الآية ١٧٨ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٧٨ من سورة الأعراف

مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ١٧٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٨ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : من هداه الله فإنه لا مضل له ، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة ، فإنه تعالى ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ; ولهذا جاء في حديث ابن مسعود : " إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل الله فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " .

الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن ، وغيرهم

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الهداية والإضلال بيد الله، و " المهتدي" =وهو السالك سبيل الحق، الراكبُ قصدَ المحجّة= في دينه، مَن هداه الله لذلك, فوفَّقه لإصابته.

والضالُّ من خذله الله فلم يوفقه لطاعته, ومن فعل الله ذلك به فهو " الخاسر ": يعني الهالك.

* * * وقد بيّنا معنى " الخسارة " و " الهداية "، و " الضلالة " في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(153) ------------------------ الهوامش: (153) انظر تفسير هذه الألفاظ في فهارس اللغة ( هدى ) ، ( خسر ) ، ( ضلل ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون تقدم معناه في غير موضع وهذه الآية ترد على القدرية كما سبق ، وترد على من قال إن الله تعالى هدى جميع المكلفين ولا يجوز أن يضل أحدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال تعالى مبينا أنه المنفرد بالهداية والإضلال: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ بأن يوفقه للخيرات، ويعصمه من المكروهات، ويعلمه ما لم يكن يعلم فَهُوَ الْمُهْتَدِي حقا لأنه آثر هدايته تعالى، وَمَنْ يُضْلِلِ فيخذله ولا يوفقه للخير فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من يهَدِ الله فهو المهتدي ومن يُضْللْ فأولئك هم الخاسرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

من يوفقه الله للإيمان به وطاعته فهو الموفَّق، ومن يخذله فلم يوفقه فهو الخاسر الهالك، فالهداية والإضلال من الله وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يعقب القرآن على هذا المثل ببيان أن الهداية والضلال من الله وأن هناك أقواماً من الجن والإنس قد خلقوا لجهنم بسبب إيثارهم طريق الشر على طريق الخير قال - تعالى - : ( مَن يَهْدِ الله .

.

.

) .قوله ( مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي ) أى : من يوفقه الله - تعالى - إلى سلوك طريق الهدى باستعمال عقله وحواسه بمقتضى سنة الفطرة فهو المهتدى حقاً ، الواصل إلى رضوان الله صدقاً .( وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون ) أى : ومن يخذله - سبحانه - بالحرمان من هذا التوفيق بسبب إيثاره السير فى طريق الهوى والشيطان على طريق الهدى والإيمان ، فأولئك هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم .وأفرد - سبحانه - المهتدى فى الجملة الأولى مراعاة للفظ ( مَن ) ، وجمع الخاسرين فى الثانية مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم .وحكمه إفراد المهتدى للإشارة إلى أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتنوع ، وحكمة جمع الثانى وهو قوله ( الخاسرون ) للإشارة إلى تعدد أنواع الضلال ، وتنوع وسائله وأساليبه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما وصف الضالين بالوصف المذكور وعرف حالهم بالمثل المذكور بين في هذه الآية أن الهداية من الله، وأن الضلال من الله تعالى، وعند هذه اضطربت المعتزلة، وذكروا في التأويل وجوهاً كثيرة: الأول: وهو الذي ذكره الجبائي وارتضاه القاضي أن المراد من يهده الله إلى الجنة والثواب في الآخرة، فهو المهتدي في الدنيا، السالك طريقة الرشد فيما كلف، فبين الله تعالى أنه لا يهدي إلى الثواب في الآخرة إلا من هذا وصفه، ومن يضلله عن طريق الجنة ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ والثاني: قال بعضهم إن في الآية حذفاً، والتقدير: من يهده الله فقبل وتمسك بهداه فهو المهتدي، ومن يضلل بأن لم يقبل فهو الخاسر.

الثالث: أن يكون المراد من يهده الله بمعنى أن من وصفه الله بكونه مهتدياً فهو المهتدي، لأن ذلك كالمدح ومدح الله لا يحصل إلا في حق من كان موصوفاً بذلك الوصف الممدوح، ومن يضلل أي ومن وصفه الله بكونه ضالاً ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ والرابع: أن يكون المراد من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي ومن يضلل عن ذلك لما تقدم منه من سوء اختياره، فأخرج لهذا السبب بتلك الألطاف من أن يؤثر فيه فهو من الخاسرين.

واعلم أنا بينا أن الدلائل العقلية القاطعة، قد دلت على أن الهداية والإضلال لا يكونان إلا من الله من وجوه: الأول: أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصول الداعي ليس إلا من الله فالفعل ليس إلا من الله.

الثاني: أن خلاف معلوم الله ممتنع الوقوع، فمن علم الله منه الإيمان لم يقدر على الكفر وبالضد.

الثالث: أن كل أحد يقصد حصول الإيمان والمعرفة، فإذا حصل الكفر عقيبه علمنا أنه ليس منه بل من غيره، ثم نقول: أما التأويل الأول: فضعيف لأنه حمل قوله: ﴿ مَن يَهْدِ الله ﴾ على الهداية في الآخرة إلى الجنة وقوله: ﴿ فَهُوَ المهتدى ﴾ على الاهتداء إلى الحق في الدنيا، وذلك يوجب ركاكة في النظم، بل يجب أن تكون الهداية والاهتداء راجعين إلى شيء واحد، حتى يكون الكلام حسن النظم.

وأما الثاني: فإنه التزام لإضمار زائد، وهو خلاف اللفظ، ولو جاز فتح باب أمثال هذه الإضمارات لانقلب النفي إثباتاً والإثبات نفياً، ويخرج كلام الله عز وجل من أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يضمر في الآية ما يشاء، وحينئذ يخرج الكل عن الإفادة.

وأما الثالث: فضعيف لأن قول القائل فلان هدى فلاناً لا يفيد في اللغة ألبتة أنه وصفه بكونه مهتدياً، وقياس هذا على قوله فلان ضلل فلاناً وكفره، قياس في اللغة وأنه في نهاية الفساد والرابع: أيضاً باطل لأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف، فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار، فحمل الآية على هذا التأويل بعيد، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَهُوَ المهتدى ﴾ يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، ويجوز حذفها طلباً للتخفيف كما قيل في بيت الكتاب: فطرت بمنصلي في يعملات *** دوامي الأيد يخبطن السريحا ومن أبياته أيضاً: كخوف ريش حمامة نجدية *** مسحت بماء البين عطف الأثمد قال أبو الفتح الموصلي يريد كخواف محذوف الياء.

وأما قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ﴾ يريد ومن يضلله الله ويخذله ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ أي خسروا الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَهُوَ المهتدى ﴾ حمل على اللفظ.

و ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ حمل على المعنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَخْتَصُّ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وأنَّها مُسْتَلْزَمَةٌ لِلِاهْتِداءِ والإفْرادُ في الأوَّلِ والجَمْعُ في الثّانِي بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، والمَعْنى تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُهْتَدِينَ كَواحِدٍ لِاتِّحادِ طَرِيقِهِمْ بِخِلافِ الضّالِّينَ، والِاقْتِصارُ في الإخْبارِ عَمَّنْ هَداهُ اللَّهُ بِالمُهْتَدِي تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الِاهْتِداءِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ كَمالٌ جَسِيمٌ ونَفْعٌ عَظِيمٌ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ لَكَفاهُ وأنَّهُ المُسْتَلْزَمُ لِلْفَوْزِ بِالنِّعَمِ الآجِلَةِ والعُنْوانِ لَها.

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا ﴾ خَلَقْنا.

﴿ لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَعْنِي المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ في عِلْمِهِ تَعالى.

﴿ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ﴾ إذْ لا يُلْقُونَها إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والنَّظَرِ في دَلائِلِهِ.

﴿ وَلَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ﴾ أيْ لا يَنْظُرُونَ إلى ما خَلَقَ اللَّهُ نَظَرَ اعْتِبارٍ.

﴿ وَلَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ﴾ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَأمُّلٍ وتَذَكُّرٍ.

﴿ أُولَئِكَ كالأنْعامِ ﴾ في عَدَمِ الفِقْهِ والإبْصارِ لِلِاعْتِبارِ والِاسْتِماعِ لِلتَّدَبُّرِ، أوْ في أنَّ مَشاعِرَهم وقُواهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها.

﴿ بَلْ هم أضَلُّ ﴾ فَإنَّها تُدْرِكُ ما يُمْكِنُ لَها أنْ تُدْرِكَ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، وتَجْتَهِدُ في جَلْبِها ودَفْعِها غايَةَ جُهْدِها، وهم لَيْسُوا كَذَلِكَ بَلْ أكْثَرُهم يَعْلَمُ أنَّهُ مُعانِدٌ فَيُقْدِمُ عَلى النّارِ.

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى} حمل على اللفظ {ومن يضلل} أي ومن يضله {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} حمل على المعنى ولو كان الهدي من الله البيان كما قالت المعتزلة لاستوى الكافر والمؤمن إذ البيان ثابت في حق الفريقين فدل أنه من الله تعالى التوفيق والعصمة والمعونة ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما اهتدى المؤمن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ تَذْيِيلٌ وتَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ السّابِقَةُ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِهِمْ.

وقالَ آخَرُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُصَّ عَلى أُولَئِكَ الضّالِّينَ قَصَصَ أخِيهِمْ لِيَتَفَكَّرُوا ويَتْرُكُوا ما هم عَلَيْهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَةَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنَّما العِظَةُ والتَّذْكِيرُ مِن قَبِيلِ الوَسائِطِ العادِيَّةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ لِكَوْنِها دَواعِيَ إلى صَرْفِ المُكَلَّفِ اخْتِيارَهُ نَحْوَ تَحْصِيلِهِ حَسْبَما نِيطَ بِهِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، والمُرادُ بِهَذِهِ الهِدايَةِ ما يُوجِبُ الِاهْتِداءَ قَطْعًا لا لِأنَّ حَقِيقَتَها الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ الأصْحابِ بَلْ لِأنَّها الفَرْدُ الكامِلُ مِن حَقِيقَةِ الهِدايَةِ الَّتِي هي الدَّلالَةُ إلى ما يُوصِلُ لِإسْنادِها إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْرِيعِ الِاهْتِداءِ عَلَيْها ومُقابَلَتِها بِالضَّلالِ وما مَعَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الهِدايَةَ بِهَذا المَعْنى يَلْزَمُها الِاهْتِداءُ فَيَكُونُ الإخْبارُ بِاهْتِداءِ مَن هُداهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما قِيلَ عَلى حَدِّ الأخْبارِ في - شِعْرِي شِعْرِي - وهو يُفِيدُ تَعْظِيمَ شَأْنِ الِاهْتِداءِ وأنَّهُ في نَفْسِهِ كَمالٌ جَسِيمٌ ونَفْعٌ عَظِيمٌ، وأنَّهُ كافٍ في نَيْلِ كُلِّ شَرَفٍ في الأُولى والعُقْبى.

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِما ذُكِرَ لِيُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإفادَةِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ ويُصارَ إلى تَوْجِيهِهِ بِذَلِكَ بَلْ هو قَصْرُ الِاهْتِداءِ عَلى مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى حَسْبَما يَقْضِي بِهِ تَعْرِيفُ الخَبَرِ، فالمَعْنى مَن يَخْلُقُ فِيهِ الِاهْتِداءَ فَهو المُهْتَدِي لا غَيْرَ كائِنًا مَن كانَ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ الأوَّلَ أوْفَقُ بِالمُقابِلِ، وإفْرادُ المُهْتَدِي رِعايَةً لِلَفْظِ (مَن)، وجَمْعُ الخاسِرِينَ رِعايَةً لِمَعْناها لِلْإيذانِ بِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ وطُرُقَ الضَّلالِ مُتَشَعِّبَةٌ، وفي الآيَةِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَسُبْحانَ مَن أضَلَّ المُعْتَزِلَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أَيُّ إِن لَّمْ يرجعوا بذكر الميثاق، ولم يتوبوا، ولم يتعظوا، فاتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ أي خبر الذي أعطيناه آياتِنا يعني: أكرمناه باسم الله الأعظم.

ويقال: آتَيْناهُ آياتِنا يعني: الكتاب وهي علم التوراة وغيره فَانْسَلَخَ مِنْها يعني: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها.

ويقال: تهاون بها ولم يعرف حقها، ولا حرمتها، وخرج منها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ يقول: غرّه الشيطان فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ أي فصار من الظالمين وفي الضالين.

قال بعضهم: هو بلعم بن باعوراء كان عابداً من عباد بني إسرائيل، وكان مستجاب الدعوة، فنزع الله تعالى الإيمان عنه بدعاء موسى  ، وذلك أن موسى  قاتل فرعوناً من الفراعنة فجمع ذلك الفرعون الكهنة والسحرة، فقال لهم: أعينوني على هؤلاء- يعني: قوم موسى- فقالوا: لن تستطيعهم، ولكن بجوارك رجل منهم فلو بعثت إليه واستعنت به، فبعث الملك إلى بلعم فلم يجبه، فبعث الملك إلى امرأة بلعم الهدايا وطلب منها بأن تأمره بأن يجيب الملك، فجاءته امرأته وقالت: نحن في جوار هذا الملك فلا بد لك من إجابته.

فأجابهم إلى ذلك، وركب أتاناً له، وخرج إليهم فسار حتى إذا كان في بعض الطريق وقفت أتانه فضربها، فلما ألح عليها كلّمته الأتان وقالت: انظر إلى ما بين يديك فنظر فإذا هو جبريل قال له: خرجت مخرجاً ما كان ينبغي لك أن تخرج.

فإذا خرجت فقل حقاً قال: فلما قدم عليه أمر له بالذهب والفضة والخدم والفرش فقبل.

فقال له: قد دعوتك لتدعو لي على هذا العسكر دعوة.

قال: غداً.

فلما تلاقى القوم قال بلعم: إن بني إسرائيل أمة موسى ملعون من لعنهم ومبارك من بارك عليهم.

فقالوا له: ما زدتنا إلا خبالاً.

قال بلعم: ما استطعت غير ما رأيت.

ولكني أدلك على أمر إن فعلته فوقعوا به خُذِلوا ونصرت عليهم، تعمد إلى نساء حسان فتجعل عليهم الحلي والثياب والعطر ثم ترسلهن في عسكرهم.

فإن وقعوا بهن خذلوا.

ففعل ذلك فما تعرض لهن منهم إلا سفهاؤهم فخذلوا.

فأخبر بذلك موسى فدعا عليه فنزع الله منه الإيمان.

وقال بعضهم: إنما هو أمية بن أبي الصلت قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان وكان يخبر أن نبينا يبعث وكان قد أظل زمانه.

وكان يرى أن الوحي ينزل عليه لكثرة علمه.

فلما سمع بخروج النبيّ  وقصته كفر حسداً له.

وكان النبيّ  إذا سمع شعره قال: «آمن لسانه وكفر قلبه» فذلك قوله: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ.

ثم قال: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها يعني: بالآيات ويقال: رفعناه في الآخرة بما علمناه من آياتنا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يعني: أمية بن أبي الصلت أو بلعم بن باعوراء مال إلى الدنيا ورضي بها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي هوى نفسه ويقال: عمل بهوى المرأة وترك رضى الله ويقال: أخذ مسافل الأمور وترك معاليها فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يقول: مثل بلعم كمثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ يقول: إن طردته فهو يلهث أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ يعني: وإن تركته فهو يلهث.

قال القتبي: كل شيء يلهث من إعياء أو عطش ما خلا الكلب.

فإنه يلهث في حال الراحة والصحة والمرض.

فضرب الله تعالى به مثلاً يعني: كما أن الكلب إن طردته أو تركته يلهث فكذلك بلعم أو أمية بن أبي الصلت إن وعظته لم يتعظ وإن تركته لم يفعل.

وقال مجاهد: يعني الكفار إن قرئ عليهم الكتاب لم يقبلوا، وإن لم يقرأ عليهم لم يعملوا هم أهل مكة.

ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: ذلك صفة الذين جحدوا نبوة النبيّ  والقرآن فَاقْصُصِ الْقَصَصَ أي اقرأ عليهم القرآن لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي: لكي يتعظوا بأمثال القرآن ويؤمنوا به.

قوله تعالى: ساءَ مَثَلًا يعني: بئس مثل الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بئس مثل من كان مثل الكلب، وإنما ضرب المثل بالكلب تقبيحاً لمذهبهم.

ويقال: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وكانت صفتهم مثل صفة بلعم وهم أهل مكة كذبوا بآياتنا، فلم يؤمنوا بها مثل بلعم وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ يعني: يضرون بأنفسهم ثم قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي يعني: من يهده الله لدينه فهو المهتدي من الضلالة وَمَنْ يُضْلِلْ يعني: ومن يضله عن دينه ويخذله فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ بالعقوبة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، القول فيه: أن ذلك كلَّه من عند اللَّه: الهدايةُ منه وبخَلْقه واختراعه وكذلك الإِضلال، وفي الآيةِ تعجيبٌ مِنْ حال المذْكُورين.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، هذا خبرٌ من اللَّه تعالى أنه خَلَق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيرا، وفي ضِمْنه وعيدٌ للكفَّار، «وذرأ» : معناه:

خَلَق وأوْجَدَ، مع بَثٍّ ونَشْرٍ.

وقوله سبحانه: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ...

الآيةَ: لما كانَتْ هذه الطائفةُ الكافرةُ المُعْرِضَةُ عن النَّظَر في آيات اللَّه، لم ينفعْهم النظَرُ بالقَلْب، ولا بالعَيْن، ولا ما سَمِعُوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصْفَ بأنهم لا يفقهون، ولا يُبْصرون، ولا يَسْمعون، والفِقْه: الفَهْم، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في أنَّ الأنعام لا تَفْقَهُ الأشياء، ولا تعقلُ المقاييسِ، ثم حَكَم سبحانه عَلَيْهم بأنهم أضَلُّ لأن الأنعام تلك هِيَ بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، وهؤلاءِ مُعَدُّونَ للفَهْم والنظر، ثم بَيَّنَ سبحانه بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الطريق الذي به صاروا أضَلَّ من الأنعام، وهو الغَفْلة والتقصير.

قال الفَخْر «١» : أمَّا قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، فتقريره: أن الإِنسان وسائر الحيوانات مُتشَاركةٌ في قُوَى الطَّبيعة الغَاذِيَةِ، والنامية، والمُوَلِّدةِ، ومتشاركَةٌ أيضاً في منافع الحواسِّ الخَمْسِ الباطنةِ والظاهرةِ، وفي أحوالِ التخيُّل، والتفكُّر، والتذكُّر، وإِنما حَصَل الامتياز بيْنَ الإِنسان، وسائِرِ الحيواناتِ في القوَّة العقليَّة والفكْريَّة التي تهديه إِلى معرفة الحقِّ، فلما أعرضَ الكُفَّار عن أحْوالِ العَقْلِ والفكْرِ، ومعرفةِ الحقِّ، كانوا كالأنعام، بل هم أضلُّ لأن الحيواناتِ لا قدرةَ لها على تحْصيلِ هذهِ الفضائل، وقد قال حَكِيمُ الشّعراء: [البسيط]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ: إذا قَبُحَ، والمَعْنى: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، فَحَذَفَ المُضافَ، فَنَصَبَ "مَثَلًا" عَلى التَّمْيِيزِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ أيْ: يَضُرُّونَ بِالمَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: "رُفِعَ الظالِمُ" إذا هَلَكَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ فَهي عِبارَةٌ عن إمْهالِهِ وإمْلاءِ اللهِ لَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: "لَرَفَعْناهُ" مَعْناهُ: لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عنها، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى الآياتِ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مَعَهُ: "لَرَفَعْناهُ" أيْ: لَشَرَّفْنا ذِكْرَهُ ورَفَعْنا مَنزِلَتَهُ لَدَيْنا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، ﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ ذُكَرَ فِيهِ السَبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ هَذا.

و"أخْلَدَ" مَعْناهُ: لازَمَ وتَقاعَسَ وثَبَتَ، والمُخْلِدُ: الَّذِي يَثْبُتُ شَبابُهُ فَلا يَغْشاهُ الشَيْبُ، ومِنهُ الخُلْدُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لِمَنِ الدِيارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ ∗∗∗ كالوَحْيِ في حَجْرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ وقَوْلُهُ: ﴿ إلى الأرْضِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلى شَهَواتِها ولَذّاتِها وما فِيها مِنَ المَلاذِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العِبارَةَ عَنِ الأسْفَلِ والأخَسِّ، كَمّا يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى المَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ وما ارْتَكَزَ فِيها هي الدُنْيا، وكُلُّ ما عَلَيْها فانٍ، مَن أخْلَدَ إلَيْهِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّ الآخِرَةِ الباقِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ ﴾ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ عُوقِبَ في الدُنْيا بِأنَّهُ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ فَشُبِّهَ بِهِ صُورَةً وهَيْئَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ بِهِ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها فَكانَ أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ الآياتُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ وتَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وتَحْرِيرُ المَعْنى: فالشَيْءُ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ مِن حالِهِ هو كالَّذِي تَتَصَوَّرُ مِن حالِ الكَلْبِ، وبِهَذا التَقْدِيرِ يَحْسُنُ دُخُولُ "الكافِ" عَلى "مَثَلٍ"، واللهْثُ: تَنَفُّسٌ بِسُرْعَةٍ وتَحَرُّكُ أعْضاءِ الفَمِ مَعَهُ، وامْتِدادُ اللِسانِ، وأكْثَرُ ما يَعْتَرِي ذَلِكَ مَعَ الحَرِّ والتَعَبِ، وهو في الفَرَسِ: ضَبْحٌ، وخِلْقَةُ الكَلْبِ أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْنى: ﴿ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ أيْ تَطْرُدُهُ، وحَكاهُ عن مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ داخِلٌ في جُمْلَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ.

فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاقْصُصِ القَصَصَ ﴾ أيِ:اسْرُدْ عَلَيْهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا أهْلُ الكُتُبِ الماضِيَةِ ولَسْتَ مِنهم ﴿ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ ، قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَ "بِئْسَ" و"نِعْمَ" إنَّما يَتَفَسَّرُ مِن نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ولَمّا انْحَذَفَ "مَثَلُ" أُقِيمَ "القَوْمُ" مَقامَهُ، والرَفْعُ في ذَلِكَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "ساءَ مَثَلُ القَوْمِ"، ورَفْعُ "مَثَلٍ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِـ "ساءَ"، ولا تَجْرِي "ساءَ" مَجْرى "بِئْسَ" إلّا إذا كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مِثْلُ" بِكَسْرِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مَثَلُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خِلافُ ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ، فَإنَّهُ قالَ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "ساءَ مَثَلُ" بِالرَفْعِ.

وخُتِمَتْ هَذِهِ الآياتُ -الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَلالَ أقْوامٍ والقَوْلَ فِيهِ- بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، الهِدايَةُ مِنهُ وبِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وكَذَلِكَ الإضْلالُ، وفي الآيَةِ تَعَجُّبٌ مِن حالِ المَذْكُورِينَ، ومَن أضَلَّ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالخُسْرانِ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ ابْنِ آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ لِسُكْنى جَهَنَّمَ والِاحْتِراقِ فِيها كَثِيرًا، وفي ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ.

و"ذَرَأ" مَعْناهُ: خَلَقَ وأوجَدَ مَعَ بَثٍّ ونَشْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِجَهَنَّمَ" هي لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لِيَكُونَ أمْرُهم ومَآلُهم لِجَهَنَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وهَذِهِ اللامُ مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: يا أمَّ فَرْوَ كُفِّي اللَوْمَ واعْتَرِفِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ والِدَةٍ لِلْمُنْتَأى تَلِدُ وَأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم جَهَنَّمَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "أولادُ الزِنى مِمّا ذَرَأ اللهُ لِجَهَنَّمَ"، ثُمَّ أسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرًا" وإنْ كانَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ الكَفّارَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو ناظِرٌ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ  : « "قالَ اللهُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةً"».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة تذييل للقصة والمثل وما أعقبا به من وصف حال المشركين، فإن هذه الجملة تُحصل ذلك كله وتجري مجرى المثل، وذلك أعلى أنواع التذييل، وفيها تنويه بشأن المهتدين وتلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال، أي فالذين لم يهتدوا إلى الحق بعد أن جاءهم دلت حالهم على أن الله غضب عليهم فحرمهم التوفيق.

والهداية حقيقتها إبانة الطريق، وتطلق على مطلق الإرشاد لما فيه النفع سواء اهتدى المهْدي إلى ما هُدي إليه أم لم يهتد، قال تعالى: ﴿ إنّا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ﴾ [الإنسان: 3] وقال: ﴿ وأما ثمودُ فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ﴾ [فصلت: 17].

ثم قد علم أن الفعل الذي يسند إلى الله تعالى إنما يراد به اتقن أنواع تلك الماهية وأدوَمها، ما لم تقم القرينة على خلاف ذلك، فقوله: ﴿ من يَهْد الله ﴾ يُعنى به من يقدرِ الله اهتداءَه، وليس المعنى من يرشده الله بالأدلة أو بواسطة الرسل، وقد استفيد ذلك من القصة المُذَيلة فإنه قال فيها: ﴿ الذي آتيناه آياتنا ﴾ [الأعراف: 175] فايتاءُ الآيات ضرب من الهداية بالمعنى الأصلي، ثم قال فيها ﴿ فانسلخ منها ﴾ [الأعراف: 175] وقال ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ﴾ [الأعراف: 176] وقال: ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ [الأعراف: 176] فعلمنا أن الله أرشده، ولم يقدر له الاهتداء، فالحالة التي كان عليها قبل أن يخلد إلى الأرض ليست حالة هدى، ولكنها حالة تردد وتجربة، كما تكون حالة المنافق عند حضوره مع المسلمين إذ يكون متلبساً بمحاسن الإسلام في الظاهر، ولكنه غير مبطن لها كما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ﴾ في سورة البقرة (17)، فتعين أن يكون المعنى هنا: من يقدر الله له أن يكون مهتدياً فهو المهتدي.

والقصر المستفاد من تعريف جزأى الجملة ﴿ فهو المهتدي ﴾ قصر حقيقي ادعائي باعتبار الكمال واستمرار الاهتداء إلى وفاة صاحبه، وهي مسألة الموافاة عند الأشاعرة، أي وأما غيره فهو وإن بان مهتدياً فليس بالمهتدي لينطبق هذا على حال الذي أوتي الآيات فانسلخ منها وكان الشأن أن يرفع بها.

وبهذا تعلم أن قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ ليس من باب قول أبي النجم: وشعري شعري *** وقول النبي صلى الله عليه وسلم «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» لأن ذلك فيما ليس في مفاد الثاني منه شيء زائد على مفاد ما قبله بخلاف ما في الآية فإن فيها القصر.

وكذلك القول في ﴿ ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ وزيد في جانب الخاسرين الفصل باسم الإشارة لزيادة الاهتمام بتمييزهم بعنوان الخسران تحذيراً منه، فالقصر فيه مؤكد.

وجُمع الوصف في الثاني مراعاة لمعنى (مَن) الشرطية، وإنما روعي معنى (من) الثانية دون الأولى؛ لرعاية الفاصلة ولتبين أن ليس المراد ب (مَن) الأولى مفرداً.

وقد عُلم من مقابلة الهداية بالإضلال، ومقابلة المهتدي بالخاسر أن المهتدي فائز رابح فحذف ذكر ربحه إيجازاً.

والخسران استعير لتحصيل ضد المقصود من العمل كما يستعار الربح لحصول الخير من العمل كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ في هذه السورة (9)، وفي قوله: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ في سورة البقرة (16).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ ، ﴿ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ ﴾ أيْ خَلَقْنا مِمَّنْ يَصِيرُ إلى جَهَنَّمَ بِكُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ.

و ﴿ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أرادَ أوْلادَ الزِّنى لِأنَّهم مِنَ النُّطَفِ الخَبِيثَةِ مَخْلُوقِينَ، فَهم أكْثَرُ النّاسِ إسْراعًا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ فَيَصِيرُونَ جامِعِينَ بَيْنَ [سُوءِ] المُعْتَقَدِ وخُبْثِ المَوْلِدِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في أوْلادِ الزِّنى والرِّشْدَةِ فِيمَن وُلِدَ مِن نِكاحٍ أوْ سِفاحٍ لِأنَّهم مُؤاخَذُونَ عَلى أفْعالِهِمْ لا عَلى مَوالِيدِهِمُ الَّتِي خَبُثَتْ بِأفْعالِ غَيْرِهِمْ.

﴿ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ﴾ الحُقَّ.

﴿ وَلَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ﴾ الرُّشْدَ.

﴿ وَلَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ﴾ الوَعْظَ، فَصارُوا بِتَرْكِ اسْتِعْمالِها بِمَثابَةِ مَن عَدِمَها، قالَ مِسْكِينٌ الدِّرامِيُّ: ؎ أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الجُدُرُ ∗∗∗ وأصُمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما ∗∗∗ سَمْعِي وما في سَمْعِي الوَقْرُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الخطبة «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» .

وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته «نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور يومئذ شيء اهتدى، ومن اخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ ﴾ .

قال ابن عباس (١) (٢) وقال ابن كيسان (٣) ﴿ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ﴾ )، يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، ويجوز حذفها استخفافًا كما قيل في بيت الكتاب: وطرتُ بمنصلي (٤) (٥) كنواح ريش حمامة نجدية ...

ومسحت باللثتين عصف الأثمد (٦) قال أبو الفتح (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: من يضله (٩) ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ يريد: خسروا الدنيا والآخرة) (١٠) (١) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 142.

(٢) في (ب): (من يرشد الله).

(٣) لم أقف عليه.

(٤) الشاهد لمضرس بن ربعي الأسدي في "اللسان" 1/ 509 (ثمن)، 4951 (يدي) وبلا نسبة في: "الكتاب" 1/ 27 و4/ 190، و"الجمهرة" 1/ 512، و"الإغفال" ص 880، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 519 - 772، و"الخصائص" 2/ 269 - 3/ 133، و"المنصف" 2/ 73، و"الصحاح " 5/ 2089 (ثمن) و6/ 2539 (يدي)، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 289، و"الإنصاف" ص 429، و"تفسير الرازي" 15/ 59، و"اللسان" 2/ 1593 (خبط)، و"الدر المصون" 5/ 520، و"المغني" لابن هشام 1/ 225، وهو لمضرس أو ليزيد بن الطثرية في "اللسان" 1/ 615 (جزر) ، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 598، و (المنصُل: السيف، ويعملات: جمع يعملة وهي الناقة القوية على العمل، والسريح: جلود أو خرق تشد على الأخفاف حين تحفى الناقة، والشاهد: الأيد، حيث حذف الياء للضرورة والأصل الأيدي).

(٥) في (ب): "دوام" وكذا في بعض نسخ "سر صناعة الإعراب" 2/ 519 كما أشار محققه في الحاشية.

(٦) "الشاهد" لخفاف بن ندبة الأسدي في "ديوانه" ص 514، و"الكتاب" 1/ 27، و"الإنصاف" ص 430، و"اللسان" 1/ 460 (تيز)، 4951 (يدي)، و"شرح شواهد المغني" 1/ 354، وبلا نسبة في: "المنصف" 2/ 229، "سر صناعة الإعراب" 2/ 772، و"الصحاح" 6/ 2539 (يدي)، و"تفسير الرازي" 15/ 59، و"الدر المصون" 5/ 520، و"المغني" لابن هشام 1/ 105، وعصف الأثمد: ما سحق من حجر الكحل، وهو يصف شفتي المرأة ويشبهها بنواحي الريش يقول: (مسحت اللثتين بعصف الأثمد فقلب).

والشاهد: "كنواح" والأصل كنواحي حيث حذف الياء للضرورة (٧) أبو الفتح: عثمان بن جني، نحوي مشهور.

تقدمت ترجمته.

(٨) "سر صناعة الإعراب" 2/ 772 - 773، وانظر: قول أبي علي الفارسي في "الإغفال" ص 880 - 881.

(٩) في (ب): (يضلله).

(١٠) ذكره "الواحدي" 2/ 272، والرازي 15/ 59 بلا نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا ﴾ قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مَدْين داعياً إلى الله، فرشاه الملك وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه ففعل، وأضل الناس بذلك وقال ابن عباس هو رجل من الكنعانيين اسمه بلعم بن باعوراء كان عنده اسم الله الأعظم، فلما أراد موسى قتال الكنعانيين وهو الجبارون: سألوا من بلعم أن يدعو باسم الله الأعظم على موسى وعسكره فأبى، فألحوا عليه حتى دعا عليه ألا يدخل المدينة ودعا عليه موسى فالآيات التي أعطيها على هذا القول: هي اسم الله الأعظم وعلى قول ابن مسعود هي ما علمه موسى من الشريعة، وقيل: كان عنده من صحف إبراهيم، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هو أمية بن أبي الصلت، وكان قد أوتي علماً وحكمه وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافراً، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم، فالآية على هذا ما كان عنده من العلم، والانسلاخ عبارة عن البعد والانفصال منها كالانسلاخ من الثياب والجلد ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا ﴾ أي رفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض ﴾ عبارة عن فعله لما سقطت به منزلته عند الله ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب ﴾ أي صفته كصفة الكلب، وذلك غاية في الخسة والرداءة ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ اللهث هو تنفس بسرعة وتحريك أعضاء الفم وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات مع الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى إن تحمل عليه إن تفعل معه ما يشق عليه من طرد أو غيره أو تتركه دون أن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال كما لهث الكلب على كل حال.

وقيل: إن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره فصار مثل الكلب في صورته ولهثه حقيقة ﴿ ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا ﴾ أي صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه، وكصفة الرجل المشبه به؛ لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا، وشبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات ﴿ سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا وَأَنفُسَهُمْ ﴾ الآية: قدم هذا المفعول للاختصاص والحصر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذريتهم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: على الجمع ﴿ يقولوا ﴾ بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو ﴿ يلهث ذلك ﴾ بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة، الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى ﴿ ذرأنا ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون: بالهمز.

الوقوف: ﴿ أنفسهم ﴾ ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام.

بربكم ط فصلاً بين السؤال والجواب.

﴿ بلى ﴾ ج لأن ﴿ شهدنا ﴾ يصلح أن يكون من قولهم فيوقف على ﴿ شهدنا ﴾ ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون ﴿ شهدنا ﴾ من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلاً من جملة بلى متصلاً بأن تقولوا.

﴿ غافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من بعدهم ﴾ ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل.

﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ج لأن قوله ﴿ فمثله ﴾ مبتدأ ولدخول الفاء فيه ﴿ كمثل الكلب ﴾ ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل ﴿ أو تتركه يلهث ﴾ ط ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ المهتدي ﴾ ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفة لـ ﴿ كثيراً ﴾ ، ﴿ لا يفقهون بها ﴾ ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة ﴿ لهم ﴾ في أول كل جملة ﴿ لا يسمعون بها ﴾ ط ﴿ أضل ﴾ ط ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ فادعوه بها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ في أسمائه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ وج وعطف ﴿ وأملي ﴾ على ﴿ سنستدرجهم ﴾ احسن من جعله مستأنفاً فيوقف على ﴿ أملي ﴾ ، ﴿ لهم ﴾ ، ﴿ متين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين.

وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله  فقال  : "إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.

قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟

فقال رسول الله  : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس.

وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه  أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله  إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشراً سوياً وخلقاً كاملاً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال ﴿ ألست بربكم ﴾ وكأنهم ﴿ قالوا بلى ﴾ أنت ربنا ﴿ شهدنا على أنفسنا ﴾ وأقررنا بوحدانيتك.

وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره ﴿ فقال له وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين  ﴾ وقال الشاعر.

امتلأ الحوض وقال قطني *** وهذا القول الثاني غير منافٍ للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول.

والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بني آدم ﴾ بدل البعض من الكل.

فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.

وعلى هذا فلم يذكر الله  أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئاً.

ويمكن أن يجاب بأنه  يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معاً صوناً للآية والخبر عن الطعن.

ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ.

ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهوراً امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصور النسيان فيه.

ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطاً في الحياة والعقل.

فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهراً فرداً.

ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟

وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل.

وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا ههنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق.

وقيل: إن الله  يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة.

ومنها أنه  قال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] وقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق  ﴾ وكون أولئك الذر أناساً ينافي كون الإنسان مخلوقاً من الماء والطين.

والجواب لا يجوز أن يخرج الله  من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جراً إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟

وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثا: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد.

ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة ﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين  ﴾ لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم.

أما قوله ﴿ أن تقولوا ﴾ فالتقدير: وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا ﴿ يوم القيامة أنا كنا عن هذا ﴾ المشهود له ﴿ غافلين ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله ﴿ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ﴾ لئلا يقولوا.

ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله ﴿ ألست بربكم ﴾ وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.

﴿ أو يقولوا ﴾ يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ والحاصل أن الله  لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر.

وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.

وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود.

وكذلك قوله ﴿ واتل عليهم ﴾ أي على اليهود ﴿ نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ أما قوله ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿ نفصل الآيات ﴾ لهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد.

ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر ﴿ واتل عليهم ﴾ على بني آدم أو اليهود خاصة.

وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء؛ وذلك أن موسى  قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفاراً فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه.

وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم.

فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى  وبنو إسرائيل بدعائه في التيه.

فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟

فقال: بدعاء بلعم.

فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه.

ثم دعا موسى  أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله  مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.

ويقال أيضاً أنه كان نبياً من أنبياء الله  فلما دعا عليه موسى  انتزع الله  منه الإيمان فكان كافراً وهذا بعيد لأنه  قال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته  ﴾ وفيه أنه  لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟

وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافراً ولم يؤمن بالنبي  وهو الذي قال فيه النبي  : "لقد كاد يسلم" .

وذلك أنه يوحد الله  في شعره وذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.

وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي  بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريداً وحيداً وهو قول سعيد بن المسيب.

وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي  نبي الحق عن الحسن والأصم.

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة.

قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟

قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.

فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمُّنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: "أشأم من البسوس".

وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم.

ومعنى قوله ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفاً بها ﴿ فانسلخ منها ﴾ فخرج من محبة الله  إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه.

يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية إنه انسلخ منه.

وقال أبو مسلم ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر.

والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجوداً فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلاً.

وأيضاً ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفاً بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله ﴿ فأتبعه الشيطان ﴾ أي أدركه ولحقه وصار قريناً له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له ﴿ فكان من الغاوين ﴾ في علم الله  أو فصار منهم ﴿ ولو شئنا لرفعناه ﴾ إلى منازل الأبرار ﴿ بها ﴾ أي بتلك الآيات ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به.

قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا.

وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا.

وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا.

وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله ﴿ واتبع هواه ﴾ أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه.

قالت الأشاعرة: لفظة "لو" تدل على أن الله  قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر.

وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهراً أو جبراً إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره.

وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله  رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون ﴿ ولو شئنا ﴾ في معنى ما هو فعله.

ثم وضع قوله ﴿ فمثله كمثل الكلب ﴾ موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله ﴿ أن تحمل عليه ﴾ النصب على الحل كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيراً للمثل كما مر.

قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة.

فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضاً لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له.

عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.

قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل.

واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية.

وأيضاً هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث.

ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه.

وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله  في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.

﴿ فاقصص القصص ﴾ يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروانحو سيرته.

ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال ﴿ ساء مثلاً لقوم ﴾ ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم.

وفي ﴿ ساء ﴾ ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده.

وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله  ذكره؟

والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث.

أما قوله ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها.

ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وهو محمول على اللفظ من حيث إن "من" مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى ﴿ ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال.

مطاوع له والخسار لازم اللازم.

ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله  ، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة.

وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر.

وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ إلى آخره.

وذلك أنه بين أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل وخلاف مقدوره ومعلومه محال.

وأيضاً العاقل لا يريد الكفر والجهل.الموجبين لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة.

لا يقال العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقاداً صحيحاً لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا تسلسل بل ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام.

قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه  أراد من العبد الطاعة والعبادة والخير فقط كثيره كقوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وأيضاً أنه قال في معرض الذم ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ إلى آخره.

ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم.

وأيضاً لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلاً لأن منافع الدنيا بأسرها لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم على جميع الخلائق.

وأيضاً مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.

وأيضاً الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر "ولقد ذرأناهم" لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ لأن ظاهره يصح من غير حذف.

وعلى هذا أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً  ﴾ أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان غريقاً في بعض الأمور.

وأجيب إجمالاً بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلاً بأن النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام على العاقبة تجوّز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وههنا لا ضرورة فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وما بعدها وهو قوله ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ﴾ يدل على ما قلنا.

وأيضاً لا ريب أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، فالمراد أنهم كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.

ثم إنه  كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في عداوة الرسول  وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغاً لا يكتنه كنهه.

والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ يثبت القول بالجبر.

وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن عليّ بن أبي طالب  خط الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.

وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها.

وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر.

وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلاً ثم قال: فإن قلت أني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري.

أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار.

والله  أعلم.

قال بعض العلماء أنه  نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل على أن محل الفقه هو القلب.

وأقول: ليس المراد بالقلب ههنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح.

أما قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى الطبعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي أحوال التخيل والتفكر.

وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها.

وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع.

وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون وقيل: إنها تفر أبداً إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه إلى الأصنام.

وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة.

وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.

ثم نبه بقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى ﴾ على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكره  ، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات.

وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أوّل طه وفي آخر الحشر.

ومعنى حسن الأسماء حسن معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلا وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره  إلى غيره وثبوت افتقار غيره إليه.

وقد عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله  لا تكاد تنحصر بحسب السلوب والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله الحسنى أكثر.

والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه  .

ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم وإن كان معناها في حق الله مغايراً لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو "الله" و "الرحمن".

وقد يقيد القسم الأوّل بقيود مثل "يا أرحم الراحمين" و "يا أكرم الأكرمين" و "يا خالق السموات والأرضين".

ومنها أن يقال من الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا "يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم".

ومنها ما لا يكون كذلك كقولنا "مميت" و "ضارّ" فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب أن يقال "يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع".

ومنها أن يقال أوّل ما يعلم من صفات الله  كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك إنما يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأوّل باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، والثاني هو المعنيّ بكونه قادراً.

ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ثم نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حياً فظهر أن العلم بصفاته وبأسمائه ليس واقعاً في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله  لأن كل الشرف والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله  .

ومن هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟

وقد مر تحقيق ذلك في تفسير البسملة وفي الأنعام في قوله ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ أما قوله ﴿ فادعوه بها ﴾ ففيه دليل على أن الإنسان لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون مستحضراً الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم "الله أكبر" يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه.

يقال قد ألحد في الدين ولحد.

وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر.

قال الواحدي: الأجود قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد.

والإلحاد في أسماء الله  يقع على ثلاثة أوجه: الاوّل: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة الكذاب يسمى نفسه الرحمن.

والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن البدو وإن قالوا بجهلهم "يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخّي" بناء على أن النخوة مدح.

الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلاً.

قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال "يا معلم" وإن ورد ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ أو غاوٍ وإن ورد ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ﴾ ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ ثم لما أخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون لنار حكى أن بعضاً منهم مخلوقون للجنة فقال ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ وقد مر مثل هذه الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة محمد صلى الله عليه وآله.

وروى الربيع أن النبي  كان يقول: "إذ قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها" .

وعن الربيع بن أنس أن النبي  قرأ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى" .

وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب.

وقال الجبائي: هم العلماء والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ قال ابن عباس: يري أهل مكة والظاهر أنه عام.

والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء.

ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ ما يراد بهم.

وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون ﴿ وأملي لهم ﴾ أطيل لهم مدة عمرهم ﴿ إن كيدي متين ﴾ عن ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي.

يقال متن متانة.

واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء الكفر لا يكون كفراً آخر.

وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما يزيد الكافر به كفراً وعتواً واستحقاقاً للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف لما خلقه وألقاه في ورطة التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال ﴿ لقد ذرأنا لجهنم ﴾ الآية.

التأويل: ﴿ وإذا أخذ ربك ﴾ لم يقل "ربكم" ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره  وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه  ، وأنه  لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله  سمعهم وأبصارهم وألسنتهم ﴿ إنما أشرك آباؤنا ﴾ بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ﴿ فانسلخ منها ﴾ أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً ﴾ وهم مظاهر القهر ﴿ فادعوه بها ﴾ بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم ﴿ سنستدرجهم ﴾ فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ .

اختلف أهل التأويل في [نبأ] هذا: قال بعضهم: كان هذا نبيّاً فانسلخ منها، يعني: من النبوة وكفر بها.

لكن هذا بعيد محال أن يجعل الله الرسالة فيمن يعلم أنه يكفر به، أو يختاره لوحيه، وهو يعلم أنه ليس [هو] بأهل له؛ بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

وقال بعضهم: كان بلعم بن باعوراء أعطاه الله -  - آيات فكفر بها وانسلخ منها.

وقيل: أعطي الاسم [المخزون الذي كان يستجاب له به] جميع ما يسأل ربه.

وقال بعضهم: كان أمية بن أبي الصلت؛ على [ما قال عنه -  -]: إنه "آمن شعره وكفر قلبه".

وقال بعضهم: نزلت الآية في منافقي أهل الكتاب؛ قد كان أعطاهم الله الآيات، فكفروا بها وكذبوها.

ولكن لا ندري فيمن نزلت، وهو في جميع مكذبي الآيات، ليس يجب أن ننص واحداً، أو يشار إلى واحد نزلت فيه، ولكن نقول: إنها في جميع مكذبي الآيات.

وقوله: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ : خرج منها، و[قيل]: نزع منها.

وقيل: تركها؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ أي: كانوا قبلوها مرة، ثم ردوها من بعد القبول.

ويحتمل: أن لم يقبلوها ابتداء فخرجوا منها وكذبوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ .

فيه دلالة أن الله لا يتبع الشيطان أحد ولا يزيغه إلا بعد أن كان منه الاختيار للضلال والميل إليه؛ حيث قال: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ إنما أتبعه الشيطان بعد ما كان منه الانسلاخ والنزع.

وقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ قيل: كان في علم الله أن يكون في ذلك الوقت من الغاوين.

وقيل: كان من الغاوين، أي: صار من الغاوين إذا انسلخ منها وخرج، والغاوي: الضال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ : عصمناه حتى لا ينسلخ منها ولا يكذب بها، أي: لو شئنا لوفقناه لها حتى يعمل بها.

أو أن يقال: لو شئنا لعصمناه حتى لا يختار ما اختار، لكنه إذ علم منه أنه يختار ذلك ويميل إليه، شاء ألاّ يعصمه، ولا يوفقه، فكيفما كان فهو على المعتزلة؛ لأنه أخبر: [أنه] لو شاء لرفعه بها، وكان له مشيئة الرفع، ثم أخبر أنه لم يرفع، ولو رفعه بها كان أصلح له في الدين؛ دل أنه قد يفعل به ما ليس هو بأصلح في الدين، وهم يقولون: [إن] المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، لا مشيئة الاختيار، لكن ما ذكرنا أن الإيمان في حال الاضطرار والقهر لا يكون إيماناً، فلا معنى لذلك، ولا يكون ذلك رفعاً؛ فيبطل قولهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ : هو ما ذكرنا؛ لما علم منه أنه يخلد إلى الأرض ويميل إليها، لم يعصمه ولم يرفعه.

والإخلاد إلى الأرض: قال الحسن: سكن إلى الأرض.

وكذلك قال الكيساني: [إن] الإخلاد في كلامهم: السكون إلى الشيء والركون إليه.

وقال أبو عبيدة: هو اللزوم للشيء.

وفي قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ دلالة أن الإزاغة من الله وترك العصمة له؛ لما يكون من العبد الميل والركون إلى مخالفته، وترك الائتمار له، واتباع الهوى.

قال قتادة: قوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ يقول: لو شئنا لرفعناه من إيتائه الهدى، فلم يكن للشيطان عليه سبيل، ولكن يبتلى [من عباده من يشاء].

وقوله: ﴿ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ذكر الأرض يحتمل أن يكون كناية عن الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ .

ويحتمل أن يكون كناية عن الذل والهوان؛ لأن كل خير وبركة إنما يطلب من السماء، وهم إذا اختاروا ذلك اختاروا الذل والهوان.

وقال الحسن في قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ الآية، قال: حال الشيطان بينه وبين أن يصحب الهدى بما مناه وزين له واتبع هواه، ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ ﴾ قال: هذا مثل الكافر، أميت فؤاده كما أميت فؤاد الكلب.

[وقوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: ساء مثل الأفعال التي ضرب الله مثلها بالذي ذكر في القرآن، قال]: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ﴾ ، صدق الله وبئس المثل ﴿ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، فتدبروا وتفكروا في أمثال الله التي ضرب واعقلوها؛ إلى هذا ذهب الحسن.

وقال غيره: وجه ضرب مثل الذي كذب بالآيات بالكلب، هو أن الكلب من عادته أنه يذل ويخضع لكل أحد؛ لما يطمع أن ينال منه أدنى شيء، ولا يبالي ما يصيبه من الذل والهوان في ذلك بعد أن ينال منه بشيء؛ فعلى ذلك الكافر والمكذب بالآيات لا يبالي ما يلحقه من الذل والهوان بعد أن يصيب من الدنيا شيئاً.

ويشبه أن يكون وجه ضرب المثل بالكلب؛ لما أن من عادة الكلاب [أنها] إذا ظفرت بالجيف تنكب لها، حتى إذا ينادي لها وتدعى لا تكترث إليه ولا تلتفت؛ فعلى ذلك هذا الكافر ينكب لكل جيفة ويخضع، ولا يلتفت إلى ما نودي ودعي إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ .

أي: يخرج لسانه ويتنفس تنفساً [شديداً].

﴿ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ ومعناه - والله أعلم - أن الكلب إذا أصابه العطش والجوع لهث، وإذا لم يصبه لهث أيضاً، فعلى ذلك الكافر يميل إلى ذلك ويختار، أصابته شدة أو لم تصبه؛ أو كلام نحو هذا.

وقال قتادة: هذا مثل الكافر، ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب.

﴿ ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ضرب الله - عز وجل - مثل الكافر مرة بالكلب، ومرة بالميت، ومرة بالأعمى، ومرة بالتراب، ومرة بالأنعام، ونحو هذا؛ وذلك لما فيه من معاني ما ذكر.

وقوله: ﴿ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ...

﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا ﴾ أمر رسوله ليقص أنباء الأمم السالفة على هؤلاء؛ ليكون زجراً وتحذيراً للكفار؛ ليعلموا ما حل بأولئك بصنيعهم؛ ليحذروا عن مثل صنيعهم، ويكون عظة وتذكيراً للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا...

﴾ الآية، قد ذكرنا في غير موضع أن آياته، قيل: دينه.

وقيل: حججه وبراهينه.

وقوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ﴾ \[أي ساء مثل\] الأفعال التي ضرب الله مثلها بالذي ذكر في القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي ﴾ .

شهد الله -  - أن من هداه فهو المهتدي؛ أي: من هداه الله في الدنيا فهو المهتدي في الآخرة، ومن يضلل الله في الدنيا فهو الخاسر في الآخرة، فلو كانت الهداية البيان والأمر والنهي - على ما ذكر قوم - لكان الكافر والمؤمن في ذلك سواء؛ إذ كان البيان والأمر والنهي للكافر على ما كان للمؤمن فلم يهتد، فدل أن في ذلك من الله زيادة معنى للمؤمن لم يكن ذلك منه إلى الكافر، وهو التوفيق والعصمة والمعونة، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى [كما اهتدى] المؤمن، ولو كان بياناً لكان ذلك البيان من الرسل وغيره على قولهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ أخبر أن من أضله فقد خسر؛ دل أنه كان منه زيادة معنى، وهو الخذلان والترك، أو خلق فعل الضلال، وليس على ما يقوله المعتزلة أنه قد هداهم جميعاً، لكن لم يهتدوا؛ فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟!

كما قال لليهود: ﴿ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ  ﴾ ، فظاهر الآية على خلاف ما يقولون ويذهبون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من يوفقه الله للهداية إلى صراطه المستقيم فهو المهتدي حقًّا؛ ومن يبعده عن الصراط المستقيم، فأولئك هم الناقصون أنفسهم حظوظهم حقًّا، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.

من فوائد الآيات المقصود من إنزال الكتب السماوية العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها فقط، فإن ذلك نَبْذ لها.

أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، فإذا كانت فطرته سليمة، ولم يدخل عليها ما يفسدها أدرك هذه الأدلة، وعمل بمقتضاها.

في الآيات عبرة للموفَّقين للعمل بآيات القرآن؛ ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم للعمل بها؛ لتزكو نفوسهم.

في الآيات تلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال.

<div class="verse-tafsir" id="91.kq3EV"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل