الآية ١٨٥ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٨٥ من سورة الأعراف

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ١٨٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨٥ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى : ( أولم ينظروا ) - هؤلاء المكذبون بآياتنا - في ملك الله وسلطانه في السماوات والأرض ، وفيما خلق [ الله ] من شيء فيهما ، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به ، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه ، ومن فعل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له فيؤمنوا به ويصدقوا رسوله ، وينيبوا إلى طاعته ، ويخلعوا الأنداد والأوثان ، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت ، فيهلكوا على كفرهم ، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه .

وقوله : ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) ؟

يقول : فبأي تخويف وتحذير وترهيب - بعد تحذير محمد وترهيبه ، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه - يصدقون ، إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله ، عز وجل ؟

!

.

وقد روى الإمام أحمد عن حسن بن موسى وعفان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي الصلت ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت ليلة أسري بي ، لما انتهينا إلى السماء السابعة ، فنظرت فوقي ، فإذا أنا برعد وبرق وصواعق " ، قال : " وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم ، قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟

قال : هؤلاء أكلة الربا .

فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني ، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هذه الشياطين يحرفون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض ، ولولا ذلك لرأوا العجائب " .

علي بن زيد بن جدعان له منكرات .

ثم قال تعالى :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله، في ملك الله وسلطانه في السموات وفي الأرض، (44) وفيما خلق جل ثناؤه من شيء فيهما, فيتدبروا ذلك، ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمنْ لا نظير له ولا شبيه, (45) ومِنْ فِعْلِ من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له, فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذرُوا أن تكون آجالهم قد اقتربت، (46) فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.

* * * وقوله: (فبأي حديث بعده يؤمنون)، يقول: فبأيّ تخويفٍ وتحذير ترهيب بعد تحذير محمد صلى الله عليه وسلم وترهيبِه الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه، يصدِّقون, إن لم يصدقوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى؟

(47) ----------------- الهوامش : (44) انظر تفسير (( الملكوت )) فيما سلف 11 : 470 .

(45) في المطبوعة : (( ممن لا نظير له )) ، غير ما في المخطوطة ، بلا علة .

(46) انظر تفسير (( الأجل )) فيما سلف ص : 73 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(47) انظر تفسير (( الحديث )) فيما سلف 8 : 592 ، 593 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : أولم ينظروا عجب من إعراضهم عن النظر في آياته ; ليعرفوا كمال قدرته ، حسب ما بيناه في سورة " البقرة " .

والملكوت من أبنية المبالغة ومعناه الملك العظيم .الثانية : استدل بهذه الآية - وما كان مثلها من قوله تعالى : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وقوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وقوله : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت الآية .

وقوله : وفي أنفسكم أفلا تبصرون - من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته .

قالوا : وقد ذم الله تعالى من لم ينظر ، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال : لهم قلوب لا يفقهون بها الآية .وقد اختلف العلماء في أول الواجبات ، هل هو النظر والاستدلال ، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة .

فذهب القاضي وغيره إلى أن أول الواجبات النظر والاستدلال ; لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة ، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته .

وإلى هذا ذهب البخاري رحمه الله حيث بوب في كتابه باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل : فاعلم أنه لا إله إلا الله .

قال القاضي : من لم يكن عالما بالله فهو جاهل ، والجاهل به كافر .

قال ابن رشد في مقدماته : وليس هذا بالبين ; لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد ، وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما آية .

قال : وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلد مؤمنين .

قال : فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال .

قال : وأيضا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم : لا يحل لكم قتلنا ; لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل .

قال : وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم ، وألا يقتلوا حتى ينظروا ويستدلوا .[ ص: 297 ] قلت : هذا هو الصحيح في الباب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله .

وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف " ذكر صفة كمال الإيمان " أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وأن كل ما جاء به محمد حق ، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح العقل - أنه مسلم .

وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد .

وقال أبو حفص الزنجاني وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني يقول : أول الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به ، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى ; فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله .

قال : وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق ; لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال .

فلو قلنا : إن أول الواجبات المعرفة بالله لأدى إلى تكفير الجم الغفير والعدد الكثير ، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس ، وذلك بعيد ; لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر أهل الجنة أمته ، وأن أمم الأنبياء كلهم صف واحد وأمته ثمانون صفا .

وهذا بين لا إشكال فيه .

والحمد لله .الثالثة : ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر ; فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين ، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه .

وقد أورد على بعضهم هذا فقال : لا تشنع علي بكثرة أهل النار .

أو كما قال .

قلت : وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه ; لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين ، واقتحموا في تكفير عامة المسلمين .

أين هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول ، وانتهره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد حجرت واسعا .

خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة .

أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان والحجة [ ص: 298 ] والبيان ؟

وأن رحمته وسعت كل شيء ، وكم من مثله محكوم له بالإيمان .

بل اكتفى صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين ، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك .

ألا تراه لما قال للسوداء : أين الله ؟

قالت : في السماء .

قال : من أنا ؟

قالت : أنت رسول الله .

قال : أعتقها فإنها مؤمنة .

ولم يكن هناك نظر ولا استدلال ، بل حكم بإيمانهم من أول وهلة ، وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة .

والله أعلم .الرابعة : ولا يكون النظر أيضا والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد والنسوان .

قال أبو الفرج الجوزي : قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد ، وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب ، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع .

وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم .

قال أبو الفرج : وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل لم يحل الله النظر إلا على صورة لا ميل للنفس إليها ، ولا حظ للهوى فيها ; بل عبرة لا يمازجها شهوة ، ولا يقارنها لذة .

ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة ، ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا ; كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة .

فمن قال : أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه .

وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا كذبناه ، وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين .

وقال بعض الحكماء : كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير ، ولذلك قال تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وقال : وفي أنفسكم أفلا تبصرون .

وقد بينا وجه التمثيل في أول الأنعام .

فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقا إلى كونه خلقا سويا ، يعان بالأغذية ويربى بالرفق ، ويحفظ باللين حتى يكتسب القوى ، ويبلغ الأشد .

وإذا هو قد قال : أنا ، وأنا ، ونسي حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، وسيعود مقبورا ; فيا ويحه إن كان محسورا .

قال الله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى قوله : [ ص: 299 ] تبعثون فينظر أنه عبد مربوب مكلف ، مخوف بالعذاب إن قصر ، مرتجيا بالثواب إن ائتمر ، فيقبل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه يراه ولا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ، ولا يتكبر على أحد من عباد الله ; فإنه مؤلف من أقذار ، مشحون من أوضار ، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار .

وقال ابن العربي : وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العملية :كيف يزهو من رجيعه أبد الدهر ضجيعهفهو منه وإليه وأخوه ورضيعهوهو يدعوه إلى الحش بصغر فيطيعهقوله تعالى وما خلق الله من شيء معطوف على ما قبله ; أي وفيما خلق الله من الأشياء .وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت ; فهو في موضع خفض معطوف على ما قبله .

وقال ابن عباس : أراد باقتراب الأجل يوم بدر ويوم أحد .فبأي حديث بعده يؤمنون أي بأي قرآن غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون .

وقيل : الهاء للأجل ، على معنى بأي حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان ; لأن الآخرة ليست بدار تكليف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فإنهم إذا نظروا إليها، وجدوها أدلة دالة على توحيد ربها، وعلى ما له من صفات الكمال.

و كذلك لينظروا إلى جميع مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فإن جميع أجزاء العالم، يدل أعظم دلالة على اللّه وقدرته وحكمته وسعة رحمته، وإحسانه، ونفوذ مشيئته، وغير ذلك من صفاته العظيمة، الدالة على تفرده بالخلق والتدبير، الموجبة لأن يكون هو المعبود المحمود، المسبح الموحد المحبوب.

وقوله: وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقترب أجلهم، ويفجأهم الموت وهم في غفلة معرضون، فلا يتمكنون حينئذ، من استدراك الفارط.

فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل، فبأي حديث يؤمنون به؟" أبكتب الكذب والضلال؟

أم بحديث كل مفتر دجال؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله ) فيهما ( من شيء ) أي : وينظروا إلى ما خلق الله من شيء ليستدلوا بها على وحدانيته .

( وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ) أي : لعل أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتوا قبل أن يؤمنوا ويصيروا إلى العذاب ، ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) أي : بعد القرآن يؤمنون .

يقول : بأي كتاب غير ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - يصدقون ، وليس بعده نبي ولا كتاب ، ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أو لم ينظروا في ملكوت» ملك «السماوات والأرض و» في «ما خلق الله من شيء» بيان لما، فيستدلوا به على قدرة صانعه ووحدانيته «و» في «أن» أي أنه «عسى أن يكون قد اقترب» قرب «أجلهم» فيموتوا كفارا فيصيروا إلى النار فيبادروا إلى الإيمان «فبأي حديث بعده» أي القرآن «يؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله في ملك الله العظيم وسلطانه القاهر في السموات والأرض، وما خلق الله -جلَّ ثناؤه- من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، وينظروا في آجالهم التي عست أن تكون قَرُبَتْ فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه؟

فبأي تخويف وتحذير بعد تحذير القرآن يصدقون ويعملون؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم دعاهم القرآن إلى النظر والاستدلال العقلى قال : ( أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السماوات والأرض وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ ) .الملكوت : هو الملك العظيم زيدت فيه اللام والتاء للمبالغة كما فى جبروت .والجملة الكريمة مسوقة لتوبيخهم على إخلالهم بالتأمل فى الآيات التكوينية إثر تقريعهم على عدم تفكرهم فى أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم .أى : أكذبوا ولم يتفكروا فى شان رسولهم صلى الله عليه وسلم وما هو عليه من كمال العقل ، ولم ينظروا نظر تأمل واعتبار واستدلال فى ملكوت السموات من الشمس والقمر والنجوم وغيرها ، وفى ملكوت الأرض من البحار والجبال والجواب وغيرها ، ولم ينظروا كذلك فيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشىء من أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف مما يشهد بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو المستحق وحده للعبادة والخضوع .وقوله ( مِن شَيْءٍ ) بيان " لما " وفى ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد غير مقصورة على السموات والأرض ، بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على توحيده .وقوله : ( وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ ) فى محل جر معطوف على ما قبله ، و ( أَنْ ) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ، وخبرها عسى مع فاعلها الذى هو ( أَن يَكُونَ ) .والمعنى : أولم ينظروا - أيضا - فى اقتراب آجالهم ، وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت لهم ونزول العذاب بهم وهم فى أتعس حال .إنهم لو تفكروا فى أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم ولو نظروا فيما خلق الله من مخلوقات بعين التدبر والاتعاظ ، لآمنوا وهدوا إلى صراط العزيز الحميد .وقوله : ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) أى : إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو أكمل كتب الله بيانا ، وأقواها برهانا ، فبأى كلام بعده يؤمنون؟والجملة الكريمة مسوقة للتعجب من أحوالهم .

ولقطع أى أمل فى إيمانهم لأنهم ما داموا لم يؤمنوا بهذا الرسول المؤيد بالمعجزات ، وبهذا الكلام المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية ، فأخرى بهم ألا يؤمنوا بغير ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السموات والأرض ﴾ واعلم أن دلائل ملكوت السماوات والأرض على وجود الصانع الحكيم القديم كثيرة، وقد فصلناها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة.

ثم قال: ﴿ وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيء ﴾ والمقصود التنبيه على أن الدلائل على التوحيد غير مقصورة على السماوات والأرض.

بل كل ذرة من ذرات عالم الأجسام والأرواح فهي برهان باهر، ودليل قاهر على التوحيد، ولنقرر هذا المعنى بمثال.

فنقول: إن الضوء إذا وقع على كوة البيت ظهر الذرات والهباآت، فلنفرض الكلام في ذرة واحدة من تلك الذرات فنقول: إنها تدل على الصانع الحكيم من جهات غير متناهية، وذلك لأنها مختصة بحيز معين من جملة الأحياز التي لا نهاية لها في الخلاء الذي لا نهاية له، وكل حيز من تلك الأحياز الغير المتناهية، فرضنا وقوع تلك الذرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيز المعين من الممكنات والجائزات، والممكن لابد له من مخصص ومرجح وذلك المخصص إن كان جسماً عاد السؤال فيه، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه، وأيضاً فتلك الذرة لا تخلو عن الحركة والسكون، وكل ما كان كذلك فهو محدث، وكل محدث فإن حدوثه لابد وأن يكون مختصاً بوقت معين مع جواز حصوله قبل ذلك وبعده، فاختصاصه بذلك الوقت المعين الذي حدث فيه، لابد وأن يكون بتخصيص مخصص قديم فإن كان ذلك المخصص جسماً عاد السؤال فيه، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه وتعالى، وأيضاً أن تلك الذرة مساوية لسائر الأجسام في التحيز والحجمية.

ومخالفة لها في اللون والشكل والطبع والطعم وسائر الصفات.

واختصاصها بكل تلك الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام، لابد وأن يكون من الجائزات، والجائز لابد له من مرجح، وذلك المرجح إن كان جسماً عاد البحث الأول فيه، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه، فثبت أن تلك الذرة دالة على وجود الصانع من جهات غير متناهية، واعتبارات غير متناهية، وكذا القول في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني، مفرداته ومركباته وسفلياته وعلوياته وعند هذا يظهر لك صدق ما قال الشاعر: وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد وإذا عرفت هذا فحينئذ ظهرت الفائدة لك من قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيء ﴾ ولما نبه الله تعالى على هذه الأسرار العجيبة والدقائق اللطيفة، أردفه بما يوجب الترغيب الشديد في الإتيان بهذا النظر والتفكر فقال: ﴿ وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ ﴾ ولفظة ﴿ أن ﴾ في قوله: ﴿ وَأَنْ عسى ﴾ هي المخففة من الثقيلة تقديره: وأنه عسى، والضمير ضمير الشأن، والمعنى: لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار، وإذا كان هذا الاحتمال قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذه الفكرة، والمبادرة إلى هذه الرؤية، سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، ولما ذكر تعالى هذه البيانات الجلية والدلائل العقلية قال: ﴿ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون ﴾ وذلك لأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ما فيه من هذه التنبيهات الظاهرة والبينات الباهرة، فكيف يرضى منهم الإيمان بغيره.

واعلم أن هذه الآية دالة على مطالب كثيرة.

المطلب الأول: أن التقليد غير جائز ولا بد من النظر والاستدلال، والدليل على أن الأمر كذلك قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ ﴾ .

والمطلب الثاني: أن أمر النبوة متفرع على التوحيد، والدليل عليه أنه لما قال: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ أتبعه بذكر ما يدل على التوحيد، ولولا أن الأمر كذلك، لما كان إلى هذا الكلام حاجة.

والمطلب الثالث: تمسك الجبائي والقاضي بقوله تعالى: ﴿ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ على أن القرآن ليس قديماً قالوا: لأن الحديث ضد القديم، وأيضاً فلفظ الحديث يفيد من جهة العادة حدوثه عن قرب، ولذلك يقال: إن هذا الشيء حديث، وليس بعتيق فيجعلون الحديث ضد العتيق الذي طال زمان وجوده، ويقال: في الكلام إنه حديث، لأنه يحدث حالاً بعد حال على الأسماع.

وجوابنا عنه: أنه محمول على الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حدوثها.

المطلب الرابع: أن النظر في ملكوت السموات والأرض لا يكون إلا بعد معرفة أقسامها وتفصيل الكلام في شرح أقسامها، أن يقال كل ما سوى الله تعالى، فهو إما أن يكون متحيزاً أو حالاً في المتحيز أو لا متحيزاً، ولا حالاً في المتحيز، أما المتحيز فإما أن يكون بسيطاً، وإما أن يكون مركباً، أما البسائط فهي إما علوية وإما سفلية، أما العلوية فهي الأفلاك والكواكب، ويندرج فيما ذكرناه العرش والكرسي، ويدخل فيه أيضاً الجنة والنار، والبيت المعمور، والسقف المرفوع واستقص في تفصيل هذه الأقسام، وأما السفلية فهي: طبقات العناصر الأربعة، ويدخل فيها البحار والجبال والمفاوز، وأما المركبات فهي أربعة الآثار العلوية والمعادن والنبات والحيوان، واستقص في تفصيل أنواع هذه الأجناس الأربعة، وأما الحال في المتحيز وهي الأعراض، فيقرب أجناسها من أربعين جنساً، ويدخل تحت كل جنس أنواع كثيرة، ثم إذا تأمل العاقل في عجائب أحكامها ولوازمها وآثارها ومؤثراتها فكأنه خاض في بحر لا ساحل له.

وأما القسم الثالث: وهو أن الموجود لا يكون متحيزاً ولا حالاً في المتحيز، فهو قسمان، لأنه إما أن يكون متعلقاً بأجسام بالتدبير والتحريك، وهو المسمى بالأرواح، وإما أن لا يكون كذلك، وهي الجواهر القدسية المبرأة عن علائق الأجسام.

أما القسم الأول فأعلاها وأشرفها الأرواح الثمانية المقدسة الحاملة للعرش، كما قال تعالى: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية  ﴾ ويتلوها الأرواح المقدسة المشارة إليها بقوله سبحانه: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ  ﴾ ويتلوها سكان الكرسي، وإليهم الإشارة بقوله: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض  ﴾ ويتلوها الأرواح المقدسة في طبقات السموات السبع.

وإليهم الأشارة بقوله: ﴿ وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفًّا  فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًا  فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْرًا  ﴾ ومن صفاتهم، أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.

واعلم أن هذا الذي ذكرناه وفصلناه من ملك الله وملكوته كالقطرة في البحر فلعل الله سبحانه له ألف ألف عالم وراء هذا العالم، وله في كل واحد منها عرش أعظم من هذا العرش، وكرسي أعلى من هذا الكرسي، وسموات أوسع من هذه السموات، وكيف يمكن إحاطة عقل البشر بكمال ملك الله وملكوته، بعد أن سمع قوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ  ﴾ فإذا استحضر الإنسان هذه الأقسام في عقله وأراد الخوض في معرفة أسرار حكمته وإلهيته فهم قولهم: ﴿ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا  ﴾ ونعم ما قال أبو العلاء المعري: يا أيها الناس كم لله من فلك *** تجري النجوم به والشمس والقمر هنا على الله ماضينا وغابرنا *** فما لنا في نواحي غيره خطر <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الاستدراج: استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة.

قال الأعشى: فَلَوْ كُنْتَ فِي جُبٍّ ثَمَانِينَ قَامَةً ** وَرَقِيتَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّم لَيَسْتَدرِجَنَّكَ الْقَوْلُ حَتَّى تَهَرَّه ** وَتَعْلَمَ أَنِي عَنْكُمْ غَيْرَ مُفْحَمِ ومنه: درج الصبي إذا قارب بين خطاه.

وأدرج الكتاب: طواه شيئاً بعد شيء.

ودرج القوم: مات بعضهم في أثر بعض.

ومعنى ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُم ﴾ سنستدينهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿ مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ما يراد بهم، وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع أنهماكهم في الغيّ.

فكلّما جدّد عليهم نعمة ازدادوا بطراً وجدّدوا معصية، فيتدرّجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أنّ مواترة النعم أثرة من الله وتقريب، وإنما هي خذلان منه وتبعيد، فهو استدراج الله تعالى، نعوذ بالله منه ﴿ وَأُمْلِى لَهُمْ ﴾ عطف على ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُم ﴾ وهو داخل في حكم السين ﴿ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴾ سماه كيداً لأنه شبيه بالكيد، من حيث أنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان ﴿ مَا بِصَاحِبِهِم ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ مّن جِنَّةٍ ﴾ من جنون، وكانوا يقولون شاعر مجنون.

وعن قتادة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم علا الصفا فدعاهم فخذاً فخذاً يحذرهم بأس الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوِّت إلى الصباح ﴿ أَوَلَمْ يَنظُرُواْ ﴾ نظر استدلال ﴿ فِى مَلَكُوتِ السماوات والأرض ﴾ فيما تدلاّن عليه من عظم الملك.

والملكوت: الملك العظيم ﴿ وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْء ﴾ وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء ومن أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف ﴿ وَأَنْ عسى ﴾ أن مخففة من الثقيلة، والأصل: أنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن.

والمعنى: أو لم ينظروا في أنّ الشأن والحديث عسى ﴿ أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ ﴾ ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم.

قبل مغافصة الأجل وحلول العقاب ويجوز أن يراد باقتراب الأجل: اقتراب الساعة، ويكون من (كان) التي فيها ضمير الشأن.

فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ ؟

قلت: بقوله: ﴿ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ ﴾ كأنه قيل: لعلّ أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ، وبأيّ حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ.

﴿ فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ مِنَ الأجْناسِ الَّتِي لا يُمْكِنُ حَصْرُها لِيَدُلَّهم عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها، ووَحْدَةِ مُبْدِعِها وعِظَمِ شَأْنِ مالِكِها، ومُتَوَلِّي أمْرِها لِيُظْهِرَ لَهم صِحَّةَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.

﴿ وَأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى مَلَكُوتِ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وكَذا اسْمُ يَكُونُ والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ وتَوَقُّعِ حُلُولِها فَيُسارِعُوا إلى طَلَبِ الحَقِّ والتَّوَجُّهِ إلى ما يُنْجِيهِمْ، قَبْلَ مُغافَصَةِ المَوْتِ ونُزُولِ العَذابِ.

﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ﴾ أيْ بَعْدِ القُرْآنِ.

﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو النِّهايَةُ في البَيانِ كَأنَّهُ إخْبارٌ عَنْهم بِالطَّبْعِ والتَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ والإرْشادِ إلى النَّظَرِ.

وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: عَسى أنْ يَكُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما بالَهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِالقُرْآنِ، وماذا يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ وُضُوحِهِ فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ كالتَّقْرِيرِ والتَّعْلِيلِ لَهُ.

﴿ وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالياءِ لِقَوْلِهِ ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَهْدِهِ أحَدٌ غَيْرُهُ ﴿ وَيَذَرُهُمْ ﴾ .

﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ حالٌ مِن هم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَوَلَمْ يَنظُرُواْ} نظر استدلال {فِى مَلَكُوتِ السماوات والأرض}

الأعراف ١٧٥ ١٧٧ الملكوت الملك العيم {وما خلق الله من شيء} وفميا خلق الله مما يقع عليه اسم الشئ من أجناس لا يحصرها العدد {وَأَنْ عسى} أن ممخففة من الثقيلة وأصله وأنه عسى والضمير ضمير الشأن وهو في موضع الجر بالعطف على ملكوت والمعنى أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى {أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ} ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق

وماينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} بعد القرآن {يُؤْمِنُونَ} إذا لم يؤمنوا به وهو متعلق بعسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ كأنه قيل لعل أجلهم قد اقترب فمالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت وماذا ينتظرون بعد وضح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ لَمّا كانَ أمْرُ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَهو مَسُوقٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ بِإخْلالِهِمْ بِالتَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ إثْرَ ما نَعى عَلَيْهِمْ ما نَعى، والهَمْزَةُ هُنا كالهَمْزَةِ فِيما قَبْلُ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ أوْ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، أيْ: أكَذَّبُوا، أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما ذُكِرَ ولَمْ يَنْظُرُوا نَظَرَ تَأمُّلٍ واسْتِدْلالٍ فِيما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ ووَحْدَةِ المُبْدِعِ وعَظِيمِ شَأْنِ المالِكِ لِيَظْهَرَ لَهم صِحَّةُ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ ذاكَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّظَرِ هُنا دُونَ التَّفَكُّرِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ فِيما قَبْلُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الدَّلِيلَ هُنا أوْضَحُ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (مَلَكُوتِ) وتَخْصِيصُهُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ لِكَمالِ ظُهُورِ عِظَمِ المُلْكِ فِيهِما، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُضافِ هو إلَيْهِ فَيَكُونُ مُنْسَحِبًا عَلى الجَمِيعِ، والتَّعْمِيمُ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في عِظَمِ المُلْكِ في الحَقِيقَةِ، و( مِن شَيْءٍ ) بَيانٌ (لِما)، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّمَواتِ والأرْضِ، بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِهِ: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ العُقَلاءِ.

نَعَمْ مِنهم مَن جَعَلَ وجْهَ الدَّلالَةِ الحُدُوثَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُتَكَلِّمِينَ، ومِنهم مَن جَعَلَ وجْهَها الإمْكانَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الفَلاسِفَةُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ قُطْبُ عَصْرِهِ الشَّيْخُ خالِدٌ المُجَدِّدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى حَواشِي عَبْدِ الحَكِيمِ عَلى الخَيالِيِّ فارْجِعْ إلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَلَكُوتِ) فَهو مَعْمُولٌ لِيَنْظُرُوا لَكِنْ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ أنَّهُ لِلِاسْتِدْلالِ بِناءً عَلى ما قالُوا: إنَّ قَيْدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا يَلْزَمُ مُلاحَظَتُهُ في المَعْطُوفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى مَعَ فاعِلِها الَّذِي هو (أنْ يَكُونَ)، وخَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الخَبَرِيَّةُ ولا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ فَلا مَعْنى لِلْمُناقَشَةِ في ذَلِكَ، واسْمُ يَكُونُ أيْضًا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ: (قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهُمْ)، ولَمْ يَجْعَلُوا هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ لِأنَّ تَنازُعَ كانَ وخَبَرِها مِمّا لَمْ يُعْهَدُ لا لِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ لِما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ لِأنَّ ذَلِكَ لازِمٌ عَلى جَعْلِ الِاسْمِ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ولا ضَيْرَ في كُلٍّ، وأمْرُ التَّكْرارِ فِيما ذَكَرْنا سَهْلٌ فَلا يُرْتَكَبُ لَهُ خِلافَ المَعْهُودِ خِلافًا لِلْقُطْبِ الرّازِيِّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّها لا تُوصَلُ إلّا بِالفِعْلِ المُتَصَرِّفِ، وعَسى لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ وتَوَقُّعِ حُلُولِها فَيُسارِعُوا إلى طَلَبِ الحَقِّ والتَّوَجُّهِ إلى ما يُنْجِيهِمْ قَبْلَ مُغافَصَةِ المَوْتِ ومُفاجَأتِهِ ونُزُولِ العَذابِ، فالمُرادُ بِأجَلِهِمْ أجَلُ مَوْتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ السّاعَةِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِمُلابَسَتِهِمْ لَها مِن جِهَةِ إنْكارِهِمْ إيّاها وبَحْثِهِمْ عَنْها، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ والإرْشادِ إلى النَّظَرِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُؤْمِنُونَ، وضَمِيرُ (بَعْدَهُ) لِلْقُرْآنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ وهو مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ، والحَدِيثُ بِمَعْنى الكَلامِ فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن يَزْعُمُ حُدُوثَ القُرْآنِ، وقِيلَ: ولَئِنْ سَلَّمْنا كَوْنَهُ دَلِيلًا يُرادُ مِنَ القُرْآنِ الألْفاظُ وهي مُحْدَثَةٌ عَلى المَشْهُورِ، والمَعْنى: إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ وهو النِّهايَةُ في البَيانِ فَبِأيِّ كَلامٍ يُؤْمِنُونَ بَعْدَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْآياتِ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا أوْ بِتَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ أوْ إجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ.

والمَعْنى: أكَذَّبُوا بِالآياتِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما يُوجِبُ تَصْدِيقَها مِن أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأحْوالِ المَصْنُوعاتِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ تَكْذِيبِها يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ يُؤْمِنُونَ وهو أصْدَقُ النّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ، وقِيلَ: بَعْدَ الأجَلِ؛ أيْ: كَيْفَ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِهِمْ؟، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْ عَسى ﴾ إلَخِ ارْتِباطَ التَّسَبُّبِ عَنْهُ، والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما بالُهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِالقُرْآنِ قَبْلَ المَوْتِ؟

وماذا يَنْظُرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ؟

وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا؟

وتَقْدِيرُ ما قُدِّرَ عِنْدَ صاحِبِ الكَشْفِ لَيْسَ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَعْنى الِاسْتِبْطاءِ الَّذِي في ضِمْنِ (أيِّ)، وأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ هَذا البَيانِ الواضِحِ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مَبْنِيٌّ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: وهو يَذَرُهُمْ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أيْ: ونَحْنُ نَذَرُهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ والجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابَ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ لا يَهْدِهِ أحَدٌ ويَذَرُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْكِينًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قُرِئَ: يُشْعِرْكم ويَنْصُرْكُمْ، وقَدْ رُوِيَ الجَزْمُ مَعَ النُّونِ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو في الشَّواذِّ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ يَذَرُهُمْ، والعَمَهُ: التَّرَدُّدُ في الضَّلالِ والتَّحَيُّرُ، أوْ أنْ لا يَعْرِفَ حُجَّةً، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ رِعايَةً لِلَفْظِ (مِن) وجَمْعُهُ في حَيِّزِ الإثْباتِ رِعايَةً لِمَعْناها لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ والإثْباتِ لِلْكُلِّ كَما قِيلَ هَذا.

* * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها ﴾ إشارَةٌ إلى مَنِ ابْتُلِيَ بِالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ بِأنْ سَلَكَ حَتّى ظَهَرَ لَهُ ما ظَهَرَ ثُمَّ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ وغَلَبَةِ الشَّقاوَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وفي التَّعْبِيرِ بِانْسَلَخَ ما لا يَخْفى.

﴿ ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ﴾ إلى حَظِيرَةِ القُدُسِ ﴿ ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ أيْ: مالَ إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ السُّفْلِيَّةِ ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ في إيثارِ السُّوءِ ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ ﴾ في أخَسِّ أحْوالِهِ ﴿ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ ﴾ بِالزَّجْرِ ﴿ يَلْهَثْ ﴾ يُدْلِعُ لِسانَهُ مَعَ التَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ.

﴿ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ أيْضًا.

والمُرادُ أنَّهُ يَلْهَثُ دائِمًا وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا المُنْسَلِخَ لا يَزالُ يُطْلِقُ لِسانَهُ في أهْلِ الكَمالِ سَواءٌ زُجِرَ عَنْ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُزْجَرْ.

﴿ ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ وهم مَظاهِرُ القَهْرِ.

﴿ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ﴾ الأسْرارَ.

﴿ ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ﴾ الحُجَجَ الكَوْنِيَّةَ.

﴿ ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ﴾ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ؛ فَهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.

﴿ أُولَئِكَ كالأنْعامِ ﴾ لَيْسَ لَهم هَمٌّ إلّا الأكْلُ والشُّرْبُ.

﴿ بَلْ هم أضَلُّ ﴾ مِنها لِأنَّهم لا يَنْزَجِرُونَ إذا زُجِرُوا ولا يَهْتَدُونَ إذا أُرْشِدُوا.

ومِمّا يُسْتَبْعَدُ مِن طَرِيقِ العَقْلِ ما نَقَلَهُ الإمامُ الشَّعَرانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ الخَوّاصِ -قُدِّسَ سِرُّهُ- أنَّ البَهائِمَ مُكَلَّفُونَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ وبِما ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّهُ لَيُؤْخَذُ لِلشّاةِ الجَمّاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ»».

وهَذا وإنْ كانَ في الشّاةِ لَكِنْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ونُقِلَ عَنْهُ القَوْلُ بِأنَّ كُلَّ ما في الوُجُودِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ وجَمادٍ حَيٌّ دِراكٌ، ثُمَّ قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَهَلْ تَشْبِيهُ الحَقِّ تَعالى مَن ضَلَّ مِن عِبادِهِ بِالأنْعامِ بَيانٌ لِنَقْصِ الأنْعامِ عَنِ الإنْسانِ أمْ لِكَمالِها في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى؟

فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا أعْلَمُ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ بَعْضَهم يَقُولُ: لَيْسَ تَشْبِيهُهم بِالأنْعامِ نَقْصًا وإنَّما هُوَ: لِبَيانِ كَمالِ مَرْتَبَتِها في العِلْمِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى حارَتْ فِيهِ، فالتَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ في الحَيْرَةِ لا في المُحارِ فِيهِ، فَلا أشَدَّ حَيْرَةً مِنَ العُلَماءِ بِاللَّهِ تَعالى، فَأعْلى ما يَصِلُ إلَيْهِ العُلَماءُ في العِلْمِ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبْتَدَأُ البَهائِمِ الَّذِي لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ أصْلِهِ وإنْ كانَتْ مُنْتَقِلَةً في شُؤُونِهِ بِتَنَقُّلِ الشُّؤُونِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها لا تَثْبُتُ عَلى حالٍ، ولِذَلِكَ كانَ مَن وصَفَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِنَ الحَيْرَةِ مِن طَرِيقِ فِكْرِهِمْ ونَظَرِهِمْ ولا يُمْكِنُ لَهم ذَلِكَ، والبَهائِمُ عَلِمَتْ ذَلِكَ ووَقَفَتْ عِنْدَهُ ولَمْ تَطْلُبِ الخُرُوجَ عَنْهُ لِشِدَّةِ عِلْمِها بِاللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ أنَّها ما سُمِّيَتْ بَهائِمَ إلّا لِأنَّ أمْرَها قَدْ أُبْهِمَ عَلى غالِبِ الخَلْقِ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ كَما عَرَفَهُ أهْلُ الكَشْفِ.

انْتَهى.

وهُوَ كَلامٌ يُورِثُ المُؤْمِنَ بِهِ حَسَدًا لِلْبَهائِمِ، نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِها وأعاذَنا مِنَ الحَسَدِ.

﴿ ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ الَّتِي يُدَبَّرُ كُلُّ أمْرٍ بِاسْمٍ مِنها.

﴿ فادْعُوهُ بِها ﴾ حَسْبَ المَراتِبِ وأعْلاها الدُّعاءُ بِلِسانِ الفِعْلِ وهو التَّحَلِّي بِمَعانِيها بِقَدْرِ ما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ العَبْدِ وذَلِكَ حَظُّ المُقَرَّبِينَ مِنها، وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ حُظُوظَهم مِن مَعانِي أسْمائِهِ تَعالى ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ مَعْرِفَتُها عَلى سَبِيلِ المُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهم حَقائِقُها بِالبُرْهانِ الَّذِي لا يَجُوزُ فِيهِ الخَطَأُ ويَنْكَشِفَ لَهُمُ اتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِها انْكِشافًا يُجْرِي الوُضُوحَ والبَيانَ مَجْرى اليَقِينِ الحاصِلِ لِلْإنْسانِ بِصِفاتِهِ الباطِنَةِ الَّتِي يُدْرِكُها بِمُشاهَدَةٍ باطِنَةٍ لا بِإحْساسِ ظاهِرِهِ، وكَمْ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ الِاعْتِقادِ المَأْخُوذِ مِنَ الآباءِ والمُعَلِّمِينَ تَقْلِيدًا والتَّصْمِيمِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَقْرُونًا بِأدِلَّةٍ جَدَلِيَّةٍ كَلامِيَّةٍ.

الثّانِي: اسْتِعْظامُهم ما يُكْشَفُ لَهم مِن صِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ عَلى وجْهٍ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقُهم إلى الِاتِّصافِ بِما يُمْكِنُهم مِن تِلْكَ الصِّفاتِ لِيَقْرُبُوا بِها مِنَ الحَقِّ قُرْبًا بِالصِّفَةِ لا بِالمَكانِ فَيَأْخُذُوا مِنَ الِاتِّصافِ بِها شَبَهًا بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والخُلُوُّ مِن هَذا الشَّوْقِ لا يَكُونُ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمّا لِضَعْفِ المَعْرِفَةِ، وإمّا لِكَوْنِ القَلْبِ مُمْتَلِئًا بِشَوْقٍ آخَرَ مُسْتَغْرِقًا بِهِ.

والثّالِثُ السَّعْيُ في اكْتِسابِ المُمْكِنِ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ والتَّخَلُّقِ بِها والتَّحَلِّي بِمَحاسِنِها، وبِذَلِكَ يَصِيرُ العَبْدُ رَبّانِيًّا رَفِيقًا لِلْمَلَأِ الأعْلى مِنَ المَلائِكَةِ شَبِيهًا بِهِمْ، وحِينَئِذٍ لا يُؤَثِّرُ القُرْبُ والبُعْدُ في إدْراكِهِ بَلْ لا يَقْتَصِرُ إدْراكُهُ عَلى ما يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ ويَكُونُ مُقَدَّسًا عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ؛ فَلا تَكُونُ أفْعالُهُ بِمُقْتَضاها بَلِ الدّاعِي إلَيْها حِينَئِذٍ طَلَبُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا إثْباتُ المُماثَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَيْنَ العَبْدِ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ لِأنَّ المُماثَلَةَ هي المُشارَكَةُ في النَّوْعِ والماهِيَّةِ لا مُطْلَقَ المُشارَكَةِ؛ فالفَرَسُ الكَيِّسُ وإنْ كانَ بالِغًا في الكِياسَةِ ما بَلَغَ لا يَكُونُ مُماثِلًا لِلْإنْسانِ لِمُخالَفَتِهِ لَهُ بِالنَّوْعِ وإنْ شابَهَهُ بِالكِياسَةِ الَّتِي هي عارِضَةٌ خارِجَةٌ عَنِ المُقَوِّماتِ الإنْسانِيَّةِ وأنْتَ تَعْلَمُ بِأدْنى التِفاتٍ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى الحَيِّ العَلِيمِ المُرِيدِ القادِرِ المُتَكَلِّمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ وبَيْنَ العَبْدِ المُتَّصِفِ بِالحَياةِ والعِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ إلّا في إطْلاقِ الِاسْمِ لا غَيْرُ، والكَلامُ في خَبَرِ: ««لا زالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ»» إلَخْ.

يَسْتَدْعِي الخَوْضَ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ، فَخُذْ ما آتَيْناكَ وذَرِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ يَطْلُبُونَ مَعانِيَها مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويُضِيفُونَها إلَيْهِ وهَؤُلاءِ مِمّا ذَرَأهم سُبْحانَهُ وتَعالى لِجَهَنَّمَ ﴿ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الإلْحادِ ﴿ ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ وهُمُ المُرْشَدُونَ الكامِلُونَ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ كالمُنْكِرِينَ عَلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ إنّا سَنَسْتَدْرِجُهم ﴿ وأُمْلِي لَهُمْ ﴾ أُمْهِلُهم.

﴿ إنَّ كَيْدِي ﴾ أخْذِي ﴿ مَتِينٌ ﴾ شَدِيدٌ، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِيائِهِ أنْ يَأْخُذَهم أشَدَّ أخْذٍ، وقَدْ شاهَدْنا ذَلِكَ كَثِيرًا نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن مَكْرِهِ، ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ وهي الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَلَكُوتِ وهو في مُصْطَلَحِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم عِبارَةٌ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ المُخْتَصِّ بِالأرْواحِ والنُّفُوسِ، وفَسَّرُوا المُلْكَ بِعالَمِ الشَّهادَةِ مِنَ المَحْسُوساتِ الطَّبِيعِيَّةِ كالعَرْشِ والكُرْسِيِّ وغَيْرِهِما، وكُلُّ جِسْمٍ يَتَرَكَّبُ مِنَ الِاسْتِقْصاءاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني: جماعة وهم أمة محمد  يهدون بالحق يعني يدعون إلى الحق ويأمرون بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني بالحق يعملون وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف: 159] قال أناس من أصحاب رسول الله  : يا رسول الله قد ذكر الله تعالى هؤلاء الرهط بالخير الجسيم من بني إسرائيل إن آمنوا بك وجعل لهم أجرين، ولنا أجراً واحداً، وقد صدقناك والرسل والكتب فنزل وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يعني: من أمة محمد  يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بمحمد والقرآن سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعني: سنأخذهم بالعذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ.

وقال الكلبي: يعني نزيّن لهم فنهلكهم من حيث لا يعلمون.

يقول: سنأتيهم وهم المستهزئون فيقتل كل رجل منهم بغير قتلة صاحبه.

وقال القتبي: الاستدراج أن يذيقهم من بأسه قليلاً قليلاً.

ويقال: استدرج فلان فلاناً يعني: يعرف ما عنده وأصل هذا من الدرجة لأن الراقي يرقى درجة درجة.

فاستعير من هذا كقوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات: 1] يعني: الملائكة يتابعون بعضهم بعضاً كعرف الفرس.

وكقوله تعالى: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة: 67] يمسكون عن العطية.

وقال السدي: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعني: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها، ثم نأخذهم من حيث لا يعلمون، فذلك الاستدراج.

ثم قال: وَأُمْلِي لَهُمْ يعني: وأمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ يعني: عقوبتي شديدة.

ويقال: إن صنيعي محكم.

ويقال: إن أخذي شديد.

ثم قال تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا يعني: أهل مكة فيما يأمرهم محمد  أن يعبدوا خالقهم، ورازقهم، وكاشف الضر عنهم، ولا يعبدوا من لا يقدر على شيء منه أمثل هذا يكون مجنوناً.

ويقال: معناه أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في دلائل النبي  ومعجزاته ليستدلوا بأنه نبي وقد تم الكلام.

ثم استأنف فقال مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ويقال: هذا على وجه البناء.

ومعناه: أو لم يتفكروا ليعلموا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني: جنوناً.

ويقال: إن النبيّ  صعد ذات ليلة الصفا، فدعا قريشاً إلى عبادة الله تعالى بأسمائهم فرداً فرداً، فقال بعضهم: إن صاحبكم لمجنون.

فوعظهم الله تعالى فقال أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا يقول: أو لم يجالسوه ويكلموه هل به من جنون إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي رسولاً بيناً.

وهذا كقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبإ: 46] .

ووعظهم ليعتبروا في صنعه فيوحدوه فقال: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في خلق السموات والأرض وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله في الأرض من الجبال والبحار وغير ذلك فيعتبروا، ويؤمنوا بأن الذي خلق الذي ترون، هو رَبّ واحد لا شريك له وَأَنْ عَسى يعني: وينظروا في أن عسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ يعني: قد دنا هلاكهم فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يعني: إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن.

لأن هذا آخر الكتب نزولاً وليس بعده كتاب ينزل.

ثم قال تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ أي: من يخذله الله عن دين الإسلام فلا هادي له إلى الهدى وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي: يتركهم في ضلالتهم يترددون.

قرأ أبو عمرو وَيَذَرُهُمْ بالياء وضم الراء على معنى الخبر.

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وَنَذَرُهُمْ بالنون وضم الراء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وَيَذَرُهُمْ بالياء وجزم الراء وجعلوه جواب الشرط.

ومعناه: من يضلل الله يذره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قَالَ: «هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ» .

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الآية وعيد، والإِشارة إِلى الكُفَّار، وسَنَسْتَدْرِجُهُمْ معناه: سنُسوقهم شيئاً بعد شَيْءٍ ودرجةً بعد درجةٍ بالنِّعم عليهم والإِمهال لهم حتى يغترُّوا ويظنُّوا أنهم لا ينالُهم عقابٌ، وقوله: مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، أيْ: من حيث لا يَعْلَمُون أنه استدراج لهم، وهذه عقوبةٌ لهم مِنَ اللَّه سبحانه عَلَى التَّكْذِيبِ لِمَا حَتمَ عليهم بالعذاب، أملَى لهم ليزدادوا إثماً.

وقوله: وَأُمْلِي: معناه: أُؤخِّرُ ملاَوَةً من الدهر، أي: مدّة ومَتِينٌ: معناه:

قويّ.

وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ/ ...

الآية: تقريرٌ يقارنه توبيخ للكفّار، والوقف على قوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا، ثم ابتدأ القولَ بنَفْي ما ذكروه، فقال: مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ أي: بمحمَّد صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أنْ يكون المعنى: أو لم يتفكَّروا أنه ما بصاحبهم مِنْ جِنَّةٍ، ويظهر مِنْ رصف الآية أنها باعثةٌ لهم على الفِكْرة في أمره صلّى الله عليه وسلّم وأنه ليس به جنَّةٌ كما أحالهم بعد هذه الآية على النَّظَرْ.

وقال الفَخْر «١» : قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أمر بالفِكْرِ والتأمُّل والتدُّبر، وفي اللفظ محذوفٌ، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلَمُوا مَا بِصَاحِبهمْ منْ جِنَّة، والجِنَّة: حالَةٌ مِنَ الجُنُون، كَالجِلْسَةِ، ودخولُ «مِنْ» في قوله: مِنْ جِنَّةٍ ينفي أنواع الجنون.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الاية: النَّظَرُ هنا بالقَلْب عِبْرَة وفكراً، ومَلَكُوتِ: بناءُ عظمةٍ ومبالغةٍ.

وقوله: وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ: لفظٌ يعمُّ جميع ما ينظر فيه، ويستدلُّ به من الصنعة الدالَّة على الصانع، ومِنْ نَفْس الإِنسان وحواسَّه ومواضِعِ رزْقه، والشَّيْءُ: واقعٌ على الموجودات، وَأَنْ عَسى: عطْفٌ على قوله: فِي مَلَكُوتِ، والمعنى: توقيفُهُمْ علَى أنْ لم يَقَعْ لهم نَظَرٌ في شيء من هذا، ولا في أنهم قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فماتوا ففات أو ان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ، والجَحْدَرِيُّ: آَجالهمْ ومَعْنى الآَيَةِ: أوْلَمَ يَنْظُرُوا في المَلَكُوتِ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها، وفي أنْ عَسى أنْ تَكُونَ آَجالُهم قَدْ قَرُبَتْ فَيَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُوا إلى النّارِ ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ.

ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ونَذَرُهم " بِالنُّونِ والرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِالياءِ والرَّفْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويَذَرُهم " بِالياءِ مَعَ الجَزْمِ خَفِيفَةً.

فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ اسْتَأْنَفَ، ومَن جَزَمَ " ويَذَرْهم " عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَوْضِعُها جَزْمٌ؛ فالمَعْنى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ؛ وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن قَوْمٍ مُخالِفِينَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في أنَّهم أهْلُ إيمانٍ واسْتِقامَةٍ وهِدايَةٍ.

وظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ مُؤْمِنٍ كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى قِيامِ الساعَةِ.

قالَ النَحّاسَ: فَلا تَخْلُو الدُنْيا في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ مِن داعٍ يَدْعُو إلى الحَقِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: سَواءٌ بَعُدَ صَوْتُهُ أو كانَ خامِلًا.

ورُوِيَ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ  ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ  قالَ: « "هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُها لِقَوْمِ مُوسى".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، والإشارَةُ إلى الكُفّارِ، و ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: سَنَسُوقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ مَعْناهُ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وهَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ عَلى التَكْذِيبِ بِالآياتِ، لَمّا حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أمْلى لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "سَيَسْتَدْرِجُهُمْ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أُمْلِي" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُ مُلاءَةً مِنَ الدَهْرِ، أيْ مُدَّةً.

وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ المِيمِ وضَمُّها وكَسْرُها.

وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "أنَّ كَيْدِي" عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ وسائِرُ السَبْعَةِ: "إنَّ كَيْدِي" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

وَ"مَتِينٌ" مَعْناهُ: قَوِيٌّ، قالَ الشاعِرُ: لِآَلٍ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ ورَوى ابْنُ إسْحاقَ في هَذا البَيْتِ "أمِينٌ قُواهُ"، وهو مِنَ المَتْنِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو امْرُؤُ القَيْسِ: لَها مَتْنَتانِ خَظاتا كَما ∗∗∗ ∗∗∗ أكَبَّ عَلى ساعِدَيْهِ النَمِرْ وهُما جَنْبَتا الظَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: عَدَلْنَ عُدُولَ اليَأْسِ وافْتَجَّ يَبْتَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ أفانِينَ مِنَ الهُوبِ شَدَّ مَماتِنِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ويَخْدِي عَلى صُمٍّ صِلابٍ مَلاطِسِ ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مِتانِ وَمِنهُ الحَدِيثُ في غَزْوَةٍ بَنِي المُصْطَلِقِ: « "فَمَتَنَ رَسُولُ اللهِ  بِالناسِ"» أيْ: سارَ بِهِمْ سَيْرًا شَدِيدًا لِيَنْقَطِعَ الحَدِيثُ بِقَوْلِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيرٌ يُقارِنُهُ تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ﴾ ، ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ بِنَفْيِ ما ذَكَرُوهُ: ﴿ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أو لَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهُ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ؟

وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِيما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللهِ، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَباحِ» فَنَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما قالُوهُ مِن ذَلِكَ في هَذا المَوْطِنِ المَذْكُورِ وفي غَيْرِهِ، فَإنَّ الجُنُونَ بَعْضُ ما رَمَوْهُ بِهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ نُورَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ أيْ مُحَذِّرٌ مِنَ العَذابِ، ولَفْظُ النِذارَةِ إذا جاءَ مُطْلَقًا، فَإنَّما هو في الشَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، ويَظْهَرُ مِن رَصْفِ الآيَةِ أنَّها باعِثَةٌ لَهم عَلى الفِكْرَةِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وأنَّهُ لَيْسَ بِهِ جِنَّةٌ، كَما أحالَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَظَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَنظُورَ فِيهِ كَذَلِكَ أحالَ هُنا عَلى الفِكْرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ المُتَفَكَّرَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ، هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ لِلْكَفّارِ وتَقْرِيرٌ، والنَظَرُ هُنا بِالقَلْبِ عِبْرَةً وفِكْرًا، و"مَلَكُوتُ" بِناءُ عَظَمَةٍ ومُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْظَرُ فِيهِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ، مِنَ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، ومِن نَفْسِ الإنْسِ وحَواسِّهِ ومَواضِعِ رِزْقِهِ، والشَيْءُ واقِعٌ عَلى المَوْجُوداتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْ عَسى ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فِي مَلَكُوتِ ﴾ .

و"وَأنِ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "عَسى"، والمَعْنى تَوْقِيفُهم عَلى أنْ لَمْ يَقَعْ لَهم نَظَرٌ في شَيْءٍ مِن هَذا، ولا في أنَّهُ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَماتُوا فَفاتَ أوانُ الِاسْتِدْراكِ ووَجَبَ عَلَيْهِمُ المَحْذُورُ.

ثُمَّ وقَّفَهم بِأيِّ حَدِيثٍ أو أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إذا لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ؟

ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وعن أيِّ نَفْسٍ بَعْدِ نَفْسِي أُقاتِلُ؟

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَعْدَهُ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ  وقَصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأجَلِ، إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ترق في الإنكار والتعجيب من حالهم في إعراضهم عن النظر في حال رسولهم.

إلى الإنكار والتعجيب من إعراضهم عن النظر فيما هو أوضح من ذلك وأعم، وهو ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء مما هو آيات من آيات وحدانية اللَّه تعالى التي دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بها.

والمناسبة بين الكلامين: أن دعوة الرسول إلى التوحيد وإبطال الشرك هو من أكبر بواعثهم على تكذيبهِ ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيءٌ عُجابٌ ﴾ [ص: 5].

وعُدِّي فعل (النظر) إلى متعلِّقه بحرف الظرفية، لأن المراد التامل بتدبر، وهو التفكر كقوله تعالى: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ [الذاريات: 21] وتقول نظرت في شأني، فدل بحرف الظرفية على أن هذا التفكر عميق متغلغل في أصناف الموجودات وهي ظرفية مجازية.

والملكوت المُلك العظيم، وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ في سورة الأنعام (75).

وإضافته إلى السماء والأرض بيانية أي الملك الذي هو السماوات والأرض أي مُلك الله لهما، فالمراد السماء بمجموعها والأرض بمجموعها الدالين على عظم ملك الله تعالى.

وعطف ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ على ﴿ ملكوت ﴾ فقسّم النظر إلى نظر في عظيم مُلك الله تعالى، وإلى نظر في مخلوقاته ودقائق أحوالها الدالة على عظيم قدرة الله تعالى، فالنظر إلى عظمة السموات والأرض دليل على عظم ملك الله تعالى فهو الحقيق بالإلهية دون غيره، والنظر إلى المخلوقات دليل على عظم قدرته تعالى، وأنه المنفرد بالصنع فهو الحقيق بالإلهية، فلو نظروا في ذلك نظر اعتبار؛ لعلموا أن صانع ذلك كله ليس إلا إله واحد، فلزال إنكارهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبطال الشرك.

وقوله: ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ معطوف على ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ .

و ﴿ أنْ ﴾ هذه هي أن المفتوحه الهمزة المشددة النون خففت، فكان اسمها ضمير شأن مقدراً.

وجملة: ﴿ عسى أن يكون ﴾ إلخ خبر ضمير الشأن.

و ﴿ أن ﴾ التي بعد عسى مصدرية هي التي تزاد بعد عسى غالباً في الاستعمال.

واسمُ ﴿ يكون ﴾ ضمير شأن أيضاً محذوف، لأن ما بعد (يكون) غير صالح لأن يعتبر اسماً لكان، والمعنى ألم ينظروا في توقع قرب أجلهم.

وصيغ الكلامُ على هذا النظم؛ لإفادة تهويل الأمر عليهم وتخويفهم، بجعل متعلق النظر من معنى الإخبار للدلالة على أنه أمر من شأنه أن يخْطر في النفوس، وأن يتحدث به الناس، وأنه قد صار حديثاً وخبراً فكأنه أمر مسلم مقرر.

وهذا موقع ضمير الشان حيثما ورد، ولذلك يسمى: ضميرَ القصة اعتداداً بأن جملة خبره قد صارت شيئاً مقرراً ومما يقصه الناس ويتحدثون به.

ومعنى النظر في توقع اقتراب الأجل، التخوفُ من ذلك.

والأجل المضاف إلى ضمير المكذبين هو أجل الأمة لا أجل الأفراد، لأن الكلام تهديد بأجل غير متعارف، نبههم إلى التفكر في توقع حلول الاستئصال بهم وإهلاكهم كما هلك المكذبون من قبلهم، لأنهم إذا تفكروا في أن صاحبهم ليس بمجنون حصل لهم العلم بأنه من العقلاء، فما كان العاقل بالذي يُحدث لقومه حادثاً عظيماً مثل هذا، ويحدث لنفسه عناء كهذا العناء لغير أمر عظيم جاء به، وما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله، وإذا نظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء علموا أن الله الملك الأعظم، وأنه خالق المخلوقات، فأيقنوا بأنه الإله الواحد، فآل ذلك إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام، وإبطال معتقدهم تعدد الآلهة أو آل في أقل الاحتمالات إلى الشك في ذلك، فلا جرم أن يفضي بهم إلى النظر في توقع مصير لهم مثل ما صار إليه المكذبون من قبلهم.

ويجوز أن يكون المراد بالأجل مجيء الساعة، وانقراض هذا العالم، فهو أجلهم وأجل غيرهم من الناس فيكون تخويفاً من يوم الجزاء.

ومن بديع نظم هذه الآيات: أنه لما أريد التبصر والتفكر في ثبوت الحقائق والنِّسب في نفس الأمر جيء مع فعلى القلب بصيغة القضية والخبر في قوله: ﴿ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ﴾ [الأعراف: 184] وقوله: ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ ولما أريد التبصر والتفكر في صفات الذات جعل فعل القلب متعلقاً بأسماء الذوات في قوله: ﴿ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ﴾ .

ثم فرع على التهديد والوعيد توبيخهم والإنكارُ عليهم بطريقة الاستفهام التعجيبي المفيد للاستبعاد بقوله: ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فهو تعجيب مشوب باستبعاد للإيمان بما أبلغ إليهم الله بلسان رسوله عليه الصلاة والسلام، وما نصب لهم من الآيات في أصناف المخلوقات، فإن ذلك كله قد بلغ منتهى البيان قولاً ودلالة بحيث لا مطمع أن يكون غيره أدل منه.

و (أي) هنا اسم أُشربَ معنى الاستفهام، وأصله اسم مبهم يفسره ما يضاف هو إليه، وهو اسم لحصة متميزة عما يشاركها في نوع من جنس أو صفة، فإذا أُشرب (أي) معنى الاستفهام، كان للسؤال عن تعييننِ مشارك لغيره في الوصف المدلول عليه بما تضاف إليه (أي) طلباً لتعيينه، فالمسؤول عنه بها مُساو لمماثل له معروف فقوله: ﴿ فبأي حديث ﴾ سؤال عن الحديث المجهول المماثل للحديث المعروف بين السائل والمسؤول وسيأتي الكلام على (أي) عند قوله تعالى: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ في سورة القلم (5، 6).

والاستفهام هنا مستعمل في الإنكار، أي لا يؤمنون بشيء من الحديث بعد هذا الحديث.

وحقيقة الحديث أنه الخبر والقصة الحادثة ﴿ هل أتاك حديثُ ضيف إبراهيم ﴾ [الذاريات: 24] ويطلق مجازاً على الأمر الذي من شأنه أن يصير حديثاً وهو أعم من المعنى الحقيقي.

ف«الحديث» هنا إن حُمل على حقيقته جاز أن يراد به القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ فليأتوا بحديثثٍ مثله ﴾ [الطور: 34] فيكون الضمير في قوله: ﴿ بعده ﴾ بمعنى بعد القرآن، أي بعدَ نزوله، وجاز أن يراد به دعوى محمد صلى الله عليه وسلم الرسالة من عند الله، وكلا الاحتمالين يناسب قوله: ﴿ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ﴾ [الأعراف: 184].

والباء في قوله: ﴿ فبأي حديث ﴾ على هذا باء التعدية لتعدية فعل ﴿ يؤمنون ﴾ ، وإن حمل على المجاز شمل القرآن وغيره من دلائل المصنوعات باعتبار أنها من شأنها أن يتحدث الناس بها كما في قوله: ﴿ فبأي حديثثٍ بعد الله وآياته يؤمنون ﴾ [الجاثية: 6] فيكون الضمير في قوله: ﴿ بعده ﴾ عائداً على معنى المذكور أي ما ذُكر من ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، وأفرد الضمير لتأويله بالمذكور كما في قوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفْساً ﴾ في سورة النساء (4) أي فبأي شيء يستدل عليهم غير ما ذكر بعدَ أن لم ينتفعوا بدلالة ما ذكر، ولم يؤمنوا له فلا يرجى منهم إيمان بعد ذلك.

والباء على هذا الوجه للسببية متعلقة بيؤمنون } و(بَعد) هنا مستعارة لمعنى غير، لأن الظروف الدالة على المباعدة والمفارقة تستعمل استعمال المغاير قال تعالى: ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ [الجاثية: 23] وحمل (بعد) على حقيقتها هنا يحوج إلى تأويل، ويخرج الكلام عن سواء السبيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْنى يُضِلُّهُ يَحْكُمُ بِضَلالَتِهِ في الدِّينِ.

والثّانِي: يُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ إلى النّارِ.

﴿ وَيَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ والطُّغْيانُ إفْراطُ العُدْوانِ.

وَفي ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَتَحَيَّرُونَ، والعَمَهُ في القَلْبِ كالعَمى في العَيْنِ.

والثّانِي: يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ قُطْرُبٌ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ مَتى يَعْمَهُ إلى عُثْمانَ يَعْمَهُ إلى ضَخْمِ السُّرادِقِ والقِطارِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن أبي شيبة في المصنف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسريَ بي، فلما انتهينا إلى السماء السابعة نظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وصواعق.

قال: وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم قلت: من هؤلاء يا جبريل؟

قال هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا، فنظرت إلى أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟

قال: هذه الشياطين يحرجون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ الآية.

قال أهل المعاني: (حثهم الله على النظر المؤدي إلى العلم، فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ؛ ليستدلوا على أن لها صانعًا مدبرًا دبرها علي ما أراد) (١) ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ فيما دلهم الله به على توحيده) (٢) (٣) ﴿ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ في سورة الأنعام.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ، أي: وفيما خلق الله من الأشياء كلها، قال ابن عباس: (يريد: من جليل وصغير) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ ، أي: وفي (أن) لعل آجالهم قريبة، فيهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار.

و (أن) في (٥) ﴿ وَأَنْ عَسَى ﴾ بمعنى: أنه، فهو مخفف (٦) (٧) أي: أنه هالك، وقد بينا ذلك في مواضع.

قال الزجاج: (أي: إن (٨) ﴿ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ ) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قال: (يريد: فبأي (١١) (١٢) (١٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 136، والبغوي 3/ 309، وابن عطية 6/ 162، وابن الجوزي 3/ 296، والرازي 15/ 76، والقرطبي 7/ 330.

(٢) "معاني الزجاج" 2/ 392.

(٣) لفظ: (معنى) ساقط من: (أ).

(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 278، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 816.

(٥) في (ب): (وإن في عسى أن)، وهو تحريف.

(٦) هذا هو الظاهر فأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وجملة: ﴿ عَسَى أَنْ يَكُونَ ﴾ خبرها، وهذا اختيار أبي حيان في "البحر" 4/ 432، والسمين في "الدر" 5/ 526، وانظر: "التبيان" ص 397، و"الفريد" 2/ 389.

(٧) "ديوانه" ص 147 والبيت: في فتية كسيوف الهند قد علموا ...

أن هالك كل من يحفى وينتعل هذه رواية النحاة.

أما الديوان ففيه: أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل وقد سبق تخريجه والكلام عليه.

(٨) في (أ): (أي إذ كانوا)، وهو تحريف.

(٩) "معاني الزجاج" 2/ 392.

(١٠) ذكره القرطبي 7/ 334، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 78.

(١١) في (ب): (يريد فبغير قرآن).

(١٢) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 145، وذكره "الواحدي" 2/ 279، والبغوي 3/ 309، والقرطبي 7/ 334، بلا نسبة.

(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 136، والسمرقندي 1/ 586، والبغوي 3/ 309.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ ﴾ يعني نظر استدلال ﴿ وَمَا خَلَقَ الله ﴾ عطف على الملكوت ويعني بقوله من شيء: جميع المخلوقات إذ جميعها دليل على وحدانية خالقها ﴿ وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ ﴾ أن الأول مخففة من الثقيلة، وهي عطف على الملكوت، وأن الثانية مصدرية في موضع رفع بعسى، وأجلهم يعني؛ موتهم، والمعنى لعلهم يموتون عن قريب، ينبغي لهم أن يسارعوا إلى النظر فيما يخلصهم عند الله قبل حلول الأجل ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ﴾ الضمير للقرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.

الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.

الباقون: بالتشديد.

﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.

الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.

﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.

الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.

الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .

بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".

واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.

وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.

كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه  كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله  كان مخالفاً لفعلهم.

وعن الحسن وقتادة أن النبي  قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.

فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.

فأمرهم الله  بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه  كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.

ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.

والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض  ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.

والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.

فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.

وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.

ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.

ومن السائل؟

عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.

وعن قتادة.

إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.

قال في الكشاف.

الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها  ﴾ ﴿ أيان يوم الدين  ﴾ ولا يقال أيان نمت.

وكسر همزته لغة بني سليم.

وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.

وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.

وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.

ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.

والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.

أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.

وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.

عن النبي  "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي  أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .

ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.

والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.

وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.

وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.

وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.

وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.

وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.

ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله  .

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله  .

وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.

وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.

قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.

وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.

وقال بعضهم: "لما رجع  من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر  بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.

فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.

فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .

أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.

وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل  ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً  ﴾ والطوع نفع.

وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات  ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  ﴾ وقس على هذا.

ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.

قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه  قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.

ومنها أن آدم  كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟

ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه  يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.

والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.

وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.

وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.

أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله  وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.

والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.

ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي  الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم  كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.

فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.

أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟

وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.

وعلى هذا فإنما قال  ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.

فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله  أعلم.

ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.

واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.

والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.

ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.

ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟

وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.

وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.

ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.

وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟

وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله  لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.

ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله  بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.

وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.

ثم لما أمره  بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.

وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.

أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.

يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال  ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.

أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.

ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.

قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.

وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور  ﴾ .

التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله  فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.

﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.

﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا ﴾ .

قد ذكرنا هذا في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قال قائلون: هو صلة قوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 177].

وقال بعضهم: فيه الوعد لرسول الله بالنصر له، والظفر على أعدائه.

والاستدراج: هو الأخذ في حال الغفلة من حيث أمن الرجل بغتة؛ كقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  ﴾ .

وقال قائلون: الاستدراج: المكر، لكن معنى ما يضاف الاستدراج والمكر إلى الخلق غير المعنى الذي يضاف إلى الله، والجهة التي تضاف إلى الله غير الجهة التي تضاف إلى الخلق [والجهة التي تضاف] إلى الخلق مذمومة، والجهة التي تضاف إلى الله محمودة، وكذلك ما أضيف إلى الله من المكر، والخداع، والاستهزاء ونحوه، هو ما ذكرنا على اختلاف الجهات، والمعنى في الجهة التي تضاف إلى الله غير الجهة التي تضاف إلى الخلق؛ لأن الله -  - يأخذهم بما يستوجبون ويستحقون بحق الجزاء والمكافأة، فلا يلحقه في ذلك ذم؛ وأما الخلق فيما بينهم يمكرون ويكيدون، لا على الاستحقاق والجزاء.

وعن الحسن في قوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ قال: كلما جددوا لله معصية، جدد الله لهم نعمة؛ ليستهزءوا ويأشروا ويبطروا، ثم يهلكهم.

وقال بعضهم: يظهر لهم النعم وينسيهم الشكر.

وجائز أن يكون ما ذكر من الاستدراج والمكر والكيد عبارة عن العذاب، أي: إن أخذي إياهم وعذابي شديد؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ، أي: عقوبتي شديدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ .

أي: كيدوه أنتم وأمهلهم وأكيد لهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً...

﴾ الآية [الطارق: 15-16] فيخرج قوله: ﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً  ﴾ ، مخرج جزاء كيدهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً  ﴾ أي: جزيناهم جزاء مكرهم؛ وكذلك قوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ ، أي: نجزيهم جزاء استدراج وما هو عندهم كيد، وكذلك نفعل بهم ما هو عندهم مكر وخداع، وإن لم يكن من الله مكر وخداع؛ كقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ أي: إعادة الشيء عندكم أهون من الابتداء، وإن كانت الإعادة والابتداء [سواء على الله؛] فعلى ذلك قوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ ، ﴿ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ونحوه، أي: نفعل بكم ما هو استدراج وكيد عندكم، والله أعلم.

ودل قوله: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾ على أنه لم ينشئهم لحاجة له إليهم، أو لمنفعة له فيهم، ولكن أنشأهم لحوائج أنفسهم، ولمنافع ترجع إليهم، حتى إن عملوا نفعوا أنفسهم، وإن تركوا ضروا أنفسهم.

وقوله: ﴿ مَتِينٌ ﴾ .

قيل: شديد، أي: عقوبتي شديدة، والمتين: [هو] المحكوم القوي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ .

إن الكفرة كانوا ينسبون رسول الله  إلى الجنون أحياناً، والذي حملهم على ذلك - والله أعلم - أنهم كانوا أهل العز والشرف في الدنيا، وكان لا يخالفهم أحد، ولا يستقبلهم بالمكروه إلا أحد رجلين: [رجل ذو قوة وهيبة] وله أعوان وأنصار، أو رجل به جنون؛ لأنهم كانوا يقتلون من يخالفهم في شيء من الأمر، فلما رأوا رسول الله خالفهم واستقبلهم بما يكرهون، ولم يروا معه أنصاراً ولا أعواناً ظنوا أنه لا يخالفهم إلا بجنون فيه، فنسبوه إلى الجنون لذلك، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون نسبتهم إياه إلى الجنون لما حرم عليهم عبادة الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها، وهم قد رأوا العقلاء منهم قد عبدوا الأصنام ولم يحرموا ذلك، فلما حرم ذلك عليهم ظنوا أنه إنما حرم ذلك لآفة، لذلك حملهم بالنسبة إلى الجنون، والله أعلم.

ثم عاتبهم بتركهم التفكر فيه بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ ؛ ليتبين لهم أنه ليس به جنون، وذلك يحتمل وجهين: أنهم لو تفكروا في رسول الله بما أخبرهم من المرغوب والمرهوب والمحذور في كتابهم على غير لسانهم، واختلاف منه إلى أحد منهم، ولا تعلم - لعلموا أنه رسول، وأن ما أخبر إنما أخبر بالله.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ ، أي: قد تفكروا فيه وعرفوا أن ليس به جنون؛ وكذلك في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ....

﴾ الآية، أي: قد تفكروا في ذلك، وعرفوا أن مثل هذا لم يخلق عبثاً باطلاً؛ كما يقال: أولم تفعل كذا، أي: قد فعلت لكنهم عاندوا وكابروا آياته وحججه.

وأمكن أن يكون قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ ﴾ أي: في أنفسهم، وفي أولئك الذين عبدوا من الأصنام والأوثان؛ ليظهر لهم أنهم على باطل وسفه، وليتبين لهم أن الحق هو ما يدعوهم إليه محمد  ، لا ما كانوا هم عليه.

وفيه دلالة أن الحق يلزم وإن كان لا يعلم ذلك إلا بالتفكر والتدبر؛ لما لحق هؤلاء من الوعيد الشديد والعقاب العظيم لما تركوا هم التفكر، وكان لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ ﴾ أنه ليس به جنة؛ هذا جواب من الله.

ويحتمل: لو تفكروا في صاحبهم، لعرفوا أنه ليس به جنة.

ثم أخبر أنه نذير مبين، ليس كما يقولون: إنه مجنون؛ إذ معه آيات وبراهين، فهو نذير مبين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ....

﴾ الآية.

يحتمل هذا على الابتداء.

ويحتمل على الصلة بالأول، وهو أنهم إذا تفكروا في ملكوت السماوات والأرض، عرفوا ألوهية الله وربوبيته؛ لما يرون من اتصال منافع بعض ببعض على بعد ما بينهما، واتساق التدبير في ذلك، فعرفوا أن ذلك كله مسخر لمن له التمييز، وأن المقصود في خلقه أهل التمييز، فإذا عرفوا ذلك عرفوا أنهم يحتاجون إلى من يعرفهم ذلك، ويعلمهم ما يحتاجون في ذلك.

ويحتمل على ابتداء الأمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض ﴿ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ ؛ ليدلهم على وحدانية [الله] وربوبيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ .

كأن هذا نزل فيمن عرف صدقه، لكنه عاند في تكذيبه، فقال: ﴿ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ يحذرهم؛ ليرجعوا إلى تصديقه، مخافة الخروج من الدنيا على ما هم عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

هذا يتوجه وجهين: أحدهما: أنكم ممن تقبلون الأخبار والحديث، فإذا لم تقبلوا حديث رسول الله  وخبره ولم تصدقوه، فبأي حديث بعده تقبلون وتصدقون، ومعه حجج وبراهين؟

والله أعلم.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ \[يعني\] بعد القرآن يؤمنون، وهو كما وصفه: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ...

﴾ الآية [فصلت: 42]، وقال: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ  ﴾ ، فإذا لم تقبلوا هذا ولم تصدقوه وهو بالوصف الذي ذكر، وأنتم ممن تقبلون الحديث، فبأي حديث بعده تقبلون.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ يريد به في الآخرة؛ يقول: إذا اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون، أي: لا حديث بعده يؤمنون به، والتأويل الآخر في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ .

وفي موضع آخر: ﴿ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ  ﴾ ، ولو كانت الهداية الأمر والبيان على ما قاله قوم، لكان ذلك من غيره، وكذلك لو كان الإضلال والإزاغة والنهي هو التخلية، لكان ذلك يكون من غيره، وكل من أراد الله أن يهديه أضله غيره، وكل من أضله الله هداه غيره، فذلك محال مع ما في كل ما أضاف الله الإضلال إلى الخلق ذمه، وفيما أضاف الهداية إليه مدحه، ثم أضافهما جميعاً إلى نفسه؛ دل أن هنالك زيادة معنى ليس ذلك في الإضافة إلى الخلق، وهو ما ذكر في غير موضع: إما خلق فعل الضلال من الكافر، وخلق فعل الاهتداء والإيمان من المؤمن، أو كان منه التوفيق والمعونة في الهدى، والخذلان في الكفر.

وهذان الوجهان اللذان ذكرناهما لا يكونان من الخلق، إنما يكونان من الله؛ لذلك كان معنى الإضافة إليه، وإنما يكون من الخلق الدعاء وغيره، لا ما قالته المعتزلة من البيان والأمر والنهي والتخلية؛ إذ [لا] يكون ذلك من الخلق، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ أي: من أهانه الله بالضلالة، فلا أحد يملك إكرامه بالهدى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

لا ضرر يلحقه في طغيانهم؛ لذلك تركهم فيه، ودل ذلك على أنه لم ينشئهم لحاجة نفسه، ولا لدفع مضرة نفسه، ولكن لحاجة أنفسهم؛ كقوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ  ﴾ ، وهو حرف الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أَوَلَم ينظر هؤلاء نظر اعتبار إلى ملك الله في السماوات والأرض، وينظروا إلى ما خلق الله فيهما من حيوان ونبات وغيرهما، وينظروا في آجالهم التي عسى أن تكون نهايتها قَرُبَتْ فيتوبوا قبل فوات الأوان، فإذا لم يؤمنوا بالقرآن وما فيه من وعد ووعيد فبأي كتاب غيره يؤمنون؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.GrgJ8"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله