الآية ١٧٠ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٧٠ من سورة الأعراف

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ ١٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٠ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال تعالى ( والذين يمسكون بالكتاب ) أي : اعتصموا به واقتدوا بأوامره ، وتركوا زواجره ( وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأ بعضهم: (يُمْسِكُونَ) بتخفيف الميم وتسكينها, من " أمْسك يمسك ".

* * * وقرأه آخرون: (يُمَسِّكُونَ)، بفتح الميم وتشديد السين, من " مَسَّك يُمَسِّك ".

* * * قال أبو جعفر: ويعني بذلك: والذين يعملون بما في كتاب الله= " وأقاموا الصلاة "، بحدودها, ولم يضيعوا أوقاتها (80) = " إنا لا نضيع أجر المصلحين ".

يقول تعالى ذكره: فمن فعل ذلك من خلقي, فإني لا أضيع أجر عمله الصالح، كما: - 15329- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " والذين يمسكون بالكتاب "، قال: كتاب الله الذي جاء به موسى عليه السلام.

15330- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " والذين يمسكون بالكتاب "، من يهود أو نصارى= " إنا لا نضيع أجر المصلحين ".

------------------------ الهوامش: (80) (2) انظر تفسير (( إقامة الصلاة )) في فهارس اللغة ( قوم )) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين قوله تعالى : والذين يمسكون بالكتاب أي بالتوراة ، أي بالعمل بها ; يقال : مسك به وتمسك به أي استمسك به .

وقرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر ( يمسكون ) بالتخفيف من أمسك يمسك .

والقراءة الأولى أولى ; لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يمدحون .

فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك .

وقال كعب بن زهير :فما تمسك بالعهد الذي زعمت إلا كما تمسك الماء الغرابيلفجاء به على طبعه يذم بكثرة نقض العهد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وإنما العقلاء حقيقة من وصفهم اللّه بقوله وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ أي: يتمسكون به علما وعملا فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار، التي علمها أشرف العلوم.

ويعلمون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب، وأفراح الأرواح، وصلاح الدنيا والآخرة.

ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات، إقامة الصلاة، ظاهرا وباطنا، ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات.

ولما كان عملهم كله إصلاحا، قال تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.

وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين يمسكون بالكتاب ) قرأ أبو بكر عن عاصم : " يمسكون " بالتخفيف ، وقراءة العامة بالتشديد ، لأنه يقال : مسكت بالشيء ، ولا يقال أمسكت بالشيء ، إنما يقال : أمسكته ، وقرأ أبي بن كعب : " والذين تمسكوا بالكتاب " ، على الماضي وهو جيد لقوله تعالى : ( وأقاموا الصلاة ) إذ قل ما يعطف ماض على مستقبل إلا في المعنى ، وأراد الذين يعملون بما في الكتاب ، قال مجاهد : هم المؤمنون من أهل الكتاب ، عبد الله بن سلام وأصحابه ، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة .

وقال عطاء : هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .

( وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين يمسِّكون» بالتشديد والتخفيف «بالكتاب» منهم «وأقاموا الصلاة» كعبد الله بن سلام وأصحابه «إنا لا نضيع أجر المصلحين» الجملة خبر الذين، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر أي أجرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين يتمسَّكون بالكتاب، ويعملون بما فيه من العقائد والأحكام، ويحافظون على الصلاة بحدودها، ولا يضيعون أوقاتها، فإن الله يثيبهم على أعمالهم الصالحة، ولا يضيعها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أثنى الله - تعالى - على من تمسك بكتابه ، فأحل حلاله وحرم حرامه ، ولم يتقول على الله الكذب فقال تعالى : ( والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب وَأَقَامُواْ الصلاة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين ) والمراد بالكتاب التوراة أو القرآن أو جنس الكتب السماوية عموما .والمعنى : والذين يستمسكون بأوامر الكتاب الذى أنزله الله ويعتصمون بحبله فى جميع شئونهم إنا لا نضيع أجرهم لأنهم قد أصلحوا دينهم ودنياهم والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .وخص الصلاة بالذكر مع دخولها فيما قبلها إظهارا لمزيتها لكونها عماد الدين وناهية عن الفحشاء والمنكر .وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وبختا اليهود لافترائهم على الله الكذب وردتا عليهم فى دعواهم أن ذنوبهم مغفورة لهم مع تعمدهم أكل أموال الناس بالباطل ، وبينتا لهم طريق الفلاح لكى يسيروا عليها ، إن كانوا ممن ينتفع بالذكر ، ويعتبر بالمثلات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ ظاهره أن الأول ممدوح.

والثاني مذموم، وإذا كان كذلك، فيجب أن يكون المراد: فخلف من بعد الصالحين منهم الذين تقدم ذكرهم خلف.

قال الزجاج: الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك، فلهذا السبب يقال للقرن الذي يجيء في إثر قرن خلف، ويقال فيه أيضاً خلف، وقال أحمد بن يحيى: الناس كلهم يقولون خلف صدق وخلف سوء، وخلف للسوء لا غير.

وحاصل الكلام: أن من أهل العربية من قال الخلف والخلف قد يذكر في الصالح وفي الرديء، ومنهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد: وبقيت في خلف كجلد الأجرب *** ومنهم من يقول: الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف، وهو الفساد، يقال للردئ من القول خلف، ومنه المثل المشهور سكت ألفاً ونطق خلفاً، وخلف الشيء يخلف خلوفاً وخلفاً إذا فسد وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته.

وقوله: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى ﴾ قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وأما العرض بسكون الراء فما خالف العين، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض، فكان كل عرض عرضاً وليس كل عرض عرضاً، والمراد بقوله: ﴿ عَرَضَ هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها، وفي قوله: ﴿ هذا الأدنى ﴾ تخسيس وتحقير، و ﴿ الأدنى ﴾ إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام.

ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا.

ثم قال: ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها.

ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة، وقيل: المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الإصرار، وذلك قول باطل.

فإن قيل: فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له.

قلنا: أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة، ونحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران، ونقول: إن بتقدير أن يعذب الله عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرؤه ودرسوه.

ثم قال: ﴿ والدار الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب ﴾ يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به، وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ يُمَسِّكُونَ ﴾ مخففة والباقون بالتشديد.

أما حجة عاصم فقوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ وقوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ  ﴾ قال الواحدي: والتشديد أقوى، لأن التشديد للكثرة وهاهنا أريد به الكثرة، ولأنه يقال: أمسكته، وقلما يقال أمسكت به.

إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: ﴿ والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب ﴾ قولان: القول الأول: أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين ﴾ والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً  ﴾ وهذا الوجه حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به.

والقول الثاني: أن يكون مجروراً عطفاً على قوله: ﴿ الذين يَتَّقُونَ ﴾ ويكون قوله: ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله.

فإن قيل: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر؟

قلنا: إظهاراً لعلو مرتبة الصلاة، وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين ﴾ والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم؛ لأنّ المصلحين في معنى الذين يمسكون بالكتاب، كقوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ [الكهف: 30] والثاني: أن يكون مجروراً عطفاً على الذين يتقون، ويكون قوله: ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ اعتراضاً.

وقرئ: ﴿ يمسكون ﴾ بالتشديد.

وتنصره قراءة أبيّ: ﴿ والذين مسكوا بالكتاب ﴾ ، فإن قلت: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة.

ومنها إقامة الصلاة، فكيف أفردت؟

قلت: إظهار لمزية الصلاة لكونها عماد الدين، وفارقه بين الكفر والإيمان.

وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ والذين استمسكوا بالكتاب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ مِن بَعْدِ المَذْكُورِينَ.

﴿ خَلْفٌ ﴾ بَدَلُ سُوءٍ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ ولِذَلِكَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ.

وقِيلَ جَمْعٌ وهو شائِعٌ في الشَّرِّ والخَلْفُ بِالفَتْحِ في الخَيْرِ والمُرادُ بِهِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ورِثُوا الكِتابَ التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمْ يَقْرَءُونَها ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها.

.

.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى يَعْنِي الدُّنْيا، وهو مِنَ الدُّنُوِّ أوِ الدَّناءَةِ وهو ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الرِّشا في الحُكُومَةِ وعَلى تَحْرِيفِ الكَلِمِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الواوِ.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ لا يُؤاخِذُنا اللَّهُ بِذَلِكَ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، وهو يَحْتَمِلُ العَطْفَ والحالَ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ مَصْدَرُ يَأْخُذُونَ.

﴿ وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَنا أيْ: يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ مُصِرِّينَ عَلى الذَّنْبِ عائِدِينَ إلى مِثْلِهِ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْهُ.

﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ﴾ أيْ في الكِتابِ.

﴿ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْ بِأنْ يَقُولُوا والمُرادُ تَوْبِيخُهم عَلى البَتِّ بِالمَغْفِرَةِ مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ والدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ مِيثاقِ الكِتابِ.

﴿ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ، أوْ عَلى ﴿ وَرِثُوا ﴾ وهو اعْتِراضٌ.

﴿ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ مِمّا يَأْخُذُ هَؤُلاءِ.

﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ فَيَعْلَمُوا ذَلِكَ ولا يَسْتَبْدِلُوا الأدْنى الدَّنِيءَ المُؤَدِّيَ إلى العِقابِ بِالنَّعِيمِ المُخَلَّدِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ عَلى التَّلْوِينِ.

﴿ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ عُطِفَ عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ وقَوْلُهُ: ﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ اعْتِراضٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مِنهم، أوْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإصْلاحَ كالمانِعِ مِنَ التَّضْيِيعِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ ﴿ يُمَسِّكُونَ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وإفْرادِ الإقامَةِ لِإنافَتِها عَلى سائِرِ أنْواعِ التَّمَسُّكاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)

{والذين يمسكون بالكتاب} يمسكون أبو بكر والامسكاك والتمسيك والتمسك الاعتصام والتعلق بشئ {وَأَقَامُواْ الصلاة} خص الصلاة مع أن التمسك بالكتاب يشتمل على ككل عبادة لانها عما الدين مبتدأ والخبر {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين} أي إنا لا نضيع أجرهم وجاز أن يكون مجرورا عطفا على الذين يتقون وانا لاَ نُضِيعُ اعتراض

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ ﴾ أيْ: يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في أُمُورِ دِينِهِمْ يُقالُ: مَسَّكَ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكَ بِهِ بِمَعْنًى، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ تَمَسَّكُوا بِالكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يُحَرِّفُوهُ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَتَّخِذُوهُ مَأْكَلَةً، وقالَ عَطاءٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ الجَلِيلُ الشَّأْنِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ: (يُمْسِكُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإمْساكِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: (اسْتَمْسَكُوا)، وأُبَيٌّ: (مَسَكُوا) وفي ذَلِكَ مُوافَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ في المَشْهُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِخِلافِ الإقامَةِ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالأوْقاتِ المَخْصُوصَةِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ العِباداتِ مَعَ دُخُولِها بِالتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ لِإنافَتِها عَلَيْها؛ لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ عَطْفًا عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، والِاعْتِراضُ قَدْ يُقْرَنُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ: فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا وإمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ ﴾ والرّابِطُ إمّا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ كَما هو رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أيْ: أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهُمْ، وإمّا الألِفُ واللّامُ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ فَإنَّها كالعِوَضِ عَنِ الضَّمِيرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُصْلِحِيهِمْ، وأمّا العُمُومُ في المُصْلِحِينَ فَإنَّهُ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الرَّوابِطِ، ومِنهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ، أوْ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ: لا نُضِيعُ أجْرَهُمْ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ لِما ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الصَّلاحَ كالمانِعِ مِنَ التَّضْيِيعِ؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَّةَ مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا نُضِيعُ أجْرَهم لِصَلاحِهِمْ.

وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ مَأْجُورُونَ أوْ مُثابُونَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ ﴾ إلَخْ حِينَئِذٍ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ واسمها أيلة وذلك أن اليهود قالوا: نحن من أبناء إبراهيم  فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل فقال الله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ يعني: أهل القرية التى كانت حاضرة البحر كيف عذبهم الله تعالى بذنوبهم.

ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعني: أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت.

وقال: يعتدون في يوم السبت.

وأصل الاعتداء هو الظلم.

يقال: عدوت على فلان إذا ظلمته واعتديت عليه.

ثم قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني: يوم استراحتهم شوارع في الماء وهو جمع الشارع وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ يعني: إذا لم يكن يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم.

وإنما تم الكلام عند قوله: تَأْتِيهِمْ ثم ابتدأ فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ يعني: هكذا نختبرهم.

وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك يعني: لا تأتيهم كما تأتيهم يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل، ولا يأتيهم كما يأتيهم في يوم السبت.

ثم ابتداء الكلام فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى.

ثم قال عز وجل: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي عصبة وجماعة منهم وهي الظلمة للأمة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان، وخوفوهم، فرد عليهم الظلمة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ عاصم في إحدى الروايتين مَعْذِرَةً بالنصب يعني: نعتذر إلى ربكم.

وقرأ الباقون مَعْذِرَةً بالضم يعني: هي معذرة يعني: لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون معذورين عند الله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لعلهم ينتهون فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: عذبنا الذين تركوا أمر الله بِعَذابٍ بَئِيسٍ يعني: شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يعصون ويتركون أمر الله تعالى.

وقال ابن عباس-  ما-: كان القوم ثلاثة فرق.

فرقة كانوا يصطادون.

وفرقة كانوا ينهون.

وفرقة لم ينهوا ولم يستحلوا وقالوا للواعظة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ.

وروى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت: ما يبكيك قال: تبكيني هذه السورة وهو يقرأ سورة الأعراف.

وقال: هل تعرف أيلة؟

قلت: نعم.

قال: إن الله تعالى أسكنها حياً من اليهود، وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في سائر الأيام.

فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان.

فإذا ذهب السبت غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها.

فقال فريق منهم: إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها فصيدوها يوم السبت، وكلوها في سائر الأيام.

وقال الآخرون: بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها.

وكانوا ثلاث فرق: فرقة على أَيمانهم، وفرقة على شمائلهم، وفرقة على وسطهم فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت، وجعلت تقول: الله يحذركم بأس الله.

وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها، وكفت ألسنتها.

وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه.

وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها، وألسنتها، ولم تتكلم.

تقول: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فقال: الَّذِينَ يَنْهَوْنَ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة، وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة.

فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد.

فقالوا: لعل الله خسف بهم، أو رموا من السماء بحجارة، فارفعوا رجلاً ينظر، فجعلوا رجلاً على سلم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر الله تعالى صورهم بصنيعهم.

فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب، ودخلوا منازلهم، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم، ويقولون لهم: ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟

فيشيرون برءوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم.

فأخبر الله تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا.

قوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ.

ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا.

وقال عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء.

وأهلك الفريقين الآخرين.

فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام.

وروي في رواية أُخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه في يوم الأحد.

فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا: إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا، فضربوا حائطاً بينهم، وصارت الواعظة في ناحية، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين.

فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما، فارتقى واحد منهم الحائط، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة.

وقال بعضهم: كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون، وصنف يرضون، وصنف ينهون، وصنف يسكتون، فنجا صنفان، وهلك صنفان.

قال بعضهم: كانوا صنفين صنف يأخذون، وصنف ينهون.

وروى قتادة عن ابن عباس-  - أنه قال: كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني، ونجا الثالث، والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة.

قرأ نافع بعذاب بِيْس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بَيْأَس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة.

وقرأ الباقون: بِعَذابٍ بَئِيسٍ بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة، والأولى لغة لبعض العرب.

ثم قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ يعني: تركوا ما وعظوا به قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يعني: صاغرين مبعدين عن رحمة الله.

قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام.

ومعناه قال: لَيَبْعَثَنَّ أي ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي على بني إسرائيل، والذين لا يؤمنون بمحمد  مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبهم بالجزية والقتل إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ إذا عاقب من أصرّ على كفره وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب من الشرك رَحِيمٌ بعد ذلك.

ثم قال: وَقَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقاً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي المؤمنون وهم مؤمنوا أهل الكتاب.

ويقال: هم الذين وراء رمل عالج وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وهم الكفار منهم وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يعني: اختبرناهم بالخصب والجدوبة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من الكفر إلى الإيمان.

ثم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني: بعد بني إسرائيل خلف السوء وَرِثُوا الْكِتابَ يعني: التوراة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى يقول: يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا قال مجاهد: يعني: يأخذون ما يجدون حلالاً أو حراماً ويتمنَّون المغفرة وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه.

ويقال: معناه أنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام، فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه.

ويقال: يطلبون بعلمها الدنيا.

ويقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا هذه المرة.

وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ويقولون مثل ذلك: أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئاً.

وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى.

يقول: يعملون بالذنوب.

ويقولون: سيغفر لنا ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.

وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل.

وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ يعني: الذنوب.

قال الله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني: ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: إلا الصدق وَدَرَسُوا مَا فِيهِ أي قرءوا ما فيه وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: يتقون الشرك، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة خير من الدنيا.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ ما يدرسون من الكتاب.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين، قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أَفَلاَ تَعْقِلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني: يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلاة المفروضة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ يعني: عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر يُمَسِّكُونَ بالتخفيف.

وقرأ الباقون يُمَسِّكُونَ بالتشديد على معنى المبالغة.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سبحانه مقترِنٌ بإنفاذٍ وإمِضاء كما تقول في أمر عَزَمْتَ عليه: عَلِمَ اللَّهُ لأَفْعَلَنَّ.

وقال الطبريُّ «١» وغيره: تَأَذَّنَ معناهُّ: أعْلَمَ، وقال مجاهد: تَأَذَّنَ معناه: أَمَرَ «٢» وقالت فرقة: معنى تَأَذَّنَ: تَأَلَّى، والضمير في عَلَيْهِمْ، لبني إِسرائيل، وقوله: مَنْ يَسُومُهُمْ قال ابن عباس: هي إشارةٌ إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأُمَّتِهِ، يسومُونَ اليهودَ سُوءَ العذاب «٣» .

قال ع «٤» : والصحيح أنَّ هذا حالهم في كل قُطْر، ومع كلّ ملّة، ويَسُومُهُمْ:

معناه: يكلّفهم ويحمّلهم، وسُوءَ الْعَذابِ: الظاهر منه: أنه الجِزْيَةُ، والإذلالُ، وقد حتم اللَّه علَيْهم هذا، وحَطَّ مُلْكَهم، فليس في الأرض رايَةٌ ليهوديٍّ، ثم حَسُنَ في آخر الآية التنبيهُ على سرعة العِقَاب، والتخويفُ لجميعِ الناسِ، ثم رجى سبحانه بقوله: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لطفاً منه بعباده جلَّ وعَلا، وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ، معناه: فرَّقناهم في الأرض.

قال الطبريُّ «٥» عن جماعة من المفسِّرين: ليس في الأرض بقعةً إِلاَّ وفيها مَعْشَرٌ من اليهودِ، والظاهر في المُشَارَ إِليهم بهذه الآية أنهم الذين بعد سُلَيْمَانَ وَقْتَ زوالِ مُلْكهم، والظاهر أنهم قبل مُدَّة عيسى عليه السلام لأنهم لم يكُنْ فيهم صالحٌ/ بعد كُفْرهم بعيسى صلّى الله عليه وسلّم وبَلَوْناهُمْ، معناه: امتحناهم بِالْحَسَناتِ، أي: بالصِّحَّة والرخاءِ، ونحو هذا ممَّا هو بَحَسَب رأي ابْن آدم ونظره، والسَّيِّئاتِ: مقابلات هذه، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الطاعة.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)

وقوله سبحانه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ ...

الآية: خَلَفَ معناه:

حَدَثَ خَلْفَهم وبعدهم، وخَلْفٌ- بإِسكان اللام- يستعمل في الأشهر: في الذَّمِّ.

وقوله سبحانه: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى إشارةٌ إلى الرّشا والمكاسب الخبيثة، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ وَيعنُّ، ولا يثبُتُ، والأَدنَى: إِشارةٌ إِلَى عيشِ الدنيا، وقولهم:

سَيُغْفَرُ لَنا ذمٌّ لهم باغترارهم، وقولهِمْ سَيُغْفَرُ لَنا، مع علمهم بما في كتاب اللَّهِ، مِنَ الوعيد على المعاصي، وإِصرارِهِم، وأنَّهم بحالٍ إِذا أمكنَتْهم ثانيةً ارتكبوها، فهؤلاء عَجَزَةٌ كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ» «١» ، فهؤلاءِ قطعوا بالمغفرة وهم مُصِرُّون، وإِنما يقول: سَيُغْفَرُ لَنا مَنْ أقلع ونَدِمَ.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ...

الآية: تشديدٌ في لزوم قول الحقِّ على اللَّه في الشَّرْع والأحكام، وقوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ معطوفٌ على قوله: أَلَمْ يُؤْخَذْ لأنه بمعنى المُضِيِّ، والتقديرُ: أَلَيْسَ قد أُخِذَ عليهم ميثاقُ الكتابِ، ودَرَسُوا ما فيه، وبهذَيْنِ الفعْلَيْنِ تقومُ الحجَّة عليهم في قولهم الباطَل، وقرأ أبو عبد «٢» الرحمن السُّلَمِيُّ: «وادارسوا مَا فِيه» .

ثم وعظ وذكَّر تبارَكَ وتعالى بقوله: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ، وقرأ أبو عمرو: «أفلا يعقلون» - بالياء «٣» من أسفل-.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "يُمَسِّكُونَ" مُشَدَّدَةً، وقَرَؤُوا ﴿ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ مُخَفَّفَةَ[المُمْتَحِنَةِ:١٠] وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ خَفَّفَهُما.

ويُقالُ: مَسَكْتُ بِالشَّيْءِ، وتَمَسَّكْتُ بِهِ، واسْتَمْسَكْتُ بِهِ، وامْتَسَكْتُ بِهِ.

وهَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ حَفِظُوا حُدُودَهُ ولَمْ يُحَرِّفُوهُ مِنهم [عَبْدُ اللهِ] بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وخَبَرُ "الَّذِينَ": "إنّا" وما بَعْدَهُ، ولَهُ ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ "المُصْلِحِينَ" تَأْوِيلُهُ: والَّذِينَ يُمْسِّكُونَ بِالكِتابِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهم، ولِهَذِهِ العِلَّةِ وعَدَهم حِفْظَ الأجْرِ بِشَرْطٍ، إذْ كانَ مِنهم مَن لَمْ يَصْلُحْ.

قالَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: المُصْلِحُونَ يَرْجِعُونَ عَلى الَّذِينَ وتَلْخِيصُ المَعْنى عِنْدَهُ: والَّذِينَ يُمْسِّكُونَ بِالكِتابِ، وأقامُوا الصَّلاةَ، إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم، فَأظْهَرَتْ كِنايَتُهم بِالمُصْلِحِينَ، كَما يُقالُ: عَلَيٌّ لَقِيتُ الكِسائِيَّ، وأبُو سَعِيدٍ رَوَيْتُ عَنِ الخُدْرِيِّ، يُرادُ: لَقِيتُهُ ورَوَيْتُ عَنْهُ قالَ الشّاعِرُ: فَيارَبِّ لَيْلى أنْتَ في كُلِّ مَوْطِنٍ وأنْتَ الَّذِي في رَحْمَةِ اللَّهِ أطْمَعُ أرادَ في رَحْمَتِهِ، فَأظْهَرَ ضَمِيرَ الهاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضَ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ ﴾ "خَلَفَ" مَعْناهُ: حَدَثَ خَلْفَهم وبَعْدَهم "خَلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ، يُسْتَعْمَلُ في الأشْهَرِ في الذَمِّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ والخَلَفُ -بِفَتْحِ اللامِ- يُسْتَعْمَلُ -فِي الأشْهَرِ- في المَدْحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ: وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الذَمِّ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألّا ذَلِكَ الخَلَفُ الأعْوَرُ وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالخَلْفِ هاهُنا النَصارى، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "وُرِّثُوا الكِتابَ" بِضَمِّ الواوِ وشَدِّ الراءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ إشارَةٌ إلى الرِشا والمَكاسِبِ الخَبِيثَةِ، والعَرَضُ: ما يُعْرَضُ ويَعِنُّ ولا يَثْبُتُ، و"الأدْنى" إشارَةٌ إلى عَيْشِ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ ذَمٌّ لَهم بِاغْتِرارِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: "سَيُغْفَرُ" مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كِتابِ اللهِ مِنَ الوَعِيدِ عَلى المَعاصِي وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِمْ وأنَّهم إذا أمْكَنَتْهم ثانِيَةً ارْتَكَبُوها فَهَؤُلاءِ عَجَزَةٌ، كَما قالَ  : "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"، وهم مُصِرُّونَ، وإنَّما يَقُولُ سَيُغْفَرُ لَنا مَن أقْلَعَ ونَدِمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ، تَشْدِيدٌ في لُزُومِ قَوْلِ الحَقِّ عَلى اللهِ في الشَرْعِ والأحْكامِ بَيْنَ الناسِ، وأنْ لا تَمِيلَ الرِشا بِالحُكّامِ إلى الباطِلِ، و"الكِتابُ" يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ، ومِيثاقُها: الشَدائِدُ الَّتِي فِيها في هَذا المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلَهُمُ الباطِلَ في حُكُومَةٍ مِمّا يَقَعُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَهُمْ: "سَيُغْفَرُ لَنا" وهم قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ في نَهْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عن ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَقُولُوا" بِياءٍ مِن تَحْتُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تَقُولُوا" بِتاءٍ مِن فَوْقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَرَسُوا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ ﴾ الآيَةُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ويُقَدَّرُ: ألَيْسَ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ ودَرَسُوا ما فِيهِ؟

وبِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمُ الباطِلَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "وادّارَسُوا ما فِيهِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَرِثُوا الكِتابَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ لِبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" يَزُولُ مِنهُ مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ بِالتَقْدِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "ألَمْ" ثُمَّ وعَظَ وذَكَّرَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ).

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "يُمَسِّكُونَ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ وحْدَهُ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يُمْسِكُونَ" بِسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ السِينِ، وكُلُّهم خَفَّفَ "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ"، إلّا أبا عَمْرٍو فَإنَّهُ قَرَأ: "وَلا تُمَسِّكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "والَّذِينَ اسْتَمْسَكُوا" وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "والَّذِينَ مَسَكُوا"، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: فَما تَمَسَّكَ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا كَما تُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ أمّا إنْ شَدَّ السِينَ يَجْرِي مَعَ التَعَدِّي بِالباءِ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ فخلف ﴾ تفريع على قوله: ﴿ وقطّعناهم ﴾ [الأعراف: 168] إن كان المراد تقطيعهم في بلاد أعدائهم وإخراجهم من مملكتهم، فتكون الآية مشيرة إلى عودة بني إسرائيل إلى بلادهم في عهد الملك (كورش) ملك الفرس في حدود سنة 530 قبل الميلاد، فإنه لما فتح بلاد أشور أذن لليهود الذين أسرهم (بختنصر) أن يرجعوا إلى بلادهم فرجعوا، وبنوا بيت المقدس بعد خرابه على يد (نحميا) و(عزرا) كما تضمنه سفر نحميا وسفر عزرا، وكان من جملة ما أحيوه أنهم أتوا بسفر شريعة موسى الذي كتبه عزرا وقرأوه على الشعب في (أورشليم) فيكون المراد بالخلْف ما أوّله ذلك الفلّ من بني إسرائيل الذين رجعوا من أسر الآشوريين.

والمراد بإرث الكتاب إعادة مزاولتهم التوراة التي أخرجها إليهم (عزرا) المعروف عند أهل الإسلام باسم عُزَير، ويكون أخذهم عرض الأدنى أخذَ بعض الخلف لا جميعه، لأن صدر ذلك الخلف كانوا تائبين وفيهم أنبياء وصالحون.

وإن كان المراد من تقطيعهم في الأرض أمماً تكثيرَهم والامتنانَ عليهم، كان قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ تفريعاً على جميع القصص المتقدمة التي هي قصص أسلافهم، فيكون المراد بالخلْف من نشأ من ذرية أولئك اليهود بعد زوال الأمة وتفرقها، منهم الذين كانوا عند ظهور الإسلام، وهم اليهود الذين كانوا بالمدينة، وإلى هذا المعنى في (الخلْف) نحا المفسرون.

والخلْف بسكون اللام من يأتي بعد غيره سابِقِه في مكان أو عمل أو نسل، يُبينه المقام أو القرينة، ولا يغلب فيمن يخلف في أمر سيء، قاله النضر بن شُميل، خلافاً لكثير من أهل اللغة إذ قالوا: الأكثر استعمال الخلْف بسكون اللام فيمن يخلف في الشر، وبفتح اللام فيمن يخلف في الخير، وقال البصريون: يجوز التحريك والإسكان في الرديء، وأما الحسن فبالتحريك فقطْ.

وهو مصدر أريد به اسم الفاعل أي خَالِف، والخَلْف مأخوذ من الخَلَفْ ضد القدّام لأن من يجيء بعد قوم فكأنه جاء من ورائهم، وَلاَ حَد لآخر الخلف، بل يكون تحديده بالقرائن، فلا ينحصر في جيل ولا في قرن، بل قد يكون الخلف ممتداً، قال تعالى بعد ذكر الأنبياء ﴿ فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات ﴾ [مريم: 59] فيشمل من خلفهم من ذرياتهم من العرب واليهود وغيرهم، فإنه ذكر من أسلافهم إدريسَ وهو جد نوح.

و ﴿ ورثوا ﴾ مجازٌ في القيام مقام الغير كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ في هذه السورة (43) وقوله فيها: ﴿ أو لم يهد الذين يرثون الأرض من بعد أهلها ﴾ [الأعراف: 100] فهو بمعنى الحلفية، والمعنى: فخلف من بعدهم خلف في إرث الكتاب، وهذا يجري على كلا القولين في تخصيص الخلف، لأنه بيان للفعل لا لاسم الخلف.

وجملة: ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ حال من ضمير ﴿ ورثوا ﴾ ، والمقصود هو ذم الخلف بأنهم يأخذون عرض الأدنى ويقولون سيغفر لنا، ومهد لذلك بأنهم ورثوا الكتاب ليدل على أنهم يفعلون ذلك عن علم لا عن جهل، وذلك أشد مذمة، كما قال تعالى: ﴿ وأضله الله على علمٍ ﴾ [الجاثية: 23].

ومعنى الأخذ هنا الملابسة والاستعمال فهو مجاز أي: يلابسونه، ويجوز كونه حقيقة كما سيأتي.

والعَرَض بفتح العين وفتح الراء الأمر الذي يزول ولا يدوم.

ويراد به المال، ويراد به أيضاً ما يعرض للمرء من الشهوات والمنافع.

والأدنى الأقرب من المكان، والمراد به هنا الدنيا، وفي اسم الإشارة إيماء إلى تحقير هذا العرض الذي رغبوا فيه كالإشارة في قول قيس بن الخطيم: متى يات هذَا الموت لا يُلَففِ حاجة *** لنفسيَ إلاّ قد قضيت قضاءَها وقد قيل: أَخذ عرض الدنيا أريد به ملابسة الذنوب، وبذلك فسر سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والطبري، فيشمل كل ذنب، ويكون الأخذ مستعملاً في المجاز وهو الملابسة، فيصدق بالتناول باليد وبغير ذلك، فهو من عموم المجاز، وقيل عرض الدنيا هو الرّشا وبه فسّرالسّدي، ومعظمُ المفسرين، فيكون الأخذ مستعملاً في حقيقته وهو التناول، وقد يترجح هذا التفسير بقوله ﴿ وإن يأتهم عَرَض ﴾ كما سيأتي.

والقول في: ﴿ ويقولون ﴾ هو الكلام اللساني، يقولون لمن ينكر عليهم ملابسة الذنوب وتناول الشهوات، لأن (ما) بعد يقولون يناسبه الكلام اللفظي، ويجوز أن يكون الكلام النفساني، لأنه فرع عنه، أي قولهم في أنفسهم يعللونها به حين يجيش فيها وازع النهي، فهو بنمزلة قوله تعالى: ﴿ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ﴾ [المجادلة: 8] وذلك من غرورهم في الدين.

وبناء فعل «يُغفر» على صيغة المجهول لأن الفاعل معروف، وهو الله، إذ لا يصدر هذا الفعل إلاّ عنه، وللدلالة على أنهم يقولون ذلك على وجه العموم لا في خصوص الذنب الذي أنكر عليهم، أو الذي تلبَّسُوا به حين القول، ونائب الفاعل محذوف لعلمه من السياق، والتقدير: سيُغفر لنا ذلك، أو ذُنوبنا، لأنهم يحسبون أن ذنوبهم كلها مغفورة ﴿ وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة ﴾ كما تقدم في سورة البقرة (80)، أي يغفر لنا بدون سبب المغفرة، وهو التوبة كما يعلم من السياق، وهو جزمهم بذلك عقب ذكر الذنب دون ذكر كفارة أو نحوها.

وقوله ﴿ لنا ﴾ لا يصلح للنيابة عن الفاعل، لأنه ليس في معنى المفعول، إذ فعل المغفرة يتعدّى لمفعول واحد، وأما المجرور بعده باللام فهو في معنى المفعول لأجله، يقال: غفر الله لك ذنبك، كما قال تعالى: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1] فلو بُني شُرح للمجهول لما صح أن يجعل ﴿ لك ﴾ نائِباً عن الفاعل.

وجملة: ﴿ ويقولون سيُغفر لنا ﴾ معطوفة على جملة، ﴿ يأخذون ﴾ لأن كِلا الخبرين يوجب الذم، واجتماعهما أشد في ذلك.

وجملة: ﴿ وَإنْ يأتهم عرض مثلُه يأخذوه ﴾ معطوفة على التي قبلها، واستعير إتيان العرْض لبذله لهم إن كان المراد بالعرض المالَ، وقد يُراد به خطور شهوته في نفوسهم إن كان المراد بالعرض جميع الشهوات والملاذ المحرمة، واستعمال الإتيان في الذوات أنسب من استعماله في خطور الأعراض والأمور المعنوية، لقرب المشابهة في الأول دون الثاني.

والمعنى: أنهم يعصون، ويزعمون أن سيّئاتهم مغفورة، ولا يُقلعون عن المعاصي.

وجملة: ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ جواب عن قولهم: ﴿ سيُغفر لنا ﴾ إبطالاً لمضمونه، لأن قولهم: ﴿ سيغفر لنا ﴾ يتضمن أنهم يزعمون أن الله وعدهم بالمغفرة على ذلك، والجملة معترضة في أثناء الإخبار عن الصالحين وغيرهم، والمقصود من هذه الجملة إعلام النبي صلى الله عليه وسلم ليحجهم بها، فهم المقصود بالكلام.

كما تشهد به قراءة ﴿ أفلا تعقلون ﴾ بتاء الخطاب.

والاستفهام للتقرير المقصود منه التوبيخ، وهذا التقرير لا يسعهم إلاّ الاعتراف به، لأنه صريح كتابهم، في الإصحاح الرابع من السفر الخامس «لا تزيدوا على الكلام الذي أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب» ولا يجدون في الكتاب أنهم يغفر لهم، وإنما يجدون فيه التوبة كما في الإصحاح من سفر التثنية، وكما في سفر الملوك الأول في دعوة سليمان حين بنى الهيكل في الإصحاح الثامن، فقولهم: ﴿ سيغفر لنا ﴾ تقوّل على الله بما لم يقله.

والميثاق: العهد، وهو وصية موسى التي بلّغها إليهم عن الله تعالى في مواضع كثيرة، وإضافة الميثاق إلى الكتاب على معنى (في) أو على معنى اللام أي الميثاق المعروف به، والكتاب توراة موسى، وأن لا يقولوا هو مضمون ميثاق الكتاب فهو على حذف حرف الجر قبل (أن) الناصبة، والمعنى: بأن لا يقولوا، أي بانتفاء قولهم على الله غيرَ الحق، ويجوز كونه عطف بيان من ميثاق، فلا يقدر حرف جر، والتقدير: ميثاق الكتاب انتفاءُ قولهم على الله الخ.

وفعل ﴿ درسوا ﴾ عطف على ﴿ يؤخذ ﴾ ،.

لأن يؤخذ في معنى المضي، لأجل دخول لم عليه، والتقدير: ألم يؤخذ ويدرسوا، لأن المقصود تقريرهم بأنهم درسوا الكتاب، لا الإخبار عنهم بذلك كقوله تعالى: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبالَ أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سُباتاً ﴾ إلى قوله ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً ﴾ [النبإ: 6 14] والتقدير: ومخلقكم أزواجاً ونجعل نومكم سباتاً، إلى آخر الآية.

والمعنى: أنهم قد أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على الله إلاّ الحق، وهم عالمون بذلك الميثاق، لأنهم درسوا ما في الكتاب فبمجموع الأمرين قامت عليهم الحجة.

وجملة: ﴿ والدارُ الآخرة خير للذين يتقون ﴾ حالية من ضمير ﴿ يأخذون ﴾ أي: يأخذون ذلك ويكذبون على الله ويصرون على الذنب وينبذون ميثاق الكتاب على علم في حال أن الدار الآخرة خير مما تعجّلوه، وفي جعل الجملة في موضع الحال تعريض بأنهم يعلمون ذلك أيضاً فهم قد خيّروا عليه عرض الدنيا قصداً، وليس ذلك عن غفلة صادفتهم فحرمتهم من خير الآخرة، بل هم قد حَرموا أنفسهم، وقرينة ذلك قوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ المتفرع على قوله: ﴿ والدار الآخرة خير للذين يتقون ﴾ وقد نُزلوا في تخيرهم عرض الدينا بمنزلة من لا عقول لهم، فخوطبوا ب ﴿ أفلا تعقلون ﴾ بالاستفهام الإنكاري، وقد قريء بتاء الخطاب، على الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب.

ليكون أوقع في توجبه التوبيخ إليهم مواجهة، وهي قراءةَ نافع، وابن عامر، وابن ذكوان، وحفص عن عاصم، ويعقوب، وأبي جعفر، وقرأ البقية بياء الغيبة، فيكون توبيخهم تعريضياً.

وفي قوله: ﴿ والدارُ الآخرة خير للذين يتقون ﴾ كناية عن كونهم خَسروا خير الآخرة بأخذهم عرض الدنيا بتلك الكيفية، لأن كون الدار الآخرة خيراً مما أخذوه يستلزم أن يكون ما أخذوه قد أفات عليهم خيرَ الآخرة.

وفي جعل الآخرة خير للمتقين كناية عن كون الذين أخذوا عَرض الدنيا بتلك الكيفية لم يكونوا من المتقين، لأن الكناية عن خسرانهم خيرَ الآخرة مع إثبات كون خير الآخرة للمتقين تستلزم أن الذين أضاعوا خير الآخرة ليسوا من المتقين، وهذه معان كثيرة جمعها قوله: ﴿ والدارُ الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ﴾ وهذا من حَد الإعجاز العجيب.

ووقعت جملة: ﴿ والذين يمسِكون بالكتاب ﴾ إلى آخرها عقب التي قبلها: لأن مضمونها مقابلَ حكمَ التي قبلها إذ حصل من التي قبلها أن هؤلاء الخلف الذين أخذوا عرض الأدني قد فرطوا في ميثاق الكتاب، ولم يكونوا من المتقين، فعُقب ذلك ببشارة من كانوا ضد أعمالهم، وهم الآخذون بميثاق الكتاب والعاملون ببشارته بالرسل، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأولئك يستكملون أجرهم لأنهم مصلحون.

فكني عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة، لأن الصلاة شعار دين الإسلام، حتى سمي أهل الإسلام أهلَ القبلة، فالمراد من هؤلاء هم من آمن من اليهود بعيسى في الجملة وإن لم يتبعوا النصرانية، لأنهم وجدوها مبدّلة محرّفة فبقوا في انتظار الرسول المخلّص الذي بشرت به التوراة والإنجيل، ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حين بُعث: مثل عبد الله بن سَلاَم.

ويحتمل أن المراد بالذين يمسكون بالكتاب: المسلمون، ثناء عليهم بأنهم الفائزون في الآخرة وتبشيراً لهم بأنهم لا يسلكون بكتابهم مسلك اليهود بكتابهم.

وجملة: ﴿ إنا لا نضيع أجر المصلحين ﴾ خبر عن الذين يمسكون، والمصلحون هم، والتقدير: إنّا لا نضيع أجرهم لأنهم مصلحون، فطوي ذكرهم اكتفاء بشمول الوصف لهم وثناء عليهم على طريقة الإيجاز البديع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا ﴾ أيْ فَرَّقْناهم فِيها فِرَقًا.

وَفي تَفْرِيقِهِمْ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: زِيادَةٌ في الِانْتِقامِ مِنهم.

والثّانِي: لِيَذْهَبَ تَعاوُنُهم.

والثّالِثُ: لِيَتَمَيَّزَ الصّالِحُ مِنَ المُفَسِّرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالثَّوابِ والعِقابِ.

والثّانِي: بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ.

والثّالِثُ: بِالخِصْبِ والجَدْبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ مَعْناهُ فَخَلَفَهم خَلْفٌ، والخَلْفُ بِتَسْكِينِ اللّامِ مُسْتَعْمَلٌ في الذَّمِّ.

وَبِفَتْحِ اللّامِ مُسْتَعْمَلٌ في الحَمْدِ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

مَعْناها [واحِدٌ] مِثْلُ الأثَرِ والإثْرِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وهو في قَوْلِ الشُّعَراءِ أشْهَرُ، قالَ بَعْضُهُمْ: خَلَّفْتُ خَلْفًا لَيْتَ بِهِمْ كانَ، لا بِكَ التَّلَفُ وَفِي الخَلْفِ وجْهانِ: أحَدُهُما: القَرْنُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خالِفٍ.

﴿ وَرِثُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي انْتَقَلَ إلَيْهِمُ انْتِقالَ المِيراثِ مِن سَلَفٍ إلى خَلَفٍ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مِن خَلْفِ اليَهُودِ مِن أبْنائِهِمْ.

والكِتابُ الَّذِي ورِثُوهُ التَّوْراةُ لِانْتِقالِها لَهم.

والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى: لِأنَّهم خَلَفٌ مِنَ اليَهُودِ.

والكِتابُ الَّذِي ورِثُوهُ: الإنْجِيلُ لِحُصُولِهِ مَعَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ يَعْنِي الرَّشْوَةَ عَلى الحُكْمِ في قَوْلِ الجَمِيعِ وسَمّاهُ عَرَضًا لِقِلَّةِ بَقائِهِ.

وَفي وصْفِهِ بِالأدْنى وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأخْذِهِ في الدُّنْيا الدّانِيَةِ.

والثّانِي: لِأنَّهُ مِنَ المُحَرَّماتِ الدَّنِيَّةِ.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَغْفُورٌ، لا نُؤاخِذُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ذَنْبٌ لَكِنَّ اللَّهَ قَدْ يَغْفِرُهُ لَنا تَأْمِيلًا مِنهم لِرَحْمَتِهِ.

﴿ وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ إصْرارٍ عَلى الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم لا يُشْبِعُهم شَيْءٌ، فَهم لا يَأْخُذُونَهُ لِحاجَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ألّا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ في تَحْرِيمِ الحُكْمِ بِالرِّشا.

والثّانِي: في جَمِيعِ الطّاعاتِ والمَعاصِي والأوامِرِ والنَّواهِي.

﴿ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَرَكُوا ما فِيهِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ حَتّى صارَ دارِسًا.

والثّانِي: أنَّهم قَدْ تَلَوْهُ ودَرَسُوهُ فَهم لا يَجْهَلُونَ ما فِيهِ ويَقُومُونَ عَلى مُخالَفَتِهِ مَعَ العِلْمِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ قال: أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ويقولون: سيغفر لنا، ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، ويقولون: سيغفر لنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: النصارى ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ قال: ما أشرف لهم شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا آخر مثله يأخذونه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فخلف من بعدهم خلف...

﴾ الآية.

يقول: يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاؤوا من حلال أو حرام، ويقولون سيغفر لنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: خلف سوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم أورثهم الله الكتاب وعهد إليهم ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ﴾ قال: آمانيٌّ تمنوها على الله وغرة يغترون بها ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ ولا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه ولا يبالون حلالاً كان أو حراماً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ﴾ قال: كانوا يعملون بالذنوب، ويقولون: سيغفر لنا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ﴾ قال: يأخذون ما عرض لهم من الدنيا، ويقولون: نستغفر الله ونتوب إليه.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، فإذا قيل له يقول: سيغفر لي.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجلد قال: يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتتهافت وتبلى كما تبلى ثيابهم، لا يجدون لهم حلاوة ولا لذاذة، إن قصروا عما أُمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئاً أمرهم كله طمع ليس فيه خوف، لبسوا جلود الضان على قلوب الذئاب أفضلهم في نفسه المدهن.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: المؤمن يعلم أن ما قال الله كما قال الله، والمؤمن أحسن عملاً وأشدَّ الناس خوفاً لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحاً وبرّاً وعبادة إلا ازداد فرقاً يقول: ألا أنجو...؟

والمنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس عليَّ، فيسيء العمل ويتمنى على الله.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ فيما يوجهون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ودرسوا ما فيه ﴾ قال: علموا ما في الكتاب لم يأتوه بجهالة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ﴾ قال: هي لأهل الأيمان منهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ﴾ قال: من اليهود والنصارى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ﴾ قال: الذي جاء به موسى عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ ﴾ ، يقال: مسَّكت (١) (٢) (٣) ﴿ يُمْسِكُونَ ﴾ مخففه، وحجته قوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ (٤) ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ (٥) ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ  ﴾ .

والإيمان بكل الكتاب يوجب التمسك الذي هو للكثرة (٦) (٧) قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أمة محمد  ) (٨) وقال عامة المفسرين (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ .

إنما ذكرت ﴿ الصَّلَاةَ ﴾ مع دخولها في التمسك بالكتاب للبيان عن جلالة موقعها، وعظم منزلتها في طاعة الله، وأنها من أوكد الأمور التي يجب المحافظة عليها (١٤) (١٥) ﴿ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ، ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ ﴾ ، وقال الأكثرون منهم: ﴿ وَالَّذِينَ ﴾ مبتدأ، ثم اختلفوا في خبره، فقال قوم (١٦) ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ نعطيهم أجرهم، ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ ؛ [لأن فيه معنى التعليل فكان في ذكر العلة ما يغني عن المعلول.

وقال الزجاج: (الذي أختار أن يكون التقدير: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ ] (١٧) (١٨) ﴿ إِنَّا ﴾ ، والعائد إلى المبتدأ محذوف وهو (منهم).

قال ابن الأنباري: (وخص ﴿ الْمُصْلِحِينَ ﴾ بأن وعدهم حفظ الأجر إذ كان منهم من لم يُصلح فتكاملت آثامه بتضييعه وصايا ربه وإقدامه على تكذيب النبيين ودفع ما يقف على نعته من أمر محمد  ).

قال أبو بكر: (وقال بعض النحويين الراجع إلى المبتدأ قوله: ﴿ الْمُصْلِحِينَ ﴾ ، وتلخيص المعنى: إنا لا نضيع أجرهم فأظهرت كنايتهم بالمصلحين كما يُقال: عليُّ لقيتُ الكسائي.

وأبو سعيد رويت عن الخدري (١٩) (٢٠) (٢١) أراد في رحمته (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ .

(١) مسك أصل يدل على حبس الشيء، وإمساك الشيء التعلق به وحفظه، واستمسكت بالشيء إذا تحريف الإمساك.

ويقال: أمسكت عنه كذا أي: منعته، انظر: "العين" 5/ 318، و"الجمهرة" 2/ 855، و"تهذيب اللغة" 4/ 3396، و"الصحاح" 4/ 1608، و"المجمل" 3/ 830، و"مقاييس اللغة" 5/ 320، و"المفردات" ص 768، و"اللسان" 7/ 4203 (مسك).

(٢) لفظ: (به) ساقط من (أ).

(٣) قرأ: أبو بكر عن عاصم ﴿ يُمَسِّكُونَ ﴾ بسكون الميم وتخفيف السين، وقرأ الباقون بفتح الميم وتشديد السين، انظر: "السبعة" ص 297، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 428، و"التيسير" ص 114، و"النشر" 2/ 273.

(٤) لفظ: ( ﴿ زَوْجَك ﴾ ) ساقط من (أ).

(٥) في (أ): (وكلوا)، وكذا في "الحجة" لأبي علي 4/ 1036، وفي (ب): (كلوا)، وهو تحريف.

(٦) في (ب): (الذي هو الكثرة).

(٧) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 103 - 104، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 429، و"إعراب القراءات" 1/ 214، و"الحجة" لابن خالويه ص 166، ولابن زنجلة ص 301، و"الكشف" 1/ 482.

(٨) ذكره الثعلبي 6/ 17 ب، والبغوي 3/ 297، عن عطاء فقط.

(٩) انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 249، وأخرجه الطبري 9/ 108، وابن أبي حاتم 5/ 1609، من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد وهو اختيار السمرقندي 1/ 279، وابن الجوزي 3/ 282، والقرطبي 7/ 21، والخازن 2/ 306.

(١٠) "معاني الفراء" 1/ 399.

(١١) في (ب): (معناه يحكمون يأخذون بما فيه).

(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 389، ومثله قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3397 (مسك).

(١٣) قال الطبري 9/ 108 في معنى الآية: (الذي يعملون بما في كتاب الله)، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 100، و"تفسير السمرقندي" 1/ 279.

(١٤) انظر: "تفسير الرازي" 15/ 45، والخازن 2/ 306، و"البحر" 4/ 417.

(١٥) انظر: "الكشاف" 2/ 128، وابن عطية 6/ 129، والرازي 15/ 45.

(١٦) انظر: "غرائب التفسير" 1/ 426، و"البيان" 1/ 379، و"التبيان" ص 395، و"الفريد" 2/ 382، و"الدر المصون" 5/ 507.

(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٨) "معاني الزجاج" 2/ 388، وهو قول النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 648 - 649، ومكي في "المشكل" 1/ 305.

(١٩) تقدمت ترجمته.

(٢٠) في (ب): (يقال لقيته)، وهو تحريف.

(٢١) الشاهد بلا نسبة في "زاد المسير" 3/ 283، و"مغني اللبيب" 1/ 210 - 2/ 504 - و546، وقال السيوطي في "شرح شواهد المغني" 2/ 559: (قيل: إنه لمجنون بني عامر) اهـ.

وهو ليس في "ديوانه".

(٢٢) في (ب): (في رحمته أطمع فأظهر).

(٢٣) ذكره ابن الجوزي 3/ 282 - 283.

(٢٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 388 - 389.

(٢٥) في (ب): (منها).

(٢٦) قال أبو حيان في "البحر" 4/ 418: (والظاهر أن قوله: ﴿ وَالَّذِينَ ﴾ استئناف مرفوع بالابتداء وخبره الجملة بعده، ولا ضرورة إلى ادعاء الحذف) اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف؛ وهما بمعنى واحد، وإعراب الذين عطف على الذين يتقون، أو مبتدأ وخبره ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين ﴾ ، وأقام ذكر المصلحين مقام الضمير، لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ ﴾ أي اقتلعنا الجبل ورفعناه فوق بني إسرائيل وقلنا لهم: خذوا التوراة حين أبوا من أخذها، وقد تقدم في [البقرة: 93] تفسير الظلة وخذوا ما آتيناكم بقوة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.

﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.

زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.

الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.

﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.

والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.

ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.

الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟

وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.

وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.

وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.

وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.

قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول  من قبل الله  ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد  أول مناكيرهم.

وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟

وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.

والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.

ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.

ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.

والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.

وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله  به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.

قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله  لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.

والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.

والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.

وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.

عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.

هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.

وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟

فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.

والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.

والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.

بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.

وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.

وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.

وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.

ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.

ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله  أعلم بالسرائر.

النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".

فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد  ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.

وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.

وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله  ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.

أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً  فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.

وقيل: الاستخفاف والإهانة.

وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.

وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.

وإذ قد أخبر الله  بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.

قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.

النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.

وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.

﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.

ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.

فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.

قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.

قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.

وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.

وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.

أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.

ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.

ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.

فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.

ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟

﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.

﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.

ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.

النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.

والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.

وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.

روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.

وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.

فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا  ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.

التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.

وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.

أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله  الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.

وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله  بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ \[قيل\] تأذن: أي: قال ربك: [ليبعثن].

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ هو من الأذان، أي: أعلم ربك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ...

﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية بمكة في شأن أصحاب رسول الله  لأن الكفار كانوا يمنعون من دار الإسلام واتباع محمد - عليه الصلاة والسلام - فوعدهم الله ليبعثن عليهم من يقاتلهم ويأخذ منهم الجزية إلى يوم القيامة؛ جزاء ما كانوا يمنعون الناس عن اتباع محمد  والإجابة له فيما يدعو إليه.

وقال قائلون: هو في بني إسرائيل، وهو ما قال: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا  ﴾ أخبر إن عادوا عدنا، ولم يبين إن عادوا عدنا بماذا، ثم بين في هذه الآية بقوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

وقال قائلون: هذا إنما كان في هؤلاء الذين سبق ذكرهم في قوله: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الآية لا تحتمل في هؤلاء؛ لأن من آمن منهم لا يحتمل ذلك، ومن صار منهم قروداً لم يحتمل - أيضاً - بعد ما صاروا قروداً، فهو - والله أعلم - على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

يأخذهم في حال أمنهم، ليس كما يأخذ ملوك الأرض قومهم بعد ما يتقدم منهم إليهم تخويف، فعند ذلك يأخذونهم بالعذاب.

أو أن يقال: سريع العقاب، أي: عن سريع يأخذهم عقابه.

وقوله: ﴿ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : لمن كفر وكذب، غفور رحيم: لمن آمن وصدق بالله ورسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ .

يحتمل: فرقناهم في وقت بعد ما كانوا مجموعين.

ثم يحتمل الجمع وجهين: كانوا مجموعين ثم تفرقوا، فصار بعضهم كفاراً وبعضهم مؤمنين.

أو كانوا مجموعين في المكان والمعاش والماء والكلأ ثم تفرقوا، فصاروا متفرقين في المكان والمعاش وغيره.

أو كانوا في الدين واحداً، ثم صاروا أصحاب أهواء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ أي: أمة بعد أمة، وجماعة بعد جماعة، بعضهم خلفاء لبعض؛ على ما ذكر: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ .

فإن كان قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ في الدين والمذهب، فيكون تأويله: [منهم الصالحون المؤمنون، ومنهم دون ذلك الكفار، ويكون قوله: ﴿ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ أي: غير ذلك كقوله يعيدونها دون الله أي:] غير الله.

وإن كان في المعاش، فبعضهم دون بعض في المعاش؛ وسع على بعض المعاش، وشدد على بعض وضيق، فيكون بعضهم دون بعض في المعاش والرزق.

أو بعضهم دون بعض في الدين، بعضهم على الصلاح، وبعضهم أصحاب أهواء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .

ابتلى بعضهم بالخصب والسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليذكرهم الموعود من الثواب في الحسنات، ويزجرهم الموعود من العقاب عن السيئات.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يتوبون ويرجعون عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فهو يخرج على وجوه: أحدها: بلوناهم بالنعم والخصب والسعة؛ ليعرفوا فضل الله وإحسانه فيرجعوا إليه بالشكر والثناء، و ﴿ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، أي: بالبلايا في أنفسهم أو المصائب والضيق؛ ليعرفوا قدرة الله وسلطانه، فيرجعوا إليه بالتضرع والفزع والدعاء والتوبة.

والثاني: معناه: أي: بلوناهم بالحسنات والسيئات؛ ليتقرر عندهم أن غيرهم أملك بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه [بتسليم] النفس لأمره وحكمه.

والثالث: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ المؤمن منهم والكافر، حتى إذا رأوا الاستواء في الدنيا وفي الحكمة التفريق بينهم، فيضطر الجميع إلى الإيمان بالبعث؛ إذ خروجهم من الدنيا على سواء.

والرابع: أنه إنما جعل النعيم في الدنيا ليعرفوا لذّة الموعود في الآخرة، وكذلك الشدة، فابتلاهم بالأمرين جميعاً؛ ليستعدوا للرجوع إلى الموعود لهم في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ .

قال قائلون: هو صلة قوله: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ ، والصالحون هم الذين آمنوا بالله، وحفظوا حدوده وحلاله وحرامه، ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يعني: الصالحين ﴿ فَخَلَفَ ﴾ لم يحفظوا حدوده ومحارمه.

وقال قائلون: هو صلة ما تقدم من ذكر الأنبياء والرسل؛ كأنه أخبر أنه خلف من بعدهم خلف، يعني: خلف الرسل والأنبياء ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ وهو كما ذكر في سورة مريم، وهو قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ وإنما ذكر هذا من بعد ذكر الأنبياء والرسل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ علموا ما فيه.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ .

إن أهل الكتاب كانوا يأخذون الدنيا على أحد وجوه ثلاثة: منهم من كان يأخذها مستحلاًّ لها؛ كقوله -  -: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ .

ومنهم من كان يأخذها بالتبديل، أعني: تبديل الكتاب؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ...

﴾ الآية [آل عمران: 78]، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  ﴾ .

ومنهم من كان تناول على ما تناول أهل الإسلام على قدر الحاجة، وهاهنا لا يحتمل الأخذ إلا أخذ الاستحلال أو التبديل، والأخذ بالاستحلال - هاهنا - أقرب، كانوا يأخذون عرض هذا الأدنى مستحلين له.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

فيغفر لنا؛ كانوا يستحلون أموال الناس ويأخذونها، ثم يقولون: سيغفر لنا؛ لأنا أبناء الله وأحباؤه.

والثاني: يحتمل أنهم قالوا: سيغفر لنا، مع علمهم أنه لا يغفر لهم؛ لما كان في كتابهم ألاّ يغفر لهم إذا تناولوا مستحلين.

أو أنهم إذا عوتبوا على ما فعلوا قالوا: سيغفر لنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ ﴾ أنهم إذا استحلوا ذلك أضافوا ذلك إلى الله، وقالوا: الله أمرنا بذلك، فقال: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، أي: لا يضيفوا إلى الله ما استحلوا.

أو أن يقال: أخذ عليهم ألاّ يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ فيما يوجبون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون لها، ولا يتوبون عنها.

قال بعضهم: قوله: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ قال: يأخذونه إن كان حلالاً أو حراماً ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ ، وقال: قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ سوء ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ بعد أنبيائهم، ورثهم الله الكتاب، وعهد إليهم في سورة مريم ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ ، وهو ما ذكرنا.

وقال القتبي: الخلف: الرديء من الناس ومن الكلام؛ يقال: هذا خلف من القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

أي: قرءوا ما فيه وعلموه.

﴿ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: يتقون الشرك، أو يتقون مخالفة الله ومعاصيه، أفلا يعقلون ما في كتابهم أن ترك مخالفة الله خير في الآخرة.

ثم أخبر عن المؤمنين فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ ﴾ ما فيه من الحلال، والحرام ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين يتَمَسَّكون بالكتاب، ويعملون بما فيه، ويقيمون الصلاة بالمحافظة على أوقاتها وشروطها وواجباتها وسننها، سيجازيهم الله على أعمالهم، فالله لا يضيع أجرَ مَن عملُه صالح.

من فوائد الآيات إذا نزل عذاب الله على قوم بسبب ذنوبهم ينجو منه من كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فيهم.

يجب الحذر من عذاب الله؛ فإنه قد يكون رهيبًا في الدنيا، كما فعل سبحانه بطائفة من بني إسرائيل حين مَسَخَهم قردة بسبب تمردهم.

نعيم الدنيا مهما بدا أنه عظيم فإنه قليل تافه بجانب نعيم الآخرة الدائم.

أفضل أعمال العبد بعد الإيمان إقامة الصلاة؛ لأنها عمود الأمر.

<div class="verse-tafsir" id="91.wylEW"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله