الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦١ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى لائما لهم على نكولهم عن الجهاد ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من برد مصر صحبة موسى عليه السلام فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل وقتال من فيها من العماليق الكفرة فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا فرماهم الله في التيه عقوبة لهم كما ذكره تعالى في سورة المائدة ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد وقد قال الله تعالى حاكيا عن موسى "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا" الآيات.
وقال: آخرون هي أريحا ويحكى عن ابن عباس وعبدالرحمن بن زيد وهذا بعيد لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحا وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر حكاه الرازي في تفسيره والصحيح الأول أن بيت المقدس وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون عليه السلام وفتحها الله عليهم عشية جمعة وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح ولما فتحوها أقروا أن يدخلوا الباب باب البلد "سجدا" أي شكر الله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس إنه كان يقول في قوله تعالى "وادخلوا الباب سجدا" أي ركعا وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "وادخلوا الباب سجدا" قال ركعا من باب صغير رواه الحاكم من حديث سفيان به ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان وهو الثوري به وزاد فدخلوا من قبل استاهم وقال الحسن البصري أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم واستبعده الرازي وحكى عن بعضهم أن المراد ههنا في السجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته وقال الخصيف: قال عكرمة قال ابن عباس كان الباب قبل القبلة وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك هو باب الحطة من باب إيلياء ببيت المقدس وحكى الرازي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهة من جهات القبلة وقال خصيف قال عكرمة قال: ابن عباس فدخلوا على شق وقال السدي عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود عن عبدالله بن مسعود قيل لهم ادخلوا الباب سجدا فدخلوا مقنعي رؤسهم أي رافعي رؤسهم خلاف ما أمروا وقوله تعالى "وقولوا حطة" قال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "وقولوا حطة" قال مغفرة استغفروا وروى عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه وقال الضحاك عن ابن عباس "وقولوا حطة" قال قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم وقال عكرمة قولوا "لا إله إلا الله" وقال الأوزاعي.
كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه فسأله عن قوله تعالى "وقولوا حطة" فكتب إليه أن أقروا بالذنب وقال: الحسن وقتادة أي احطط عنا خطايانا "نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين" وقال هذا جواب الأمر أي إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات وحاصل الأمر أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب عند الله تعالى "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا" فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر وفسره ابن عباس بأنه نعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أجله فيها وأقره على ذلك عمر رضي الله عنه ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعي إليه روحه الكريمة أيضا ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يظهر عليه الخضوع جدا عند النصر كما روي أنه كان يوم الفتح فتح مكة داخلا إليها من الثنية العليا وإنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ليمس مورك رحله شكرا لله على ذلك ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات وذلك ضحى وقال: بعضهم هذه صلاة الضحى وقال: آخرون بل هي صلاة الفتح فاستحبوا للإمام وللأمير إذا فتح بلدا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله كما فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتي بتسليم وقيل يصليها كلها بتسليم واحد والله أعلم.
القول في تأويل قوله : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضًا، يا محمد، من خطأ فعل هؤلاء القوم، وخلافهِم على ربهم، وعصيانهم نبيَّهم موسى عليه السلام، وتبديلهم القولَ الذي أمروا أن يقولوه حين قال الله لهم: " اسكنوا هذه القرية "، وهي قرية بيت المقدس (13) = " وكلوا منها " وكلوا : من ثمارها وحبوبها ونباتها= " حيث شئتم "، منها، يقول: أنّى شئتم منها= " وقولوا حطة "، يقول: وقولوا: هذه الفعلة " حِطّةٌ"، تحطُّ ذنوبنا (14) = " نغفر لكم "، يتغمد لكم ربكم= " ذنوبكم "، التي سلفت منكم, فيعفو لكم عنها, فلا يؤاخذكم بها.
(15) = " سنـزيد المحسنين "، منكم, وهم المطيعون لله, (16) على ما وعدتكم من غفران الخطايا.
* * * وقد ذكرنا الروايات في كل ذلك باختلاف المختلفين، والصحيح من القول لدينا فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.
(17) ------------------ الهوامش : (13) (1) انظر تفسير (( القرية )) فيما سلف 2 : 102 ، 103 .
(14) (2) انظر تفسير (( الحطة )) فيما سلف 2 : 105 - 109 .
(15) (3) انظر تفسير (( المغفرة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) .
(16) (4) انظر تفسير (( الإحسان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .
(17) (5) انظر ما سلف في تفسير نظيرة هذه الآية 2 : 102 - 112 .
وقد مضى في " البقرة " مستوفى .
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ أي: ادخلوها لتكون وطنا لكم ومسكنا، وهي (إيلياء) وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ أي: قرية كانت كثيرة الأشجار، غزيرة الثمار، رغيدة العيش، فلذلك أمرهم اللّه أن يأكلوا منها حيث شاءوا.
وَقُولُوا حين تدخلون الباب: حِطَّةٌ أي: احطط عنا خطايانا، واعف عنا.
وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أي: خاضعين لربكم مستكينين لعزته، شاكرين لنعمته، فأمرهم بالخضوع، وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنـزيدُ الْمُحْسِنِينَ من خير الدنيا والآخرة
( وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم ) قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب : " تغفر " بالتاء وضمها وفتح الفاء .
وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الفاء ، ( خطيئاتكم ) قرأ ابن عامر " خطيئتكم " على التوحيد ورفع التاء ، وقرأ أبو عمرو : " خطاياكم " ، وقرأ أهل المدينة ويعقوب : " خطيئاتكم " بالجمع ورفع التاء .
وقرأ الآخرون بالجمع وكسر التاء ( سنزيد المحسنين )
«و» اذكر «إذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية» بيت المقدس «وكلوا منها حيث شئتم وقولوا» أمرنا «حطَّةٌ وادخلوا الباب» أي باب القرية «سجَّدا» سجود انحناء «نغفر» بالنون والتاء مبينا للمفعول «لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين» بالطاعة ثوابا.
واذكر -أيها الرسول- عصيان بني إسرائيل لربهم سبحانه وتعالى ولنبيهم موسى عليه السلام، وتبديلهم القول الذي أمروا أن يقولوه حين قال الله لهم: اسكنوا قرية "بيت المقدس"، وكلوا من ثمارها وحبوبها ونباتها أين شئتم ومتى شئتم، وقولوا: حُطَّ عنا ذنوبنا، وادخلوا الباب خاضعين لله، نغفر لكم خطاياكم، فلا نؤاخذكم عليها، وسنزيد المحسنين مِن خَيْرَيِ الدنيا والآخرة.
وقوله - تعالى - ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّداً ) .
.
.
الخ .
تذكير لهم بصفة جليلة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ، وما رعوها حق رعايتها ، وهى نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك .قال الآلوسى : وقوله ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ) معمول لفعل محذوف تقديره : اذكر .
وإيراد الفعل هنا مبنيا للمفعول جريا على سنن الكبرياء " مع الإيذان بأن الفاعل غنى عن الصريح .
أى : أذكر لهم وقت قولنا لأسلافهم " .والقرية هى البلدة المشتملة على مساكن ، والمراد بها هنا بيت المقدس - على الراجح - وقيل المراد بها أريحاء .والحطة : كجلسة ، اسم للهيئة ، من الحط بمعنى الوضع والإنزال ، وأصله إنزال الشىء من علو .
يقال : استحطه وزره : سأله أن يحطه عنه وينزله .وهى خبر مبتدأ محذوف أى : مسألتنا حطة ، والأصل فيها النصب بمعنى : حط عنا ذنوبنا حطة ، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات .والمعنى : واذكروا أيها المعاصرون للعهد النبوى من بنى إسرائيل وقت أن قيل لأسلافكم اسكنوا قرية بيت المقدس بعد خروجهم من التيه ، وقيل لهم كذلك كلوا من خيراتها أكلا واسعا ، وأسالوا الله أن يحط عنكم ذنوبكم ، وادخلوا من بابها خاضعين خاشعين شكرا لله على نعمه ، فإنكم إن فعلتم ذلك غفرنا لكم خطيئاتكم .وقوله - تعالى - ( وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ ) فيه إشعار بكمال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها ، حيث أذن لهم فى التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أى مكان شاءوا .وقوله : ( وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّداً ) إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم عمله نحو خالقهم ، وتوجههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم بأيسر الطرق وأسهل السبل لأن كل ما كلفهم الله - تعالى - به أن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم خطيئاتهم ، وأن يدخلوا من باب المدينة التى فتحها الله عليهم مخبتين .وقوله ( نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيائاتكم ) مجزوم فى جواب الأمر .وهذه الجملة الكريمة بيان للثمرة التى تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم وإغراء لهم على الامتثال والشكر - لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه العقلاء هو غفران الذنوب .وقوله - تعالى - ( سَنَزِيدُ المحسنين ) وعد بالزيادة من خيرى الدنيا والآخرة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن .وقد أمر الله - تعالى - أن يفعلوا ذلك ، وأن يقولوا هذا القول ، لأن تغلبهم على أعدائهم نعمة من أجل النعم التى تستدعى منهم الشكر الجزيل لله - تعالى - .
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يظهر أقصى درجات الخضوع ، وأسمى ألوان الشكر عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب ، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العلاي وهو خاضع لربه ، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكرا لله على نعمة الفتح ، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثمانى ركعات سماها بعض الفقهاء صلاة الفتح .ومن هنا استحب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثمانى ركعات عند أول دخولها شكرا لله ، وقد فعل ذلك سعد بن أبى وقاص عندما دخل إيوان كسرى .
فقد ثبت أنه صلى بداخله ثمانى ركعات .ولكن ماذا كان من بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح .
اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة مع الشرح والبيان في سورة البقرة.
بقي أن يقال: إن ألفاظ هذه الآية تخالف ألفاظ الآية التي في سورة البقرة من وجوه: الأول: في سورة البقرة ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية ﴾ وهاهنا قال: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية ﴾ والثاني: أنه قال في سورة البقرة ﴿ فَكُلُواْ ﴾ بالفاء وهاهنا ﴿ وَكُلُواْ ﴾ بالواو.
والثالث: أنه قال في سورة البقرة ﴿ رَغَدًا ﴾ وهذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة.
والرابع: أنه قال في سورة البقرة: ﴿ وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ وقال هاهنا على التقديم والتأخير.
والخامس: أنه قال في البقرة ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ وقال هاهنا: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم ﴾ والسادس: أنه قال في سورة البقرة: ﴿ وَسَنَزِيدُ المحسنين ﴾ وهاهنا حذف حرف الواو.
والسابع: أنه قال في سورة البقرة: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ﴾ والثامن: أنه قال في سورة البقرة: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة.
أما الأول: وهو أنه قال في سورة البقرة: ﴿ ادخلوا هذه القرية ﴾ وقال هاهنا: ﴿ اسكنوا ﴾ فالفرق أنه لابد من دخول القرية أولاً، ثم سكونها ثانياً.
وأما الثاني: فهو أنه تعالى قال في البقرة: ﴿ ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ ﴾ بالفاء.
وقال هاهنا: ﴿ اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ ﴾ بالواو والفرق أن الدخول حالة مخصوصة، كما يوجد بعضها ينعدم.
فإنه إنما يكون داخلاً في أول دخوله، وأما ما بعد ذلك فيكون سكوناً لا دخولاً.
إذا ثبت هذا فنقول: الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار.
فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده، فلهذا قال: ﴿ ادخلوا هذه القرية ﴾ وأما السكون فحالة مستمرة باقية.
فيكون الأكل حاصلاً معه لا عقيبه فظهر الفرق.
وأما الثالث: وهو أنه ذكر في سورة البقرة ﴿ رَغَدًا ﴾ وما ذكره هنا فالفرق الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم، ولما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله: ﴿ رَغَدًا ﴾ وأما الأكل حال سكون القرية، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن اللذة فيه متكاملة، فلا جرم ترك قوله: ﴿ رَغَدًا ﴾ فيه.
وأما الرابع: وهو قوله في سورة البقرة: ﴿ وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ وفي سورة الأعراف على العكس منه، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر، إلا أنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى، وإظهار الخضوع والخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير.
وأما الخامس: وهو أنه قال في سورة البقرة: ﴿ خطاياكم ﴾ وقال هاهنا: ﴿ خطيئاتكم ﴾ فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة، فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع.
وأما السادس: وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ وَسَنَزِيدُ ﴾ بالواو وهاهنا حذف الواو فالفائدة في حذف الواو أنه استئناف، والتقدير: كان قائلاً قال: وماذا حصل بعد الغفران؟
فقيل له ﴿ سَنَزِيدُ المحسنين ﴾ .
وأما السابع: وهو الفرق بين قوله: ﴿ أَنزَلْنَا ﴾ وبين قوله: ﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة، والإرسال يشعر بها، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل، ثم جعله كثيراً، وهو نظير ما ذكرناه في الفرق بين قوله: ﴿ فانبجست ﴾ وبين قوله: ﴿ فانفجرت ﴾ .
وأما الثامن: وهو الفرق بين قوله: ﴿ يَظْلِمُونَ ﴾ وبين قوله: ﴿ يَفْسُقُونَ ﴾ فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين، لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين، لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله تعالى، فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين، فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة، وتمام العلم بها عند الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾ واذكر إذ قيل لهم.
والقرية: بيت المقدس.
فإن قلت: كيف اختلفت العبارة هاهنا وفي سورة البقرة؟
قلت: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض.
ولا تناقض بين قوله، اسكنوا هذه القرية وكلوا منها، وبين قوله: فكلوا لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، وسواء قدّموا الحطة على دخول الباب أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهم، وترك ذكر الرغد لا يناقض إثباته، وقوله: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم سَنَزِيدُ المحسنين ﴾ موعد بشيئين: بالغفران، وبالزيادة، وطرح الواو لا يخلّ بذلك، لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل: وماذا بعد الغفران؟
فقيل له: سنزيد المحسنين، وكذلك زيادة ﴿ مِنْهُمْ ﴾ زيادة بيان، وأرسلنا، وأنزلنا.
و ﴿ يَظْلِمُونَ ﴾ ويفسقون من واد واحد.
وقرئ: ﴿ يغفر لكم خطيئاتكم ﴾ ﴿ وتغفر لكم خطاياكم ﴾ .
و ﴿ خطيئاتكم ﴾ ، و ﴿ خطيئتكم ﴾ ، على البناء للمفعول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ بِإضْمارِ اذْكُرْ والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
﴿ وَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ مِثْلَ ما في سُورَةِ « البَقَرَةِ» مَعْنًى غَيْرَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ فَكُلُوا ﴾ فِيها بِالفاءِ أفادَ تَسَبُّبَ سُكْناهم لِلْأكْلِ مِنها، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ ها هُنا اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ ثَمَّةَ، أوْ بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ وأمّا تَقْدِيمُ قَوْلِهِ قُولُوا عَلى وادْخُلُوا فَلا أثَرَ لَهُ في المَعْنى لِأنَّهُ لا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ وكَذا الواوُ العاطِفَةُ بَيْنَهُما.
﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ وعْدٌ بِالغُفْرانِ والزِّيادَةِ عَلَيْهِ بِالإثابَةِ، وإنَّما أُخْرِجَ الثّانِي مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَةِ ما أُمِرُوا بِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ « تُغْفَرْ» بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و ﴿ خَطِيئاتِكُمْ ﴾ بِالجَمْعِ والرَّفْعِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ وحَّدَ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو « خَطاياكم» .
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ مَضى تَفْسِيرُهُ فِيها.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} واذكر إذ قيل لهم {اسكنوا هذه القرية} بيت المقدس {فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم} تَغْفِر لَكُمْ مدني وشامي خطيئاتكم مدني خطاياكم أبو عمرو وخطيئتكم شامي {سَنَزِيدُ المحسنين}
﴿ وإذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾ مَعْمُولٌ لِ اذْكُرُوا، وإيرادُ الفِعْلِ هُنا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ الفاعِلَ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ، أيِ اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِنا لِأسْلافِهِمُ ﴿ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ القَرِيبَةَ مِنكم وهي بَيْتُ المَقْدِسِ أوْ أرِيحا، والنَّصْبُ مَبْنِيٌّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ كَ سَكَنْتُ الدّارَ، أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ اتِّساعًا، والتَّعْبِيرُ بِالسُّكْنى هُنا لِلْإيذانِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في البَقَرَةِ الدُّخُولُ بِقَصْدِ الإقامَةِ، أيْ: أقِيمُوا في هَذِهِ القَرْيَةِ.
﴿ وكُلُوا مِنها ﴾ أيْ: مَطاعِمِها وثِمارِها أوْ مِنها نَفْسِها، عَلى أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ.
﴿ حَيْثُ شِئْتُمْ ﴾ أيْ: مِن نَواحِيها مِن غَيْرِ أنْ يُزاحِمَكم أحَدٌ، وجِيءَ بِالواوِ هُنا وبِالفاءِ في البَقَرَةِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ هُناكَ: ادْخُلُوا فَحَسُنَ ذِكْرُ التَّعْقِيبِ مَعَهُ، وهُنا: اسْكُنُوا والسُّكْنى أمْرٌ مُمْتَدٌّ، والأكْلُ مَعَهُ لا بَعْدَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ إذا تَفَرَّعَ المُسَبَّبُ عَنِ السَّبَبِ اجْتَمَعا في الوُجُودِ فَيَصِحُّ الإتْيانُ بِالواوِ والفاءِ، وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ العِبارَتَيْنِ ولَيْسَ السُّؤالُ عَنْ ذَلِكَ، وذَكَرَ ﴿ رَغَدًا ﴾ هُناكَ لِأنَّ الأكْلَ في أوَّلِ الدُّخُولِ يَكُونُ ألَذَّ وبَعْدَ السُّكْنى، واعْتِبارُهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّهُ اكْتَفى بِالتَّعْبِيرِ بِ اسْكُنُوا عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ الأكْلَ المُسْتَمِرَّ مِن غَيْرِ مُزاحِمٍ لا يَكُونُ إلّا رَغَدًا واسِعًا، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ صاحِبُ اللُّبابِ، ويَرِدُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّهُ ذَكَرَ (رَغَدًا) مَعَ الأمْرِ بِالسُّكْنى في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ.
﴿ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ في البَقَرَةِ غَيْرَ أنَّ ما فِيها عَكْسُ ما هُنا في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُما، وقالَ القُطْبُ: فائِدَةُ الِاخْتِلافِ التَّنْبِيهُ عَلى حُسْنِ تَقْدِيمِ كُلٍّ مِنَ المَذْكُورَيْنِ عَلى الآخَرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُما تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى وإظْهارَ الخُشُوعِ والخُضُوعِ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.
﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ ﴾ جُزِمَ في جَوابِ الأمْرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: (تُغْفَرْ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و(خَطِيئاتُكُمْ) بِالرَّفْعِ والجَمْعِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ وحَّدَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (خَطاياكُمْ) كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيَّنَ القُطْبُ فائِدَةَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ ما هُناكَ وبَيْنَ ما هُنا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِأنَّها الإشارَةُ إلى أنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ سَواءٌ كانَتْ قَلِيلَةً أوْ كَثِيرَةً فَهي مَغْفُورَةٌ بَعْدَ الإتْيانِ بِالمَأْمُورِ بِهِ، وطَرْحُ الواوِ هُنا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَةِ ما أُمِرُوا بِهِ كَما قِيلَ.
والمُرادُ أنَّ امْتِثالَهم جازاهُ اللَّهُ تَعالى بِالغُفْرانِ، وزادَ عَلَيْهِ، وتِلْكَ الزِّيادَةُ فَضْلٌ مَحْضٌ مِنهُ تَعالى؛ فَقَدْ يَدْخُلُ في الجَزاءِ صُورَةٌ لِتَرَتُّبِهِ عَلى فِعْلِهِمْ، وقَدْ يَخْرُجُ عَنْهُ لِأنَّهُ زِيادَةٌ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ، ولِذا قُرِنَ بِالسِّينِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ وعْدٌ وتَفَضُّلٌ، ومَفْعُولُ نَزِيدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ثَوابًا وزِيادَةً مِنهم في قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: <div class="verse-tafsir"
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة ويقال: هو لجميع الناس إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ويقال: إنه أول نداء نادى به في مكة بهذه الآية.
وكان من قبل يدعو واحداً واحداً.
فلما نزلت هذه الآية، أظهر ونادى في الناس: يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً من ذلك الرب الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق في السماء ولا في الأرض إلا هو يُحيِي وَيُمِيتُ يعني: يحي الأموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا، ويحيي للبعث ثانياً.
ويقال: يحيي يعني: يخلق الخلق من النطفة، ويميتهم عند انقضاء آجالهم.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يعني: يصدق بالله وَكَلِماتِهِ يعني: القرآن قال: السدي وَكَلِمَتُهُ يعني: صدق بأن عيسى صار مخلوقاً بكلمة الله وَاتَّبِعُوهُ يعني: محمدا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ من الضلالة.
قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني: جماعة يدعون إلى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني: وبالحق يعملون.
وقال بعضهم: يعني به مؤمني أهل الكتاب وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وهذا كما قال في آية أخرى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ [آل عمران: 113] الآية.
وقال بعضهم: هم قوم من وراء الصين من أمة موسى ما وراء رمل عالج.
وروي عن ابن عباس- ما- أن النبيّ ليلة أُسري به إلى البيت المقدس ومعه جبريل فرفعه إليهم وكلّمهم وكلّموه.
فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟
قالوا: لا.
قال: فإن هذا محمد النبي الأمي.
قال: يا جبريل وقد بعثه الله تعالى؟
قال نعم فآمنوا به وصدّقوه.
وقالوا: يا رسول الله أن موسى بن عمران أوصى إلينا أن من أدرك ذلك النبي منكم فليقرأ مني ومنكم ورد رسول الله على موسى ورد عليهم السلام ثم قال لهم رسول الله : «ما لِي أَرَى بُيُوتَكُمْ مُسْتَوِيَةً» ؟
قالوا: لأنا قوم لا يبغي بعضنا على بعض.
قال: «فما لي لا أرى عليها أبواباً» ؟
قالوا: إنّا لا يضر بعضنا بعضاً.
قال: «فَمَا لِي لا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ» ؟
قالوا: ما ضحكنا قط لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه أن جهنم عرضها ما بين الخافقين وقعرها الأرض السفلى، وقد أقسم الله تعالى ليملأنها مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ.
قال: «فَهَلْ تَبْكُونَ عَلَى المَيِّتِ» ؟
قالوا: يا رسول الله كيف نبكي على الميت وكلنا ميتون.
وهو سبيل لا بد منه.
والله أعطانا والله أخذ منا.
قال: «فَهَلْ تَمْرَضُونَ» ؟
قالوا: يا رسول الله إنما يمرض أهل الذنوب والخطايا.
فأما نحن فمعصومون بدعاء نبي الله موسى- - قال: «فَكَيْفَ تَمُوتُونَ إِذَا لَمْ تَمْرَضُوا؟» قالوا: إذا استوفى أحدنا رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه فندفنه، حيث يموت.
قال: «فَهَلْ تَحْزَنُونَ إذَا وُلِدَ لأَحَدِكُمْ جَارِيَةٌ» ؟
قالوا: يا رسول الله لا ولكنا نصوم لله تعالى شهراً شكرا، فإذا ولد لأحدنا غلام نصوم لله شهرين شكراً لله تعالى.
قال: «فَهَلْ فِيكُمْ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبٌ» ؟
قالوا: نعم.
قال: «كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهِنَّ» ؟
قالوا: يا رسول الله نمشي عليهن ويمشين علينا، ولا نؤذيهن ولا تؤذينا، آمنات منا ونحن آمنون منهن.
قال: «فَهَلْ لَكُمْ مَاشِيَةٌ» ؟
قالوا: نعم، نجز أصوافها فنتخذ منه الأفنية والأكسية، ونأكل من لحومهن الكفاف، وكل أهل القرية فيها شرع أي سواء ليس أحد أحق به منا.
قال: «فَهَلْ تَزِنُونَ أَوْ يُوزَنُ عَلَيْكُمْ» ؟
قالوا: لا نزن ولا يوزن علينا ولا نكيل ولا يكال علينا ولا نشتري ولا نبيع.
قال: «فَمِنْ أيْنَ تَأْكُلُونَ» ؟
قالوا: يا رسول الله: نخرج فنزرع، ويرسل الله تعالى السماء علينا فينبته، ثم نخرج إليه فنحصده، ونضعه في أماكن من القرية، فيأخذ أهل القرية منها الكفاف ويدعون ما سواه.
قال: «فَهَلْ تُجَامِعُونَ النِّسَاءَ» ؟
قالوا: نعم يا رسول الله لنا بيوت مظلمة وثياب معلومة فإذا أردنا المجامعة لبسنا ثيابنا تلك ودخلنا تلك البيوت، لا يرى الرجل عورة امرأته ولا المرأة عورة زوجها.
قال: «فَهَلْ فِيكُمُ زِنًى؟» قالوا: يا رسول الله لا فإن فعل ذلك أحد منا لظننا أن الله تعالى يبعث عليه ناراً فيحرقه أو يخسف به الأرض، ولكن إذا كان للرجل منا ابنة طلبها منه رجل فيزوجه إياها إرادة الأجر والعفة.
قال: «فَهَلْ تَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ» ؟
قالوا: لا.
يا رسول الله.
إنما يكنز الذهب والفضة من لا يثق بالله، ومن يرى أن الله تعالى لم يتكفل له برزقه.
فأما نحن فلا نكنز الذهب والفضة.
فأقرأهم رسول الله عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فعلمهم رسول الله وأمرهم بالصلاة والزكاة ورجع من ليلته.
وقال قتادة: قال رسول الله : في قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: «قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا» وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني: في هذه الأمة.
ثم قال: وَقَطَّعْناهُمُ يعني: بني إسرائيل فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً يعني: جماعة والأسباط جَمْعٌ والسبط في بني إسرائيل مثل القبيلة عند العرب وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى يعني: في التيه إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ إلى قوله: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ كل ذلك مذكور في سورة البقرة قرأ أبو عمرو نَّغْفِرْ لَكُمْ بالنون خطاياكم.
وقرأ ابن عامر تَغْفِرْ لَكُمْ بالتاء والضم خطيئتكم بالرفع وبلفظ الواحد.
وقرأ نافع تَغْفِرْ لكم بالتاء، والضم خطيئاتكم بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون نَغْفِرْ لَكُمْ بالنون خَطِيئاتِكُمْ بلفظ الجماعة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ ...
الآية:
فَانْبَجَسَتْ: بمعنى انفجرت، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المعاني في «البقرة» .
وقوله سبحانه: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ: القَرْيَةُ هي بيْتُ المقدس.
وقيل: أريحا، و «بدّل» : معناه غيّر اللّفظ.
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)
وقوله سبحانه: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ...
الآية: قال بعضُ المتأوِّلين: إِن اليهود المعاصرين للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالُوا: إِنَّ بني إِسرائيل لم يَكُنْ فيهم عصْيانٌ، ولا معاندةٌ لمَا أُمرُوا به، فنزلَتْ هذه الآيةُ موبِّخة لهم، فسؤالهم إِنَّما هو على جهة التوبيخِ، والقريةُ هنا: أَيْلَةُ، قاله «١» ابن عباس وغيره، وقيل: مَدْيَن، و «حاضِرة البَحْر» ، أي: البحر فيها حاضرٌ، ويحتملُ أنْ يريد معنى «الحاضرة» على جهة التعظيم لها، أي:
هي الحاضرة في مدن البحر، ويَعْدُونَ: معناه: يخالفون الشرع من عدا يعدو، وشُرَّعاً، أي: مقبلة إِليهم مُصْطَفَّة، كما تقولُ: شُرِعَتِ الرماحُ إِذا مُدَّتْ مصطَفَّة، وعبارةُ البخاري/ شُرَّعاً أيْ: شوارِعَ انتهى.
والعامل في قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ قولُهُ: لاَ تَأْتِيهِمْ، وهو ظرفٌ مقدّم،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَطَّعْناهُمُ ﴾ يَعْنِي قَوْمَ مُوسى، يَقُولُ: فَرَّقْناهُمُ "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا" يَعْنِي أوْلادَ يَعْقُوبَ، وكانُوا اثَّنى عَشَرَ ولَدًا، فَوَلَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سِبْطًا.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ والسِّبْطُ ذَكَرٌ، لِأنَّ بَعْدَهُ "أُمَمًا" فَذَهَبَ بِالتَّأْنِيثِ إلى الأُمَمِ، ولَوْ كانَ ﴿ اثْنَيْ عَشَرَ ﴾ لَتَذْكِيرِ السِّبْطِ، كانَ جائِزًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، "أسْباطًا" نَعَتَ "فِرْقَةً" كَأنَّهُ يَقُولُ: جَعَلْناهم أسْباطًا وفَرَّقْناهم أسْباطًا فَيَكُونُ "أسْباطًا" بَدَلًا مِن ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ﴾ وأُمَمًا مِن نَعْتِ أسْباطٍ.
والأسْباطُ في ولَدِ إسْحاقَ بِمَنزِلَةِ القَبائِلِ لَيَفْصِلَ بَيْنَ ولَدِ إسْماعِيلَ وبَيْنَ ولَدِ إسْحاقَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأسْباطُ: قَبائِلُ بَنِي إسْرائِيلَ، واحِدُهُمْ: سِبْطٌ.
ويُقالُ: مِن أيِّ سِبْطٍ أنْتَ؟
أيْ: مِن أيِّ قَبِيلَةٍ وجِنْسٍ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْبَجَسَتْ مِنهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: انْفَجَرَتْ؛ يُقالُ: تَبَجَّسَ الماءُ، كَما يُقالُ: تَفَجَّرَ؛ والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في [سُورَةِ البَقَرَةِ:٥٨-٦٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ ﴾ بِالتّاءِ مَهْمُوزَةً عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ مِثْلَ: قَضاياكم، ولا تاءَ فِيها.
وقَرَأ نافِعٌ "تَغْفِرُ" بِالتّاءِ مَضْمُومَةً خَطِيئاتكم بِالهَمْزِ وضَمَّ التّاءَ، عَلى الجَمْعِ، وافَقَهُ ابْنُ عامِرٍ في "تُغْفَرْ" بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ، لَكِنَّهُ قَرَأ خَطِيئَتكم عَلى التَّوْحِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ والمَعْنى: واذْكُرْ إذْ قِيلَ لَهُمْ، والمُرادُ مَن سَلَفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا مِنَ التِيهِ قِيلَ لَهُمُ:اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ، والقَرْيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَدِينَةُ مُجْتَمَعُ المَنازِلِ، والإشارَةُ هُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَهُ الطَبَرِيُّ.
وقِيلَ: إلى أرِيحا، و ﴿ حَيْثُ شِئْتُمْ ﴾ أيْ: هي ونِعَمُها لَكم مُباحَةٌ.
وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "حِطَّةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ، الرَفْعُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: طَلَبُنا حِطَّةٌ، والنَصْبُ عَلى المَصْدَرِ، أيْ حُطَّ ذُنُوبَنا حِطَّةً، وهَذا عَلى أنْ يُكَلِّفُوا قَوْلَ لَفْظَةٍ مَعْناها: حِطَّةٌ.
وقَدْ قالَ قَوْمٌ: كُلِّفُوا قَوْلًا حَسَنًا مُضَمَّنُهُ الإيمانُ وشُكْرُ اللهِ لِيَكُونَ حِطَّةً لِذُنُوبِهِمْ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- كَقَوْلِكَ: قُلْ خَيْرًا.
وتَوْفِيَةُ هَذا مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالتاءِ مَهْمُوزًا عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطاياكُمْ" نَحْوُ "قَضاياكُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئاتُكُمْ" بِالهَمْزِ وضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، ورَواها مَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئَتُكُمْ" واحِدَةً مَهْمُوزَةً مَرْفُوعَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأها الأعْرَجُ وفِرْقَةٌ "تَغْفِرْ" بِالتاءِ وفَتَحَها عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ.
و"بَدَّلَ" مَعْناهُ: غَيَّرَ اللَفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، والإشارَةُ بِالقَوْلِ إلى قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ أو حِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"، والرِجْزِ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ: طاعُونٌ، يُقالُ: ماتَ مِنهُ في يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وتَقَدَّمَ أيْضًا اسْتِيعابُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ اليَهُودَ المُعارِضِينَ لِمُحَمَّدٍ قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أمَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً ما كانَ مِن فِعْلِ أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، فَسُؤالُهم إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، والقَرْيَةُ هُنا: مَدْيَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: أيْلَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والثَوْرِيُّ.
وقالَ قَتادَةُ هي "مُقْنا" بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ هي مَقْناةُ ساحِلُ مَدْيَنَ، ويُقالُ فِيها مَغْنى بِالغَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةً، وقِيلَ: هي طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُهْرِيُّ، و"حاضِرَةَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحُضُورِ" أيِ:البَحْرُ فِيها حاضِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحَضارَةِ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لَها، أيْ هي الحاضِرَةُ في مُدُنِ البَحْرِ.
و"إذْ يَعْدُونَ" مَعْناهُ: يُخالِفُونَ الشَرْعَ، مِن عَدا يَعْدُو.
وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نُهَيْكٍ: "يَعَدُّونَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ "يَعْتَدُونَ" فَأسْكَنِ التاءَ لِيُدْغِمَها في الدالِ، ونَقَلَ فَتْحَها إلى العَيْنِ فَصارَ "يَعَدُّونَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ، والِاعْتِداءُ مِنهم في السَبْتِ هو نَفْسُ العَمَلِ والِاشْتِغالِ كانَ صَيْدًا أو غَيْرَهُ، إلّا أنَّهُ كانَ في هَذِهِ النازِلَةِ بِالصَيْدِ، وكانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ابْتَلاهم في أمْرِ الحُوتِ بِأنْ يَغِيبَ عنهم سائِرَ الجُمْعَةِ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ جاءَهم في الماءِ شارِعًا، أيْ مُقْبِلًا إلَيْهِمْ مُصْطَفًّا، كَما تَقُولُ: أُشْرِعَتِ الرِماحُ إذا مُدَّتْ مُصْطَفَّةً، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنَ الحُوتِ بِإرْسالٍ مِنَ اللهِ كَإرْسالِ السَحابِ، أو بِوَحْيٍ وإلْهامٍ كالوَحْيِ إلى النَحْلِ، أو بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللهُ الدَوابَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ بِأمْرِ الساعَةِ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ : « "ما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَمْسُ فَرَقًا مِنَ الساعَةِ"»، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَلامَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ شُعُورِ حَمامِ الحَرَمِ بِالسَلامَةِ.
قالَ رُواةُ هَذا القَصَصِ: فَيَقْرُبُ الحُوتُ ويَكْثُرُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَإذا كانَ لَيْلَةَ الأحَدِ غابَ بِجُمْلَتِهِ، وقِيلَ: غابَتْ كَثْرَتُهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ صَيْدُهُ، قالَ قَتادَةُ: فَفَتَنَهم ذَلِكَ وأضَرَّ بِهِمْ فَتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلَ التَطَرُّقِ.
ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ قالَ: زَعَمَ ابْنُ رُومانَ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُ الرَجُلُ خَيْطًا ويَصْنَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ الناسُ حِينَ رَأوا مَن صَنَعَ هَذا لا يُبْتَلى حَتّى كَثُرَ صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَبْتِ، فَنَهَضَتْ فِرْقَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ونَهَتْ وجاهَرَتْ بِالنَهْيِ واعْتَزَلَتْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: "وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ" قَوْلُهُ: "لا تَأْتِيهِمْ" وهو ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "حِيتانُهم يَوْمَ إسْباتِهِمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والناسُ: "يَسْبِتُونَ" بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ: "يَسْبُتُونَ" بِضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ "يُسْبِتُونَ" مِن أسَبَتَ إذا دَخَلَ في السَبْتِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" الإشارَةُ إلى أمْرِ الحُوتِ وفِتْنَتِهِمْ بِهِ، هَذا عَلى مَن وقَفَ عَلى "تَأْتِيهِمْ"، ومَن وقَفَ عَلى "كَذَلِكَ" فالإشارَةُ إلى كَثْرَةِ الحِيتانِ شُرَّعًا، أيْ: فَما أتى مِنها فَهو قَلِيلٌ، و"نَبْلُوهُمْ" أيْ نَمْتَحِنُهم لِفِسْقِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ رِوايَةٌ وتَطْوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ مِنهُ عَلى ما لا تُفْهَمُ ألْفاظُ الآيَةِ إلّا بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية أيضاً نظير ما في سورة البقرة إلاّ أنه عبر في هذه الآية بقوله: ﴿ اسكنوا ﴾ وفي سورة البقرة (58) بقوله: ﴿ ادخلوا ﴾ لأن القولين قيلا لهم، أي قيل لهم: ادخلوا واسكنوها ففُرّق ذلك على القصتين على عادة القرآن في تغيير أسلوب القصص استجداداً لنشاط السامع.
وكذلك اختلاف التعبير في قوله هنا: ﴿ وكلوا ﴾ وقوله في سورة البقرة (58) ﴿ فكلوا ﴾ فإنه قد قيل لهم بما يرادف فاء التعقيب، كما جاء في سورة البقرة، لأن التعقيب معنى زائِد على مطلق الجمع الذي تفيده واو العطف، واقتصر هنا على حكاية أنه قيل لهم، وكانت آية البقرة أولى بحكاية ما دلت عليه فاء التعقيب، لأن آية البقرة سيقت مساق التوبيخ فناسبها ما هو أدل على المنة، وهو تعجيل الانتفاع بخيرات القرية، وآيات الأعراف سيقت لمجرد العبرة بقصة بني إسرائيل.
ولأجل هذا الاختلاف مُيزت آية البقرة بإعادة الموصول وصلته في قوله: ﴿ فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً ﴾ [البقرة: 59] وعوض عنه هنا بضمير الذين ظلموا، لأن القصد في آية البقرة بيان سبب إنزال العذاب عليهم مرتين أشير إلى أولاهما بما يومئ إليه الموصول من علة الحكم، وإلى الثانية بحرف السببية، واقتصر هنا على الثاني.
وقد وقع في سورة البقرة (59) لفظ ﴿ فأنزلنا ﴾ ووقع هنا لفظ ﴿ فأرسلنا ﴾ ولما قيد كلاهما بقوله: ﴿ من السماء ﴾ كان مفادهما واحداً، فالاختلاف لمجرد التفنن بين القصتين.
وعبر هنا ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ وفي البقرة (59) ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ لأنه لما اقتضى الحال في القصتين تأكيدَ وصفهم بالظلم وأدي ذلك في البقرة (59) بقوله: ﴿ فأنزلنا على الذين ظلموا ﴾ استثقلت إعادة لفظ الظلم هنالك ثالثة، فعُدل عنه إلى ما يفيد مفاده، وهو الفسق، وهو أيضاً أعم، فهو أنسب بتذييل التوبيخ، وجيء هنا بلفظ يظلمون } لئلا يفوت تسجيل الظلم عليهم مرة ثالثة، فكان تذييل آية البقرة أنسب بالتغليط في ذمهم، لأن مقام التوبيخ يقتضيه.
ووقع في هذه الآية ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم ﴾ ولم يقع لفظ ﴿ منهم ﴾ في سورة البقرة، ووجه زيادتها هنا التصريحُ بأن تبديل القول لم يصدر من جميعهم، وأجمل ذلك في سورة البقرة لأن آية البقرة لما سيقت مساق التوبيخ ناسب إرهابهم بما يوهم أن الذين فعلوا ذلك هم جميع القوم، لأن تبعات بعض القبيلة تحمل على جماعتها.
وقدم في سورة البقرة (58) قوله: ﴿ وادخلوا الباب سجداً ﴾ على قوله: ﴿ وقولوا حطة ﴾ [البقرة: 58] وعُكس هنا وهو اختلاف في الإخبار لمجرد التفنن، فإن كلا القولين واقع قُدّم أو أُخّر.
وذكر في البقرة (58): ﴿ وكلوا منها حيث شئتم رَغَداً ﴾ ولم يذكر وصف رغداً هنا، وإنما حكي في سورة البقرة، لأن زيادة المنة أدخل في تقوية التوبيخ.
وجملة سنزيد المحسنين } مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن قوله: ﴿ تُغفرْ لكم ﴾ في مقام الامتنان بإعطاء نعم كثيرة مما يثير سؤال سائِل يقول: وهل الغفران هو قصارىَ جزائِهم؟
فأجيب بأن بعده زيادة الأجر على الإحسان، أي على الامتثال.
وفي نظير هذه الآية من سورة البقرة (58) ذكرت جملة ﴿ وسنزيد المحسنين ﴾ معطوفة بالواو على تقدير: قلنا لهم ذلك وقلنا لهم سنزيد المحسنين، فالواو هنالك لحكاية الأقوال، فهي من الحكاية لا من المحكي أي قلنا وقلنا سنزيد.
وقرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿ تُغفر ﴾ بمثناة فوقية مبنياً للمجهول، و ﴿ خطيئاتُكم ﴾ بصيغة جمع السلامة للمؤنث وقرأه ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ نَغْفر ﴾ بالنون مبنياً للفاعل و ﴿ خطيئاتِكم ﴾ بصيغة جمع المؤنث السالم أيضاً وقرأه أبو عمرو ﴿ نغفر ﴾ بالنون و ﴿ خطاياكم ﴾ بصيغة جمع التكسير، مثل آية البقرة، وقرأ ابن عامر: ﴿ تُغفر ﴾ بالفوقية وخطيئتكم بالإفراد.
والاختلاف بينها وبين آية البقرة في قراءة نافع ومن وافقه: تفنن في حكاية القصة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ اخْتُلِفَ في المَأْخُوذِ مِنهُ تَسْمِيَةُ القَرْيَةِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ الماءَ يُقْرى إلَيْها أيْ يُجْمَعُ، مِن قَوْلِهِمْ قَرى الماءَ في حَوْضِهِ إذا جَمَعَهُ.
والثّانِي: لِأنَّ النّاسَ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها كَما يَجْتَمِعُ الماءُ في الحَوْضِ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ القَرْيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هي أرْضُ الشّامِ، قالَهُ الحَسَنُ.
فَإنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ سَمّى المَأْوى مَسْكَنًا والإنْسانُ في مَسْكَنِهِ مُتَحَرِّكٌ؟
قِيلَ لِأنَّهُ يَتْرُكُ فِيهِ التَّصَرُّفَ فَصارَ في أكْثَرِ أحْوالِهِ ساكِنًا وإنْ كانَ في بَعْضِها مُتَحَرِّكًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال موسى: يا رب، أجد أمة انجيلهم في قلوبهم؟
قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.
قال: يا رب، أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارة لما بينهن؟
قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.
قال: يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم فيأكلون؟
قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد.
قال: يا رب، اجعلني من أمة أحمد.
فأنزل الله كهيئة المرضية لموسى ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ليلى الكندي قال: قرأ عبدالله بن مسعود ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ فقال رجل: ما أحب إني منهم.
فقال عبدالله: لم ما يزيد صالحوكم على أن يكونوا مثلهم؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن قوم موسى أمة ﴾ الآية.
قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله له نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مستقبلين يستقبلون قبلتنا.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿ وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً ﴾ [ الإِسراء: 104] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم.
قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود فإن الله يقول ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ وأما النصارى فإن الله يقول ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ [ المائدة: 66] فهذه التي تنجو، وأما نحن فيقول ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 181] فهذه التي تنجو من هذه الأمة.
وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: إن مما فضل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم أنه عاين ليلة المعراج قوم موسى الذين من وراء الصين، وذلك أن بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، دعوا ربهم وهم بالأرض المقدسة فقالوا: اللهمَّ أخرجنا من بين أظهرهم، فاستجاب لهم فجعل لهم سرباً في الأرض فدخلوا فيه، وجعل معهم نهراً يجري وجعل لهم مصباحاً من نور بين أيديهم، فساروا فيه سنة ونصفاً وذلك من بيت المقدس إلى مجلسهم الذي هم فيه، فأخرجهم الله إلى أرض تجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين بها، ليس فيها ذنوب ولا معاص، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ومعه جبريل، فآمنوا به وصدقوه وعلَّمهم الصلاة وقالوا: إن موسى قد بشَّرهم به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ قال: بينكم وبينهم نهر من سهل، يعني من رمل يجري.
وأخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن عمرو قال: هم الذين قال الله: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ﴾ يعني سبطان من أسباط بني إسرائيل يوم الملحمة العظمى ينصرون الإِسلام وأهله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إن لله عباداً من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس لا يرون أن الله عصاه مخلوق، رضراضهم الدر والياقوت وجبالهم الذهب والفضة، لا يزرعون ولا يحصدون ولا يعملون عملاً، لهم شجر على أبوابهم لها أوراق عراض هي لبوسهم، ولهم شجر على أبوابهم لها ثمر، فمنها يأكلون.
قوله تعالى: ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانبجست ﴾ قال: انفجرت.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ قال: أجرى الله من الصخرة اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط عين يشربون منها.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال نعم.
أما سمعت بشر بن أبي حازم يقول: فاسلبت العينان مني بواكف ** كما انهل من واهي الكلى المتبجس <div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقطعناهم ﴾ أي فرقناهم ﴿ أَسْبَاطاً ﴾ السبط في بين إسرائيل كالقبيلة في العرب، وانتصابه على البدل من اثنتي عشرة لا على التمييز، فإن تمييز اثنتي عشرة لا يكون إلا مفرداً، وقال الزمخشري على التمييز، لأن كل قبيلة أسباطاً لا سبط ﴿ فانبجست ﴾ أي انفجرت إلا أن الانبجاس أخف من الانفجار وقال القزويني الانبجاس: أول الانفجار ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام ﴾ وما بعده إلى قوله بما كانوا يظلمون مذكورة في [البقرة: 57].
تنبيه: وقع الاختلاف في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة البقرة في قوله انفجرت وانبجست وقوله: وإذ قلنا ادخلوا، وإذ قيل لهم اسكنوا وقوله: وكلوا بالواو وفكلوا بالفاء، فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم سكن هنالك تناقض، وعللها شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في كتاب ملاك التأويل وصاحب الدرة بتعليلات منها قوية وضعيفة وفيها طول فتركناها لطولها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.
﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.
زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.
الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.
الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.
﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.
الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.
والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.
التفسير: إنه ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.
ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.
الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟
وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.
وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.
وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.
وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.
قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول من قبل الله ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد أول مناكيرهم.
وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟
وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.
والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.
ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.
ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.
قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.
والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.
وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.
قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.
والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.
والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.
والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.
وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.
عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.
هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.
وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟
فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.
والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.
والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.
بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.
وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.
وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.
وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.
ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.
ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله أعلم بالسرائر.
النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".
فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.
وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.
وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.
أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.
وقيل: الاستخفاف والإهانة.
وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.
وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.
وإذ قد أخبر الله بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.
قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.
النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.
وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.
﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.
ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.
فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.
قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.
قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.
يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.
وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.
وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.
أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.
والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.
وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.
وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.
ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.
ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.
فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.
ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟
﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.
﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.
ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.
النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.
والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.
وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.
روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.
وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.
فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.
ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.
﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.
التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.
وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.
أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.
وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قيل: أمة يدعون إلى سبيل الحق.
﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .
أي: به يعملون [وهو كقوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .
فعلى ذلك يحمل الأول على الإضمار والدعاء إلى سبيل الحق، فقال الحسن: ﴿ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يعملون] بالحق وبه يعدلون فيما بينهم؛ لكن الأول أقرب، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ جائز أن تكون الأمة التي أكرم من قوم موسى كانت في زمنهم يدعون الناس إلى الإيمان برسول الله.
أو أن تكون الأمة من قومه في زمن رسول الله بقية من قوم موسى، مؤمنين به يدعون الناس إليه وبه يعملون.
وقوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ﴾ .
قال ابن عباس - -: هو ما ذكره: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ أي: جماعة.
وقيل: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ﴾ ، أي: جعلناهم ﴿ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً ﴾ فرقاً.
وقال غيرهم: قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ﴾ أي: جاوزنا بهم البحر، وجعلنا لهم اثنتي عشرة أسباطاً.
قال أبو عوسجة: الأسباط: الأفخاذ، والسبط واحد.
وقال القتبي: الأسباط: القبائل، واحدها: سبط.
وقيل: [الأسباط لهم كالقبائل للعرب.
وقيل:] الفخذ دون القبيلة.
وقيل: إن أولاد إسحاق تسمى: أسباطاً، وأولاد إسماعيل: قبائل وأفخاذاً؛ ولذلك يقال للعرب: قبيلة كذا، وفخذ كذا، ولسنا ندري كيف هو؟
وقيل: سبط الرجل: ولد ولده؛ على ما روي أن الحسن والحسين - ما - سبطا رسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ .
قيل: دل [قوله]: ﴿ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ أنهم كانوا في المفازة، لا في البلدان والقرى؛ لأنهم لو كانوا في القرى، والقرى لا تخلو عن أنهار تجري فيها أو عيون [الأرض].
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ ﴾ دل أنهم كانوا في المفازة؛ لأنه هنالك تقع الحاجة إلى الغمام، وأما في القرى فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ .
قال بعضهم: انفجرت؛ على ما ذكر في سورة أخرى.
وقيل: إن هذه الكلمة بلسانهم، لا بلسان العرب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: تعبدهم عز وجل بمعرفة كل منهم مشربه.
وقال بعضهم: لا، ولكن لئلا يزدحموا في ذلك فيقع في أولادهم التقاتل والإفساد والتنازع والاختلاف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .
فيه أن جميع مؤنتهم كانت من السماء بلا مؤنة ولا تعب على أنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .
ما ذكر من المن والسلوى وغيره.
﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ .
لا أحد يقصد قصد ظلم الله، ولكن إذا تعدوا حدود الله التي جعل لهم وجاوزوها فقد ظلموا أنفسهم؛ لما رجع ضرر ذلك التعدي إليهم.
وهذه النعم التي ذكر لهم - جل وعلا - إنما جعلها لهم في حال العقوبة والابتلاء من المن والسلوى، والعيون، والغمام، ويدل هذا على أن عقوبات الدنيا قد يشوبها لذة ونعمة, وكذلك لذات الدنيا وقد يمازجها شدائد وهموم، فإنما تخلص وتصفو هذه النعم في الآخرة، وكذلك العقوبة هنالك تخلص وتفارق اللذات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ بيت المقدس.
وأمكن أن تكون القرية التي ذكر - هاهنا - هي الأرض التي ذكرت في سورة المائدة، وهو قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ أمرهم بالدخول فيها، ونهاهم عن الارتداد على أدبارهم، وأمرهم - [هاهنا] - بالسكون فيها، وأباح لهم التناول منها مما شاءوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ .
أي: ارجعوا إلى السبب الذي يحط الأوزار، لا قولهم: حط عنا كذا، وهو كما قال: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ ، أي: ائتوا بالسبب الذي به يغفر، وهو التوحيد.
﴿ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً ﴾ الآية.
قد مضى ذكر هذا في السورة التي فيها ذكر البقرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ .
هذا - أيضاً - ذكرناه فيها، سوى أنه ذكر - هاهنا - ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً ﴾ ، وذكر في سورة البقرة: ﴿ فَأَنزَلْنَا ﴾ والقصة واحدة؛ ليعلم أن اختلاف الألفاظ لا يوجب اختلاف المعاني والأحكام، ولا تغييرها، وذكر هاهنا: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ ، [وذكر] هنالك: ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ، والفسق هو الخروج عن الأمر، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد كان منهم الأمران جميعاً: الخروج عن أمر الله، ووضع الشيء - أيضاً - في غير موضعه.
أكرم الله - عز وجل - هذه الأمة كرامات من الطاعة لرسولها، والخضوع له، والتعظيم له، حتى لم يخطر ببال أحد الخلاف له بعد ما اتبعه وآمن به، وأكرمهم - أيضاً - من الفهم والحكمة والفقه، حتى ذكر: كأنهم من الفقه أنبياء، وقوم موسى وغيرهم من الأمم لم يكونوا مثل ذلك؛ ألا ترى أن قوم موسى قد خالفوه في أشياء أمرهم موسى بها.
<div class="verse-tafsir"
واذكر -أيها الرسول- حين قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا بيت المقدس، وكلوا من ثمار قريته من أي مكان منه وفي أي وقت شئتم، وقولوا: يا ربنا، حُطَّ عنا خطايانا، وادخلوا الباب راكعين خاضعين لربكم؛ فإن فعلتم ذلك تجاوزنا عن ذنوبكم، وسنزيد المحسنين من خيري الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.kYoyL"