الآية ١٧١ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٧١ من سورة الأعراف

۞ وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌۭ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧١ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم ) يقول : رفعناه ، وهو قوله : ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ) [ النساء : 154 ] وقال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رفعته الملائكة فوق رءوسهم .

وقال القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ثم سار بهم موسى ، عليه السلام ، متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، فأمرهم بالذي أمره الله تعالى [ به ] - أن يبلغهم من الوظائف ، فثقلت عليهم ، وأبوا أن يقربوها حتى ينتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة ، قال : رفعته الملائكة فوق رءوسهم .

رواه النسائي بطوله وقال سنيد بن داود في تفسيره ، عن حجاج بن محمد ، عن أبي بكر بن عبد الله قال : هذا كتاب ، أتقبلونه بما فيه ، فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم ، وما أمركم وما نهاكم ؟

قالوا : انشر علينا ما فيها ، فإن كانت فرائضها يسيرة ، وحدودها خفيفة قبلناها .

قال : اقبلوها بما فيها .

قالوا : لا حتى نعلم ما فيها ، كيف حدودها وفرائضها ؟

فراجعوا موسى مرارا ، فأوحى الله إلى الجبل فانقلع فارتفع في السماء ، حتى إذا كان بين رءوسهم وبين السماء قال لهم موسى : ألا ترون ما يقول ربي ، عز وجل ؟

لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها ، لأرمينكم بهذا الجبل .

قال : فحدثني الحسن البصري قال : لما نظروا إلى الجبل خر كل رجل ساجدا على حاجبه الأيسر ، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل ، فرقا من أن يسقط [ عليه ] فكذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر ، يقولون : هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة .

قال أبو بكر : فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده ، لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز ، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ، ولا كبير ، تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه .

[ أي : حرك كما قال تعالى : ( فسينغضون إليك رءوسهم ) [ الإسراء : 51 ] أي يحركونها ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر، يا محمد، إذ اقتلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل, كأنه ظلة غمام من الظلال= وقلنا لهم: " خذوا ما آتيناكم بقوة "، من فرائضنا, وألزمناكم من أحكام كتابنا, فاقبلوه, اعملوا باجتهاد منكم في أدائه، من غير تقصير ولا توانٍ (1) = " واذكروا ما فيه " ، يقول ما في كتابنا من العهود والمواثيق التي أخذنا عليكم بالعمل بما فيه = " لعلكم تتقون "، يقول: كي تتقوا ربكم, فتخافوا عقابه بترككم العمل به إذا ذكرتم ما أخذ عليكم فيه من المَواثيق.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15331- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة "، فقال لهم موسى: " خذوا ما آتيناكم بقوة "، يقول: من العمل بالكتاب، وإلا خَرَّ عليكم الجبل فأهلككم!

فقالوا: بل نأخذ ما آتانا الله بقوّة!

ثم نكثُوا بعد ذلك.

15332- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي عن ابن عباس قوله: " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة "، فهو قوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ، [سورة النساء: 154]، فقال: " خذوا ما آتيناكم بقوة "، وإلا أرسلته عليكم.

15333- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود, عن عامر, عن ابن عباس قال: إنّي لأعلم خَلْقِ الله لأيِّ شيء سجدت اليهود على حَرْفِ وُجوههم: لما رفع الجبل فوقهم سَجَدُوا، وجعلوا ينظرون إلى الجبل مخافةَ أن يقع عليهم.

قال: فكانت سجدةً رضيها الله, فاتخذوها سُنَّة.

(2) 15334- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود, عن عامر, عن ابن عباس, مثله.

15335- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة "، أي: بجدّ= " واذكروا ما فيه لعلكم تتقون "، جبل نـزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم، فقال: لتأخذُنّ أمري, أو لأرمينَّكم به!

15336- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: " وإذ نتقنا الجبل "، قال: كما تنتق الزُّبْدَة (3) = قال ابن جريج: كانوا أبوا التوراة أن يقبلوها أو يؤمنوا بها= " خذوا ما آتيناكم بقوّة "، قال: يقول: لتؤمنن بالتوراة ولتقبلُنَّها, أو ليقعَنَّ عليكم.

15337- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله قال: هذا كتاب الله، أتقبلونه بما فيه, فإن فيه بيانَ ما أحلَّ لكم وما حرَّم عليكم، وما أمركم وما نهاكم!

قالوا: انشُرْ علينا ما فيها, فإن كانت فرائضها يسيرةً وحدودها خفيفةً، قبلناها!

قال: اقبلوها بما فيها!

قالوا: لا حتى نعلم ما فيها، كيف حدودها وفرائضها!

فراجعوا موسى مرارًا, فأوحى الله إلى الجبل فانقلع فارتفع في السماء، حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربِّي؟

" لئن لم تقبلوا التوراةَ بما فيها لأرمينَّكم بهذا الجبل ".

قال: فحدثني الحسن البصريّ، قال: لما نظروا إلى الجبل خرَّ كلُّ رجل ساجدًا على حاجبه الأيسر, ونظر بعينه اليُمْنَى إلى الجبلِ, فَرَقًا من أن يسقط عليه، فلذلك ليس في الأرض يهوديُّ يسجدُ إلا على حاجبه الأيسر, يقولون: هذه السجدة التي رُفِعت عنا بها العقوبة= قال أبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتَبَه بيده, لم يبقَ على وجه الأرض جبلٌ ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلا اهتزّ, فليس اليوم يهوديّ على وجه الأرضِ صغيرٌ ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتزّ، ونَفضَ لها رأسَه.

* * * قال أبو جعفر: واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قوله: " نتقنا ".

فقال بعض البصريين (4) معنى " نتقنا "، رفعنا، واستشهد بقول العجاج: يَنْتُقُ أَقْتَادَ الشَّلِيلِ نَتْقَا (5) وقال: يعني بقوله: " ينتق "، يرفعها عن ظهره، وبقول الآخر: (6) *وَنَتَقُوا أحْلامَنَا الأثَاقِلا* (7) وقد حكي عن قائل هذه المقالة قول آخر: (8) وهو أن أصل " النتق " و " النُّتُوق "، كل شيء قلعته من موضعه فرميت به, يقال منه: " نَتَقْتُ نَتْقًا ".

قال: ولهذا قيل للمرأة الكثيرة [الولد]: " ناتق "، (9) لأنها ترمي بأولادها رَمْيًا, واستشهد ببيت النابغة: لـم يحـرموا حسـن الغـذاء وأمهـم دحــقت عليــك بنــاتق مذكـار (10) * * * وقال آخر: معناه في هذا الموضع: رفعناه.

وقال: قالوا: " نَتَقَني السَّيرُ": حرَّكني.

وقال: قالوا: " ما نَتَق برجْلِه لا يركُض ", و " النتق ": نتق الدابة صاحبها حين تعدُو به وتتعبه حتى يربو, فذلك " النَّتق " و " النتوق ", و " نتقتني الدَّابة ", و " نتقت المرأة تنْتُق نُتوقًا ": كثر ولدها.

* * * وقال بعض الكوفيين: " نتقنا الجبل "، عَلَّقنا الجبل فوقهم فرفعناه، ننتقه نتقًا, و " امرأة مِنْتاق "، كثيرة الولد: قال: وسمعت " أخذ الجراب، فنتق ما فيه "، (11) إذا نثر ما فيه.

(12) ------------------- الهوامش : (1) ( 1) انظر تفسير (( بقوة )) فيما سلف 1 : 160 ، 161 ، 356 ، 357 ، وسائر فهارس اللغة ( قوى ) .

(2) (1) الأثر : 15333 - (( إسحق بن شاهين الواسطي )) ، شيخ أبي جعفر ، لم أجد له ترجمة ، ومضى برقم : 7211 ، 9788 .

و(( خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن المزني الواسطى )) ، مضى برقم : 7211 .

و (( داود )) هو (( داود بن أبي هند )) .

و(( عامر )) هو الشعبى .

(3) (2) في المطبوعة : (( كما تنتق الربذة )) ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، فأساء إعجامها غاية الإساءة .

ونتق الزبدة )) ، هو أن تنفض السقاء لكي تقتلع منه زبدته .

(4) (1) هو أبو عبيدة ، كما يظهر لك من التخريج الآتي .

(5) (2) ديوانه : 40 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 232 ، من آبيات يذكر فيها بعيره وسرعته وشدة سيره .

و (( الشليل )) ، الحلس ، أو مسح من شعر أو صوف يجعل على عجز البعير وراء الرحل .

و (( الأقتاد )) جمع (( قتد )) ( بفتحتين ) .

خشب الرحل .

وكان في المطبوعة : (( السليل )) ، تابع المخطوطة ، وهي غير منقوطة (6) (1) هو رؤبه بن العجاج .

