الآية ١٥٨ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٥٨ من سورة الأعراف

قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٨ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ) قل ) يا محمد : ( يا أيها الناس ) وهذا خطاب للأحمر والأسود ، والعربي والعجمي ، ( إني رسول الله إليكم جميعا ) أي : جميعكم ، وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين ، وأنه مبعوث إلى الناس كافة ، كما قال تعالى : ( قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام : 19 ] وقال تعالى : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) [ هود : 17 ] وقال تعالى : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) [ آل عمران : 20 ] والآيات في هذا كثيرة ، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر ، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، رسول الله إلى الناس كلهم .

قال البخاري ، رحمه الله ، في تفسير هذه الآية : حدثنا عبد الله ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر حدثني بسر بن عبيد الله ، حدثني أبو إدريس الخولاني قال : سمعت أبا الدرداء ، رضي الله عنه ، يقول : كانت بين أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، محاورة ، فأغضب أبو بكر عمر ، فانصرف عمر عنه مغضبا ، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه ، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال أبو الدرداء : ونحن عنده - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما صاحبكم هذا فقد غامر " - أي : غاضب وحاقد - قال : وندم عمر على ما كان منه ، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر - قال أبو الدرداء : وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول : والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟

إني قلت : يأيها الناس ، إني رسول الله إليكم جميعا ، فقلتم : كذبت وقال أبو بكر : صدقت " .

انفرد به البخاري وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدثنا يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس [ رضي الله عنه ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي - ولا أقوله فخرا : بعثت إلى الناس كافة : الأحمر والأسود ، ونصرت بالرعب مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي ، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا " إسناده جيد ، ولم يخرجوه .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا بكر بن مضر ، عن أبي الهاد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك ، قام من الليل يصلي ، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه ، حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم : " لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي ، أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ، ونصرت على العدو بالرعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ مني رعبا ، وأحلت لي الغنائم آكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها ، كانوا يحرقونها ، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم ، والخامسة هي ما هي ، قيل لي : سل ; فإن كل نبي قد سأل .

فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة ، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله " إسناد جيد قوي أيضا ولم يخرجوه .

وقال أيضا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني ، فلم يؤمن بي ، لم يدخل الجنة " وهذا الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر ، عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي رجل من هذه الأمة : يهودي ولا نصراني ، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار " وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو يونس - وهو سليم بن جبير - عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة : يهودي أو نصراني ، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار " .

تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا : بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي ، ونصرت بالرعب شهرا وأعطيت الشفاعة - وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة ، وإني قد اختبأت شفاعتي ، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئا " وهذا أيضا إسناد صحيح ، ولم أرهم خرجوه ، والله أعلم ، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين أيضا ، من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس عامة " وقوله : ( الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ) صفة الله تعالى ، في قوله : رسول الله أي : الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه ، الذي بيده الملك والإحياء والإماتة ، وله الحكم .

وقوله : ( فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ) أخبرهم أنه رسول الله إليهم ، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به ، ( النبي الأمي ) أي : الذي وعدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة ، فإنه منعوت بذلك في كتبهم ; ولهذا قال : ( النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ) أي : يصدق قوله عمله ، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه ) واتبعوه ) أي : اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ، ( لعلكم تهتدون ) أي : إلى الصراط المستقيم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد للناس كلهم= " إنّي رسول الله إليكم جميعًا "، لا إلى بعضكم دون بعض, كما كان من قبلي من الرُّسل, مرسلا إلى بعض الناس دون بعض.

فمن كان منهم أرسل كذلك, فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم.

وقوله: " الذي"، من نعت اسم " الله " وإنما معنى الكلام: قل: يا أيها الناس إني رسول الله، الذي له ملك السموات والأرض، إليكم.

ويعني جل ثناؤه بقوله: " الذي له ملك السموات والأرض "، الذي له سلطان السَّموات والأرض وما فيهما, وتدبير ذلك وتصريفه (35) = " لا إله إلا هو "، يقول: لا ينبغي أن تكون الألوهة والعِبادة إلا له جل ثناؤه، دون سائر الأشياء غيره من الأنداد والأوثان, إلا لمن له سلطان كل شيء، والقادر على إنشاء خلق كل ما شاء وإحيائه، وإفنائه إذا شاء إماتته = " فآمنوا بالله ورسوله "، يقول جل ثناؤه: قل لهم: فصدِّقوا بآيات الله الذي هذه صفته, وأقِرُّوا بوحدانيته, وأنه الذي له الألوهة والعبادة, وصدقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنَّه مبعوث إلى خلقه، داع إلى توحيده وطاعته.

* * * القول في تأويل قوله : النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) قال أبو جعفر: أما قوله: " النبي الأمي"، فإنه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * وقد بينت معنى " النبي" فيما مضى بما أغنى عن إعادته= ومعنى قوله: " الأمي".

(36) * * * = " الذي يؤمن بالله "، يقول: الذي يصدق بالله وكلماته.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " وكلماته ".

(37) فقال بعضهم: معناه: وآياته.

* ذكر من قال ذلك: 15247- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: " الذي يؤمن بالله وكلماته "، يقول: آياته.

* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك عيسى ابن مريم عليه السلام.

* ذكر من قال ذلك: 15248- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " الذي يؤمن بالله وكلماته "، قال: عيسى ابن مريم.

15149- وحدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " الذي يؤمن بالله وكلماته "، فهو عيسى ابن مريم.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنَّ الله تعالى ذكره أمرَ عباده أن يصدِّقوا بنبوِّة النبيّ الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، ولم يخصص الخبرَ جل ثناؤه عن إيمانه من " كلمات الله " ببعض دون بعضٍ, بل أخبرهم عن جميع " الكلمات ", فالحق في ذلك أن يعمَّ القول, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمن بكلمات الله كلِّها، على ما جاء به ظاهرُ كتابِ الله.

* * * وأما قوله: " واتبعوه لعلكم تهتدون "، فاهتدوا به أيها الناس, واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله= " لعلكم تهتدون "، يقول: لكي تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحقّ في اتّباعكم إيّاه.

---------------------- الهوامش : (35) (1) انظر تفسير (( الملك )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ملك ) .

(36) (1) انظر تفسير (( النبي )) فيما سلف 2 : 140 - 142 / 6 : 284 ، 380 ، وغيرها من المواضع .

= وتفسير (( الأمي )) ، فيما سلف قريباً ص : 163 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(37) (2) انظر تفسير (( الكلمة )) فيما سلف من الفهارس اللغة ( كلم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدونذكر أن موسى بشر به ، وأن عيسى بشر به .

ثم أمره أن يقول بنفسه إني رسول الله إليكم جميعا .

و كلماته كلمات الله تعالى كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم.

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى اللّه وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته.

لا إِلَهَ إِلا هُوَ أي: لا معبود بحق، إلا اللّه وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم قطعا.

فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح.

الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ) أي : آياته وهي القرآن .

وقال مجاهد والسدي : يعني عيسى ابن مريم ، ويقرأ " كلمته " ( واتبعوه لعلكم تهتدون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته» القرآن «واتَّبعوه لعلكم تهتدون» ترشدون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- للناس كلهم: إني رسول الله إليكم جميعًا لا إلى بعضكم دون بعض، الذي له ملك السموات والأرض وما فيهما، لا ينبغي أن تكون الألوهية والعبادة إلا له جل ثناؤه، القادر على إيجاد الخلق وإفنائه وبعثه، فصدَّقوا بالله وأقرُّوا بوحدانيته، وصدَّقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأميِّ الذي يؤمن بالله وما أنزل إليه من ربه وما أنزل على النبيين من قبله، واتبعوا هذا الرسول، والتزموا العمل بما أمركم به من طاعة الله، رجاء أن توفقوا إلى الطريق المستقيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله رسوله أن يبين للناس أنه مرسل إلى الناس كافة ، فقال تعالى : ( قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) أى : قل يا محمد لكافة البشر من عرب وعجم ، إنى رسول الله إليكم جميعاً ، لا فرق بين نصرانى أو يهودى ، وإنما رسالتى إلى الناس عامة ، وقد جاء فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية ما يؤيد عموم رسالته .أما فى القرآن الكريم ، فمن ذلك قوله تعالى : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) وقال تعالى : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) وقال تعالى : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ) أى وأنذر من بلغه القرآن ممن سيوجد إلى يوم القيامة من سائر الأمم وفى ذلك دلالة على عموم رسالة النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أن أحكام القرآن تعم الثقلين إلى يوم الدين .وأما فى السنة فمن ذلك ما رواه البخارى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلى : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة " .وفى صحيح مسلم عن أبى موسى الأشعرى - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذى نفسى بيده لا يسمع بى رجل من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم لا يؤمن بى إلا دخل النار " .قال الإمام ابن كثير : والآيات فى هذا كثيرة ، كما أن الأحاديث فى هذا أكثر من أن تحصر ، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه رسول إلى الناس كلهم ه .ثم وصف الله تعالى ذاته بما هو أهل له من صفات القدرة والوحدانية فقال تعالى : ( الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض لا إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ) أى : قل - يا محمد - للناس إنى رسول إليكم من الله الذى له التصرف فى السموات والأرض ، والذى لا معبود بحق سواه والذى بيده الاحياء والإماتة ، ومن كان هذا شأنه فمن الواجب أن يطاع أمره ، وأن يترك ما نهى عنه ، وأن يصدق رسوله .

ثم بنى - سبحانه - على هذه النعوت الجليلة التى وصف بها نفسه الدعوة إلى الإيمان فقال تعالى : ( فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أى : فآمنوا أيها الناس جمعاً بالله الواحد الأحد وآمنوا - أيضاً برسوله محمد صلى الله عليه وسلم النبى الأمى الذى يؤمن بالله ، وبما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه واسلكوا سبيله ، واقتفوا آثاره ، فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه رجاء أن تهتدوا إلى الراط المستقيم .وفى وصفه صلى الله عليه وسل بالأمية مرة ثانية ، إشارة إلى كمال علمه ، لأنه مع عدم مطالعته للكتاب ، أو مصاحبته لمعلم .

فتح الله له أبواب العلم ، وعلمه لما لم يكن يعلم من سائر العلوم التى تعلمها الناس عنه ، وصاروا بها أئمة العلماء وقادة المفكرين ، فأكرم بها من أمية تضاءل بجانبها علم العلماء فى كل زمان ومكان .وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وصفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشرف الصفات وأقامتا أوضح الحجج وأقواها على صدقه فى نبوته ، ودعتا اليهود بل الناس جميعاً إلى الإيمان به لأنه قد بشرت به الكتب السماوية السابقة ولأنه صلى الله عليه وسلم ما جاءهم إلا بالخير ، وما نهاهم إلا عن الشر .

ولأن شريعته تمتاز باليسر والسماحة ، ولأن أنصاره وأتباعه هم المفلحون ، ولأن رسالته عامة للجن والانس ، ومن كانت هذه صفاته ، وتلك شريعته ، جدير أن يتبع ، وقمين أن يصدق ويطاع ، وما يعرض عن دعوته إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ثم بين تعالى أن من شرط حصول الرحمة لأولئك المتقين، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي، حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق بالكلية.

فقال: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ وفي هذه الكلمة مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن محمداً عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى جميع الخلق.

وقال طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية وهم أتباع عيسى الأصفهاني: أن محمداً رسول صادق مبعوث إلى العرب.

وغير مبعوث إلى بني إسرائيل.

ودليلنا على إبطال قولهم؛ هذه الآية.

لأن قوله: ﴿ أَيُّهَا الناس ﴾ خطاب يتناول كل الناس.

ثم قال: ﴿ إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ وهذا يقتضي كونه مبعوثاً إلى جميع الناس، وأيضاً فما يعلم بالتواتر من دينه، أنه كان يدعى أنه مبعوث إلى كل العالمين.

فأما أن يقال: إنه كان رسولاً حقاً أو ما كان كذلك، فإن كان رسولاً حقاً، امتنع الكذب عليه.

ووجب الجزم بكونه صادقاً في كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثاً إلى جميع الخلق، وجب كونه صادقاً في هذا القول، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثاً إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل.

وأما قول القائل: إنه ما كان رسولاً حقاً، فهذا يقتضي القدح في كونه رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام باطل متناقض.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ يا أيها الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ من الناس من قال إنه عام دخله التخصيص ومنهم من أنكر ذلك، أما الأولون فقالوا: إنه دخله التخصيص من وجهين: الأول: أنه رسول إلى الناس إذاكانوا من جملة المكلفين فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولاً إليهم، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قال: رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم يبلغهم خبر وجوده ولا خبر معجزاته، فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته ومن الناس من أنكر القول بدخول التخصيص في الآية من هذين الوجهين: أما الأول: فتقريره أن قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ خطاب وهذا الخطاب لا يتناول إلا المكلفين وإذا كان كذلك فالناس الذين دخلوا تحت قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ ليسوا إلا المكلفين من الناس، وعلى هذا التقدير فلم يلزم أن يقال: إن قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ عام دخله التخصيص.

وأما الثاني: فلأنه يبعد جداً أن يقال: حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام، وخبر معجزاته وشرائعه، وإذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص.

المسألة الثانية: هذه الآية وإن دلت على أن محمداً عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق، بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثاً إلى كل الخلق أم لا؟

إلى سائر الدلائل.

فنقول: تمسك جمع من العلماء في أن أحداً غيره ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق لقوله عليه الصلاة والسلام: «عطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي.

وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي».

ولقائل أن يقول: هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب، لأنه لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحصل لأحد سواه ولم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون واحد من آحاد هذا المجموع من خواصه، وأيضاً قيل إن آدم عليه السلام كان مبعوثاً إلى جميع أولاده، وعلى هذا التقدير فقد كان مبعوثاً إلى جميع الناس، وأن نوحاً عليه السلام لما خرج من السفينة، كان مبعوثاً إلى الذين كانوا معه، مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم.

أما قوله تعالى: ﴿ الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى.

واعلم أن هذه الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة.

الأصل الأول: إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً.

والذي يدل عليه ما ذكره في قوله تعالى: ﴿ الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ وذلك لأن أجسام السموات والأرض، تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر، من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم، وشرحها وتقريرها مذكور في هذا التفسير، وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل، لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده، أو إن حصل له مؤثر، لكن كان ذلك المؤثر موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ممكناً.

والأصل الثاني: إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ وإنما افتقرنا في حسن التكليف وجواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل، لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان، وأرسل أحد الإلهين نبياً إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى عبادة هذا الإله ما كان مخلوقاً له، بل كان مخلوقاً للإله الثاني، وعلى هذا التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله وطاعته، فكان بعثة الرسول إليه، وإيجاب الطاعة عليه ظلماً وباطلاً.

أما إذا ثبت أن الإله واحد، فحينئذ يكون جميع الخلق عبيداً له، ويكون تكليفه في الكل نافذاً وانقياد الكل لأوامره ونواهيه لازماً، فثبت أن ما لم يثبت كون الإله تعالى واحداً لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على التكاليف جائزاً.

والأصل الثالث: إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة، لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك، كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثاً ولغواً، وإلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله: ﴿ يُحْىِ وَيُمِيتُ ﴾ لأنه لما أحيا أولاً، ثبت كونه قادراً على الإحياء ثانياً، فيكون قادراً على الإعادة والحشر والنشر، وعلى هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعاماً عظيماً، فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية، ليكون قيامه بتلك الطاعة قائماً مقام الشكر عن الإحياء الأول، وأيضاً لما دل الإحياء الأول على قدرته على الإحياء الثاني، فحينئذ يكون قادراً على إيصال الجزاء إليه.

واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة.

ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه، وأيضاً إنه منعم على الكل بأعظم النعم، وأيضاً إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام، في أنه يحسن منه تكليف الخلق، أما بحسب السبب الأول، فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته، وأما بحسب السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة، وأما بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن من الله إرسال الرسل، ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف، فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً، وعلى أن هذا الإله واحد، وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب.

واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر بعده قوله: ﴿ فَئَامِنُواْ بالله ورسوله ﴾ وهذا الترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنه لما بين أولاً أن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن، أردفه بذكر أن محمداً رسول حق من عند الله لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولاً، ثم حصوله ثانياً، ثم إنه بدأ بقوله: ﴿ فئامنوا بالله ﴾ لأنا بينا أن الإيمان بالله أصل، والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه، والأصل يجب تقديمه.

فلهذا السبب بدأ بقوله: ﴿ فَئَامنوا بالله ﴾ ثم أتبعه بقوله: ﴿ وَرَسُولِهِ النبى الامى الذي يُؤْمِنُ بالله وكلماته ﴾ .

واعلم أن هذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبياً حقاً، وتقريره: أن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت على نوعين: النوع الأول: المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة، وأجلها وأشرفها أنه كان رجلاً أمياً لم يتعلم من أستاذ، ولم يطالع كتاباً، ولم يتفق له مجالسة أحد من العلماء، لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء، وما غاب رسول الله عن مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة، ثم إنه مع ذلك فتح الله عليه باب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن المشتمل على علوم الأولين والآخرين، فكان ظهور هذه العلوم العظيمة عليه، مع أنه كان رجلاً أمياً لم يلق أستاذاً ولم يطالع كتاباً من أعظم المعجزات، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ النبى الامى ﴾ .

والنوع الثاني: من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه.

وهي تسمى بكلمات الله تعالى، ألا ترى أن عيسى عليه السلام، لما كان حدوثه أمراً غريباً مخالفاً للمعتاد، لا جرم سماه الله تعالى كلمة.

فكذلك المعجزات لما كانت أموراً غريبة خارقة للعادة لم يبعد تسميتها بكلمات الله تعالى، وهذا النوع هو المراد بقوله: ﴿ يُؤْمِنُ بالله وكلماته ﴾ أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه، فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبياً صادقاً من عند الله.

واعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وجب أن يذكر عقيبه الطريق الذي به يمكن معرفة شرعه على التفصيل، وما ذاك إلا بالرجوع إلى أقواله وأفعاله وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ .

واعلم أن المتابعة تتناول المتابعة في القول وفي الفعل.

أما المتابعة في القول فهو أن يمتثل المكلف كل ما يقوله في طرفي الأمر والنهي والترغيب والترهيب.

وأما المتابعة في الفعل فهي عبارة عن الإتيان بمثل ما أتى المتبوع به سواء كان في طرف الفعل أو في طرف الترك، فثبت أن لفظ ﴿ واتبعوه ﴾ يتناول القسمين.

وثبت أن ظاهر الأمر للوجوب فكان قوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ دليلاً على أنه يجب الانقياد له في كل أمر ونهي، ويجب الاقتداء به في كل ما فعله إلا ما خصه الدليل، وهو الأشياء التي ثبت بالدليل المنفصل أنها من خواص الرسول صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: الشيء الذي أتي به الرسول يحتمل أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان واجباً عليه، ويحتمل أيضاً أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوباً، فبتقدير أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوباً، فلو أتينا به على سبيل أنه واجب علينا، كان ذلك تركاً لمتابعته، ونقضاً لمبايعته.

والآية تدل على وجوب متابعته، فثبت أن إقدام الرسول على ذلك الفعل لا يدل على وجوبه علينا.

قلنا: المتابعة في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي أتى به المتبوع، بدليل أن من أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل، قيل: إنه تابعه عليه.

ولو لم يأت به.

قيل: إنه خالفه فيه.

فلما كان الإتيان بمثل فعل المتبوع متابعة، ودلت الآية على وجوب المتابعة لزم أن يجب على الأمة مثل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.

بقي هاهنا أنا لا نعرف أنه عليه السلام أتى بذلك على قصد الوجوب أو على قصد الندب.

فنقول: حال الدواعي والعزائم غير معلوم، وحال الإتيان بالفعل الظاهر والعمل المحسوس معلوم، فوجب أن لا يلتفت إلى البحث عن حال العزائم والدواعي، لكونها أموراً مخفية عنا، وأن نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظاهر.

لكونها من الأمور التي يمكن رعايتها، فزالت هذه الشبهة، وتقريره: أن هذه الآية دالة على أن الأصل في كل فعل فعله الرسول أن يجب علينا لإتيان بمثله إلا إذا خصه الدليل.

إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا أردنا أن نحكم بوجوب عمل من الأعمال.

قلنا: إن هذا العمل فعله أفضل من تركه، وإذا كان الأمر كذلك: فحينئذ نعلم أن الرسول قد أتى به في الجملة، لأن العلم الضروري حاصل بأن الرسول لا يجوز أن يواظب طول عمره على ترك الأفضل، فعلمنا أنه عليه السلام قد أتى بهذا الطريق الأفضل.

وأما أنه هل أتى بالطرف الأحسن فهو مشكوك، والمشكوك لا يعارض المعلوم، فثبت أنه عليه السلام أتى بالجانب الأفضل.

ومتى ثبت ذلك وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ واتبعوه ﴾ فهذا أصل شريف، وقانون كلي في معرفة الأحكام، دال على النصوص لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ  ﴾ فوجب علينا مثله لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ .

وأما قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ففيه بحثان: أحدهما: أن كلمة لعل للترجي، وذلك لا يليق بالله، فلابد من تأويله.

والثاني: أن ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من كل المكلفين الهداية والإيمان على قول المعتزلة، والكلام في تقرير هذين المقامين قد سبق في هذا الكتاب مراراً كثيرة، فلا فائدة في الإعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ قيل: بعث كل رسول إلى قومه خاصة وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة الإنس وكافة الجنّ.

وجميعاً: نصب على الحال من إليكم.

فإن قلت: ﴿ الذى لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض ﴾ ما محله؟

قلت: الأحسن أن يكون منتصباً بإضمار أعني، وهو الذي يسمى النصب على المدح.

ويجوز أن يكون جراً على الوصف، وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله إليكم.

﴿ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ وقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ بدل من الصلة التي هي له ملك السموات والأرض، وكذلك ﴿ يُحْىِ وَيُمِيتُ ﴾ وفي ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ بيان للجملة قبلها، لأنّ من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة.

وفي يحيي ويميت: بيان لاختصاصه بالإلهية، لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره ﴿ وكلماته ﴾ وما أنزل عليه وعلى من تقدّمه من الرسل من كتبه ووحيه.

وقرئ: ﴿ وكلمته ﴾ على الإفراد وهي القرآن.

أو أراد جنس ما كلم به.

وعن مجاهد: أراد عيسى ابن مريم.

وقيل: هي الكلمة التي تكوّن عنها عيسى وجميع خلقه، وهي قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ وإنما قيل إن عيسى كلمة الله، فخصّ بهذا الاسم، لأنه لم يكن لكونه سبب غير الكلمة، ولم يكن من نطفة تمنى ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ إرادة أن تهتدوا.

فإن قلت: هلا قيل: فآمنوا بالله وبي، بعد قوله: ﴿ إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ ﴾ ؟

قلت: عدل من المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ولما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أنّ الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته، كائناً من كان، أنا أو غيري، إظهاراً للنصفة وتفادياً من العصبية لنفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ ﴾ الخِطابُ عامٌّ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ  مَبْعُوثًا إلى كافَّةِ الثَّقَلَيْنِ، وسائِرُ الرُّسُلِ إلى أقْوامِهِمْ.

﴿ جَمِيعًا ﴾ حالٌ مِن إلَيْكم.

﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ صِفَةٌ لِلَّهِ وإنْ حِيلَ بَيْنَهُما بِما هو مُتَعَلِّقُ المُضافِ إلَيْهِ لِأنَّهُ كالتَّقَدُّمِ عَلَيْهِ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ.

الأوَّلُ بَيانٌ لِما قَبْلُهُ فَإنَّ مَن مَلَكَ العالَمَ كانَ هو الإلَهُ لا غَيْرُهُ وفي: ﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِاخْتِصاصِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ.

﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ ﴾ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ وعَلى سائِرِ الرُّسُلِ مِن كُتُبِهِ ووَحْيِهِ.

وقُرِئَ « وكَلِمَتِهِ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أوِ القُرْآنِ، أوْ عِيسى تَعْرِيضًا لِلْيَهُودِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ إيمانُهُ، وإنَّما عَدَلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إلى الغِيبَةِ لِإجْراءِ هَذِهِ الصِّفاتِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ والِاتِّباعِ لَهُ.

﴿ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ جَعَلَ رَجاءَ الِاهْتِداءِ أثَرَ الأمْرَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن صَدَّقَهُ ولَمْ يُتابِعْهُ بِالتِزامِ شَرْعِهِ فَهو يُعَدُّ في خُطَطِ الضَّلالَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)

{قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم} بعث كل رسول إلى قومه خاصة وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة الإنس وكافة الجن {جميعاً} حال من اليكم {الذي له ملك السماوات والأرض} في محل النصب بإضمار أعني وهو نصب على المدح {لآ إله إلاّ هو} بدل من الصلة وهى له ملك السموات

والأرض وكذلك {يحيي ويميت} وفي لا إله إلا هو بيان للجملة قبلها لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة وفى يحيى ويميت بيان لاختصاصه بالإليهة إذ لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره {فآمنوا بالله ورسوله النّبيّ الأمّيّ الّذي يؤمن بالله وكلماته} أي الكتب المنزلة {واتّبعوه لعلّكم تهتدون} ولم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قوله إنى رسول الله اليكم لتجرى عليه الصات التي أجريت عليه ولما في الالتفات من مزية البلاغة وليعلم أن الذي وجب الإيمان به هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته كائنا ن كان انا أو غيرى اظهار للنصفة وتفادياً من العصبية لنفسه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا ﴾ لَمّا حَكى ما في الكِتابَيْنِ مِن نُعُوتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَفِ مَن يَتَّبِعُهُ عَلى ما عَرَفْتَ، أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَصْدَعَ بِما فِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ حَرَّمُوا اتِّباعَهُ.

وتَنْبِيهٌ لِسائِرِ النّاسِ عَلى افْتِراءِ مَن زَعَمَ مِنهم أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلٌ إلى العَرَبِ خاصَّةً، وقِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ سَعادَةَ الدّارَيْنِ المُشارَ إلَيْهِما فِيما تَقَدَّمَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ بَلْ شامِلَةٌ لِكُلِّ مَن يَتَّبِعُهُ كائِنًا مَن كانَ؛ وذَلِكَ بِبَيانِ عُمُومِ رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهي عامَّةٌ لِلثَّقَلَيْنِ كَما نَطَقَتْ بِهِ النُّصُوصُ حَتّى صَرَّحُوا بِكَفْرِ مُنْكِرِهِ وما هُنا لا يَأْبى ذَلِكَ، والمَفْهُومُ فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ القائِلِ بِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وهو ظاهِرٌ.

﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ نَحْوِهِ أوْ رُفِعَ عَلى إضْمارِ هو.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِمّا لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ وفي حُكْمِ ما لا يَكُونُ فِيهِ فَصْلٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِالفَخامَةِ؛ إذْ يَكُونُ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المَذْكُورَ عُلِمَ في ذَلِكَ، أيِ اذْكُرْ مَن لا يَخْفى شَأْنُهُ عِنْدَ المُوافِقِ والمُخالِفِ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ، وهو عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَعَ ذَلِكَ بَدَلًا مِنَ الصِّلَةِ، وقَدْ نَصَّ عَلى جَوازِ هَذا النَّحْوِ سِيبَوَيْهِ، وذَكَرَ العَلّامَةُ أنَّ سَوْقَ كَلامِهِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ بَدَلُ اسْتِعْمالٍ، ووَجْهُ البَيانِ أنَّ مَن مَلَكَ العالَمَ عُلْوِيَّهُ وسُفْلِيَّهُ هو الإلَهُ، فَبَيْنَهُما تَلازُمٌ يُصَحِّحُ جَعْلَ الثّانِي مُبَيِّنًا لِلْأوَّلِ ولَيْسَ المُرادُ بِالبَيانِ الإثْباتَ بِالدَّلِيلِ حَتّى يُقالَ: الظّاهِرُ العَكْسُ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى تَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ مِلْكُهُ لِلْعالَمِ بِأسْرِهِ مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا عَلَيْهِ أيْضًا فَيُقالُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ المالِكُ المُتَصَرِّفُ في ذَلِكَ انْحِصارُ الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ؛ إذْ لَوْ كانَ إلَهٌ غَيْرُهُ لَكانَ لَهُ ذَلِكَ، واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ القَوْلَ بِالبَدَلِيَّةِ بِأنَّ إبْدالَ الجُمَلِ مِنَ الجُمَلِ غَيْرِ المُشْتَرَكَةِ في عامِلٍ لا يُعْرَفُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ أهْلَ المَعانِي ذَكَرُوهُ، وتَعْرِيفُ التّابِعِ بِكُلِّ ثانٍ أُعْرِبَ بِإعْرابِ سابِقِهِ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ إلَهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِزِيادَةِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِذَلِكَ ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ، والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإيرادُ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ الِامْتِثالِ، ووَصْفُ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﴾ لِمَدْحِهِ ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أمْرِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المَكْتُوبُ في الكِتابَيْنِ.

﴿ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ ﴾ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ وعَلى سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن كُتُبِهِ ووَحْيِهِ، وقُرِئَ: (وكَلِمَتِهِ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أوِ القُرْآنِ أوْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، تَعْرِيضًا لِلْيَهُودِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُعْتَبَرْ إيمانُهُ، والإتْيانُ بِهَذا الوَصْفِ بِحَمْلِ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَلى الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ والتَّصْرِيحُ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِ سُبْحانَهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الإيمانِ بِكَلِماتِهِ ولا يَتَحَقَّقُ إلّا بِهِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن إظْهارِ النَّصَفَةِ والتَّفادِي عَنِ العَصَبِيَّةِ لِلنَّفْسِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ نُكْتَةً لِلِالتِفاتِ وإجْراءِ هاتِيكَ الصِّفاتِ.

﴿ واتَّبِعُوهُ ﴾ أيْ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ.

﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ عِلَّةٌ لِلْفِعْلَيْنِ أوْ حالٌ مِن فاعِلَيْهِما.

أيْ: رَجاءً لِاهْتِدائِكم إلى المَطْلُوبِ أوْ راجِينَ لَهُ.

وفي تَعْلِيقِهِ بِهِما إيذانٌ بِأنَّ مَن صَدَّقَهُ ولَمْ يَتَّبِعْهُ بِالتِزامِ شَرْعِهِ فَهو بَعْدُ في مَهامِهِ الضَّلالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة ويقال: هو لجميع الناس إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ويقال: إنه أول نداء نادى به في مكة بهذه الآية.

وكان من قبل يدعو واحداً واحداً.

فلما نزلت هذه الآية، أظهر ونادى في الناس: يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً من ذلك الرب الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق في السماء ولا في الأرض إلا هو يُحيِي وَيُمِيتُ يعني: يحي الأموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا، ويحيي للبعث ثانياً.

ويقال: يحيي يعني: يخلق الخلق من النطفة، ويميتهم عند انقضاء آجالهم.

فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يعني: يصدق بالله وَكَلِماتِهِ يعني: القرآن قال: السدي وَكَلِمَتُهُ يعني: صدق بأن عيسى صار مخلوقاً بكلمة الله وَاتَّبِعُوهُ يعني: محمدا  لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ من الضلالة.

قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني: جماعة يدعون إلى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني: وبالحق يعملون.

وقال بعضهم: يعني به مؤمني أهل الكتاب وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وهذا كما قال في آية أخرى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ [آل عمران: 113] الآية.

وقال بعضهم: هم قوم من وراء الصين من أمة موسى ما وراء رمل عالج.

وروي عن ابن عباس-  ما- أن النبيّ  ليلة أُسري به إلى البيت المقدس ومعه جبريل فرفعه إليهم وكلّمهم وكلّموه.

فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟

قالوا: لا.

قال: فإن هذا محمد النبي الأمي.

قال: يا جبريل وقد بعثه الله تعالى؟

قال نعم فآمنوا به وصدّقوه.

وقالوا: يا رسول الله أن موسى بن عمران أوصى إلينا أن من أدرك ذلك النبي منكم فليقرأ  مني ومنكم ورد رسول الله  على موسى ورد عليهم السلام ثم قال لهم رسول الله  : «ما لِي أَرَى بُيُوتَكُمْ مُسْتَوِيَةً» ؟

قالوا: لأنا قوم لا يبغي بعضنا على بعض.

قال: «فما لي لا أرى عليها أبواباً» ؟

قالوا: إنّا لا يضر بعضنا بعضاً.

قال: «فَمَا لِي لا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ» ؟

قالوا: ما ضحكنا قط لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه أن جهنم عرضها ما بين الخافقين وقعرها الأرض السفلى، وقد أقسم الله تعالى ليملأنها مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ.

قال: «فَهَلْ تَبْكُونَ عَلَى المَيِّتِ» ؟

قالوا: يا رسول الله كيف نبكي على الميت وكلنا ميتون.

وهو سبيل لا بد منه.

والله أعطانا والله أخذ منا.

قال: «فَهَلْ تَمْرَضُونَ» ؟

قالوا: يا رسول الله إنما يمرض أهل الذنوب والخطايا.

فأما نحن فمعصومون بدعاء نبي الله موسى-  - قال: «فَكَيْفَ تَمُوتُونَ إِذَا لَمْ تَمْرَضُوا؟» قالوا: إذا استوفى أحدنا رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه فندفنه، حيث يموت.

قال: «فَهَلْ تَحْزَنُونَ إذَا وُلِدَ لأَحَدِكُمْ جَارِيَةٌ» ؟

قالوا: يا رسول الله لا ولكنا نصوم لله تعالى شهراً شكرا، فإذا ولد لأحدنا غلام نصوم لله شهرين شكراً لله تعالى.

قال: «فَهَلْ فِيكُمْ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبٌ» ؟

قالوا: نعم.

قال: «كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهِنَّ» ؟

قالوا: يا رسول الله نمشي عليهن ويمشين علينا، ولا نؤذيهن ولا تؤذينا، آمنات منا ونحن آمنون منهن.

قال: «فَهَلْ لَكُمْ مَاشِيَةٌ» ؟

قالوا: نعم، نجز أصوافها فنتخذ منه الأفنية والأكسية، ونأكل من لحومهن الكفاف، وكل أهل القرية فيها شرع أي سواء ليس أحد أحق به منا.

قال: «فَهَلْ تَزِنُونَ أَوْ يُوزَنُ عَلَيْكُمْ» ؟

قالوا: لا نزن ولا يوزن علينا ولا نكيل ولا يكال علينا ولا نشتري ولا نبيع.

قال: «فَمِنْ أيْنَ تَأْكُلُونَ» ؟

قالوا: يا رسول الله: نخرج فنزرع، ويرسل الله تعالى السماء علينا فينبته، ثم نخرج إليه فنحصده، ونضعه في أماكن من القرية، فيأخذ أهل القرية منها الكفاف ويدعون ما سواه.

قال: «فَهَلْ تُجَامِعُونَ النِّسَاءَ» ؟

قالوا: نعم يا رسول الله لنا بيوت مظلمة وثياب معلومة فإذا أردنا المجامعة لبسنا ثيابنا تلك ودخلنا تلك البيوت، لا يرى الرجل عورة امرأته ولا المرأة عورة زوجها.

قال: «فَهَلْ فِيكُمُ زِنًى؟» قالوا: يا رسول الله لا فإن فعل ذلك أحد منا لظننا أن الله تعالى يبعث عليه ناراً فيحرقه أو يخسف به الأرض، ولكن إذا كان للرجل منا ابنة طلبها منه رجل فيزوجه إياها إرادة الأجر والعفة.

قال: «فَهَلْ تَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ» ؟

قالوا: لا.

يا رسول الله.

إنما يكنز الذهب والفضة من لا يثق بالله، ومن يرى أن الله تعالى لم يتكفل له برزقه.

فأما نحن فلا نكنز الذهب والفضة.

فأقرأهم رسول الله  عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فعلمهم رسول الله  وأمرهم بالصلاة والزكاة ورجع من ليلته.

وقال قتادة: قال رسول الله  : في قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: «قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا» وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني: في هذه الأمة.

ثم قال: وَقَطَّعْناهُمُ يعني: بني إسرائيل فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً يعني: جماعة والأسباط جَمْعٌ والسبط في بني إسرائيل مثل القبيلة عند العرب وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى يعني: في التيه إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ إلى قوله: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ كل ذلك مذكور في سورة البقرة قرأ أبو عمرو نَّغْفِرْ لَكُمْ بالنون خطاياكم.

وقرأ ابن عامر تَغْفِرْ لَكُمْ بالتاء والضم خطيئتكم بالرفع وبلفظ الواحد.

وقرأ نافع تَغْفِرْ لكم بالتاء، والضم خطيئاتكم بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون نَغْفِرْ لَكُمْ بالنون خَطِيئاتِكُمْ بلفظ الجماعة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والإِصْر أيضاً: العَهْد، وبه فسر ابنُ عباس وغيره «١» ، وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين فإِن بني إِسرائيل قد كان أخذ عليهم العَهْدُ بأن يقوموا بأعمال ثقال، فَوَضَعَ عنهم نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال ابن جُبيْر: الإِصْر: شدَّة العبادة «٢» ، وقرأ ابن عامر «٣» : «آصارَهُمْ» بالجمع فمَنْ وحَّد «الإصر» فإنما هو اسمُ جنْس عِنده، يراد به الجمعُ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ عبارةٌ مستعارَةٌ أيضاً لتلك الأثقال، كَقَطْعِ الجِلْدِ من أثر البَوْلِ، وأن لا ديةَ، ولا بدَّ من قَتْل القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسِّرين، وقالَ ابن زَيْدٍ: إنما المراد هنا ب الْأَغْلالَ قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في اليهود: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤] ، فمنْ آمن بنبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، زالَتْ عنه الدعوةُ، وتغليلها «٤» ، ومعنى عَزَّرُوهُ: أي: وقَّروه، فالتعْزيرُ والنصْرُ: مشاهدةٌ خاصَّة للصحابة، واتباع النور: يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنُّورُ: كنايةٌ عن جُمْلة الشرع، وشَبَّه الشرعَ والهدى بالنور، إِذ القلوبُ تستضيء به كما يستضيء البصر بالنّور.

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً هذا أمر من الله

سبحانه لنبيِّه بإشهار الدعوة العامَّة، وهذه من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم من بين سائر الرسل فإنه صلّى الله عليه وسلّم بُعِثَ إِلى الناس كافَّة، وإِلى الجنِّ، وكلُّ نبيٍّ إِنما بعث إِلى فرقة دون العُمُوم.

وقوله سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: حَضٌّ على اتباع نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ، أيْ: يصدق باللَّه وكلماته، والكلماتُ هنا: الآياتُ المنزلة مِنْ عند الله كالتوراة والإنجيل، وقوله: وَاتَّبِعُوهُ لفظ عامٌّ يدخل تحته جميعُ إلزامات الشريعة، جعلنا اللَّه مِنْ متَّبعيه على ما يلزم بمنِّه ورحمته.

قُلْتُ: فإِن أردتَّ الفوْزَ أيُّها الأخ، فعليك باتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمِ شريعته، وتعظيم جَمِيعِ أسبابه.

قال عِيَاضٌ: ومن إعظامه صلّى الله عليه وسلّم وإِكبارهِ إِعظام جميع أَسبابه وإِكْرَامُ مشاهده وأَمْكِنَتِهِ، ومعاهِدِهِ، وما لَمَسَهُ عليه السلام أَوْ عُرِفَ به، حُدِّثْتُ أن أبا الفَضْل الجوهري، لمَّا وَرَدَ المدينةَ زائراً، وقَرُبَ من بيوتها، ترجَّل، ومشى باكياً منشداً: [الطويل]

وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا ...

فُؤَاداً لِعِرْفَانِ/ الرُّسُومَ «١» وَلاَ لُبَّا «٢»

نَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ «٣» نَمْشِي كَرَامَةً ...

لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نَلُمَّ بِهِ رَكْبَا

وحُكِيَ عن بعض المريدين أنه لما أشْرَفَ على مدينة الرسول عليه السلام، أنشأ يقُولُ: [الكامل]

رُفِعَ الحِجَابُ «٤» لَنَا فَلاَحَ لِنَاظِرِي ...

قَمَرٌ تَقَطَّعُ دُونَهُ الأَوْهَامُ «٥»

وَإِذَا المَطِيُّ «٦» بِنَا بَلَغْنَ محمّدا ...

فظهورهنّ «٧» على الرّجال حرام

قرّبننا من خير من وطئ الحَصَى «١» ...

فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُ

وحُكِيَ عن بعض المشايِخِ أنه حجَّ ماشياً، فقيل له في ذلك، فقال: العَبْدُ الآبِقُ يأتي إلى بيت مولاه راكباً؟

لو قَدْرَتُ أَنْ أَمْشِيَ على رأسِي، ما مَشَيْتُ على قدَمي.

قال عياضَ: وجديرٌ لمواطَنَ عُمِرَتْ بالوحْيِ، والتنزيل وتردَّد فيها جبريلُ وميكائيل، وعَرَجَتْ منها الملائكةُ والرُّوح وضجَّتْ عرصاتها «٢» بالتقديس والتسبيح، واشتملَتْ تربتها على جَسَد سَيِّد البَشَر وانتشر عنْهَا مِنْ دِينِ اللَّه وسنة رسُوله ما انتشر، مدارسُ وآيات ومَسَاجِدُ وصَلَوَات ومَشَاهِدُ الفَضَائِلِ والخَيْرَات ومعاهدُ البراهين والمُعْجِزَات- أنْ تعظَّم عَرَصَاتها وتُتَنَسَّمَ نفحاتها وتُقَبَّلَ ربُوعُها وجدراتُها: [الكامل]

يَا دَارَ خَيْر المُرْسَلِينَ ومَنْ بِه ...

هَدْيُ الأَنَامُ» وَخُصَّ بِالآيَاتِ «٤»

عِنْدِي لأَجْلِكَ لَوْعَةٌ «٥» وَصَبَابَةٌ ...

وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الجَمَرَاتِ

الأبيات.

انتهى من «الشفا» .

وقوله سبحانه: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ، أي: يرشدُونَ أنفسهم، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يريد به وصْفَ المؤمنين منهم، على عهد موسى، وما والاَهُ مِنَ الزمَنِ، فأخبر سبحانه، أنه كان في بني إسرائيل على عتوِّهم وخلافِهِمْ مِنَ اهتدى واتقى وعَدَلَ، ويحتمل أنْ يريد الجماعةَ التي آمَنَتْ بنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم من بني إسرائيل، على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، وقوله: أَسْباطاً: بَدلٌ من اثْنَتَيْ، والتمييزُ الذي بَيْنَ العَدَدَ محذوفٌ تقديره: اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أو قِطْعَةً أسباطاً.

وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واكْتُبْ لَنا ﴾ أيْ: حَقَّقَ لَنا وأوْجَبَ ﴿ فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ وهي الأعْمالُ الصّالِحَةُ ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ ﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تُبْنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ " الَّذِينَ هادَوْا " [البَقَرَةِ:٦٢] كَأنَّهم رَجَعُوا مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.

وقَرَأ أبُو وجْزَةَ السَّعْدِيُّ: ﴿ إنّا هُدْنا ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لا تَتَغَيَّرُ؛ يُقالُ: هادَ يَهُودُ ويَهِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ: مِن أساءَ بِسِينٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مَعَ النَّصْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ في هَذا الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَخْرَجَهُ عامٌّ ومَعْناهُ خاصٌّ، وتَأْوِيلُهُ: ورَحْمَتِي وسِعَتِ المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ عَلى العُمُومِ في الدُّنْيا، والخُصُوصِ في الآَخِرَةِ؛ وتَأْوِيلُها: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا، البَرَّ والفاجِرَ، وفي الآَخِرَةِ وفي الآَخِرَةِ هي لَلْمُتَّقِينَ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

فَعَلى هَذا، مَعْنى الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا لَلْكافِرِ أنَّهُ يُرْزَقُ ويُدْفَعُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ في حَقِّ قارُونَ: ﴿ وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّ الرَّحْمَةَ التَّوْبَةُ، فَهي عَلى العُمُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الرَّحْمَةَ تَسَعُ كُلَّ الخَلْقِ، إلّا أنَّ أهْلَ الكُفْرِ خارِجُونَ مِنها، فَلَوْ قُدِّرَ دُخُولُهم فِيها لَوَسِعَتْهم، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا.

﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ في الآَخِرَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ فَسَأُوجِبُها.

وفي الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُتَّقُونَ لَلشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَلْمَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، ذَهَبا إلى أنَّها العَمَلُ بِما يُزَكِّي النَّفْسَ ويُطَهِّرُها.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ قالَ إبْلِيسُ: أنا مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَنَزَعَها اللَّهُ مِن إبْلِيسَ، فَقالَ: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ﴾ فَقالَتِ اليَهُودَ: نَحْنُ نَتَّقِي، ونُؤْتِي الزَّكاةَ، ونُؤْمِنُ بِآَياتِ رَبِّنا، فَنَزَعَها اللَّهُ مِنهم، وجَعَلَها لَهَذِهِ الأُمَّةِ، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ﴾ .

وقالَ نَوْفُ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى: أجْعَلُ لَكُمُ الأرْضَ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأجْعَلُ السَّكِينَةَ مَعَكم في بُيُوتِكم، وأجْعَلُكم تَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ عَنْ ظُهُورِ قُلُوبِكم، يَقْرَؤُها الرَّجُلُ مِنكم، والمَرْأةُ، والحُرُّ، والعَبْدُ، والصَّغِيرُ، والكَبِيرُ، فَأخْبَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: لا نُرِيدُ أنْ نُصَلِّيَ إلّا في الكَنائِسِ والبَيْعِ، ولا أنْ تَكُونَ السَّكِينَةُ إلّا في التّابُوتِ، ولا أنْ نَقْرَأ التَّوْراةَ إلّا نَظَرًا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ المُفْلِحُونَ ﴾ وفي هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ المُفْلِحُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كُلُّ مَن آَمَنَ بِمُحَمَّدٍ  ، وتَبِعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ.

وفي تَسْمِيَتِهِ بِالأُمِّيِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَكْتُبُ.

والثّانِي: لِأنَّهُ مِن أُمِّ القُرى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ﴾ أيْ: يَجِدُونَ نَعْتَهُ ونُبُوَّتَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ﴾ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْرُوفُ: مَكارِمُ الأخْلاقِ، وصِلَةُ الأرْحامِ.

والمُنْكَرُ: عِبادَةُ الأوْثانِ، وقَطْعُ الأرْحامِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ: الإيمانُ، والمُنْكَرُ: الشَّرُّ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْرُوفُ: الحَقُّ، لِأنَّ العُقُولَ تَعْرِفُ صِحَّتَهُ، والمُنْكَرَ: الباطِلُ، لِأنَّ العُقُولَ تُنْكِرُ صِحَّتَهُ.

وَفِي الطَّيِّباتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَلالُ، والمَعْنى: يَحِلُّ لَهُمُ الحَلالُ.

والثّانِي: أنَّها ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَطْيِبُهُ.

والثّالِثُ: أنَّها الشُّحُومُ المُحَرَّمَةُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والرّابِعُ: ما كانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُهُ مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والِحامِ.

وَفِي الخَبائِثِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَرامُ، والمَعْنى: ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الحَرامَ.

والثّانِي: أنَّها ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَخْبِثُهُ ولا تَأْكُلُهُ، كالحَيّاتِ، والحَشَراتِ.

والثّالِثُ: ما كانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ صُرْهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ آَصارهم مَمْدُودَةَ الألِفِ عَلى الجَمْعِ.

وفي هَذا الإصْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّشْدِيدُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ مِن تَحْرِيمِ السَّبْتَ، وأكْلِ الشُّحُومِ والعُرُوقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ مَسْرُوقٌ: لَقَدْ كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ، فَيُصْبِحُ وقَدْ كُتِبَ عَلى بابِ بَيْتِهِ: إنَّ كَفّارَتَهُ أنْ تَنْزِعَ عَيْنَيْكَ فَيَنْزِعُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ الأغْلالِ تَمْثِيلٌ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتُ هَذا طَوْقًا في عُنُقِكَ، ولَيْسَ هُناكَ طَوْقٌ، إنَّما جَعَلْتُ لُزُومَهُ كالطَّوْقِ.

والأغْلالُ: أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم في القَتْلِ دِيَةٌ، وأنْ لا يَعْمَلُوا في السَّبْتِ، وأنْ يُقْرِضُوا ما أصابَ جُلُودَهم مِنَ البَوْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ  وعَزَّرُوهُ ورَوى أبانُ "وَعَزَّرُوهُ" بِتَخْفِيفِ الزّايِ.

وفي المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَصَرُوهُ وأعانُوهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عَظَّمُوهُ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والنُّورُ الَّذِي أنْزَلَ مَعَهُ: القُرْآَنُ، سَمّاهُ نُورًا، لِأنَّ بَيانَهُ في القُلُوبِ كَبَيانِ النُّورِ في العُيُونِ.

وفي قَوْلِهِ "مَعَهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "عَلَيْهِ" .

والثّانِي: بِمَعْنى أُنْزِلَ في زَمانِهِ.

قالَ قَتادَةُ: أمّا نَصْرُهُ، فَقَدْ سَبَقْتُمْ إلَيْهِ، ولَكِنَّ خَيْرَكم مَن آَمَنَ بِهِ واتَّبَعَ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ ﴾ في الكَلِماتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ: كَلِماتُهُ: آَياتُهُ.

والثّانِي: أنَّها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا  ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ بِإشْهارِ الدَعْوَةِ والحَضِّ عَلى الدُخُولِ في الشَرْعِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَجّى الأُمَّةَ المُتَّبِعَةَ لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّتِي كَتَبَ لَهم رَحْمَتَهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِدُعاءِ الناسِ إلى الِاتِّباعِ الَّذِي تَحْصُلُ مَعَهُ تِلْكَ المَنازِلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِمُحَمَّدٍ  بَيْنَ الرُسُلِ، فَإنَّ مُحَمَّدًا  بُعِثَ إلى الناسِ كافَّةً وإلى الجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ، وتَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ، وكُلُّ نَبِيٍّ إنَّما بُعِثَ إلى فِرْقَةٍ دُونَ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أُعْلِنَ بِالرِسالَةِ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أرْدَفَ بِصِفَةِ اللهِ الَّتِي تَقْتَضِي الإذْعانَ لَهُ وهي أنَّهُ مالِكُ السَمَواتِ والأرْضِ بِالخَلْقِ والإبْداعِ والإحْياءِ والإماتَةِ، لا إلَهَ إلّا هو ولا مَعْبُودَ سِواهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ﴾ الآيَةُ، هو الحَضُّ عَلى اتِّباعِ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي يُؤْمِنُ ﴾ يُرِيدُ: الَّذِي يُصَدِّقُ ﴿ بِاللهِ وكَلِماتِهِ ﴾ ، والكَلِماتُ هُنا الآياتُ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِهِ كالتَوْراةِ والإنْجِيلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَلِماتِهِ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَلِمَتِهِ" بِالإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وآياتِهِ" بَدَلَ "كَلِماتِهِ"، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: المُرادُ بِـ "كَلِماتِهِ" أو "كَلِمَتِهِ" عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: عَلى طَمَعِكم وبِحَسَبِ ما تَرَوْنَهُ، وقَوْلُهُ: "واتَّبِعُوهُ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ إلْزاماتِ الشَرِيعَةِ، جَعَلَنا اللهُ مِن مُتَّبِعِيهِ عَلى ما يَلْزَمُ بِمَنِّهِ ورَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى ﴾ الآيَةُ، "يَهْدُونَ" مَعْناهُ: يُرْشِدُونَ أنْفُسَهُمْ، وهَذا الكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وصْفَ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَهْدِ مُوسى وما والاهُ مِنَ الزَمَنِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عُتُوِّهِمْ وخِلافِهِمْ مَنِ اهْتَدى واتَّقى وعَدَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَماعَةَ الَّتِي آمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ  مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِجْلابِ لِإيمانِ جَمِيعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ ما رُوِيَ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا تَقَطَّعُوا مَرَّتْ أُمَّةٌ مِنهم واعْتَزَلَتْ ودَخَلَتْ تَحْتَ الأرْضِ فَمَشَتْ في سِرْبٍ تَحْتَ الأرْضِ سَنَةً ونِصْفَ سَنَةٍ حَتّى خَرَجُوا وراءَ الصِينِ، فَهم هُنالِكَ خَلْفَ وادٍ مِن شَهْدٍ يُقِيمُونَ الشَرْعَ ويَهْدُونَ بِالحَقِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ بَعْضُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَدِيثٌ بَعِيدٌ، وقَرَأ بَعْضٌ مِنَ الناسِ: "وَقَطَّعْناهُمْ" بِشَدِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَقَطَعْناهُمْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، ورَواها أبانُ عن عاصِمٍ، ومَعْناهُ: فَرَّقْناهُمْ، مِنَ القَطْعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَشْرَةَ" بِسُكُونِ الشِينِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِخِلافِ: "عَشَرَةٍ" بِفَتْحِ الشِينِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الجَماعَةُ أيْضًا، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "عَشِرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: والعَجَبُ أنَّ تَمِيمًا يُخَفِّفُونَ ما كانَ مِن هَذا الوَزْنِ، وأنَّ أهْلَ الحِجازِ يُشْبِعُونَ، وتَناقَضُوا في هَذا الحَرْفِ.

وقَوْلُهُ: "أسْباطًا" بَدَلٌ مِنِ "اثْنَتَيْ".

والتَمْيِيزُ الَّذِي بَيْنَ العَدَدِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أو قِطْعَةً أسْباطًا، وإمّا أنْ يَزُولَ عَنِ التَمْيِيزِ ويُقَدَّرَ: وقَطَّعْناهم فِرَقًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، ثُمَّ أُبْدِلَ "أسْباطًا"، والأوَّلُ أحْسَنُ وأبْيَنُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أسْباطًا" تَمْيِيزًا لِأنَّ التَمْيِيزَ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا نَكِرَةً، وأيْضًا فالسِبْطَ مُذَكَّرٌ وهو قَدْ عُدَّ مُؤَنَّثًا، عَلى أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ لَوِ انْفَرَدَتْ لَمَنَعَتْ إذِ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لَمّا كانَ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ غَلَّبَ التَأْنِيثَ، وهو مِثْلُ قَوْلٍ الشاعِرِ: فَإنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أبْطُنٍ ∗∗∗ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأغْفَلَ هَذا الكُوفِيُّ جَمْعَ الأسْباطِ وأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ إنَّما كانَ يَجُوزُ لَوْ كانَ الكَلامُ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سِبْطًا"، والسِبْطَ في ولَدِ إسْحاقَ كالقَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، وقَدْ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّ السِبْطَ مِنَ السَبَطِ وهو شَجَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الأظْهَرُ فِيهِ عِبْرانِيٌّ عُرِّبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة معترضة بين قصص بني إسرائيل جاءت مستطردة لمناسبة ذكر الرسول الأمي، تذكيرً لبني إسرائيل بما وعد الله به موسى عليه السلام، وإيقاظاً لأفهامهم بأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو مِصداق الصفات التي علمها الله موسى والخطاب ب ﴿ يا أيها الناس ﴾ لجميع البشر، وضمير التكلم ضمير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتأكيد الخبر ب (إن) باعتبار أن في جملة المخاطبين منكرين ومترددين، استقصاء في إبلاغ الدعوة إليهم.

وتأكيد ضمير المخاطبين بوصف ﴿ جميعاً ﴾ الدال نصاً على العموم، لرفع احتمال تخصيص رسالته بغير بني إسرائيل، فإن من اليهود فريقاً كانوا يزعمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبيء، ويزعمون إنه نبيُء العرب خاصة، ولذلك لما قال رسول الله لابن صياد وهو يهودي أتشهد أني رسول الله، قال ابن صياد: أشهد إنك رسول الأميين.

وقد ثبت من مذاهب اليهود مذهب فريق من يهود أصفهان يدعون بالعيسوية وهم أتباع أبي عيسى الأصفهاني اليهودي القائِل بأن محمداً رسول الله إلى العرب خاصة لا إلى بني إسرائيل، لأن اليهود فريقان: فريق يزعمون أن شريعة موسى لا تنسخ بغيرها، وفريق يزعمون أنها لا تنسخ عن بني إسرائيل، ويجوز أن يبعث رسول لغير بني إسرائيل.

وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال من الضمير المجرور، ب (إلى) وهو فعيل بمعنى مفعوُل أي مجموعين، ولذلك لزم الإفرادَ؛ لأنه لا يطابق موصوفه.

﴿ الذي له ملك السماوات والأرض ﴾ نعت لاسم الجلالة، دال على الثناء.

وتقديم المجرور للقصر، أي: لا لغيره مما يعبده المشركون، فهو قصر إضافي للرد على المشركين.

وجملة: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ حال من اسم الجلالة في قوة متفرداً بالإلهية، وهذا قصر حقيقي لتحقيق صفة الوحدانية، لا لقصد الرد على المشركين.

وجملة: ﴿ يُحيي ويميت ﴾ حال، والمقصود من ذكر هذه الأوصاف الثلاثة: تذكير اليهود، ووعظهم، حيث جحدوا نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وزعموا أنه لا رسول بعد موسى، واستعظموا دعوة محمد، فكانوا يعتقدون أن موسى لا يشبهه رسول، فذُكّروا بأن الله مالك السماوات والأرض، وهو واهب الفضائِل، فلا يُستعظم أن يرسل رسولاً ثم يرسل رسولاً آخر، لأن الملك بيده، وبأن الله هو الذي لا يشابهه أحد في ألوهيته، فلا يكون إلهان للخلق، وأما مرتبة الرسالة فهي قابلة للتعدد، وبأن الله يحيي ويميت فكذلك هو يميت شريعة ويحيي شريعة أخرى، وإحياء الشريعة إيجادها بعد أن لم تكن: لأن الإحياء حقيقته إيجاد الحياة في الموجود، ثم يحصل من هذه الصفات إبطال عقيدة المشركين بتعدد الآلهة وبإنكار الحشر.

وقد انتظم أن يفرع على هذه الصفات الثلاث الطلب الجازم بالإيمان بهذا الرسول في قوله: ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأُمي ﴾ والمقصود طلب الإيمان بالنبي الأمي؛ لأنه الذي سِيق الكلام لأجله، ولكن لما صُدّر الأمر بخطاب جميع البشر وكان فيهم من لا يؤمن بالله، وفيهم من يؤمن بالله ولا يؤمن بالنبي الأمّي، جُمع بين الإيمان بالله والإيمان بالنبي الأمي في طلب واحد، ليكون هذا الطلب متوجهاً للفرَق كلهم، ليجمعوا في إيمانهم بين الإيمان بالله والنبي الأمي، مع قضاء حق التأدب مع الله بجعل الإيمان به مقدماً على طلب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم للإشارة إلى أن الإيمان بالرسول إنما هو لأجل الإيمان بالله، على نحو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ﴾ [النساء: 150]، وهذا الأسلوب نظير قوله تعالى: ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروح منه، فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ﴾ [النساء: 171] فإنهم آمنوا بالله ورُسله، وإنما المقصود زيادة النهي عن اعتقاد التثليث، وهو المقصود من سياق الكلام.

والإيمان بالله الإيمانُ بأعظم صفاته وهي الإلهية المتضمن إياها اسم الذات، والإيمان بالرسول الإيمانُ بأخص صفاته وهو الرسالة، وذلك معلوم من إناطة الإيمان بوصف الرسول دون اسمه العلم.

وفي قوله: ﴿ ورسوله النبي الأمي ﴾ التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة لقصد إعلان تحقق الصفة الموعود بها في التوراة في شخص محمد صلى الله عليه وسلم ووصف النبي الأمي بالذي يؤمن بالله وكلماته، بطريق الموصولية للإيماء إلى وجه الأمر بالإيمان بالرسول، وإنه لا معذرة لمن لا يؤمن به من أهل الكتاب، لأن هذا الرسول يؤمن بالله وبكلمات الله، فقد اندرج في الإيمان به الإيمان بسائِر الأديان الإلهية الحق، وهذا نظير قوله تعالى، في تفضيل المسلمين: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ [آل عمران: 119] وتقدم معنى الأمي قريباً.

وكلمات جمع كلمة بمعنى الكلام مثل قوله تعالى: ﴿ كلاّ إنها كلمة هو قائِلها ﴾ [المؤمنون: 100] أي قولُه: ﴿ رببِ ارْجِعُون لعليِّ أعْمل صالحاً فيما تركت ﴾ [المؤمنون: 99، 100].

فكلمات الله تشمل كتبه ووحيه للرسل، وأوِثر هنا التعبير بكلماته، دون كتبه، لأن المقصود الإيماء إلى إيمان الرسول عليه الصلاة والسلام بأن عيسى كلمة الله، أي أثَرُ كلمته، وهي أمر التكوين، إذ كان تكّون عيسى عن غير سبب التكون المعتاد بل كان تكونه بقول الله ﴿ كُن ﴾ كما قال تعالى: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كُن فيكون ﴾ [آل عمران: 59]، فاقتضى أن الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمن بعيسى، أي بكونه رسولاً من الله، وذلك قطع لمعْذرة النصارى في التردد في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واقتضى أن الرسول يؤمن بأن عيسى كلمة الله، وليس ابن الله، وفي ذلك بيان للإيمان الحق، ورد على اليهود فيما نسبوه إليه، ورد على النصارى فيما غَلْوا فيه.

والقول في معنى الاتّباع تقدم، وكذلك القول في نحو ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ فَإنْ قِيلَ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ في اليَهُودِ مَن هم عَلى حَقٍّ.

الجَوابُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِالحَقِّ في وقْتِ ضَلالَتِهِمْ بِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ، ولا يَدُلُّ هَذا عَلى اسْتِدامَةِ حالِهِ عَلى الأبَدِ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ وراءَ الصِّينِ لَمْ تَبْلُغْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم مَن آمَنَ بِالنَّبِيِّ  مِثْلُ ابْنِ سَلامٍ وابْنِ صُورِيا وغَيْرِهِما، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود فقال: ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فاغضب أبو بكر عمر، فانصرف عمر عنه مغضباً.

فأتبعه أبو بكر فسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلَّم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصَّ الخبر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هل أنتم تاركو لي صاحبي، إني قلت ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ فقلتم: كذبت.

وقال أبو بكر: صدقت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يؤمن بالله وكلمته ﴾ قال: عيسى.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ يؤمن بالله وكلماته ﴾ على الجماع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ﴾ تفسيره قوله صلى الله عليه وسلم: «وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» فإعراب جميعاً حال من الضمير في إليكم ﴿ الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض ﴾ نعت لله أو منصوب على المدح بإضمار فعل أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿ يُؤْمِنُ بالله وكلماته ﴾ هي التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء ﴿ وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ ﴾ هم الذين ثبتوا حين تزلزل غيرهم في عصر موسى أو الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في عصره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عذابي أصيب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أصارهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون على التوحيد.

الوقوف ﴿ لميقاتنا ﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿ وإياي ﴾ ط ﴿ منا ﴾ ج لتصدر "ان" النافية مع اتحاد القائل ﴿ فتنتك ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ ط ﴿ الغافرين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ من أشاء ﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿ كل شيء ﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿ يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿ الإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ يأمرهم ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿ مكتوباً ﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿ كانت عليهم ﴾ ط ﴿ أنزل معه ﴾ لا لأن ما بعده خبر "فالذين".

﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ ويميت ﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة.

﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ومن هنا سمي فعل الحيوان فعلاً اختيارياً، وذلك أن صدور الفعل عن الحيوان موقوف على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً له من تركه.

قال النحويون: أصله واختار موسى من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، فمن الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ثم يتسع فيحذف الحرف.

من ذلك قولهم: اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً.

وكذا استغفرت الله من ذنبي واستغفرته ذنبي.

وجوّز بعضهم في الآية أنيراد بالقوم المعتبرون منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم فيكون مفعولاً أوّل من غير واسطة ويكون ﴿ سبعين ﴾ بدلاً أو بياناً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع.

وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخاً فأوحى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً.

وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سينا لميقات ربه.

وللمفسرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام والرؤية أم غيره؟

الذاهبون إلى الأوّل قالوا: إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية.

والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مر في البقرة في تفسير قوله ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك ﴾ وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل، ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل.

واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه  ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة، فظاهر الحال يتقضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك القصة وإلا انخرم التناسب.

عن علي  أن موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل فنام هارون فتوفاه الله  ، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا إنه قتل هارون فاختار من قومه سبعين فذهبوا إلى هارون فأحياه الله  فقال: ما قتلني أحد فأخذتهم الرجفة هنالك.

قيل: كانت موتاً.

وقيل أخذتهم الرعدة حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم فخاف موسى عليهم الموت فدعا الله  وقال ﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ﴾ قال في الكشاف: هذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله لأهلكني قبل هذا ﴿ أتهلكنا ﴾ جميعاً يعني نفسه وإياهم ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ قال أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله  أهلك قوماً بذنوب غيره، فهذا الاستفهام بمعنى الجحد أراد أنك لا تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يخدمك تريد أنك لا تفعل ذلك، وقال المبرد: إنه استفهام استعطاف أي لا تهلكنا.

قيل: لو كان تسفيههم لقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ ناسب أن يقال: أتهلكنا بما قاله السفهاء.

فإذن التسفيه لفعل صدر عنهم كعبادة العجل أو غيرها، ومنه يعلم أن هذا الميقات غير ميقات طلب الرؤية ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ الضمير يعود إلى الفتنة أي كما تقول إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند قاله الواحدي.

ولعله يعود إلى مقدر ذهني والمعنى أن الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك ابتلاءك ومحنتك حين كلمتني وسمعوا كلامك أو حين أسمعتهم صوت العجل ﴿ تضل بها ﴾ أي بالفتنة من تشاء فيفتتن ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ فيثبت على الحق.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة ظاهرة على مذهبنا أن الإضلال والهداية من الله  .

وقالت المعتزلة: إنمحنته لما كانت سببباً لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أو الضمر يعود إلى الرجفة أي ﴿ تضل ﴾ على الجنة بسبب عدم الصبر على تلك الرجفة، أو لعدم الإيمان بأنها من عندك ﴿ من تشاء وتهدي ﴾ إلى الجنة بها الأضداد ما قلنا ﴿ من تشاء ﴾ أو المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بالرجفة وتصرفها عمن تشاء ﴿ أنت ولينا ﴾ يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر إلا أنت ﴿ فاغفر لنا وارحمنا ﴾ قيل: تذكر أن قوله ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ جراءة عظيمة فأشرك نفسه مع قومه في طلب المغفرة والرحمة ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ لأن غفرانك غير متوقف على جلب نفع أو دفع ضر بل لمحض الفضل والكرم.

﴿ واكتب ﴾ أوجب ﴿ لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة  ﴾ وقد فسرنا في سورة البقرة.

واعلم أن كونه  ولياً للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته.

وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء.

فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله ﴿ إنَّا هدنا إليك ﴾ قال أهل اللغة: النهود التوبة أي تبنا ورجعنا.

وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين ﴿ قال ﴾ الله  في جواب موسى ﴿ عذابي ﴾ من حالة وصفته أني ﴿ أصيب به من أشاء ﴾ إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي.

وقالت المعتزلة: أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة.

وقرأ الحسن ﴿ من أساء ﴾ من الإساءة ﴿ ورحمتي ﴾ من شأنها أنها ﴿ وسعت كل شيء ﴾ قالت الأشاعرة: هذا من العام الذي أريد به الخاص.

وقال أكثر المحققين: إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته.

وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ وقيل: الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته.

وقيل: الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب.

وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله  للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة.

واعلم أن تكاليف الله  كثيرة ولكنها محصورة في نوعين: التروك والأفعال.

فقوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ إشارة إلى التروك.

التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ وإما غيره وذلك قوله ﴿ والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً.

ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره.

وصف محمداً  في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة.

الثانية النبوة.

فإن قيل: النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟

قلت: لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر.

ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً.

الثالثة.

كونه أمياً.

قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب.

قال صلى الله عليه وآله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" .

وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة.

وكان هذا من جملة معجزاب نبينا  وبيانه من وجوه: الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل.

والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون  ﴾ الثالث: أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه.

ثم إن الله  آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين.

الصفة الرابعة ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل.

ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله ﴿ والإنجيل ﴾ أنهم يجدون نعته مكتوباً عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك.

الخامسة والسادسة ﴿ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ﴾ وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في قوله  : "ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله" فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها.

السابعة ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ قيل: أي ما يستطاب طبعاً لأن تناول ذلك يفيد لذة.

وقيل: يعني الأشياء التي حكم الله  بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل: ويحل المحللات وهو تكرار.

ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات.

وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعاً وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل.

وقيل: يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها.

الثامنة ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: الميتة والدم ونحوهما من المحرمات.

وقيل: كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل.

التاسعة ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة.

وكذا الأغلال التي كانت علهيم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب.

وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله  أغلالاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل.

عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة.

فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما قال  : "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة.

ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ قال ابن عباس: يعني من اليهود والأولى حمله على العموم ﴿ وعزروه ﴾ وقروه وعظموه.

قال في الكشاف: وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح.

فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله ﴿ ونصروه ﴾ فرق كبير ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه ﴾ وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق بـ ﴿ اتبعوا ﴾ أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه  لما قال ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان، ثم أراد أن يحقق عموم رسالته إلى المكلفين فقال ﴿ قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ وانتصابه على الحال من ﴿ إليكم ﴾ وفيه دليل على أن محمداً صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الخلق كافة خلافاً لطائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أتباع عيسى الأصفهاني، زعموا أن محمداً  رسول صادق لكنه مبعوث إلى العرب خاصة وفساده ظاهر لأنه من المعلوم بالتواتر من دينه أنه كان يدعي عموم الرسالة فإن كان رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم.

وزعم بعض العلماء أنه عام دخله التخصيص لأنه غير مبعوث إلى غير المكلفين بقوله:  : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وأيضاً يمكن وجود قوم في طرف من أطراف العمارة لم يصل إليهم خبر وجوده فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوّته.

والجواب أن رفع القلم عن الأصناف الثلاثة أيضاً حكم عليهم بهذا الاعتبار يدخلون تحت الخطاب وإن وجود قوم كما زعمتم من المستبعدات فلا يستحق الالتفات إليه.

قال بعض الأكابر: إن الآية وإن دلت على أنه  مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء ما كان مبعوثاً إلى كلهم.

وقد تمسك جمع من العلماء بالحديث المشهور: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وختم بي النبيون" ورد بأن مجموع هذه الأمور من خواصه لا كل واحد واحد، وبأن آدم بعث إلى كل أولاده في ذلك الزمان فيكون مبعوثاً إلى كل الناس وقتئذ.

ولا يخفى ضعف هذا الرد لأنا نعلم من دين محمد أنه خاتم النبيين وحده في رواية أخرى: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وإذا كان بعض هذه الأمور من خواصه لزم أن يكون كل واحد منها كذلك.

وأيضاً أن آدم لم يكن مبعوثاً إلى حواء لأنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ولا تقرباً.

ثم لما أمر رسول الله بأن يقول للناس أني رسول الله إليكم أتبعه ذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى وأنها لا تتم إلا بتقرير أصول أربعة: أوّلها إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً وأشار إليه بقوله ﴿ الذي له ملك السموات والأرض ﴾ إذ لو لم يكن للعالم مؤثر موجب بالذات لا فاعل بالاختيار لم يمكن القول ببعثة الرسول.

ومحل ﴿ الذي ﴾ نصب أو رفع على المدح أو جر بدلاً أو وصفاً لله.

وثانيها أن إله العالم واحد وذلك قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لو فرض إلهان لم يكن عبادة أحدهما أولى من عبادة الآخر.

وثالثها أنه تعالى قادر على الخير والشر والبعث والحساب كما قال ﴿ يحيى ويميت ﴾ وإنما لم يوسط العاطف بين هذه الجمل لأن كل واحد منها مبينة لما قبلها، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت أصل رابع وهو أنه يصح من الله  إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف.

أما بالأصل الأوّل والثاني فلأنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ولا سيما إذا كان فرداً منزهاً عن الشريك والنظير مستقلاً بالأمر والنهي.

وأما الأصل الثالث فلأنه يحسن من القادر تكليف المكلف بنوع من طاعته إيصالاً له إلى الجزاء إلى لذة الجزاء، فإن تحصيل لذة الأجر بدون كونه أجر ممتنع وأشار إلى هذا الأصل الرابع بقوله ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ﴾ اقتصر من الصفات المذكورة ههنا على الأمية لأنها أجل الأوصاف وأدلها على حقيته، وذلك أنه لم يتفق له مطالعة كتاب ولا مصاحبة معلم لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب عنها رسول الله  غيبة طويلة يمكن التعلم فيها ومع ذلك فتح الله عليه أبواب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأوّلين والآخرين فليس ذلك إلا بتأييد سماوي وفيض إلهي.

ثم وصفه بقوله ﴿ الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ لأن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممن آمن بالله وبكتبه.

وإنما لم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قول ﴿ إني رسول الله ﴾ بل عدل إلى المظهر ليمكن أن يجري عليه الصفات المذكورة.

ولما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً من كان، أنا أو غيري إظهاراً للنصفة واحترازاً عن العصبية.

واعلم أن الكمالات إما نظرية وأشار إليها بقوله ﴿ فآمنوا بالله ﴾ وإما عملية وإليها الإشارة بقوله ﴿ واتبعوه ﴾ والأولى إشارة إلى التكاليف المستفادة من أقواله، والثانية إشارة إلى المستفادة من أفعاله، فإن كل فعل يصدر عنه وقد واضب عليه فلا بد أن يكون جانب فعله ذلك الفعل جانب فعله راجحاً على تركه.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب فيجب علينا اتباعه وإن كان ذلك مندوباً له إلا أن يدل دليل منفصل على أن ذلك الفعل من خصائصه.

ومعنى الترجي في ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ قد مر في نظائره ولا سيما في أوّل البقرة في قوله ﴿ لعلكم تتقون  ﴾ ثم لما ذكر الرسول وأنه يجب على الخلق متابعته ذكر أن في قوم موسى من اتبع الحق وهدي إليه فقال ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ أي يهدون الناس بكلمة الحق ﴿ وبه ﴾ أي بالحق ﴿ يعدلون ﴾ بينهم في الحكم لا يجورون.

وهذه الآية متى حصلت في أي زمان كانت؟

اختلف المفسرون في ذلك.

فقيل: هم اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كعبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما.

ولفظ الأمة قد يطلق على القليل إذا كان لهم شأن كما أطلق على الواحد في قوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ وقيل: إنهم قوم ثبتوا على دين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين.

ثم من المفسرين من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن بناء على أن خبر نبينا لم يصل إليهم فهم معذورون، ومنهم من استبعد عدم وصول الخبر إليهم مع أن خبر هذه الشريعة طار في كل أفق وتغلغل في كل نفق فقال: إنهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.

وروي عن النبي  أن جبرائيل ذهب به  ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبرائيل: هل تعرفون من تكلمون؟

قالوا: لا.

قال: هذا محمد  النبي الأمي فآمنوا به.

وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فرد محمد على موسى  ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت والله أعلم.

التأويل: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ المختار من الخلق من اختاره الله  ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة  ﴾ فالذي اختاره الله كان مثل موسى ﴿ وأنا اخترتك  ﴾ .

والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة.

وههنا نكتة هي أن قلب موسى  لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك ﴾ قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهاراً فأخذتهم الصاعقة.

فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة.

ولما كان موسى  ثابتاً في مقام التوحيد كان ينظر بنور الواحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً لهم فقال ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ تزيع بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف.

﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ﴾ الرؤية كما كتبت لمحمد  ﴿ فسأكتبها ﴾ يعني حسنة الرؤية والرحمة ﴿ للذين يتقون ﴾ بالله عن غيره ﴿ ويؤتون ﴾ عن نصاب هذا المقام ﴿ الزكاة ﴾ إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون، وفي قوله ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ﴾ إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما قال  : "أول ما خلق الله روحي" .

وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون.

فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ﴾ فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يُؤوَّل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال صلى الله عليه وآله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" وأما اتباعه في مقام أمبته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته ﴿ مكتوباً عندهم ﴾ بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق ﴿ يأمرهم بالمعروف ﴾ وهو طلب الحق ﴿ وينهاهم عن المنكر ﴾ طلب ما سواه ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ الدنيا وما فيها ﴿ ويضع عنهم أصرهم ﴾ أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله: "الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم" فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام.

فقد وضع النبي  هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ فالذين آمنوا به وعزروه ﴾ وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة ﴿ واتبعوا ﴾ نور الوحدة الذي ﴿ أنزل معه ﴾ له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية.

وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى ﴿ وبه يعدلون ﴾ في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب بـ ﴿ لن تراني ﴾ وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين وقال في حقهم: "كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق" فلهذا دعا موسى  : اللهم اجعلني من أمة محمد  شوقاً إلى لقاء ربه فافهم جداً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ﴾ .

فيه دلالة أن رسول الله  كان مبعوثاً إلى الناس كافة، وكذلك روي أنه  قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" ، وسائر الأنبياء بعثوا إلى أقوام خاصة، وإلى البلدان والقرى المعروفة المحدودة.

وفيه أنه لما خاطبه أن يقول للناس: ﴿ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ أنه لا سبيل له إلى أن يخاطب الناس والخلق جميعاً فيقول: ﴿ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ﴾ ، ولكن إنما يكون ببعث الرسل إليهم، فينزل قول الرسول أنه رسول الله إليكم منزلة قول نفسه: ﴿ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، فانتشر ذكره بتبليغ الرسل إليهم، كأنه هو بلغ ذلك وقال لهم: ﴿ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، أو أن الله - عز وجل - سخر الخلق حتى بلغ بعضهم بعضاً رسالته، حتى فشا خبره، وانتشر ذكره في جميع آفاق الأرض شرقاً وغرباً، وذلك من عظيم آيات نبوته ورسالته.

ثم بيَّن أنه رسول مَنْ فقال: رسول ﴿ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ ، وذكر تخصيص السماوات والأرض وإن كان له ملك الكل؛ لما هما النهاية في ملك البشر [عند البشر].

أو ذكر هذا؛ ليعلموا أن من في السماوات والأرض له عبيده وإماؤه.

أو ذكر هذا؛ ليعلموا أن التدبير فيهما جميعاً لواحد؛ حيث اتصلت منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ذكر هذا؛ لأن العرب سمت كل معبود إلهاً، وهم كانوا يعبدون الأصنام دونه ويسمونها آلهة، فنفى الألوهية عمن يعبدونهم دونه، وأثبتها له، وأخبر أنه هو المستحق لاسم الألوهية والعبادة لا غيره؛ لأنه يحيي ويميت، ومن يعبدون دونه لا يملك الإحياء ولا الإماتة، وذكر [هذا] - والله أعلم - الحياة والموت؛ لأنه ليس [شيء] ألذ وأشهى في الشاهد من الحياة، ولا أمر ولا أشد من الموت؛ ليرغبوا في ألذ ما غاب عنهم، وينفروا عن الأمر والأكره مما غاب عنهم، والله أعلم.

أو ذكر أنه يحيي ويميت؛ ليدل أنه فعل واحد، لا عدد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ .

كان  هو السابق إلى كل خير؛ فعلى ذلك دعا الخلق [إليه]؛ كقوله: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك إنما أمر بالإيمان [به] بعد ما آمن هو.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ ﴾ أي: آمن رسول الله بالله وكلماته التي كانت في الكتب الماضية، فأخبر بها على ما في كتبهم؛ ليعرفوا أنه إنما عرفها بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلِمَاتِهِ ﴾ اختلف فيه؛ قال عامة أهل التأويل: كلماته: القرآن.

وذكر في بعض القراءات: "وكلمته" بلا ألف، فصرف التأويل إلى عيسى؛ كأنه قال: آمنوا بالله وبمحمد وبعيسى.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَكَلِمَاتِهِ ﴾ ما أعطاه من الحلال، والحرام، والأمر، والنهي، والحكمة، والأحكام التي أمر بها وشرعها لنا، على ما ذكر في إبراهيم أنه ابتلاه بكلمات فأتمهن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .

قد ذكرنا الاتباع له، فإذا اتبعوه اهتدوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعًا، عربكم وعجمكم، الذي له وحده ملك السماوات، وله ملك الأرض، لا معبود بحق غيره سبحانه، يُحْيي الموتى، ويميت الأحياء، فآمنوا -أيها الناس- بالله، وآمنوا بمحمدٍ  رسوله النبي الذي لا يقرأ ولا يَكتب، وإنما جاء بوحي يوحيه إليه ربه، الذي يؤمن بالله، ويؤمن بما أنزِل إليه وما أنزِل على النبيين من قبله دون تفريق، واتَّبِعوه فيما جاء به من ربه؛ رجاء أن تهتدوا إلى ما فيه مصلحتكم في الدنيا والآخرة.

ولمَّا ذكر الله ما ذكر عن بني إسرائيل من عبادة العجل ذكر سبحانه أن منهم أمة مخالفة لما عليه الذين عبدوا العجل، فقال: <div class="verse-tafsir" id="91.Kx4b5"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله