الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٧٩ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 116 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ولقد ذرأنا ) أي : خلقنا وجعلنا ( لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) أي : هيأناهم لها ، وبعمل أهلها يعملون ، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلائق ، علم ما هم عاملون قبل كونهم ، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، كما ورد في صحيح مسلم ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء " وفي صحيح مسلم أيضا ، من حديث عائشة بنت طلحة ، عن خالتها عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، أنها قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار ، فقلت : يا رسول الله طوبى له ، عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل السوء ولم يدركه .
فقال [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] أو غير ذلك يا عائشة ؟
إن الله خلق الجنة ، وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار ، وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم " وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود [ رضي الله عنه ] ثم يبعث إليه الملك ، فيؤمر بأربع كلمات ، فيكتب : رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أم سعيد " .
وتقدم أن الله [ تعالى ] لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين : أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، قال : " هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي " .
والأحاديث في هذا كثيرة ، ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها .
وقوله تعالى : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) يعني : ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله [ سببا للهداية ] كما قال تعالى : ( وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله [ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ] ) [ الأحقاف : 26 ] وقال تعالى : ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) [ البقرة : 18 ] هذا في حق المنافقين ، وقال في حق الكافرين : ( صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) [ البقرة : 171 ] ولم يكونوا صما بكما عميا إلا عن الهدى ، كما قال تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) [ الأنفال : 23 ] ، وقال : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الحج : 46 ] ، وقال ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ) [ الزخرف : 36 ، 37 ] .
وقوله تعالى : ( أولئك كالأنعام ) أي : هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى ، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يعيشها من ظاهر الحياة الدنيا كما قال تعالى : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [ صم بكم عمي ] ) [ البقرة : 171 ] أي : ومثلهم - في حال دعائهم إلى الإيمان - كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته ، ولا تفقه ما يقول ; ولهذا قال في هؤلاء : ( بل هم أضل ) أي : من الدواب ; لأن الدواب قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبس بها ، وإن لم تفقه كلامه ، بخلاف هؤلاء ; ولأن الدواب تفقه ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها ، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده ، فكفر بالله وأشرك به ; ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده ، ومن كفر به من البشر ، كانت الدواب أتم منه ; ولهذا قال تعالى : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )
القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا لجهنّم كثيرًا من الجن والإنس.
* * * يقال منه: ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذَرْءًا.
(1) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15443 - حدثني علي بن الحسين الأزدي قال: حدثنا يحيى بن يمان, عن مبارك بن فضالة, عن الحسن, في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس) قال: مما خلقنا.
(2) 15444 - ....
حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة, عن مبارك, عن الحسن, في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: خلقنا.
15445 - ....
قال: حدثنا زكريا, عن عتاب بن بشير, عن علي بن بذيمة, عن سعيد بن جبير قال: أولاد الزنا ممّا ذرأ الله لجهنم.
15446 - قال: حدثنا زكريا بن عدي، وعثمان الأحول, عن مروان بن معاوية, عن الحسن بن عمرو, عن معاوية بن إسحاق, عن جليس له بالطائف, عن عبد الله بن عمرو, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لما ذرأ لجهنم ما ذرأ, كان ولدُ الزنا ممن ذرأ لجهنم ".
(3) 15447 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ولقد ذرأنا لجهنم)، يقول: خلقنا.
15448 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: لقد خلقنا لجهنم كثيرًا من الجن و الإنس.
15449 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (ولقد ذرأنا لجهنم)، خلقنا.
* * * قال أبو جعفر: وقال جل ثناؤه: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس )، لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم.
* * * وأما قوله: (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها)، فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله, ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته, ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله, (4) فيعلموا توحيد ربِّهم, ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم.
فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم: " لا يفقهون بها "، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة [نبوّة] الرسل، (5) وبُطُول الكفر.
وكذلك قوله: (ولهم أعين لا يبصرون بها)، معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته, فيتأملوها ويتفكروا فيها, فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم, وفسادِ ما هم عليه مقيمون، من الشرك بالله، وتكذيب رسله; فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحقّ، بأنهم لا يبصرون بها.
(6) وكذلك قوله: (ولهم آذان لا يسمعون بها)، آيات كتاب الله، فيعتبروها ويتفكروا فيها, ولكنهم يعرضون عنها, ويقولون: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ، [سورة فصلت: 26].
وذلك نظير وصف الله إياهم في موضع آخر بقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ، [سورة البقرة: 171] .والعرب تقول ذلك للتارك استعمالَ بعض جوارحه فيما يصلح له, ومنه قول مسكين الدارمي: أَعْمَــى إِذَا مَــا جَـارَتِي خَرَجَـتْ حَــتَّى يُــوَارِيَ جَــارَتِي السِّـتْرُ (7) وَأَصَــمُّ عَمَّـا كَـــانَ بَيْنَهُمَــا سَــمْعِي وَمَـا بِالسَّـمْعِ مِـنْ وَقْــرِ فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم.
ومنه قول الآخر: (8) وَعَــوْرَاءُ اللِّئَــامِ صَمَمْـتُ عَنْهَـا وَإِنِّــي لَــوْ أَشَــاءُ بِهَـا سَـمِيعُ (9) وَبَـادِرَةٍ وَزَعْـــتُ النَّفْـسَ عَنْهَـا وَقَـدْ تَثِقَـتْ مِـنَ الْغَضَـبِ الضُّلُـوعُ (10) وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* * * * ذكر من قال ذلك: 15450 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها) قال: لا يفقهون بها شيئًا من أمر الآخرة =(ولهم أعين لا يبصرون بها)، الهدى=(ولهم آذان لا يسمعون بها) الحقَّ، ثم جعلهم كالأنعام سواءً, ثم جعلهم شرًّا من الأنعام, (11) فقال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، ثم أخبر أنهم هم الغافلون.
* * * القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (أولئك كالأنعام)، هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم، هم كالأنعام, وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها، (12) ولا تفهم ما أبصرته لما يصلح وما لا يَصْلُح، (13) ولا تعقل بقلوبها الخيرَ من الشر، فتميز بينهما.
فشبههم الله بها, إذ كانوا لا يتذكَّرون ما يرون بأبصارهم من حُججه, ولا يتفكرون فيما يسمعون من آي كتابه.
ثم قال: (بل هم أضل)، يقول: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأهم لجهنم، أشدُّ ذهابًا عن الحق، وألزم لطريق الباطل من البهائم، (14) لأن البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتختار وتميز, وإنما هي مسَخَّرة، ومع ذلك تهرب من المضارِّ، وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلح.
والذين وصفَ الله صفتهم في هذه الآية, مع ما أعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المصالح والمضارّ, تترك ما فيه صلاحُ دنياها وآخرتها، وتطلب ما فيه مضارّها, فالبهائم منها أسدُّ، وهي منها أضل، كما وصفها به ربُّنا جل ثناؤه.
وقوله: (أولئك هم الغافلون)، يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم, القومُ الذين غفلوا =يعني: سهوًا (15) عن آياتي وحُججي, وتركوا تدبُّرها والاعتبارَ بها والاستدلالَ على ما دلّت عليه من توحيد ربّها, لا البهائم التي قد عرّفها ربُّها ما سخَّرها له.
---------------- الهوامش : (1) انظر تفسير (( ذرأ )) فيما سلف 12 : 130 ، 131 ، وهناك زيادة في مصادره .
(2) ( 1) الأثر : 15443 - (( على بن الحسن الأزدي )) ، وفي المطبوعة والمخطوطة : (( على بن الحسين )) ، وتبعت ما مضى برقم 10258 ، لموافقته لما في تاريخ الطبري .
وقد ذكرت هناك أنى لم أجد له ترجمة ، وبينت مواضع روايته عنه في التاريخ .
ووقع هناك خطأ ، فإن الذي في الإسناد (( على بن الحسن )) ، وكتبت أنا في الهامش والتعليق : (( على بن الحسين )) ، وكذلك فعلت في الفهارس ، فليصحح ذلك .
ووقع خطأ آخر في الفهارس ، كتبت رقم : ( 10285 ) ، وصوابه ( 10258 ) .
(3) الأثر : 15446 - (( زكريا بن عدى بن زريق التيمى )) ، شيخ أبي كريب ، وهو راوى الخبر ، ثقة جليل ، مضى برقم : 1566 .
(( عثمان الأحول )) ، شيخ أبي كريب ، هو (( عثمان بن سعيد القرشي )) ، الزيات الأحول الطيب الصائغ .
مضى برقم : 137 ، 11547 .
و (( مروان بن معاوية الفزارى )) ، الحافظ الثقة ، مضى برقم : 1222 ، 3322 ، 3842 ، 7685 .
و (( الحسن بن عمرو الفقيمى التميمى )) ، ثقة أخرج له البخاري في صحيحه ، مضى برقم : 3765 .
و (( معاوية بن إسحق بن طلحة التيمى )) ، تابعى ثقة ، مضى برقم : 3226 .
وهذا إسناد ضعيف ، لجهالة من روى عنه (( معاوية بن إسحق )) ، وهو(( جليس له بالطائف )) .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 147 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ وابن مردويه .
(4) انظر تفسير (( الفقه )) فيما سلف 11 : 572 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(5) في المطبوعة والمخطوطة : (( صحة الرشد )) ، ولا معنى لها ، واستظهرت الصواب من سياق تفسيره ، وزدت ] نبوة [ بين القوسين ، لتطلب الكلام لها .
(6) في المطبوعة : (( بأنهم لا يبصرون )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(7) أمالي المرتضى 1: 43 : 44 ثم 474 ، من قصيدة رواها وشرحها ، وخزانة الأدب 1 : 468 ، وصواب رواية البيت الأول : (( جارتى الخدر )) ، لأن قبله : مــا ضــر جــارى إذ أجـاوره أن لا يكـــون لبيتـــه ســـتر ورواية الشطر الثاني : (( سمعى ، وما بى غيره وقر )) ، بغير إقواء .
(8) هو عبد الله بن مرة العجلي .
(9) حماسة البحترى : 172 ، وأنسيت أين قراتها في غير الحماسة .
والذي في حماسة البحترى : (( وعوراء الكلام )) ، وكانت في المخطوطة : و (( عوراء اللام )) ، وكأن الصواب ما في الحماسة .
و (( العوراء )) ، الكلمة القبيحة ، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد .
ومن أجود ما قيل في ذلك ، قول حاتم الطائي ، أو الأعور الشني :وعَـوْرَاءُ جَـاءَتْ مِــنْ أخٍ فَرَدَدْتُهـا بسَــالِمَةِ العَيْنيــن طَالِبــة عُـذْرَا ولــو أنَّنـى إذ قَالهـا قلـتُ مثلَهـا ولـم أعْـفُ عنهـا، أوْرَثتْ بيْنَنَا غَمْرَا فـأعْرَضْتُ عَنْــهُ وانتظـرتُ به غَدا لعــلَّ غــدًا يُبْـدِي لمنتظـرٍ أمْـرَا وقلــتُ لـه: عـد بـالأخوة بينَنـا!
ولـم أتَّخِـذ مـا كـان من جَهْلِه قمرَا لأنــزع ضبًّـا كامنًـا فـي فــؤادِه وأُقَلِّـمُ أظفـارًا أطَـالَ بهــا الحـفرَا (10) في المطبوعة : (( ولو بنيت من العصب )) ، وهو كلام فاسد ، غير ما في المخطوطة ، وكان فيها (( وقد نتقت من العصب )) ، غير منقوطة ، فلم يفهمها ، فأتى بما لا يعقل .
وفي حماسة البحترى : (( إذا تيقت )) ، ووضع كسرة تحت التاء ، وفتح القاف .
ولا معنى له .
و (( البادرة )) ، الخطأ والسقطات التي تسبق من المرء إذا ما غضب واحتد ، من فعل أو قول .
و ( وزع النفس عن الشيء )) ، كفها وحبسها .
و (( تئق الرجل )) ، امتلأ غضباً وغيظاً .
و (( التأق )) ، شدة الامتلاء حتى لا موضع لمزيد .
(11) في المخطوطة : (( ثم جعلهم كالأنعام ، ثم جعلهم سواء شراً من الأنعام )) ، فحذف ناشر المطبوعة كلمة (( سواء )) ، ولكنى أثبتها في حاق مكانها .
(12) انظر تفسير (( الأنعام )) فيما سلف 12 : 139 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(13) في المطبوعة : (( مما يصلح ، ومما لا يصلح )) ، أثبت ما في المخطوطة وهو جيد .
(14) انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .
(15) انظر تفسير (( غفل )) فيما سلف ص : 115 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [ ص: 290 ] قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس أخبر تعالى أنه خلق للنار أهلا بعدله ثم وصفهم فقال لهم قلوب لا يفقهون بها بمنزلة من لا يفقه ; لأنهم لا ينتفعون بها ، ولا يعقلون ثوابا ولا يخافون عقابا .وأعين لا يبصرون بها الهدى .
وآذان لا يسمعون بها المواعظ .
وليس الغرض نفي الإدراكات عن حواسهم جملة كما بيناه في البقرة .أولئك كالأنعام بل هم أضل لأنهم لا يهتدون إلى ثواب ، فهم كالأنعام ; أي همتهم الأكل والشرب ، وهم أضل ; لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها ، وهم بخلاف ذلك .
وقال عطاء : الأنعام تعرف الله ، والكافر لا يعرفه .
وقيل : الأنعام مطيعة لله تعالى ، والكافر غير مطيع .أولئك هم الغافلون أي تركوا التدبر وأعرضوا عن الجنة والنار .
يقول تعالى مبينا كثرة الغاوين الضالين، المتبعين إبليس اللعين: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا أي: أنشأنا وبثثنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ صارت البهائم أحسن حالة منهم.
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا أي: لا يصل إليها فقه ولا علم، إلا مجرد قيام الحجة.
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا ما ينفعهم، بل فقدوا منفعتها وفائدتها.
وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا سماعا يصل معناه إلى قلوبهم.
أُولَئِكَ الذين بهذه الأوصاف القبيحة كَالأنْعَامِ أي: البهائم، التي فقدت العقول، وهؤلاء آثروا ما يفنى على ما يبقى، فسلبوا خاصية العقل.
بَلْ هُمْ أَضَلُّ من البهائم، فإن الأنعام مستعملة فيما خلقت له، ولها أذهان، تدرك بها، مضرتها من منفعتها، فلذلك كانت أحسن حالا منهم.
أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ الذين غفلوا عن أنفع الأشياء، غفلوا عن الإيمان باللّه وطاعته وذكره.
خلقت لهم الأفئدة والأسماع والأبصار، لتكون عونا لهم على القيام بأوامر اللّه وحقوقه، فاستعانوا بها على ضد هذا المقصود.
فهؤلاء حقيقون بأن يكونوا ممن ذرأ اللّه لجهنم وخلقهم لها، فخلقهم للنار، وبأعمال أهلها يعملون.
وأما من استعمل هذه الجوارح في عبادة اللّه، وانصبغ قلبه بالإيمان باللّه ومحبته، ولم يغفل عن اللّه، فهؤلاء، أهل الجنة، وبأعمال أهل الجنة يعملون.
( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار ، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ، ومن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها .
أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي ، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي ، أنا أحمد بن محمد بن أبي حمزة البلخي ، حدثنا موسى بن محمد بن الحكم الشطوي ، حدثنا حفص بن غياث ، عن طلحة بن يحيى ، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت : أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - جنازة صبي من صبيان الأنصار ، فقالت عائشة : طوبى له عصفور من عصافير الجنة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما يدريك؟
إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم " .
وقيل : اللام في قوله " لجهنم " لام العاقبة ، أي : ذرأناهم ، وعاقبة أمرهم جهنم ، كقوله تعالى : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " ( القصص 8 ) ، ثم وصفهم فقال : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) أي لا يعلمون بها الخير والهدى .
( ولهم أعين لا يبصرون بها ) طريق الحق وسبيل الرشاد ، ( ولهم آذان لا يسمعون بها ) مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها ، ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب ، فقال : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) أي : كالأنعام في أن همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات ، بل هم أضل لأن الأنعام تميز بين المضار والمنافع ، فلا تقدم على المضار ، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة ، مع العلم بالهلاك ، ( أولئك هم الغافلون )
«ولقد ذَرأْنا» خلقنا «لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها» الحق «ولهم أعين لا يبصرون بها» دلائل قدرة الله بصر اعتبار «ولهم آذان لا يسمعون بها» الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ «أولئك كالأنعام» في عدم الفقه والبصر والاستماع «بل هم أضل» من الأنعام لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها وهؤلاء يقدمون على النار معاندة «أولئك هم الغافلون».
ولقد خلقنا للنار -التي يعذِّب الله فيها مَن يستحق العذاب في الآخرة - كثيرًا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يعقلون بها، فلا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، ولهم آذان لا يسمعون بها آيات كتاب الله فيتفكروا فيها، هؤلاء كالبهائم التي لا تَفْقَهُ ما يقال لها، ولا تفهم ما تبصره، ولا تعقل بقلوبها الخير والشر فتميز بينهما، بل هم أضل منها؛ لأن البهائم تبصر منافعها ومضارها وتتبع راعيها، وهم بخلاف ذلك، أولئك هم الغافلون عن الإيمان بالله وطاعته.
وقوله ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن ) كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله ومفصل له .و " الذرء " الخلق .
يقال : ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذرءًا ، أى : خلقهم .
واللام فى ( لِجَهَنَّمَ ) للعاقبة والصيرورة .أى : ولقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب بها كثيراً من الجن والإنس وهم الكفار المعرضون عن الآيات وتدبرها ، الذين علم الله منهم أزلا اختيارهم الكفر فشاءه منهم وخلقه فيهم وجعل مصيرهم النار لذلك .ثم بين - سبحانه - صفاتهم التى أدت بهم إلى هذا المصير السيىء فقال .
( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ) أى : لا يفقهون بها الآيات الهادية إلى الكمالات مع أن دلائل الإيمان مبثوثة فى ثنايا الكون تدركها القلوب المتفتحة ، والبصائر المستنيرة .وجملة ( لَهُمْ قُلُوبٌ ) فى محل نصب صفة أخرى لقوله ( كَثِيراً ) وجملة ( لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ) فى محل رفع صفة لقلوب .وقوله ( وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ) أى : لهم أعين لا يبصرون بها ما فى هذا الكون من براهين تشهد بوحدانية الله ، مع أنها معروضة للأبصار مكشوفة للأنظار ، فهم كما قال - تعالى - ، ( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) فهم لهم أعين ترى وتبصر ولكن بدون تأمل أو اعتبار ، فكأن وجودها وعدمه سواء .وقوله ( وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ ) أى : لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ ، أى أنهم لا ينتفعون بشىء من هذه الجوارح التى جعلها الله سببا للهداية .قال صاحب الكشاف : " هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم : وجعلهم فى أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار ، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب ، وإبصار العيون واستماع الآذان ، وجعلهم - لإعراقهم فى الكفر وشدة شكائمهم فيه ، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار - مخلوقين للنار ، دلالة على توغلهم فى الموبقات ، وتوغلهم فيما يؤهلهم لدخول النار " .وقوله ( أولئك كالأنعام ) أى : أولئك الموصفون بتلك الصفات المذكورة كالأنعام السارحة التى لا تنتفع بشىء من هذه الجوارح التى جعلها الله سبباً للهداية .وقوله ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) تنقيص لهم عن رتبة الأنعام ، أى : بل هم أسوأ حالا من الأنعام ، إذ أن الأنعام ليس لها وسى الاستعدادات الفطرية التى تهديها أما الإنسان فقد زود إلى جانب الفطرة بالقلب الواعى ، والعقل المدرك ، والعين المبصرة ، وزود بالقدرة على اتباع الهدى أو اتباع الضلال ، فإذا لم يفتح بصره وقلبه وسمعه على الحق فإنه يكون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية .وقوله ( أولئك هُمُ الغافلون ) أى أولئك المنعوتون بما ذكرهم الكاملون فى الغفلة عما فيه صلاحهم وخيرهم وسعادتهم ، بسبب استحواذ الهوى والشيطان عليهم ولا يظلم ربك أحدا .
هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات وتقريره من وجوه: الأول: أنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم، ولا مزيد على بيان الله.
الثاني: أنه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل النار، فلو لم يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلاً وخبره الصدق كذباً وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال، فعدم دخولهم في النار محال، ومن علم كون الشيء محالاً امتنع أن يريده، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يريد أن لا يدخلهم في النار، بل يجب أن يريد أن يدخلهم في النار، وذلك هو الذي دل عليه لفظ الآية.
الثالث: أن القادر على الكفر إن لم يقدر على الإيمان، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر، فقد أراد أن يدخله في النار، وإن كان قادراً على الكفر وعلى الإيمان معاً امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل، وإن حصل من قبله تعالى، فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة للظفر، فقد خلقه للنار قطعاً.
الرابع: أنه تعالى لو خلقه للجنة وأعانه على اكتساب تحصيل ما يوجب دخول الجنة، ثم قدرنا أن العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار، فحينئذ حصل مراد العبد، ولم يحصل مراد الله تعالى، فيلزم كون العبد أقدر وأقوى من الله تعالى، وذلك لا يقوله عاقل، والخامس: أن العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق النار، وإنما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب والدخول في الجنة، فلما حصل الكفر والجهل على خلاف قصد العبد وضد جهده واجتهاده، وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد، بل يجب أن يكون حصوله من قبل الله تعالى.
فإن قالوا: العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل، لأنه اشتبه الأمر عليه وظن أنه هو الاعتقاد الحق الصحيح.
فنقول: فعلى هذا التقدير: إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدم، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل وهو محال، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر، فقد توجه الإلزام وتأكد الدليل والبرهان، فثبت أن هذه البراهين العقلية ناطقة بصحة ما دل عليه صريح قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس ﴾ قالت المعتزلة: لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لأن كثيراً من الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة.
والعبادة والخير والصلاح.
قال تعالى: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِّتُؤْمِنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ وقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ وقال: ﴿ هُوَ الذي يُنَزّلُ على عَبْدِهِ ءايات بينات لّيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ وقال: ﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط ﴾ وقال: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ وأمثال هذه الآيات كثيرة، ونحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس ﴾ على ظاهره.
الوجه الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ وهو تعالى إنما ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا مخلوقين للنار، ولما كانوا قادرين على الإيمان ألبتة وعلى هذا التقدير فيقبح ذمهم على ترك الإيمان.
الوجه الثالث: وهو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من الكفار نعمة أصلاً، لأن منافع الدنيا بالقياس إلى العذاب الدائم، كالقطرة في البحر، وكان كمن دفع إلى إنسان حلواً مسموماً فإنه لا يكون منعماً عليه، فكذا هاهنا.
ولما كان القرآن مملوأ من كثرة نعمة الله على كل الخلق، علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم.
الوجه الرابع: أن المدح والذم، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه.
الوجه الخامس: لو أنه تعالى خلقهم للنار، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار، لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.
الوجه السادس: أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾ متروك الظاهر، لأن جهنم اسم لذلك الموضع المعين، ولا يجوز أن يكون الموضع المعين مراداً منه، فثبت أنه لابد وأن يقال: إن ما أراد الله تعالى بخلقهم منهم محذوف، فكأنه قال: ولقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا جهنم، فصارت الآية على قولهم متروكة الظاهر، فيجب بناؤها على قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ لأن ظاهرها يصح دون حذف.
الوجه السابع: أنه إذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام للعاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار، ونحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار، فكان قولنا أولى، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، فوجب المصير فيه إلى التأويل، وتقريره: أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والأنس، هي الدخول في نار جهنم، جائز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وكذلك نُصَرّفُ الأيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك، لكنهم لما قالوا ذلك، حسن ورود هذا اللفظ، وأيضاً قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ وأيضاً قال تعالى: ﴿ فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ وهم ما التقطوه لهذا الغرض إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ذلك، حسن هذا اللفظ، وأما الشعر فأبيات قال: وللموت تغدوا الوالدات سخالها *** كما لخراب الدهر تبنى المساكن وقال: أموالنا لذوي الميراث نجمعها *** ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقال: له ملك ينادي كل يوم *** لدوا للموت وابنو للخراب وقال: وأم سماك فلا تجزعي *** فللموت ما تلد الوالدة هذا منتهى كلام القوم في الجواب.
واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثاً.
وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة، فهي: معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة، ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿ مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ وهو صريح مذهبنا، وما بعد هذه الآية وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴾ ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس، إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا، كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفاً جداً.
أما قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في خلق الأعمال فقالوا: لا شك أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا، ولا شك أنه كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيات، وآذان يسمعون بها الكلمات، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية تقييدها بما يرجع إلى الدين، وهو أنهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع إلى مصالح الدين، وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.
وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت أنه تعالى كلفهم بتحصيل الدين مع أن قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصد عنه مع الأمر به، وذلك هو المطلوب قالت المعتزلة لو كانوا كذلك، لقبح من الله تكليفهم، لأن تكليف من لا قدرة له على العمل قبيح غير لائق بالحكيم.
فوجب حمل الآية على أن المراد منه أنهم بكثرة الإعراض عن الدلائل وعدم الالتفات إليها صاروا مشبهين بمن لا يكون له قلب فاهم ولا عين باصرة ولا أذن سامعة.
والجواب: أن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء، صارت تلك النفرة المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء، ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله، وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عافل من نفسه.
ولهذا السبب قالوا في المثل المشهور حبك الشيء يعمي ويصم.
إذا ثبت هذا فنقول: إن أقواماً من الكفار بلغوا في عداوة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي بغضه وفي شدة النفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه، والعلم الضروري حاصل بأن حصول البغض والحب في القلب ليس باختيار الإنسان، بل هو حاصل في القلب شاء الإنسان أم كره.
إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن حصول هذه النفرة والعداوة في القلب ليس باختيار العبد، وثبت أنه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب، فإن الإنسان لا يمكنه مع تلك النفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم والعلم، وإذا ثبت هذا ثبت القول بالجبر لزوماً لا محيص عنه.
ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطبة في تقرير هذا المعنى وهو في غاية الحسن.
روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج له الطمع أهلكه الحرص، وإن أهلكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد وأقول: هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف، وهو كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها، وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر، وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب الإحياء فصلاً في تقرير مذهب الجبر.
ثم قال فإن قيل: إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت، وإن شئت الترك تركت، فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري ثم قال: وهب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئته، وإن شئت أن لا تشاء لم تشأه، ما أظنك أن تقول ذلك، وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له: بل شئت أو لم تشأ فإنك تشاء ذلك الشيء، وإذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته، فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك فالإنسان مضطر في صورة مختار.
المسألة الثانية: احتج العلماء بقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ على أن محل العلم هو القلب، لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وهذا إنما يصح لو كان محل الفهم والفقه هو القلب، والله أعلم.
أما قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ فتقريره أن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة الغاذية والنامية والمولدة، ومتشاركة أيضاً في منافع الحواس الخمس الباطنة والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر والتذكر، وإنما حصل الامتياز بين الإنسان وبين سائر الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته، والخير لأجل العمل به: فلما أعرض الكفار عن اعتبار أحوال العقل والفكر ومعرفة الحق والعمل بالخير كانوا كالأنعام.
ثم قال: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل، والإنسان أعطي القدرة على تحصيلها، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخص حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها.
فلهذا السبب قال تعالى: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ وقال حكيم الشعراء: الروح عند إله العرش مبدؤه *** وتربة الأرض أصل الجسم والبدن قد ألف الملك الحنان بينهما *** ليصلحا لقبول الأمر والمحن فالروح في غربة والجسم في وطن *** فاعرف ذمام الغريب النازح الوطن وقيل في تفسير قوله: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ وجوه أخرى فقيل: لأن الأنعام مطيعة لله تعالى والكافر غير مطيع، وقال مقاتل: هم أخطأ طريقاً من الأنعام، لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه.
وقال الزجاج: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيل منافعها وتحترز عن مضارها، وهؤلاء الكفار وأهل العناد أكثرهم يعلمون أنهم معاندون ومع ذلك فيصرون عليه، ويلقون أنفسهم في النار وفي العذاب، وقيل إنها تفر أبداً إلى أربابها، ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه وإلهه الذي أنعم عليه بنعم لا حد لها.
وقيل: لأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد، فأما إذا كان معها مرشد قلما تضل، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب وهم يزدادون في الضلال ثم إنه تعالى ختم الآية فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون ﴾ قال عطاء: عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس ﴾ هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم.
وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحقّ، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر، كأنهم عدموا فهم القلوب، وإبصار العيون واستماع الآذان.
وجعلهم- لإعراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتي منهم إلاّ أفعال أهل النار- مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار ومنه كتاب عمر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد: بلغني أن أهل الشام اتخذوا لك دَلُوكاً عجن بخمر وإني لأظنكم آل المغيرة ذرء النار.
ويقال لمن كان عريقاً في بعض الأمور: ما خلق فلان إلاّ لكذا.
والمراد وصف حال اليهود في عظم ما أقدموا عليه من تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع علمهم أنه النبي الموعود.
وأنهم من جملة الكثير الذين لا يكاد الإيمان يتأتى منهم، كأنهم خلقوا للنار ﴿ أُوْلَئِكَ كالانعام ﴾ في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتدبر ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ من الأنعام عن الفقه والاعتبار والتدبر ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة.
وقيل: الأنعام تبصر منافعها ومضارّها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَخْتَصُّ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وأنَّها مُسْتَلْزَمَةٌ لِلِاهْتِداءِ والإفْرادُ في الأوَّلِ والجَمْعُ في الثّانِي بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، والمَعْنى تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُهْتَدِينَ كَواحِدٍ لِاتِّحادِ طَرِيقِهِمْ بِخِلافِ الضّالِّينَ، والِاقْتِصارُ في الإخْبارِ عَمَّنْ هَداهُ اللَّهُ بِالمُهْتَدِي تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الِاهْتِداءِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ كَمالٌ جَسِيمٌ ونَفْعٌ عَظِيمٌ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ لَكَفاهُ وأنَّهُ المُسْتَلْزَمُ لِلْفَوْزِ بِالنِّعَمِ الآجِلَةِ والعُنْوانِ لَها.
﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا ﴾ خَلَقْنا.
﴿ لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَعْنِي المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ في عِلْمِهِ تَعالى.
﴿ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ﴾ إذْ لا يُلْقُونَها إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والنَّظَرِ في دَلائِلِهِ.
﴿ وَلَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ﴾ أيْ لا يَنْظُرُونَ إلى ما خَلَقَ اللَّهُ نَظَرَ اعْتِبارٍ.
﴿ وَلَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ﴾ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَأمُّلٍ وتَذَكُّرٍ.
﴿ أُولَئِكَ كالأنْعامِ ﴾ في عَدَمِ الفِقْهِ والإبْصارِ لِلِاعْتِبارِ والِاسْتِماعِ لِلتَّدَبُّرِ، أوْ في أنَّ مَشاعِرَهم وقُواهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها.
﴿ بَلْ هم أضَلُّ ﴾ فَإنَّها تُدْرِكُ ما يُمْكِنُ لَها أنْ تُدْرِكَ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، وتَجْتَهِدُ في جَلْبِها ودَفْعِها غايَةَ جُهْدِها، وهم لَيْسُوا كَذَلِكَ بَلْ أكْثَرُهم يَعْلَمُ أنَّهُ مُعانِدٌ فَيُقْدِمُ عَلى النّارِ.
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس} هم الكفار من الفريقين المعرضون عن تدبر آيات الله والله تعالى علم منهم اختيار الكفر فشاء منهم الكفر وخلق فيهم ذلك وجعل مصيرهم تجهنم لذلك ولا تنافي بين هذا وبين قوله وماخلقت الجن والإنس إلا ليغبدون لأنه إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه بعديه وانا من علم أنه يكفر به فإنما خلقه لما علم أنه يكون منه فالحاصل أن من علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة ومن علم منه أن يكون منه الكفر خلقه لذلك وكم من عامٍ يراد به الخصوص وقول المعتزلة بأن هذه لام العاقبة أي لما كان عاقبتهم جهنم جعل كأنهم خلقوا لها فراراً عن إرادة المعاصي عدول عن الظاهر {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الحق ولا يتفكرون فيه {ولهم أعين لا يبصرون بها} الرشدة {ولهم
آذان لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} الوعظ {أُوْلَئِكَ كالأنعام} في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتفكر {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}
من الأنعام لأنهم كابروا العقول وعاندوا الرسول وارتكبوا الفضلو فالأنعام تطلب منافعها وتهرب عن مضارها وهم لا يعلمون مضارهم حيث اختاروا الناس وكيف يستوى للمكلف المأمور والمخى ل المعذور فالآدمي روحاني شهواني سماوي أرضي فإن غلب روحه هواه فاق ملائكة السموات وإن غلب هواه روحه فاقته بهائم الأرض {أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون} الكاملون في الغفلة
﴿ ولَقَدْ ذَرَأْنا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ، والذَّرْأُ بِالهَمْزَةِ الخَلْقُ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرُهُ أيْ: واللَّهِ تَعالى لَقَدْ خَلَقْنا: ﴿ لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ: لَهُ مَلَكٌ يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ وفِي الكَشّافِ أنَّهم جُعِلُوا لِإغْراقِهِمْ في الكُفْرِ وشِدَّةِ شَكائِمِهِمْ فِيهِ وأنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهم إلّا أفْعالُ أهْلِ النّارِ مَخْلُوقِينَ لِلنّارِ دَلالَةً عَلى تَوَغُّلِهِمْ في المُوجِباتِ وتَمَكُّنِهِمْ فِيما يُؤَهِّلُهم لِدُخُولِها، وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ اليَهُودِ بَعْدَ ما عَدَّ مِن قَبائِحِهِمْ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: مِنَ الَّذِينَ لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الإنْذارُ فَدَعْهم واشْتَغِلْ بِأمْرِ نَفْسِكَ ومَن هو عَلى دِينِكَ في لُزُومِ التَّوْحِيدِ، والآيَةُ عَلى ما قالَ مِن بابِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ عِنْدَ القُطْبِ قُدِّسَ سِرُّهُ، ويُفْهِمُ كَلامُهُ أنَّ الَّذِي دَعا الزَّمَخْشَرِيَّ إلى ذَلِكَ لُزُومُ كَوْنِ الكُفْرِ مُرادَ اللَّهِ تَعالى إذا أُرِيدَ الظّاهِرُ وهو خِلافُ مَذْهَبِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَثِيرَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ تَأوَّلُوا الآيَةَ بِحَمْلِ اللّامِ عَلى ما عَلِمْتَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ فَإنَّ تَعْلِيلَ الخَلْقِ بِالعِبادِ يَأْبى تَعْلِيلَهُ بِجَهَنَّمَ ودُخُولِها، نَعَمْ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنّا إلى الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ وكَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ، وادَّعى أُناسٌ أنَّ التَّأْوِيلَ مُخالِفٌ لِلْأحادِيثِ الوارِدَةِ في البابِ كَبَعْضِ الأحادِيثِ السّابِقَةِ في آيَةِ أخْذِ المِيثاقِ، وما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَتادَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ أخَذَ الخَلْقَ مِن ظَهْرِهِ فَقالَ: هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي، قالَ قائِلٌ: فَعَلى ماذا العَمَلُ؟
قالَ: عَلى مُوافَقَةِ القَدَرِ»».
وما أخْرَجَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ «عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: أدْرَكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جِنازَةَ صَبِيٍّ مِن صِبْيانِ الأنْصارِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِن عَصافِيرِ الجَنَّةِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما يُدْرِيكِ؛ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وإلى هَذا ذَهَبَ الطِّيبِيُّ وأيَّدَهُ بِما أيَّدَهُ وادَّعى أنَّ فائِدَةَ القَسَمِ التَّنْبِيهُ عَلى قَلْعِ شُبَهِ مَن عَسى أنْ يَتَصَدّى لِتَأْوِيلِ الآيَةِ وتَحْرِيفِ النَّصِّ القاطِعِ، ونُقِلَ عَنِ الإمامِ أنَّ الآيَةَ حُجَّةٌ لِصِحَّةِ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ وإرادَةِ الكائِناتِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا خَلَقَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لِجَهَنَّمَ ولا مَزِيدَ لِبَيانِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الحَمْلَ عَلى الظّاهِرِ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، وفي الكِتابِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ مِمّا يُوافِقُها عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الحَقِيقِيَّ لِأفْعالِهِ تَعالى يَمْنَعُ عَنْهُ في المَشْهُورِ الإمامُ الأشْعَرِيُّ وأصْحابُهُ.
وقالَ بَعْضُ الجُلَّةِ: المُرادُ بِالكَثِيرِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ ولَكِنْ لا بِطْرِيقِ الجَبْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ بَلْ لَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ أبَدًا بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِجَهَنَّمَ كَما أنَّ جَمْعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ انْتَهى، وعِنْدِي أنَّهُ لا مَحِيصَ مِنَ التَّأْوِيلِ في هَذا المَقامِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ، ثُمَّ إنَّ الجارَّ الأوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما في تَوابِعِهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُؤَدِّي تَوْسِيطُهُ بِما بَيْنَهُما وتَأْخِيرُهُ عَنْهُما إلى الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَثِيرٍ، وتَقْدِيمُ الجِنِّ لِأنَّهم أعْرَفُ مِنَ الإنْسِ في الِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ وأكْثَرُ عَدَدًا وأقْدَمُ خَلْقًا ولا يُشْكِلُ أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النّارِ فَلا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ دُخُولُها ولا يَضُرُّهم شَيْئًا؛ لِأنّا نَقُولُ في دَفْعِ ذَلِكَ عَلى عِلّاتِهِ، خَلْقُهم مِنَ النّارِ بِمَعْنى أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ الجُزْءُ النّارِيُّ لا يَأْبى تَضَرُّرَهم بِها؛ فَإنَّ الإنْسَ خُلِقُوا مِنَ الطِّينِ ويَتَضَرَّرُونَ بِهِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ النّارِ لَمْ تَبْقَ فِيهِمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِنها كَما أنَّ حَقِيقَةَ الطِّينِ لَمْ تَبْقَ في الإنْسِ عَلى ما هي عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِنها، عَلى أنَّ المَخْلُوقَ مِن نارٍ هو البَدَنُ والمُعَذَّبُ هو الرُّوحُ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً مِنها، وعَذابُ الرُّوحِ في قالَبٍ نارِيٍّ مَعْقُولٍ كَعَذابِها في قالَبٍ طِينِيٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم قُلُوبٌ ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِكَثِيرٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ لا يَفْقَهُونَ بِها ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقُلُوبٍ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِها غَيْرَ مَعْهُودَةٍ مُخالِفَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ فاقِدَةً لِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، أوْ هي مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ تَنْكِيرُها وإبْهامُها مِن كَوْنِها كَذَلِكَ، وأُرِيدَ بِالقَلْبِ اللَّطِيفَةُ الإنْسانِيَّةُ، وبِالفِقْهِ الفَهْمُ وهو المَعْنى اللُّغَوِيُّ لَهُ، يُقالُ: فَقِهَ بِالكَسْرِ أيْ: فَهِمَ.
وفَقُهَ بِالضَّمِّ إذا صارَ فَقِيهًا أيْ فَهِمًا أوْ عالِمًا بِالفِقْهِ بِالمَعْنى العُرْفِيِّ المُبَيَّنِ في كُتُبِ الأُصُولِ، والفِعْلُ هُنا مُتَعَدٍّ إلّا أنَّهُ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ: لَهم قُلُوبٌ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يَفْهَمُوا بِها شَيْئًا مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُفْهَمَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَلِيقُ بِالمَقامِ مِنَ الحَقِّ ودَلائِلِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ﴾ فَيُقالُ: المُرادُ لا يُبْصِرُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الشَّواهِدُ التَّكْوِينِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ﴾ حَيْثُ يُرادُ لا يَسْمَعُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ فَيَتَناوَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ عَلى طَرْزِ ما سَلَفَ، وأمْرُ الوَصِيفَةِ في الأخِيرَيْنِ مِثْلُهُ في الأوَّلِ، والمُرادُ بِالإبْصارِ والسَّماعِ المَنفِيَّيْنِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ الإدْراكِ عَلى ما هو وظِيفَةُ الثَّقَلَيْنِ لا ما يَتَناوَلُ مُجَرَّدَ الإحْساسِ بِالشَّبَحِ والصَّوْتِ كَما هو وظِيفَةُ الأنْعامِ، وجاءَ في كَلامِهِمْ نَحْوُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ الخَنا.
أيْ: لا يَعْتَنِي بِهِ ولا يَصْرِفُ سَمْعَهُ إلَيْهِ ولا يَقْبَلُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: وعَوْراءُ الكَلامِ صَمَمْتُ عَنْها ∗∗∗ وإنِّي لَوْ أشاءُ لَها سَمِيعُ وفِي إعادَةِ الخَبَرِ في الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ما لا يَخْفى مِن تَقْرِيرِ سُوءِ حالِهِمْ، وكَذا في إثْباتِ المَشاعِرِ الثَّلاثَةِ لَهم ثُمَّ وصْفِ كُلٍّ بِما وُصِفَ بِهِ دُونَ سَلْبِها عَنْهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ يَفْقَهُونَ بِها ولا أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ولا آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما لا يَخْفى عَلى ما قِيلَ مِنَ الشَّهادَةِ بِكَمالِ رُسُوخِهِمْ في الجَهْلِ والغَوايَةِ، وتَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ واعْتِبارُ حَذْفِ المَفْعُولِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ هو الَّذِي اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِما فِيهِ مِنَ الإفْصاحِ بِكُنْهِ حالِهِمْ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّخْصِيصَ أيْ: لا يَفْقَهُونَ الحَقَّ ودَلائِلَهُ ولا يُبْصِرُونَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى إبْصارَ اعْتِبارٍ، ولا يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوا ما خَلَقَ لَهم لِما لَهُ فَكَأنَّهم خُلِقُوا كَذَلِكَ، ولَوْ أُرِيدَتِ الحَقِيقَةُ لَمْ يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ ولَمْ تَقُمِ الحُجَّةُ، ومَنِ ادَّعاها قالَ: إنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إفاضَةِ الحَكِيمِ حَسْبَ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ فالذَّمُّ بِذَلِكَ لِدَلالَتِهِ عَلى سُوءِ الِاسْتِعْدادِ لِأنَّهُ كالأثَرِ لَهُ، وبِالجُمْلَةِ لا تَقُومُ الآيَةُ دَلِيلًا لِلْجَبْرِ الصِّرْفِ ولَوْ ضُمَّ إلَيْها ما قَبْلُ، والجَبْرُ المُتَوَسِّطُ مِمّا قالَ بِهِ أهْلُ الحَقِّ وهو لَبَنٌ خالِصٌ أُخْرِجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، وحاصِلُهُ عِنْدَ بَعْضِ المَشايِخِ أنَّ العَبْدَ مُخْتارٌ مَجْبُورٌ بِاخْتِيارِهِ، ولَعَلَّ كَلامَ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ حَيْثُ قالَ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ: فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ فَعَلْتُ وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ تَرَكْتُ فَيَكُونُ فِعْلِي حاصِلًا بِي لا بِغَيْرِي، أجَبْنا وقُلْنا: هَبْ أنَّكَ وجَدْتَ مِن نَفْسِكَ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: وهَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَشاءَ شِئْتَ وإنْ شِئْتَ أنْ لا تَشَأ لَمْ تَشَأْ؟
ما أظُنُّكَ تَقُولُ ذَلِكَ وإلّا لَذَهَبَ الأمْرُ فِيهِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ فَلا مَشِيئَتُكَ بِكَ ولا حُصُولُ فِعْلِكَ بَعْدَ حُصُولِ مَشِيئَتِكَ بِكَ، وإنَّما أنْتَ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ.
انْتَهى.
يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْنا، وقَدِ اسْتَوْفَيْنا الكَلامَ في هَذا البَحْثِ في كِتابِنا الأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ، وهو لَعَمْرِي مِن مُشْكِلاتِ المَباحِثِ الَّتِي سَألَ عَنْها الإيرانِيُّونَ.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ ﴿ كالأنْعامِ ﴾ أيْ: في انْتِفاءِ الشُّعُورِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وقِيلَ في أنَّ مَشاعِرَهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها وكَأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ مُدْرَكٌ مِمّا قَبْلُ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لَهُ فَلِذا فُصِلَتْ عَنْهُ.
﴿ بَلْ هم أضَلُّ ﴾ مِنَ الأنْعامِ لِأنَّها تُدْرِكُ ما مِن شَأْنِها أنْ تُدْرِكَهُ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ فَتَجْهَدُ في جَلْبِها وسَلْبِها غايَةَ ما يُمْكِنُها، وهَؤُلاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ المَنافِعِ والمَضارِّ بَلْ يَعْكِسُونَ الأمْرَ فَيَتْرُكُونَ النَّعِيمَ ويُقْدِمُونَ عَلى العَذابِ الألِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّها إذا زُجِرَتِ انْزَجَرَتْ، وإذا أُرْشِدَتْ إلى طَرِيقٍ اهْتَدَتْ، وهَؤُلاءِ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الخَيْراتِ.
وقِيلَ: لِأنَّها لَمْ تُعْطَ قُدْرَةً عَلى تَحْصِيلِ الفَضائِلِ وهَؤُلاءِ أُعْطُوا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِما أُعْطُوا، ولِأنَّها وإنْ لَمْ تَكُنْ مُطِيعَةً لَمْ تَكُنْ عاصِيَةً وهَؤُلاءِ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم ولا يَذْكُرُونَهُ ولا يُطِيعُونَهُ، وبِالجُمْلَةِ كَوْنُ هَؤُلاءِ أضَلَّ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، ووُجُوهُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ كَما لا يَخْفى.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِن مِثْلِيَّةِ الأنْعامِ والشَّرِّيَّةِ مِنها ﴿ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ عَمّا فِيهِ صَلاحُهم.
وقالَ عَطاءٌ: عَمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ مِنَ الثَّوابِ ولِأعْدائِهِ مِنَ العِقابِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الجُمْلَةَ كالبَيانِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها فَلِذا فُصِلَتْ عَنْها <div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً يعني: خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فإن قيل: قد قال في آية أخرى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] فأخبر أنه خلق الجن والإنس لعبادته.
وهاهنا يقول: خلقهم لجهنم.
قيل له: قد خلقهم للأمرين جميعاً منهم من يصلح لجهنم فخلقه لها، ومنهم من يصلح للعبادة فخلقه لها، ولأن من لا يصلح لشيء لا يخلقه لذلك الشيء.
ويقال معنى قوله: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: إلا للأمر والنهي.
ويقال: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: إلا لكي يمكنهم أن يعبدوا، وقد بينت لهم الطريق.
ويقال: في هذه الآية تقديم وتأخير.
ومعناه: ولقد ذرأنا جهنم لكثير من الجن والإنس.
ثم وصفهم فقال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها يعني: لا يعقلون بها.
الحق كما قال في آية أخرى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة: 7] ثم قال: وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها يعني: الهدى وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها يعني: الهدى.
ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ فشبههم بالأنعام لقلة رغبتهم وتغافلهم عن الحق.
يعني: إنهم كالأنعام في ذهنهم لا في صورهم.
لأنه ليس للأنعام إلا الأكل والشرب، فهي تسمع ولا تعقل، كذلك الكافر هو غافل عن الأمر والنهي والوعد والوعيد.
ثم قال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً يعني: الكفار أخطأ طريقاً من الأنعام، لأن الأنعام إذا عرفت أنها تركت الطريق رجعت إلى الطريق، والكفار لا يرجعون إلى الطريق.
ولأن الأنعام تعرف ربها، والكفار لا يعرفون ربهم.
ويقال: لمَّا نزلت هذه الآية أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ تضرعت الأنعام إلى ربها.
فقالت: يا ربنا شبهت الكفار بنا ونحن لا ننكر وحدانيتك.
فأعذر الله تعالى الأنعام.
فقال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام لأن الأنعام مطيعة لله تعالى.
والكفار غير مطيعين لله تَعَالَى.
ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ يعني: عن أمر الله تعالى وعما ينفعهم.
قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو جعفر.
قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن عبد الله القاري.
قال: حدثنا حازم بن يحيى الحلواني.
قال: حدثنا الحسين بن الأسود.
قال: حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن سنان عن أبي منيب الحمصي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء قال قال رسول الله : «خَلَقَ الله الجِنَّ ثَلاَثَةَ أصْنَافٍ صِنْفاً حَيَّاتٍ وَعَقَارِبَ وَخَشَاشَ الأَرْضِ، وَصِنْفاً كَالرِّيحِ فِي الهَوَاءِ، وَصِنْفَاً عَلَيْهِمُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَخَلَقَ الله الإنْسَ ثَلاثَةَ أصْنَافٍ صِنْفاً كَالبَهَائِمِ وَهُمُ الكُفَّارُ، قال: قال الله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها إلى قوله: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ وَصِنْفاً آخَرَ أَجْسَادُهُم كَأَجْسَادِ بَنِي آَدَم وَأَرْوَاحُهُم كَأَرْوَاحِ الشَّيَاطِينِ، وَصِنْفاً فِي ظِلِّ الله يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلَّهُ» .
قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وذلك أن رجلاً دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن.
فقال أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟
فأنزل الله تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها الرحمن الرحيم الملك القدوس ونحوه.
فدعا النبيّ الرجل فقال: «ادْعُ الله أَوْ ادْعُ الرحمن رَغْماً لأَنْفِ المُشْرِكِينَ» .
ويقال: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: الصفات العلى فَادْعُوهُ بِها.
وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: «إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مائَةً إلاَّ وَاحِدَةً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ وَمِنْ أسْمَائِهِ عَزَّ وَجَلَّ الرحمن الرَّحِيمُ» .
وقد ذكرنا تفسيرها ومن أسمائه الأحد وأصله الوحد بمعنى الواحد، وهو الذي ليس كمثله شيء، ومنها الصمد وهو السيد الذي صمد إليه كل شيء أي قصده.
ومنها القيوم وهو البالغ في القيام بكل ما خلق.
ومنها الولي يعني: المتولي أمور المؤمنين.
ومنها اللطيف وهو الذي يلطف بالخلق من حيث لا يعلمون، ولا يقدرون ومنها الودود المحب الشديد المحبة.
ومنها الظاهر والباطن الذي يعلم ما ظهر وما بطن.
ومنها البديع الذي ابتدع الخلق على غير مثال.
ومنها القدوس أي ذو البركة.
ويقال: الطاهر ومنها الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء.
ومنها الحنان أي ذو الرحمة والعطف.
ومنها المنان الكثير المنّ على عباده.
ومنها الفتاح يعني: الحاكم.
ومنها الديان يعني: المجازي.
ومنها الرقيب: يعني الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
ومنها ذُو القوة المتين يعني الشديد القوة على أمره.
ومنها الوكيل الذي يتوكل بالقيام بجميع ما خلق.
ومنها السبوح الذي تنزه عن كل سوء ومنها السلام يعني: الذي سَلِم الخلق من ظلمه.
ومنها المؤمن الذي أمن الخلق من ظلمه.
ومنها العزيز أي: المنيع الذي لا يغلبه شيء.
ومنها المهيمن يعني: الشهيد.
ومنها الجبار الذي جبر الخلق على ما أراد.
ومنها المتكبر الذي تكبر عن ظلم العباد.
ومنها الباري يعني: الخالق وسائر الأسماء التي ثبتت عن رسول الله وعن الصحابة- م-.
وقال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يصف به نفسه، ولم يسم به نفسه، فيقول: يا جواد ولا ينبغي له أن يقول: يا سخي، لأنه لم يسم به نفسه.
وكذلك يقول: يا قوي ولا يقول: يا جلد.
ثم قال: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ قرأ حمزة يُلْحِدُونَ بنصب الياء والحاء.
وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الحاء يُلْحِدُونَ فمن قرأ بالنصب فمعناه: وذروا الذين يميلون في أسمائه يعني: يُحَوِّرون ويمارون في أسمائه ويعدلون، فسموا اللات والعزى.
ومن قرأ بالضم فمعناه: وذروا الذين يجادلون ويمارون في أسمائه.
ويقال: إن الله تعالى قد احتج على الكفار بأربعة أشياء بالخلق.
وهو قوله تعالى: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: 11] وقال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: 73] والثاني في الملك وهو قوله وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ [البقرة: 116] .
وقال في الأوثان لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً [الزمر: 43] والثالث في القوة وهو قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 20] وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود: 61] ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58] وقال في الأوثان: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها [الأعراف: 195] فوصفهم بالعجز.
والرابع بالأسماء فقال وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وقال في الأوثان وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ويقال: إن الكفار أرادوا أن يسموا آلهتهم الله فجرى على لسانهم اللات وقال أهل اللغة: إنما سمي اللات لأنه كان عنده رجل كان يلت السويق.
وأرادوا أن يسموا العزيز فجرى على لسانهم العزى.
وأرادوا أن يسموا منان فجرى على لسانهم مناة.
وبقيت تلك الأسماء للأصنام.
وأصل الإلحاد هو الميل ولهذا سمي اللحد لحداً لأنه في ناحية.
ثم قال سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: وسيهانون ويعاقبون بما كانوا يعملون من الشرك والإلحاد في الأسماء.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، القول فيه: أن ذلك كلَّه من عند اللَّه: الهدايةُ منه وبخَلْقه واختراعه وكذلك الإِضلال، وفي الآيةِ تعجيبٌ مِنْ حال المذْكُورين.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، هذا خبرٌ من اللَّه تعالى أنه خَلَق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيرا، وفي ضِمْنه وعيدٌ للكفَّار، «وذرأ» : معناه:
خَلَق وأوْجَدَ، مع بَثٍّ ونَشْرٍ.
وقوله سبحانه: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ...
الآيةَ: لما كانَتْ هذه الطائفةُ الكافرةُ المُعْرِضَةُ عن النَّظَر في آيات اللَّه، لم ينفعْهم النظَرُ بالقَلْب، ولا بالعَيْن، ولا ما سَمِعُوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصْفَ بأنهم لا يفقهون، ولا يُبْصرون، ولا يَسْمعون، والفِقْه: الفَهْم، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في أنَّ الأنعام لا تَفْقَهُ الأشياء، ولا تعقلُ المقاييسِ، ثم حَكَم سبحانه عَلَيْهم بأنهم أضَلُّ لأن الأنعام تلك هِيَ بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، وهؤلاءِ مُعَدُّونَ للفَهْم والنظر، ثم بَيَّنَ سبحانه بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الطريق الذي به صاروا أضَلَّ من الأنعام، وهو الغَفْلة والتقصير.
قال الفَخْر «١» : أمَّا قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، فتقريره: أن الإِنسان وسائر الحيوانات مُتشَاركةٌ في قُوَى الطَّبيعة الغَاذِيَةِ، والنامية، والمُوَلِّدةِ، ومتشاركَةٌ أيضاً في منافع الحواسِّ الخَمْسِ الباطنةِ والظاهرةِ، وفي أحوالِ التخيُّل، والتفكُّر، والتذكُّر، وإِنما حَصَل الامتياز بيْنَ الإِنسان، وسائِرِ الحيواناتِ في القوَّة العقليَّة والفكْريَّة التي تهديه إِلى معرفة الحقِّ، فلما أعرضَ الكُفَّار عن أحْوالِ العَقْلِ والفكْرِ، ومعرفةِ الحقِّ، كانوا كالأنعام، بل هم أضلُّ لأن الحيواناتِ لا قدرةَ لها على تحْصيلِ هذهِ الفضائل، وقد قال حَكِيمُ الشّعراء: [البسيط]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا ﴾ أيْ: خَلَقْنا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ ذُرِّيَّةُ الرَّجُلِ، إنَّما هي الخَلْقُ مِنهُ، ولَكِنْ هَمْزُها يَتْرُكُهُ أكْثَرُ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: لَجَهَنَّمَ هَذِهِ اللّامُ يُسَمِّيها بَعْضُ أهْلِ المَعانِي لامَ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْوالُنا لِذَوِي المِيراثِ نَجْمَعُها ودُورُنا لَخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيها وَدَخْلَ رَجُلٌ عَلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ يُعَزِّيهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَقالَ: تَعَزَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ ∗∗∗ لِما قَدْ تَرى يُغَذّى الصَّغِيرُ ويُولَدُ وَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآَيَةِ بِنَفاذِ عِلْمِهِ فِيهِمْ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ﴾ لَمّا أعْرَضَ القَوْمُ عَنِ الحَقِّ والتَّفَكُّرِ فِيهِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَفْقَهْ ولَمْ يُبْصِرْ ولَمْ يَسْمَعْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ: أرادَ بِهَذا كُلِّهِ أمْرَ الآَخِرَةِ، فَإنَّهم يَعْقِلُونَ أمْرَ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ كالأنْعامِ ﴾ شَبَّهَهم بِالأنْعامِ لِأنَّها تَسْمَعُ وتُبْصِرُ ولا تَعْتَبِرُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ بَلْ هم أضَلُّ ﴾ لِأنَّ الأنْعامَ تُبْصِرُ مَنافِعَها ومَضارَّها، فَتَلْزَمُ بَعْضَ ما تُبْصِرُهُ، وهَؤُلاءِ يَعْلَمُ أكْثَرُهم أنَّهُ مُعانِدٌ، فَيُقَدَّمُ عَلى النّارِ، ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ عَنْ أمْرِ الآَخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: "رُفِعَ الظالِمُ" إذا هَلَكَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ فَهي عِبارَةٌ عن إمْهالِهِ وإمْلاءِ اللهِ لَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: "لَرَفَعْناهُ" مَعْناهُ: لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عنها، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى الآياتِ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مَعَهُ: "لَرَفَعْناهُ" أيْ: لَشَرَّفْنا ذِكْرَهُ ورَفَعْنا مَنزِلَتَهُ لَدَيْنا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، ﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ ذُكَرَ فِيهِ السَبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ هَذا.
و"أخْلَدَ" مَعْناهُ: لازَمَ وتَقاعَسَ وثَبَتَ، والمُخْلِدُ: الَّذِي يَثْبُتُ شَبابُهُ فَلا يَغْشاهُ الشَيْبُ، ومِنهُ الخُلْدُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لِمَنِ الدِيارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ ∗∗∗ كالوَحْيِ في حَجْرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ وقَوْلُهُ: ﴿ إلى الأرْضِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلى شَهَواتِها ولَذّاتِها وما فِيها مِنَ المَلاذِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العِبارَةَ عَنِ الأسْفَلِ والأخَسِّ، كَمّا يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى المَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ وما ارْتَكَزَ فِيها هي الدُنْيا، وكُلُّ ما عَلَيْها فانٍ، مَن أخْلَدَ إلَيْهِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّ الآخِرَةِ الباقِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ ﴾ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ عُوقِبَ في الدُنْيا بِأنَّهُ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ فَشُبِّهَ بِهِ صُورَةً وهَيْئَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ بِهِ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها فَكانَ أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ الآياتُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ وتَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وتَحْرِيرُ المَعْنى: فالشَيْءُ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ مِن حالِهِ هو كالَّذِي تَتَصَوَّرُ مِن حالِ الكَلْبِ، وبِهَذا التَقْدِيرِ يَحْسُنُ دُخُولُ "الكافِ" عَلى "مَثَلٍ"، واللهْثُ: تَنَفُّسٌ بِسُرْعَةٍ وتَحَرُّكُ أعْضاءِ الفَمِ مَعَهُ، وامْتِدادُ اللِسانِ، وأكْثَرُ ما يَعْتَرِي ذَلِكَ مَعَ الحَرِّ والتَعَبِ، وهو في الفَرَسِ: ضَبْحٌ، وخِلْقَةُ الكَلْبِ أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْنى: ﴿ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ أيْ تَطْرُدُهُ، وحَكاهُ عن مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ داخِلٌ في جُمْلَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ.
فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاقْصُصِ القَصَصَ ﴾ أيِ:اسْرُدْ عَلَيْهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا أهْلُ الكُتُبِ الماضِيَةِ ولَسْتَ مِنهم ﴿ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ ، قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَ "بِئْسَ" و"نِعْمَ" إنَّما يَتَفَسَّرُ مِن نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ولَمّا انْحَذَفَ "مَثَلُ" أُقِيمَ "القَوْمُ" مَقامَهُ، والرَفْعُ في ذَلِكَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "ساءَ مَثَلُ القَوْمِ"، ورَفْعُ "مَثَلٍ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِـ "ساءَ"، ولا تَجْرِي "ساءَ" مَجْرى "بِئْسَ" إلّا إذا كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مِثْلُ" بِكَسْرِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مَثَلُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خِلافُ ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ، فَإنَّهُ قالَ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "ساءَ مَثَلُ" بِالرَفْعِ.
وخُتِمَتْ هَذِهِ الآياتُ -الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَلالَ أقْوامٍ والقَوْلَ فِيهِ- بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، الهِدايَةُ مِنهُ وبِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وكَذَلِكَ الإضْلالُ، وفي الآيَةِ تَعَجُّبٌ مِن حالِ المَذْكُورِينَ، ومَن أضَلَّ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالخُسْرانِ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ ابْنِ آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ لِسُكْنى جَهَنَّمَ والِاحْتِراقِ فِيها كَثِيرًا، وفي ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ.
و"ذَرَأ" مَعْناهُ: خَلَقَ وأوجَدَ مَعَ بَثٍّ ونَشْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِجَهَنَّمَ" هي لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لِيَكُونَ أمْرُهم ومَآلُهم لِجَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وهَذِهِ اللامُ مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: يا أمَّ فَرْوَ كُفِّي اللَوْمَ واعْتَرِفِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ والِدَةٍ لِلْمُنْتَأى تَلِدُ وَأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم جَهَنَّمَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "أولادُ الزِنى مِمّا ذَرَأ اللهُ لِجَهَنَّمَ"، ثُمَّ أسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرًا" وإنْ كانَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ الكَفّارَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو ناظِرٌ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ : « "قالَ اللهُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةً"».
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ [الأعراف: 175]، والمناسبة أن صاحب القصة المعطوف عليها انتقل من صورة الهدى إلى الضلال، لأن الله لما خلقه خلقه ليكون من أهل جهنم، مع مالها من المناسبة للتذييل الذي ختمت به القصة وهو قوله: ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ [الأعراف: 178] الآية.
وتأكيد الخبر بلام القسم وبقد؛ لقصد تحقيقه لأن غرابته تُنزل سامعه خالي الذهن منه منزلةَ المتردد في تأويله، ولأن المخبرَ عنهم قد وصفوا ب ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ إلى قوله ﴿ بل هم أضل ﴾ ، والمعني بهم المشركون، وهم ينكرون أنهم في ضلال ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وكانوا يحسبون أنهم أصحاب أحلام وأفهام، ولذلك قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم في معرض التهكم ﴿ قلوبنا في أكنةٍ مما تدعونا إليه وفي آذاننا وَقْرٌ ﴾ [فصلت: 5].
والذرْء الخلق وقد تقدم في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذَرَأ من الحرث والأنعام نصيباً ﴾ في سورة الأنعام (136).
واللام في لجهنم} للتعليل، أي خلقنا كثيراً لأجل جهنم.
وجهنم مستعملة هنا في الأفعال الموجبة لها بعلاقة المسببية، لأنهم خلقوا لأعمال الضلالة المفضية إلى الكون في جهنم، ولم يُخلقوا لأجل جهنم، لأن جهنم لا يقصد إيجاد خلق لتعميرها، وليست اللام لام العاقبة؛ لعدم انطباق حقيقتها عليها، وفي «الكشاف» جعلهم لاغراقهم في الكفر، وأنهم لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار، مخلوقين للنار دلالة على تمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار اه، وهذا يقتضي أن تكون الاستعارة في ﴿ ذرأنا ﴾ وهو تكلف راعى به قواعد الاعتزال في خَلق أفعال العباد وفي نسبة ذلك إلى الله تعالى.
وتقديم المجرور على المفعول في قوله: ﴿ لجهنم كثيراً ﴾ ليظهر تعلقه ب ﴿ ذرَأنَا ﴾ .
ومعنى خلق الكثير لاعمال الشر المفضية إلى النار: أن الله خلق كثيراً فجعل في نفوسهم قُوَى من شأنها إفساد ما أودعه في الناس من استقامة الفطرة المشار إليها في قوله: ﴿ وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ﴾ [الأعراف: 172] وهي قوى الشهوة والغضب فخلقها أشد سلطانا على نفوسهم من القوة الفطرية المسماة الحكمة، فجعلت الشهوةُ والغضب المسمّيْن بالهوى تغلب قوة الفطرة، وهي الحكمة والرشاد، فترجح نفوسهم دواعيَ الشهوة والغضب فتتبعها وتُعرض عن الفطرة، فدلائلُ الحق قائمة في نفوسهم، ولكنهم ينصرفون عنها؛ لغلبة الهوى عليهم فَبِحَسَب خلقة نفوسهم غير ذات عزيمة على مقاومة الشهوات: جُعلوا كأنهم خلقوا لجهنم، وكأنهم لم تخلق فيهم دواعي الحق في الفطرة.
والجن خَلْق غير مَرْئي لنا، وظاهر القرآن أنهم عقلاء، وأنهم مطبوعون على ما خلقوا لأجله من نفع أو ضر، وخير أو شر، ومنهم الشياطين، وهذا الخلق لا قبل لنا بتفصيل نظامه ولا كيفيات تلقيه لمراد الله تعالى منه.
وقوله: ﴿ لهم قلوب ﴾ حال أو صفة لخصوص الإنس، لأنهم الذين لهم: قلوب، وعقول، وعيون وآذان، ولم يعرف للجن مثلُ ذلك، وقد قدم الجن على الإنس في الذكر، ليتعين كون الصفات الواردة من بعدُ صفات للإنس وبقرينة قوله: ﴿ أولئك كالأنعام ﴾ .
و ﴿ القلوب ﴾ اسم لموقع العُقول في اللغة العربية، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ في سورة البقرة (7).
والفقه تقدم عند قوله: ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ في سورة الأنعام (65).
ومعنى نفي الفقه والإبصار والسمع عن آلالتها الكائنة فيهم أنهم عطلوا أعمالها بترك استعمالها في أهم ما تصلح له: وهو معرفة ما يحصل به الخير الأبدي، ويدفع به الضر الأبدي، لأن الآت الإدراك والعلم خلقها الله لتحصيل المنافع ودفع المضار، فلما لم يستعملوها في جلب أفضل المنافع ودفع أكبر المضار، نفي عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة، لأن الفعل في حيز النفي يعم، مثل النكرة، فهذا عام أريد به الخصوص للمبالغة لعدم الاعتداد بما يعلمون من غير هذا، فالنفي إستعارة بتشبيه بعض الموجود بالمعدوم كله.
وليس في تقديم الأعين على الآذان مخالفة لما جرى عليه اصطلاح القرآن من تقديم السمع على البصر لتشريف السمع يتلقى ما أمر الله به كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ﴾ [البقرة: 7] لأن الترتيب في آية سورة الأعراف هذه سلك طريق الترقي من القلوب التي هي مقر المدركات إلى الآت الإدراك الأعين ثم الآذان فللاذان المرتبة الأولى في الارتقاء.
وجملة: ﴿ أولئك كالأنعام ﴾ مستأنفة لابتداء كلام بتفظيع حالهم فجعل ابتداء كلام ليكون أدعى للسامعين.
وعرّفوا بالإشارة لزيادة تمييزهم بتلك الصفات، وللتنبيه على أنهم بسببها أحرياء بما سيذكر من تسويتهم بالأنعام أو جعلهم أضل من الأنعام، وتشبيههم بالأنعام في عدم الانتفاع بما ينتفع به العقلاء فكأن قلوبهم وأعينهم وآذانهم، قلوب الأنعام وأعينها وآذانها، في أنها لا تقيس الأشياء على أمثالها، ولا تنتفع ببعض للدلائل العقلية فلا تعرف كثيراً مما يفضي بها إلى سوء العاقبة.
و (بل) في قوله: ﴿ بل هم أضل ﴾ للانتقال والترقي في التشبيه في الضلال وعدم الانتفاع بما يمكن الانتفاع به، ولما كان وجه الشبه المستفاد من قوله: ﴿ كالأنعام ﴾ يؤول إلى معنى الضلال، كان الارتقاء في التشبيه بطريقة اسم التفضيل في الضلال.
ووجه كونهم أضل من الأنعام: أن الأنعام لا يبلغ بها ضلالها إلى إيقاعها في مهاوي الشقاء الأبدي، لأن لها إلهاماً تتفصى به عن المهالك كالتردي من الجبال والسقوط في الهوّات، هذا إذا حمل التفضيل في الضلال على التفضيل في جنسه وهو الأظهر، وإن حمل على التفضيل في كيفية الضلال ومقارناته كان وجهه أن الأنعام قد خلق إدراكها محدوداً لا يتجاوز ما خلقت لأجله، فنقصان انتفاعها بمشاعرها ليس عن تقصير منها، فلا تكون بمحل الملامة، وأما أهل الضلالة فإنهم حجروا أنفسهم عن مدركاتهم، بتقصير منهم وإعراض عن النظر والاستدلال فهم أضل سبيلاً من الأنعام.
وجملة: ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ تعليل لكونهم أضل من الأنعام وهو بلوغهم حد النهاية في الغفلة، وبلوغهم هذا الحد أفيد بصيغة القصر الادعائي إذ ادُّعي انحصار صفة الغفلة فيهم بحيث لا يوجد غافل غيرهم لعدم الاعتداد بغفلة غيرهم كل غفلة في جانب غفلتهم كلا غفلة، لأن غفلة هؤلاء تعلقت بأجدر الأشياء بأن لا يغفل عنه، وهو ما تقضي الغفلة عنه بالغافل إلى الشقاء الأبدي، فهي غفلة لا تدارك منها، وعثرة لا لعى لها.
والغفلة عدم الشعور بما يحق الشعور به، وأطلق على ضلالهم لفظ الغفلة بناء على تشبيه الإيمان بأنه أمر بيّن واضح يعد عدم الشعور به غفلة، ففي قوله: ﴿ هم الغافلون ﴾ استعارة مكنية ضمنية، والغفلة من روادف المشبه به، وفي وصف ﴿ الغافلون ﴾ استعارة مصرحة بأنهم جاهلون أو منكرون.
وقد وقع التدرج في وصفهم بهذه الأوصاف من نفي انتفاعهم، بمداركهم ثم تشبيههم بالأنعام، ثم الترقي إلى أنهم أضل من الأنعام، ثم قصر الغفلة عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ ، ﴿ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ ﴾ أيْ خَلَقْنا مِمَّنْ يَصِيرُ إلى جَهَنَّمَ بِكُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ.
و ﴿ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أرادَ أوْلادَ الزِّنى لِأنَّهم مِنَ النُّطَفِ الخَبِيثَةِ مَخْلُوقِينَ، فَهم أكْثَرُ النّاسِ إسْراعًا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ فَيَصِيرُونَ جامِعِينَ بَيْنَ [سُوءِ] المُعْتَقَدِ وخُبْثِ المَوْلِدِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في أوْلادِ الزِّنى والرِّشْدَةِ فِيمَن وُلِدَ مِن نِكاحٍ أوْ سِفاحٍ لِأنَّهم مُؤاخَذُونَ عَلى أفْعالِهِمْ لا عَلى مَوالِيدِهِمُ الَّتِي خَبُثَتْ بِأفْعالِ غَيْرِهِمْ.
﴿ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ﴾ الحُقَّ.
﴿ وَلَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ﴾ الرُّشْدَ.
﴿ وَلَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ﴾ الوَعْظَ، فَصارُوا بِتَرْكِ اسْتِعْمالِها بِمَثابَةِ مَن عَدِمَها، قالَ مِسْكِينٌ الدِّرامِيُّ: ؎ أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الجُدُرُ ∗∗∗ وأصُمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما ∗∗∗ سَمْعِي وما في سَمْعِي الوَقْرُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ قال: خلقنا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم ﴾ قال: خلقنا لجهنم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لما ذرأ لجهنم من ذرأ، كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم» .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله الجن ثلاثة أصناف.
صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب.
وخلق الله الإِنس ثلاثة أصناف.
صنف كالبهائم، قال الله: ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ وجنس أجسادهم أجساد بني آدم، وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ضل الله يوم لا ظل إلا ظله» .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم ﴾ قال: لقد خلقنا لجهنم ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ قال: لا يفقهون شيئاً من أمر الآخرة ﴿ ولهم أعين لا يبصرون بها ﴾ الهدى ﴿ ولهم آذان لا يسمعون بها ﴾ الحق، ثم جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم شراً من الأنعام فقال: ﴿ بل هم أضل ﴾ ثم أخبر أنهم الغافلون.
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ (١) (٢) وقال الكلبي: (لا يعقلون بها الخير والهدى) (٣) ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ .
قال عطاء: (يريد: سبيل الهدى والرشاد)، ﴿ وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ .
قال: (يريد مواعظ الله والقرآن) (٤) قال مقاتل: ( ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ الآية.
يقول الله تعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ الآية [البقرة: 7]، فمن ثم لم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم تسمع آذانهم) (٥) وقال أهل المعاني: (إنما نفى عنهم الإدراكات لأنهم يعرضون في جميع ذلك إعراض من لا يدرك فهم في تركهم الحق وإعراضهم عنه بمنزلة من لا يفقه ولا يبصر ولا يسمع) (٦) وهذه الآية صريح في الرد على القدرية؛ لأن الله تعالى ذكر أنه خلق كثيراً من الإنس والجن للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة والعذاب، ومن خلقه الله لجهنم، فلا حيلة له في الخلاص (٧) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ ﴾ .
قال الكلبي: (شبههم بالأنعام في المأكل والمشرب) (٨) وقال مقاتل: (يأكلون ويشربون لا يلتفتون إلى الآخرة كما تأكل الأنعام وتشرب لا همة لها إلا الأكل، فهي تسمع ولا تعقل، كذلك الكافر) (٩) وقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ .
قال عطاء: (يريد (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قال مقاتل: (هم أخطأ طريقًا من الأنعام؛ لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه) (١٤) وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ : (وذلك أن الأنعام تُبصر منافعها ومضارها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء يعلم (١٥) (١٦) قال مقاتل: (يعني: كفار مكة) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ .
قال عطاء: (عما أعد الله لأوليائه (١٨) (١٩) وقال الكلبي: (عن أمر الآخرة، وما فيها من العذاب) (٢٠) (١) هنا في (ب): رجوع إلى الأصل في ترتيب الأوراق فوقع تفسير الآية في 177 ب.
(٢) ذكره القرطبي 7/ 324 بلا نسبة.
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 274.
(٤) ذكره أكثرهم بلا نسبة.
انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 25 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 274، والبغوي 3/ 306، والقرطبي 7/ 324، والخازن 2/ 317.
(٥) "تفسير مقاتل" 2/ 76.
(٦) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 292، والخازن 2/ 317.
(٧) انظر: "تفسير الرازي" 15/ 60 - 61، والقرطبي 7/ 324.
(٨) لم أقف عليه.
(٩) "تفسير مقاتل" 2/ 76.
(١٠) لفظ: (يريد) ساقط من (أ).
(١١) في القرطبي 7/ 325 قال عطاء: (الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه) اهـ.
(١٢) لفظ: (والكافر) ساقط من (ب).
(١٣) ذكره الرازي 15/ 65، والقرطبي 7/ 325، والخازن 2/ 318 بلا نسبة.
(١٤) "تفسير مقاتل" 2/ 76.
(١٥) في (ب): (وهؤلاء لا يعلم)، وهو تحريف.
(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 392، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 107.
(١٧) "تفسير مقاتل" 2/ 76.
(١٨) في (ب): (عما أعد الله أوليائه)، وهو تحريف.
(١٩) ذكره الرازي 15/ 65، وأبو حيان في "البحر" 4/ 428.
(٢٠) "تنوير المقباس" 2/ 142، وذكره "الواحدي" 2/ 275، وابن الجوزي 3/ 292 بلا نسبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس ﴾ هم اللذين علم الله أنهم يدخلون النار بكفرهم، فأخبر أنه خلقهم لذلك كما جاء في قوله: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي ﴿ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ ليس المعنى نفي السمع والبصر جملة، وإنما المعنى نفيها عما ينفع في الدين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ذريتهم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: على الجمع ﴿ يقولوا ﴾ بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو ﴿ يلهث ذلك ﴾ بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة، الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى ﴿ ذرأنا ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون: بالهمز.
الوقوف: ﴿ أنفسهم ﴾ ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام.
بربكم ط فصلاً بين السؤال والجواب.
﴿ بلى ﴾ ج لأن ﴿ شهدنا ﴾ يصلح أن يكون من قولهم فيوقف على ﴿ شهدنا ﴾ ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون ﴿ شهدنا ﴾ من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلاً من جملة بلى متصلاً بأن تقولوا.
﴿ غافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من بعدهم ﴾ ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل.
﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ج لأن قوله ﴿ فمثله ﴾ مبتدأ ولدخول الفاء فيه ﴿ كمثل الكلب ﴾ ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل ﴿ أو تتركه يلهث ﴾ ط ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ المهتدي ﴾ ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفة لـ ﴿ كثيراً ﴾ ، ﴿ لا يفقهون بها ﴾ ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة ﴿ لهم ﴾ في أول كل جملة ﴿ لا يسمعون بها ﴾ ط ﴿ أضل ﴾ ط ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ فادعوه بها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ في أسمائه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ وج وعطف ﴿ وأملي ﴾ على ﴿ سنستدرجهم ﴾ احسن من جعله مستأنفاً فيوقف على ﴿ أملي ﴾ ، ﴿ لهم ﴾ ، ﴿ متين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين.
وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله فقال : "إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.
قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟
فقال رسول الله : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس.
وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشراً سوياً وخلقاً كاملاً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال ﴿ ألست بربكم ﴾ وكأنهم ﴿ قالوا بلى ﴾ أنت ربنا ﴿ شهدنا على أنفسنا ﴾ وأقررنا بوحدانيتك.
وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره ﴿ فقال له وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ﴾ وقال الشاعر.
امتلأ الحوض وقال قطني *** وهذا القول الثاني غير منافٍ للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول.
والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بني آدم ﴾ بدل البعض من الكل.
فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.
وعلى هذا فلم يذكر الله أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئاً.
ويمكن أن يجاب بأنه يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معاً صوناً للآية والخبر عن الطعن.
ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ.
ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهوراً امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصور النسيان فيه.
ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطاً في الحياة والعقل.
فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهراً فرداً.
ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟
وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل.
وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا ههنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق.
وقيل: إن الله يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة.
ومنها أنه قال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] وقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق ﴾ وكون أولئك الذر أناساً ينافي كون الإنسان مخلوقاً من الماء والطين.
والجواب لا يجوز أن يخرج الله من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جراً إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟
وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثا: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد.
ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة ﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم.
أما قوله ﴿ أن تقولوا ﴾ فالتقدير: وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا ﴿ يوم القيامة أنا كنا عن هذا ﴾ المشهود له ﴿ غافلين ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله ﴿ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ﴾ لئلا يقولوا.
ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله ﴿ ألست بربكم ﴾ وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.
﴿ أو يقولوا ﴾ يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ والحاصل أن الله لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر.
وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.
وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود.
وكذلك قوله ﴿ واتل عليهم ﴾ أي على اليهود ﴿ نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ أما قوله ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿ نفصل الآيات ﴾ لهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد.
ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر ﴿ واتل عليهم ﴾ على بني آدم أو اليهود خاصة.
وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء؛ وذلك أن موسى قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفاراً فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه.
وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم.
فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل بدعائه في التيه.
فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟
فقال: بدعاء بلعم.
فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه.
ثم دعا موسى أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.
ويقال أيضاً أنه كان نبياً من أنبياء الله فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان فكان كافراً وهذا بعيد لأنه قال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ وفيه أنه لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟
وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافراً ولم يؤمن بالنبي وهو الذي قال فيه النبي : "لقد كاد يسلم" .
وذلك أنه يوحد الله في شعره وذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.
وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريداً وحيداً وهو قول سعيد بن المسيب.
وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي نبي الحق عن الحسن والأصم.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة.
قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟
قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.
فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمُّنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: "أشأم من البسوس".
وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم.
ومعنى قوله ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفاً بها ﴿ فانسلخ منها ﴾ فخرج من محبة الله إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه.
يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية إنه انسلخ منه.
وقال أبو مسلم ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر.
والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجوداً فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلاً.
وأيضاً ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفاً بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله ﴿ فأتبعه الشيطان ﴾ أي أدركه ولحقه وصار قريناً له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له ﴿ فكان من الغاوين ﴾ في علم الله أو فصار منهم ﴿ ولو شئنا لرفعناه ﴾ إلى منازل الأبرار ﴿ بها ﴾ أي بتلك الآيات ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به.
قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا.
وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا.
وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا.
وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله ﴿ واتبع هواه ﴾ أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه.
قالت الأشاعرة: لفظة "لو" تدل على أن الله قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر.
وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهراً أو جبراً إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره.
وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون ﴿ ولو شئنا ﴾ في معنى ما هو فعله.
ثم وضع قوله ﴿ فمثله كمثل الكلب ﴾ موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله ﴿ أن تحمل عليه ﴾ النصب على الحل كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيراً للمثل كما مر.
قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة.
فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضاً لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له.
عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.
قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل.
واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية.
وأيضاً هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث.
ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه.
وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
﴿ فاقصص القصص ﴾ يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروانحو سيرته.
ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال ﴿ ساء مثلاً لقوم ﴾ ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم.
وفي ﴿ ساء ﴾ ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده.
وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله ذكره؟
والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث.
أما قوله ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها.
ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وهو محمول على اللفظ من حيث إن "من" مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى ﴿ ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال.
مطاوع له والخسار لازم اللازم.
ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله ، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة.
وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر.
وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ إلى آخره.
وذلك أنه بين أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل وخلاف مقدوره ومعلومه محال.
وأيضاً العاقل لا يريد الكفر والجهل.الموجبين لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة.
لا يقال العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقاداً صحيحاً لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا تسلسل بل ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام.
قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه أراد من العبد الطاعة والعبادة والخير فقط كثيره كقوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وأيضاً أنه قال في معرض الذم ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ إلى آخره.
ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم.
وأيضاً لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلاً لأن منافع الدنيا بأسرها لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم على جميع الخلائق.
وأيضاً مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.
وأيضاً الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر "ولقد ذرأناهم" لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ لأن ظاهره يصح من غير حذف.
وعلى هذا أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً ﴾ أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان غريقاً في بعض الأمور.
وأجيب إجمالاً بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلاً بأن النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام على العاقبة تجوّز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وههنا لا ضرورة فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وما بعدها وهو قوله ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ﴾ يدل على ما قلنا.
وأيضاً لا ريب أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، فالمراد أنهم كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.
ثم إنه كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في عداوة الرسول وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغاً لا يكتنه كنهه.
والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ يثبت القول بالجبر.
وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن عليّ بن أبي طالب خط الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.
وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها.
وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر.
وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلاً ثم قال: فإن قلت أني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري.
أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار.
والله أعلم.
قال بعض العلماء أنه نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل على أن محل الفقه هو القلب.
وأقول: ليس المراد بالقلب ههنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح.
أما قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى الطبعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي أحوال التخيل والتفكر.
وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها.
وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع.
وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون وقيل: إنها تفر أبداً إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه إلى الأصنام.
وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة.
وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
ثم نبه بقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى ﴾ على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكره ، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات.
وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أوّل طه وفي آخر الحشر.
ومعنى حسن الأسماء حسن معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلا وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره وثبوت افتقار غيره إليه.
وقد عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله لا تكاد تنحصر بحسب السلوب والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله الحسنى أكثر.
والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه .
ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم وإن كان معناها في حق الله مغايراً لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو "الله" و "الرحمن".
وقد يقيد القسم الأوّل بقيود مثل "يا أرحم الراحمين" و "يا أكرم الأكرمين" و "يا خالق السموات والأرضين".
ومنها أن يقال من الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا "يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم".
ومنها ما لا يكون كذلك كقولنا "مميت" و "ضارّ" فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب أن يقال "يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع".
ومنها أن يقال أوّل ما يعلم من صفات الله كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك إنما يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأوّل باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، والثاني هو المعنيّ بكونه قادراً.
ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ثم نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حياً فظهر أن العلم بصفاته وبأسمائه ليس واقعاً في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله لأن كل الشرف والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله .
ومن هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟
وقد مر تحقيق ذلك في تفسير البسملة وفي الأنعام في قوله ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ أما قوله ﴿ فادعوه بها ﴾ ففيه دليل على أن الإنسان لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون مستحضراً الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم "الله أكبر" يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه.
يقال قد ألحد في الدين ولحد.
وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر.
قال الواحدي: الأجود قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد.
والإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه: الاوّل: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة الكذاب يسمى نفسه الرحمن.
والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن البدو وإن قالوا بجهلهم "يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخّي" بناء على أن النخوة مدح.
الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلاً.
قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال "يا معلم" وإن ورد ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ أو غاوٍ وإن ورد ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ ثم لما أخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون لنار حكى أن بعضاً منهم مخلوقون للجنة فقال ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ وقد مر مثل هذه الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة محمد صلى الله عليه وآله.
وروى الربيع أن النبي كان يقول: "إذ قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها" .
وعن الربيع بن أنس أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى" .
وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب.
وقال الجبائي: هم العلماء والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ قال ابن عباس: يري أهل مكة والظاهر أنه عام.
والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء.
ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ ما يراد بهم.
وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون ﴿ وأملي لهم ﴾ أطيل لهم مدة عمرهم ﴿ إن كيدي متين ﴾ عن ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي.
يقال متن متانة.
واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء الكفر لا يكون كفراً آخر.
وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما يزيد الكافر به كفراً وعتواً واستحقاقاً للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف لما خلقه وألقاه في ورطة التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال ﴿ لقد ذرأنا لجهنم ﴾ الآية.
التأويل: ﴿ وإذا أخذ ربك ﴾ لم يقل "ربكم" ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه ، وأنه لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله سمعهم وأبصارهم وألسنتهم ﴿ إنما أشرك آباؤنا ﴾ بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ﴿ فانسلخ منها ﴾ أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً ﴾ وهم مظاهر القهر ﴿ فادعوه بها ﴾ بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم ﴿ سنستدرجهم ﴾ فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ قالت المعتزلة: لم يخلقهم الله - - لجهنم، ولكن خلقهم وذرأهم وأعطاهم من القوة ما يكسبون الجنة، غير أنهم عملوا أعمالا استوجبوا بها النار، فصاروا للنار بما عملوا من الأعمال، لا أن خلقهم لجهنم.
ثم اختلفوا هم في تأويل قوله: ﴿ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ ؛ قال بعضهم: ذكر ما إليه آل عاقبة أمرهم؛ كقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ لم يلتقطوه ليكون لهم ما ذكر، ولكن إنما التقطوه ليكون لهم ما ذكر بقوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ ﴾ لهذا التقطوه، لكنه صار لهم ما ذكر، أخبر عما إليه آل أمره؛ فعلى ذلك هذا، وكما يقال: ....
....
....
*** لدوا للموت وابنوا للخراب ولا أحد يلد للموت ولا يبني للخراب، ولكنه أنبأ بما يئول إليه عاقبة أمره من الموت والخراب؛ إلى هذا يذهب عامة المعتزلة.
وقال أبو بكر الأصم: الآية على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولقد ذرأنا كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك لجهنم، وأولئك كالأنعام.
لكن هذا بعيد؛ لأنه لو جاز هذا في هذا لجاز مثله في جميع القرآن أن يجعل أول الآية في آخرها، وآخرها في أولها، فهذا محال.
وأما قولهم: إنه إخبار عما آل إليه عاقبة أمرهم، واستشهادهم بقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ...
﴾ فهو يصلح: لمن يجهل عواقب الأمور، يخرج ذلك منه على التنبيه والإيقاظ؛ لما لم يعرفوا عاقبة ما [به] صار إليه الأمر، فأما الله - عالم السر والعلانية وما كان ويكون في الأوقات التي تكون - لا يحتمل ذلك.
وقول الناس: لدوا للموت، وابنوا للخراب.
فهو إنما يذكرون هذا عند التنبيه والإيقاظ لجهلهم بعواقب الأمور، وإن كانوا لا يبنون، ولا يلدون للموت والخراب، وما قصدوا له.
وأما التأويل عندنا على ما ذكر في ظاهر الآية أنه خلق لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الكفر والأعمال الخبيثة التي يستوجبون بها النار خلقهم لجهنم؛ لما علم منهم ذلك في الأزل أنهم يختارون الأعمال الخبيثة فذرأهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم، وكذلك خلق المؤمنين للجنة؛ لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الهدى، ويعملون أعمالاً طيبة يستوجبون بها الجنة، خلقهم للجنة لا أن خلقهم للجنة مرسلاً [أو خلقهم لجهنم مرسلا،] ولكن لما ذكرنا، والله أعلم.
وأما قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ .
إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده ويطيعه، وأما من علم أنه يكفر به ويعصيه فهو إنما خلقه لما علم [أنه يكون منه]؛ فمن كان علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة، ومن كان علم منه أنه يكون منه الكفر خلقه لذلك؛ لأنه لا يجوز أن يعلم منه المعصية وفعل الكفر فيخلقه على خلاف ذلك؛ دل أنه على ما ذكرناه، والله أعلم.
أو أن يقال: قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ الفريق الذي علم منه العبادة، لا الكل؛ دليله قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ ، ولم يقل: ذرأنا الكل؛ فهذه في فريق، وهذه في فريق آخر، وهذا التأويل يرجع إلى الخصوص؛ ألا ترى أن الصبيان والمجانين لم يدخلوا فيه؟!
أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي: إلا لأكلفهم العبادة وآمرهم بها؛ فإن كان هذا فهي على الكل: على الكافر والمؤمن جميعاً، والله أعلم.
ويحتمل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي: ما خلقت الجن والإنس إلا لتشهد خلقتهم على وحدانية الله، وصرف العبادة إليه، وقد شهدت خلقة كل كافر ومؤمن على وحدانية [الله] وألوهيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ .
الفقه: هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، أو معرفة الشيء بمعناه الدال على مدبره؛ فهؤلاء الكفرة لم يفقهوا؛ لما لم ينظروا إلى الأشياء لمعناها وحقائقها، إنما نظروا إلى الأشياء لظواهرها، وكذلك قوله: ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ لما نظروا إلى ظواهرها، لم ينظروا إلى معانيها وحقيقتها؛ ليدلهم على تدبير منشئها وحكمته.
وكذلك قوله: ﴿ وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ لما كانت للأنعام قلوب وأعين وآذان، لكن لا يفقهون معناها وحقيقتها، وإن كانوا يسمعون النداء، وينظرون ظواهر الأشياء؛ فعلى ذلك [هؤلاء] الكفار، وإن كانوا يسمعون ويبصرون ما ذكرنا بعد أن لم يفقهوا معانيها وتدبير مدبرها، فهم كالأنعام.
وأصله: أنهم لما لم يستعملوا تلك الحواس فيما جعلت لهم، [وإنما جعلت لهم] لمعرفة حقائق الأشياء، وما أدرج فيها من المعاني والحكمة، فصاروا في الحقيقة كمن لا حواس له؛ إذ لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك؛ [بل كانوا كمن ليس لهم تلك]؛ لذلك نفى عنهم، والله أعلم.
وقال قائلون: نفى عنهم هذه الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك؛ بل كانوا كمن ليس لهم تلك الحواس للمعنى الذي جعلت تلك الحواس، فهم كالأنعام، بل هم أضل؛ لأن هؤلاء إذا ضلوا الطريق فهدوا [وأرشدوا لا يهتدون ولا يرجعون عن ذلك، والدواب إذا ضلوا الطريق فهدوا اهتدوا،] وعرفوا، ومالوا إليه، فهم أضل من الأنعام لما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ لأن بنية الأنعام لا تحتمل فهم ذلك، وبنية هؤلاء تحتمل؛ إذ جعل لهم عقولاً تميز وتعرف حكمة مدبرها ومنشئها، لكنهم ضيعوها، ولم يكن من الأنعام تضييع؛ لذلك كان أولئك أضل.
قال ابن عباس - -: قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ ﴾ لما ختم الله على قلوبهم؛ كقوله: ﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ فمن ثمَّ لم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم تسمع آذانهم.
وقال: ثم ضرب لهم مثلا فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ في الأكل؛ لأن همتهم ليست إلا الأكل والشرب، كهمة الأنعام والبهائم ليست همتهم إلا الأكل والشرب وقضاء الشهوة، فهي تسمع النداء ولا تعقل؛ فعلى ذلك الكافر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ في فهم ما ألقي إليهم ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ ؛ لأنهم أعطوا سبب فهم ذلك، والأنعام لا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ ؛ لأن الأنعام تعرف ربها، وتوحده، وتذكره؛ لقول الله - -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ وهؤلاء لا يعرفونه، ولا يوحدونه؛ فهم أضل.
أو أن يقال: هم أضل لا يهتدون وإن هدوا ودعوا، والأنعام تهتدي.
أو هم أضل؛ لأنهم يُضَلُّون وَيُضِلُّون غيرهم، والأنعام لا.
أو هم أضل؛ لأنهم لا ينتفع بهم، والأنعام ينتفع بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ﴾ .
عن فهم ما ألقي إليهم وأمروا به.
أو غافلون عما أوعدوا.
وقوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل أنهم قد ظنوا أن في إثبات عدد الأسماء إيجاب إثبات عدد من الذات، فأخبر أن ليس في إثبات عدد الأسماء إثبات أعداد من الذات؛ إذ قد يسمي الشيء الواحد بأسماء مختلفة، ثم لا يوجب ذلك إثبات عدد ذلك ولا تجزئته؛ من نحو ما تسمي الحركة: حركة، عرضاً، شيئاً، خلقاً، من غير أن أوجب ذلك إثبات عدد الحركة أو تجزئتها، وكذلك في جميع الأشياء؛ فعلى ذلك يخبر أنه ليس في إثبات عدد [من] الأسماء إثبات عدد من الذات؛ على ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون خرج هذا مقابل قول كان منهم، وهو أن وصفوا الله بشيء لا يحسن أن يوصف به، وأضافوا إليه أشياء لا يصلح أن تضاف؛ من نحو قولهم: يا خالق الخنازير، ويا خالق الخبائث، ويا إله القردة، ونحوه؛ فأخبر أن ادعوه بالأسماء الحسنى مما ثبت عند الخلق أنه مسمى به، من نحو ما أعطاهم؛ يقال: يا هادي؛ يا مرشد، ونحوه.
ويقال بما أعطاهم من النعم: يا كريم، يا جواد، ويا لطيف، ونحوه.
ويقال: يا خالق، يا رازق، يا الله، يا رحمن، يا رحيم؛ لما ظهر في أنفسهم من ألوهيته وربوبيته، فقال: لا تدعوا بكذا، ولكن ادعوا بالأسماء التي ثبت عند الخلق تحقيقها، وأنه يسمى بها، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقد روي على هذا المعنى [خبر]؛ روي أن رجلاً دعا في صلاته فقال: يا الله، ويا رحمن، ويا رحيم، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون إلهاً واحداً، فما بال هذا يدعو ربين [اثنين؟!
فأنزل الله : ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: له الأسماء الحسنى لا الأصنام التي تعبدونها] نحو ما سموها آلهة وأرباباً، فقال: هذه الأسماء التي تدعون بها الأصنام لله فادعوه بها، ولا تدعوا بها الأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ ﴾ .
[يحتمل أي: لا تكافئهم بصنيعهم ولا تجازهم بأذاهم إياك؛ فإن الله هو المكافىء لهم والمجازي بصنيعهم؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ ﴾ ].
قيل: الإلحاد هو الجور والميل عن الحق، والوضع في غير موضعه، وهم سموا ملحدين لما سموا غيره بأسمائه، أو لإشراك غيره في أسمائه.
أو سموا بذلك لما صرفوا شكر نعمه إلى غيره، وعبدوا دونه، مع علمهم أنه لم يكن منهم إليهم شيء من ذلك، إنما كان ذلك لهم من الله.
قال ابن عباس: الإلحاد: الميل، في جميع القرآن.
وقيل: الإلحاد: التكذيب.
قال القتبي: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ أي: يجورون عن الحق ويعدلون.
وأصله: الجور والميل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
قال: هذه بشارة لرسول الله بالنصر له، والظفر على أعدائه في الدنيا.
وقال قائلون: هو حرف وعيد؛ أوعدهم - عز وجل - بأذاهم رسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يهدون الخلق بالحق الذي عندهم، وهو القرآن والكتب التي عندهم.
وأمكن أن يكون الحق هو رسول الله ، به يهدون الناس، وبه يعملون.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يدعون الخلق إلى سبيل الله؛ على ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .
ويحتمل الحق - هاهنا - هو الله؛ كقوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: بالحق الذي يهدون يعملون؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ...
﴾ الآية [هود: 88].
<div class="verse-tafsir"
ولقد أنشأنا لجهنم كثيرًا من الجن، وكثيرًا من الإنس؛ لعلمنا بأنهم سيعملون بعمل أهلها، لهم قلوب لا يدركون بها ما ينفعهم ولا ما يضرهم، ولهم أعين لا يبصرون بها آيات الله في الأنفس والآفاق فيعتبرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها آيات الله فيتدبرون ما فيها، أولئك المتصفون بهذه الصفات مثل البهائم في فقد العقل، بل هم أكثر بعدًا في الضلال من البهائم، أولئك هم الغافلون عن الإيمان بالله واليوم الآخر.
<div class="verse-tafsir" id="91.bQA7X"