الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦٠ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى عليه السلام حين استسقاني لكم وتيسيري لكم الماء وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينا كل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها فكلو من المن والسلوى واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد واعبدوا الذي سخر لكم ذلك "ولا تعثوا في الأرض مفسدين" ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها.
وقد بسطه المفسرون في كلامهم كما قال: ابن عباس رضي الله عنه وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع وأمر موسى عليه السلام فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها لا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وهو حديث الفتون الطويل.
وقال: عطية العوفي وجعل لهم حجرا مثل رأس الثور يحمل على ثور فإذا نزلوا منزلا وضعوه فضربه موسى عليه السلام بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فإذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء وقال: عثمان ابن عطاء الخراساني عن أبيه كان لبني إسرائيل حجر فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا وقال قتادة كان حجرا طوريا من الطور يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه وقال: الزمخشري وقيل كان من رخام وكان ذراعا في ذراع وقيل مثل رأس الإنسان وقيل كان من الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى وله شعبتان يتقدان في الظلمة وكان يحمل على حمار قال وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل فقال: له جبريل ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة ولك فيه معجزة فحمله في مخلاته قال الزمخشري محتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر وعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه قال وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر ثم يضربه فييبس فقالوا إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون والله أعلم وقال يحيى بن النضر: قلت لجويبر كيف علم كل أناس مشربهم؟
قال: كان موسى يضع الحجر ويقوم من كل سبط رجل ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا فينضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين وقال الضحاك: قال ابن عباس لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارا وقال الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس: قال ذلك في التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتي عشرة عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها وقال مجاهد نحو قول ابن عباس وأخبر هنا بقوله "فانبجست منه اثنتا عشرة عينا" وهو أول الانفجار وأخبر ههنا بما آل إليه الحال آخرا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار ههنا والله أعلم.
لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم شرع يذكرهم أيضا بما أسبغ عليهم من النعم فقال وظللنا عليكم الغمام وهو جمع غمامة سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يواريها ويسترها وهو السحاب الأبيض ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفتون قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام قال ابن أبي حاتم وروى عن ابن عمر والربيع بن أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس وقال الحسن وقتادة "وظللنا عليكم الغمام" كان هذا في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس وقال: ابن جرير قال: آخرون وهو غمام أبرد من هذا وأطيب.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو حذيفة حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد "وظللنا عليكم الغمام" قال ليس بالسحاب هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ولم يكن إلا لهم.
وهكذا رواه ابن جرير عن المثنى بن إبراهيم عن أبي حذيفة وكذا رواه الثوري وغيره عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وكأنه يريد والله أعلم أنه ليس من زي هذا السحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: قال ابن عباس "وظللنا عليكم الغمام" قال غمام أبرد من هذا وأطيب وهو الذي يأتي الله فيه في قوله "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة" وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر.
قال ابن عباس وكان معهم في التيه: وقوله تعالى "وأنزلنا عليكم المن" اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو؟
فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كان المن ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا.
وقال مجاهد المن صمغة وقال: عكرمة المن شيء أنزله الله عليهم مثل الظل شبه الرب الغليظ وقال: السدي قالوا يا موسى كيف لنا بما ههنا أين الطعام فأنزل الله عليهم المن فكان يسقط على شجرة الزنجبيل وقال: قتادة كان المن ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء وهذا كله في البرية وقال: الربيع بن أنس المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.
وقال وهب بن منبه وسئل عن المن فقال خبز رقاق مثل الذرة أو مثل النقي وقال أبو جعفر بن جرير حدثني محمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد حدثنا إسرائيل عن جابر عن عامر وهو الشعبي قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن وكذا قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه العسل وقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال: فرأى الله أنهم بمضيع لا بذي مزرع ولا مثمورا فسناها عليهم غاديات ويرى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطفا وماء فراتا وحليبا ذا بهجة مزمورا فالناطف هو السائل والحليب المزمور الصافي منه والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن فمنهم من فسره بالطعام ومنهم من فسره بالشراب والظاهر والله أعلم أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كذا فالمن المشهور أن أكل وحده كان طعاما وحلاوة وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا وإن ركب مع غيره صار نوع آخر ولكن ليس هو المراد من الآية وحده والدليل على ذلك قول البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عبدالملك بن عمير بن حريث عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال النبي " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة عن عبدالملك وهو ابن عمير به وأخرجه الجماعة في كتبهم إلا أبا داود من طرق عن عبدالملك وهو ابن عمير به وقال الترمذي حسن صحيح ورواه البخاري ومسلم من رواية الحسن العرني عن عمرو بن حريث به وقال: الترمذي حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن عيلان قالا: حدثنا سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " تفرد بإخراجه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن محمد بن عمرو ولا من حديث سعيد بن عامر عنه وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر كذا قال- وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من طريق آخر عن أبي هريرة فقال: حدثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري حدثنا أسلم بن سهل حدثنا القاسم بن عيسى حدثنا طلحة بن عبدالرحمن عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " وهذا حديث غريب من هذا الوجه وطلحة بن عبدالرحمن هذا السلمي الواسطي يكنى بأبي محمد وقيل أبو سليمان المؤدب قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها.
ثم قال الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا الكمأة جدري الأرض فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم " وهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار به وعنه عن غندر عن شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة به وعن محمد بن بشار عن عبدالأعلى عن خالد الحذاء عن شهر بن حوشب بقصة الكمأة فقط.
وروى النسائي أيضا وابن ماجه من حديث محمد بن بشار عن أبي عبدالصمد بن عبدالعزيز بن عبدالصمد عن مطر الوراق عن شهر بقصة العجوة عند النسائي وبالقصتين عند ابن ماجه وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة فإنه لم يسمع منه بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين الدرهمي عن عبدالأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يذكرون الكمأة وبعضهم يقول جدري الأرض فقال " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " وروى عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر كما قال الإمام أحمد حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن جابر بن عبدالله وأبي سعيد الخدري قالا قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم " وقال النسائي في الوليمة أيضا حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشـر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " ثم رواه أيضا ابن ماجه من طرق عن الأعمش عن أبي بشر عن شهر عنهما به وقد رويا - أعني النسائي من حديث جرير وابن ماجه من حديث سعيد بن أبي سلمة - كلاهما عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد رواه النسائي وحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " ورواه ابن مردويه عن أحمد بن عثمان عن عباس الدوري عن لاحق بن صواب عن عمار بن رزيق عن الأعمش كابن ماجه وقال: ابن مردويه أيضا حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا عباس الدوري حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأعمش عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كمآت فقال " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " وأخرجه النسائي عن عمرو بن منصور عن الحسن بن الربيع به ثم ابن مردويه رواه أيضا عن عبدالله بن إسحاق عن الحسن بن سلام عن عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش به وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم عن عبيد الله بن موسى وقد روى من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه كما قال ابن مردويه حدثنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم حدثنا حمدون بن أحمد حدثنا جويرة بن أشرس حدثنا حماد عن شعيب بن الحجاب عن أنس أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تداروا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار فقال بعضهم نحسبه الكمأة فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " الكمأة من المن وماؤها شفاء العين والعجوة من الجنة وفيها شفاء من السم " وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئا من هذا والله أعلم: وروى عن شهر عن ابن عباس كما رواه النسائي أيضا في الوليمة عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد عن عبدالله بن عون الخراز عن أبي عبيدة الحداد عن عبد الجليل بن عطية عن عبدالله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " فقد اختلف كما ترى فيه على شهر بن حوشب ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم فإن الأسانيد إليه جيدة وهو لا يتعمد الكذب وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم من رواية سعيد بن زيد رضي الله عنه.
وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السلوى طائر يشبه بالسمانى كانوا يأكلون منه.
وقال السدي في خبره ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة السلوى طائر يشبه السمانى وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا عبدالصمد بن عبد الوارث حدثنا قوة بن خالد عن جهضم عن ابن عباس قال السلوى هو السمانى وكذا قال: مجاهد والشعبي والضحاك والحسن وعكرمة والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى وعن عكرمة أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور أو نحو ذلك.
وقال قتادة: السلوى كان من طير إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك فإذا تغذى فسد ولم يبق عنده حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه وقال: وهب بن منبه: السلوى طير سمين مثل الحمامة كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت وفي رواية عن وهب وقال: سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام لحما فقال الله لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض فأرسل عليهم ريح فأذرت عند مساكنهم السلوى وهو السماني مثل ميل في ميل قيد رمح في السماء فخباءوا للغد فنتن اللحم وخنز الخبر وقال السدي لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى عليه السلام كيف لنا بما ههنا أين الطعام فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل والسلوى وهو طائر يشبه السماني أكبر منه فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله فإذا سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟
فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عين فشرب كل سبط من عين فقالوا هذا الشراب فأين الظل؟
فظلل عليهم الغمام فقالوا هذا الظل فأين اللباس؟
فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان ولا يتخرق لهم ثوب فذلك قوله تعالى "وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى" وقوله "وإذا ستسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين" وروي عن وهب بن منبه وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي وقال: سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس خلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن قال ابن جريج: فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدا قال: ابن عطية السلوى طير بإجماع المفسرين وقد غلط الهذلي في قوله إنه العسل وأنشد في ذلك مستشهدا: وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما أشورها قال فظن أن السلوى عسلا قال القرطبي: دعوى الإجماع لا يصح لأن المؤرخ أحد علماء اللغة والتفسير قال إنه العسل واستدل ببيت الهذلي هذا وذكر أنه كذلك فى لغة كنانة لأنه يسلي به ومنه عين سلوان وقال الجوهري: السلوى العسل واستشهد ببيت الهذلي أيضا والسلوانة بالضم خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا قال الشاعر: شربت على سلوانة ماء مزنة فلا وجديد العيش يامي ما أسلو واسم ذلك الماء السلوان وقال بعضهم السلوان دواء يشفي الحزين فيسلو والأطباء يسمونه مفرج قالوا والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضا كما يقال سماني للمفرد والجمع وويلي كذلك وقال الخليل واحده سلواة وأنشد: وإني لتعروني لذكـراك هزة كما انتفض السلواة من بلل القطر وقال الكسائي: السلوى واحدة وجمعه سلاوى نقله كله القرطبي وقوله تعالى "كلوا من طيبات ما رزقناكم" أمر إباحة وإرشاد وامتنان وقوله تعالى "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا كما قال "كلوا من رزق ربكم واشكروا له" فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات وخوارق العادات ومن ههنا متبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضى عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك كان سهلا على النبي ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعا الله فيه وأمرهم فملؤا كل وعاء معهم وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملؤا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر.
فهذا هو الأكمل في اتباع الشيء مع قدر الله مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
القول في تأويل قوله : وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرقناهم= يعني قوم موسى من بني إسرائيل, فرقهم الله فجعلهم قبائل شتى, اثنتي عشرة قبيلة.
* * * وقد بينا معنى " الأسباط"، فيما مضى، ومن هم.
(1) * * * واختلف أهل العربية في وجه تأنيث " الاثنتي عشرة "، و " الأسباط" جمع مذكر.
فقال بعض نحويي البصرة: أراد اثنتي عشرة فرقة, ثم أخبر أن الفرق " أسباط", ولم يجعل العدد على " أسباط".
* * * وكان بعضهم يستخِلُّ هذا التأويل ويقول (2) لا يخرج العدد على غير التالي, (3) ولكن " الفرق " قبل " الاثنتي عشرة "، حتى تكون " الاثنتا عشرة " مؤنثة على ما قبلها, ويكون الكلام: وقطعناهم فرقًا اثنتي عشرة أسباطًا= فيصحّ التأنيث لما تقدَّم.
* * * وقال بعض نحويي الكوفة: إنما قال " الاثنتي عشرة " بالتأنيث، و " السبط" مذكر, لأن الكلام ذهب إلى " الأمم "، فغُلّب التأنيث، وإن كان " السبط" ذكرًا, وهو مثل قول الشاعر: (4) وَإِنَّ كِلابًــا هَــذِهِ عَشْــرُ أَبْطُـنٍ وَأَنْـتَ بَـرِيءٌ مِـنْ قَبَائِلِهَـا الْعَشْـرِ (5) ذهب ب " البطن " إلى القبيلة والفصيلة, فلذلك جمع " البطن " بالتأنيث.
* * * وكان آخرون من نحويي الكوفة يقولون: إنما أنّثت " الاثنتا عشرة "، و " السبط" ذكر, لذكر " الأمم ".
(6) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنّ " الاثنتي عشرة " أنثت لتأنيث " القطعة "، ومعنى الكلام: وقطعناهم قِطَعًا اثنتي عشرة ثم ترجم عن " القِطَع " ب " الأسباط"، وغير جائز أن تكون " الأسباط" مفسرة عن " الاثنتي عشرة " وهي جمع, لأن التفسير فيما فوق " العشر " إلى " العشرين " بالتوحيد لا بالجمع, (7) و " الأسباط" جمع لا واحد, وذلك كقولهم: " عندي اثنتا عشرة امرأة ".
ولا يقال: " عندي اثنتا عشرة نسوة "، فبيَّن ذلك أن " الأسباط" ليست بتفسير للاثنتي عشرة, (8) وأن القول في ذلك على ما قلنا.
* * * وأما " الأمم "، فالجماعات= و " السبط" في بني إسرائيل نحو " القَرْن ".
(9) * * * وقيل: إنما فرّقوا أسباطًا لاختلافهم في دينهم.
* * * القول في تأويل قوله : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " وأوحينا إلى موسى "، إذ فرّقنا بني إسرائيل قومه اثنتي عشرة فرقة, وتيَّهناهم في التيه، فاستسقوا موسى من العَطش وغَوْر الماء= " أن اضرب بعصَاك الحجر ".
* * * وقد بينا السبب الذي كان قومه استسقوه وبينا معنى الوحي بشواهده.
(10) * * * = " فانبجست "، فانصّبت وانفجرت من الحجر اثنتَا عشرة عينًا من الماء, " قد علم كل أناس "، يعني: كل أناس من الأسباط الاثنتي عشرة " مشربهم "، لا يدخل سبط على غيره في شربه= " وظللنا عليهم الغمام "، يكنُّهم من حرّ الشمس وأذاها.
* * * وقد بينا معنى " الغمام " فيما مضى قبل, وكذلك: " المن والسلوى ".
(11) * * * = " وأنـزلنا عليهم المن والسلوى "، طعامًا لهم= " كلوا من طيبات ما رزقناكم "، يقول: وقلنا لهم: كلوا من حَلال ما رَزقْناكم، أيها الناس، وطيّبناه لكم= " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "، وفي الكلام محذوف، ترك ذكره استغناءً بما ظهَر عما ترك, وهو: " فأجِمُوا ذلك، (12) وقالوا: لن نصبر على طعام واحد, فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير "= " وما ظلمونا "، يقول: وما أدخلوا علينا نقصًا في ملكنا وسلطاننا بمسألتهم ما سألوا, وفعلهم ما فعلوا= " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "، أي: ينقصونها حظوظَها باستبدالهم الأدنى بالخير، والأرذل بالأفضل.
------------------- الهوامش : (1) (2) انظر تفسير (( الأسباط )) فيما سلف 2 : 121 ، الخبر رقم 1047 / 3 : 109 - 113 ، 122 / 6 : 569 .
(2) (3) في المخطوطة : (( يستحكى هذا التأويل )) ، وفي المطبوعة : (( يستحكى على هذا التأويل )) ، زاد (( على )) ، لأن وجد الكلام لا معنى له .
والصواب عندي ما أثبت (( يستخل )) من (( الخلل )) وهو الوهن و الفساد ، وقالوا : (( أمر مختل )) أي فاسد واهن .
فاستخرج أبو جعفر أو غيره قياساً من (( الخلل )) (( استخل الشيء )) ، أي استوهنه واستضعفه ، ووجد فيه خللاً .
وهو قياس جيد في العربية .
وهو صواب المعنى فيه إن شاء الله.
(3) (1) في المخطوطة : (( على غير الثاني )) ، وغيرها في المطبوعة إلى : (( على عين الثاني )) ، وكلتاهما فاسدة المعنى ، والصواب ما أثبت .
يعنى : ما يتلو العدد ، وهو (( أسباط )) ، وهو الظاهر في الكلام ، وتقديره : (( اثنى عشرة فرقة أسباطاً )) ثم حذف (( فرقة )) وإضمارها ، يوجب أن يجرى العدد على ما يتلوه ، فصح بهذا ما أثبت من قراءة النص .
(4) (2) النواح الكلابي، رجل من بنى كلاب .
(5) (3) سيبويه 2 : 174 ، معاني القرآن للفراء 1 : 126 ، الإنصاف : 323 ، العينى ( هامش الخزانة ) 4 : 484 ، واللسان ( بطن ) ، وغيرها .
ولم أجد تتمة الشعر .
(6) (4) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 397 .
(7) (1) (( التفسير )) ، هو (( التمييز )) ، فقوله : (( مفسرة )) أي تمييزاً في الإعراب .
(8) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( ففي ذلك أن الأسباط )) ، وهو تركيب واه ضعيف ، ورجحت أن ما أثبت أشبه بالصواب .
(9) (3) انظر تفسير (( الأمة ) فيما سلف ص : 172 ، تعليق : 1 والمراجع هناك وتفسير السبط فيما سلف ص 174 تعليق 2 والمراجع هناك .
(10) (1) انظر ما سلف 2: 119 - 122 .
= وتفسير (( الوحي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .
(11) (2) انظر تفسير (( تظليل الغمام )) فيما سلف 2 : 90 ، 91 .
= وتفسير (( المن )) و (( والسلوى )) فيما سلف 2 : 91 - 101 .
= وتفسير سائر الآية ، وهي نظيرتها فيما سلف 2 : 101 ، 102 .
(12) (3) في المطبوعة : (( فأجمعوا ذلك )) ، ظن ما في المخطوطة خطأ ، فأصلحه ، يعنى فأفسده !
!
يقال : (( أجم الطعام يأجمه أجما )) ، إذا كرهه ومله من طول المداومة عليه .
قوله تعالى وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما عدد نعمه على بني إسرائيل ، وجعلهم أسباطا ليكون أمر كل سبط معروفا من جهة رئيسهم ; فيخف الأمر على موسى .
وفي التنزيل : وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقد تقدم .وقوله : اثنتي عشرة والسبط مذكر لأن بعده أمما فذهب التأنيث إلى الأمم .
ولو قال : اثني عشر لتذكير السبط جاز ; عن الفراء .
وقيل : أراد بالأسباط القبائل والفرق ; فلذلك أنث العدد .
قال الشاعر :وإن قريشا كلها عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشرفذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة ; فلذلك أنثها .
والبطن مذكر ; كما أن الأسباط جمع مذكر .
الزجاج : المعنى قطعناهم اثنتي عشرة فرقة .أسباطا بدل من اثنتي عشرة أمما نعت للأسباط .
وروى المفضل عن عاصم ( وقطعناهم ) مخففا .أسباطا الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهما السلام .
والأسباط مأخوذ من السبط وهو شجر تعلفه الإبل .
وَقَطَّعْنَاهُمُ أي: قسمناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا أي: اثنتي عشرة قبيلة متعارفة متوالفة، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أي: طلبوا منه أن يدعو اللّه تعالى، أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنهم - واللّه أعلم - في محل قليل الماء.
فأوحى اللّه لموسى إجابة لطلبتهم أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ يحتمل أنه حجر معين، ويحتمل أنه اسم جنس، يشمل أي حجر كان، فضربه فَانْبَجَسَتْ أي: انفجرت من ذلك الحجر اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا جارية سارحة.
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكل منهم عينا، فعلموها، واطمأنوا، واستراحوا من التعب والمزاحمة، والمخاصمة، وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم.
وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فكان يسترهم من حر الشمس وَأَنـزلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وهو الحلوى، وَالسَّلْوَى وهو لحم طير من أنواع الطيور وألذها، فجمع اللّه لهم بين الظلال، والشراب، والطعام الطيب، من الحلوى واللحوم، على وجه الراحة والطمأنينة.
وقيل لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا حين لم يشكروا اللّه، ولم يقوموا بما أوجب اللّه عليهم.
وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث فوتوها كل خير، وعرضوها للشر والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.
قوله - عز وجل - : ( وقطعناهم ) أي : فرقناهم ، يعني بني إسرائيل ، ( اثنتي عشرة أسباطا أمما ) قال الفراء : إنما قال : " اثنتي عشرة " ، والسبط مذكر لأنه قال : " أمما " فرجع التأنيث إلى الأمم ، وقال الزجاج : المعنى وقطعناهم اثنتي عشرة أمما ، وإنما قال : " أسباطا أمما " ، بالجمع وما فوق العشرة لا يفسر بالجمع ، فلا يقال : أتاني اثنا عشر رجالا لأن الأسباط في الحقيقة نعت المفسر المحذوف وهو الفرقة ، أي : وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أمما .
وقيل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة ، والأسباط القبائل واحدها سبط .
قوله تعالى : ( وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه ) في التيه ، ( أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست ) انفجرت .
وقال أبو عمرو بن العلاء : عرقت وهو الانبجاس ، ثم انفجرت ، ( منه اثنتا عشرة عينا ) لكل سبط عين ( قد علم كل أناس ) كل سبط ، ( مشربهم ) وكل سبط بنو أب واحد .
قوله تعالى : ( وظللنا عليهم الغمام ) في التيه تقيهم حر الشمس ، ( وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )
«وقَطَّعناهم» فّرَّقنا بني إسرائيل «اثنتي عشرة» حال «أسباطا» بدل منه، أي قبائل «أمما» بدل مما قبله «وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه» في التيه «أن اضرب بعصاك الحجر» فضربه «فانبجست» انفجرت «منه اثنتا عشرة عينا» بعدد الأسباط «قد علم كل أُناس» سبط منهم «مشربهم وظللنا عليهم الغمام» في التيه من حر الشمس «وأنزلنا عليهم المن والسلوى» هما الترنجبين والطير السماني بتخفيف الميم والقصر وقلنا لهم «كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون».
وفرَّقنا قوم موسى مِن بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة بعدد الأسباط -وهم أبناء يعقوب- كل قبيلة معروفة من جهة نقيبها.
وأوحينا إلى موسى إذ طلب منه قومه السقيا حين عطشوا في التِّيْه: أن اضرب بعصاك الحجر، فضربه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا من الماء، قد علمت كل قبيلة من القبائل الاثنتي عشرة مشربهم، لا تدخل قبيلة على غيرها في شربها، وظلَّلنا عليهم السحاب، وأنزلنا عليهم المنَّ -وهو شيء يشبه الصَّمغ، طعمه كالعسل - والسلوى، وهو طائر يشبه السُّمَانَى، وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، فكرهوا ذلك وملُّوه من طول المداومة عليه، وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وما ظلمونا حين لم يشكروا لله، ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ إذ فوَّتوا عليها كل خير، وعرَّضوها للشر والنقمة.
ثم ذكر القرآن بعض النعم التى أنعم الله بها على بنى إسرائيل ، وكيف وقفوا من هذه النعم موقف الجاحد الكنود فقال - تعالى - : ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ .
.
.
) .قوله ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ) اى : فرقنا قوم موسى وصيرناهم اثنتى عشرة أمة تتميز كل أمة عن الأخرى .والأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب .
والسبط : ولد الولد فهو كالحفيد .
وقد يطلق السبط على الولد .وكان بنو إسرائيل اثنتى عشرة قبيلة من اثنى عشر ولداً هم أولاد يعقوب - عليه السلام - قالوا : والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يتعدى لاثنين ، فعلى هذا يكون اثنتى عشرة حالا من مفعول ( قَطَّعْنَاهُمُ ) وهو ضمير الغائبين " هم " .ويرى الزمخشرى وغيره أن " قطعناهم " بمعنى صيرناهم وأن ( اثنتي عَشْرَةَ ) مفعول ثان ، وتمييز اثنتى محذوف لفهم المعنى والتقدير وقطعناهم اثنتى عشرة فرقة .و ( أَسْبَاطاً ) بدل من ذلك التمييز ، و ( أُمَماً ) بدل بعد بدل من اثنتى عشرة .والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها من أخبار بنى إسرائيل ، لمشاركتها لها فى كل ما يقصد به من العظات والعبر .وقوله : ( وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ) .الاستسقاء : طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر .
وذلك عن طريق الدعاء لله - تعالى - فى خشوع واستكانة ، وقد سأل موسى - عليه السلام - ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش بعد ما كانوا فى التيه .فعن ابن عباس أنه قال : كان ذلك فى التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها " .وقيل : كان الاستسقاء فى البرية ولكن الآثار التى تدل على أنه كان فى التيه أصح وأكثر .والمعنى : وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه الماء أن اضرب بعصاط الحجر فضربه فخرج منه الماء من اثنتى عشرة عينا ليروا بأعينهم مظاهر قدرتنا ، وليشاهدوا دليلا من الأدلة المتعددة التى تؤيد موسى فى أنه صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل - .وقوله ( إِذِ استسقاه قَوْمُهُ ) يفيد أن الذى سأل ربه السقيا هو موسى وحده ، لتظهر كرامته لدى ربه عند قومه ، وليشاهدوا بأعينهم كيف أن الله - تعالى - قد أكرمه حيث أجاب دعاءه ففجر لهم الماء من الحجر .وال فى ( الحجر ) لتعريف الجنس ، أى : اضرب أى حجر شئت بدون تعيين ، وقيل للعهد ، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى - عليه السلام - بوحى من الله - تعالى - وقد أورد بعض المفسرين فى ذلك آثاراً حكم عليها المحققون من العلماء بالضعف ، ولذا لم نعتد بها .والذى نرجحه أن " أل " هنا لتعريف الجنس ، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر فى إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه ، وأبعد عن التشكيك فى إكرام الله لنبيه موسى ، إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا إن انفجار الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر ، وليس لكرامة موسى عند ربه - عز وجل - .والفاء فى قوله ( انبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ) معطوفة على محذوف والتقدير : فضرب فانبجست .قال بعضهم : والانبجاس والانفجار واحد .
يقال بجست الماء أبجسه فانبجس ، بمعنى فجرته فانفجر .وقيل : إن الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة .ولا تنافى بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة ( فانفجرت ) وبين قوله هنا ( انبجست ) لأنه انبجس أولا ثم انفجر ثانيا .
وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه .وكانت اليعون اثنتى عشرة عينا بحسب عدد أسباط بنى إسرائيل إتماما للنعمة عليهم حتى لا يقع بينهم تنازع أو تشاجر .وقوله ( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ) إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتى عشرة عينا .
أى : قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه فلا يتعداه إلى غيره ، وفى ذلك ما فيه من استقرار أمورهم ، واطمئنان نفوسهم ، وعدم تعدى بعضهم على بعض .ثم ذكر - سبحانه - نعما أخرى مما أنعم به عليهم فقال : ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام ) .الغمام : جمع غمامة وهى السحابة : وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض .أى : وسخرنا لبنى إسرائيل الغمام بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس .قله ( وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى ) معطوف على ما قبله .والمن : اسم جنس لا واحد له من لفظه ، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط من الشجر تشبه حلاته حلاوة العسل .والسلوى : اسم جنس جمعى واحدته سلواه ، وهو طائر برى لذيذ اللحم ، سهل الصيد يسمى بالسمانى ، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا بدون تعب .وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم كان فى مدة تيههم بين مصر والسام المشار إليه بقوله - تعالى - : ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض ) إليه بقوله - تعالى - : ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض ) أين الطعام؟
فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل والسلوى وهو طائر يشبه السمانى فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه ، فقالوا : هذا الطعام فأين الشراب؟
فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فشرب كل سبط من عين .
فقالوا : هذا الشراب فأين الظل!
فظلل الله عليهم بالغمام فقالوا : هذا الظل فأين اللباس؟
فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم ثوب فذلك قوله - تعالى - ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى ) .وقوله ( كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) أى : وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم ، واشكروا ربكم على هذه النعم لكى يزيدكم منها .وقوله : ( وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) معطوف على محذوف أى : فعصوا أمر ربهم وكفروا بهذه لنعم الجليلة وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .ويرى البعض أنه لا حاجة إلى هذا التقدير ، وأن جملة ( وَمَا ظَلَمُونَا ) معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها فى أنها من أحوال بنى إسرائيل .والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة " كانوا " والفعل المضارع " يظلمون " يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم ، لأنك لا تقول فى ذم إنسان " كان يسىء إلى الناس " إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى .قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة ما ملخصه : " هذا من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه وذلك أن معنى الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به ، وعصوا ربهم ، ثم رسولنا إليهم وما ظلمونا " فاكتفى بما ظهر عما ترك .
وقوله : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) أى : ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا ، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها .
فإن الله - تعالى - لا تضره معصية عاص ، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد فى ملكه عدل عادل ، لنفسه يظلم الظالم ، وحظها يبخس العاصى ، وإياها ينفع المطيع ، وحظها يصيب العادل " .
اعلم أن المقصود من هذه الآية، شرح نوعين من أحوال بني إسرائيل: أحدهما: أنه تعالى جعلهم اثني عشر سبطاً، وقد تقدم هذا في سورة البقرة، والمراد أنه تعالى فرق بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة، لأنهم كانوا من اثني عشر رجلاً من أولاد يعقوب، فميزهم وفعل بهم ذلك لئلا يتحاسدوا فيقع فيهم الهرج والمرج.
وقوله: ﴿ وقطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم من بعض وقرئ ﴿ وقطعناهم ﴾ بالتخفيف وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعاً، وهلا قيل: اثني عشر سبطاً؟
والجواب: المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط، فوضع أسباطاً موضع قبيلة.
السؤال الثاني: قال: ﴿ اثنتى عَشْرَةَ أَسْبَاطًا ﴾ مع أن السبط مذكر لا مؤنث.
الجواب قال الفراء: إنما قال ذلك، لأنه تعالى ذكر بعده ﴿ أُمَمًا ﴾ فذهب التأنيث إلى الأمم.
ثم قال: ولو قال: اثني عشر لأجل أن السبط مذكر كان جائزاً.
وقال الزجاج: المعنى ﴿ وقطعناهم اثنتى عَشْرَةَ ﴾ فرقة ﴿ أَسْبَاطًا ﴾ فقوله: ﴿ أَسْبَاطًا ﴾ نعت لموصوف محذوف، وهو الفرقة.
وقال أبو علي الفارسي: ليس قوله: ﴿ أَسْبَاطًا ﴾ تمييزاً، ولكنه بدل من قوله: ﴿ اثنتى عَشْرَةَ ﴾ .
وأما قوله: ﴿ أُمَمًا ﴾ قال صاحب الكشاف: هو بدل من ﴿ اثنتى عَشْرَةَ ﴾ بمعنى: وقطعناهم أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى ولا تكاد تأتلف.
وقرئ ﴿ اثنتى عَشْرَةَ ﴾ بكسر الشين.
النوع الثاني: من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر ﴾ وهذه القصة أيضاً قد تقدم ذكرها في سورة البقرة.
قال الحسن: ما كان إلا حجراً اعترضه وإلا عصاً أخذها.
واعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه الحجر.
وكانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة، وقوله: ﴿ فانبجست ﴾ قال الواحدي: فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره.
يقال: بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا تفجر، هذا قول أهل اللغة، ثم قال: والانبجاس والانفجار سواء، وعلى هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور هاهنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة، وقال آخرون: الانبجاس خروج الماء بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، وطريق الجمع: أن الماء ابتدأ بالخروج قليلاً، ثم صار كثيراً، وهذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء، ولما ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم، ذكر ثانياً أنه ظلل الغمام عليهم، وثالثا: أنه أنزل عليهم المن والسلوى، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى، لأنه تعالى سهل عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس.
ثم قال: ﴿ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم ﴾ والمراد قصر أنفسهم على ذلك المطعوم وترك غيره.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ وفيه حذف، وذلك لأن هذا الكلام إنما يحسن ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم الله به، وذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا مع أن الله منعهم منه، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله عنه، أو لأنهم سألوا غير ذلك مع أن الله منعهم منه، ومعلوم أن المكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه، فلذلك وصفهم الله تعالى به ونبَّه بقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقطعناهم ﴾ وصيرناهم قطعاً، أي فرقاً وميزنا بعضهم من بعض لقلة الألفة بينهم.
وقرئ: ﴿ وقطعناهم ﴾ بالتخفيف ﴿ اثنتى عَشْرَةَ أَسْبَاطًا ﴾ كقولك: اثنتي عشرة قبيلة.
والأسباط: أولاد الولد، جمع سبط وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب عليه السلام.
فإن قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعاً؟
وهلاّ قيل: اثني عشر سبطاً؟
قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقاً لأنّ المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع أسباطاً موضع قبيلة.
ونظيره: بينَ رِمَاحِيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ و ﴿ أُمَمًا ﴾ بدل من اثنتي عشرة بمعنى: وقطعناهم أمماً لأنّ كل أسباط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمّه الأخرى، لا تكاد تأتلف.
وقرئ: ﴿ اثنتي عشرة ﴾ بكسر الشين ﴿ فانبجست ﴾ فانفجرت.
والمعنى واحد، وهو الانفتاح بسعة وكثرة: قال العجاج: وَكَيْفَ غَرْبِيّ دَالِجٍ تَبَجَّسَا فإن قلت: فهلا قيل: فضرب فانبجست؟
قلت: لعدم الإلباس، وليجعل الإنبجاس مسبباً عن الإيحاء بضرب الحجر للدلالة على أنّ الموحى إليه لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشكّ عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به.
من قوله: ﴿ كُلَّ أُنَاسٍ ﴾ نظير قوله: اثنتي عشرة أسباطاً، يريد كل أمّة من تلك الأمم الثنتي عشرة، والأناس، اسم جمع غير تكسير، نحو.
رخال وتناء وتؤام وأخوات لها.
ويجوز أن يقال: إن الأصل الكسر والتكسير، والضمة بدل من الكسرة، كما أبدلت في نحو.
سكارى وغيارى من الفتحة ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام ﴾ وجعلناه ظليلاً عليهم في التيه، و ﴿ كُلُواْ ﴾ على إرادة القول ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم، ولكن كانوا يضرون أنفسهم.
ويرجع وبال ظلمهم إليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى ﴾ يَعْنِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ يَهْدُونَ النّاسَ مُحِقِّينَ أوْ بِكَلِمَةِ الحَقِّ.
﴿ وَبِهِ ﴾ بِالحَقِّ.
﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ بَيْنَهم في الحُكْمِ والمُرادُ بِها الثّابِتُونَ عَلى الإيمانِ القائِمُونَ بِالحَقِّ مِن أهْلِ زَمانِهِ، أتْبَعَ ذِكْرَهم ذِكْرُ أضْدادِهِمْ عَلى ما هو عادَةُ القُرْآنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَعارُضَ الخَيْرِ والشَّرِّ وتَزاحُمَ أهْلِ الحَقِّ والباطِلِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
وقِيلَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ.
وقِيلَ قَوْمٌ وراءَ الصِّينِ رَآهم رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةَ المِعْراجِ فَآمَنُوا بِهِ.
﴿ وَقَطَّعْناهُمُ ﴾ وصَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَمَيِّزًا بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ.
﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعَ فَإنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى صَيَّرَ، أوْ حالٌ وتَأْنِيثُهُ لِلْحَمْلِ عَلى الأُمَّةِ أوِ القِطْعَةِ.
﴿ أسْباطًا ﴾ بَدَلٌ مِنهُ ولِذَلِكَ جُمِعَ، أوْ تَمْيِيزٌ لَهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ وإسْكانِها.
﴿ أُمَمًا ﴾ عَلى الأوَّلِ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، أوْ نَعْتُ أسْباطٍ وعَلى الثّانِي بَدَلٌ مِن أسْباطٍ.
﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ ﴾ في التِّيهِ.
﴿ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ وحَذْفُهُ لِلْإيماءِ عَلى أنَّ مُوسى لَمْ يَتَوَقَّفْ في الِامْتِثالِ، وأنَّ ضَرْبَهُ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الفِعْلُ في ذاتِهِ ﴿ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ ﴾ كُلُّ سِبْطٍ.
﴿ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ ﴾ لِيَقِيَهم حَرَّ الشَّمْسِ.
﴿ وَأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم كُلُوا.
﴿ مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ « البَقَرَةِ» .
<div class="verse-tafsir"
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)
{وقطعناهم} وصيرناهم قطعنا أى فرقا وميزانا بعضهم من بعض {اثنتي عشرة أسباطاً} كقولك اثنتى عشرة قبيلة والأسبط أولاد الولد جمع سبط وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثنتى عشر ولدا من ولد يعقول عليه السلام نعم مميزا ما عدا العشرة مفردة فكان ينبغي أن يقال اثني عشر سبطاً لكن المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وكل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباط موضع قبيلة {أمماً} بدل من اثنتي عشرة أي وقطعناهم أمما لأن كل أسبط كانت أمة عظيمة وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى {وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بّعصاك الحجر} فضرب
{فانبجست} فانفجرت {منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كلّ أناسٍ مّشربهم} هو اسم جمع غير تكسير {وظللنا عليكم الغمام} وجعلناه ظليلا عليهم فى اليته {وأنزلنا عليهم المن والسلوى} وقلنالهم {كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا} أي وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ولكم كانوا يضرون أنفسهم ويرجع وبال ظلمهم إليهم
﴿ وقَطَّعْناهُمُ ﴾ أيْ: قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا الأُمَّةَ المَذْكُورَةَ كَما يُوهِمُهُ القُرْبُ (وقَطَّعَ) يُقْرَأُ مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا، والأوَّلُ هو المُتَواتِرُ، ويَتَعَدّى لِواحِدٍ، وقَدْ يُضَمَّنُ مَعْنى صَيَّرَ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: فَرَّقْناهم مَعْدُودِينَ بِهَذا العَدَدِ، أوْ صَيَّرْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ أسْباطًا ﴾ كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ بَدَلٌ مِنَ العَدَدِ لا تَمْيِيزَ لَهُ، وإلّا لَكانُوا سِتَّةً وثَلاثِينَ، وعَلَيْهِ فالتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ أيْ: فِرْقَةً أوْ نَحْوَهُ، قالَ الحُوفِيُّ: إنَّ صِفَةَ التَّمْيِيزِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ، والأصْلُ: فِرْقَةً أسْباطًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا لِأنَّهُ مُفْرَدٌ تَأْوِيلًا، فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ السِّبْطَ مُفْرَدًا ولَدُ الوَلَدِ، أوْ ولَدُ البِنْتِ أوِ الوَلَدِ، أوِ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، أقْوالٌ ذَكَرَها ابْنُ الأثِيرِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ جَماعَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبِيلَةِ في العَرَبِ، ولَعَلَّهُ تَسْمِيَةٌ لَهم بِاسْمِ أصْلِهِمْ كَتَمِيمٍ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنهم أسْباطٌ أيْضًا كَما غَلَبَ الأنْصارُ عَلى جَمْعٍ مَخْصُوصٍ فَهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى الحَيِّ والقَبِيلَةِ، فَلِهَذا وقَعَ مَوْقِعَ المُفْرَدِ في التَّمْيِيزِ، وهَذا كَما ثَنّى الجَمْعَ في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ يَصِفُ رَمْكَةً تَعَوَّدَتِ الحَرْبَ: تَبَقَّلَتْ في أوَّلِ التَّبَقُّلِ بَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ وتَأْنِيثُ اثْنَتَيْ مَعَ أنَّ المَعْدُودَ مُذَكَّرٌ وما قَبْلَ الثَّلاثَةِ يَجْرِي عَلى أصْلِ التَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ لِتَأْوِيلِ ذَلِكَ بِمُؤَنَّثٍ وهو ظاهِرٌ مِمّا قَرَّرْنا، وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ (عَشِرَةَ) بِكَسْرِ الشِّينِ ورُوِيَ عَنْهُ فَتْحُها أيْضًا، والكَسْرُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والسُّكُونُ لُغَةُ الحِجازِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُمَمًا ﴾ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لا مِن أسْباطٍ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ لا يُبْدَلُ مِنَ البَدَلِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنهُ إذا لَمْ يَكُنْ بَدَلًا ونَعْتًا إنْ كانَ كَذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ.
﴿ وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ ﴾ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْهِ العَطَشُ في التِّيهِ: ﴿ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ (فَأنْ) بِمَعْنى أيْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً.
﴿ فانْبَجَسَتْ ﴾ أيِ انْفَجَرَتْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الِانْبِجاسَ خُرُوجُ الماءِ بِقِلَّةٍ، والِانْفِجارَ خُرُوجُهُ بِكَثْرَةٍ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا تارَةً وبِالأُخْرى أُخْرى بِاعْتِبارِ أوَّلِ الخُرُوجِ وما انْتَهى إلَيْهِ، والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، وحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الإلْباسِ، ولِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ الِامْتِثالِ حَتّى كَأنَّ الإيحاءَ وضَرْبَهُ أمْرٌ واحِدٌ، وأنَّ الِانْبِجاسَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى كَأنَّ فِعْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا دَخْلَ فِيهِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ هَذِهِ الفاءَ عَلى ما قُرِّرَ فَصِيحَةٌ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ شَرْطًا في الكَلامِ فَإذا ضَرَبْتَ فَقَدِ انْبَجَسَتْ ﴿ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ ، وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالنَّظْمِ الجَلِيلِ.
﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ ﴾ أيْ: سِبْطٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِكَثْرَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأسْباطِ، وأُناسٌ إمّا جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ، وذَكَرَ السَّعْدُ أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ اسْمَ الجَمْعِ جَمْعًا، و(عَلِمَ) بِمَعْنى عَرَفَ، النّاصِبِ مَفْعُولًا واحِدًا أيْ: قَدْ عَرَفَ.
﴿ مَشْرَبَهُمْ ﴾ أيْ: عَيْنَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ، ووَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ.
﴿ وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ بِحَيْثُ يُلْقِي عَلَيْهِمْ ظِلَّهُ لِيَقِيَهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، وكانَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويَسْكُنُ بِإقامَتِهِمْ.
﴿ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى ﴾ أيِ التَّرَنْجَبِينَ والسُّمانى، فَكانَ الواحِدُ مِنهم يَأْخُذُ ما يَكْفِيهِ مِن ذَلِكَ.
﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: قُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُمْ: كُلُوا.
﴿ مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهُ، و(ما) مَوْصُولَةٌ كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً، عِبارَةٌ عَنِ المَنِّ والسَّلْوى.
﴿ وما ظَلَمُونا ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ لِلْإيجازِ والإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ.
أيْ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ.
﴿ وما ظَلَمُونا ﴾ بِذَلِكَ.
﴿ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِالكُفْرِ إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ القَصْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ، وفي الكَلامِ مِنَ التَّهَكُّمِ والإشارَةِ إلى تَمادِيهِمْ عَلى ما فِيهِمْ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة ويقال: هو لجميع الناس إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ويقال: إنه أول نداء نادى به في مكة بهذه الآية.
وكان من قبل يدعو واحداً واحداً.
فلما نزلت هذه الآية، أظهر ونادى في الناس: يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً من ذلك الرب الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق في السماء ولا في الأرض إلا هو يُحيِي وَيُمِيتُ يعني: يحي الأموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا، ويحيي للبعث ثانياً.
ويقال: يحيي يعني: يخلق الخلق من النطفة، ويميتهم عند انقضاء آجالهم.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يعني: يصدق بالله وَكَلِماتِهِ يعني: القرآن قال: السدي وَكَلِمَتُهُ يعني: صدق بأن عيسى صار مخلوقاً بكلمة الله وَاتَّبِعُوهُ يعني: محمدا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ من الضلالة.
قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني: جماعة يدعون إلى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني: وبالحق يعملون.
وقال بعضهم: يعني به مؤمني أهل الكتاب وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وهذا كما قال في آية أخرى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ [آل عمران: 113] الآية.
وقال بعضهم: هم قوم من وراء الصين من أمة موسى ما وراء رمل عالج.
وروي عن ابن عباس- ما- أن النبيّ ليلة أُسري به إلى البيت المقدس ومعه جبريل فرفعه إليهم وكلّمهم وكلّموه.
فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟
قالوا: لا.
قال: فإن هذا محمد النبي الأمي.
قال: يا جبريل وقد بعثه الله تعالى؟
قال نعم فآمنوا به وصدّقوه.
وقالوا: يا رسول الله أن موسى بن عمران أوصى إلينا أن من أدرك ذلك النبي منكم فليقرأ مني ومنكم ورد رسول الله على موسى ورد عليهم السلام ثم قال لهم رسول الله : «ما لِي أَرَى بُيُوتَكُمْ مُسْتَوِيَةً» ؟
قالوا: لأنا قوم لا يبغي بعضنا على بعض.
قال: «فما لي لا أرى عليها أبواباً» ؟
قالوا: إنّا لا يضر بعضنا بعضاً.
قال: «فَمَا لِي لا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ» ؟
قالوا: ما ضحكنا قط لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه أن جهنم عرضها ما بين الخافقين وقعرها الأرض السفلى، وقد أقسم الله تعالى ليملأنها مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ.
قال: «فَهَلْ تَبْكُونَ عَلَى المَيِّتِ» ؟
قالوا: يا رسول الله كيف نبكي على الميت وكلنا ميتون.
وهو سبيل لا بد منه.
والله أعطانا والله أخذ منا.
قال: «فَهَلْ تَمْرَضُونَ» ؟
قالوا: يا رسول الله إنما يمرض أهل الذنوب والخطايا.
فأما نحن فمعصومون بدعاء نبي الله موسى- - قال: «فَكَيْفَ تَمُوتُونَ إِذَا لَمْ تَمْرَضُوا؟» قالوا: إذا استوفى أحدنا رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه فندفنه، حيث يموت.
قال: «فَهَلْ تَحْزَنُونَ إذَا وُلِدَ لأَحَدِكُمْ جَارِيَةٌ» ؟
قالوا: يا رسول الله لا ولكنا نصوم لله تعالى شهراً شكرا، فإذا ولد لأحدنا غلام نصوم لله شهرين شكراً لله تعالى.
قال: «فَهَلْ فِيكُمْ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبٌ» ؟
قالوا: نعم.
قال: «كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهِنَّ» ؟
قالوا: يا رسول الله نمشي عليهن ويمشين علينا، ولا نؤذيهن ولا تؤذينا، آمنات منا ونحن آمنون منهن.
قال: «فَهَلْ لَكُمْ مَاشِيَةٌ» ؟
قالوا: نعم، نجز أصوافها فنتخذ منه الأفنية والأكسية، ونأكل من لحومهن الكفاف، وكل أهل القرية فيها شرع أي سواء ليس أحد أحق به منا.
قال: «فَهَلْ تَزِنُونَ أَوْ يُوزَنُ عَلَيْكُمْ» ؟
قالوا: لا نزن ولا يوزن علينا ولا نكيل ولا يكال علينا ولا نشتري ولا نبيع.
قال: «فَمِنْ أيْنَ تَأْكُلُونَ» ؟
قالوا: يا رسول الله: نخرج فنزرع، ويرسل الله تعالى السماء علينا فينبته، ثم نخرج إليه فنحصده، ونضعه في أماكن من القرية، فيأخذ أهل القرية منها الكفاف ويدعون ما سواه.
قال: «فَهَلْ تُجَامِعُونَ النِّسَاءَ» ؟
قالوا: نعم يا رسول الله لنا بيوت مظلمة وثياب معلومة فإذا أردنا المجامعة لبسنا ثيابنا تلك ودخلنا تلك البيوت، لا يرى الرجل عورة امرأته ولا المرأة عورة زوجها.
قال: «فَهَلْ فِيكُمُ زِنًى؟» قالوا: يا رسول الله لا فإن فعل ذلك أحد منا لظننا أن الله تعالى يبعث عليه ناراً فيحرقه أو يخسف به الأرض، ولكن إذا كان للرجل منا ابنة طلبها منه رجل فيزوجه إياها إرادة الأجر والعفة.
قال: «فَهَلْ تَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ» ؟
قالوا: لا.
يا رسول الله.
إنما يكنز الذهب والفضة من لا يثق بالله، ومن يرى أن الله تعالى لم يتكفل له برزقه.
فأما نحن فلا نكنز الذهب والفضة.
فأقرأهم رسول الله عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فعلمهم رسول الله وأمرهم بالصلاة والزكاة ورجع من ليلته.
وقال قتادة: قال رسول الله : في قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: «قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا» وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني: في هذه الأمة.
ثم قال: وَقَطَّعْناهُمُ يعني: بني إسرائيل فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً يعني: جماعة والأسباط جَمْعٌ والسبط في بني إسرائيل مثل القبيلة عند العرب وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى يعني: في التيه إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ إلى قوله: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ كل ذلك مذكور في سورة البقرة قرأ أبو عمرو نَّغْفِرْ لَكُمْ بالنون خطاياكم.
وقرأ ابن عامر تَغْفِرْ لَكُمْ بالتاء والضم خطيئتكم بالرفع وبلفظ الواحد.
وقرأ نافع تَغْفِرْ لكم بالتاء، والضم خطيئاتكم بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون نَغْفِرْ لَكُمْ بالنون خَطِيئاتِكُمْ بلفظ الجماعة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
والإِصْر أيضاً: العَهْد، وبه فسر ابنُ عباس وغيره «١» ، وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين فإِن بني إِسرائيل قد كان أخذ عليهم العَهْدُ بأن يقوموا بأعمال ثقال، فَوَضَعَ عنهم نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال ابن جُبيْر: الإِصْر: شدَّة العبادة «٢» ، وقرأ ابن عامر «٣» : «آصارَهُمْ» بالجمع فمَنْ وحَّد «الإصر» فإنما هو اسمُ جنْس عِنده، يراد به الجمعُ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ عبارةٌ مستعارَةٌ أيضاً لتلك الأثقال، كَقَطْعِ الجِلْدِ من أثر البَوْلِ، وأن لا ديةَ، ولا بدَّ من قَتْل القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسِّرين، وقالَ ابن زَيْدٍ: إنما المراد هنا ب الْأَغْلالَ قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في اليهود: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤] ، فمنْ آمن بنبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، زالَتْ عنه الدعوةُ، وتغليلها «٤» ، ومعنى عَزَّرُوهُ: أي: وقَّروه، فالتعْزيرُ والنصْرُ: مشاهدةٌ خاصَّة للصحابة، واتباع النور: يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنُّورُ: كنايةٌ عن جُمْلة الشرع، وشَبَّه الشرعَ والهدى بالنور، إِذ القلوبُ تستضيء به كما يستضيء البصر بالنّور.
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)
وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً هذا أمر من الله
سبحانه لنبيِّه بإشهار الدعوة العامَّة، وهذه من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم من بين سائر الرسل فإنه صلّى الله عليه وسلّم بُعِثَ إِلى الناس كافَّة، وإِلى الجنِّ، وكلُّ نبيٍّ إِنما بعث إِلى فرقة دون العُمُوم.
وقوله سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...
الآية: حَضٌّ على اتباع نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ، أيْ: يصدق باللَّه وكلماته، والكلماتُ هنا: الآياتُ المنزلة مِنْ عند الله كالتوراة والإنجيل، وقوله: وَاتَّبِعُوهُ لفظ عامٌّ يدخل تحته جميعُ إلزامات الشريعة، جعلنا اللَّه مِنْ متَّبعيه على ما يلزم بمنِّه ورحمته.
قُلْتُ: فإِن أردتَّ الفوْزَ أيُّها الأخ، فعليك باتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمِ شريعته، وتعظيم جَمِيعِ أسبابه.
قال عِيَاضٌ: ومن إعظامه صلّى الله عليه وسلّم وإِكبارهِ إِعظام جميع أَسبابه وإِكْرَامُ مشاهده وأَمْكِنَتِهِ، ومعاهِدِهِ، وما لَمَسَهُ عليه السلام أَوْ عُرِفَ به، حُدِّثْتُ أن أبا الفَضْل الجوهري، لمَّا وَرَدَ المدينةَ زائراً، وقَرُبَ من بيوتها، ترجَّل، ومشى باكياً منشداً: [الطويل]
وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا ...
فُؤَاداً لِعِرْفَانِ/ الرُّسُومَ «١» وَلاَ لُبَّا «٢»
نَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ «٣» نَمْشِي كَرَامَةً ...
لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نَلُمَّ بِهِ رَكْبَا
وحُكِيَ عن بعض المريدين أنه لما أشْرَفَ على مدينة الرسول عليه السلام، أنشأ يقُولُ: [الكامل]
رُفِعَ الحِجَابُ «٤» لَنَا فَلاَحَ لِنَاظِرِي ...
قَمَرٌ تَقَطَّعُ دُونَهُ الأَوْهَامُ «٥»
وَإِذَا المَطِيُّ «٦» بِنَا بَلَغْنَ محمّدا ...
فظهورهنّ «٧» على الرّجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الحَصَى «١» ...
فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُ
وحُكِيَ عن بعض المشايِخِ أنه حجَّ ماشياً، فقيل له في ذلك، فقال: العَبْدُ الآبِقُ يأتي إلى بيت مولاه راكباً؟
لو قَدْرَتُ أَنْ أَمْشِيَ على رأسِي، ما مَشَيْتُ على قدَمي.
قال عياضَ: وجديرٌ لمواطَنَ عُمِرَتْ بالوحْيِ، والتنزيل وتردَّد فيها جبريلُ وميكائيل، وعَرَجَتْ منها الملائكةُ والرُّوح وضجَّتْ عرصاتها «٢» بالتقديس والتسبيح، واشتملَتْ تربتها على جَسَد سَيِّد البَشَر وانتشر عنْهَا مِنْ دِينِ اللَّه وسنة رسُوله ما انتشر، مدارسُ وآيات ومَسَاجِدُ وصَلَوَات ومَشَاهِدُ الفَضَائِلِ والخَيْرَات ومعاهدُ البراهين والمُعْجِزَات- أنْ تعظَّم عَرَصَاتها وتُتَنَسَّمَ نفحاتها وتُقَبَّلَ ربُوعُها وجدراتُها: [الكامل]
يَا دَارَ خَيْر المُرْسَلِينَ ومَنْ بِه ...
هَدْيُ الأَنَامُ» وَخُصَّ بِالآيَاتِ «٤»
عِنْدِي لأَجْلِكَ لَوْعَةٌ «٥» وَصَبَابَةٌ ...
وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الجَمَرَاتِ
الأبيات.
انتهى من «الشفا» .
وقوله سبحانه: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ، أي: يرشدُونَ أنفسهم، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يريد به وصْفَ المؤمنين منهم، على عهد موسى، وما والاَهُ مِنَ الزمَنِ، فأخبر سبحانه، أنه كان في بني إسرائيل على عتوِّهم وخلافِهِمْ مِنَ اهتدى واتقى وعَدَلَ، ويحتمل أنْ يريد الجماعةَ التي آمَنَتْ بنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم من بني إسرائيل، على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، وقوله: أَسْباطاً: بَدلٌ من اثْنَتَيْ، والتمييزُ الذي بَيْنَ العَدَدَ محذوفٌ تقديره: اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أو قِطْعَةً أسباطاً.
وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَطَّعْناهُمُ ﴾ يَعْنِي قَوْمَ مُوسى، يَقُولُ: فَرَّقْناهُمُ "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا" يَعْنِي أوْلادَ يَعْقُوبَ، وكانُوا اثَّنى عَشَرَ ولَدًا، فَوَلَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سِبْطًا.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ والسِّبْطُ ذَكَرٌ، لِأنَّ بَعْدَهُ "أُمَمًا" فَذَهَبَ بِالتَّأْنِيثِ إلى الأُمَمِ، ولَوْ كانَ ﴿ اثْنَيْ عَشَرَ ﴾ لَتَذْكِيرِ السِّبْطِ، كانَ جائِزًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، "أسْباطًا" نَعَتَ "فِرْقَةً" كَأنَّهُ يَقُولُ: جَعَلْناهم أسْباطًا وفَرَّقْناهم أسْباطًا فَيَكُونُ "أسْباطًا" بَدَلًا مِن ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ وأُمَمًا مِن نَعْتِ أسْباطٍ.
والأسْباطُ في ولَدِ إسْحاقَ بِمَنزِلَةِ القَبائِلِ لَيَفْصِلَ بَيْنَ ولَدِ إسْماعِيلَ وبَيْنَ ولَدِ إسْحاقَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأسْباطُ: قَبائِلُ بَنِي إسْرائِيلَ، واحِدُهُمْ: سِبْطٌ.
ويُقالُ: مِن أيِّ سِبْطٍ أنْتَ؟
أيْ: مِن أيِّ قَبِيلَةٍ وجِنْسٍ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْبَجَسَتْ مِنهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: انْفَجَرَتْ؛ يُقالُ: تَبَجَّسَ الماءُ، كَما يُقالُ: تَفَجَّرَ؛ والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في [سُورَةِ البَقَرَةِ:٥٨-٦٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ ﴾ بِالتّاءِ مَهْمُوزَةً عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ مِثْلَ: قَضاياكم، ولا تاءَ فِيها.
وقَرَأ نافِعٌ "تَغْفِرُ" بِالتّاءِ مَضْمُومَةً خَطِيئاتكم بِالهَمْزِ وضَمَّ التّاءَ، عَلى الجَمْعِ، وافَقَهُ ابْنُ عامِرٍ في "تُغْفَرْ" بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ، لَكِنَّهُ قَرَأ خَطِيئَتكم عَلى التَّوْحِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ أمْرُ الحَجَرِ والِاسْتِسْقاءِ، وأيْنَ كانَ، وأمْرُ التَظْلِيلِ وإنْزالِ المَنِّ والسَلْوى، وذَكَرْنا ذَلِكَ بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ هاهُنا.
و"فانْبَجَسَتْ" مَعْناهُ: انْفَجَرَتْ إلّا أنَّ الِانْبِجاسَ أخَفُّ مِنَ الِانْفِجارِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى الهَمْدانِيُّ: "كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ" بِتَوْحِيدِ الضَمِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقطعناهم اثنتى عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾ .
عطف على قوله ﴿ ومن قوم موسى أمة ﴾ [الأعراف: 159] إلخ، فإن ذلك التقطيع وقع في الأمة الذين يهدون بالحق.
والتقطيع شدة في القطع وهو التفريق، والمراد به التقسيم، وليس المراد بهذا الخبر الذم، ولا بالتقطيع العقاب، لأن ذلك التقطيع منة من الله، وهو من محاسن سياسة الشريعة الموسوية، ومن مقدمات نظام الجماعة كما فصله السفر الرابع، وهو سفر عدد بني إسرائيل وتقسيمهم، وهو نظير ما فعل عمر بن الخطاب من تدوين الديوان، وهم كانوا منتسبين إلى أسباط إسحاق، ولكنهم لم يكونوا مقسمين عشائِر لمّا كانوا في مصر، ولمّا اجتازوا البحر، فكان التقسيم بعد اجتيازهم البحر الأحمر، وقبلَ انفجار العيون، وهو ظاهر القرآن في سورة البقرة وفي هذه السورة لقوله فيهما: ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ وذكرهُ هنا الاستسْقاء عقب الانقسام إلى اثنتي عشرة أمة، وذلك ضروري أن يكون قبل الاستسْقاء، لأنه لو وقع السقي قبل التقسيم لحصل من التزاحم على الماء ما يفضي إلى الضر بالقوم، وظاهر التوراة أنهم لما مروا بِحُوريب، وجاء شعيب للقاء موسى: إن شعيباً أشار على موسى أن يقيم لهم رؤساء ألوف، ورؤساء مِئات، ورؤساء خماسين، ورؤساء عشرات، حسب الإصحاح 18 من الخروج، وذلك يقتضي أن الأمة كانت منتسبة قبائِل من قبلُ، ليسهل وضع الرؤساء على الأعداد، ووقع في السنة الثانية من خروجهم أن الله أمر موسى أن يحصي جميع بني إسرائيل، وأن مِوسى وهارون جمعا جميع بني إسرائيل فانتسبوا إلى عشائرهم وبيوت آبائِهم، كما في الإصحاح الأول من سفر العدد، وتقدم ذكر الأسباط عند قوله تعالى: ﴿ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ﴾ في سورة البقرة (136).
وجيء باسم العدد بصيغه التأنيث في قوله: اثنتي عشرة } لأن السبط أطلق هنا على الأمة فحذف تمييز العدد لدلالة قوله: ﴿ أمماً ﴾ عليه.
و ﴿ أسباطاً ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿ وقطّعناهم ﴾ ولا يجوز كونه تمييزاً لأن تمييز اثنتي عشرة ونحوه لا يكون إلاّ مفرداً.
وقوله: ﴿ أمماً ﴾ بدل من أسباط أو من أثنتي عشرة، وعدل عن جعل أحد الحالين تمييزاً في الكلام إيجازاً وتنبيهاً على قصد المنة بكونهم أمماً من آباء أخوة.
وأن كل سبط من أولئك قد صار أمة، قال تعالى: ﴿ واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّرَكم ﴾ [الأعراف: 86] مع ما يذكر به لفظ أسباط من تفضيلهم، لأن الأسباط أسباط إسحاق بن إبراهيم عليه السلام.
هذا مظهر من مظاهر حكمة تقسيمهم إلى اثني عشر سبطاً ولم يعطف هذا الخبر بالفاء لإفادة أنه منة مستقلة.
وتفسير هذه الآية مضى في مشابهتها عند قوله: ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه ﴾ في سورة البقرة (60).
وانبجست} مطاوع بجس إذا شق، والتعقيب الذي دلت عليه الفاء تعقيب مجازي تشبيهاً لقصر المهلة بالتعقيب ونظايره كثيرة في القرآن، ومنه ما وقع في خبر الشّرب إلى أم زرع قولها: «فلقي امرأة معها ولدان كالفهديْن يلعبان من تحت خصرها برُمّانتين فطلّقني ونكحها» إذ التقدير فأعجبته فطلقني ونكحها.
ضمائر الغيبة راجعة إلى قوم موسى، وهذه الآية نظير ما في سورة البقرة سوى اختلاف بضميري الغيبة هنا وضميري الخطاب هناك لأن ما هنالك قصد به التوبيخ.
وقد أسند فعل (قيل) في قوله: ﴿ وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ﴾ [الأعراف: 161] إلى المجهول وأسند في سورة البقرة (58) إلى ضمير الجلالة ﴿ وإذ قلنا ﴾ لظهور أن هذا القول لا يصدر إلاّ من الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ اخْتُلِفَ في المَأْخُوذِ مِنهُ تَسْمِيَةُ القَرْيَةِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ الماءَ يُقْرى إلَيْها أيْ يُجْمَعُ، مِن قَوْلِهِمْ قَرى الماءَ في حَوْضِهِ إذا جَمَعَهُ.
والثّانِي: لِأنَّ النّاسَ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها كَما يَجْتَمِعُ الماءُ في الحَوْضِ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ القَرْيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هي أرْضُ الشّامِ، قالَهُ الحَسَنُ.
فَإنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ سَمّى المَأْوى مَسْكَنًا والإنْسانُ في مَسْكَنِهِ مُتَحَرِّكٌ؟
قِيلَ لِأنَّهُ يَتْرُكُ فِيهِ التَّصَرُّفَ فَصارَ في أكْثَرِ أحْوالِهِ ساكِنًا وإنْ كانَ في بَعْضِها مُتَحَرِّكًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال موسى: يا رب، أجد أمة انجيلهم في قلوبهم؟
قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.
قال: يا رب، أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارة لما بينهن؟
قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.
قال: يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم فيأكلون؟
قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.
قال: يا رب، اجعلني من أمة أحمد.
فأنزل الله كهيئة المرضية لموسى ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ليلى الكندي قال: قرأ عبدالله بن مسعود ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ فقال رجل: ما أحب إني منهم.
فقال عبدالله: لم ما يزيد صالحوكم على أن يكونوا مثلهم؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن قوم موسى أمة ﴾ الآية.
قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله له نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مستقبلين يستقبلون قبلتنا.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿ وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً ﴾ [ الإِسراء: 104] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم.
قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود فإن الله يقول ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ وأما النصارى فإن الله يقول ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ [ المائدة: 66] فهذه التي تنجو، وأما نحن فيقول ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 181] فهذه التي تنجو من هذه الأمة.
وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: إن مما فضل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم أنه عاين ليلة المعراج قوم موسى الذين من وراء الصين، وذلك أن بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، دعوا ربهم وهم بالأرض المقدسة فقالوا: اللهمَّ أخرجنا من بين أظهرهم، فاستجاب لهم فجعل لهم سرباً في الأرض فدخلوا فيه، وجعل معهم نهراً يجري وجعل لهم مصباحاً من نور بين أيديهم، فساروا فيه سنة ونصفاً وذلك من بيت المقدس إلى مجلسهم الذي هم فيه، فأخرجهم الله إلى أرض تجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين بها، ليس فيها ذنوب ولا معاص، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ومعه جبريل، فآمنوا به وصدقوه وعلَّمهم الصلاة وقالوا: إن موسى قد بشَّرهم به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ قال: بينكم وبينهم نهر من سهل، يعني من رمل يجري.
وأخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن عمرو قال: هم الذين قال الله: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني سبطان من أسباط بني إسرائيل يوم الملحمة العظمى ينصرون الإِسلام وأهله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إن لله عباداً من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس لا يرون أن الله عصاه مخلوق، رضراضهم الدر والياقوت وجبالهم الذهب والفضة، لا يزرعون ولا يحصدون ولا يعملون عملاً، لهم شجر على أبوابهم لها أوراق عراض هي لبوسهم، ولهم شجر على أبوابهم لها ثمر، فمنها يأكلون.
قوله تعالى: ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانبجست ﴾ قال: انفجرت.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ قال: أجرى الله من الصخرة اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط عين يشربون منها.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال نعم.
أما سمعت بشر بن أبي حازم يقول: فاسلبت العينان مني بواكف ** كما انهل من واهي الكلى المتبجس <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى (١) ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾ ، قد مضى الكلام في معنى (الأسباط) في سورة البقرة.
قال الفراء: (إنما قال: ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ والسبط ذكر؛ لأن [ما] (٢) ﴿ أُمَمًا ﴾ فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان (اثني عشر) لتذكير السبط كان جائزًا) (٣) واحتج النحويون على هذا بقول الشاعر: وإنَّ قريشاً كلها عشر أبطن ...
وأنت بريء من قبائلها العشر (٤) ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة، لذلك (٥) وقال الزجاج: (المعنى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ فرقة، ﴿ أَسْبَاطًا ﴾ \[من نعت فرقة، كأنه قال: جعلناهم أسباطًا وفرقناهم أسباطًا، فتكون ﴿ أَسْبَاطًا ﴾ \] (٦) ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ ) (٧) (٨) وقد ذكرنا في أول الكتاب (٩) ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ ) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَانْبَجَسَتْ ﴾ .
بَجْسُ الماء وانبجاسه، انفجاره، يقال: بَجَسَ الماء يبجس [بجسا] (١١) هذا قول أهل اللغة (١٢) (١٣) (١٤) وأنهما سواء، وفرق قوم بينهما (١٥) (١٦) - مثل ثدي المرأة فيعرق أولاً ثم يسيل) (١٧) (١٨) (١) في (ب): (وقوله تعالى) بالواو.
(٢) لفظ: (ما) ساقط من (ب).
(٣) "معاني الفراء" 1/ 397.
(٤) "الشاهد" للنواح الكلابي وهو في "الكتاب" 3/ 565 لرجل من بني كلاب، وبلا نسبة في: "معاني الفراء" 1/ 126، و"الكامل" للمبرد 2/ 250، و"المقتضب" 2/ 146، و"تفسير الطبري" 9/ 88، و"الأصول" 3/ 477، و"الأمالي" للزجاجي ص 75، و"الصاحبي" ص 425، و"الخصائص" 2/ 417، و"المخصص" 17/ 117، و"الإنصاف" ص 618، و"اللسان" 7/ 3910 (كلب)، و"الدر المصون" 5/ 236، و"الشاهد": (عشر أبطن) حيث أنث أبطن وحذف الهاء من عشر حملًا للبطن على معنى القبيلة بقرينة ذكر القبائل بعدها.
انظر: "الخزانة" 7/ 395، وفي المراجع السابقة: وإن كلابًا هذه عشر أبطن ولم أقف على رواية الواحدي إلا عند الثعلبي 6/ 11 ب، والقرطبي 7/ 303، و"الدر المصون" 5/ 486.
(٥) في (ب): (كذلك) وهو تحريف.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) "معاني الزجاج" 2/ 382 - 383 وزاد: وهو الوجه.
وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 313، و"إعراب النحاس" 1/ 664، و"المشكل" 1/ 303.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٩) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في "مظانه".
(١٠) كتاب "التكملة" ص 261، وقال السمين في "الدر" 5/ 484: (تمييز ﴿ اثنتي عشرة ﴾ محذوف لفهم المعنى، تقديره: ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ فرقة و ﴿ أسباطا ﴾ بدل من ذلك التمييز لأن أسباط مذكر وجمع) اهـ.
(١١) (بجسا) ساقط من (أ).
(١٢) انظر: "العين" 6/ 58، و"الجمهرة" 1/ 267، و"تهذيب اللغة" 1/ 277، و"الصحاح" 3/ 907، و"المجمل" 1/ 116، و"مقاييس اللغة" 1/ 199، و"اللسان" 1/ 212 (بجس).
(١٣) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 230، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 151، و"تفسير غريب القرآن" ص 182، و"تفسير الطبري" 9/ 89، و"نزهة القلوب" ص 126، و"معاني النحاس" 3/ 92، و"تفسير المشكل" ص 87 (١٤) انظر: "العين" 6/ 111، و"الجمهرة" 1/ 463، و"تهذيب اللغة" 3/ 2743، و"الصحاح" 2/ 778، و"المجمل" 3/ 712، و"مقاييس اللغة" 4/ 475، و"المفردات" ص 625، و"اللسان" 6/ 3351 (فجر).
(١٥) قال الراغب في "المفردات" ص 108: (الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع) اهـ.
وانظر: "عمدة الحفاظ" ص 39، و"الدر المصون" 5/ 487 - 488.
(١٦) ذكره الثعلبي 6/ 12 أ، والبغوي 3/ 292، والرازي 15/ 33، والسمين في "الدر" 5/ 488.
(١٧) ذكره الثعلبي 6/ 12 أ.
(١٨) انظر: "البسيط" البقرة: 60.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقطعناهم ﴾ أي فرقناهم ﴿ أَسْبَاطاً ﴾ السبط في بين إسرائيل كالقبيلة في العرب، وانتصابه على البدل من اثنتي عشرة لا على التمييز، فإن تمييز اثنتي عشرة لا يكون إلا مفرداً، وقال الزمخشري على التمييز، لأن كل قبيلة أسباطاً لا سبط ﴿ فانبجست ﴾ أي انفجرت إلا أن الانبجاس أخف من الانفجار وقال القزويني الانبجاس: أول الانفجار ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام ﴾ وما بعده إلى قوله بما كانوا يظلمون مذكورة في [البقرة: 57].
تنبيه: وقع الاختلاف في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة البقرة في قوله انفجرت وانبجست وقوله: وإذ قلنا ادخلوا، وإذ قيل لهم اسكنوا وقوله: وكلوا بالواو وفكلوا بالفاء، فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم سكن هنالك تناقض، وعللها شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في كتاب ملاك التأويل وصاحب الدرة بتعليلات منها قوية وضعيفة وفيها طول فتركناها لطولها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.
﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.
زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.
الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.
الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.
﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.
الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.
والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.
التفسير: إنه ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.
ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.
الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟
وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.
وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.
وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.
وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.
قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول من قبل الله ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد أول مناكيرهم.
وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟
وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.
والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.
ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.
ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.
قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.
والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.
وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.
قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.
والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.
والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.
والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.
وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.
عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.
هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.
وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟
فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.
والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.
والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.
بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.
وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.
وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.
وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.
ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.
ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله أعلم بالسرائر.
النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".
فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.
وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.
وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.
أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.
وقيل: الاستخفاف والإهانة.
وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.
وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.
وإذ قد أخبر الله بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.
قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.
النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.
وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.
﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.
ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.
فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.
قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.
قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.
يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.
وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.
وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.
أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.
والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.
وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.
وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.
ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.
ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.
فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.
ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟
﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.
﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.
ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.
النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.
والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.
وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.
روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.
وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.
فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.
ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.
﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.
التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.
وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.
أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.
وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قيل: أمة يدعون إلى سبيل الحق.
﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .
أي: به يعملون [وهو كقوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .
فعلى ذلك يحمل الأول على الإضمار والدعاء إلى سبيل الحق، فقال الحسن: ﴿ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يعملون] بالحق وبه يعدلون فيما بينهم؛ لكن الأول أقرب، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ جائز أن تكون الأمة التي أكرم من قوم موسى كانت في زمنهم يدعون الناس إلى الإيمان برسول الله.
أو أن تكون الأمة من قومه في زمن رسول الله بقية من قوم موسى، مؤمنين به يدعون الناس إليه وبه يعملون.
وقوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ﴾ .
قال ابن عباس - -: هو ما ذكره: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ أي: جماعة.
وقيل: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ﴾ ، أي: جعلناهم ﴿ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً ﴾ فرقاً.
وقال غيرهم: قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ﴾ أي: جاوزنا بهم البحر، وجعلنا لهم اثنتي عشرة أسباطاً.
قال أبو عوسجة: الأسباط: الأفخاذ، والسبط واحد.
وقال القتبي: الأسباط: القبائل، واحدها: سبط.
وقيل: [الأسباط لهم كالقبائل للعرب.
وقيل:] الفخذ دون القبيلة.
وقيل: إن أولاد إسحاق تسمى: أسباطاً، وأولاد إسماعيل: قبائل وأفخاذاً؛ ولذلك يقال للعرب: قبيلة كذا، وفخذ كذا، ولسنا ندري كيف هو؟
وقيل: سبط الرجل: ولد ولده؛ على ما روي أن الحسن والحسين - ما - سبطا رسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ .
قيل: دل [قوله]: ﴿ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ أنهم كانوا في المفازة، لا في البلدان والقرى؛ لأنهم لو كانوا في القرى، والقرى لا تخلو عن أنهار تجري فيها أو عيون [الأرض].
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ ﴾ دل أنهم كانوا في المفازة؛ لأنه هنالك تقع الحاجة إلى الغمام، وأما في القرى فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ .
قال بعضهم: انفجرت؛ على ما ذكر في سورة أخرى.
وقيل: إن هذه الكلمة بلسانهم، لا بلسان العرب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: تعبدهم عز وجل بمعرفة كل منهم مشربه.
وقال بعضهم: لا، ولكن لئلا يزدحموا في ذلك فيقع في أولادهم التقاتل والإفساد والتنازع والاختلاف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .
فيه أن جميع مؤنتهم كانت من السماء بلا مؤنة ولا تعب على أنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .
ما ذكر من المن والسلوى وغيره.
﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ .
لا أحد يقصد قصد ظلم الله، ولكن إذا تعدوا حدود الله التي جعل لهم وجاوزوها فقد ظلموا أنفسهم؛ لما رجع ضرر ذلك التعدي إليهم.
وهذه النعم التي ذكر لهم - جل وعلا - إنما جعلها لهم في حال العقوبة والابتلاء من المن والسلوى، والعيون، والغمام، ويدل هذا على أن عقوبات الدنيا قد يشوبها لذة ونعمة, وكذلك لذات الدنيا وقد يمازجها شدائد وهموم، فإنما تخلص وتصفو هذه النعم في الآخرة، وكذلك العقوبة هنالك تخلص وتفارق اللذات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ بيت المقدس.
وأمكن أن تكون القرية التي ذكر - هاهنا - هي الأرض التي ذكرت في سورة المائدة، وهو قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ أمرهم بالدخول فيها، ونهاهم عن الارتداد على أدبارهم، وأمرهم - [هاهنا] - بالسكون فيها، وأباح لهم التناول منها مما شاءوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ .
أي: ارجعوا إلى السبب الذي يحط الأوزار، لا قولهم: حط عنا كذا، وهو كما قال: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ ، أي: ائتوا بالسبب الذي به يغفر، وهو التوحيد.
﴿ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً ﴾ الآية.
قد مضى ذكر هذا في السورة التي فيها ذكر البقرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ .
هذا - أيضاً - ذكرناه فيها، سوى أنه ذكر - هاهنا - ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً ﴾ ، وذكر في سورة البقرة: ﴿ فَأَنزَلْنَا ﴾ والقصة واحدة؛ ليعلم أن اختلاف الألفاظ لا يوجب اختلاف المعاني والأحكام، ولا تغييرها، وذكر هاهنا: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ ، [وذكر] هنالك: ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ، والفسق هو الخروج عن الأمر، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد كان منهم الأمران جميعاً: الخروج عن أمر الله، ووضع الشيء - أيضاً - في غير موضعه.
أكرم الله - عز وجل - هذه الأمة كرامات من الطاعة لرسولها، والخضوع له، والتعظيم له، حتى لم يخطر ببال أحد الخلاف له بعد ما اتبعه وآمن به، وأكرمهم - أيضاً - من الفهم والحكمة والفقه، حتى ذكر: كأنهم من الفقه أنبياء، وقوم موسى وغيرهم من الأمم لم يكونوا مثل ذلك؛ ألا ترى أن قوم موسى قد خالفوه في أشياء أمرهم موسى بها.
<div class="verse-tafsir"
وقسَّمنا بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة، وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه أن يدعو الله أن يسقيهم: أن اضرب -يا موسى- بعصاك الحجر، فضربه موسى، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا بعدد قبائلهم الاثنتي عشرة، قد علمت كل قبيلة منهم مَشْربها الخاص بها، فلا تشترك معها فيه قبيلة أخرى، وظللنا عليهم السحاب يسير بسيرهم، ويتوقف بتوقفهم، وأنزلنا عليهم من نعمنا شرابًا حلوًا مثل العسل وطائرًا صغيرًا طيب اللحم يشبه السُّمانى، وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما نقصونا شيئا بما وقع منهم من الظلم وكفران النعم، وعدم تقديرها حق قدرها، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بنقص حظوظها حين أوردوها موارد الهلاك بما ارتكبوه من مخالفة أمر الله والتنكر لنعمه.
<div class="verse-tafsir" id="91.10eBz"