبادتهم العجل.
ولا يحتمل ما قاله أبو بكر الأصم: أن الغضب عقوبة وشتم؛ لأن الغضب معروف، لا يجوز أن يتأول ما قال هو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ ﴾ .
يعني: الألواح التي وضعها على الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ .
قال بعضهم: يعني في نسخة الألواح لما كانت نسخت من اللوح المحفوظ.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى ﴾ أي: الكتب التي انتسختها بنو إسرائيل من تلك الألواح.
وقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ أي: هدى من كل ضلالة، وبيان من كل غي وشبهة، ورحمة من كل سخط وغضب.
﴿ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ .
أي: للذين يخشون ربهم فيعملون بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ لِّمِيقَاتِنَا ﴾ ، أي: لتمام الموعدة التي وعد، وهو الأربعون الذي وعد، ولكن لا ندري ما ذلك الميقات الذي ذكر؟
وقوله: ﴿ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ ﴾ قال بعضهم: السبعون الذين اختارهم موسى ليكونوا مع هارون فَعُبِدَ العجل في أفنيتهم، فلم ينكروا ولم يغيروا عليهم، فأخذتهم الرجفة.
وقال الحسن: إنهم جميعاً قد عبدوا العجل إلا هارون، فالرجفة التي أخذتهم إنما أخذتهم عقوبة لما عبدوا العجل، ولسنا ندري من أولئك السبعون الذين اختارهم موسى؟
وأمكن أن يكون موسى اختار السبعين ليخرجوا معه؛ فيكونوا شهداء له على إنزال التوراة عليه وكلام ربه.
وقيل: هم الذين تركهم في أصل الجبل، فلما جاءهم موسى بالتوراة، قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ ﴾ وهلكوا لقولهم ذلك، وقد ذكرنا أنا لا ندري من كانوا؟
وقيل: اختارهم موسى ليتوبوا إلى الله مما عمل قومهم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: لو شئت أمتهم وإياي بقتل القبطي.
وقال آخرون: لو شئت أهلكتهم على نفس الإهلاك وإياي على القدرة، أي: تقدر على إهلاكي، ولكن لا تهلكنا لما لم يكن ما نستحقه ذلك، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ ﴾ إهلاك فتنة وإياي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لك أن تهلكنا ابتداء إهلاك السفهاء بما فعلوا.
والثاني: يقول: لو شئت أهلكتهم وإياي من قبل، ولم تهلكنا يومنا؛ لأن موسى [إذا] أتى قومه وأخبرهم أنهم أهلكوا بسبب كذا لم يصدقه قومه بذلك، ولكنهم يتهمونه ويقولون: أنت قتلتهم على ما ذكر في بعض القصة أنه خرج بهارون إلى بعض الجبال فمات هارون هناك، فأخبر قومه بذلك فكذبوه، وقالوا: أنت قتلته؛ فعلى ذلك جائز أن يكون هاهنا خاف أن يتهمه قومه في أولئك ولا يصدقوه فيما حل بهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: يراد به التقرير.
ويحتمل الإنكار والرد.
ويحتمل الإيجاب.
أما الإنكار: فيكون معناه: أتهلكنا بما فعل السفهاء [منا]، أي: لا تفعل ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، ومثل هذا قد يقال: يقول الرجل لآخر: أتفعل أنت كذا؟
على الإنكار، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هذا.
والله أعلم.
ويراد به: الإيجاب؛ كأنه قال: لك [أن] تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وما هي إلا فتنتك أن يكون ذلك امتحاناً وابتلاء ابتداء، أي: تفعله امتحاناً وابتلاء لا تعذيباً.
ويحتمل أن يكون على الاستفهام، لكن لم يخرج له الجواب؛ كقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ ونحوه مما لم يخرج له جواب؛ فعلى ذلك هذا.
ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم، وإن كان بعضهم برآء من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان، وكان الفشل والهزيمة عليهم محنة منه إياهم؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ...
﴾ الآية [آل عمران: 152]؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ ﴾ .
قال أبو بكر: تضل بها، أي: تنهى من تشاء [نهياً ما لولا ذلك النهي لم يكن الفعل فعل الضلال، وتهدي من تشاء أي تأمره أمراً ما لولا ذلك الأمر لم يكن الفعل] فعل الاهتداء، لكن حرف "من" إنما يعبر به [عن] الأشخاص دون الأفعال، فلو كان على ما ذكر هو، لقال: تضل به ما تشاء، فإن لم يقل ذا، ثبت أنه ليس على ما ذكر.
وتأويله عندنا: أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك، ويخلق فعل الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك، وهو خالق كل شيء.
وأصل ذلك: أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة باختلاف وجوهها حقيقة، ذلك من الله خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق وصفه بأنه خالقه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ تَهْدِي ﴾ و ﴿ تُضِلُّ ﴾ .
ويحتمل: توفق وتخذل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا ﴾ أي: أنت أولى بنا.
ويحتمل: أنت ولي هدايتنا.
أو: أنت ولي نعمتنا.
﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ ﴾ .
وأنت خير الراحمين؛ لأن كل أحد دونه إنما يرحم ويغفر برحمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .
تحتمل الكتابة الإيجاب، أي: أوجب لنا في هذه الدنيا حسنة [وفي الآخرة أو الإثبات، أي: أثبت لنا وأعطنا في هذه الدنيا حسنة ويكون كقوله: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة].
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا ﴾ ، أي: وفق لنا العمل الذي نستوجب به الحسنة في الدنيا والآخرة.
ويحتمل: اكتب لنا في الدنيا الحسنات، ولا تكتب علينا السيئات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ تختم بها الدنيا وتنقضي بها، وإلا ما من مسلم إلا وله في [هذه] الدنيا حسنة أتاه إياها، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [أنهم] إنما سألوا حسنة لأن يختموا عليها، ويكون قوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ ﴾ كذا، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: ملنا إليك.
وقال غيرهم: ﴿ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تبنا إليك.
وقيل: لذلك سمت اليهود أنفسهم يهوداً، أي: تائبين إلى الله، لكن لو كان كما ذكر، كان قوله: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ﴾ أي: تائباً، وذلك بعيد، ولكن إن كان [لذلك] سموا فهو - والله أعلم - ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ﴾ أي: لم يكن على المذهب الذي عليه اليهود، وكذلك لم يكن على المذهب الذي ادعت النصارى أنه كان عليه، ولكن كان حنيفاً مسلماً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
قال الحسن: يشاء أن يصيب عذابه من كفر بالله وكذب رسله، وشاء من أطاع الله وصدق رسله أن يصيب رحمته.
ودل قوله: ﴿ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ ﴾ أنه لما شاء أن يصيبهم عذابه شاء العمل والفعل الذي كان به يصيبهم؛ لأن حرف "من" إنما يعبر به عن بني آدم، و[ليس] جائز أن يشاء لهم الإيمان ثم يشاء لهم [أن يصيبهم] عذابه، ولكن إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون ويختارون فعل الضلال على فعل الهداية، شاء لهم ما اختاروا.
وقوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعيشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصّة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها، وذلك قوله: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ : معصية الله والخلاف له، ﴿ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ ، و[هو] كقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ جعل طيبات الدنيا نعمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظ للكافر فيها؛ فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة.
ويحتمل قوله - والله أعلم -: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أنهم إنما سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ يحتمل: يؤتون الزكاة المعروفة.
ويحتمل: تزكية النفس؛ كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ ومعلوم أنه لم يرد به زكاة المال، ولكن زكاة النفس بالتوحيد والتقوى، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ هو تلك الزكاة لا الزكاة المعروفة زكاة المال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وإن كان على الزكاة المعروفة فذلك في قوم ثقل عليهم واشتد إخراج الزكاة من أموالهم؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ...
﴾ كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع أن من آمن بآيات الله وصدقها فقد آمن بالله وبرسله، ومن كذب بآياته كذب بالله وخالف رسله؛ لأن طريق معرفة الله ورسله إنما هو من طريق الآيات والحجج، ليس من طريق المشاهدات والمحسوسات؛ لذلك كان الإيمان بالآيات إيماناً بالله وبرسله، والتكذيب بها كفر بالله ورسله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
أي: يقفون أثر الرسول في كل سيرته، وفي كل أمره ونهيه، ويطيعونه؛ سماه رسولا ونبيّاً بقوله: ﴿ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ والرسول: المبعوث على تبليغ الرسالة والمأمور بها على كل حال، والنبي: المنبئ لهم أشياء عند السؤال والاستخبار، والرسول هو المأمور بالتبليغ سألوه أو لم يسألوا شاءوا أو أبوا، وكان لمحمد كلاهما: الإنباء والتبليغ؛ كقوله: ﴿ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً ﴾ .
الأمي: ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...
﴾ الآية [العنكبوت: 48].
﴿ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .
أي: يجدونه مكتوباً في التوراة أنه رسول نبي، وأنه أمي.
قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ﴾ .
لئلا يقولوا: إنك أخذت هذا من الكتب المتقدمة ومن علومها وحكمتها، ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ ؛ لئلا يقولوا: إنه من تأليفك، ويعلموا أنه من عند الله جاء به، لا من ذات نفسه.
وفي قوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر - دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأن أولئك لم يأتوا بالتوراة، والإنجيل فيقولون: لا نجد ما تذكر في التوراة والإنجيل؛ دل ذلك منهم على أنهم وجدوه كذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
أي: يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة أنه يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه.
﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .
ما أحل الله لهم.
﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ ﴾ ما حرم الله عليهم يجدونه في التوراة أنه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء ولا يحل شيئاً ولا يحرم إلا بأمر [من] الله له، لكنهم ينكرونه إنكار عناد ومكابرة؛ كقوله - -: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ وغيره.
ويحتمل قوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...
﴾ الآية، أي: يأمرهم بما هو معروف في العقل وشهادة الخلقة، وهو التوحيد، وكذلك ينهاهم عما هو في العقل وشهادة الخلقة منكر، وهو الكفر وجميع المعاصي.
﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ أي: يحل ما هو طيب في العقل والطبع، ويحرم ما هو خبيث في العقل والطبع جميعاً؛ لأن من الأشياء ما هو مستخبث في الطبع لم يجعل غذاء البشر فيه، وإنما جعل غذاءهم فيما هو مستطاب في الطبع بلغ غايته في الطيب، ولا كذلك جعل غذاء البهائم والأنعام؛ هذا محتمل، والله أعلم.
ثم المعروف الطيبات لو تركت العقول والطباع على ما هي عليه، لكانت لا حاجة تقع إلى رسول يخبر أن هذا معروف، وأن هذا طيب أو خبيث أو منكر، ولكن تعرف العقول والطباع ذلك كله، لكن يعترض العقول من الشبه فتمنعها من معرفة ذلك، فاحتاجت إلى رسول يخبر عن ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ .
قيل: ما غلظوا على أنفسهم من الشدائد.
وقيل: إصرهم: شدة من العبادة والعمل.
وقيل: إصرهم: عهدهم.
وقيل: إصرهم: [أي] الثقل الذي كان بنو إسرائيل ألزموه.
وقال القتبي: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ أي: ذنبهم الذي كانوا يذنبون، أي: عقوبة الذنب الذي أذنبوا في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
قال الحسن: إن اليهود قالوا: يد الله مغلولة، أي: محبوسة عن عقوبتنا، فقال - عز وجل -: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ﴾ أي: غلت أيديهم إلى إعناقهم في النار، فأخبر أن أمة محمد لما آمنوا به وصدقوه، رفعت تلك الأغلال التي كانت عليهم عن هذه الأمة بطاعتهم رسول الله .
وقيل: الأغلال التي كانت عليهم: [الشدائد التي كانت عليهم] من نحو ما لا يجوز لهم العفو عن الدم العمد، ولا أخذ الدية، وما لا يجوز غسل النجاسات إلا العظم، وغير ذلك من الأشياء التي لم تحل لهم، فأحلت لهذه الأمة.
ويحتمل أن يكون الإصر والأغلال التي كانت عليهم: من نحو ما حرم من أشياء بظلم كان منهم وتحريم؛ نحو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ ، إلى قوله: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ حرمت تلك الأشياء عليهم؛ عقوبة لبغيهم وظلمهم الذي كان منهم، أخبر أنه وضع عن هؤلاء ذلك، لم يحرم ذلك عليهم.
وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر أنه أمي، والأمي ما ذكر في قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ كان لا يتلوه ولا يخطه بيده، ثم أخبر على ما كان في كتبهم [من غير أن عرف ما في كتبهم] أو نظر فيها وعرف لسانهم؛ دل أنه [إنما] عرف ذلك بالله.
وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ ﴾ .
أي: صدقوا بمحمد .
﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ .
قيل: أعانوه بأموالهم.
﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ .
بأيديهم بالسيف.
وقال الحسن: قوله: ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ إنما هو كلام مثنى، وهو إعانة.
وقيل: ﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾ [أطاعوه ﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ أعانوه، وقيل: عزروه] أي: عظموه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ ﴾ .
يعني: القرآن؛ سماه نوراً؛ لما ينير الأشياء عن حقائقها بالعقول؛ لأن النور في الشاهد هو الذي يكشف عن الأشياء سواترها؛ فعلى ذلك القرآن هو نور؛ لما يرفع الشبه عن القلوب، ويكشف عن سواترها.
وقال بعضهم: سمى نوراً؛ لما ينير الأشياء ويعرف به ما غاب وما شهد، فيصير الغائب به [له] كالشاهد.
<div class="verse-tafsir"
الذين يتبعون محمدًا ، وهو النبي الأمِّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما يوحي إليه ربه، وهو الذي يجدون اسمه وصفاته وما أنزل إليه مكتوبًا في التوراة المُنَزَّلة على موسى ، والإنجيل المُنَزَّل على عيسى ، يأمرهم بما عُرِف حسنه وصلاحه، وينهاهم عما عُرِف قبحه في العقول الصحيحة والفطر السليمة، ويبيح لهم المُسْتَلذَّات مما لا ضرر فيه من المطاعم والمشارب والمناكح، ويحرم عليهم المُسْتَخْبثات منها، ويزيل عنهم التكاليف الشاقة التي كانوا يُكلّفون بها، كوجوب قتل القاتل سواء كان القتل عمدًا أم خطأ، فالذين آمنوا به من بني إسرائيل ومن غيرهم، وعظَّموه ووقَّروه، ونصروه على من يعاديه من الكفار، واتبعوا القرآن الذي أنزل عليه كالنور الهادي؛ أولئك هم المفلحون الذين ينالون ما يطلبونه، ويُجَنَّبُونَ ما يرهبونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.7nDeA"