(7) (2) ديوانه : 122 ، ومجاز القرآن 1 : 232 ، واللسان ( نتق ) ، من أرجوزة تمدح فيها بقومه ، ثم مدح سليمان بن علي ، قال في ذكر قومه:فالنَّــاسُ إنْ فَصَّلْتَهُــمْ فَصَــائِلا كُــلُّ إلَيْنَــا يَبْتَغِــي الوَسَــائِلا قَــدْ جَــرِّبُوا أَخْلاقَنَــا الجَـلائِلا وَنَتَقُـــوا أَحْلامَنَـــا الأثـــاقِلا فَلَــمْ يَــرَ النَّــاسُ لَنَـا مُعَـادِلا أَكْـــثَرَ عِــزًّا وَأَعَــزَّ جَــاهِلا و ((الأثاقل )) جمع (( الأثقل )) ، يعنى أثقل من سائر أحلام الناس ، كما يقال (( الأكابر )) ، و (( الأصاغر )) ، و (( الأماثل )) (8) (3) يعني أبا عبيدة أيضا ، ولم أجده في موضع آخر فيما طبع من مجاز القرآن .

(9) (4) في المطبوعة والمخطوطة : (( للمرأة الكبيرة )) وهو لا يصح ، وإنما أسقط الناسخ ما أثبته بين القوسين ، والصواب ما أثبت .

(10) (5) ديوانه : 50 ، واللسان ( دحق ) و ( نتق ) ، من قصيدتة التي قالها في زرعة بن عمرو بن خويلد ، حين لقى النابغة بعكاظ ، فأشار عليه أن يشير علي قومه بني ذبيان بترك حلف بني أسد ، فأبي النابغة الغدر ، فتهدده زرعة وتوعده ، فلما بلغه تهدده ، ذمه وهجاه ، ومجد بني أسد ، فقال في أول شعره : نُبِّئــتُ زُرْعَـةَ، وَالسَّـفَاهَةُ كَاسْـمِهَا يُهْــدِي إلَــيَّ غَــرَائِبَ الأَشْـعَارِ ثم يقول في ذكر الغاضريين من بني أسد حلفاء بني ذبيان :وَالغَـــاضِرِيًّونَ الَّــذِينَ تَحَــمَّلُوا بِلِــوَائِهِمْ سَــيْرًا لِــدَارِ قَــرار تَمْشِــي بِهِــمْ أُدْمٌ كَــأنَّ رِحَالِهَـا عَلَـقُ هُـرِيقَ عَـلَى مُتُـونِ صُـوَارِ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

جَمْعًـا يَظَـلُّ بِـهِ الفَضَـاءُ مُعَضِّـلا يَــدَعُ الإِكــامَ كـأنَّهنَّ صَحَـارِي لَـــمْ يُحْــرَمُوا..................

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

يصفهم في البيت الأخير بالنعمة ، ولين العيش ، وأن أمهاتهم عشن بخير معيشة ، فكثر ولدهن .

وقوله : (( دحقت )) ، وذلك أن المرأة إذا ولدت ولدها بعضهم في إثر بعض قيل : (( دحقت )) ، (( مذكار )) تلد الذكور .

ورواية الديوان وغيره : (( طفحت عليك )) ، أي : أتسعت بولدها وغلبت ، كما يطفح الماء فيغطي ما حوله ويغرقه .

(11) في المطبوعة : (( ونتق )) بالواو ، وأثبت .

في المخطوطة .

(12) لم يفسر أبو جعفر (( الظل)) ، فانظر تفسيرها فيما سلف 4 : 261 ، 262 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون قوله تعالى وإذ نتقنا الجبل نتقنا معناه رفعنا .

وقد تقدم بيانه في " البقرة " كأنه ظلة أي كأنه لارتفاعه سحابة تظل .خذوا ما آتيناكم بقوة أي بجد .

وقد مضى في " البقرة " .

إلى آخر الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ حين امتنعوا من قبول ما في التوراة.

فألزمهم اللّه العمل ونتق فوق رءوسهم الجبل، فصار فوقهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ وقيل لهم: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد.

وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ دراسة ومباحثة، واتصافا بالعمل به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ إذا فعلتم ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم ) أي : فلقنا الجبل ، وقيل : رفعناه ( كأنه ظلة ) قال عطاء : سقيفة ، والظلة : كل ما أظلك ، ( وظنوا ) علموا ( أنه واقع بهم خذوا ) أي : وقلنا لهم خذوا ، ( ما آتيناكم بقوة ) بجد واجتهاد ، ( واذكروا ما فيه ) واعملوا به ، ( لعلكم تتقون ) وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ، فرفع الله على رءوسهم جبلا .

قال الحسن : فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن يسقط عليه ، ولذلك لا تجد يهوديا إلا ويكون سجوده على حاجبه الأيسر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» «إذ نتقنا الجبل» رفعناه من أصله «فوقهم كأنه ظُلَّةٌ وظنوا» أيقنوا «أنه واقع بهم» ساقط عليهم بوعد الله إياهم بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة ن وكانوا أبَوْها لثقلها فقلبوا وقلنا لهم «خذوا ما آتيناكم بقوة» بجد واجتهاد «واذكروا ما فيه» بالعمل به «لعلكم تتقون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- إذ رفعنا الجبل فوق بني إسرائيل كأنه سحابة تظلهم، وأيقنوا أنه واقع بهم إن لم يقبلوا أحكام التوراة، وقلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة، أي اعملوا بما أعطيناكم باجتهاد منكم، واذكروا ما في كتابنا من العهود والمواثيق التي أخذناها عليكم بالعمل بما فيه؛ كي تتقوا ربكم فتنجوا من عقابه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل عن بنى إسرائيل بتذكيرهم بالعهد الذى أخذه الله عليهم ، وبأمرهم بالإيمان والعمل الصالح فقالت : ( والذين يُمَسِّكُونَ .

.

.

) .الآية الكريمة معطوفة على ما سبق من أحوال بنى إسرائيل بتقدير : اذكر .ونتقنا : من النتق وهو الزعزعة والرفع والجذب بشدة ، يقال : نتق الشىء ينتقه وينتقه ، جذبه واقتلعه .والمراد بالجبل جبل الطور الذى سمع موسى عليه الكلام من ربه .قيل : " إن موسى لما أتى بنى إسرائيل بالتوراة وقرأها عليهم وسمعوا ما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم ، وأبوا أن يقبلوا ذلك ، فأمر الله الجبل فانقطع من أصله حتى قام على رءوسهم مقدار عسكرهم ، فلما نظروا إليه فوق رءوسهم خروا ساجدين ، فسجدوا كل واحد منهم لعى خده وحاجبه الأيسر ، وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا من أن يسقط فوقهم .أى : واذكر يا محمد وذكر بنى إسرائيل المعاصرين لك وقت أن رفعنا الجبل فوق آبائهم الذين كانوا فى عهد موسى حتى صار كأنه غمامة أو سقيفة فوق رءوسهم لنريهم آية من الآيات التى تدل على قدرتنا وعلى صدق نبينا موسى - عليه السلام - .قال بعض العلماء : " ورفع الجبل فوقهم لإرشادهم آية من آيات الله تقوى إيمانهم بأن التوراة منزلة من عند الله ، وقوة الإيمان من شأنها أن تدفع إلى العمل بها فى الكتاب المنزل بجد واجتهاد " .وقوله ( وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ) أى : ووقع فى نفوسهم أن الجبل ساقط عليهم إذا لم يستجيبوا لما أمرهم به نبيهم - عليه السلام - .قال الجمل : وقوله ( وظنوا ) فيه أوجه :أحدها : أنه فى محل جر نسقا على نتقنا المخفوض بالظرف تقديرا .والثانى : أنه حال ، و " قد " مقدرة عند بعضهم ، وصاحب الحال الجبل .أى : كأنه ظلة فى حال كونه مظنونا وقوعه بهم .والثالث : أنه مستأنف فلا محل له .

والظن هنا على بابه ، وقيل بمعنى اليقين " .وقوله ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ) مقول لقول محذوف دل عليه المعنى .والتقدير : وقلنا لهم خذوا ما آتيناكم بقوة ، أى تمسكوا به وأعملوا بما فيه يجد ونشاط ، وتقبلوه بحسن استعداد وبدون تقصير أو تردد .والمراد بقوله : ( مَآ ءاتيناكم ) التوراة التى أنزلها الله على موسى لتكون هدى ونوراً لهم .وقوله ( واذكروا مَا فِيهِ ) أى : احفظوه وتدبروه وتدارسوه واعملوا به بلا تعطيل لشىء منه .قال القرطبى : وهذا هو من المقصود من الكتب : العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان فحسب ، فقد روى النسائى عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوى إلى شىء منه " .و " لعل " فى قوله ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) إما للتعليل فيكون المعنى : خذوا الكتاب بجد وعزم ، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة لتتقوا الهلاك فى دنياكم وآخرتكم .وإما للترجى ، وهو منصرف إلى المخاطبين فيكون المعنى : خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين .ولكن بنى إسرائيل لم يذكروا ولم يتدبروا بل نقضوا العهد ، ولجوا فى المعصية ، فاستحقوا لعنة الله وغضبه ، وما ربك بظلام للعبيد .وبذلك تكون سورة الأعراف قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - من مطلعها إلى هنا عن هداية القرآن الكريم ، وعن يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، وجنة ونار ، وعن النداءات التى وجهها الله - تعالى - لبنى آدم تذكيراً وتوجيهاً وتعليماً حتى يسعدوا فى دينهم ودنياهم ، وعن أحوال السعداء والأشقياء فى الآخرة وما يدور بينهم من مناقشات ومحاورات ، وعن قصة آدم وإبليس وعن قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع أقوامهم ، ثم أفاضت السورة الكريمة فى حديثها عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل .والهدف الأول الذى قصدته السورة مما عرضته من قصص وتوجيهات وإرشادات هو إثبات وحدانية الله ، وإخلاص العبادة له ، وحمل الناس على السير فى الطريق المستقيم ، وقد استعملت السورة فى عرضها لتلك الحقائق أساليب الترغيب والترهيب ، والتذكير بالنعم والتحذير من النقم ، وإقامة الحجج ودفع الشبه .ثم بدأت السورة بعد أن انتهت من حديثها عن بنى إسرائيل وحتى نهايتها تحدثنا عن قضية التوحيد من زاوية جديدة عميقة ، زاوية الفطرة التى فطر الله عليها البشر ، ولنتصاحب سويا - أيها القارىء الكريم - متأملين فيما ساقته لنا السورة الكريمة فى الربعين الأخيرين منها من آيات تزخر بالأدلة العقلية والمنطقية التى تثبت وحدانية الله وتبطل الشرك والشركاء ، مستعيننة فى ذلك بما تهدى إليه الفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية .تدبر معى قوله - تعالى - : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء من موضعه، والرمي به.

يقال: نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبه.

وامرأة ناتق ومنتاق إذا كثر ولدها لأنها ترمي بأولادها رمياً فمعنى ﴿ نَتَقْنَا الجبل ﴾ أي قلعناه من أصله وجعلناه فوقهم وقوله: ﴿ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ قال ابن عباس: كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط، والجمع ظلل وظلال، وهذه القصة مذكورة في سورة البقرة ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ قال المفسرون: علموا وأيقنوا.

وقال أهل المعاني: قوي في نفوسهم أنه واقع بهم إن خالفوه، وهذا هو الأظهر في معنى الظن، ومضى الكلام فيه عند قوله: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ  ﴾ روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، وهو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى، ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ثم قال تعالى: ﴿ خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ﴾ أي وقلنا خذوا ما آتيناكم أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ من الأوامر والنواهي، أي واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب، ويجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة، إن كنتم تطيقونه كقوله: ﴿ إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السموات والأرض فانفذوا  ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة لعلكم تتقون ما أنتم عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ ﴾ قلعناه ورفعناه، كقوله: ﴿ ورفعنا فوقهم الطور ﴾ .

ومنه: نتق السقاء، إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه.

والظلة: كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب.

وقرئ بالطاء، من أطل عليه إذا أشرف ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة.

لغلظها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ.

وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلاّ ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلاّ على حاجبه الأيسر، ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة، ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله.

لم يبق جبل ولا شجر ولا حجر إلاّ اهتز، فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلاّ اهتز وأنغض لها رأسه ﴿ خُذُواْ مَا ءاتيناكم ﴾ على إرادة القول.

أي: وقلنا خذوا ما آتيناكم، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ من الأوامر والنواهي ولا تنسوه، أو اذكروا ما فيه من التعريض للثواب العظيم فارغبوا فيه.

ويجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوّة إن كنتم تطيقونه، كقوله: ﴿ إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السموات والأرض ﴾ [الرحمن: 33] فانفذوا.

﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ من الدلالة على القدرة الباهرة والإنذار ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ما أنتم عليه.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ وتذكروا ﴾ وقرئ: ﴿ واذّكروا ﴾ ، بمعنى وتذكروا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ ﴾ أيْ قَلَعْناهُ ورَفَعْناهُ فَوْقَهم وأصْلُ النَّتْقِ الجَذْبُ.

﴿ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ سَقِيفَةٌ وهي كُلُّ ما أظَلَّكَ.

﴿ وَظَنُّوا ﴾ وتَيَقَّنُوا.

﴿ أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ ساقِطٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ ولِأنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ، وإنَّما أطْلَقَ الظَّنَّ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ مُتَعَلِّقُهُ وذَلِكَ أنَّهم أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا أحْكامَ التَّوْراةِ لِثِقَلِها فَرَفَعَ اللَّهُ الطُّورَ فَوْقَهم.

وَقِيلَ لَهم إنْ قَبِلْتُمْ ما فِيها وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكم.

﴿ خُذُوا ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ وقُلْنا خُذُوا أوْ قائِلِينَ خُذُوا.

﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ مِنَ الكِتابِ.

﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بِجِدٍّ وعَزْمٍ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّهِ، وهو حالٌ مِنَ الواوِ.

﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ بِالعَمَلِ بِهِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ.

﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ قَبائِحَ الأعْمالِ ورَذائِلَ الأخْلاقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذ نتقنا الجبل فوقهم} واذكر إذ قلعناه ورفعناه كقوله {ورفعنا فوقكم الطور} {كأنه ظلة} هى مكل ما أظلك من سقيفة أو سحاب {وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} وعلموا أنه ساقط عليهم وذلك رانهم أبو أن يقبلوا احكام التوارة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رءوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ وقيل لهم إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم فلما نظروا إلى الجبل خركل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو نيظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلى على حاجبيه الأيس {ويقولون} هى السجدة التى رفعت عنها بها العقوبة وقلنا لهم {خذوا ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} وعزم على احتمال مساقة وتكاليفه {واذكروا ما فيه} ر من الأوامر والنواهي ولا تنسوه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} مما أنتم عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلُ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، والنَّتْقُ الرَّفْعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الأعْرابِيِّ، وعَنْ مُسْلِمٍ أنَّهُ الجَذْبُ، ومِنهُ نَتَقْتُ الغَرْبَ مِنَ البِئْرِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ القَلْعُ، وما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ ﴾ وعَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ يُضَمَّنُ مَعْنى الرَّفْعِ لِيَتَطابَقَ الآيَتانِ، والمُرادُ بِالجَبَلِ الطَّوْرُ أوْ جَبَلٌ غَيْرُهُ، وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ كَمُعَسْكَرِ القَوْمِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَوَقَّفُوا عَنْ أخْذِ التَّوْراةِ وقَبُولِها إذْ جاءَتْهم جُمْلَةً مُشْتَمِلَةً عَلى ما يَسْتَثْقِلُونَهُ فَقَلَعَهُ مِن أصْلِهِ ورَفَعَهُ عَلَيْهِمْ ﴿ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ أيْ: غَمامَةٌ أوْ سَقِيفَةٌ، وفُسِّرَتْ بِذَلِكَ مَعَ أنَّها كُلُّ ما عَلا وأظَلَّ لِأجْلِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ؛ إذْ لَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِدُخُولِهِ وجْهٌ و(فَوْقَ) ظَرْفٌ لِ نَتَقْنا أوْ حالٌ مِنَ الجَبَلِ مُخَصِّصَةٌ عَلى ما قِيلَ لِلرَّفْعِ بِبَعْضِ جِهاتِ العُلُوِّ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، أيْ: مُشابِهًا ذَلِكَ، ﴿ وظَنُّوا ﴾ أيْ: تَيَقَّنُوا ﴿ أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ أيْ: ساقِطٌ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا فَإنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِذَلِكَ بِهَذا الشَّرْطِ، والصّادِقُ لا يَتَخَلَّفُ ما أخْبَرَ بِهِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ المَفْعُولُ واقِعًا لِعَدَمِ شَرْطِهِ أشْبَهَ المَظْنُونَ الَّذِي قَدْ يَتَخَلَّفُ فَلِهَذا سُمِّيَ ذَلِكَ ظَنًّا.

وقِيلَ: تَيَقَّنُوا ذَلِكَ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ ثُبُوتِهِ فِيهِ لا يَقْتَضِي التَّيَقُّنَ؛ لِأنَّهُ عَلى جَرْيِ العادَةِ، وأمّا عَلى خَرْقِها فالثّابِتُ الثُّبُوتُ، والواقِعُ عَدَمُ الوُقُوعِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كَرَفْعِهِ فَوْقَهم ووُقُوفِهِ هُناكَ حَتّى كانَ ما كانَ مِنهُمْ، والحَقُّ أنَّ المُتَيَقَّنَ لَهُمُ الوُقُوعُ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا لِكَوْنِهِ المُعَلَّقَ عَلَيْهِ، فَفي الأثَرِ «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا التَّوْراةَ فَرُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهُمْ، وقِيلَ: إنْ قَبِلْتُمْ وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَوَقَعَ كُلٌّ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا مِن سُقُوطِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ ويَقُولُونَ: هي السَّجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ،» وامْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ احْتِمالُ الثُّبُوتِ عَلى خَرْقِ العادَةِ كَما لا يَقْدَحُ فِيهِ عَدَمُ الوُقُوعِ إذا قَبِلُوا، ألا تَرى إلى أنَّهُ يَتَيَقَّنُ احْتِراقُ ما وقَعَ في النّارِ مَعَ إمْكانِ عَدَمِهِ كَما في قِصَّةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَهَبَ الرُّمّانِيُّ والجُبّائِيُّ إلى أنَّ الظَّنَّ عَلى بابِهِ، والمُرادُ: قَوِيَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهُ واقِعٌ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى نَتَقْنا أوْ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ كَما قالَ أبُو البَقاءِ.

﴿ خُذُوا ﴾ أيْ: وقُلْنا: خُذُوا.

أوْ قائِلِينَ: خُذُوا.

﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ مِنَ الكِتابِ.

﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أيْ: بِجِدٍّ وعَزْمٍ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الواوِ، والمُرادُ خُذُوا ذَلِكَ مُجِدِّينَ: ﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ أيِ اعْمَلُوا بِهِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ أوْ مَجازٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وتَذَكَّرُوا) وقُرِئَ: واذْكُرُوا بِمَعْنى وتَذَكَّرُوا ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ بِذَلِكَ قَبائِحَ الأعْمالِ ورَذائِلَ الأخْلاقِ أوْ راجِينَ أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما آتَيْناكُمُ الآيَةُ العَظِيمَةُ، أعْنِي نَتْقَ الجَبَلِ أيْ: خُذُوا ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا ﴾ واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ والإنْذارِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ مِن نَتْقِ الجَبَلِ إظْهارُ العَجْزِ لا غَيْرُ، والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِمَن يَدَّعِي الصُّرَعَةَ والقُوَّةَ بَعْدَ ما غَلَبْتَهُ: خُذْهُ مِنِّي، وحاصِلُهُ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ آيَةً قاهِرَةً وتَقْتَرِحُونَها فَخُذُوا ما آتَيْناكم إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، والآثارُ عَلى خِلافِهِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ يقول: قلعنا ورفعنا الجبل فوقهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ أي كهيئة الغمام وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أي أنه يعني: أيقنوا الجبل واقع بهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أي قيل لهم: اعملوا بما أعطيناكم من التوراة بقوة أي بجد ومواظبة وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ أي اعملوا ما فيه من الحلال والحرام والأمر والنهي لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعاصي، وذلك حين أبوا أن يقبلوا التوراة، فرفع الجبل فوقهم فقبلوا.

وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ أي: اذكر يا محمد إذا أخذ ربك.

ويقال: معناه وقد أخذ ربك من بني آدم من ظهور بني آدم ذُرِّيَّتَهُمْ يعني: أَخَذَ رَبُّكَ مِن ظهور بني آدم ذُرّيَّتُهُم.

وقال بعضهم: يعني الذرية التي تخرج وقتاً بعد وقت إلى يوم القيامة وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ فقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى يعني: إنَّ كل بالغ تشهد له خلقته بأن الله تعالى واحد شَهِدْنا يعني: قال الله تعالى شهدنا أَنْ تَقُولُوا أي لكيلا تقولوا.

ويقال: هذا كراهة أن يقولوا: يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ وروي عن أبي صالح عن ابن عباس-  ما- أنه قال: إن الله مسح على ظهر آدم فأخرج ذريته من صلبه كهيئة الذر من هو مولود إلى يوم القيامة.

فقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شهدنا بأنك ربنا قال بعضهم: هذا التفسير لا يصح وطعنوا فيه من وجوه أحدها أن الرواية لم تصح لأنها رواية أبي صالح، وأبو صالح ليس ممن يعتمد على روايته، لأنه روي عن الشعبي أنه كان يمر بأبي صالح، وأبو صالح ليس ممن يعتمد على روايته، لأنه روي عن الشعبي أنه كان يمر بأبي صالح ويفرك أذنه، ويقول له: إنك لم تحسن أن تقرأ القرآن، فكيف تفسره بالرأي.

قالوا: ولأن هذا غير محتمل في اللغة لأنه قال: من ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم.

قالوا: ولأنه لا يجوز من الحكيم أن يخاطب الذر.

وإنما يجوز خطاب من هو عاقل.

ومن كان مثل الذر كيف يجوز خطابه؟

قالوا: ولأنه لا يجوز أن تكون حجة الله بشيء لم يذكر.

وإنما تكون الحجة بشيء يكون الإنسان ذاكراً له.

قالوا: ولأن الله تعالى قال: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر: 11] ولم يقل: أحييتنا ثلاث مرات.

ولكن الجواب أن يقال: إن الرواية صحيحة، لأن الآثار قد جاءت عن أصحاب رسول الله  ما لا يجوز دفعه.

فمن ذلك ما حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا الماسرخسي.

قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وهو ابن علية عن كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس  ما في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ قال: مسح الله تعالى ظهر آدم فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة.

فأخذ ميثاقهم وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى.

قال: حدثنا الشيخ الرئيس أبو طاهر محمد بن داود.

قال: حدثنا محمد بن أحمد بأستراباذ.

قال: حدثنا أحمد بن زكريا.

قال: حدثنا عبد السلام بن صالح عن جعفر بن سليمان عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري.

قال: حججنا مع عمر في أول خلافته فوقف على الحجر ثم قال: أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله  قبَّلك ما قبّلتك.

فقال له عليّ-  -: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإنه يضر وينفع بإذن الله.

ولو أنك قرأت القرآن وعلمت ما فيه ما أنكرت عليّ ما قلت.

قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فلما أقروا بالعبودية على أنفسهم، كتب إقرارهم في رق، ثم دعا هذا الحجر فقال له: افتح قال: فألقمه ذلك الرق فهو أمين الله في هذا المكان يشهد لمن استلمه ووافاه يوم القيامة.

فقال له عمر-  -: لقد جعل الله بين ظهرانيكم من العلم غير قليل.

وروى ربيع بن أنس عن أبن العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ الآية.

قال: جمعهم جميعاً فجعلهم أرواحاً، ثم صورهم، ثم استنطقهم، ثم قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شهدنا بأنك ربنا.

قال: فإني أرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا رسلي، وصدقوا وعدي وأخذ عهدهم وميثاقهم فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك.

فقال آدم: رب لو شئت سويت بين عبادك.

فقال: إني أحببت أن أشكر.

قال: والأنبياء يومئذ مثل السرج فأخذ عليهم ميثاق الرسالة أن يبلغوها.

فهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ [الأحزاب: 7] الآية.

قال الفقيه: أخبرني الثقة بإسناده عن مالك بن أنس عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار أن عمر بن الخطاب  سئل عن هذه الآية فقال عمر  سمعت رسول الله  أنه سئل عن هذه الآية فقال: «إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هؤلاء لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ.

ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظهره فاستخرج منه ذرية، فَقَالَ: خَلَقْتُ هؤلاء لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ» .

فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟

فقال: «إن الله تعالى إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ.

وَإذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ النَّارَ» .

وبهذا احتج الجبرية أن ما عمل عبد عملاً من خير أو شر إلا ما قدره الله تعالى يوم الميثاق.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس  ما أنه قال: لما خلق الله تعالى آدم أخرج ذريته من ظهره مثل الذر، فقال لأصحاب اليمين: هؤلاء في الجنة ولا أبالي وقال للآخرين: هؤلاء في النار ولا أبالي.

وروى أسباط عن السدي في قول الله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ الآية.

قال: لما أخرج الله تعالى آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء، مسح صفحة ظهر آدم اليمين فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى أخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي.

فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فأجابه طائفة طائعين، وطائفة كارهين.

فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.

فلما رويت فيه من الأخبار من طرق شتى لا يجوز رده، ويرجع الطعن إلى أصحاب رسول الله  - ورضي الله تعالى عنهم-.

ويجب للطاعن أن يطعن في فهم نفسه لا في الصحابة.

وهذا كقوله: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: 11] أما الجواب عن قولهم: إنه قال: مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهر آدم فالمعنى في ذلك- والله أعلم- أنه قد أخرج ذرية آدم الذين هم ولده من صلبه، ثم أخرج من ظهورهم ذريتهم، ثم أخرج من بعدهم حتى أخرج جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأخرج من ظهورهم كل نسمة تخرج من ظهر، فذكر الأخذ من ظهور ذريته، ولم يذكر ظهر آدم لأن في الكلام دليلاً عليه كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [غافر: 46] ولم يذكر فرعون لأن في الكلام دليلاً عليه.

وأما الجواب عن قولهم: إنه لا يجوز خطاب الذر فعن هذا القول جوابان.

أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا كالذر في الصغر ويرزقهم الله تعالى من العقل ما يكونوا به من أهل الخطاب.

ألا ترى أن نملة سليمان بن داود- عليهما السلام- قد تكلمت بكلام العقلاء وفهم ذلك عنها سليمان، وسبَّح الطير والجبال مع داود، فكذلك هذا.

والجواب الثاني أنهم كانوا كالذر في الازدحام والكثرة لا في الخلقة والجثة.

ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم لأن الذر إذا كثرت وازدحمت لا يعرف عددها.

فكذلك ذرية آدم كانوا في الكثرة والازدحام مثل الذر.

ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم.

والجواب عن قولهم: أنه لا تكون الحجة بشيء لم يذكر أن يقال: إن الله تعالى قد أرسل الرسل وأخبرهم بذلك الميثاق، وإذا أخبرهم الرسل بذلك صار حجة عليهم.

فإن قيل: إن الرسل وإن أخبروهم فإذا لم يذكروا ذلك فكيف يصير حجة عليهم؟

قيل لهم: وإن لم يذكروا صار قول الثقات حجة عليهم.

ألا ترى أن رجلاً لو طلق امرأته وقد نسي فشهد عليه شاهدان عدلان بأنه قد طلقها قبل غيبته عنها يجب عليه أن يقبل قولهما.

وكذلك لو صلى فشهد عليه عدلان أنه ترك ركعة من صلاته وجب عليه أن يأخذ بقولهما وإن كان لا يذكر.

فكذلك هاهنا والجواب عن قولهم أنه لم يقل: أحييتنا ثلاث مرات.

لأن الإحياء المعروف مرتان فذكر الإحياء الذي كان معروفاً عنده.

وقوله تعالى: شَهِدْنا قال بعضهم: هذا حكاية عن قول الذرية قالوا: بلى شهدنا.

وتم الكلام.

ثم في الآية مضمر ومعناه: أخذنا عليهم الميثاق لكي لا يقولوا هذا يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ وقال بعضهم: إنما تم الكلام عند قوله: بَلى ثم إنه قال تعالى: شَهِدْنا يعني: شهدنا عليكم وأخذنا عليكم الميثاق لكيلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين أَوْ تَقُولُوا أي: لكيلا تقولوا: إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ ونقضوا العهد وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ لم نعلم به أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يعني: آباؤنا المشركون.

فإن قيل: هل كان إقرارهم إيماناً منهم؟

قيل له: أما المؤمنون كان إقرارهم إيماناً.

وأما الكافرون فلم يكن إقرارهم إيماناً.

لأن إقرارهم كان تقية.

ولم يكن حقيقة.

قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو ذُرّياتِهِمْ بلفظ الجماعة.

وقرأ الباقون ذُرِّيَّتَهُمْ بلفظ واحد لأن الذرية قد أضافها إلى الجماعة فاستغنى عن لفظ الجمع.

وقرأ أبو عمرو أَن يَقُولُواْ بالياء وكذلك في قوله أَوْ يَقُولُواْ.

وقرأ الباقون كليهما بالتاء على معنى الخطاب.

قوله عز وجل: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: هكذا نبيّن الآيات في أمر الميثاق وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى إقرارهم وإلى التوبة فالواو الأولى للعطف وهو قوله وَكَذلِكَ والواو الثانية زيادة للوصل وهي قوله: وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ومعناه: وكذلك نفصل الآيات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لكي يرجعوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ عطْفٌ على قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقرأ عاصمٌ وحْده في رواية أبي بَكْرٍ «يُمْسِكُونَ» «١» - بسكون الميم، وتخفيف السين-، وقرأ الأعمش «٢» : «والّذين استمسكوا» .

وقوله عز وجل: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، نَتَقْنَا: معناه: اقتلعنا ورفَعْنا، وقد تقدَّم قصص الآية في «البقرة» ، وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي:

تدبَّروه واحفظوا أوامره ونواهيه، فما وَفَّوْا.

وقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ...

الآية، قوله: مِنْ ظُهُورِهِمْ قال النُّحاة: هو بدلُ اشتمال من قوله: مِنْ بَنِي آدَمَ، وتواترتِ الأحاديثُ في تفسير هذه الآية عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ طُرُقٍ: «أن اللَّه عزَّ وجلَّ استخرج مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عليه السلام نَسَمَ بنيه، ففي بعض الروايات كالذَّرِّ، وفي بعضها: كالخَرْدَلِ» .

وقال محمد بن كَعْب: إِنها الأرواحُ «٣» جُعلَتْ لها مِثَالاَتٌ، وروي عن عبد اللَّه بن عمر، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «أُخِذُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَمَا يؤخذ بالمشط من الرّأس «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم إذْ نَتَقْنا الجَبَلَ، أيْ: رَفَعْناهُ.

قالَ مُجاهِدٌ: أُخْرِجَ الجَبَلُ مِنَ الأرْضِ، ورُفِعَ فَوْقَهم كالظُّلَّةِ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَتُؤَمِنُنَّ أوْ لَيَقَعَنَّ عَلَيْكم.

وقالَ قَتادَةُ: نَزَلُوا في أصْلِ الجَبَلِ، فَرُفِعَ فَوْقَهم، فَقالَ: لَتَأْخُذْنَّ أمْرِي، أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الظَّنُّ المَعْرُوفُ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ.

وباقِي الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:٦٣] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عن هَذا غافِلِينَ ﴾ "نَتَقْنا" مَعْناهُ: اقْتَلَعْنا ورَفَعْنا، فَكَأنَّ النَتْقَ اقْتِلاعُ الشَيْءِ، تَقُولُ العَرَبُ: "نَتَقْتُ الزُبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ونَتَقُوا أحْلامَنا الأثاقِلا والناتِقُ: الرَحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَجُلِ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الغَداءِ وأُمُّهم ∗∗∗ ∗∗∗ دَحَقَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ وفِي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "عَلَيْكم بِتَزْوِيجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنَتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا"» الحَدِيثُ.

وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ بَدَلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها "رَفَعْنا"، و"فَوْقَهُمْ" أعْطَتِ الرَفْعَ بِزِيادَةِ قَرِينَةٍ هي أنَّ الجَبَلَ اقْتَلَعَتْهُ المَلائِكَةُ وأمَرَ اللهُ إيّاهُ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَوْراةِ فَقالَ عَنِ اللهِ تَعالى: هَذا كِتابُ اللهِ، أتَقْبَلُونَهُ بِما فِيهِ؟

فَإنَّ فِيهِ بَيانَ ما أُحِلَّ لَكم وما حُرِّمَ عَلَيْكم وما أمَرَكم وما نَهاكُمْ، قالُوا: انْشُرْ عَلَيْنا ما فِيها، فَإنْ كانَتْ فَرائِضُها يَسِيرَةً وحُدُودُها خَفِيفَةً قَبِلْناها، قالَ: اقْبَلُوها بِما فِيها، قالُوا: لا، فَراجَعَهم مُوسى فَراجَعُوا ثَلاثًا فَأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى الجَبَلِ فانْقَلَعَ وارْتَفَعَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقالَ لَهم مُوسى  : ألا تَرَوْنَ ما يَقُولُ رَبِّي؟

لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَوْراةَ بِما فِيها لَأرْمِيَنَّكم بِهَذا الجَبَلِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: فَلَمّا رَأوا إلى الجَبَلِ خَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، ونَظَرَ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَيْسَ في الأرْضِ يَهُودِيُّ يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، يَقُولُونَ: هَذِهِ السَجْدَةُ الَّتِي رَفَعَتْ بِها عَنّا العُقُوبَةَ.

و"الظُلَّةُ": ما أظَلَّ، ومِنهُ ﴿ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ  ﴾ ، ومِنهُ ﴿ عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ  ﴾ ، ومِنهُ «قَوْلُ أسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لِلنَّبِيِّ  : قَرَأْتُ البارِحَةَ فَغَشِيَ الدارَ مِثْلُ الظُلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ، فَقالَ النَبِيُّ  : "تِلْكَ السَكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ".» فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الجَبَلُ ظُلَّةً فَما مَعْنى: "كَأنَّهُ"؟

فالجَوابُ أنَّ البَشَرَ إنَّما اعْتادُوا هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلُلًا إذا كانَتْ عَلى عُمُدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ عَلى غَيْرِ عُمُدٍ قِيلَ: ﴿ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ ، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عُمُدٍ، "وَظَنُّوا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أيْقَنُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، بَلْ هو مَوْضِعُ غَلَبَةِ الظَنِّ مَعَ بَقاءِ الرَجاءِ، وكَيْفَ يُوقِنُونَ بِوُقُوعِهِ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَقُولُ: إنَّ الرَمْيَ بِهِ إنَّما هو بِشَرْطِ ألّا يَقْبَلُوا التَوْراةَ، والظَنُّ إنَّما يَقَعُ ويُسْتَعْمَلُ في اليَقِينِ مَتى كانَ ذَلِكَ المُتَيَقَّنُ لَمْ يَخْرُجْ إلى الحَواسِّ، وقَدْ تَبَيَّنَ هَذا فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ.

ثُمَّ قِيلَ لَهم في وقْتِ ارْتِفاعِ الجَبَلِ: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ فَأخَذُوها والتَزَمُوا جَمِيعَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن شِدَّةٍ ورَخاءٍ فَما وفَّوْا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واذْكُرُوا"، وقَرَأ الأعْمَشُ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ عنهُ-: "واذَّكَّرُوا".

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ، وهَذا تَشَدُّدٌ في حِفْظِها والتَهَمُّمِ بِأمْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ ﴾ الآيَةُ، التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ رَبُّكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ﴾ قالَ النُحاةُ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَنِي آدَمَ ﴾ ، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ الأخْذَ إنَّما كانَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ، ولَيْسَ لِآدَمَ في الآيَةِ ذِكْرٌ بِحَسَبِ اللَفْظَةِ، وتَواتَرَتِ الأحادِيثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِما أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا خَلَقَ آدَمَ (وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ: لَمّا أهْبَطَ آدَمَ إلى الأرْضِ في دَهْناءَ مِن أرْضِ السِنْدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وفي بَعْضِها أنَّ ذَلِكَ بِنُعْمانَ وهي عَرَفَةُ وما يَلِيها، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ) مَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ (وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ بِيَمِينِهِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ ضَرَبَ مَنكِبَهُ) فاسْتَخْرَجَ مِنها -أيْ مِنَ المَسْحَةِ أوِ الضَرْبَةِ- نَسَمَ بَنِيهِ، فَفي بَعْضِ الرِواياتِ كالذَرِّ، وفي بَعْضِها كالخَرْدَلِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّها الأرْواحُ جُعِلَتْ لَها مِثالاتٌ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أُخِذُوا مِن ظَهْرِهِ كَما يُؤْخَذُ بِالمُشْطِ مِنَ الرَأْسِ، وجَعَلَ اللهُ لَهم عُقُولًا كَنَمْلَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنَّهُ رَبُّهم وأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ والتَزَمُوهُ، وأعْلَمَهم أنَّهُ سَيَبْعَثُ الرُسُلَ إلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعِيَةً، فَشَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ"،» قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أشْهَدَ عَلَيْهِمُ السَماواتِ السَبْعَ، فَلَيْسَ مِن أحَدٍ يُولَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا وقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ والمَقامِ، وقالَ السُدِّيُّ: أعْطى الكُفّارُ العَهْدَ يَوْمَئِذٍ كارِهِينَ عَلى وجْهِ التَقِيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ نُخَيْلَةُ مَجْمُوعِ الرِواياتِ المُطَوَّلَةِ، وكَأنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الأحادِيثِ لا تَلْتَئِمُ مَعَ ألْفاظِ الآيَةِ، وقَدْ أكْثَرَ الناسُ في رَوْمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى هَذا التَناسُلِ الَّذِي في الدُنْيا، و"أخَذَ" بِمَعْنى: أوجَدَ عَلى المَعْهُودِ، وأنَّ (الإشْهادَ) هو عِنْدَ بُلُوغِ المُكَلَّفِ وهو قَدْ أُعْطِيَ الفَهْمَ، ونُصِبَتْ لَهُ هَذِهِ الصَنْعَةُ الدالَّةُ عَلى الصانِعِ، ونَحا إلى هَذا المَعْنى الزَجّاجُ، وهو مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ الألْفاظُ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ، ورِوايَتُهُما ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  .

وطَوَّلَ الجُرْجانِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ، ومَدارُ كَلامِهِ عَلى أنَّ المَسْحَ وإخْراجَ الذَرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ حَسَبَ الحَدِيثِ، وقِيلَ في الآيَةِ: أخَذَ مِن ظُهُورِهِمْ، إذِ الإخْراجُ مِن ظَهْرِ آدَمَ الَّذِي هو الأصْلُ إخْراجٌ مِن ظُهُورِ بَنِيهِ الَّذِينَ هُمُ الفُرُوعُ، إذِ الفَرْعُ والأصْلُ شَيْءٌ واحِدٌ، إلى كَلامٍ كَثِيرٍ لا يَثْبُتُ لِلنَّقْدِ.

وَقالَ غَيْرُهُ: إنَّ جَمِيعَ ما في الحَدِيثِ مِن مَسْحٍ بِيَمِينِهِ وضَرْبِ مَنكِبَهِ ونَحْوِ هَذا إنَّما هو عِبارَةٌ عن إيجادِ ذَلِكَ النَسَمِ مِنهُ، واليَمِينُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، أو يَكُونُ الماسِحُ مَلَكًا بِأمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَضَمَّنَ الحَدِيثُ صَدْرَ القِصَّةِ وإيجادَ النَسَمِ مِن آدَمَ، وهَذِهِ زِيادَةٌ عَلى ما في الآيَةِ، ثُمَّ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ما جَرى بَعْدَ هَذا مِن أخْذِ العَهْدِ، والنَسَمُ حُضُورٌ مَوْجُودُونَ.

وهي تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ "أخَذَ" عامِلًا في "عَهْدٍ" أو "مِيثاقٍ" تُقَدِّرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "ذُرِّيَّتَهُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِن ظُهُورِهِمْ" لِبَيانِ جِنْسِ النُبُوَّةِ، إذِ المُرادُ مِنَ الجَمِيعِ التَناسُلُ، ويَشْرَكُهُ في لَفْظَةِ "بَنِي آدَمَ" بَنُوهُ لِصُلْبِهِ وبَنُوهُ بِالشَفَقَةِ والحَنانِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" بَدَلًا مِن "بَنِي آدَمَ"، والمَعْنى الآخَرُ أنَّهُ لَمّا كانَتْ كُلُّ نَسَمَةٍ هُنالِكَ لَها نِسْبَةٌ إلى الَّتِي هي مِن ظَهْرِها كانَ تَعْيِينُ تِلْكَ النِسْبَةِ أُخِذَ مِنَ الظَهْرِ إذْ سَتَخْرُجُ مِنهُ، فَهي المُسْتَأْنَفُ، فالمَعْنى: وإذْ عُيِّنُوا بِهَذِهِ النِسْبَةِ وعُرِفُوا بِها، فَذَلِكَ أخْذٌ ما، و"أخَذَ" -عَلى هَذا- عامِلٌ في "ذُرِّيَّتَهُمْ" ولَيْسَ بِمَعْنى مَسَحَ وأوجَدَ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ إيجادُهم كَما تَقَدَّمَ الحَدِيثُ المَذْكُورُ، فالحَدِيثُ يَزِيدُ مَعْنًى عَلى الآيَةِ وهو ذِكْرُ آدَمَ وأوَّلُ إيجادِ النَسَمِ كَيْفَ كانَ.

وقالَ الطَرْطُوشِيُّ: إنَّ هَذا العَهْدَ يَلْزَمُ البَشَرَ وإنْ كانُوا لا يَذْكُرُونَهُ في هَذِهِ الحَياةِ كَما يَلْزَمُ الطَلاقُ مَن شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وهو قَدْ نَسِيَهُ إلى غَيْرِ هَذا مِمّا لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ ولا مِن طَرِيقِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعُ جَمْعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" والإفْرادُ هُنا جَمْعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ كانُوا بَيْنَ تِلْكَ النَسَمِ، وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ رَأى داوُدَ فَأعْجَبَهُ، فَقالَ: مَن هَذا؟

فَقِيلَ: نَبِيٌّ مِن ذُرِّيَّتِكَ، فَقالَ: كَمْ عُمْرُهُ؟

فَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، فَقالَ: زِيدُوهُ مِن عُمْرِي أرْبَعِينَ سَنَةً فَزِيدَتْ، قالَ: وكانَ عُمَرُ آدَمَ ألْفًا، فَلَمّا أكْمَلَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ جاءَ مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ لَهُ آدَمُ: بَقِيَ لِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَرَجَعَ مَلَكُ المَوْتِ إلى رَبِّهِ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: إنَّكَ أعْطَيْتَها لِابْنِكَ داوُدَ، فَتُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ خاصَمَ في الأرْبَعِينَ، قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: مَن ماتَ صَغِيرًا فَهو عَلى العَهْدِ الأوَّلِ، ومَن بَلَغَ فَقَدْ أخَذَهُ العَهْدُ الثانِي، يَعْنِي الَّذِي في هَذِهِ الحَياةِ المَعْقُولَةِ الآنَ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عن أنَّ كُلَّ نَسَمَةٍ إذا وُلِدَتْ وبَلَغَتْ فَنَظَرُها في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَهْدٌ عَلَيْها في أنْ تُؤْمِنَ وتَعْرِفَ اللهَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُنَكَّبٌ عَنِ الأحادِيثِ المَأْثُورَةِ مَطَّرِحٌ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَهِدْنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِ النَسَمِ لِبَعْضٍ، أيْ شَهِدْنا عَلَيْكم لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: غَفَلْنا عن مَعْرِفَةِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، فَتَكُونَ مُقالَةً مِن هَؤُلاءِ لِهَؤُلاءِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "بَلى"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "شَهِدْنا" مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: "بَلى"، قالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: قالَ اللهُ ومَلائِكَتُهُ: شَهِدْنا، ورَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ  .

وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو: "أنْ تَقُولُوا" عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "أنْ يَقُولُوا" عَلى الحِكايَةِ عن غائِبِينَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والقِراءَتانِ تَتَفَسَّرانِ بِحَسَبِ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: مَخافَةَ أنْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عاد الكلام إلى العبرة بقصص بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، لأن قصة رفع الطور عليهم من أمهات قصصهم، وليست مثل قصة القرية الذين اعتدوا في السبت، ولا مثلَ خبر إيذانهم بمن يسومهم سوء العذاب.

فضمائر الجمع كلها هنا مراد بها بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى، بقرينة المقام.

والجملة معطوفة على الجمل قبلها.

و ﴿ إذْ ﴾ متعلقة بمحذوف تقديره: واذكر إذ نتقنا الجبل فوقهم.

والنتق: الفصل والقلع.

والجبل الطور.

وهذه آية أظهرها الله لهم تخويفاً لهم، لتكون مُذَكرة لهم، فيعقب ذلك أخذُ العهد عليهم بعزيمة العمل بالتوراة، فكان رفع الطور معجزة لموسى عليه السلام تصديقاً له فيما سيبلغهم عن الله من أخذ أحكام التوراة بعزيمة ومداومة والقصة تقدمت في سورة البقرة (63) عند قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ﴾ والظلة السحابة، وجملة: ﴿ خذوا ما آتيناكم ﴾ مقولة لقول محذوف يدل عليه نظم الكلام، وحذفُ القول في مثله شائع كثير، وتقدم نظيرها في سورة البقرة.

وعُدّي ﴿ واقع ﴾ بالباء: للدلالة على أنهم كانوا مستقرين في الجبل فهو إذا ارتفع وقع ملابساً لهم ففتتهم، فهم يرون أعلاه فوقهم وهم في سفحه، وهذا وجه الجمع بين قوله ﴿ فوقهم ﴾ وبين باء الملابسة.

وجعل بعض المفسرين الباء بمعنى (على).

وجملة: ﴿ خُذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ مقول قول محذوف.

وتقدم تفسير نظيرها في سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: زَعْزَعْناهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: قَدْ جَرَّبُوا أخْلاقَنا الجَلائِلا.

.

ونَتَقُوا أحْلامَنا الأثاقِلا والثّانِي: بِمَعْنى جَذَبْناهُ، والنَّتْقُ: الجَذْبُ ومِنهُ قِيلَ لِلْمَرْأةِ الوَلُودِ ناتِقٌ، قالَ النّابِغَةُ: لَمْ يَحْرِمُوا حَسَنَ الغِذاءِ وأُمُّهم ∗∗∗ طَفَحَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ واخْتُلِفَ في سَبَبِ تَسْمِيَتِها ناتِقًا، فَقِيلَ لِأنَّ: خُرُوجَ أوْلادِها بِمَنزِلَةِ الجَذْبِ.

وَقِيلَ: لِأنَّها تَجْذِبُ ماءَ الفَحْلِ تُؤَدِّيهِ ولَدًا.

والثّالِثُ: مَعْناهُ ورَفَعْناهُ عَلَيْهِمْ مِن أصْلِهِ.

قالَ الفَرّاءُ: رَفَعَ الجَبَلَ عَلى عَسْكَرِهِمْ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ.

قالَ مُجاهِدٌ: وسَبَبُ رَفْعِ الجَبَلِ عَلَيْهِمْ أنَّهم أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا فَرائِضَ التَّوْراةِ لِما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ، فَوَعَظَهم مُوسى فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَرُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهم وقِيلَ لَهُمْ: إنْ أخَذْتُمُوهُ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وإلّا أُلْقِيَ عَلَيْكم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: فَأخَذُوهُ بِقُوَّةٍ ثُمَّ نَكَثُوا بَعْدُ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ رَفْعِ الجَبَلِ عَلَيْهِمْ هَلْ كانَ انْتِقامًا مِنهم أوْ إنْعامًا عَلَيْهِمْ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ انْتِقامًا بِالخَوْفِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: كانَ إنْعامًا لِإقْلاعِهِمْ بِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غَلَبَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الظَّنِّ.

والثّانِي: أنَّهم تَيَقَّنُوهُ لِما عايَنُوا مِنِ ارْتِفاعِهِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ ﴾ يَعْنِي التَّوْارَةَ.

﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ.

والثّانِي: بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ وطاعَةٍ خالِصَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ﴾ يقول: رفعناه وهو قوله: ﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ﴾ [ النساء: 154] فقال: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ وإلا أرسلته عليكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم فقيل لهم ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ فكانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا: سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا: سمعنا وعصينا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: إني لأعلم لم تسجد اليهود على حرف قال الله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم ﴾ قال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به، فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط عليهم، فكانت سجدة رضيها الله تعالى فاتخذوها سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: أتى ابن عباس يهودي ونصراني فقال لليهودي: ما دعاكم أن تسجدوا بجباهكم؟

فلم يدر ما يجيبه، فقال: سجدتم بجباهكم لقول الله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ﴾ فخررتم لجباهكم تنظرون إليه، وقال للنصراني: سجدتم إلى الشرق لقول الله: ﴿ انتبذت به مكاناً شرقياً ﴾ [ مريم: 16] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: إن هذا الجبل، جبل الطور، هو الذي رفع على بني إسرائيل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال: كما تنتق الزبدة أخرجنا الجبل.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ثابت بن الحجاج قال: جاءتهم التوراة جملة واحدة، فكبر عليهم فأبوا أن يأخذوه حتى ظلَّل الله عليهم الجبل، فأخذوه عند ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال: انتزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم، ثم قال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن الكلبي قال: كتب هرقل ملك الروم إلى معاوية يسأله عن الشيء ولا شيء، وعن دين لا يقبل الله غيره، وعن مفتاح الصلاة، وعن غرس الجنة، وعن صلاة كل شيء، وعن أربعة فيهم الروح ولم يركضوا في اصلاب الرجال ولا ارحام النساء، وعن رجل لا أب له، وعن رجل لا قوم له، وعن قبر جرى بصاحبه، وعن قوس قزح، وعن بقعة طلعت عليها الشمس مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها، وعن ظاعن ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها، وعن شجرة نبتت بغير ماء، وعن شيء يتنفس لا روح له، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد ما أجزاؤها في الكلام، وعن الرعد والبرق وصوته، وعن المجرة، وعن المحو الذي في القمر؟

فقيل له: لست هناك وإنك متى تخطئ شيئاً في كتابك إليه يغتمزه فيك، فاكتب إلى ابن عباس.

فكتب إليه فأجابه ابن عباس: أما الشيء: فالماء، قال الله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ واما لا شيء: فالدنيا تبيد وتفنى، وأما الدين الذي لا يقبل الله غيره: فلا إله إلا الله، وأما مفتاح الصلاة: فالله أكبر، وأما غرس الجنة.

فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأما صلاة كل شيء: فسبحان الله وبحمده، وأما الأربعة التي فيها الروح ولم يرتكضوا في أصلاب الرجال ولا أرحام النساء: فآدم، وحواء، وعصا موسى، والكبش الذي فدى الله به إسحق، واما الرجل الذي لا أب له: فعيسى ابن مريم، وأما الرجل الذي لا قوم له: فآدم، وأما القبر الذي جرى بصاحبه: فالحوت حيث سار بيونس في البحر، وأما قوس قزح: فأمان الله لعباده من الغرق، وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس ولم تطلع عليها قبلها ولا بعدها: فالبحر حيث انفلق لبني إسرائيل، وأما الظاعن الذي ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها: فجبل طور سيناء، كان بينه وبين الأرض المقدسة أربع ليال، فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله بجناحين من نور فيه ألوان العذاب، فأظله الله عليهم وناداهم مناد إن قبلتم التوراة كشفته عنكم وإلا ألقيته عليكم، فأخذوا التوراة معذورين فرده الله إلى موضعه، فذلك قوله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة...

﴾ الآية، وأما الشجرة التي نبتت من غير ماء: فاليقطينة التي أنبتت على يونس، وأما الذي تنفس بلا روح فالصبح.

قال الله: ﴿ والصبح إذا تنفس ﴾ [ التكوير: 18] ، وأما اليوم: فعمل، وأما أمس: فمثل، وأما غد: فأجل وبعد غد فأمل، وأما البرق: فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب، وأما الرعد: فاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره، وأما المجرة: فأبواب السماء ومنها تفتح الأبواب، وأما المحو الذي في القمر فقول الله: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ﴾ [ الإِسراء: 12] ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل.

فبعث بها معاوية إلى قيصر، وكتب إليه جواب مسائله.

فقال قيصر: ما يعلم هذا إلا نبي أو رجل من أهل بيت نبي.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ ﴾ ، اختلفت (١) (٢) (٣) ﴿ نَتَقْنَا ﴾ ؛ فقال الليث: (النَّتق الجذب، تقول: نتقت الغرب من البئر نتقًا إذا جذبته بمرَّة جذبة، وبعث الله الملائكة فنتقوا جبل طور فاقتلعوه من أصله حتى أطلعوه على عسكر بني إسرائيل) (٤) وقال (٥) (٦) (٧) وقال في المعاني: ﴿ نَتَقْنَا ﴾ رفعنا (٨) (٩) (١٠) ﴿ نَتَقْنَا الْجَبَلَ ﴾ كما تنتق الزبدة) (١١) وقال ابن قتيبة: ﴿ نَتَقْنَا الْجَبَلَ ﴾ أي: زعزعناه، ومنه يقال: نتقت السقاء، أي: نفضته لتقلع الزبدة منه).

وقال أبو عبيدة: (أصل النتق: قلع الشيء من موضعه والرمي به، يقال: نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبّه، وامرأة ناتق منتاق إذا كثر ولدها، لأنها ترمي بأولادها رميًا) (١٢) وأحسن العبارات وأجمعها (١٣) ﴿ نَتَقْنَا الْجَبَلَ ﴾ : رفعناه باقتلاع له من أصله.

وقوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (كأنه سقيفة) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ الآية [البقرة: 63].

وقوله تعالى: ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ .

قال المفسرون (١٨) ﴿ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ إن خالفوا) (١٩) (٢٠) ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ  ﴾ .

(١) في (ب): (اختلف)، وهو تحريف.

(٢) انظر: "الجمهرة" 1/ 408، و"مقاييس اللغة" 5/ 387، و"المجمل" 3/ 854، و"المفردات" ص 790، و"اللسان" 7/ 4377 (نتق).

(٣) أخرج الطبري 82/ 110 من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة قالا: (أي: رفعنا)، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1610 من طرق جيدة عن ابن عباس وعطاء.

(٤) "العين" 5/ 129 - 130، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3505، قال الليث: (النتق == الجذب ونتقت الغَرْب من البئر إذا جذبته بمرة) اهـ.

والغَرْب بفتح الغين وسكون الراء: الدلو العظيمة، انظر: "اللسان" 6/ 3227 (غريب).

(٥) في (ب): (فقال).

(٦) في (ب): (علقت).

(٧) ذكره الثعلبي 6/ 17/ ب، وذكره الطبري 9/ 110 عن بعض الكوفيين.

(٨) "معاني الفراء" 1/ 399، وزاد: (رفع الجبل على عسكرهم فرسخًا فرسخًا) اهـ.

(٩) ذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3505 بلا نسبة، وهو في أكثر المراجع المذكورة.

(١٠) أخرجه الطبري 9/ 109، وابن أبي حاتم 5/ 1610 بسند ضعيف.

(١١) "تفسير غريب القرآن" ص 182، وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 152، و"معاني النحاس" 3/ 101.

(١٢) ذكره الرازي 15/ 45، والسمين في "الدر" 5/ 509، وذكره الطبري 9/ 110، عن بعض البصريين، وقال الشيخ أحمد شاكر في "الحاشية" (يعني: أبا عبيدة) وفي "مجاز القرآن" 1/ 232 قال: (أي: رفعنا فوقهم) اهـ.

وفي "الصحاح" 4/ 1558 (قال أبو عبيدة: أي: زعزعناه) اهـ.

(١٣) هذا هو الظاهر واختيار أكثرهم، انظر: "تفسير الطبري" 9/ 159، و"نزهة القلوب" ص 445 - 446، و"تفسير السمرقندي" 1/ 579، و"تفسير المشكل" ص 88، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 283، والرازي 15/ 45، والقرطبي 7/ 313، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 418: (النتق الجذب بشدة وفسره بعضهم بغايته وهو القلع) اهـ.

وقال السمين في "الدر" 5/ 509 - 510: (اختلفت فيه عبارات أهل اللغة وكلها معان متقاربة) اهـ.

بتصرف.

وقال ابن عطية 6/ 130: (أي: اقتلعنا ورفعنا.

وقد جاء في القرآن بدل هذه اللفظة في هذه القصة بعينها ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ  ﴾ ) اهـ.

(١٤) ذكره الرازي 15/ 45، وذكره الثعبي 6/ 18 أ، والبغوي 3/ 297 عن عطاء فقط.

(١٥) انظر: "العين" 8/ 148، و"الجمهرة" 1/ 153، و"تهذيب اللغة" 3/ 2246، و"الصحاح" 5/ 1755، و"المجمل" 2/ 599، و"مقاييس اللغة" 3/ 461، و"المفردات" ص 535 (ظلل).

(١٦) في (ب): (ظلل وأظلال)، وفي "اللسان" 5/ 2755 (ظلل): (كل شيء أظلك فهو ظلَّة ويقال: ظلُّ وظلال وظلة وظلل، والظلُّ بالكسر جمعه أظلال وظلال وظلول) اهـ.

(١٧) في (ب): (فأما).

(١٨) انظر: السمرقندي 1/ 579، والثعلبي 6/ 18 أ، والماوردي 2/ 276، والبغوي 3/ 297، وابن الجوزي 3/ 283 ، والخازن 2/ 306، وذكره عن المفسرين الرازي 15/ 45.

(١٩) ذكره الماوردي 2/ 276، والرازي 15/ 45.

(٢٠) واختاره أيضًا الرازي 15/ 45، وقال ابن عطية 6/ 133، و"أبو حيان" 4/ 420: (قال المفسرون معناه: أيقنوا وليس كذلك بل هو غلبة ظن مع بقاء الرجاء) اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف؛ وهما بمعنى واحد، وإعراب الذين عطف على الذين يتقون، أو مبتدأ وخبره ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين ﴾ ، وأقام ذكر المصلحين مقام الضمير، لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ ﴾ أي اقتلعنا الجبل ورفعناه فوق بني إسرائيل وقلنا لهم: خذوا التوراة حين أبوا من أخذها، وقد تقدم في [البقرة: 93] تفسير الظلة وخذوا ما آتيناكم بقوة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.

﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.

زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.

الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.

﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.

والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.

ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.

الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟

وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.

وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.

وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.

وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.

قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول  من قبل الله  ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد  أول مناكيرهم.

وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟

وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.

والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.

ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.

ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.

والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.

وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله  به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.

قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله  لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.

والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.

والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.

وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.

عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.

هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.

وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟

فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.

والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.

والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.

بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.

وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.

وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.

وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.

ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.

ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله  أعلم بالسرائر.

النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".

فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد  ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.

وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.

وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله  ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.

أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً  فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.

وقيل: الاستخفاف والإهانة.

وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.

وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.

وإذ قد أخبر الله  بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.

قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.

النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.

وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.

﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.

ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.

فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.

قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.

قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.

وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.

وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.

أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.

ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.

ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.

فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.

ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟

﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.

﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.

ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.

النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.

والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.

وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.

روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.

وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.

فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا  ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.

التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.

وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.

أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله  الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.

وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله  بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ .

قيل: رفعنا الجبل؛ كقوله: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ  ﴾ .

وقيل: نتق: قطع.

وقال بعضهم: حرف أخذ من كتبهم فلا ندري كيف [كان].

وقيل: حركنا؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عبيد: كل شيء قلعته من موضعه فرميت به.

ذكر هذا - والله أعلم - ليصبر رسول الله  على سفه قومه؛ لأن قوم موسى مع كثرة ما عاينوا من الآيات التي جرت على يدي موسى، وعظيم ما كان لهم من موسى من النعم؛ من استنقاذه إياهم من استرقاق فرعون، وإخراجهم من يده، وفرق البحر لهم، ومجاوزته بهم، وتفجير الأنهار من الحجر، وإنزال المن والسلوى لهم؛ فجميع ما كان لهم من موسى ما ذكرنا لم يقبلوا التوراة ولم يقروا بها إلا بعد رفع الجبل عليهم والإرسال، فعند ذلك قبلوا؛ يصبر رسولنا؛ لئلا يضجر على مخالفة قومه إياه وكثرة سفههم.

ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من رفع الجبل فوقهم [وجهين]: أحدهما: [أنهم] لما عاينوا ذلك آمنوا [به] وقبلوا الكتاب، لكن ذلك منهم إيمان دفع؛ إذ ذلك قهر، ولا يكون في حال القهر إيمان.

والثاني: صيّر ذلك آية عظيمة وحجة واضحة معجزة، فقبلوها وحققوا الإيمان به، ثم تركوا ذلك، يدل على ذلك ما ذكر في سورة البقرة؛ حيث قال: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ  ﴾ .

وقيل: فخلف من بعد بني إسرائيل خلف السوء وهم اليهود.

﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ  ﴾ ، قيل: التوراة عن آبائهم وأوائلهم.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ قالوا: رشوة ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ وكانوا يرتشون ويقولون: يغفر لنا؛ لأنهم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ  ﴾ .

قيل: رشوة مثله أخذوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ ﴾ .

قالوا: لقد أخذ عليهم في التوراة ألا يستحلوا محرماً، ولا يقولوا على الله إلا الحق في التوراة ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ .

استحلال المحارم وأكلهم الحرام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ ﴾ .

قيل: بالتوراة ولا يحرفونه عن مواضعه، ولا يستحلون محرماً ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِين ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ .

أي: أيقنوا أنهم إن لم يقبلوا واقع بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

قوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ خُذُواْ ﴾ ، أي: اقبلوا ما فيه.

والثاني: اعملوا بما فيه.

وفيه دلالة كون القوة مع الفعل.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ ﴾ قيل: اعملوا بما فيه من الحلال والحرام، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ العقوبة والمعصية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -يا محمد- إذ اقتلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل لَمَّا امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فصار الجبل كأنه سحابة تظل رؤوسهم، وأيقنوا أنه ساقط عليهم، وقيل لهم: خذوا ما أعطيناكم بجد واجتهاد وعزيمة، وتذكروا ما فيه من الأحكام التي شرعها الله لكم ولا تنسوه؛ رجاء أن تتقوا الله إذا قمتم بذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.om3KJ"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله