الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٧٧ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 86 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ) يقول تعالى ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، أي : ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة ، فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه ، واتبع هواه ، صار شبيها بالكلب ، وبئس المثل مثله ; ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس لنا مثل السوء ، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " وقوله : ( وأنفسهم كانوا يظلمون ) أي : ما ظلمهم الله ، ولكن هم ظلموا أنفسهم ، بإعراضهم عن اتباع الهدى ، وطاعة المولى ، إلى الركون إلى دار البلى ، والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى .
القول في تأويل قوله : سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ساءَ مثلا القوم الذين كذبوا بحجج الله وأدلته فجحدوها, وأنفسَهم كانوا ينقصُون حظوظَها, ويبخسونها منافعها، بتكذيبهم بها لا غيرَها.
* * * وقيل: " ساء مثلا " من السوء، (149) بمعنى: بئس مثلا (150) =[مَثَل القوم] (151) = وأقيم " القوم " مقام " المثل ", وحذف " المثل ", إذ كان الكلام مفهومًا معناه, كما قال جل ثناؤه: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، [سورة البقرة: 177] فإن معناه: ولكن البرَّ، برُّ من آمن بالله =وقد بينا نظائر ذلك في مواضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته.
(152) ------------------- الهوامش : (149) في المطبوعة : (( من الشر )) ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، والصواب ما أثبت .
(150) الكلام .
انظر تفسير (( ساء )) فيما سلف 8 : 138 ، 358 / 9 : 101 ، 205 / 10 : 465 = والنحاة يعدون (( ساء )) فعلا جامدا يجرى مجرى (( نعم )) و (( بئس )) .
(151) ما بين القوسين زيادة لا يتم الكلام إلا بها ، ولكن الناسخ خلط في هذه الجملة خلطاً شديداً ، فحذف من قوله بعد : (( ولكن البر بر من آمن )) ، كلمة (( بر )) ، ففسد الكلام .
(152) انظر التعليق السالف رقم : 2 ، ثم 3 : 338 ، 339 / 10 : 313 ، وما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها ، في باب الحذوف .
ساء مثلا القوم يقال : ساء الشيء قبح ، فهو لازم ، وساء يسوء مساءة ، فهو متعد ، أي قبح مثلهم .
وتقديره : ساء مثلا مثل القوم ; فحذف المضاف ، ونصب مثلا على التمييز .
قال الأخفش : فجعل المثل القوم مجازا .
والقوم مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ .
التقدير : ساء المثل مثلا هو مثل القوم .
وقدره أبو علي : ساء مثلا مثل القوم .
وقرأ عاصم الجحدي والأعمش ( ساء مثل القوم ) رفع مثلا ب " ساء " .
سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ أي: ساء وقبح، مثل من كذب بآيات اللّه، وظلم نفسه بأنواع المعاصي، فإن مثلهم مثل السوء، وهذا الذي آتاه اللّه آياته، يحتمل أن المراد به شخص معين، قد كان منه ما ذكره اللّه، فقص اللّه قصته تنبيها للعباد.
ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنه شامل لكل من آتاه اللّه آياته فانسلخ منها.
وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من اللّه لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نـزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى، وإخلاد العبد إلى الشهوات، يكون سببا للخذلان.
ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا ) أي : بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وتقديره : ساء مثلا مثل القوم ، فحذف مثل وأقيم القوم مقامه فرفع ، ( وأنفسهم كانوا يظلمون )
«ساء» بئس «مثلا القوم» أي مثل القوم «الذين كذَّبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون» بالتكذيب.
قَبُحَ مثلا مثلُ القوم الذين كذَّبوا بحجج الله وأدلته، فجحدوها، وأنفسهم كانوا يظلمونها؛ بسبب تكذيبهم بهذه الحجج والأدلة.
وقوله : ( سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ) استئناف مسوق لبيان كمال قبحهم بعد البيان السابق .
و ( سَآءَ ) بمعنى بئس وفاعلها مضمر .
و ( مَثَلاً ) تمييز مفسر له ، والمخصوص بالذم قوله - تعالى - ( القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ) .أى : ساء مثلا مثل أولئك القوم الذين كذبوا بآياتنا حيث شبهوا بالكلاب إما فى استواء الحالتين فى النقصان وأنهم ضالون وعظوا أم لم يوعظوا ، وإما فى الخسة ، فإن الكلاب لاهمة لها إلا فى تحصيل أكلة أو شهوة ، فمن خرج عن خير الهدى والعلم وأقبل على هواه صار شبيها بالكلب ، وبئس المثل مثله ولهذا ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس لنا مثل السوء .
العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه " .وقوله ( وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ) معطوف على ( كَذَّبُواْ ) داخل معه فى حكم الصلة بمعنى أنهم جمعوا بين أمرين قبيحين : التكذيب وظلمهم أنفسهم أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم وحدها بارتكابهم تلك الموبقات والخطيئات .
فإن العقوبة لا تقع إلا عليهم لا على غيرهم .هذا ، والذى ذهب إليه المحققون من العلماء أن هذه الآيات الكريمة المثل فيها مضروب لكل إنسان أوتى علما ببعض آيات الله ، ولكنه لم يعمل بمقتضى علمه ، بل كفر بهم وبنذها وراء ظهره وصار هو والجاهل سواء .وقيل : إن الآيات الكريمة واردة فى شخص معين ، واختلفوا فى هذا المعين .فبعضهم قال إنها فى أمية بن أبى الصلت ، فإنه كان قد قرأ الكتيب ، وعلم أن الله مرسل رسولا وتمنى أن يكون هو هذا الرسول ، فلما أرسل الله - تعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم حسده ومات كافراً .وبعضهم قال : نزلت فى أبى عامر الراهب الذى سماه النبى صلى الله عليه وسلم : " الفاسق " كان يترهب فى الجاهلية فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام ، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق .وبعضهم قال : إنها فى منافقى أهل الكتاب ، كانوا يعرفون صفة النبى صلى الله عليه وسلم ومخرجه ، فلما بعثه الله - تعالى - كفروا به .وبعضهم قال : إنها نزلت لتحكى قصة رجل من علماء اليهود اسمه بلعم ابن باعوراء أوتى علم بعض كتب الله ثم انسلخ منها بأن كفر بها ونبذها بعد أن رشاه اليهود .والذى نراه أن الرأى الأول الذى عليه المحققون من المفسرين هو الراجح ، وأن هؤلاء الذين ذكروا يندرجون تحته ، لأنه لم يرد نص صحيح يعين اسم الذى وردت الآيات فى حقه ، فوجب أن نحملها على أنها واردة فى شأن كل من علم الحق فأعرض عنه واتبع هواه .
اعلم أنه تعالى لما قال بعد تمثيلهم بالكلب ﴿ ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ وزجر بذلك عن الكفر والتكذيب أكده في باب الزجر بقوله تعالى: ﴿ سَاء مَثَلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: ساء يسوء فعل لازم ومتعد يقال: ساءت الشيء يسوء فهو سيء إذا قبح وساءه يسوءه مساءة.
قال النحويون: تقديره ساء مثلاً، مثل القوم انتصب مثلاً على التمييز لأنك إذا قلت ساء جاز أن تذكر شيئاً آخر سوى مثلاً، فلما ذكرت نوعاً، فقد ميزته من سائرالأنواع وقولك القوم ارتفاعه من وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ ويكون قولك ساء مثلاً خبره والثاني: أنك لما قلت ساء مثلاً.
قيل لك: من هو؟
قلت القوم، فيكون رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقرأ الجحدري: ساء مثل القوم.
البحث الثاني: ظاهر قوله: ﴿ سَاء مَثَلاً ﴾ يقتضي كون ذلك المثل موصوفاً بالسوء، وذلك غير جائز، لأن هذا المثل ذكره الله تعالى، فكيف يكون موصوفاً بالسوء، وأيضاً فهو يفيد الزجر عن الكفر والدعوة إلى الإيمان، فكيف يكون موصوفاً بالسوء، فوجب أن يكون الموصوف بالسوء ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم عنها، حتى صاروا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلب اللاهث.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ فيدخل حينئذ في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وإما تقديم المفعول، فهو للاختصاص كأنه قيل وخصوا أنفسهم بالظلم وما تعدى أثر ذلك الظلم عنهم إلى غيرهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَاء مَثَلاً القوم ﴾ أي مثل القوم.
أو ساء أصحاب مثل القوم.
وقرأ الجحدري: ﴿ ساء مثل القوم ﴾ .
﴿ وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ إما أن يكون معطوفاً على كذبوا، فيدخل في حيز الصلة بمعنى: الذين جمعوا بين التكذيب، بآيات الله وظلم أنفسهم.
وإما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة، بمعنى: وما ظلموا إلاّ أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه قيل: وخصّوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّها إلى غيرها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ ﴾ إلى مَنازِلِ الأبْرارِ مِنَ العُلَماءِ.
﴿ بِها ﴾ بِسَبَبِ تِلْكَ الآياتِ ومُلازَمَتِها.
﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ مالَ إلى الدُّنْيا أوْ إلى السَّفالَةِ.
﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ في إيثارِ الدُّنْيا واسْتِرْضاءِ قَوْمِهِ وأعْرَضَ عَنْ مُقْتَضى الآياتِ، وإنَّما عَلَّقَ رَفْعَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَنْهُ بِفِعْلِ العَبْدِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَشِيئَةَ سَبَبٌ لِفِعْلِهِ المُوجِبِ لِرَفْعِهِ وأنَّ عَدَمَهُ دَلِيلُ عَدَمِها دَلالَةَ انْتِفاءِ المُسَبَّبِ عَلى انْتِفاءِ سَبَبِهِ، وأنَّ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ هو المَشِيئَةُ وأنَّ ما نُشاهِدُهُ مِنَ الأسْبابِ وسائِطُ مُعْتَبَرَةٌ في حُصُولِ المُسَبَّبِ مِن حَيْثُ أنَّ المَشِيئَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ كَذَلِكَ، وكانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ ولَكِنَّهُ أعْرَضَ عَنْها فَأوْقَعَ مَوْقِعَهُ ﴿ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ ، مُبالَغَةً وتَنْبِيهًا عَلى ما حَمَلَهُ عَلَيْهِ وأنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ.
﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ فَصِفَتُهُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الخِسَّةِ.
﴿ كَمَثَلِ الكَلْبِ ﴾ كَصِفَتِهِ في أخَسِّ أحْوالِهِ وهو ﴿ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ أيْ يَلْهَثُ دائِمًا سَواءً حُمِلَ عَلَيْهِ بِالزَّجْرِ والطَّرْدِ أوْ تُرِكَ ولَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ، بِخِلافِ سائِرِ الحَيَواناتِ لِضَعْفِ فُؤادِهِ.
واللَّهْثُ إدْلاعُ اللِّسانِ مِنَ التَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ والشَّرْطِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ والمَعْنى: لاهِثًا في الحالَتَيْنِ، والتَّمْثِيلُ واقِعٌ مَوْقِعَ لازِمِ التَّرْكِيبِ الَّذِي هو نَفْيُ الرَّفْعِ ووَضْعُ المُنْزِلَةِ لِلْمُبالَغَةِ والبَيانِ.
وقِيلَ لَمّا دَعا عَلى مُوسى خَرَجَ لِسانُهُ فَوَقَعَ عَلى صَدْرِهِ وجَعَلَ يَلْهَثُ كالكَلْبِ.
﴿ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ ﴾ القِصَّةَ المَذْكُورَةَ عَلى اليَهُودِ فَإنَّها نَحْوُ قِصَصِهِمْ.
﴿ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ تَفَكُّرًا يُؤَدِّي بِهِمْ إلى الِاتِّعاظِ.
﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ ﴾ أيْ مَثَلُ القَوْمِ، وقُرِئَ (ساءَ مَثَلُ القَوْمِ) عَلى حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ.
﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وعِلْمِهِمْ بِها.
﴿ وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا في الصِّلَةِ مَعْطُوفًا عَلى كَذَّبُوا بِمَعْنى: الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ تَكْذِيبِ الآياتِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُنْقَطِعًا عَنْها بِمَعْنى: وما ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ إلّا أنْفُسَهم فَإنَّ وبالَهُ لا يَتَخَطّاها، ولِذَلِكَ قَدَّمَ المَفْعُولَ.
<div class="verse-tafsir"
{ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا} أى مثل القوم فحذف المضاف وفاعل سَاء مضمر أي ساء المثل مثلاً وانتصاب مَثَلاً على التمييز {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} معطوف على كَذَّبُواْ فيدخل في حيز الصلة أي الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم أو منقطع عن الصلة أي وما ظلموا إلا انفسهم بالتكذيب وتقديم المفعول به للاختصاص تة زحصزت أنفسهم بالظلم لم يتعد إلى غيرها
﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ قُبْحِ المُكَذِّبِينَ بَعْدَ البَيانِ السّابِقِ، وساءَ بِمَعْنى بِئْسَ وفاعِلُها مُضْمَرٌ ومَثَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لَهُ، ويُسْتَغْنى بِتَذْكِيرِ التَّمْيِيزِ وجَمْعِهِ وغَيْرِهِما عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِالضَّمِيرِ، وأصْلُها التَّعَدِّي لِواحِدٍ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ وحَيْثُ وجَبَ صِدْقُ الفاعِلِ والتَّمْيِيزُ والمَخْصُوصُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ والمَثَلُ مُغايِرٌ لِلْقَوْمِ لَزِمَ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ مِنَ المَخْصُوصِ وهو الظّاهِرُ أوِ التَّمْيِيزُ أيْ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، أوْ ساءَ أهْلٌ مَثَلُ القَوْمِ.
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ قُرِئَ بِإضافَةِ (مَثَلُ) بِفَتْحَتَيْنِ و(مِثْلُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ لِلْقَوْمِ ورَفْعِهِ فَساءَ لِلتَّعَجُّبِ وتَقْدِيرُها عَلى فِعْلٍ بِالضَّمِّ كَ قَضَوَ الرَّجُلُ و(مَثَلُ القَوْمِ) فاعِلٌ، أيْ: ما أسْوَأهُمْ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ أوْ هي بِمَعْنى بِئْسَ (ومَثَلُ) فاعِلٌ، والمَوْصُولُ هو المَخْصُوصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: مَثَلُ الَّذِينَ إلَخْ.
وقَدَّرَ أبُو حَيّانَ في هَذِهِ القِراءَةِ تَمْيِيزًا، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التَّمْيِيزِ إذا كانَ الفاعِلُ ظاهِرًا حَتّى جَعَلُوا الجَمْعَ بَيْنَهُما ضَرُورَةً، وفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: المَنعُ مُطْلَقًا، والجَوازُ كَذَلِكَ، والتَّفْصِيلُ؛ فَإنْ كانَ مُغايِرًا جازَ نَحْوَ: نِعْمَ الرَّجُلُ شُجاعًا زَيْدٌ، وإلّا امْتَنَعَ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ المَخْصُوصَ مَحْذُوفًا وفي كَوْنِهِ ما هو خِلافٌ وإعادَةُ القَوْمِ مَوْصُوفًا بِالمَوْصُولِ مَعَ كِفايَةِ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُهم لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ السُّوءِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولِيَرْبُطَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ بِهِ فَإنَّهُ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ بِمَعْنى جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ قَبِيحَيْنِ التَّكْذِيبِ وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم خاصَّةً أوْ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ بِمَعْنى: وما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم فَإنَّ وبالَها لا يَتَخَطّاها، وأيًّا ما كانَ فَفي ذَلِكَ لَمْحٌ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم بِالآياتِ مُتَضَمِّنٌ لِلظُّلْمِ بِها، وأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مُعْتَبَرٌ في القَصْرِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّقْدِيمِ، وصَرَّحَ الطِّيبِيُّ والقُطْبُ وغَيْرُهُما أنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ تَذْيِيلٌ وتَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِلْإشارَةِ إلى التَّخْصِيصِ وأنَّ سَبَبَ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم هو التَّكْذِيبُ، وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى، هَذا ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الآياتِ مِمّا تَرْمِي عُلَماءَ السُّوءِ بِثالِثَةِ الأثافِي، وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ ثَراهُ أنَّ مَن تَفَكَّرَ في هَذا المَثَلِ وسائِرِ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ في التَّنْزِيلِ في حَقِّ المُشْرِكِينَ والأصْنامِ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ والذُّبابِ تَحَقَّقَ لَهُ أنَّ عُلَماءَ السُّوءِ أسْوَأُ وأقْبَحُ مِن ذَلِكَ، فَما أنْعاهُ مِن مَثَلٍ عَلَيْهِمْ وما هم فِيهِ مِنَ التَّهالُكِ في الدُّنْيا مالِها وجاهِها والرُّكُونِ إلى لَذّاتِها وشَهَواتِها مِن مُتابَعَةِ النَّفْسِ الأمّارَةِ وإرْخاءِ زِمامِها في مَرامِها عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ.
ونُقِلَ عَنْ مَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ شِهابِ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيِّ أنَّهُ كَتَبَ إلى الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ تَغَمَّدَهُما اللَّهُ تَعالى بِرِضْوانِهِ مِن تَعَيُّنٍ في الزَّمانِ لِنَشْرِ العِلْمِ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي لِلْمُتَيَقِّظِينَ الحُذّاقِ مِن أرْبابِ الدِّياناتِ أنْ يَمُدُّوهُ بِالدُّعاءِ الصّالِحِ لِيُصَفِّيَ اللَّهُ تَعالى مَوْرِدَ عِلْمِهِ بِحَقائِقِ التَّقْوى ومَصْدَرَهُ مِن شَوائِبِ الهَوى إذْ قَطْرَةٌ مِنَ الهَوى تُكَدِّرُ بَحْرًا مِنَ العِلْمِ ونَوازِعِ الهَوى المَرْكُوزِ في النُّفُوسِ المُسْتَصْحِبَةِ إيّاهُ مِن مَحْتِدِها مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إذا شابَتِ العِلْمَ حَطَّتْهُ مِن أوْجُهٍ، وإذا صَفَتْ مَصادِرُ العِلْمِ ومَوارِدُهُ مِنَ الهَوى أمَدَّتْهُ كَلِماتُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي يَنْفَدُ البَحْرُ دُونَ نَفادِها، ويَبْقى العِلْمُ عَلى كَمالِ قُوَّتِهِ، وهَذِهِ رُتْبَةُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ لا المُتَرَسِّمِينَ بِهِ، وهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَرَّ عَمَلُهم عَلى عِلْمِهِمْ وتَناوَبَ العِلْمُ والعَمَلُ فِيهِمْ حَتّى صَفَتْ أعْمالُهم ولَطَفَتْ وصارَتْ مُسامَراتٍ سِرِّيَّةً ومُحاوَراتٍ رُوحِيَّةً وتَشَكَّلَتِ الأعْمالُ بِالعُلُومِ لِمَكانِ لَطافَتِها وتَشَكَّلَتِ العُلُومُ بِالأعْمالِ لِقُوَّةِ فِعْلِها وسَرايَتِها إلى الِاسْتِعْداداتِ، وفي اتِّباعِ الهَوى إخْلادٌ إلى الأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿ ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ فَتَطْهِيرُ نُورِ الفِكْرَةِ عَنْ رَذائِلِ التَّخَيُّلاتِ والِارْتِهانِ بِالمَوْهُوماتِ الَّتِي أوْرَثَتِ العُقُولَ الصِّغارَ والمُداهَنَةُ لِلنُّفُوسِ القاصِرَةِ هو مِن شَأْنِ البالِغِينَ مِنَ الرِّجالِ فَتَصْحَبُ نُفُوسُهُمُ الطّاهِرَةُ المَلَأ الأعْلى فَتَسْرَحُ في مَيادِينِ القُدُسِ، فالنَّزاهَةُ مِن مِحْنَةِ حُطامِ الدُّنْيا والفِرارُ مِنَ اسْتِحْلاءِ نَظَرِ الخَلْقِ وعَقائِدِهِمْ فَتِلْكَ مُصارِعُ الأدْوانِ، وطالِبُ الرَّفِيقِ الأعْلى مُكَلَّمٌ مُحَدَّثٌ، والتَّعْرِيفاتُ الإلَهِيَّةُ وارِدَةٌ عَلَيْهِ لِمَكانِ عِلْمِهِ بِصُورَةِ الِابْتِلاءِ واسْتِئْصالِهِ شَأْفَةَ الِابْتِلاءِ بِصِدْقِ الِالتِجاءِ وكَثْرَةِ وُلُوجِهِ في حَرِيمِ القُرْبِ الإلَهِيِّ وانْغِماسِهِ مَعَ الأنْفاسِ في بِحارِ عَيْنِ اليَقِينِ وغَسْلِهِ نَفْثَ دَلائِلِ البُرْهانِ بِنُورِ العِيانِ فالبُرْهانُ لِلْأفْكارِ لا لِلْأسْرارِ إلى آخِرِ ما قالَ، ويا لَها مِن مَوْعِظَةِ حَكِيمٍ ونَصِيحَةِ حَمِيمٍ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهْدِيَنا لِما أشارَتْ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أَيُّ إِن لَّمْ يرجعوا بذكر الميثاق، ولم يتوبوا، ولم يتعظوا، فاتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ أي خبر الذي أعطيناه آياتِنا يعني: أكرمناه باسم الله الأعظم.
ويقال: آتَيْناهُ آياتِنا يعني: الكتاب وهي علم التوراة وغيره فَانْسَلَخَ مِنْها يعني: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها.
ويقال: تهاون بها ولم يعرف حقها، ولا حرمتها، وخرج منها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ يقول: غرّه الشيطان فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ أي فصار من الظالمين وفي الضالين.
قال بعضهم: هو بلعم بن باعوراء كان عابداً من عباد بني إسرائيل، وكان مستجاب الدعوة، فنزع الله تعالى الإيمان عنه بدعاء موسى ، وذلك أن موسى قاتل فرعوناً من الفراعنة فجمع ذلك الفرعون الكهنة والسحرة، فقال لهم: أعينوني على هؤلاء- يعني: قوم موسى- فقالوا: لن تستطيعهم، ولكن بجوارك رجل منهم فلو بعثت إليه واستعنت به، فبعث الملك إلى بلعم فلم يجبه، فبعث الملك إلى امرأة بلعم الهدايا وطلب منها بأن تأمره بأن يجيب الملك، فجاءته امرأته وقالت: نحن في جوار هذا الملك فلا بد لك من إجابته.
فأجابهم إلى ذلك، وركب أتاناً له، وخرج إليهم فسار حتى إذا كان في بعض الطريق وقفت أتانه فضربها، فلما ألح عليها كلّمته الأتان وقالت: انظر إلى ما بين يديك فنظر فإذا هو جبريل قال له: خرجت مخرجاً ما كان ينبغي لك أن تخرج.
فإذا خرجت فقل حقاً قال: فلما قدم عليه أمر له بالذهب والفضة والخدم والفرش فقبل.
فقال له: قد دعوتك لتدعو لي على هذا العسكر دعوة.
قال: غداً.
فلما تلاقى القوم قال بلعم: إن بني إسرائيل أمة موسى ملعون من لعنهم ومبارك من بارك عليهم.
فقالوا له: ما زدتنا إلا خبالاً.
قال بلعم: ما استطعت غير ما رأيت.
ولكني أدلك على أمر إن فعلته فوقعوا به خُذِلوا ونصرت عليهم، تعمد إلى نساء حسان فتجعل عليهم الحلي والثياب والعطر ثم ترسلهن في عسكرهم.
فإن وقعوا بهن خذلوا.
ففعل ذلك فما تعرض لهن منهم إلا سفهاؤهم فخذلوا.
فأخبر بذلك موسى فدعا عليه فنزع الله منه الإيمان.
وقال بعضهم: إنما هو أمية بن أبي الصلت قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان وكان يخبر أن نبينا يبعث وكان قد أظل زمانه.
وكان يرى أن الوحي ينزل عليه لكثرة علمه.
فلما سمع بخروج النبيّ وقصته كفر حسداً له.
وكان النبيّ إذا سمع شعره قال: «آمن لسانه وكفر قلبه» فذلك قوله: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ.
ثم قال: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها يعني: بالآيات ويقال: رفعناه في الآخرة بما علمناه من آياتنا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يعني: أمية بن أبي الصلت أو بلعم بن باعوراء مال إلى الدنيا ورضي بها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي هوى نفسه ويقال: عمل بهوى المرأة وترك رضى الله ويقال: أخذ مسافل الأمور وترك معاليها فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يقول: مثل بلعم كمثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ يقول: إن طردته فهو يلهث أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ يعني: وإن تركته فهو يلهث.
قال القتبي: كل شيء يلهث من إعياء أو عطش ما خلا الكلب.
فإنه يلهث في حال الراحة والصحة والمرض.
فضرب الله تعالى به مثلاً يعني: كما أن الكلب إن طردته أو تركته يلهث فكذلك بلعم أو أمية بن أبي الصلت إن وعظته لم يتعظ وإن تركته لم يفعل.
وقال مجاهد: يعني الكفار إن قرئ عليهم الكتاب لم يقبلوا، وإن لم يقرأ عليهم لم يعملوا هم أهل مكة.
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: ذلك صفة الذين جحدوا نبوة النبيّ والقرآن فَاقْصُصِ الْقَصَصَ أي اقرأ عليهم القرآن لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي: لكي يتعظوا بأمثال القرآن ويؤمنوا به.
قوله تعالى: ساءَ مَثَلًا يعني: بئس مثل الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بئس مثل من كان مثل الكلب، وإنما ضرب المثل بالكلب تقبيحاً لمذهبهم.
ويقال: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وكانت صفتهم مثل صفة بلعم وهم أهل مكة كذبوا بآياتنا، فلم يؤمنوا بها مثل بلعم وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ يعني: يضرون بأنفسهم ثم قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي يعني: من يهده الله لدينه فهو المهتدي من الضلالة وَمَنْ يُضْلِلْ يعني: ومن يضله عن دينه ويخذله فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ بالعقوبة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَقُولاً كَنَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَأَنْ لاَ إله غَيْرُهُ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، والتزموه وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهْ سَيَبْعَثُ الرُّسْلَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعيةً، فشهد بعضُهم على بعض، وشهد اللَّه عليهم وملائكته» «١» قال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: من مات صَغيراً، فهو على العَهْدِ الأول، ومَنْ بَلَغَ، فقد أخذه العهدُ الثَّاني، يعني الذِي في هذه الحياة المعقولة الآنَ.
وقوله/ شَهِدْنا يحتملُ أن يكون مِنْ قَوْلَ بَعْضِ النَّسمِ لبعضٍ، فلا يَحْسِنُ الوقْفُ على قوله: بَلى، ويحتمل أن يكون قوله: شَهِدْنا من قول الملائكة، فيحسن الوقْفُ على قوله: بَلى.
قال السديُّ: المعنى: قال اللَّه وملائكته «٢» : شَهِدْنَا ورواه عبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله سبحانه: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ...
الآية: المعنى:
لِئَلاَّ تقولُوا، أَوْ مخافَةَ أنْ تقولوا، والمعنى في هذه الآية: أنَّ الكَفَرَة لو لم يؤخذ عليهم عَهْدٌ، ولا جاءَهُمْ رسولٌ مذكِّر بما تضمَّنه العَهْد من توحيد اللَّه وعبادته، لكانَتْ لهم حُجَّتَان:
إحداهما: أنّ يقُولُوا كُنَّا عن هذا غافلين.
والأخرى: كنا تباعاً لأسلافنا، فكَيْفَ نَهْلِكُ، والذنْبُ إنما هو لِمَنْ طَرَّق لنا وأضلَّنا، فوقَعَ شهادَةُ بعضهم على بعضُ، وشهادةُ الملائكة عليهم، لتنقطع لهم هذه الحجة.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
وقوله سبحانه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا.
قال ابن عباس: هو رجُلٌ من الكَنْعَانِيِّينَ الجَبَّارِين، اسمه بَلْعَمُ بْنُ باعُوراء «١» ، وقيل:
بَلْعَامُ بْنُ باعِر.
وقيل: غير هذا، وكان في جملة الجَبَّارِين الذي غَزَاهُمْ موسى عليه السلام، فَلَما قَرُبَ منهم موسى، لجؤوا إِلى بَلْعَام، وكانَ صالِحاً مستجابَ الدَّعْوة، وقيل: كان عنْدَهُ علْم مِنْ صُحُف إِبراهيم ونحوها.
وقيل: كان يعلم اسم اللَّه الأَعظمَ، قاله ابنُ عبَّاس «٢» أيضاً، وهذا الخلافُ هو في المراد بقوله: آتَيْناهُ آياتِنا، فقال له قومُه: ادع اللَّه على موسى وعَسْكَره، فقالَ لَهُمْ:
وَكَيْفَ أدعو عَلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فما زالوا به حتى فَتَنُوهُ، فخَرَجَ حتى أشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ يرى منه عَسْكَرَ موسى، وكان قد قال لِقَوْمِهِ: لا أفعَلُ حتى أستأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ، فنُهِيَ عن ذلك، فقال لهم: قد نُهِيتُ، فما زالوا به حتَّى قال: سأَسْتَأْمِرُ ثانيةً، ففعل، فسكَتَ عنه، فأخبرهم، فقالوا له: إِن اللَّه لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إِلا وقدْ أَراد ذلك، فخَرَجَ، فلما أشْرَفَ على العَسْكَر، جَعَلَ يدْعُو على موسَى، فتحوَّل لسانُهُ بالدعاءِ لموسى، والدعاءِ على قومه، فقالوا له: ما تقولُ؟
فقال: إِني لا أمْلِكُ هذا، وعَلِمَ أنه قد أخطأ، فَرُوِيَ أنه قد خرج لِسَانُه على صدره، فقال لقومه: إِني قَدْ هَلَكْتُ، ولكِنْ لَمْ يَبْقَ لكم إِلا الحِيلَة، فأخرجوا النِّسَاء على عَسْكَرِ موسى عَلَى جهة التَّجْرِ وغيره، ومُرُوهُنَّ أَلا تَمْتَنِع امرأة مِنْ رجل، فإِنهم إِذا زَنَوْا هلَكُوا، ففعلُوا، فخرج النِّسَاء، فزنى بهِنَّ رجالٌ [مَنْ] بني إِسرائيل، وجاء فِنْحَاصُ بْنُ العِيزَارِ بْنِ هَارُونَ، فانتظم بُرمْحه امرأة ورجُلاً من بني إِسرائيل، ورفعهما على الرَمْحِ، فوقع في بني إِسرائيل الطاعونُ، فمات منهم في ساعةٍ [واحدةٍ] سبْعُونَ ألْفاً، ثم ذَكَرَ المعتمِرُ عن أبيه: أنَّ موسى عليه السلام قَتَلَ بعد ذلك الرَّجُلَ المُنْسَلِخَ مِنْ آيات اللَّه.
قال المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنه دعا على مُوَسَى أَلاَّ يَدْخُلَ مدينةَ الجَبَّارين فأجيب، ودعا عليه موسى أَنْ ينسى اسم اللَّهِ الأعْظَمَ فأجيبَ، وفي هذه القصَّة رواياتٌ كثيرةً تحتاجُ إِلى صحّة إسناد، وفَانْسَلَخَ: عبارةٌ عن البراءةِ منها، والإنفصال والْبُعْدِ، كالمُنْسَلِخ من الثياب والجلد، وفَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ، أيْ: صيَّره تابِعاً كذا قال الطبريُّ: إما لضلالة رسمها له، وإما لنفسه، ومِنَ الْغاوِينَ، أي: مِنَ الضالين، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، قال ابن
عباس وجماعة: معنى «لرفعناه» لشرَّفنا/ ذكْرَه، ورفَعْنَا منزلته لدينا بهذه الآيات «١» الَّتي آتيناه، ولكنه أخلد إِلى الأرْضِ، أي: تقاعَسَ إلى الحضيض الأسفَلِ الأخسِّ من شهوات الدنيا ولذَّاتها وذلك أنَّ الأرض وما ارتكن فيها: هي الدنيا وكلُّ ما عليها فانٍ، ومَنْ أخلد إِلى الفاني، فقد حرم حظَّ الآخرة الباقية.
ت: قال الهَرَوِيُّ: قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: معناه: سكَنَ إِلى لَذَّاتها، واتبع هواه، يقال: أخلد إِلى كَذَا، أي: رَكَنَ إِليه واطمأَنَّ به.
انتهى.
قال عَبْدُ الحَقِّ الإِشْبِيليُّ رحمه اللَّه في «العاقبة» : واعلم رحمك اللَّه أَنَّ لسوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منْها أسباباً، ولها طرقٌ وأبوابٌ، أعظمها: الإِكبابُ على الدنيا، والإِعراضُ عن الآخرة، وقد سَمِعْتَ بقصَّة بَلْعَام بْنِ بَاعُورَاءَ، وما كان آتاه اللَّه تعالى من آياته وأطلعه عليه من بيِّناته وما أراه من عجائب مَلَكُوته، أخْلَدَ إِلى الأرض، واتبع هواه فسَلَبَه اللَّه سبحانه جَمِيعَ ما كان أَعطاه وتَرَكَه مع مَنِ استماله وأغواه.
انتهى.
وقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، شُبِّه به في أنه كان ضالاًّ قبل أن يُؤتى الآياتِ، ثم أُوتِيَها، فكان أيضاً ضالاًّ لَم تنفَعْه، فهو كالكَلْب في أنَّه لا يفارِقُ اللَّهَثَ في كلِّ حال هذا قول الجمهور.
وقال السدِّيُّ وغيره: إِنَّ هذا الرجل عُوقِبَ في الدنيا، فإِنه كان يَلْهَثُ كما يَلْهَثُ الكَلْبُ، فشُبِّه به صورةً «٢» وهيئةً، وذكر الطبريُّ، عن ابن عباس أنَّ معنى: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ: إنْ تَطْرَدهُ «٣» .
وقوله: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، أي: هذا المَثَلُ، يا محمد، مثَلُ هؤلاء الذين كانوا ضالِّين قَبْلَ أن تأتيهم بالهدى والرِّسالة، ثم جئتهم بها، فَبَقُوا على ضلالتهم، ولم ينتفِعُوا بذلك، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الكَلْبِ.
وقوله: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ، أي: اسرد عليهم ما يعلمون أنَّه من الغيوب الَّتي لا يعلمها إِلا أهْل الكتب الماضية ولَسْتَ منهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ذلك فيؤمنوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ: إذا قَبُحَ، والمَعْنى: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، فَحَذَفَ المُضافَ، فَنَصَبَ "مَثَلًا" عَلى التَّمْيِيزِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ أيْ: يَضُرُّونَ بِالمَعْصِيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: "رُفِعَ الظالِمُ" إذا هَلَكَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ فَهي عِبارَةٌ عن إمْهالِهِ وإمْلاءِ اللهِ لَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: "لَرَفَعْناهُ" مَعْناهُ: لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عنها، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى الآياتِ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مَعَهُ: "لَرَفَعْناهُ" أيْ: لَشَرَّفْنا ذِكْرَهُ ورَفَعْنا مَنزِلَتَهُ لَدَيْنا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، ﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ ذُكَرَ فِيهِ السَبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ هَذا.
و"أخْلَدَ" مَعْناهُ: لازَمَ وتَقاعَسَ وثَبَتَ، والمُخْلِدُ: الَّذِي يَثْبُتُ شَبابُهُ فَلا يَغْشاهُ الشَيْبُ، ومِنهُ الخُلْدُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لِمَنِ الدِيارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ ∗∗∗ كالوَحْيِ في حَجْرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ وقَوْلُهُ: ﴿ إلى الأرْضِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلى شَهَواتِها ولَذّاتِها وما فِيها مِنَ المَلاذِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العِبارَةَ عَنِ الأسْفَلِ والأخَسِّ، كَمّا يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى المَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ وما ارْتَكَزَ فِيها هي الدُنْيا، وكُلُّ ما عَلَيْها فانٍ، مَن أخْلَدَ إلَيْهِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّ الآخِرَةِ الباقِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ ﴾ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ عُوقِبَ في الدُنْيا بِأنَّهُ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ فَشُبِّهَ بِهِ صُورَةً وهَيْئَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ بِهِ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها فَكانَ أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ الآياتُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ وتَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وتَحْرِيرُ المَعْنى: فالشَيْءُ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ مِن حالِهِ هو كالَّذِي تَتَصَوَّرُ مِن حالِ الكَلْبِ، وبِهَذا التَقْدِيرِ يَحْسُنُ دُخُولُ "الكافِ" عَلى "مَثَلٍ"، واللهْثُ: تَنَفُّسٌ بِسُرْعَةٍ وتَحَرُّكُ أعْضاءِ الفَمِ مَعَهُ، وامْتِدادُ اللِسانِ، وأكْثَرُ ما يَعْتَرِي ذَلِكَ مَعَ الحَرِّ والتَعَبِ، وهو في الفَرَسِ: ضَبْحٌ، وخِلْقَةُ الكَلْبِ أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْنى: ﴿ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ أيْ تَطْرُدُهُ، وحَكاهُ عن مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ داخِلٌ في جُمْلَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ.
فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاقْصُصِ القَصَصَ ﴾ أيِ:اسْرُدْ عَلَيْهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا أهْلُ الكُتُبِ الماضِيَةِ ولَسْتَ مِنهم ﴿ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ ، قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَ "بِئْسَ" و"نِعْمَ" إنَّما يَتَفَسَّرُ مِن نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ولَمّا انْحَذَفَ "مَثَلُ" أُقِيمَ "القَوْمُ" مَقامَهُ، والرَفْعُ في ذَلِكَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "ساءَ مَثَلُ القَوْمِ"، ورَفْعُ "مَثَلٍ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِـ "ساءَ"، ولا تَجْرِي "ساءَ" مَجْرى "بِئْسَ" إلّا إذا كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مِثْلُ" بِكَسْرِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مَثَلُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خِلافُ ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ، فَإنَّهُ قالَ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "ساءَ مَثَلُ" بِالرَفْعِ.
وخُتِمَتْ هَذِهِ الآياتُ -الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَلالَ أقْوامٍ والقَوْلَ فِيهِ- بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، الهِدايَةُ مِنهُ وبِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وكَذَلِكَ الإضْلالُ، وفي الآيَةِ تَعَجُّبٌ مِن حالِ المَذْكُورِينَ، ومَن أضَلَّ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالخُسْرانِ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ ابْنِ آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ لِسُكْنى جَهَنَّمَ والِاحْتِراقِ فِيها كَثِيرًا، وفي ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ.
و"ذَرَأ" مَعْناهُ: خَلَقَ وأوجَدَ مَعَ بَثٍّ ونَشْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِجَهَنَّمَ" هي لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لِيَكُونَ أمْرُهم ومَآلُهم لِجَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وهَذِهِ اللامُ مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: يا أمَّ فَرْوَ كُفِّي اللَوْمَ واعْتَرِفِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ والِدَةٍ لِلْمُنْتَأى تَلِدُ وَأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم جَهَنَّمَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "أولادُ الزِنى مِمّا ذَرَأ اللهُ لِجَهَنَّمَ"، ثُمَّ أسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرًا" وإنْ كانَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ الكَفّارَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو ناظِرٌ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ : « "قالَ اللهُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةً"».
<div class="verse-tafsir"
جملة مستأنفة لأنها جعلت إنشاء ذَم لهم، بأن كانوا في حالة شنيعة وظلموا أنفسهم.
والظلم هنا على حقيقته فإنهم ظلموا أنفسهم بما أحلّوه بها من الكفر الذي جعلهم مذمومين في الدنيا ومعذبين في الآخرة.
وتقديم المفعول للاختصاص، أي ما ظلموا إلا أنفسهم، وشأن العاقل أن لا يؤذي نفسه، وفيه إزالة تبجحهم بأنهم لم يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم ظناً منهم أن ذلك يغيظه ويغيظ المسلمين، وإنما يضُرون أنفسهم.
وجملة: ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على الصلة باعتبار أنهم معروفون بمضمون هذه الجملة عند النبي والمسلمين، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿ ساء مثلاً القوم ﴾ فتكون تذييلاً للجملة التي قبلها إخباراً عنهم بأنهم في تكذيبهم، وإنتفاء من القصص ما ظلموا إلا أنفسهم.
وقوله: ﴿ كانوا يظلمون ﴾ أقوى في إفادة وصفهم بالظلم من أن يقال: وظلموا أنفسهم، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وليكون من الموقنين ﴾ في سورة الأنعام (75).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِلْعامُ بْنُ عَوْراءَ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ كانَ مِنَ اليَمَنِ، وقِيلَ كانَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، وقِيلَ مِن بَنِي صالَ بْنِ لُوطٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ونافَقَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفي الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ الَّذِي تُجابُ بِهِ الدَّعَواتُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها كِتابٌ مِن كُتُبِ اللَّهِ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ فَفَعَلَ وتَرَكَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ اللَّهَ لا يَصْطَفِي لِنُبُوَّتِهِ إلّا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ طاعَتِهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فانْسَلَخَ مِنها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فانْسَلَخَ مِنَ العِلْمِ بِها لِأنَّهُ سَيَسْلُبُ ما أُوتِيَ مِنها بِالمَعْصِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ انْسَلَخَ مِنها أيْ مِنَ الطّاعَةِ بِالمَعْصِيَةِ مَعَ بَقاءِ عِلْمِهِ بِالآياتِ حَتّى حُكِيَ أنَّ بِلْعامَ رُيِثِي عَلى أنْ يَدْعُوَ عَلى قَوْمِ مُوسى بِالهَلاكِ فَسَها فَدَعا عَلى قَوْمِهِ فَهَلَكُوا.
﴿ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ صَيَّرَهُ لِنَفْسِهِ تابِعًا بِإجابَتِهِ لَهُ حِينَ أغْواهُ.
والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ مُتَّبَعٌ مِنَ الإنْسِ عَلى ضَلالَتِهِ مِنَ الكُفْرِ.
والثّالِثُ: أنَّ الشَّيْطانَ لَحِقَهُ فَأغْواهُ، يُقالُ اتَّبَعْتُ القَوْمَ إذا لَحِقْتُهم، وتَبِعْتُهم إذا سِرْتُ خَلْفَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الهالِكِينَ.
الثّانِي: مِنَ الضّالِّينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَأمَتْناهُ فَلَمْ يَكْفُرْ.
والثّانِي: لَحُلْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ فَيَصِيرُ إلى المَنزِلَةِ المَرْفُوعَةِ مَعْصُومًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ أيْ رَكَنَ إلَيْها.
وَفي رُكُونِهِ إلَيْها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَكَنَ إلى أهْلِها في اسْتِنْزالِهِمْ لَهُ ومُخادَعَتِهِمْ إيّاهُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَكَنَ إلى شَهَواتِ الأرْضِ فَشَغَلَتْهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلَهُ بِالكَلْبِ ﴿ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ وفي تَشْبِيهِهِ بِالكَلْبِ اللّاهِثِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِدَناءَتِهِ ومَهانَتِهِ.
الثّانِي: لِأنَّ لَهْثَ الكَلْبِ لَيْسَ بِنافِعٍ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن أبر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: هو بلعم بن باعوراء.
وفي لفظ: بلعام بن عامر الذي أوتي الاسم كان في بني إسرائيل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا...
﴾ الآية.
قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعم، تعلم اسم الله الأكبر، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل جديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه.
قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخ مما كان فيه.
وفي قوله: ﴿ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ قال: إن حمل الحكمة لم يحملها وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضاً لهث وإن طرد لهث.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه...
﴾ الآية.
قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكان له امرأة له منها ولد فقالت: اجعل لي منها واحدة.
قال: فلك واحدة، فما الذي تريدين؟
قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.
فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة، فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو رجل يدعى بلعم من أهل اليمن، آتاه الله آياته فتركها.
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمر ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي.
وفي لفظ: نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: قدمت الفارغة أخت أمية بن أبي الصلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، فقال لها «هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً؟
قالت: نعم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال: قال أمية بن أبي الصلت: ألا رسول لنا منا يخبرنا ** ما بعد غايتنا من رأس نجرانا قال: ثم خرج أمية إلى البحرين، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أمية بالبحرين ثماني سنين، ثم قدم فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام، وقرأ عليه بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ [ يس: 1- 2] حتى فرغ منها وثب أمية يجر رجليه، فتبعته قريش تقول: ما تقول يا أمية؟
قال: أشهد أنه على الحق.
قالوا: فهل تتبعه؟
قال: حتى أنظر في أمره.
ثم خرج أمية إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم، فلما أخبر بقتلى بدر ترك الإِسلام ورجع إلى الطائف.
فمات بها، قال: ففيه أنزل الله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن نافع بن عاصم بن عروة ابن مسعود قال: إني لفي حلقة فيها عبد الله بن عمر، فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ فقال: أتدرون من هو؟
فقال بعضهم: هو صيفي بن الراهب.
وقال بعضهم: هو بلعم رجل من بني إسرائيل.
فقال: لا.
فقالوا: من هو؟
قال: أمية بن أبي الصلت.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الشعبي في هذه الآية ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: قال ابن عباس: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعورا، وكانت الأنصار تقول: هو ابن الراهب الذي بنى له مسجد الشقاق، وكانت ثقيف تقول: هو أمية بن أبي الصلت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو صيفي بن الراهب.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: هو نبي في بني إسرائيل يعني بلعم، أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل وتركهم على ما هم عليه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانسلخ منها ﴾ قال: نزع منه العلم.
وفي قوله: ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ قال: رفعه الله بعلمه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار قال: بعث نبي الله موسى بلعام بن باعورا إلى ملك مدين يدعوهم إلى الله، وكان مجاب الدعوة وكان من علماء بني إسرائيل، فكان موسى يقدمه في الشدائد فاقطعه وأرضاه فترك دين موسى وتبع دينه، فأنزل الله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ قال: كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله وتركه ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ قال: لو شئنا لرفعناه بإيتائه الهدى فلم يكن للشيطان عليه سبيل، ولكن الله يبتلي من يشاء من عباده ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ﴾ قال: أبى أن يصحب الهدى ﴿ فمثله كمثل الكلب...
﴾ الآية.
قال: هذا مثل الكافر ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: أناس من اليهود والنصارى والحنفاء ممن أعطاهم الله من آياته وكتابه ﴿ فانسلخ منها ﴾ فجعله مثل الكلب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ قال: لدفعنا عنه بها ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ قال: سكن ﴿ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ إن تطرده بدابتك ورجليك وهو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ قال: ركن نزع.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن تحمل عليه ﴾ قال: أن تسع عليه.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن تحمل عليه يلهث ﴾ قال: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع كان ضالاً قبل وبعد.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن المعتمر قال: سئل أبو المعتمر عن هذه الآية ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ فحدث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام، وكان قد أوتي النبوّة، وكان مجاب الدعوة، ثم أن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام فرعب الناس منه رعباً شديداً، فأتوا بلعام فقالوا: ادع الله على هذا الرجل قال: حتى أؤامر ربي؟
فوامر في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم فإن فيهم عبادي وفيهم نبيهم، فقال لقومه: قد وأمرت في الدعاء عليهم وإني قد نهيت.
قال: فاهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادع الله عليهم.
فقال: حتى أوامر، فوامر فلم يحار إليه شيء.
فقال: قد وأمرت فلم يحار إلى شيء.
فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك الأولى، فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا جرى على لسانه الدعاء على قومه، فإذا أرسل أن يفتح على قومه جرى على لسانه أن يفتح على موسى وجيشه، فقالوا: ما نراك إلا تدعو علينا...
!
قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليهم ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم، إن الله يبغض الزنا وإن هم وقعوا بالزنا هلكوا فاخرِجُوا النساء فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فأخْرَجُوا النساء تستقبلهم فوقعوا بالزنا، فسلط الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: كان اسمه بلعم، وكان يحسن اسماً من أسماء الله، فغزاهم موسى في سبعين ألفاً، فجاءه قومه فقالوا: ادع الله عليهم- وكانوا إذا غزاهم أحد أتوه فدعا عليهم فهلكوا- وكان لا يدعو حتى ينام فينظر ما يؤمر به في منامه، فنام فقيل له: ادع الله لهم ولا تدع عليهم، فاستقيظ فأبى أن يدعو عليهم فقال لهم: زينوا لهم النساء فإنهم إذا رأوهن لم يصبروا حتى يصيبوا من الذنوب فتدالوا عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ ﴾ الآية.
قال الليث: (ساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وهاءه يسوءه مساءة، ويقال: ساء ما فعل صنيعًا، [أي: قبُح صنيعه صنيعًا، ومن هذا الباب قوله: ﴿ سَاءَ مَثَلاً ﴾ ] (١) (٢) قال ابن عباس (٣) ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ .
فأما: تقدير الآية في الإعراب، فأكثر النحويين (٤) (٥) (٦) ﴿ مَثَلًا ﴾ على التمييز، و ﴿ سَاءَ ﴾ هاهنا بمنزلة (بئس)، ألا ترى أن ابن عباس فسره به، ولو قلت: (بئس) رجلاً زيد، نصبت رجلاً على التشبيه بالمفعول، وهو بمعنى التمييز؛ لأنك إذا قلت: (بئس) جاز أن تذكر شيئًا آخر سوى مثلاً، ورجلًا (٧) (٨) ﴿ الْقَوْمُ ﴾ لأنه أقيم مقام المضاف، والمضاف كان يرتفع كما يرتفع (زيد) في قولك: بئس رجلاً زيد، وارتفاعه من وجهين: أحدهما أن يكون مبتدأ ويكون (بئس) وما عملته فيه خبره، والثاني: أن يكون لما قلت: بئس رجلاً، قيل لك: من هو، فقلت: زيد، أي: هو زيد، فيكون رفعه على أنه ابتداء محذوف (٩) وقال بعضهم: (تقدير الآية (١٠) (١١) (١٢) قال أهل المعاني: (هذه الآية بيان عن ذم المكذب بآيات الله بأن مثله أسوأ مثل وأن نفسه ظلم وحظه خسر) (١٣) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢) "تهذيب اللغة" 1583، مع بعض الاختلاف والزيادة، وانظر: "العين" 7/ 327، و"الجمهرة" 1/ 237، و"الصحاح" 1/ 55، و"مقاييس اللغة" 3/ 113، و"المفردات" ص 442، و"اللسان" 4/ 2138 (ساء).
(٣) "تنوير المقباس" 2/ 142، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 272.
(٤) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 652، و"التبيان" ص 396، و"الدر المصون" 5/ 518.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦) "معاني القرآن" 2/ 291، وهو قول الأخفش في "معانيه" 2/ 315، وأبو علي الفارسي في "الإيضاح" ص 128، وقال ابن الشجري في "أماليه" 3/ 183: (ساء بمنزلة (بئس) وقوله: ﴿ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ ﴾ ) الصواب أن تقديره: (ساء مثلاً مثلُ القوم ومن زعم أن التقدير، ساء مثلاً هم القوم، فقد أخطأ خطأ فاحشًا) اهـ.
بتصرف.
(٧) في (ب): (ورجلًا بين حمار وفرس).
(٨) انظر: "الكتاب" 2/ 175 - 179.
(٩) ذكره أبو علي في "الإيضاح" ص 126 - 128، وانظر: "البيان" 1/ 380، و"الفريد" 2/ 386.
(١٠) ذكره الثعلبي 6/ 24 ب، وقال مكي في "المشكل" 1/ 306: (في ﴿ سَاءَ ﴾ ضمير الفاعل و ﴿ مَثَلًا ﴾ تفسير و ﴿ الْقَوْمُ ﴾ رفع بالابتداء وما قبله خبره أو رفع على إضمار مبتدأ تقديره: ساء المثل مثلاً هم القوم الذين.
مثل: نعم رجلاً زيدُ) اهـ.
وانظر: "غرائب الكرماني" 1/ 428 (١١) لفظ: (به) ساقط من (ب).
(١٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 24 ب (١٣) لم أقف عليه <div class="verse-tafsir"
﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا ﴾ قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مَدْين داعياً إلى الله، فرشاه الملك وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه ففعل، وأضل الناس بذلك وقال ابن عباس هو رجل من الكنعانيين اسمه بلعم بن باعوراء كان عنده اسم الله الأعظم، فلما أراد موسى قتال الكنعانيين وهو الجبارون: سألوا من بلعم أن يدعو باسم الله الأعظم على موسى وعسكره فأبى، فألحوا عليه حتى دعا عليه ألا يدخل المدينة ودعا عليه موسى فالآيات التي أعطيها على هذا القول: هي اسم الله الأعظم وعلى قول ابن مسعود هي ما علمه موسى من الشريعة، وقيل: كان عنده من صحف إبراهيم، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هو أمية بن أبي الصلت، وكان قد أوتي علماً وحكمه وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافراً، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم، فالآية على هذا ما كان عنده من العلم، والانسلاخ عبارة عن البعد والانفصال منها كالانسلاخ من الثياب والجلد ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا ﴾ أي رفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض ﴾ عبارة عن فعله لما سقطت به منزلته عند الله ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب ﴾ أي صفته كصفة الكلب، وذلك غاية في الخسة والرداءة ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ اللهث هو تنفس بسرعة وتحريك أعضاء الفم وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات مع الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى إن تحمل عليه إن تفعل معه ما يشق عليه من طرد أو غيره أو تتركه دون أن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال كما لهث الكلب على كل حال.
وقيل: إن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره فصار مثل الكلب في صورته ولهثه حقيقة ﴿ ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا ﴾ أي صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه، وكصفة الرجل المشبه به؛ لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا، وشبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات ﴿ سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا وَأَنفُسَهُمْ ﴾ الآية: قدم هذا المفعول للاختصاص والحصر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ذريتهم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: على الجمع ﴿ يقولوا ﴾ بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو ﴿ يلهث ذلك ﴾ بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة، الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى ﴿ ذرأنا ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون: بالهمز.
الوقوف: ﴿ أنفسهم ﴾ ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام.
بربكم ط فصلاً بين السؤال والجواب.
﴿ بلى ﴾ ج لأن ﴿ شهدنا ﴾ يصلح أن يكون من قولهم فيوقف على ﴿ شهدنا ﴾ ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون ﴿ شهدنا ﴾ من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلاً من جملة بلى متصلاً بأن تقولوا.
﴿ غافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من بعدهم ﴾ ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل.
﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ج لأن قوله ﴿ فمثله ﴾ مبتدأ ولدخول الفاء فيه ﴿ كمثل الكلب ﴾ ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل ﴿ أو تتركه يلهث ﴾ ط ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ المهتدي ﴾ ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفة لـ ﴿ كثيراً ﴾ ، ﴿ لا يفقهون بها ﴾ ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة ﴿ لهم ﴾ في أول كل جملة ﴿ لا يسمعون بها ﴾ ط ﴿ أضل ﴾ ط ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ فادعوه بها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ في أسمائه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ وج وعطف ﴿ وأملي ﴾ على ﴿ سنستدرجهم ﴾ احسن من جعله مستأنفاً فيوقف على ﴿ أملي ﴾ ، ﴿ لهم ﴾ ، ﴿ متين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين.
وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله فقال : "إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.
قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟
فقال رسول الله : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس.
وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشراً سوياً وخلقاً كاملاً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال ﴿ ألست بربكم ﴾ وكأنهم ﴿ قالوا بلى ﴾ أنت ربنا ﴿ شهدنا على أنفسنا ﴾ وأقررنا بوحدانيتك.
وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره ﴿ فقال له وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ﴾ وقال الشاعر.
امتلأ الحوض وقال قطني *** وهذا القول الثاني غير منافٍ للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول.
والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بني آدم ﴾ بدل البعض من الكل.
فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.
وعلى هذا فلم يذكر الله أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئاً.
ويمكن أن يجاب بأنه يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معاً صوناً للآية والخبر عن الطعن.
ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ.
ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهوراً امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصور النسيان فيه.
ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطاً في الحياة والعقل.
فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهراً فرداً.
ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟
وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل.
وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا ههنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق.
وقيل: إن الله يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة.
ومنها أنه قال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] وقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق ﴾ وكون أولئك الذر أناساً ينافي كون الإنسان مخلوقاً من الماء والطين.
والجواب لا يجوز أن يخرج الله من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جراً إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟
وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثا: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد.
ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة ﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم.
أما قوله ﴿ أن تقولوا ﴾ فالتقدير: وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا ﴿ يوم القيامة أنا كنا عن هذا ﴾ المشهود له ﴿ غافلين ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله ﴿ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ﴾ لئلا يقولوا.
ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله ﴿ ألست بربكم ﴾ وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.
﴿ أو يقولوا ﴾ يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ والحاصل أن الله لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر.
وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.
وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود.
وكذلك قوله ﴿ واتل عليهم ﴾ أي على اليهود ﴿ نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ أما قوله ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿ نفصل الآيات ﴾ لهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد.
ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر ﴿ واتل عليهم ﴾ على بني آدم أو اليهود خاصة.
وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء؛ وذلك أن موسى قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفاراً فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه.
وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم.
فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل بدعائه في التيه.
فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟
فقال: بدعاء بلعم.
فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه.
ثم دعا موسى أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.
ويقال أيضاً أنه كان نبياً من أنبياء الله فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان فكان كافراً وهذا بعيد لأنه قال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ وفيه أنه لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟
وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافراً ولم يؤمن بالنبي وهو الذي قال فيه النبي : "لقد كاد يسلم" .
وذلك أنه يوحد الله في شعره وذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.
وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريداً وحيداً وهو قول سعيد بن المسيب.
وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي نبي الحق عن الحسن والأصم.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة.
قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟
قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.
فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمُّنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: "أشأم من البسوس".
وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم.
ومعنى قوله ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفاً بها ﴿ فانسلخ منها ﴾ فخرج من محبة الله إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه.
يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية إنه انسلخ منه.
وقال أبو مسلم ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر.
والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجوداً فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلاً.
وأيضاً ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفاً بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله ﴿ فأتبعه الشيطان ﴾ أي أدركه ولحقه وصار قريناً له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له ﴿ فكان من الغاوين ﴾ في علم الله أو فصار منهم ﴿ ولو شئنا لرفعناه ﴾ إلى منازل الأبرار ﴿ بها ﴾ أي بتلك الآيات ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به.
قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا.
وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا.
وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا.
وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله ﴿ واتبع هواه ﴾ أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه.
قالت الأشاعرة: لفظة "لو" تدل على أن الله قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر.
وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهراً أو جبراً إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره.
وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون ﴿ ولو شئنا ﴾ في معنى ما هو فعله.
ثم وضع قوله ﴿ فمثله كمثل الكلب ﴾ موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله ﴿ أن تحمل عليه ﴾ النصب على الحل كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيراً للمثل كما مر.
قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة.
فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضاً لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له.
عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.
قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل.
واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية.
وأيضاً هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث.
ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه.
وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
﴿ فاقصص القصص ﴾ يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروانحو سيرته.
ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال ﴿ ساء مثلاً لقوم ﴾ ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم.
وفي ﴿ ساء ﴾ ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده.
وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله ذكره؟
والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث.
أما قوله ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها.
ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وهو محمول على اللفظ من حيث إن "من" مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى ﴿ ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال.
مطاوع له والخسار لازم اللازم.
ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله ، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة.
وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر.
وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ إلى آخره.
وذلك أنه بين أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل وخلاف مقدوره ومعلومه محال.
وأيضاً العاقل لا يريد الكفر والجهل.الموجبين لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة.
لا يقال العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقاداً صحيحاً لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا تسلسل بل ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام.
قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه أراد من العبد الطاعة والعبادة والخير فقط كثيره كقوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وأيضاً أنه قال في معرض الذم ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ إلى آخره.
ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم.
وأيضاً لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلاً لأن منافع الدنيا بأسرها لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم على جميع الخلائق.
وأيضاً مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.
وأيضاً الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر "ولقد ذرأناهم" لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ لأن ظاهره يصح من غير حذف.
وعلى هذا أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً ﴾ أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان غريقاً في بعض الأمور.
وأجيب إجمالاً بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلاً بأن النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام على العاقبة تجوّز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وههنا لا ضرورة فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وما بعدها وهو قوله ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ﴾ يدل على ما قلنا.
وأيضاً لا ريب أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، فالمراد أنهم كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.
ثم إنه كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في عداوة الرسول وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغاً لا يكتنه كنهه.
والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ يثبت القول بالجبر.
وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن عليّ بن أبي طالب خط الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.
وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها.
وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر.
وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلاً ثم قال: فإن قلت أني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري.
أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار.
والله أعلم.
قال بعض العلماء أنه نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل على أن محل الفقه هو القلب.
وأقول: ليس المراد بالقلب ههنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح.
أما قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى الطبعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي أحوال التخيل والتفكر.
وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها.
وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع.
وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون وقيل: إنها تفر أبداً إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه إلى الأصنام.
وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة.
وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
ثم نبه بقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى ﴾ على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكره ، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات.
وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أوّل طه وفي آخر الحشر.
ومعنى حسن الأسماء حسن معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلا وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره وثبوت افتقار غيره إليه.
وقد عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله لا تكاد تنحصر بحسب السلوب والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله الحسنى أكثر.
والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه .
ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم وإن كان معناها في حق الله مغايراً لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو "الله" و "الرحمن".
وقد يقيد القسم الأوّل بقيود مثل "يا أرحم الراحمين" و "يا أكرم الأكرمين" و "يا خالق السموات والأرضين".
ومنها أن يقال من الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا "يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم".
ومنها ما لا يكون كذلك كقولنا "مميت" و "ضارّ" فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب أن يقال "يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع".
ومنها أن يقال أوّل ما يعلم من صفات الله كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك إنما يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأوّل باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، والثاني هو المعنيّ بكونه قادراً.
ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ثم نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حياً فظهر أن العلم بصفاته وبأسمائه ليس واقعاً في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله لأن كل الشرف والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله .
ومن هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟
وقد مر تحقيق ذلك في تفسير البسملة وفي الأنعام في قوله ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ أما قوله ﴿ فادعوه بها ﴾ ففيه دليل على أن الإنسان لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون مستحضراً الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم "الله أكبر" يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه.
يقال قد ألحد في الدين ولحد.
وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر.
قال الواحدي: الأجود قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد.
والإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه: الاوّل: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة الكذاب يسمى نفسه الرحمن.
والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن البدو وإن قالوا بجهلهم "يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخّي" بناء على أن النخوة مدح.
الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلاً.
قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال "يا معلم" وإن ورد ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ أو غاوٍ وإن ورد ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ ثم لما أخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون لنار حكى أن بعضاً منهم مخلوقون للجنة فقال ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ وقد مر مثل هذه الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة محمد صلى الله عليه وآله.
وروى الربيع أن النبي كان يقول: "إذ قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها" .
وعن الربيع بن أنس أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى" .
وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب.
وقال الجبائي: هم العلماء والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ قال ابن عباس: يري أهل مكة والظاهر أنه عام.
والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء.
ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ ما يراد بهم.
وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون ﴿ وأملي لهم ﴾ أطيل لهم مدة عمرهم ﴿ إن كيدي متين ﴾ عن ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي.
يقال متن متانة.
واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء الكفر لا يكون كفراً آخر.
وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما يزيد الكافر به كفراً وعتواً واستحقاقاً للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف لما خلقه وألقاه في ورطة التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال ﴿ لقد ذرأنا لجهنم ﴾ الآية.
التأويل: ﴿ وإذا أخذ ربك ﴾ لم يقل "ربكم" ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه ، وأنه لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله سمعهم وأبصارهم وألسنتهم ﴿ إنما أشرك آباؤنا ﴾ بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ﴿ فانسلخ منها ﴾ أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً ﴾ وهم مظاهر القهر ﴿ فادعوه بها ﴾ بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم ﴿ سنستدرجهم ﴾ فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ .
اختلف أهل التأويل في [نبأ] هذا: قال بعضهم: كان هذا نبيّاً فانسلخ منها، يعني: من النبوة وكفر بها.
لكن هذا بعيد محال أن يجعل الله الرسالة فيمن يعلم أنه يكفر به، أو يختاره لوحيه، وهو يعلم أنه ليس [هو] بأهل له؛ بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .
وقال بعضهم: كان بلعم بن باعوراء أعطاه الله - - آيات فكفر بها وانسلخ منها.
وقيل: أعطي الاسم [المخزون الذي كان يستجاب له به] جميع ما يسأل ربه.
وقال بعضهم: كان أمية بن أبي الصلت؛ على [ما قال عنه - -]: إنه "آمن شعره وكفر قلبه".
وقال بعضهم: نزلت الآية في منافقي أهل الكتاب؛ قد كان أعطاهم الله الآيات، فكفروا بها وكذبوها.
ولكن لا ندري فيمن نزلت، وهو في جميع مكذبي الآيات، ليس يجب أن ننص واحداً، أو يشار إلى واحد نزلت فيه، ولكن نقول: إنها في جميع مكذبي الآيات.
وقوله: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ : خرج منها، و[قيل]: نزع منها.
وقيل: تركها؛ وكله واحد.
ثم يحتمل قوله: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ أي: كانوا قبلوها مرة، ثم ردوها من بعد القبول.
ويحتمل: أن لم يقبلوها ابتداء فخرجوا منها وكذبوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ .
فيه دلالة أن الله لا يتبع الشيطان أحد ولا يزيغه إلا بعد أن كان منه الاختيار للضلال والميل إليه؛ حيث قال: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ إنما أتبعه الشيطان بعد ما كان منه الانسلاخ والنزع.
وقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ قيل: كان في علم الله أن يكون في ذلك الوقت من الغاوين.
وقيل: كان من الغاوين، أي: صار من الغاوين إذا انسلخ منها وخرج، والغاوي: الضال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ : عصمناه حتى لا ينسلخ منها ولا يكذب بها، أي: لو شئنا لوفقناه لها حتى يعمل بها.
أو أن يقال: لو شئنا لعصمناه حتى لا يختار ما اختار، لكنه إذ علم منه أنه يختار ذلك ويميل إليه، شاء ألاّ يعصمه، ولا يوفقه، فكيفما كان فهو على المعتزلة؛ لأنه أخبر: [أنه] لو شاء لرفعه بها، وكان له مشيئة الرفع، ثم أخبر أنه لم يرفع، ولو رفعه بها كان أصلح له في الدين؛ دل أنه قد يفعل به ما ليس هو بأصلح في الدين، وهم يقولون: [إن] المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، لا مشيئة الاختيار، لكن ما ذكرنا أن الإيمان في حال الاضطرار والقهر لا يكون إيماناً، فلا معنى لذلك، ولا يكون ذلك رفعاً؛ فيبطل قولهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ : هو ما ذكرنا؛ لما علم منه أنه يخلد إلى الأرض ويميل إليها، لم يعصمه ولم يرفعه.
والإخلاد إلى الأرض: قال الحسن: سكن إلى الأرض.
وكذلك قال الكيساني: [إن] الإخلاد في كلامهم: السكون إلى الشيء والركون إليه.
وقال أبو عبيدة: هو اللزوم للشيء.
وفي قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ دلالة أن الإزاغة من الله وترك العصمة له؛ لما يكون من العبد الميل والركون إلى مخالفته، وترك الائتمار له، واتباع الهوى.
قال قتادة: قوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ يقول: لو شئنا لرفعناه من إيتائه الهدى، فلم يكن للشيطان عليه سبيل، ولكن يبتلى [من عباده من يشاء].
وقوله: ﴿ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ذكر الأرض يحتمل أن يكون كناية عن الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
ويحتمل أن يكون كناية عن الذل والهوان؛ لأن كل خير وبركة إنما يطلب من السماء، وهم إذا اختاروا ذلك اختاروا الذل والهوان.
وقال الحسن في قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ الآية، قال: حال الشيطان بينه وبين أن يصحب الهدى بما مناه وزين له واتبع هواه، ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ ﴾ قال: هذا مثل الكافر، أميت فؤاده كما أميت فؤاد الكلب.
[وقوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: ساء مثل الأفعال التي ضرب الله مثلها بالذي ذكر في القرآن، قال]: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ﴾ ، صدق الله وبئس المثل ﴿ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، فتدبروا وتفكروا في أمثال الله التي ضرب واعقلوها؛ إلى هذا ذهب الحسن.
وقال غيره: وجه ضرب مثل الذي كذب بالآيات بالكلب، هو أن الكلب من عادته أنه يذل ويخضع لكل أحد؛ لما يطمع أن ينال منه أدنى شيء، ولا يبالي ما يصيبه من الذل والهوان في ذلك بعد أن ينال منه بشيء؛ فعلى ذلك الكافر والمكذب بالآيات لا يبالي ما يلحقه من الذل والهوان بعد أن يصيب من الدنيا شيئاً.
ويشبه أن يكون وجه ضرب المثل بالكلب؛ لما أن من عادة الكلاب [أنها] إذا ظفرت بالجيف تنكب لها، حتى إذا ينادي لها وتدعى لا تكترث إليه ولا تلتفت؛ فعلى ذلك هذا الكافر ينكب لكل جيفة ويخضع، ولا يلتفت إلى ما نودي ودعي إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ .
أي: يخرج لسانه ويتنفس تنفساً [شديداً].
﴿ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ ومعناه - والله أعلم - أن الكلب إذا أصابه العطش والجوع لهث، وإذا لم يصبه لهث أيضاً، فعلى ذلك الكافر يميل إلى ذلك ويختار، أصابته شدة أو لم تصبه؛ أو كلام نحو هذا.
وقال قتادة: هذا مثل الكافر، ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب.
﴿ ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ضرب الله - عز وجل - مثل الكافر مرة بالكلب، ومرة بالميت، ومرة بالأعمى، ومرة بالتراب، ومرة بالأنعام، ونحو هذا؛ وذلك لما فيه من معاني ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ...
﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا ﴾ أمر رسوله ليقص أنباء الأمم السالفة على هؤلاء؛ ليكون زجراً وتحذيراً للكفار؛ ليعلموا ما حل بأولئك بصنيعهم؛ ليحذروا عن مثل صنيعهم، ويكون عظة وتذكيراً للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا...
﴾ الآية، قد ذكرنا في غير موضع أن آياته، قيل: دينه.
وقيل: حججه وبراهينه.
وقوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ﴾ \[أي ساء مثل\] الأفعال التي ضرب الله مثلها بالذي ذكر في القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي ﴾ .
شهد الله - - أن من هداه فهو المهتدي؛ أي: من هداه الله في الدنيا فهو المهتدي في الآخرة، ومن يضلل الله في الدنيا فهو الخاسر في الآخرة، فلو كانت الهداية البيان والأمر والنهي - على ما ذكر قوم - لكان الكافر والمؤمن في ذلك سواء؛ إذ كان البيان والأمر والنهي للكافر على ما كان للمؤمن فلم يهتد، فدل أن في ذلك من الله زيادة معنى للمؤمن لم يكن ذلك منه إلى الكافر، وهو التوفيق والعصمة والمعونة، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى [كما اهتدى] المؤمن، ولو كان بياناً لكان ذلك البيان من الرسل وغيره على قولهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ أخبر أن من أضله فقد خسر؛ دل أنه كان منه زيادة معنى، وهو الخذلان والترك، أو خلق فعل الضلال، وليس على ما يقوله المعتزلة أنه قد هداهم جميعاً، لكن لم يهتدوا؛ فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟!
كما قال لليهود: ﴿ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ﴾ ، فظاهر الآية على خلاف ما يقولون ويذهبون.
<div class="verse-tafsir"
ليس أسوأ من القوم الذين كذبوا بحُجَجنا وبراهيننا، ولم يصدقوا بها، وهم بذلك يظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك.
<div class="verse-tafsir" id="91.gypdD"