الآية ١٥٩ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٥٩ من سورة الأعراف

وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ١٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٩ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن بني إسرائيل أن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به ، كما قال تعالى : ( من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) [ آل عمران : 113 ] ، وقال تعالى : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) [ آل عمران : 199 ] ، وقال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا [ ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ] ) [ القصص : 52 - 54 ] ، وقال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) الآية [ البقرة : 121 ] ، وقال تعالى : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) [ الإسراء : 107 - 109 ] وقد ذكر ابن جرير في تفسيرها خبرا عجيبا ، فقال : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قوله : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) قال : بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم ، وكفروا - وكانوا اثني عشر سبطا - تبرأ سبط منهم مما صنعوا ، واعتذروا ، وسألوا الله ، عز وجل ، أن يفرق بينهم وبينهم ، ففتح الله لهم نفقا في الأرض ، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ، فهم هنالك حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا .

قال ابن جريج : قال ابن عباس : فذلك قوله : ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ) [ الإسراء : 104 ] و " وعد الآخرة " : عيسى ابن مريم - قال ابن جريج : قال ابن عباس : ساروا في السرب سنة ونصفا .

وقال ابن عيينة ، عن صدقة أبي الهذيل ، عن السدي : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) قال : قوم بينكم وبينهم نهر من شهد

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ومن قوم موسى "، يعني بني إسرائيل= " أمة "، يقول: جماعة (38) = " يهدون بالحق "، يقول: يهتدون بالحق، أي يستقيمون عليه ويعملون (39) " وبه يعدلون "، أي: وبالحق يعطُون ويأخذون, ويُنصفون من أنفسهم فلا يجورون.

(40) * * * وقد قال في صفة هذه الأمة التي ذكرها الله في الآية، جماعةٌ أقوالا نحن ذاكرو ما حضَرنا منها.

15250- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن صدقة أبي الهذيل, عن السدي: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "، قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شُهْدِ.

(41) 15251- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "، قال: بلغني أن بني إسرائيل لمّا قتلوا أنبياءَهم، كفروا.

وكانوا اثني عشر سبطًا, تبرّأ سبطٌ منهم مما صنعوا, واعتذروا, وسألوا الله أن يفرِّق بينهم وبينهم, ففتح الله لهم نَفَقًا في الأرض, فساروا فيه حتى خرجُوا من وراء الصين, فهم هنالك، حُنَفاء مسلمُون يستقبلون قبلتنا= قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [سورة الإسراء: 104].

و وَعْدُ الآخِرَةِ ، عيسى ابن مريم، يخرجون معه= قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَب سنة ونصفًا.

(42) -------------------- الهوامش : (38) (1) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف 12 : 415 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(39) (2) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .

(40) (3) انظر تفسير (( العدل )) فيما سلف 6 : 51 ، وفهارس اللغة ( عدل ) .

(41) (1) الأثر : : 15250 - (( صدقة أبي الهذيل )) ، ترجم له البخاري في الكبير 2/2/295 ، ولم يزد على أن قال : (( عن السدي ، روى عنه ابن عيينة )) ، ولم يذكر فيه جرحاً .

وذكره في التهذيب وقال : (( صدقة أبو الهذيل ، تقدم ذكره في ترجمة : صدقة بن أبي عمران )) ، ولكن سقط من نسخة التهذيب ترجمة (( صدقة بن أبي عمران )) ، فلم يرد له ذكر في الكتاب .

وأما ابن أبي حاتم ، فلم يذكره في كتابه ، لا في ترجمة خاصة ، ولا في ترجمة (( صدقة بن أبي عمران )) ، ولكن كلام ابن حجر في التهذيب قد يوهم أنهما شخص واحد ، ولكن الراجح أنهما رجلان ، لأن البخاري ترجم له ، ففرق بينهما .

وقوله (( نهر من شهد )) يعنى : نهراً من عسل من أنهار الجنة التي قال الله تعالى في سورة محمد : 15 { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى } وبهذا اللفظ ( شهد ) ، ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 573 .

وفي الدر المنثور 1 : 136 : (( وبينهم نهر من سهل - يعني من رمل - يجري )) ، ثم جاء الألوسى في تفسير الآية ( 9 : 75 ) فنقل ذلك هكذا : (( وبينهم نهر من رمل يجري )) ثم قال : (( وضعف هذه الحكاية ابن الخازن ، وأنا لا أراها شيئا ، ولا أظنك تجد لها سنداً يعول عليه ولو ابتغيت نفقاً في الأرض أو سلماً إلى السماء )) .

ونقل الألوسى نقل من المعنى الذي ذكره السيوطي (( سهل )) - يعني من رمل )) ، وهو فاسد جداً والصواب أن (( سهل )) ، محرف عن (( شهد )) ، وهو الصواب إن شاء الله .

هذا تحرير نص الخبر وتأويله ، وأما صحته أو ضعفه فهما بمعزل من تصحيح نصه ، ومثل هذا الخبر والذي يليه ، لا يؤخذ به إلا بحجة قاطعة يجب التسليم لها .

ولا حجة في رواية موقوفة على السدي .

(42) (1) الأثر : 15251 - هذا الخبر ، لم يروه أبو جعفر في تفسير آية سورة الإسراء ، وهذا ضرب من اختصاره لتفسيره ، وربما دل ذلك على ضعف الخبر عنده ، لأنه لو صح عنه لذكره في تفسير قوله تعالى : (( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَة)) ، أنه عيسى ابن مريم عليه السلام .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

[ ص: 271 ] قوله تعالى ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون أي يدعون الناس إلى الهداية .

و يعدلون معناه في الحكم .

وفي التفسير : إن هؤلاء قوم من وراء الصين ، من وراء نهر الرمل ، يعبدون الله بالحق والعدل ، آمنوا بمحمد وتركوا السبت ، يستقبلون قبلتنا ، لا يصل إلينا منهم أحد ، ولا منا إليهم أحد .

فروي أنه لما وقع الاختلاف بعد موسى كانت منهم أمة يهدون بالحق ، ولم يقدروا أن يكونوا بين ظهراني بني إسرائيل حتى أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه في عزلة من الخلق ، فصار لهم سرب في الأرض ، فمشوا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين ; فهم على الحق إلى الآن .

وبين الناس وبينهم بحر لا يوصل إليهم بسببه .

ذهب جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليلة المعراج فآمنوا به وعلمهم سورا من القرآن وقال لهم : هل لكم مكيال وميزان ؟

قالوا : لا ، قال : فمن أين معاشكم ؟

قالوا : نخرج إلى البرية فنزرع ، فإذا حصدنا وضعناه هناك ، فإذا احتاج أحدنا إليه يأخذ حاجته .

قال : فأين نساؤكم ؟

قالوا : في ناحية منا ، فإذا احتاج أحدنا لزوجته صار إليها في وقت الحاجة .

قال : فيكذب أحدكم في حديثه ؟

قالوا : لو فعل ذلك أحدنا أخذته لظى ، إن النار تنزل فتحرقه .

قال : فما بال بيوتكم مستوية ؟

قالوا لئلا يعلو بعضنا على بعض .

قال : فما بال قبوركم على أبوابكم ؟

قالوا : لئلا نغفل عن ذكر الموت .

ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا ليلة الإسراء أنزل عليه : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون يعني أمة محمد عليه السلام .

يعلمه أن الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك .

وقيل : هم الذين آمنوا بنبينا محمد عليه السلام من أهل الكتاب .

وقيل : هم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه ، ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ أي: جماعة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي: يهدون به الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدلون به بينهم في الحكم بينهم، بقضاياهم، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ وفي هذا فضيلة لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأن اللّه تعالى جعل منهم هداة يهدون بأمره.

وكأن الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوع احتراز مما تقدم، فإنه تعالى ذكر فيما تقدم جملة من معايب بني إسرائيل، المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهم متوهم أن هذا يعم جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ومن قوم موسى ) يعني : بني إسرائيل ( أمة ) أي : جماعة ، ( يهدون بالحق ) أي : يرشدون ويدعون إلى الحق .

وقيل : معناه يهتدون ويستقيمون عليه ، ( وبه يعدلون ) أي : بالحق يحكمون وبالعدل يقومون .

قال الكلبي والضحاك والربيع : هم قوم خلف الصين ، بأقصى الشرق على نهر يجري الرمل يسمى نهر أوداف ، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه ، يمطرون بالليل ويصحون بالنهار ، ويزرعون حتى لا يصل إليهم منا أحد ، وهم على الحق .

وذكر : أن جبرائيل عليه السلام ذهب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به ، فكلمهم فقال لهم جبريل : هل تعرفون من تكلمون؟

قالوا : لا فقال لهم : هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به فقالوا : يا رسول الله إن موسى عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منا السلام ، فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - على موسى وعليهم ، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن أنزلت بمكة ، وأمرهم بالصلاة والزكاة ، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ، وكانوا يسبتون ، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت .

وقيل : هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والأول أصح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن قوم موسى أمَّةٌ» جماعة «يهدون» الناس «بالحق وبه يعدلون» في الحكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومِن بني إسرائيل من قوم موسى جماعة يستقيمون على الحق، يهدون الناس به، ويعدلون به في الحكم في قضاياهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين القرآن الكريم أن قوم موسى لم يكونوا جميعا ضالين .

وإنما كان فيهم الأخيار وفيهم الأشرار فقال - تعالى - : ( وَمِن قَوْمِ .

.

.

) .أى : ومن قوم موسى جماعة عظيمة يهدون الناس بالحق الذى جاءهم به من عند الله ، وبالحق - أيضاً - يسيرون فى أحكامهم فلا يجورون ، ولا يرتشون ، وإنما يعدلون فى كل شئونهم .والمراد بهم أناس كانوا على خير وصلاح فى عهد موسى - عليه السلام ، مخالفين لأولئك السفهاء من قومه .وقيل المراد بهم من آمن بالنبى صلى الله عليه وسلم عند بعثته .وهذا لون من ألوان عدالة القرآن فى أحكامه ، وإنصافه لمن يستحق الانصاف من الناس .إنه لا يسوق أحكامه معممة بحيث يندرج تحتها الصالح والطالح بدون تمييز ، كلا وإنما القرآن يسوق أحكامه بإنصاف واحتراس ، فهو يحكم للصالحين بما يستحقونه ، وتلك هى العدالة التى ما أحوج الناس فى كل زمان ومكان إلى السير على طريقها ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :( لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) وقوله : ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً ) وقوله ( بالحق ) الباء للملابسة ، وهى مع مدخولها فى محل الحال من الواو فى يهدون .

أى : يهدون الناس حال كونهم ملتبسين بالحق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما وصف الرسول، وذكر أنه يجب على الخلق متابعته، ذكر أن من قوم موسى عليه السلام من اتبع الحق وهدى إليه، وبين أنهم جماعة، لأن لفظ الأمة ينبئ عن الكثرة، واختلفوا في أن هذه الأمة متى حصلت، وفي أي زمان كانت؟

فقيل هم اليهود الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، وأسلموا مثل عبد الله بن سلام، وابن صوريا والاعتراض عليه بأنهم كانوا قليلين في العدد، ولفظ الأمة يقتضي الكثرة، يمكن الجواب عنه بأنه لما كانوا مختلفين في الدين، جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً  ﴾ وقيل: إنهم قوم مشوا على الدين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما كفروا وقتلوا الأنبياء، بقي سبط في جملة الإثني عشر فما صنعوا وسألوا الله أن ينقذهم منهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ثم هؤلاء اختلفوا، منهم من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن ومنهم من قال إنهم الآن على دين محمد صلى الله عليه وسلم يستقبلون الكعبة، وتركوا السبت وتمسكوا بالجمعة، لا يتظالمون ولا يتحاسدون ولا يصل إليهم منا أحد ولا إلينا منهم أحد.

وقال بعض المحققين: هذا القول ضعيف لأنه إما أن يقال: وصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما وصل إليهم هذا الخبر.

فإن قلنا: وصل خبره إليهم، ثم إنهم أصروا على اليهودية فهم كفار، فكيف يجوز وصفهم بكونهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون؟

وإن قلنا بأنهم لم يصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا بعيد، لأنه لما وصل خبرهم إلينا، مع أن الدواعي لا تتوفر على نقل أخبارهم، فكيف يعقل أن لا يصل إليهم خبر محمد عليه الصلاة والسلام مع أن الدنيا قد امتلأت من خبره وذكره؟

فإن قالوا: أليس إن يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم؟

قلنا: هذا ممنوع، فمن أين عرف أنه لم يصل خبرنا إليهم، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ يَهْدُونَ بالحق ﴾ أي يدعون الناس إلى الهداية بالحق ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ قال الزجاج: العدل الحكم بالحق.

يقال: هو يقضي بالحق ويعدل؛ وهو حكم عادل، ومن ذلك قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ ﴾ هم المؤمنون التائبون من بني إسرائيل، لما ذكر الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا حتى أقدموا على العظيمتين عبادة العجل واستجازة رؤية الله تعالى، ذكر أنّ منهم أمة موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة ويرشدونهم.

وبالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون، أو أراد الذين وصفهم ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به من أعقابهم.

وقيل: إنّ بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين، وهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.

وذُكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟

قالوا: لا.

قال: هذا محمد النبي الأميّ، فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله، إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد، فليقرأ عليه مني السلام فردّ محمد على موسى عليهما السلام السلام، ثم أقرؤهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت» وعن مسروق.

قرئ: بين يدي عبد الله فقال رجل: إني منهم، فقال: عبد الله: يعني لمن كان في مجلسه من المؤمنين: وهل يزيد صلحاؤكم عليهم شيئاً من يهدي بالحق وبه يعدل، وقيل: لو كانوا في طرف من الدنيا متمسكين بشريعة ولم يبلغهم نسخها كانوا معذورين.

وهذا من باب الفرض والتقدير وإلاّ فقد طار الخبر بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى كل أفق، وتغلغل في كل نفق، ولم يبق الله أهل مدر ولا وبر ولا سهل ولا جبل ولا برّ ولا بحر في مشارق الأرض ومغاربها، وإلاّ وقد ألقاه إليهم وملأ به مسامعهم وألزمهم به الحجة وهو سائلهم عنه يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى ﴾ يَعْنِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ يَهْدُونَ النّاسَ مُحِقِّينَ أوْ بِكَلِمَةِ الحَقِّ.

﴿ وَبِهِ ﴾ بِالحَقِّ.

﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ بَيْنَهم في الحُكْمِ والمُرادُ بِها الثّابِتُونَ عَلى الإيمانِ القائِمُونَ بِالحَقِّ مِن أهْلِ زَمانِهِ، أتْبَعَ ذِكْرَهم ذِكْرُ أضْدادِهِمْ عَلى ما هو عادَةُ القُرْآنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَعارُضَ الخَيْرِ والشَّرِّ وتَزاحُمَ أهْلِ الحَقِّ والباطِلِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ.

وقِيلَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ.

وقِيلَ قَوْمٌ وراءَ الصِّينِ رَآهم رَسُولُ اللَّهِ  لَيْلَةَ المِعْراجِ فَآمَنُوا بِهِ.

﴿ وَقَطَّعْناهُمُ ﴾ وصَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَمَيِّزًا بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ.

﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعَ فَإنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى صَيَّرَ، أوْ حالٌ وتَأْنِيثُهُ لِلْحَمْلِ عَلى الأُمَّةِ أوِ القِطْعَةِ.

﴿ أسْباطًا ﴾ بَدَلٌ مِنهُ ولِذَلِكَ جُمِعَ، أوْ تَمْيِيزٌ لَهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً.

وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ وإسْكانِها.

﴿ أُمَمًا ﴾ عَلى الأوَّلِ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، أوْ نَعْتُ أسْباطٍ وعَلى الثّانِي بَدَلٌ مِن أسْباطٍ.

﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ ﴾ في التِّيهِ.

﴿ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ وحَذْفُهُ لِلْإيماءِ عَلى أنَّ مُوسى  لَمْ يَتَوَقَّفْ في الِامْتِثالِ، وأنَّ ضَرْبَهُ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الفِعْلُ في ذاتِهِ ﴿ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ ﴾ كُلُّ سِبْطٍ.

﴿ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ ﴾ لِيَقِيَهم حَرَّ الشَّمْسِ.

﴿ وَأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم كُلُوا.

﴿ مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ « البَقَرَةِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ومن قوم موسى أمّةٌ يهدون بالحقّ} أي يهدون الناس محقين أو بسبب الحق الذي هم عليه {وبه يعدلون} وبالحق يعدلون

الأعراف ١٥٢ ١٥٤ بينهم في الحكم لا يجورون قيل هم قوم وراء الصين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج أو هم عبد الله بن سلام واضرابه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِن قَوْمِ مُوسى ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ ﴿ أُمَّةٌ ﴾ جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿ يَهْدُونَ ﴾ النّاسَ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: مُحِقِّينَ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ بِكَلِمَةِ الحَقِّ عَلى أنَّ الباءَ لِلْآلَةِ والجارَّ لَغْوٌ، ﴿ وبِهِ ﴾ أيْ: بِالحَقِّ ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ في الأحْكامِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهم فَقِيلَ: أُناسٌ كانُوا كَذَلِكَ عَلى عَهْدِ مُوسى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِدَفْعِ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ كَتْبِ الرَّحْمَةِ والتَّقْوى والإيمانِ بِالآياتِ بِمُتَّبِعِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حِرْمانِ أسْلافِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كُلِّ خَيْرٍ وبَيانِ أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا كَما حُكِيَتْ أحْوالُهُمْ، بَلْ مِنهُمُ المَوْصُوفُونَ بِكَيْتَ وكَيْتَ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ.

واخْتارَ هَذا شَيْخُ الإسْلامِ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا لِقِسْمٍ آخَرَ مِنَ القَوْمِ مُقابِلٍ لِما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا ﴾ فِيهِ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ مِنَ القَوْمِ مَن لَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: أُناسٌ وُجِدُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، ورَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ أقْرَبُ الوُجُوهِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ﴾ إلَخْ.

ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَصْدَعَ بِما فِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْيَهُودِ وتَنْبِيهٌ عَلى افْتِرائِهِمْ فِيما يَزْعُمُونَهُ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إظْهارِ النَّصَفَةِ؛ وذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ ﴾ إلَخْ.

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَآمِنُوا ) إلَخْ.

عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ومِن قَوْمِ مُوسى ﴾ إلَخْ.

والمَعْنى أنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكَيْنا عَنْهم ما حَكَيْنا آمَنُوا وأنْصَفُوا مِن أنْفُسِهِمْ.

يَهْدُونَ النّاسَ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرَّسُولُ المَوْعُودُ ويَقُولُونَ لَهُمْ: هَذا الرَّسُولُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ويَعْدِلُونَ في الحُكْمِ لا يَجُورُونَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم ما أنْصَفُوا ولَبَّسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وكَتَمُوهُ وجارُوا في الأحْكامِ فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الفِرْقَةِ تَعْرِيضًا بِالأكْثَرِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِ مُوسى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانُوا قَلِيلِينَ، ولَفْظُ أُمَّتِهِ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وأيْضًا إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهم فِيما سَلَفَ، وأُجِيبَ بِأنَّ لَفْظَ الأُمَّةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ لا سِيَّما إذا كانَ لَهُ شَأْنٌ، بَلْ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إذا كانَ كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ وبِأنَّ ذِكْرَهم هُنا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ النُّكْتَةِ لا يَأْبى ذِكْرَهم فِيما سَلَفَ لِغَيْرِ تِلْكَ النُّكْتَةِ، وتَكْرارُ الشَّيْءِ الواحِدِ لِاخْتِلافِ الأغْراضِ سُنَّةٌ مَشْهُورَةٌ في الكِتابِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهم فِيما تَقَدَّمَ قَدْ وُصِفُوا بِما هو ظاهِرٌ في أنَّهم مُهْتَدُونَ، وهُنا قَدْ وُصِفُوا بِما هو ظاهِرٌ في أنَّهم هادُونَ، فَيَحْصُلُ مِنَ الذِّكْرَيْنِ أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالوَصْفَيْنِ.

نَعَمْ يَبْقى الكَلامُ في نُكْتَةِ الفَصْلِ ولَعَلَّها لا تَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وُجِدُوا بَيْنَ مُوسى ونَبِيِّنا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وهُمُ الآنَ مَوْجُودُونَ أيْضًا؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ، فَهم هُنالِكَ حُنَفاءُ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا ﴾ وفُسِّرَ وعْدُ الآخِرَةِ بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: إنَّهم سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ كَما رَوى أبُو الشَّيْخِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى مَعَهم نَهْرًا وجَعَلَ لَهم مِصْباحًا مِن نُورٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وأنَّ أرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها تَجْتَمِعُ فِيها الهَوامُّ والبَهائِمُ والسِّباعُ مُخْتَلِطِينَ، وأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتاهم لَيْلَةَ المِعْراجِ ومَعَهُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمَنُوا بِهِ وعَلَّمَهُمُ الصَّلاةَ.

وعَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ والرَّبِيعِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَّمَهُمُ الزَّكاةَ وعَشْرَ سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمَرَهم أنْ يُجْمِعُوا ويَتْرُكُوا السَّبْتَ، وأقْرَأهُ سَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَدَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ السَّلامَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: بَيْنَكم وبَيْنَهم نَهْرٌ مِن رَمْلٍ يَجْرِي، وضَعَّفَ هَذِهِ الحِكايَةَ ابْنُ الخازِنِ، وأنا لا أراها شَيْئًا، ولا أظُنُّكَ تَجِدُ لَها سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولَوِ ابْتَغَيْتَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ.

* * * (هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ): ﴿ قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي ﴾ دُونَ رُؤْيَتِي عَلى ما يَقُولُهُ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ.

﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ﴾ بِالتَّمْكِينِ.

﴿ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ في القِيامِ بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ الَّتِي لا مَقامَ أعْلى مِنها: لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي وبِالشُّكْرِ تَزْدادُ النِّعَمُ كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ.

﴿ وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ ﴾ أيْ: أظْهَرْنا نُقُوشَ اسْتِعْدادِهِ في ألْواحِ تَفاصِيلِ وُجُودِهِ مِنَ الرُّوحِ والقَلْبِ والعَقْلِ والفِكْرِ والخَيالِ، فَظَهَرَ فِيها ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ ﴾ أيْ: بِعَزْمٍ لِتَكُونَ مِن ذَوِيهِ.

﴿ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ أيْ: أكْثَرِها نَفْعًا، وهي العَزائِمُ.

﴿ سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ أيْ: عاقِبَةَ الَّذِينَ لا يَأْخُذُونَ بِذَلِكَ.

﴿ سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ في مَقامِ النَّفْسِ، فَيَكُونُ تَكَبُّرُهم حِجابًا لَهم عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا المُتَكَبِّرُونَ بِالحَقِّ وهُمُ الَّذِينَ فَنِيَتْ صِفاتُهم وظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ مَوْلاهم فَلَيْسُوا بِمَحْجُوبِينَ ولا يُعَدُّ تَكُبُّرُهم مَذْمُومًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ تَكَبُّرُهم حَقِيقَةً، وإنَّما حَظُّهم مِنهُ كَوْنُهم مَظْهَرًا لَهُ.

﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ ﴾ حَيْثُ حُجِبُوا بِصِفاتِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

حَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا تُقَرِّبُهم شَيْئًا.

﴿ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا ﴾ صَنَعَهُ لَهُمُ السّامِرِيُّ، وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ العِجْلَ، أوْ مِمَّنْ رَآهم فَوَقَعَ في قَلْبِهِ -لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ- حُبُّهُ، وأضْمَرَ عِبادَتَهُ، واخْتارَ صِياغَتَهُ مِن حُلِيِّهِمْ لِيَكُونَ مَيْلُهم إلَيْهِ أتَمَّ؛ لِأنَّ قَلْبَ الإنْسانِ يَمِيلُ حَيْثُ مالُهُ سِيَّما إذا كانَ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ عَبِيدُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ، وهُما العِجْلُ المَعْنَوِيُّ لَهُمْ، وإنْ لَمْ يَسْجُدُوا لَهُ، وأكْثَرُ الأقْوالِ أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ صارَ ذا لَحْمٍ ودَمٍ إلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ﴾ وفي كَلامِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ صارَ ذا رُوحٍ بِواسِطَةِ التُّرابِ الَّذِي وطِئَهُ الرُّوحُ الأمِينُ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهِ ذا لَحْمٍ ودَمٍ.

﴿ وألْقى الألْواحَ ﴾ أيْ: ذُهِلَ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ عَنْها وتَجافى عَنْ حُكْمِ ما فِيها ونِسْيانِ ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ الحِلْمِ مَثَلًا عِنْدَ الغَضَبِ مِمّا يَجِدُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن نَفْسِهِ.

﴿ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ ﴾ ظَنًّا أنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ.

﴿ قالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ ناداهُ بِذَلِكَ لِغَلَبَةِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ في الأنْفُسِ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُؤَوِّلِينَ أنَّ سامِرِيَّ الهَوى بَعْدَ تَوَجُّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّوحِ لِمِيقاتِ مُكالَمَةِ الحَقِّ اتَّخَذَ مِن حُلِيِّ زِينَةِ الدُّنْيا ورُعُوناتِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي اسْتَعارَها بَنُو إسْرائِيلَ صِفاتِ القَلْبَ مِن قِبْطِ صِفاتِ النَّفْسِ مَعْبُودًا يَتَعَجَّلُونَ إلَيْهِ لَهُ خُوارٌ يَدْعُونَ الخَلْقَ بِهِ إلى نَفْسِهِ.

﴿ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ ﴾ بِما يَنْفَعُهم.

﴿ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا ﴾ إلى الحَقِّ.

﴿ اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ ﴾ حَيْثُ عَدَلُوا عَنْ عِبادَةِ الحَقِّ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ في نَظَرِهِمْ، ﴿ ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ: نَدِمُوا عِنْدَ رُجُوعِ مُوسى الرُّوحِ قالُوا: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ بِجَذَباتِ العِنايَةِ، ﴿ ويَغْفِرْ لَنا ﴾ بِأنْ يَسْتُرَ صِفاتِنا بِصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ رَأْسَ مالِ هَذِهِ النَّشْأةِ وهو الِاسْتِعْدادُ.

﴿ ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ ﴾ وهُمُ الأوْصافُ الإنْسانِيَّةُ: ﴿ غَضْبانَ ﴾ مِمّا عَبَدَتْ صِفاتُ القَلْبِ عِجْلَ الدُّنْيا ﴿ أسِفًا ﴾ عَلى ما فاتَ لَها مِن عِبادَةِ الحَقِّ.

﴿ قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ حَيْثُ لَمْ تَسِيرُوا سَيْرِي.

﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى الفانِي مِن غَيْرِ أمْرِهِ تَعالى.

﴿ وألْقى الألْواحَ ﴾ أيْ: ما لاحَ لَهُ مِنَ اللَّوائِحِ الرَّبّانِيَّةِ عِنْدَ اسْتِيلاءِ الغَضَبِ الطَّبِيعِيِّ.

﴿ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ﴾ وهو القَلْبُ.

يَجُرُّهُ إلَيْهِ قَسْرًا، ﴿ قالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ ناداهُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ أخُوهُ مِن أبِيهِ؛ وهو عالَمُ الأمْرِ، وأُمِّهِ؛ وهو عالَمُ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُما في عالَمِ الخَلْقِ؛ ﴿ إنَّ القَوْمَ ﴾ أيْ: أوْصافَ البَشَرِيَّةِ.

﴿ اسْتَضْعَفُونِي ﴾ عِنْدَ غَيْبَتِكَ.

﴿ وكادُوا يَقْتُلُونَنِي ﴾ يُزِيلُونَ مِنِّي حَياةَ اسْتِعْدادِي بِالكُلِّيَّةِ.

﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ وهم - هُمْ، وهَذا ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الفَرْقِ، ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي ﴾ اسْتُرْ صِفاتِنا.

﴿ وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ ﴾ بِإفاضَةِ الصِّفاتِ الحَقَّةِ عَلَيْنا.

﴿ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ لِأنَّ كُلَّ رَحْمَةٍ فَهو شُعاعُ نُورِ رَحْمَتِكَ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ أيْ: عِجْلَ الدُّنْيا إلَهًا.

﴿ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ وهو عَذابُ الحِجابِ.

وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا بِاسْتِعْبادِ هَذا الفانِي المُدْنِي لَهم.

﴿ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيُثْبِتُونَ وُجُودًا لِما سِواهُ.

﴿ والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا ﴾ رَجَعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ بِمُجاهَدَةِ نُفُوسِهِمْ وإفْنائِهِمْ.

إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ فَيَسْتُرُ صِفاتِهِمْ.

رَحِيمٌ فَيَفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن صِفاتِهِمْ.

ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ الرَّبّانِيَّةَ، ﴿ وفِي نُسْخَتِها هُدًى ﴾ إرْشادٌ إلى الحَقِّ، ﴿ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ يَخافُونَ لِحُسْنِ اسْتِعْدادِهِمْ.

ويُقالُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا ﴾ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتارَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أشْرافِ قَوْمِهِ ونُجَبائِهِمْ أهْلِ الِاسْتِعْدادِ والصَّفاءِ والإرادَةِ والطَّلَبِ والسُّلُوكِ.

فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أيْ: رَجْفَةُ البَدَنِ الَّتِي هي مِن مَبادِي صَعْقَةِ الفَناءِ عِنْدَ طَرَيانِ بِوارِقِ الأنْوارِ وظُهُورِ طَوالِعِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ مِنَ اقْشِعْرارِ الجَسَدِ وارْتِعادِهِ، وكَثِيرًا ما تَعْرِضُ هَذِهِ الحَرَكَةُ لِلسّالِكِينَ عِنْدَ الذِّكْرِ أوْ سَماعِ القُرْآنِ أوْ ما يَتَأثَّرُونَ بِهِ حَتّى تَكادَ تَتَفَرَّقُ أعْضاؤُهُمْ، وقَدْ شاهَدْنا ذَلِكَ في الخالِدِينَ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ، ورُبَّما يَعْتَرِيهِمْ في صَلاتِهِمْ صِياحٌ مَعَهُ؛ فَمِنهم مَن يَسْتَأْنِفُ صَلاتَهُ لِذَلِكَ، ومِنهم مَن لا يَسْتَأْنِفُ، وقَدْ كَثُرَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ وسَمِعْتُ بَعْضَ المُنْكِرِينَ يَقُولُونَ: إنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ مَعَ الشُّعُورِ والعُقَلِ فَهي سُوءُ أدَبٍ ومُبْطِلَةٌ لِلصَّلاةِ قَطْعًا، وإنْ كانَتْ مَعَ عَدَمِ شُعُورٍ وزَوالِ عَقْلٍ فَهي ناقِضَةٌ لِلْوُضُوءِ ونَراهم لا يَتَوَضَّئُونَ، وأُجِيبَ بِأنَّها غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ مَعَ وُجُودِ العَقْلِ والشُّعُورِ، وهي كالعُطاسِ والسُّعالِ، ومِن هُنا لا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بَلْ ولا تَبْطُلُ الصَّلاةُ، وقَدْ نَصَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنَّ المُصَلِّيَ لَوْ غَلَبَهُ الضَّحِكُ في الصَّلاةِ لا تَبْطُلُ صَلاتُهُ ويُعْذَرُ بِذَلِكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَلْحَقَ ما يَحْصُلُ مِن آثارِ التَّجَلِّياتِ الغَيْرِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِما ذُكِرَ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ اخْتِيارِيٍّ كَوْنُهُ صادِرًا مِن غَيْرِ شُعُورٍ؛ فَإنَّ حَرَكَةَ المُرْتَعِشَ غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ مَعَ الشُّعُورِ بِها، وهو ظاهِرٌ فَلا مَعْنًى لِلْإنْكارِ.

نَعَمْ، كانَ حَضْرَةُ مَوْلانا الشَّيْخِ خالِدٍ قُدِّسَ سِرُّهُ يَأْمُرُ مَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ مِنَ المُرِيدِينَ بِالوُضُوءِ واسْتِئْنافِ الصَّلاةِ سَدًّا لِبابِ الإنْكارِ، والحَقُّ أنَّ ما يَعْتَرِي هَذِهِ الطّائِفَةَ غَيْرُ ناقِضٍ الوُضُوءَ لِعَدَمِ زَوالِ العَقْلِ مَعَهُ لَكِنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلاةِ لِما فِيهِ مِنَ الصِّياحِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ حَرْفانِ مَعَ أُمُورٍ تَأْباها الصَّلاةُ، ولا عُذْرَ لِمَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ إلّا إذا ابْتُلِيَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْلُ زَمَنٌ مِنَ الوَقْتِ يَسَعُ الصَّلاةَ بِدُونِهِ؛ فَإنَّهُ يُعْذَرُ حِينَئِذٍ ولا قَضاءَ عَلَيْهِ إذا ذَهَبَ مِنهُ ذَلِكَ الحالُ كَمَن بِهِ حَكَّةٌ لا يَصْبِرُ مَعَها عَلى عَدَمِ الحَكِّ.

وقَدْ نَصَّ الجَدُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ الحَضْرَمِيَّةِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في صُورَةٍ ابْتُلِيَ بِسُعالٍ مُزْمِنٍ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: فَرْعٌ: لَوِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وعَلِمَ مِن عادَتِهِ أنَّ الحَمّامَ يُسَكِّنُهُ عَنْهُ مُدَّةً تَسَعُ الصَّلاةَ وجَبَ عَلَيْهِ دُخُولُهُ، حَيْثُ وجَدَ أُجْرَةَ الحَمّامِ فاضِلَةً عَمّا يُعْتَبَرُ في الفِطْرَةِ، وإنْ فاتَتْهُ الجَماعَةُ وفَضِيلَةُ أوَّلِ الوَقْتِ.

انْتَهى.

نَعَمْ، ذَكَرَ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى في الفِعْلِ الكَثِيرِ المُبْطِلِ لِلصَّلاةِ وهو ثَلاثَةُ أفْعالٍ؛ أنَّهُ لَوِ ابْتُلِيَ بِحَرَكَةٍ اضْطِرارِيَّةٍ نَشَأ عَنْها عَمَلٌ كَثِيرٌ فَمَعْذُورٌ، وقالَ أيْضًا: إنَّهُ لا يَضُرُّ الصَّوْتُ الغَيْرُ المُشْتَمِلِ عَلى النُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ مِن أنْفٍ أوْ فَمٍ وإنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ هَمْهَمَةُ شَفَتَيِ الأخْرَسِ ولَوْ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وإنْ فَهِمَ الفَطِنُ كَلامًا أوْ قَصَدَ مُحاكاةَ بَعْضِ أصْواتِ الحَيَواناتِ إنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّلاعُبَ وإلّا بَطَلَتْ، ويَنْبَغِي التَّحَرِّي في هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ فَإنَّ حالَهم في ذَلِكَ مُتَفاوِتٌ، لَكِنَّ أكْثَرَ ما شاهَدْناهُ عَلى الطَّرْزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ.

﴿ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ﴾ وذَلِكَ مِن شِدَّةِ غَلَبَةِ الشَّوْقِ، و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي.

أتُهْلِكُنا بِعَذابِ الحِجابِ والحِرْمانِ؛ بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ.

إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ لا مَدْخَلَ فِيها لِغَيْرِكَ، وهَذا مُقْتَضى مَقامِ تَجَلِّي الأفْعالِ، فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَ صِفاتِنا وذَواتِنا كَما غَفَرْتَ ذُنُوبَ أفْعالِنا، وارْحَمْنا بِإفاضَةِ أنْوارِ شُهُودِكَ ورَفْعِ حِجابِ الإنِّيَّةِ بِوُجُودِكَ، واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وهي حَسَنَةُ الِاسْتِقامَةِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً المُشاهَدَةَ، والكَلامُ في بَقِيَّةِ الكَلامِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ.

خَلا أنَّ بَعْضَهم أوَّلَ العَذابَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ بِعَذابِ الشَّوْقِ المَخْصُوصِ الَّذِي يُصِيبُ أهْلَ العِنايَةِ مِنَ الخَواصِّ وهو الرَّحْمَةُ الَّتِي لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها ولا يُقَدَّرُ قَدْرُها، وإنَّها لَأعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ، وأهْلُ الظّاهِرِ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، والقَوْمُ يَقُولُونَ: نَراهُ قَرِيبًا، وقالُوا: الأُمِّيُّ نِسْبَةً إلى الأُمِّ لَكِنْ عَلى حَدِّ أحْمَرِيٍّ، وقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أُمُّ المَوْجُوداتِ وأصْلُ المَكْنُوناتِ، واخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ وهو الَّذِي جاءَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَأشْفَقُ عَلى الخَلْقِ مِنَ الأُمِّ بِوَلَدِها؛ إذْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنَ التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وذَكَرُوا أنَّ أتْباعَهُ مِن حَيْثُ النُّبُوَّةُ الخَواصُّ، ومِن حَيْثُ الأُمِّيَّةُ خَواصُّ الخَواصِّ، ومِن حَيْثُ الرِّسالَةُ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ كُلُّهم والعَوامُّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِاتِّباعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سائِرِ شُؤُونِهِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة ويقال: هو لجميع الناس إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ويقال: إنه أول نداء نادى به في مكة بهذه الآية.

وكان من قبل يدعو واحداً واحداً.

فلما نزلت هذه الآية، أظهر ونادى في الناس: يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً من ذلك الرب الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق في السماء ولا في الأرض إلا هو يُحيِي وَيُمِيتُ يعني: يحي الأموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا، ويحيي للبعث ثانياً.

ويقال: يحيي يعني: يخلق الخلق من النطفة، ويميتهم عند انقضاء آجالهم.

فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يعني: يصدق بالله وَكَلِماتِهِ يعني: القرآن قال: السدي وَكَلِمَتُهُ يعني: صدق بأن عيسى صار مخلوقاً بكلمة الله وَاتَّبِعُوهُ يعني: محمدا  لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ من الضلالة.

قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني: جماعة يدعون إلى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني: وبالحق يعملون.

وقال بعضهم: يعني به مؤمني أهل الكتاب وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وهذا كما قال في آية أخرى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ [آل عمران: 113] الآية.

وقال بعضهم: هم قوم من وراء الصين من أمة موسى ما وراء رمل عالج.

وروي عن ابن عباس-  ما- أن النبيّ  ليلة أُسري به إلى البيت المقدس ومعه جبريل فرفعه إليهم وكلّمهم وكلّموه.

فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟

قالوا: لا.

قال: فإن هذا محمد النبي الأمي.

قال: يا جبريل وقد بعثه الله تعالى؟

قال نعم فآمنوا به وصدّقوه.

وقالوا: يا رسول الله أن موسى بن عمران أوصى إلينا أن من أدرك ذلك النبي منكم فليقرأ  مني ومنكم ورد رسول الله  على موسى ورد عليهم السلام ثم قال لهم رسول الله  : «ما لِي أَرَى بُيُوتَكُمْ مُسْتَوِيَةً» ؟

قالوا: لأنا قوم لا يبغي بعضنا على بعض.

قال: «فما لي لا أرى عليها أبواباً» ؟

قالوا: إنّا لا يضر بعضنا بعضاً.

قال: «فَمَا لِي لا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ» ؟

قالوا: ما ضحكنا قط لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه أن جهنم عرضها ما بين الخافقين وقعرها الأرض السفلى، وقد أقسم الله تعالى ليملأنها مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ.

قال: «فَهَلْ تَبْكُونَ عَلَى المَيِّتِ» ؟

قالوا: يا رسول الله كيف نبكي على الميت وكلنا ميتون.

وهو سبيل لا بد منه.

والله أعطانا والله أخذ منا.

قال: «فَهَلْ تَمْرَضُونَ» ؟

قالوا: يا رسول الله إنما يمرض أهل الذنوب والخطايا.

فأما نحن فمعصومون بدعاء نبي الله موسى-  - قال: «فَكَيْفَ تَمُوتُونَ إِذَا لَمْ تَمْرَضُوا؟» قالوا: إذا استوفى أحدنا رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه فندفنه، حيث يموت.

قال: «فَهَلْ تَحْزَنُونَ إذَا وُلِدَ لأَحَدِكُمْ جَارِيَةٌ» ؟

قالوا: يا رسول الله لا ولكنا نصوم لله تعالى شهراً شكرا، فإذا ولد لأحدنا غلام نصوم لله شهرين شكراً لله تعالى.

قال: «فَهَلْ فِيكُمْ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبٌ» ؟

قالوا: نعم.

قال: «كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهِنَّ» ؟

قالوا: يا رسول الله نمشي عليهن ويمشين علينا، ولا نؤذيهن ولا تؤذينا، آمنات منا ونحن آمنون منهن.

قال: «فَهَلْ لَكُمْ مَاشِيَةٌ» ؟

قالوا: نعم، نجز أصوافها فنتخذ منه الأفنية والأكسية، ونأكل من لحومهن الكفاف، وكل أهل القرية فيها شرع أي سواء ليس أحد أحق به منا.

قال: «فَهَلْ تَزِنُونَ أَوْ يُوزَنُ عَلَيْكُمْ» ؟

قالوا: لا نزن ولا يوزن علينا ولا نكيل ولا يكال علينا ولا نشتري ولا نبيع.

قال: «فَمِنْ أيْنَ تَأْكُلُونَ» ؟

قالوا: يا رسول الله: نخرج فنزرع، ويرسل الله تعالى السماء علينا فينبته، ثم نخرج إليه فنحصده، ونضعه في أماكن من القرية، فيأخذ أهل القرية منها الكفاف ويدعون ما سواه.

قال: «فَهَلْ تُجَامِعُونَ النِّسَاءَ» ؟

قالوا: نعم يا رسول الله لنا بيوت مظلمة وثياب معلومة فإذا أردنا المجامعة لبسنا ثيابنا تلك ودخلنا تلك البيوت، لا يرى الرجل عورة امرأته ولا المرأة عورة زوجها.

قال: «فَهَلْ فِيكُمُ زِنًى؟» قالوا: يا رسول الله لا فإن فعل ذلك أحد منا لظننا أن الله تعالى يبعث عليه ناراً فيحرقه أو يخسف به الأرض، ولكن إذا كان للرجل منا ابنة طلبها منه رجل فيزوجه إياها إرادة الأجر والعفة.

قال: «فَهَلْ تَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ» ؟

قالوا: لا.

يا رسول الله.

إنما يكنز الذهب والفضة من لا يثق بالله، ومن يرى أن الله تعالى لم يتكفل له برزقه.

فأما نحن فلا نكنز الذهب والفضة.

فأقرأهم رسول الله  عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فعلمهم رسول الله  وأمرهم بالصلاة والزكاة ورجع من ليلته.

وقال قتادة: قال رسول الله  : في قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: «قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا» وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني: في هذه الأمة.

ثم قال: وَقَطَّعْناهُمُ يعني: بني إسرائيل فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً يعني: جماعة والأسباط جَمْعٌ والسبط في بني إسرائيل مثل القبيلة عند العرب وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى يعني: في التيه إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ إلى قوله: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ كل ذلك مذكور في سورة البقرة قرأ أبو عمرو نَّغْفِرْ لَكُمْ بالنون خطاياكم.

وقرأ ابن عامر تَغْفِرْ لَكُمْ بالتاء والضم خطيئتكم بالرفع وبلفظ الواحد.

وقرأ نافع تَغْفِرْ لكم بالتاء، والضم خطيئاتكم بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون نَغْفِرْ لَكُمْ بالنون خَطِيئاتِكُمْ بلفظ الجماعة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والإِصْر أيضاً: العَهْد، وبه فسر ابنُ عباس وغيره «١» ، وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين فإِن بني إِسرائيل قد كان أخذ عليهم العَهْدُ بأن يقوموا بأعمال ثقال، فَوَضَعَ عنهم نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال ابن جُبيْر: الإِصْر: شدَّة العبادة «٢» ، وقرأ ابن عامر «٣» : «آصارَهُمْ» بالجمع فمَنْ وحَّد «الإصر» فإنما هو اسمُ جنْس عِنده، يراد به الجمعُ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ عبارةٌ مستعارَةٌ أيضاً لتلك الأثقال، كَقَطْعِ الجِلْدِ من أثر البَوْلِ، وأن لا ديةَ، ولا بدَّ من قَتْل القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسِّرين، وقالَ ابن زَيْدٍ: إنما المراد هنا ب الْأَغْلالَ قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في اليهود: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤] ، فمنْ آمن بنبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، زالَتْ عنه الدعوةُ، وتغليلها «٤» ، ومعنى عَزَّرُوهُ: أي: وقَّروه، فالتعْزيرُ والنصْرُ: مشاهدةٌ خاصَّة للصحابة، واتباع النور: يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنُّورُ: كنايةٌ عن جُمْلة الشرع، وشَبَّه الشرعَ والهدى بالنور، إِذ القلوبُ تستضيء به كما يستضيء البصر بالنّور.

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً هذا أمر من الله

سبحانه لنبيِّه بإشهار الدعوة العامَّة، وهذه من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم من بين سائر الرسل فإنه صلّى الله عليه وسلّم بُعِثَ إِلى الناس كافَّة، وإِلى الجنِّ، وكلُّ نبيٍّ إِنما بعث إِلى فرقة دون العُمُوم.

وقوله سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: حَضٌّ على اتباع نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ، أيْ: يصدق باللَّه وكلماته، والكلماتُ هنا: الآياتُ المنزلة مِنْ عند الله كالتوراة والإنجيل، وقوله: وَاتَّبِعُوهُ لفظ عامٌّ يدخل تحته جميعُ إلزامات الشريعة، جعلنا اللَّه مِنْ متَّبعيه على ما يلزم بمنِّه ورحمته.

قُلْتُ: فإِن أردتَّ الفوْزَ أيُّها الأخ، فعليك باتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمِ شريعته، وتعظيم جَمِيعِ أسبابه.

قال عِيَاضٌ: ومن إعظامه صلّى الله عليه وسلّم وإِكبارهِ إِعظام جميع أَسبابه وإِكْرَامُ مشاهده وأَمْكِنَتِهِ، ومعاهِدِهِ، وما لَمَسَهُ عليه السلام أَوْ عُرِفَ به، حُدِّثْتُ أن أبا الفَضْل الجوهري، لمَّا وَرَدَ المدينةَ زائراً، وقَرُبَ من بيوتها، ترجَّل، ومشى باكياً منشداً: [الطويل]

وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا ...

فُؤَاداً لِعِرْفَانِ/ الرُّسُومَ «١» وَلاَ لُبَّا «٢»

نَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ «٣» نَمْشِي كَرَامَةً ...

لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نَلُمَّ بِهِ رَكْبَا

وحُكِيَ عن بعض المريدين أنه لما أشْرَفَ على مدينة الرسول عليه السلام، أنشأ يقُولُ: [الكامل]

رُفِعَ الحِجَابُ «٤» لَنَا فَلاَحَ لِنَاظِرِي ...

قَمَرٌ تَقَطَّعُ دُونَهُ الأَوْهَامُ «٥»

وَإِذَا المَطِيُّ «٦» بِنَا بَلَغْنَ محمّدا ...

فظهورهنّ «٧» على الرّجال حرام

قرّبننا من خير من وطئ الحَصَى «١» ...

فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُ

وحُكِيَ عن بعض المشايِخِ أنه حجَّ ماشياً، فقيل له في ذلك، فقال: العَبْدُ الآبِقُ يأتي إلى بيت مولاه راكباً؟

لو قَدْرَتُ أَنْ أَمْشِيَ على رأسِي، ما مَشَيْتُ على قدَمي.

قال عياضَ: وجديرٌ لمواطَنَ عُمِرَتْ بالوحْيِ، والتنزيل وتردَّد فيها جبريلُ وميكائيل، وعَرَجَتْ منها الملائكةُ والرُّوح وضجَّتْ عرصاتها «٢» بالتقديس والتسبيح، واشتملَتْ تربتها على جَسَد سَيِّد البَشَر وانتشر عنْهَا مِنْ دِينِ اللَّه وسنة رسُوله ما انتشر، مدارسُ وآيات ومَسَاجِدُ وصَلَوَات ومَشَاهِدُ الفَضَائِلِ والخَيْرَات ومعاهدُ البراهين والمُعْجِزَات- أنْ تعظَّم عَرَصَاتها وتُتَنَسَّمَ نفحاتها وتُقَبَّلَ ربُوعُها وجدراتُها: [الكامل]

يَا دَارَ خَيْر المُرْسَلِينَ ومَنْ بِه ...

هَدْيُ الأَنَامُ» وَخُصَّ بِالآيَاتِ «٤»

عِنْدِي لأَجْلِكَ لَوْعَةٌ «٥» وَصَبَابَةٌ ...

وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الجَمَرَاتِ

الأبيات.

انتهى من «الشفا» .

وقوله سبحانه: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ، أي: يرشدُونَ أنفسهم، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يريد به وصْفَ المؤمنين منهم، على عهد موسى، وما والاَهُ مِنَ الزمَنِ، فأخبر سبحانه، أنه كان في بني إسرائيل على عتوِّهم وخلافِهِمْ مِنَ اهتدى واتقى وعَدَلَ، ويحتمل أنْ يريد الجماعةَ التي آمَنَتْ بنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم من بني إسرائيل، على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، وقوله: أَسْباطاً: بَدلٌ من اثْنَتَيْ، والتمييزُ الذي بَيْنَ العَدَدَ محذوفٌ تقديره: اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أو قِطْعَةً أسباطاً.

وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَدْعُونَ إلى الحَقِّ.

والثّانِي: يَعْمَلُونَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وبِالحَقِّ يَحْكُمُونَ.

وفي المُشارِ إلَيْهِمْ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ وراءَ الصِّينِ لَمْ تَبْلُغْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم مَن آَمَنَ بِالنَّبِيِّ  مِثْلُ ابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِالحَقِّ في زَمَنِ أنْبِيائِهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا  ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ بِإشْهارِ الدَعْوَةِ والحَضِّ عَلى الدُخُولِ في الشَرْعِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَجّى الأُمَّةَ المُتَّبِعَةَ لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّتِي كَتَبَ لَهم رَحْمَتَهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِدُعاءِ الناسِ إلى الِاتِّباعِ الَّذِي تَحْصُلُ مَعَهُ تِلْكَ المَنازِلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِمُحَمَّدٍ  بَيْنَ الرُسُلِ، فَإنَّ مُحَمَّدًا  بُعِثَ إلى الناسِ كافَّةً وإلى الجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ، وتَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ، وكُلُّ نَبِيٍّ إنَّما بُعِثَ إلى فِرْقَةٍ دُونَ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أُعْلِنَ بِالرِسالَةِ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أرْدَفَ بِصِفَةِ اللهِ الَّتِي تَقْتَضِي الإذْعانَ لَهُ وهي أنَّهُ مالِكُ السَمَواتِ والأرْضِ بِالخَلْقِ والإبْداعِ والإحْياءِ والإماتَةِ، لا إلَهَ إلّا هو ولا مَعْبُودَ سِواهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ﴾ الآيَةُ، هو الحَضُّ عَلى اتِّباعِ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي يُؤْمِنُ ﴾ يُرِيدُ: الَّذِي يُصَدِّقُ ﴿ بِاللهِ وكَلِماتِهِ ﴾ ، والكَلِماتُ هُنا الآياتُ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِهِ كالتَوْراةِ والإنْجِيلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَلِماتِهِ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَلِمَتِهِ" بِالإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وآياتِهِ" بَدَلَ "كَلِماتِهِ"، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: المُرادُ بِـ "كَلِماتِهِ" أو "كَلِمَتِهِ" عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: عَلى طَمَعِكم وبِحَسَبِ ما تَرَوْنَهُ، وقَوْلُهُ: "واتَّبِعُوهُ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ إلْزاماتِ الشَرِيعَةِ، جَعَلَنا اللهُ مِن مُتَّبِعِيهِ عَلى ما يَلْزَمُ بِمَنِّهِ ورَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى ﴾ الآيَةُ، "يَهْدُونَ" مَعْناهُ: يُرْشِدُونَ أنْفُسَهُمْ، وهَذا الكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وصْفَ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَهْدِ مُوسى وما والاهُ مِنَ الزَمَنِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عُتُوِّهِمْ وخِلافِهِمْ مَنِ اهْتَدى واتَّقى وعَدَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَماعَةَ الَّتِي آمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ  مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِجْلابِ لِإيمانِ جَمِيعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ ما رُوِيَ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا تَقَطَّعُوا مَرَّتْ أُمَّةٌ مِنهم واعْتَزَلَتْ ودَخَلَتْ تَحْتَ الأرْضِ فَمَشَتْ في سِرْبٍ تَحْتَ الأرْضِ سَنَةً ونِصْفَ سَنَةٍ حَتّى خَرَجُوا وراءَ الصِينِ، فَهم هُنالِكَ خَلْفَ وادٍ مِن شَهْدٍ يُقِيمُونَ الشَرْعَ ويَهْدُونَ بِالحَقِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ بَعْضُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَدِيثٌ بَعِيدٌ، وقَرَأ بَعْضٌ مِنَ الناسِ: "وَقَطَّعْناهُمْ" بِشَدِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَقَطَعْناهُمْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، ورَواها أبانُ عن عاصِمٍ، ومَعْناهُ: فَرَّقْناهُمْ، مِنَ القَطْعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَشْرَةَ" بِسُكُونِ الشِينِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِخِلافِ: "عَشَرَةٍ" بِفَتْحِ الشِينِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الجَماعَةُ أيْضًا، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "عَشِرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: والعَجَبُ أنَّ تَمِيمًا يُخَفِّفُونَ ما كانَ مِن هَذا الوَزْنِ، وأنَّ أهْلَ الحِجازِ يُشْبِعُونَ، وتَناقَضُوا في هَذا الحَرْفِ.

وقَوْلُهُ: "أسْباطًا" بَدَلٌ مِنِ "اثْنَتَيْ".

والتَمْيِيزُ الَّذِي بَيْنَ العَدَدِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أو قِطْعَةً أسْباطًا، وإمّا أنْ يَزُولَ عَنِ التَمْيِيزِ ويُقَدَّرَ: وقَطَّعْناهم فِرَقًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، ثُمَّ أُبْدِلَ "أسْباطًا"، والأوَّلُ أحْسَنُ وأبْيَنُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أسْباطًا" تَمْيِيزًا لِأنَّ التَمْيِيزَ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا نَكِرَةً، وأيْضًا فالسِبْطَ مُذَكَّرٌ وهو قَدْ عُدَّ مُؤَنَّثًا، عَلى أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ لَوِ انْفَرَدَتْ لَمَنَعَتْ إذِ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لَمّا كانَ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ غَلَّبَ التَأْنِيثَ، وهو مِثْلُ قَوْلٍ الشاعِرِ: فَإنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أبْطُنٍ ∗∗∗ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأغْفَلَ هَذا الكُوفِيُّ جَمْعَ الأسْباطِ وأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ إنَّما كانَ يَجُوزُ لَوْ كانَ الكَلامُ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سِبْطًا"، والسِبْطَ في ولَدِ إسْحاقَ كالقَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، وقَدْ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّ السِبْطَ مِنَ السَبَطِ وهو شَجَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الأظْهَرُ فِيهِ عِبْرانِيٌّ عُرِّبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ومن قوم موسى ﴾ عطف على قوله: ﴿ واتخذ قوم موسى من بعده من حُليهم عِجلاً ﴾ [الأعراف: 148] الآية، فهذا تخصيص لظاهر العموم الذي في قوله: ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ [الأعراف: 148] قصد به الاحتراس لئلا يتوهم أن ذلك قد عمله قوم موسى كلُّهُم، وللتنبيه على دفع هذا التوهم، قُدّم ﴿ ومن قوم موسى ﴾ على متعلقه.

وقوم موسى هم أتباع دينه من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فمن بقي متمسكاً بدين موسى، بعد بلوغ دعوة الإسلام إليه، فليس من قوم موسى، ولكن يقال هو من بني إسرائيل أو من اليهود، لأن الإضافة في ﴿ قوم موسى ﴾ تؤذن بأنهم متبعو دينه الذي من جملة أصوله ترقب مجيء الرسول الأمي صلى الله عليه وسلم و ﴿ أمة ﴾ : جماعة كثيرة متفقة في عمل يجمعها، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ أمة واحدة ﴾ في سورة البقرة (213)، والمراد أن منهم في كل زمان قبل الإسلام.

و ﴿ يَهدون بالحق ﴾ أي يهدون الناس من بني إسرائيل أو من غيرهم ببث فضائل الدين الإلهي، وهو الذي سماه الله بالحق ويعدلون أي يحكمون حكماً لا جَور فيه.

وتقديم المجرور في قوله: ﴿ وبه يعدلون ﴾ للاهتمام به ولرعاية الفاصلة، إذ لا مقتضي لإرادة القصر، بقرينة قوله: ﴿ يهدون بالحق ﴾ حيث لم يقدم المجرور، والمعنى: إنهم يحكمون بالعدل على بصيرة وعِلم، وليس بمجرد مصادفة الحق عن جهل، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحدَ القاضيين اللذين في النار، ولو صادف الحق، لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس ولا تنفعه مصادفة الحق؛ لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ فَإنْ قِيلَ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ في اليَهُودِ مَن هم عَلى حَقٍّ.

الجَوابُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِالحَقِّ في وقْتِ ضَلالَتِهِمْ بِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ، ولا يَدُلُّ هَذا عَلى اسْتِدامَةِ حالِهِ عَلى الأبَدِ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ وراءَ الصِّينِ لَمْ تَبْلُغْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم مَن آمَنَ بِالنَّبِيِّ  مِثْلُ ابْنِ سَلامٍ وابْنِ صُورِيا وغَيْرِهِما، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال موسى: يا رب، أجد أمة انجيلهم في قلوبهم؟

قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.

قال: يا رب، أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارة لما بينهن؟

قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.

قال: يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم فيأكلون؟

قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.

قال: يا رب، اجعلني من أمة أحمد.

فأنزل الله كهيئة المرضية لموسى ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ليلى الكندي قال: قرأ عبدالله بن مسعود ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ فقال رجل: ما أحب إني منهم.

فقال عبدالله: لم ما يزيد صالحوكم على أن يكونوا مثلهم؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن قوم موسى أمة ﴾ الآية.

قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله له نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مستقبلين يستقبلون قبلتنا.

قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿ وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً ﴾ [ الإِسراء: 104] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم.

قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود فإن الله يقول ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ وأما النصارى فإن الله يقول ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ [ المائدة: 66] فهذه التي تنجو، وأما نحن فيقول ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 181] فهذه التي تنجو من هذه الأمة.

وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: إن مما فضل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم أنه عاين ليلة المعراج قوم موسى الذين من وراء الصين، وذلك أن بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، دعوا ربهم وهم بالأرض المقدسة فقالوا: اللهمَّ أخرجنا من بين أظهرهم، فاستجاب لهم فجعل لهم سرباً في الأرض فدخلوا فيه، وجعل معهم نهراً يجري وجعل لهم مصباحاً من نور بين أيديهم، فساروا فيه سنة ونصفاً وذلك من بيت المقدس إلى مجلسهم الذي هم فيه، فأخرجهم الله إلى أرض تجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين بها، ليس فيها ذنوب ولا معاص، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ومعه جبريل، فآمنوا به وصدقوه وعلَّمهم الصلاة وقالوا: إن موسى قد بشَّرهم به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ قال: بينكم وبينهم نهر من سهل، يعني من رمل يجري.

وأخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن عمرو قال: هم الذين قال الله: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني سبطان من أسباط بني إسرائيل يوم الملحمة العظمى ينصرون الإِسلام وأهله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إن لله عباداً من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس لا يرون أن الله عصاه مخلوق، رضراضهم الدر والياقوت وجبالهم الذهب والفضة، لا يزرعون ولا يحصدون ولا يعملون عملاً، لهم شجر على أبوابهم لها أوراق عراض هي لبوسهم، ولهم شجر على أبوابهم لها ثمر، فمنها يأكلون.

قوله تعالى: ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ .

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانبجست ﴾ قال: انفجرت.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ قال: أجرى الله من الصخرة اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط عين يشربون منها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال نعم.

أما سمعت بشر بن أبي حازم يقول: فاسلبت العينان مني بواكف ** كما انهل من واهي الكلى المتبجس <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: يدعون إلى الحق) (١) قال الزجاج: (أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق) (٢) ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: يعملون) (٣) (٤) (٥) ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا  ﴾ .

واختلفوا في هذه الأمة العادلة من قوم موسى، فأكثر المفسرين قالوا: (إنهم قوم وراء الصين آمنوا بالنبي  وتركوا تحريم السبت، يجمعون، ولا يتظالمون، ولا يتحاسدون، لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منّا إليهم، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يستقبلون قبلتنا)، وهذا معنى قول عطاء والكلبي والربيع والضحاك وابن جريج والسدي (٦) وقال أهل النظر (٧) (٨)  كابن سلام (٩) (١) "تنوير المقباس" 2/ 133، وهو قول الأكثر، انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 575، الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 290، وابن الجوزي 3/ 274، والرازي 15/ 32.

(٢) "معاني الزجاج" 2/ 382.

(٣) "تنوير المقباس" 2/ 133.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 382.

(٥) هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 3/ 2358، وانظر: "العين" 2/ 38، و"الجمهرة" 2/ 663، و"الصحاح" 5/ 1760، و "مقاييس اللغة" 4/ 246، و"المجمل" 3/ 651، و"المفردات" ص 551، و"اللسان" 5/ 2838 (عدل).

(٦) أخرجه الطبري 9/ 88، بسند جيد عن ابن جريج والسدي، وذكره الثعلبي 199 أ، عن عطاء، والكلبي، والربيع، والضحاك، وابن جريج، والسدي، وذكره البغوي 3/ 290، الخازن 2/ 300، عن الكلبي، والضحاك والربيع، وذكره الماوردي == 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 274، عن ابن عباس والسدي، وهذا قول غريب ضعفه: ابن عطية 6/ 109، والرازي 15/ 31، والخازن 2/ 300، الألوسي 9/ 85، وقال محمد أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات" ص 206: (هذا من خرافات بني إسرائيل وأسانيدها ضعيفة واهية، وليس هناك ما يشهد لها من عقل ولا نقل صحيح، وهي مخالفة للمعقول، والمشاهد الملموس) اهـ.

بتصرف.

(٧) انظر: "إعراب النحاس" ص 644، و"تفسير الماوردي" 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 275.

(٨) هذا قول الكلبي كما ذكره الماوردي 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 274، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 291، والظاهر أن الآية عامة تشمل الذين تمسكوا بالحق وبه يعدلون في زمن موسى  والذين آمنوا بمحمد  وهو اختيار محمد أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات" ص 208.

(٩) هو عبد الله بن سلام بن الحارث الخزرجي أبو يوسف الإسرائيلي، تقدمت ترجمته.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ﴾ تفسيره قوله صلى الله عليه وسلم: «وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» فإعراب جميعاً حال من الضمير في إليكم ﴿ الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض ﴾ نعت لله أو منصوب على المدح بإضمار فعل أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿ يُؤْمِنُ بالله وكلماته ﴾ هي التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء ﴿ وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ ﴾ هم الذين ثبتوا حين تزلزل غيرهم في عصر موسى أو الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في عصره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عذابي أصيب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أصارهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون على التوحيد.

الوقوف ﴿ لميقاتنا ﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿ وإياي ﴾ ط ﴿ منا ﴾ ج لتصدر "ان" النافية مع اتحاد القائل ﴿ فتنتك ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ ط ﴿ الغافرين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ من أشاء ﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿ كل شيء ﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿ يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿ الإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ يأمرهم ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿ مكتوباً ﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿ كانت عليهم ﴾ ط ﴿ أنزل معه ﴾ لا لأن ما بعده خبر "فالذين".

﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ ويميت ﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة.

﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ومن هنا سمي فعل الحيوان فعلاً اختيارياً، وذلك أن صدور الفعل عن الحيوان موقوف على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً له من تركه.

قال النحويون: أصله واختار موسى من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، فمن الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ثم يتسع فيحذف الحرف.

من ذلك قولهم: اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً.

وكذا استغفرت الله من ذنبي واستغفرته ذنبي.

وجوّز بعضهم في الآية أنيراد بالقوم المعتبرون منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم فيكون مفعولاً أوّل من غير واسطة ويكون ﴿ سبعين ﴾ بدلاً أو بياناً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع.

وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخاً فأوحى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً.

وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سينا لميقات ربه.

وللمفسرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام والرؤية أم غيره؟

الذاهبون إلى الأوّل قالوا: إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية.

والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مر في البقرة في تفسير قوله ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك ﴾ وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل، ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل.

واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه  ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة، فظاهر الحال يتقضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك القصة وإلا انخرم التناسب.

عن علي  أن موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل فنام هارون فتوفاه الله  ، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا إنه قتل هارون فاختار من قومه سبعين فذهبوا إلى هارون فأحياه الله  فقال: ما قتلني أحد فأخذتهم الرجفة هنالك.

قيل: كانت موتاً.

وقيل أخذتهم الرعدة حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم فخاف موسى عليهم الموت فدعا الله  وقال ﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ﴾ قال في الكشاف: هذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله لأهلكني قبل هذا ﴿ أتهلكنا ﴾ جميعاً يعني نفسه وإياهم ﴿ بما فعل السفهاء منا ﴾ قال أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله  أهلك قوماً بذنوب غيره، فهذا الاستفهام بمعنى الجحد أراد أنك لا تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يخدمك تريد أنك لا تفعل ذلك، وقال المبرد: إنه استفهام استعطاف أي لا تهلكنا.

قيل: لو كان تسفيههم لقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ ناسب أن يقال: أتهلكنا بما قاله السفهاء.

فإذن التسفيه لفعل صدر عنهم كعبادة العجل أو غيرها، ومنه يعلم أن هذا الميقات غير ميقات طلب الرؤية ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ الضمير يعود إلى الفتنة أي كما تقول إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند قاله الواحدي.

ولعله يعود إلى مقدر ذهني والمعنى أن الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك ابتلاءك ومحنتك حين كلمتني وسمعوا كلامك أو حين أسمعتهم صوت العجل ﴿ تضل بها ﴾ أي بالفتنة من تشاء فيفتتن ﴿ وتهدي من تشاء ﴾ فيثبت على الحق.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة ظاهرة على مذهبنا أن الإضلال والهداية من الله  .

وقالت المعتزلة: إنمحنته لما كانت سببباً لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أو الضمر يعود إلى الرجفة أي ﴿ تضل ﴾ على الجنة بسبب عدم الصبر على تلك الرجفة، أو لعدم الإيمان بأنها من عندك ﴿ من تشاء وتهدي ﴾ إلى الجنة بها الأضداد ما قلنا ﴿ من تشاء ﴾ أو المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بالرجفة وتصرفها عمن تشاء ﴿ أنت ولينا ﴾ يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر إلا أنت ﴿ فاغفر لنا وارحمنا ﴾ قيل: تذكر أن قوله ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ جراءة عظيمة فأشرك نفسه مع قومه في طلب المغفرة والرحمة ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ لأن غفرانك غير متوقف على جلب نفع أو دفع ضر بل لمحض الفضل والكرم.

﴿ واكتب ﴾ أوجب ﴿ لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة  ﴾ وقد فسرنا في سورة البقرة.

واعلم أن كونه  ولياً للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته.

وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء.

فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله ﴿ إنَّا هدنا إليك ﴾ قال أهل اللغة: النهود التوبة أي تبنا ورجعنا.

وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين ﴿ قال ﴾ الله  في جواب موسى ﴿ عذابي ﴾ من حالة وصفته أني ﴿ أصيب به من أشاء ﴾ إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي.

وقالت المعتزلة: أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة.

وقرأ الحسن ﴿ من أساء ﴾ من الإساءة ﴿ ورحمتي ﴾ من شأنها أنها ﴿ وسعت كل شيء ﴾ قالت الأشاعرة: هذا من العام الذي أريد به الخاص.

وقال أكثر المحققين: إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته.

وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ وقيل: الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته.

وقيل: الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب.

وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله  للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة.

واعلم أن تكاليف الله  كثيرة ولكنها محصورة في نوعين: التروك والأفعال.

فقوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ إشارة إلى التروك.

التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ وإما غيره وذلك قوله ﴿ والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً.

ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره.

وصف محمداً  في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة.

الثانية النبوة.

فإن قيل: النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟

قلت: لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر.

ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً.

الثالثة.

كونه أمياً.

قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب.

قال صلى الله عليه وآله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" .

وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة.

وكان هذا من جملة معجزاب نبينا  وبيانه من وجوه: الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل.

والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون  ﴾ الثالث: أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه.

ثم إن الله  آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين.

الصفة الرابعة ﴿ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل.

ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله ﴿ والإنجيل ﴾ أنهم يجدون نعته مكتوباً عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك.

الخامسة والسادسة ﴿ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ﴾ وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في قوله  : "ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله" فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها.

السابعة ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ قيل: أي ما يستطاب طبعاً لأن تناول ذلك يفيد لذة.

وقيل: يعني الأشياء التي حكم الله  بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل: ويحل المحللات وهو تكرار.

ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات.

وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعاً وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل.

وقيل: يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها.

الثامنة ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: الميتة والدم ونحوهما من المحرمات.

وقيل: كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل.

التاسعة ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة.

وكذا الأغلال التي كانت علهيم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب.

وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله  أغلالاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل.

عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة.

فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما قال  : "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة.

ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ قال ابن عباس: يعني من اليهود والأولى حمله على العموم ﴿ وعزروه ﴾ وقروه وعظموه.

قال في الكشاف: وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح.

فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله ﴿ ونصروه ﴾ فرق كبير ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه ﴾ وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق بـ ﴿ اتبعوا ﴾ أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه  لما قال ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان، ثم أراد أن يحقق عموم رسالته إلى المكلفين فقال ﴿ قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ وانتصابه على الحال من ﴿ إليكم ﴾ وفيه دليل على أن محمداً صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الخلق كافة خلافاً لطائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أتباع عيسى الأصفهاني، زعموا أن محمداً  رسول صادق لكنه مبعوث إلى العرب خاصة وفساده ظاهر لأنه من المعلوم بالتواتر من دينه أنه كان يدعي عموم الرسالة فإن كان رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم.

وزعم بعض العلماء أنه عام دخله التخصيص لأنه غير مبعوث إلى غير المكلفين بقوله:  : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وأيضاً يمكن وجود قوم في طرف من أطراف العمارة لم يصل إليهم خبر وجوده فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوّته.

والجواب أن رفع القلم عن الأصناف الثلاثة أيضاً حكم عليهم بهذا الاعتبار يدخلون تحت الخطاب وإن وجود قوم كما زعمتم من المستبعدات فلا يستحق الالتفات إليه.

قال بعض الأكابر: إن الآية وإن دلت على أنه  مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء ما كان مبعوثاً إلى كلهم.

وقد تمسك جمع من العلماء بالحديث المشهور: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وختم بي النبيون" ورد بأن مجموع هذه الأمور من خواصه لا كل واحد واحد، وبأن آدم بعث إلى كل أولاده في ذلك الزمان فيكون مبعوثاً إلى كل الناس وقتئذ.

ولا يخفى ضعف هذا الرد لأنا نعلم من دين محمد أنه خاتم النبيين وحده في رواية أخرى: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وإذا كان بعض هذه الأمور من خواصه لزم أن يكون كل واحد منها كذلك.

وأيضاً أن آدم لم يكن مبعوثاً إلى حواء لأنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ولا تقرباً.

ثم لما أمر رسول الله بأن يقول للناس أني رسول الله إليكم أتبعه ذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى وأنها لا تتم إلا بتقرير أصول أربعة: أوّلها إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً وأشار إليه بقوله ﴿ الذي له ملك السموات والأرض ﴾ إذ لو لم يكن للعالم مؤثر موجب بالذات لا فاعل بالاختيار لم يمكن القول ببعثة الرسول.

ومحل ﴿ الذي ﴾ نصب أو رفع على المدح أو جر بدلاً أو وصفاً لله.

وثانيها أن إله العالم واحد وذلك قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لو فرض إلهان لم يكن عبادة أحدهما أولى من عبادة الآخر.

وثالثها أنه تعالى قادر على الخير والشر والبعث والحساب كما قال ﴿ يحيى ويميت ﴾ وإنما لم يوسط العاطف بين هذه الجمل لأن كل واحد منها مبينة لما قبلها، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت أصل رابع وهو أنه يصح من الله  إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف.

أما بالأصل الأوّل والثاني فلأنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ولا سيما إذا كان فرداً منزهاً عن الشريك والنظير مستقلاً بالأمر والنهي.

وأما الأصل الثالث فلأنه يحسن من القادر تكليف المكلف بنوع من طاعته إيصالاً له إلى الجزاء إلى لذة الجزاء، فإن تحصيل لذة الأجر بدون كونه أجر ممتنع وأشار إلى هذا الأصل الرابع بقوله ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ﴾ اقتصر من الصفات المذكورة ههنا على الأمية لأنها أجل الأوصاف وأدلها على حقيته، وذلك أنه لم يتفق له مطالعة كتاب ولا مصاحبة معلم لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب عنها رسول الله  غيبة طويلة يمكن التعلم فيها ومع ذلك فتح الله عليه أبواب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأوّلين والآخرين فليس ذلك إلا بتأييد سماوي وفيض إلهي.

ثم وصفه بقوله ﴿ الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ لأن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممن آمن بالله وبكتبه.

وإنما لم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قول ﴿ إني رسول الله ﴾ بل عدل إلى المظهر ليمكن أن يجري عليه الصفات المذكورة.

ولما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً من كان، أنا أو غيري إظهاراً للنصفة واحترازاً عن العصبية.

واعلم أن الكمالات إما نظرية وأشار إليها بقوله ﴿ فآمنوا بالله ﴾ وإما عملية وإليها الإشارة بقوله ﴿ واتبعوه ﴾ والأولى إشارة إلى التكاليف المستفادة من أقواله، والثانية إشارة إلى المستفادة من أفعاله، فإن كل فعل يصدر عنه وقد واضب عليه فلا بد أن يكون جانب فعله ذلك الفعل جانب فعله راجحاً على تركه.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب فيجب علينا اتباعه وإن كان ذلك مندوباً له إلا أن يدل دليل منفصل على أن ذلك الفعل من خصائصه.

ومعنى الترجي في ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ قد مر في نظائره ولا سيما في أوّل البقرة في قوله ﴿ لعلكم تتقون  ﴾ ثم لما ذكر الرسول وأنه يجب على الخلق متابعته ذكر أن في قوم موسى من اتبع الحق وهدي إليه فقال ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ أي يهدون الناس بكلمة الحق ﴿ وبه ﴾ أي بالحق ﴿ يعدلون ﴾ بينهم في الحكم لا يجورون.

وهذه الآية متى حصلت في أي زمان كانت؟

اختلف المفسرون في ذلك.

فقيل: هم اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كعبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما.

ولفظ الأمة قد يطلق على القليل إذا كان لهم شأن كما أطلق على الواحد في قوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ وقيل: إنهم قوم ثبتوا على دين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين.

ثم من المفسرين من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن بناء على أن خبر نبينا لم يصل إليهم فهم معذورون، ومنهم من استبعد عدم وصول الخبر إليهم مع أن خبر هذه الشريعة طار في كل أفق وتغلغل في كل نفق فقال: إنهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.

وروي عن النبي  أن جبرائيل ذهب به  ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبرائيل: هل تعرفون من تكلمون؟

قالوا: لا.

قال: هذا محمد  النبي الأمي فآمنوا به.

وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فرد محمد على موسى  ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت والله أعلم.

التأويل: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ المختار من الخلق من اختاره الله  ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة  ﴾ فالذي اختاره الله كان مثل موسى ﴿ وأنا اخترتك  ﴾ .

والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة.

وههنا نكتة هي أن قلب موسى  لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك ﴾ قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهاراً فأخذتهم الصاعقة.

فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة.

ولما كان موسى  ثابتاً في مقام التوحيد كان ينظر بنور الواحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً لهم فقال ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ تزيع بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف.

﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ﴾ الرؤية كما كتبت لمحمد  ﴿ فسأكتبها ﴾ يعني حسنة الرؤية والرحمة ﴿ للذين يتقون ﴾ بالله عن غيره ﴿ ويؤتون ﴾ عن نصاب هذا المقام ﴿ الزكاة ﴾ إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون، وفي قوله ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ﴾ إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما قال  : "أول ما خلق الله روحي" .

وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون.

فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ﴾ فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يُؤوَّل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال صلى الله عليه وآله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" وأما اتباعه في مقام أمبته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته ﴿ مكتوباً عندهم ﴾ بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق ﴿ يأمرهم بالمعروف ﴾ وهو طلب الحق ﴿ وينهاهم عن المنكر ﴾ طلب ما سواه ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ الدنيا وما فيها ﴿ ويضع عنهم أصرهم ﴾ أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله: "الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم" فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام.

فقد وضع النبي  هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ فالذين آمنوا به وعزروه ﴾ وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة ﴿ واتبعوا ﴾ نور الوحدة الذي ﴿ أنزل معه ﴾ له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية.

وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى ﴿ وبه يعدلون ﴾ في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب بـ ﴿ لن تراني ﴾ وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين وقال في حقهم: "كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق" فلهذا دعا موسى  : اللهم اجعلني من أمة محمد  شوقاً إلى لقاء ربه فافهم جداً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قيل: أمة يدعون إلى سبيل الحق.

﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .

أي: به يعملون [وهو كقوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ  ﴾ .

فعلى ذلك يحمل الأول على الإضمار والدعاء إلى سبيل الحق، فقال الحسن: ﴿ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يعملون] بالحق وبه يعدلون فيما بينهم؛ لكن الأول أقرب، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ جائز أن تكون الأمة التي أكرم من قوم موسى كانت في زمنهم يدعون الناس إلى الإيمان برسول الله.

أو أن تكون الأمة من قومه في زمن رسول الله  بقية من قوم موسى، مؤمنين به يدعون الناس إليه وبه يعملون.

وقوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ﴾ .

قال ابن عباس -  -: هو ما ذكره: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً  ﴾ أي: جماعة.

وقيل: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ﴾ ، أي: جعلناهم ﴿ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً ﴾ فرقاً.

وقال غيرهم: قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ﴾ أي: جاوزنا بهم البحر، وجعلنا لهم اثنتي عشرة أسباطاً.

قال أبو عوسجة: الأسباط: الأفخاذ، والسبط واحد.

وقال القتبي: الأسباط: القبائل، واحدها: سبط.

وقيل: [الأسباط لهم كالقبائل للعرب.

وقيل:] الفخذ دون القبيلة.

وقيل: إن أولاد إسحاق تسمى: أسباطاً، وأولاد إسماعيل: قبائل وأفخاذاً؛ ولذلك يقال للعرب: قبيلة كذا، وفخذ كذا، ولسنا ندري كيف هو؟

وقيل: سبط الرجل: ولد ولده؛ على ما روي أن الحسن والحسين -  ما - سبطا رسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ .

قيل: دل [قوله]: ﴿ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ أنهم كانوا في المفازة، لا في البلدان والقرى؛ لأنهم لو كانوا في القرى، والقرى لا تخلو عن أنهار تجري فيها أو عيون [الأرض].

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ ﴾ دل أنهم كانوا في المفازة؛ لأنه هنالك تقع الحاجة إلى الغمام، وأما في القرى فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ .

قال بعضهم: انفجرت؛ على ما ذكر في سورة أخرى.

وقيل: إن هذه الكلمة بلسانهم، لا بلسان العرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: تعبدهم عز وجل بمعرفة كل منهم مشربه.

وقال بعضهم: لا، ولكن لئلا يزدحموا في ذلك فيقع في أولادهم التقاتل والإفساد والتنازع والاختلاف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .

فيه أن جميع مؤنتهم كانت من السماء بلا مؤنة ولا تعب على أنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

ما ذكر من المن والسلوى وغيره.

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ .

لا أحد يقصد قصد ظلم الله، ولكن إذا تعدوا حدود الله التي جعل لهم وجاوزوها فقد ظلموا أنفسهم؛ لما رجع ضرر ذلك التعدي إليهم.

وهذه النعم التي ذكر لهم - جل وعلا - إنما جعلها لهم في حال العقوبة والابتلاء من المن والسلوى، والعيون، والغمام، ويدل هذا على أن عقوبات الدنيا قد يشوبها لذة ونعمة, وكذلك لذات الدنيا وقد يمازجها شدائد وهموم، فإنما تخلص وتصفو هذه النعم في الآخرة، وكذلك العقوبة هنالك تخلص وتفارق اللذات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ بيت المقدس.

وأمكن أن تكون القرية التي ذكر - هاهنا - هي الأرض التي ذكرت في سورة المائدة، وهو قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ  ﴾ أمرهم بالدخول فيها، ونهاهم عن الارتداد على أدبارهم، وأمرهم - [هاهنا] - بالسكون فيها، وأباح لهم التناول منها مما شاءوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ .

أي: ارجعوا إلى السبب الذي يحط الأوزار، لا قولهم: حط عنا كذا، وهو كما قال: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ  ﴾ ، أي: ائتوا بالسبب الذي به يغفر، وهو التوحيد.

﴿ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً ﴾ الآية.

قد مضى ذكر هذا في السورة التي فيها ذكر البقرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ .

هذا - أيضاً - ذكرناه فيها، سوى أنه ذكر - هاهنا - ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً ﴾ ، وذكر في سورة البقرة: ﴿ فَأَنزَلْنَا  ﴾ والقصة واحدة؛ ليعلم أن اختلاف الألفاظ لا يوجب اختلاف المعاني والأحكام، ولا تغييرها، وذكر هاهنا: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ ، [وذكر] هنالك: ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  ﴾ ، والفسق هو الخروج عن الأمر، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد كان منهم الأمران جميعاً: الخروج عن أمر الله، ووضع الشيء - أيضاً - في غير موضعه.

أكرم الله - عز وجل - هذه الأمة كرامات من الطاعة لرسولها، والخضوع له، والتعظيم له، حتى لم يخطر ببال أحد الخلاف له بعد ما اتبعه وآمن به، وأكرمهم - أيضاً - من الفهم والحكمة والفقه، حتى ذكر: كأنهم من الفقه أنبياء، وقوم موسى وغيرهم من الأمم لم يكونوا مثل ذلك؛ ألا ترى أن قوم موسى قد خالفوه في أشياء أمرهم موسى بها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن قوم موسى من بني إسرائيل جماعة مستقيمة على الدين الصحيح، يدلون الناس عليه، ويحكمون بالعدل فلا يجورون.

من فوائد الآيات تضمَّنت التوراة والإنجيل أدلة ظاهرة على بعثة النبي محمد  وعلى صدقه.

رحمة الله وسعت كل شيء، ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة، تتفاوت بحسب الإيمان والعمل الصالح.

الدعاء قد يكون مُجْملًا وقد يكون مُفَصَّلًا حسب الأحوال، وموسى في هذا المقام أجمل في دعائه.

من صور عدل الله عز وجل إنصافه للقِلَّة المؤمنة، فذكرَ صفات بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعم جميعهم، فَذَكَر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.

<div class="verse-tafsir" id="91.9vzLQ"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر