الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٨٦ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد ، ولو نظر لنفسه فيما نظر ، فإنه لا يجزى عنه شيئا ، ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ) [ المائدة : 41 ] قال تعالى : ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) [ يونس : 101 ]
القول في تأويل قوله : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن إعراض هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا, التاركي النظر في حجج الله والفكر فيها, لإضلال الله إياهم, ولو هداهم الله لاعتبرُوا وتدبَّروا فأبصروا رُشْدهم; ولكن الله أضلَّهم، فلا يبصرون رشدًا ولا يهتدون سبيلا ومن أضلَّه عن الرشاد فلا هادي له إليه، ولكن الله يدعهم في تَمَاديهم في كفرهم، وتمرُّدهم في شركهم، يترددون, ليستوجبوا الغايةَ التي كتبها الله لهم من عُقوبته وأليم نَكاله.
(48) --------------------- الهوامش : (48) انظر تفسير (( الضلال )) و (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) ، ( هدى ) = تفسير (( يذر )) فيما سلف ص : 36 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
= تفسير (( الطغيان )) فيما سلف ص 12 : 46 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
= تفسير (( العمه )) فيما سلف 1 : 309 - 311 / 12 : 46 .
من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهونبين أن إعراضهم لأن الله أضلهم .
وهذا رد على القدرية .ويذرهم في طغيانهم بالرفع على الاستئناف .
وقرئ بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها .يعمهون أي يتحيرون .
وقيل : يترددون .
وقد مضى في أول " البقرة " مستوفى .
ولكن الضال لا حيلة فيه، ولا سبيل إلى هدايته.
ولهذا قال تعالى (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: متحيرين يترددون، لا يخرجون منه ولا يهتدون إلى حق.
( من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم ) قرأ أهل البصرة وعاصم بالياء ورفع الراء ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء ، لأن ذكر الله قد مر قبله ، وجزم الراء مردود على " يضلل " وقرأ الآخرون : بالنون ورفع الراء على أنه كلام مستأنف .
( في طغيانهم يعمهون ) يترددون متحيرين .
«من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم» بالياء والنون مع الرفع استئنافا، والجزم عطفا على محل ما بعد الفاء «في طغيانهم يعمهون» يترددون تحيُّرا.
مَن يضلله الله عن طريق الرشاد فلا هادي له، ويتركُهم في كفرهم يتحيرون ويترددون.
ثم عقب القرآن على هذا التوبيخ والتهديد للمشركين بقوله : ( مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) .أى : من يرد الله إضلاله بسبب اختياره للضلالة ، وصممه عن الاستماع للحق فلا قدرة لأحد على هدايته ، وهو - سبحانه - يترك هؤلاء الضالين فى طغيانهم متحيرين مترددين .
اعلم أنه تعالى عاد في هذه الآية مرة أخرى إلى نعت أحوال الضالين المكذبين فقال: ﴿ مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ واعلم أن استدلال أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله مثل ما سبق في الآية السالفة، وتأويلات المعتزلة، وجوابنا عنها مثل ما تقدم فلا فائدة في الإعادة، وقوله: ﴿ وَيَذَرُهُمْ فِي طغيانهم ﴾ رفع بالاستئناف وهو مقطوع عما قبله، وقرأ أبو عمرو ويذرهم بالياء ورفع الراء لتقدم اسم الله سبحانه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء والجزم، ووجه ذلك فيما يقول سيبويه: إنه عطف على موضع الفاء وما بعدها من قوله: ﴿ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ لأن موضع الفاء وما بعدها جزم لجواب الشرط، فحمل ويذرهم على موضع الذي هو جزم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء والنون، والرفع على الاستئناف، ويذرهم، بالياء والجزم عطفاً على محل ﴿ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ.
﴿ فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ مِنَ الأجْناسِ الَّتِي لا يُمْكِنُ حَصْرُها لِيَدُلَّهم عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها، ووَحْدَةِ مُبْدِعِها وعِظَمِ شَأْنِ مالِكِها، ومُتَوَلِّي أمْرِها لِيُظْهِرَ لَهم صِحَّةَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.
﴿ وَأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى مَلَكُوتِ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وكَذا اسْمُ يَكُونُ والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ وتَوَقُّعِ حُلُولِها فَيُسارِعُوا إلى طَلَبِ الحَقِّ والتَّوَجُّهِ إلى ما يُنْجِيهِمْ، قَبْلَ مُغافَصَةِ المَوْتِ ونُزُولِ العَذابِ.
﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ﴾ أيْ بَعْدِ القُرْآنِ.
﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو النِّهايَةُ في البَيانِ كَأنَّهُ إخْبارٌ عَنْهم بِالطَّبْعِ والتَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ والإرْشادِ إلى النَّظَرِ.
وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: عَسى أنْ يَكُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما بالَهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِالقُرْآنِ، وماذا يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ وُضُوحِهِ فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ كالتَّقْرِيرِ والتَّعْلِيلِ لَهُ.
﴿ وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالياءِ لِقَوْلِهِ ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَهْدِهِ أحَدٌ غَيْرُهُ ﴿ وَيَذَرُهُمْ ﴾ .
﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ حالٌ مِن هم.
<div class="verse-tafsir"
{مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ} أي يضلله الله {ويذرهم} ببالياء عراقى وبالجزم حمزة وعلى عطكفا على محل فلا هاجى له كأنه قيل من صيضلل الله لا يهده أحد وَيَذَرُهُمْ والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم الباقون بالنون {فِي طغيانهم} كفرهم {يَعْمَهُونَ} يتحيرون
﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ إذْ لا هادِيَ سِواهُ سُبْحانَهُ: إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمَةٍ إلى أيْنَ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِماءِ ﴿ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ يَتَرَدَّدُونَ لِأنَّ اسْتِعْدادَهم يَقْتَضِي ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني: جماعة وهم أمة محمد يهدون بالحق يعني يدعون إلى الحق ويأمرون بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني بالحق يعملون وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف: 159] قال أناس من أصحاب رسول الله : يا رسول الله قد ذكر الله تعالى هؤلاء الرهط بالخير الجسيم من بني إسرائيل إن آمنوا بك وجعل لهم أجرين، ولنا أجراً واحداً، وقد صدقناك والرسل والكتب فنزل وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يعني: من أمة محمد يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بمحمد والقرآن سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعني: سنأخذهم بالعذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ.
وقال الكلبي: يعني نزيّن لهم فنهلكهم من حيث لا يعلمون.
يقول: سنأتيهم وهم المستهزئون فيقتل كل رجل منهم بغير قتلة صاحبه.
وقال القتبي: الاستدراج أن يذيقهم من بأسه قليلاً قليلاً.
ويقال: استدرج فلان فلاناً يعني: يعرف ما عنده وأصل هذا من الدرجة لأن الراقي يرقى درجة درجة.
فاستعير من هذا كقوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات: 1] يعني: الملائكة يتابعون بعضهم بعضاً كعرف الفرس.
وكقوله تعالى: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة: 67] يمسكون عن العطية.
وقال السدي: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعني: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها، ثم نأخذهم من حيث لا يعلمون، فذلك الاستدراج.
ثم قال: وَأُمْلِي لَهُمْ يعني: وأمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ يعني: عقوبتي شديدة.
ويقال: إن صنيعي محكم.
ويقال: إن أخذي شديد.
ثم قال تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا يعني: أهل مكة فيما يأمرهم محمد أن يعبدوا خالقهم، ورازقهم، وكاشف الضر عنهم، ولا يعبدوا من لا يقدر على شيء منه أمثل هذا يكون مجنوناً.
ويقال: معناه أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في دلائل النبي ومعجزاته ليستدلوا بأنه نبي وقد تم الكلام.
ثم استأنف فقال مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ويقال: هذا على وجه البناء.
ومعناه: أو لم يتفكروا ليعلموا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني: جنوناً.
ويقال: إن النبيّ صعد ذات ليلة الصفا، فدعا قريشاً إلى عبادة الله تعالى بأسمائهم فرداً فرداً، فقال بعضهم: إن صاحبكم لمجنون.
فوعظهم الله تعالى فقال أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا يقول: أو لم يجالسوه ويكلموه هل به من جنون إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي رسولاً بيناً.
وهذا كقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبإ: 46] .
ووعظهم ليعتبروا في صنعه فيوحدوه فقال: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في خلق السموات والأرض وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله في الأرض من الجبال والبحار وغير ذلك فيعتبروا، ويؤمنوا بأن الذي خلق الذي ترون، هو رَبّ واحد لا شريك له وَأَنْ عَسى يعني: وينظروا في أن عسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ يعني: قد دنا هلاكهم فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يعني: إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن.
لأن هذا آخر الكتب نزولاً وليس بعده كتاب ينزل.
ثم قال تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ أي: من يخذله الله عن دين الإسلام فلا هادي له إلى الهدى وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي: يتركهم في ضلالتهم يترددون.
قرأ أبو عمرو وَيَذَرُهُمْ بالياء وضم الراء على معنى الخبر.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وَنَذَرُهُمْ بالنون وضم الراء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وَيَذَرُهُمْ بالياء وجزم الراء وجعلوه جواب الشرط.
ومعناه: من يضلل الله يذره.
<div class="verse-tafsir"
قَالَ: «هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ» .
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الآية وعيد، والإِشارة إِلى الكُفَّار، وسَنَسْتَدْرِجُهُمْ معناه: سنُسوقهم شيئاً بعد شَيْءٍ ودرجةً بعد درجةٍ بالنِّعم عليهم والإِمهال لهم حتى يغترُّوا ويظنُّوا أنهم لا ينالُهم عقابٌ، وقوله: مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، أيْ: من حيث لا يَعْلَمُون أنه استدراج لهم، وهذه عقوبةٌ لهم مِنَ اللَّه سبحانه عَلَى التَّكْذِيبِ لِمَا حَتمَ عليهم بالعذاب، أملَى لهم ليزدادوا إثماً.
وقوله: وَأُمْلِي: معناه: أُؤخِّرُ ملاَوَةً من الدهر، أي: مدّة ومَتِينٌ: معناه:
قويّ.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ/ ...
الآية: تقريرٌ يقارنه توبيخ للكفّار، والوقف على قوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا، ثم ابتدأ القولَ بنَفْي ما ذكروه، فقال: مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ أي: بمحمَّد صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أنْ يكون المعنى: أو لم يتفكَّروا أنه ما بصاحبهم مِنْ جِنَّةٍ، ويظهر مِنْ رصف الآية أنها باعثةٌ لهم على الفِكْرة في أمره صلّى الله عليه وسلّم وأنه ليس به جنَّةٌ كما أحالهم بعد هذه الآية على النَّظَرْ.
وقال الفَخْر «١» : قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أمر بالفِكْرِ والتأمُّل والتدُّبر، وفي اللفظ محذوفٌ، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلَمُوا مَا بِصَاحِبهمْ منْ جِنَّة، والجِنَّة: حالَةٌ مِنَ الجُنُون، كَالجِلْسَةِ، ودخولُ «مِنْ» في قوله: مِنْ جِنَّةٍ ينفي أنواع الجنون.
انتهى.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الاية: النَّظَرُ هنا بالقَلْب عِبْرَة وفكراً، ومَلَكُوتِ: بناءُ عظمةٍ ومبالغةٍ.
وقوله: وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ: لفظٌ يعمُّ جميع ما ينظر فيه، ويستدلُّ به من الصنعة الدالَّة على الصانع، ومِنْ نَفْس الإِنسان وحواسَّه ومواضِعِ رزْقه، والشَّيْءُ: واقعٌ على الموجودات، وَأَنْ عَسى: عطْفٌ على قوله: فِي مَلَكُوتِ، والمعنى: توقيفُهُمْ علَى أنْ لم يَقَعْ لهم نَظَرٌ في شيء من هذا، ولا في أنهم قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فماتوا ففات أو ان
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ، والجَحْدَرِيُّ: آَجالهمْ ومَعْنى الآَيَةِ: أوْلَمَ يَنْظُرُوا في المَلَكُوتِ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها، وفي أنْ عَسى أنْ تَكُونَ آَجالُهم قَدْ قَرُبَتْ فَيَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُوا إلى النّارِ ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ونَذَرُهم " بِالنُّونِ والرَّفْعِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِالياءِ والرَّفْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويَذَرُهم " بِالياءِ مَعَ الجَزْمِ خَفِيفَةً.
فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ اسْتَأْنَفَ، ومَن جَزَمَ " ويَذَرْهم " عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَوْضِعُها جَزْمٌ؛ فالمَعْنى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ؛ وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هو ثَقُلَتْ في السَماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عنها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ هَذا شَرْطٌ وجَوابٌ مُضَمَّنُهُ اليَأْسُ مِنهم والمَقْتُ لَهُمْ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ هَذا قَدْ نَزَلَ بِهِمْ وأنَّهم مِثالٌ لِهَذا.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: "وَنَذَرُهُمْ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وكَذَلِكَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ "وَيَذَرُهُمْ" بِالياءِ والرَفْعِ، وقَرَأها أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ: "وَنَحْنُ نَذْرُهُمْ"، أو عَلى قَطْعِ الفِعْلِ واسْتِئْنافِ القَوْلِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ - بِالياءِ والجَزْمِ، وقَرَأها كَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "وَيَذَرْهُمْ" بِالياءِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جَزْمٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ أبِي داوُدَ: فابْلُونِي بَلِيَّتَكم لَعَلِّي ∗∗∗ أُصالِحُكم وأسْتَدْرِجْ نَوِيّا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أنّى سَلَكْتَ فَإنَّنِي لَكَ كاشِحٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَلى انْتِقاصِكَ في الحَياةِ وأزْدَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومِثْلُهُ في الحَمْلِ عَلى المَوْضِعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ، لِأنَّكَ لَوْ لَمْ تُلْحِقِ الفاءَ لَقُلْتَ "أصَّدَّقْ"، ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ: "وَنَذَرْهُمْ" بِالنُونِ والجَزْمِ.
والطُغْيانُ: الإفْراطُ في الشَيْءِ، وكَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الصَلاحِ، والعَمَهُ: الحَيْرَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: المُرادُ: يَسْألُكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ الساعَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ بِالآيَةِ اليَهُودُ، وذَلِكَ أنَّ جَبَلَ بْنَ أبِي قُشَيْرٍ، وسَمْوِيلَ بْنَ زَيْدٍ قالا لَهُ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ الساعَةِ فَإنّا نَعْرِفُها، فَإنْ صَدَقْتَ آمَنّا بِكَ.
و"الساعَةُ": القِيامَةُ، مَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا وبَعْثُ الجَمِيعِ هو كُلُّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الساعَةِ واسْمُ القِيامَةِ.
و"أيّانَ" مَعْناها: مَتى وهو سُؤالٌ عن زَمانٍ، ولِتَضَمُّنِها الوَقْتَ بُنِيَتْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ السُلَمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُها "أيَّ آنٍ" وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ، وقالَ الشاعِرُ: أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا ∗∗∗ ∗∗∗ أما تَرى لِفِعْلِها إبّانا؟
قالَ أبُو الفَتْحِ: وزْنُ "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: فَعْلانَ، وبِكَسْرِها: فِعْلانَ، والنُونُ فِيهِما زائِدَةٌ.
ومُرْساها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ أيّانَ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ مُرْساها مُرْتَفِعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ ومَعْناهُ مُثْبِتُها ومُنْتَهاها، مَأْخُوذَةٌ مَن أرْسى يُرْسِي، ثُمَّ أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالرَدِّ إلَيْهِ والتَسْلِيمِ لِعِلْمِهِ، ويُجَلِّيها مَعْناهُ يُظْهِرُها والجَلاءُ البَيِّنَةُ والشُهُودُ وهو مُرادُ زُهَيْرٍ بِقَوْلِهِ: .....................
∗∗∗ ∗∗∗ يَمِينٌ أو نِفارٌ أو جَلاءُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَقُلَتْ في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ السُدِّيُّ، ومَعْمَرٌ عن بَعْضِ أهْلِ التَأْوِيلِ: مَعْناهُ: ثَقُلَ أنْ تَعْلَمَ ويُوقَفَ عَلى حَقِيقَةِ وقْتِها، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: ثَقُلَتْ هَيْئَتُها والفَزَعُ مِنها عَلى أهْلِ السَماواتِ والأرْضِ، كَما تَقُولُ: خِيفَ العَدُوُّ في بَلَدِ كَذا وكَذا، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ: ثَقُلَتْ عَلى السَماواتِ والأرْضِ أنْفُسِها لِتَفَطُّرِ السَماواتِ وتَبَدُّلِ الأرْضِ ونَسْفِ الجِبالِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى خَبَرًا يَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ: إنَّها لا تَأْتِي إلّا بَغْتَةً، أيْ فَجْأةً دُونَ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنها عِلْمٌ بِوَقْتِها عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الناسِ، و"بَغْتَةً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عنها ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عنها كَأنَّكَ حَفِيٌّ، أيْ: مُتْحَفٌ ومُهْتَبَلٌ، وهَذا يَنْحُو إلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ في المَسْألَةِ عنها والِاشْتِغالِ بِها حَتّى حَصَّلَتْ عِلْمَها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ -: "كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها"، لِأنَّ "حَفِيٌّ" مَعْناهُ: مُهْتَبَلٌ مُجْتَهِدٌ في السُؤالِ مُبالِغٌ في الإقْبالِ عَلى ما يُسْألُ عنهُ، وقَدْ يَجِيءُ "حَفِيٌّ" وصْفًا لِلسُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيُّ سُؤالُها ومِنَ المَعْنى الأوَّلِ الَّذِي يَجِيءُ فِيهِ "حَفِيٌّ" وصْفًا لِلسّائِلِ قَوْلُ الآخَرِ: سُؤالُ حَفِيٍّ عن أخِيهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِذُكْرَتِهِ وسْنانُ أو مُتَواسِنُ ثُمَّ أمَرَهُ ثانِيَةً بِأنْ يُسَلِّمَ لِعِلْمِهِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وتَهَمُّمًا بِهِ إذْ هو مِنَ الغُيُوبِ الخَمْسَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ ، وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ عِلْمُ قِيامِها والثانِي عِلْمُ كُنْهِها وحالِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ، بَلْ يَظُنُّ أكْثَرُهم أنَّهُ مِمّا يَعْلَمُ البَشَرُ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الجملة تعليل للإنكار في قوله: ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ [الأعراف: 185]، لإفادة أن ضلالهم أمر قدر الله دوامَه، فلا طمع لأحد في هديهم، ولما كان هذا الحكم حاقاً على من اتصف بالتكذيب، وعدم التفكر في حال الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم النظر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله، وفي توقع اقتراب استيصالهم، كان المحكوم عليهم بعدم الاهتداء فريقاً غير معروف للناس، وإنما ينفرد الله بعلمه ويُطْلع عليه رسوله عليه الصلاة والسلام، وينكشف بعض ذلك عند موت بعضهم على الشرك، وهذه هي المسألة الملقبة بالموافاة عند علماء الكلام.
وعطف جملة: ﴿ ونذَرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ على جملة: ﴿ من يضلل الله فلا هادي له ﴾ للإشارة إلى استمرار ضلالهم وانتفاء هديهم في المستقبل كما وقع في الماضي.
وتفسير: ﴿ نذرهم ﴾ تقدم في قوله تعالى: ﴿ وذَر الذين اتخذوا دينهم لعباً ﴾ في سورة الأنعام (70) وتفسير «طغيان» و ﴿ يعمهون ﴾ تقدم عند قوله: ﴿ في طغيانهم يعمهون ﴾ في سورة البقرة (15).
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر: ﴿ نَذرهم ﴾ بالنون وبالرفع، على أنه عطف جملة على جملة: ﴿ من يضلل الله ﴾ على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بالياء التحتية والجزم، على أنه عطف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ وهو جواب الشرط.
وقرأ أبو عَمرو، وعاصم، ويعقوب: بالياء التحتية وبالرفع والوجه ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْنى يُضِلُّهُ يَحْكُمُ بِضَلالَتِهِ في الدِّينِ.
والثّانِي: يُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ إلى النّارِ.
﴿ وَيَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ والطُّغْيانُ إفْراطُ العُدْوانِ.
وَفي ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَتَحَيَّرُونَ، والعَمَهُ في القَلْبِ كالعَمى في العَيْنِ.
والثّانِي: يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ قُطْرُبٌ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ مَتى يَعْمَهُ إلى عُثْمانَ يَعْمَهُ إلى ضَخْمِ السُّرادِقِ والقِطارِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب.
انه خطب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
فقال له فتى بين يديه كلمة بالفارسية، فقال عمر لمترجم يترجم له: ما يقول؟
قال: يزعم أن الله لا يضل أحداً.
فقال عمر: كذبت يا عدو الله، بل الله خلقك وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله، ولولا ولث عقد لضربت عنقك، فتفرق الناس وما يختلفون في القدر.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ﴾ ، قال المفسرون: (ذكر علة إعراضهم عن الإيمان والقرآن وهو إضلال الله إياهم) (١) وقوله تعالى: ﴿ وَنَذَرُهُمْ ﴾ رَفْعٌ بالاستئناف، وهو مقطوع مما قبله (٢) وقرأ (٣) (٤) (٥) ﴿ فَلَا هَادِيَ لَهُ ﴾ ؛ لأن موضع الفاء مع ما بعدها جزم بجواب الشرط).
فحمل ﴿ وَيَذَرُهُمْ ﴾ على الموضع، والموضع جزم، كقول أبي دواد (٦) فأبلوني بليتكم (٧) (٨) (٩) قوله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ ﴾ ، قال ابن عباس: (إن قومًا من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا عن الساعة متى تكون إن كنت نبيًا؟) (١٠) (١١) (١٢) : أسرَّ إلينا متى الساعة؟).
وقوله تعالى: ﴿ عَنِ اَلسَّاعَةِ ﴾ .
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: التي لا بعدها ساعة) (١٣) وقال الزجاج (١٤) (١٥) ﴿ أَيّاَنَ ﴾ معناه: الاستفهام (١٦) (١٧) (١٨) أي: متى أوان قضائها.
وقوله تعالى: ﴿ مُرْسَاهَا ﴾ .
المرسى: مفعل من الإرساء وهو الإثبات، يقال: رسا (١٩) ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ .
والمرسى (٢٠) ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ .
أي: إجراؤها وإرساؤها (٢١) ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾ متى يقع إثباتها، قال قتادة (٢٢) (٢٣) ﴿ مُرْسَاهَا ﴾ قيامها)، وهو معنى وليس تفسير.
وقال الزجاج: (متى وقوعها) (٢٤) وقال ابن قتيبة: (متى ثبوتها) (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ﴾ .
أي: العلم بوقتها و (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ﴾ .
قال الزجاج (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾ .
والتجلية (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ .
قال ابن عباس (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) ونحو من ذلك قال ابن جريج (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) [قال الفراء: (ثقل علمها على أهل الأرض والسماء أن يعلموه) (٤٥) وقال (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) ﴿ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ﴾ ، أي: فجأة) (٥٠) (٥١) وأفظع شيء حين يفجؤك (٥٢) و (٥٣) ﴿ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ .
قال الفراء (٥٤) (٥٥) قال ابن الأعرابي: (يقال: حَفِي بي حفاوة، وتحفى بي تحفيًا، والتحفي: الكلام واللقاء الحسن) (٥٦) ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ .
أي: بارًا لطيفًا يجيب (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) ﴿ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ﴾ ) (٦٢) (٦٣) ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ ، يريد: خابرٌ بأمرها) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) ﴿ حَفِيٌّ ﴾ فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال، ومن أكثر (٦٨) ﴿ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ \[كأنك أكثرت المسألة، قال ابن قتيبة: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ \] (٦٩) (٧٠) وقال أبو عبيدة: (هو (٧١) (٧٢) وقال ابن الأنباري: ( ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ ، أي: سؤول عنها، والحفي الشديد السؤال، ومن ذلك قول الأعشى (٧٣) فإن تسألي عني في ربَّ سائلٍ ...
حفي عن الأعشى به حيث أصعدا) (٧٤) وذكر أبو إسحاق القولين وقرب بينهما فقال: ( ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ﴾ أي: كأنك فرح بسؤالهم، يقال: قد تحفيت بفلان في المسألة (٧٥) ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ كأنك أكثرت المسألة عنها) (٧٦) (٧٧) (٧٨) قاما قوله ﴿ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ ، والحفاوة إنما توصل بالباء كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ .
قال الفراء (٧٩) (٨٠) (٨١) ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ عنها (٨٢) ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ﴾ فعن من صلة السؤال)، وقال قوم (٨٣) ﴿ حَفِيٌّ ﴾ سؤول) كما ذكرنا، وإذا كان بمعنى: السؤال صح أن يوصل بعن كبيت (٨٤) وقال أبو علي الفارسي: (الآية تحتمل أمرين، أحدهما: أن تجعل ﴿ عَنْهَا ﴾ متعلقًا بالسؤال كأنه ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ عنها ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ﴾ بها فحذف الجار والمجرور، وحسن ذلك لطول الكلام بِعَنْهَا التي من صلة السؤال، قال (٨٥) ﴿ عَنْهَا ﴾ بمنزلة بها، وتصل الحفاوة مرة بالباء، ومرة بعن، كما أن السؤال يوصل بهما) (٨٦) (٨٧) ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ .
أعاد هذا لأن هذا الثاني وصل (٨٨) ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: لا يعلمون أن علمها عند الله حين سألوا محمدًا عما لم يطلعه (٨٩) (٩٠) (٩١) قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ﴾ الآية [الأعراف:188].
اختلفوا في وجه تفسير هذه الآية، فقال (٩٢) ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾ لا أملك أن أسوق إليها خيرًا أو أدفع عنها سوءًا حين ينزل بي، فكيف أعلم وأملك علم الساعة) (٩٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ .
أي: إلا ما شاء الله أن يملكني إياه بالتمكين منه.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ﴾ .
أي: من معرفته حتى أجيب في كل ما أُسأل عنه من الغيب في الساعة وغيرها، وحتى لا يخفى علي شيء، وتم الكلام (٩٤) ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ .
أي: ليس بي جنون، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله: ﴿ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ (٩٥) قال ابن عباس: ( ﴿ نَذِير ﴾ لمن لا يصدق بما جئت به، ﴿ بشِيرٍ ﴾ لمن اتبعني وآمن بي) (٩٦) ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾ .
ويجوز أن يكون نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ للمؤمنين مخصوصًا هاهنا، وإن كان بعث إلى الكافة بالتبشير والإنذار؛ لأن نفع ذلك عاد إلى المؤمنين فاختصوا به واختص بهم كما قال: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾ (٩٧) (٩٨) (٩٩) وقال ابن عباس: (إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) فعلى هذا معنى قوله: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ﴾ ، أي: اجتلاب نفع بأن أربح، ﴿ وَلَا ضَرًّا ﴾ أي: دفع ضر بأن أرتحل عن الأرض التي تريد أن تجدب (١٠٣) ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ أن أملكه، ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ أي: ما يكون قبل أن يكون، ﴿ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ﴾ ، [أي: لاحتجزت في زمان الخصب لزمن الجدب.
﴿ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ ، وما أصابني الضر والفقر.
وقال ابن جريج (١٠٤) ﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾ ، يعني: الهدى والضلالة.
﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ متى أموت.
﴿ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ﴾ ] (١٠٥) ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ ، أي: واجتنبت ما سيكون من الشر واتقيته.
قاله ابن زيد (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) (١) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 137، والثعلبي 6/ 27 أ، والبغوي 3/ 309، وابن الجوزي 3/ 296، والقرطبي 7/ 334، والخازن 2/ 321.
(٢) هذا على قراءة الرفع، أما الجزم فلا يوقف على ما قبله ولا يبتدأ به لأنه معطوف على موضع الفاء وما بعدها من قوله: ﴿ فَلَا هَادِيَ لَهُ ﴾ فلا يقطع من ذلك ، أفاده الداني في "المكتفى" ص 281، وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 672، و"القطع والائتناف" ص 267، و"التذكرة" لابن غلبون 2/ 429.
(٣) قرأ عاصم وأبو عمرو: ﴿ وَيَذَرُهُم ﴾ بالياء ورفع الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء وقرأ الباقون بالنون ورفع الراء، انظر: "السبعة" ص 198، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 429، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 273.
(٤) أي: قراءة الياء على الغيبة لتقدم اسم الله تعالى وهو على لفظ الغيبة كما في "الحجة" لأبي علي 4/ 109، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 393، و"إعراب النحاس" 1/ 654.
(٥) "الكتاب" 3/ 90، وفيه ذكر قراءة الجزم وقال: (وذلك لأنه حمل الفعل على موضع الكلام؛ لأن هذا الكلام في موضع يكون جوابًا؛ لأن أصل الجزاء الفعل، وفيه تعمل حروف الجزاء ولكنهم قد يضعون في موضع الجزاء غيره) اهـ.
(٦) أبو دواد الإيادي: جارية بن الحجاج، شاعر جاهلي قديم يضرب به المثل في الجود والإجارة، وأكثر أشعاره في المدح والفخر وأوصاف الخيل، انظر: "الشعر والشعراء" ص 140، و"الأغاني" 16/ 402، و"الأعلام" 2/ 106.
(٧) في (ب): (بلوتكم).
(٨) "ديوانه" ص 350، و"العسكريات" ص 115، و"العضديات" ص 120، و"الخصائص" 1/ 176، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 701، و"تفسير ابن عطية" 6/ 164، و"شرح شواهد المغني" 2/ 839، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 88 - 3/ 168، و"تأويل مشكل القرآن" ص 56، و"إعراب النحاس" 3/ 439، و"الخصائص" 2/ 424، و"الأمالي" لابن الشجري 1/ 428، و"البيان" 1/ 380، و"اللسان" 5/ 3082 (علل)، و"مغني اللبيب" 4232، و"الدر == المصون" 5/ 528، ونسبه ابن هشام في "المغني" 2/ 477 للهذلي، والبيت قاله في قوم جاورهم فأساءوا جواره يقول: أحسنوا لعلي أرجع إلى جواركم، وقول: فأبلوني، أي اصنعوا بي جميلاً، وأستدرج، أي أرجع أدراجي من حيث أتيت، ونويا: يريد نواي وهي النية، والمراد: الوجه الذي يقصده، والشاهد: وأستدرج، حيث جزم على المعنى على تقدير جزم أصالحكم.
(٩) ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 4/ 109 - 110 وأكثرهم على أنه جزم عطف على محل قوله: ﴿ فَلَا هَادِيَ لَهُ ﴾ وقيل: إنه سكون تخفيف لتوالي الحركات.
انظر: "معاني القراءات" 1/ 431، و"إعراب القراءات" 1/ 216، و"الحجة" لابن خالويه ص 167، ولابن زنجلة ص 303، و"الكشف" 1/ 485، و"البحر" 4/ 433، و"الدر المصون" 5/ 528.
(١٠) أخرجه الطبري 9/ 137 بسند لا بأس به، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 274، وزاد نسبته إلى (ابن إسحاق وأبي الشيخ) وذكره الثعلبي 6/ 17 أ، والماوردي 2/ 187، وابن عطية 6/ 165 - 166، وابن الجوزي 3/ 297، والرازي 15/ 80، والخازن 2/ 321 عن ابن عباس، وهو في "سيرة ابن هشام" 2/ 198 - 199 بلا نسبة.
(١١) ذكره الماوردي 2/ 187، والواحدي في "الوسيط" 2/ 280، والرازي 15/ 80 ، عن الحسن وقتادة.
(١٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 137 - 138 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 274، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد) وذكره أكثرهم، واختار الطبري 9/ 138، عدم التخصيص، ولا يبعد حصول السؤال من الجميع، أو أن اليهود أمروا قريش أن تسأل عن ذلك.
والله أعلم.
(١٣) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 145.
(١٤) "معاني الزجاج" 2/ 293، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 654.
(١٥) لفظ: (الساعة) ساقط من (ب).
(١٦) انظر: "الكتاب" 4/ 235، و"تأويل مشكل القرآن" ص 522، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 12، و"نزهة القلوب" ص 74، و"تهذيب اللغة" 1/ 243 (أيان)، و"المحتسب" 1/ 268، و"الصحاح" 5/ 2076 (أين)، و"الصاحبي" ص 201، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 419، والسمين في "الدر" 5/ 529: (أيان ظرف زمان مبني لا يتصرف ويليه المبتدأ أو الفعل المضارع دون الماضي وأكثر استعمالها في الاستفهام، وقد تأتي شرطية جازمة لفعلين وذلك قليل فيها).
قال أبو حيان: (وهي عندي حرف بسيط لا مركب وجامد لا مشتق).
وقال السمين: (الفصيح فتح همزتها وهي قراءة العامة وقرئ بكسرها وهي لغة سليم) اهـ.
وانظر: "الإتقان" للسيوطي 1/ 214.
(١٧) في (ب): (وهو سؤال عن السؤال على جهة الظرف) وهو تحريف.
(١٨) لم أقف على قائله وهو في: "مجاز القرآن" 1/ 234، و"تفسير الطبري" 9/ 138، والثعلبي 6/ 27 ب، والماوردي 2/ 284، وابن عطية 6/ 166، و"الفريد" للهمداني 2/ 390 ، والقرطبي 7/ 335، و"اللسان" 13/ 4 (أبن)، و"البحر" 4/ 419، و"الدر المصون" 5/ 529 وتمامه: أما ترى لنجحها إبانا= وإبان كل شيء بالكسر والتشديد وقته وحينه الذي يكون فيه انظر: "اللسان" 1/ 12 (ابن).
(١٩) في (ب): "رسى".
(٢٠) في (ب): "والمرسا".
(٢١) انظر: "العين" 7/ 290، و"تهذيب اللغة" 2/ 1403، و"الصحاح" 6/ 2356، و"المجمل" 2/ 377، و"مقاييس اللغة" 2/ 394، و"المفردات" ص 354، و"اللسان" 3/ 1647 (رسا).
(٢٢) أخرجه الطبري 9/ 138 بسند جيد عن قتادة، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 110، والثعلبي 6/ 27 ب، والبغوي 3/ 309، عن قتادة.
(٢٣) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1626 بسند جيد عن السدي، وذكره الماوردي 2/ 284، وهو قول الطبري 9/ 138، والسمرقندي 1/ 587.
(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 293 وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص 154، والنحاس في "إعرابه" 1/ 654.
(٢٥) "تفسير غريب القرآن" 1/ 183، وهو قول مكي في "تفسير مشكل القرآن" ص 88، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 234.
(٢٦) "المعاني متقاربة"، وقد أخرج الطبري 9/ 138، وابن أبي حاتم 5/ 1626 من طرق جيدة عن ابن عباس قال: (منتهاها) قال الطبري: (وهو قريب من معنى من قال: قيامها لأن انتهاءها بلوغها وقتها، وأصل ذلك الحبس والوقوف) اهـ.
(٢٧) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٢٨) انظر: "التبيان" 1/ 397، و"الفريد" 2/ 391، و"الدر المصون" 5/ 530.
(٢٩) ذكره الرازي 15/ 80 - 81، والخازن 2/ 322، عن المحققين.
(٣٠) "معاني الزجاج" 2/ 393.
(٣١) "تفسير غريب القرآن" ص 184، وهو قول أكثرهم.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 235، و"غريب القرآن" ص 155، و"تفسير الطبري" 9/ 138، و"نزهة القلوب" ص 479، و"معاني النحاس" 3/ 110، و"تفسير المشكل" ص 88.
(٣٢) "تفسير مجاهد" 1/ 252، وأخرجه الطبري 9/ 138، وابن أبي حاتم 5/ 1627 من طرق جيدة، وأخرج الطبري بسند جيد عن قتادة والسدي نحوه.
(٣٣) لم أقف عليه، وانظر: "الكامل" للمبرد 1/ 442 و2/ 496، 1052.
(٣٤) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 625، و"الصحاح" 6/ 2303، و"مقاييس اللغة" 1/ 468 (جلا).
(٣٥) أخرج أبو عبيد في كتاب: "اللغات" ص 107، و"ابن حسنون" ص 26، بسند جيد عن ابن عباس قال: ( ﴿ ثَقُلَتْ ﴾ خفيت بلغة قريش) اهـ.
(٣٦) "تنوير المقباس" 2/ 145، وزكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 281، وابن الجوزي 3/ 298، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1627 بسند ضعيف عن ابن عباس في الآية، قال: (ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة) اهـ.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 274.
(٣٧) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 139، وابن أبي هاشم 5/ 1627 بسند ضعيف، وذكره هود الهواري 2/ 63، والثعلبي 6/ 27 ب، والمارودي 2/ 285، والبغوي 3/ 310، وابن عطية 6/ 167، والرازي 15/ 81.
(٣٨) في (ب): (وأهلها).
(٣٩) أخرجه الطبري 9/ 139، بسند جيد عن ابن جريج، وقتادة والسدي، وذكره ابن عطية 6/ 167، وابن الجوزي 3/ 298، والقرطبي 7/ 335، عن ابن جريج، وقتادة والسدي، وذكره الماوردي 2/ 285، عن ابن جريج والسدي.
(٤٠) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 244، بسند جيد عن قتادة والكلبي، وأخرجه ابن أبي حاتم 2/ 285، بسند جيد عن قتادة.
(٤١) لفظ: (أهل) ساقط من (ب).
(٤٢) في (ب) جاء بعد قوله: (والأرض) تكرار قوله: "وأهلها أي كبرت وعظمت، إلى (والأرض).
(٤٣) إدراكًا لها: أي تحديد وقتها، وأصل الإدراك اللحوق، وأدرك الشيء أي بلغ وقته، انظر: "اللسان" 3/ 1363 (درك).
(٤٤) أخرجه الطبري 9/ 139، وابن أبي حاتم 5/ 1627، بسند جيد، وذكره الرازي 15/ 81.
(٤٥) "معاني الفراء" 1/ 399، وهو قول ابن الأنباري في "الإيضاح" 2/ 673.
(٤٦) في (أ): (فقال).
(٤٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤٨) "تفسير غريب القرآن" ص 184، وهو قول أكثرهم، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 235، و"نزهة القلوب" ص 184، و"معاني النحاس" 3/ 111، و"تفسير المشكل" ص 88، والظاهر أن الأقوال متقاربة والمعنى: ثقل علمها على أهل السماء والأرض وعظم شأنها وثقل وقوعها، والرب تقول لكل شيء عظيم أو نفيس أو خطير: ثقيل، انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 490 (ثقل).
(٤٩) في (ب): خلط فجاء: "على أهل الأرض والسماء أن يعلموه، وقال ابن قتيبة: أي على أهل السموات والأرض، وقال قوم ..
".
(٥٠) لم يذكر الزجاج في "معانيه" 2/ 293 إلا القول الثاني مع أنه قال: (قيل: فيه قولان قال: قوم ثقل وقوعها ..).
(٥١) "الشاهد" ليزيد بن صبة الثقفي في "مجاز القرآن" 1/ 193، و"الكامل" للمبرد 1/ 151، و"اللسان" 1/ 317 (بغت)، و"عمدة الحفاظ" ص 56، وبلا نسبة في: "العين" 4/ 397، و"الجمهرة" 1/ 255 - 2/ 1043، و"الزاهر" 2/ 6، و"البارع" ص 356، و"تهذيب اللغة" 1/ 364، و"الصحاح" 1/ 243، و"المجمل" 1/ 130، و"مقاييس اللغة" 1/ 272 (بغت)، و"تفسير الماوردي" 2/ 285، وأوله: ولكنَّهم بانوا ولم أدر بغتة.
(٥٢) في النسخ: (يفجأك)، وهو خلاف ما في المراجع.
(٥٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٥٤) لم أقف عليه، وفي "معاني الفراء" 1/ 399 قال: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ مقدم ومؤخر ومعناه: يسألونك عنها كأنك حفي بها، ويقال: في "التفسير" كأنك حفي أي: كأنك عالم بها) اهـ.
وقال أبو علي الفارسي في "البصريات" ص 1/ 465: ( ﴿ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ أي: عالم بها) اهـ.
(٥٥) أخرج الطبري 9/ 140، 141، وابن أبي حاتم 5/ 1628 بسند جيد عن ابن عباس قال: (أي: كأنك يعجبك سؤالهم إياك: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ) اهـ.
وأخرجا عنه بسند ضعيف قال: (أي: كأنك بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم) اهـ.
وأخرج الطبري بسند ضعيف عنها قال: (أي: قرب منهم وتحفى عليهم) اهـ.
وقال اليزيدي في "غريب القرآن" ص155: (أي: عالم بها والمعنى: يسألونك == كأنك تحفي.
وجاء عن ابن عباس أنه قال: كأنك حفي بهم أي: فرح بهم حين يسألونك.
ويقال للقاضي والحاكم: الحافي، وقد تحفينا إلى فلان إذا تحاكمنا) اهـ.
(٥٦) "تهذيب اللغة" 1/ 859، وانظر: "العين" 3/ 305، و"مجالس ثعلب" ص 350، و"المنجد" لكراع ص 117، "الجمهرة" 1/ 557، و"الصحاح" 6/ 2316، و"المجمل" 1/ 243، و"مقاييس اللغة" 2/ 83، و"المفردات" ص 245، و"اللسان" 2/ 935 (حفاً).
(٥٧) في (ب): (ويجيب).
(٥٨) في (ب): (وهذا).
(٥٩) ذكره هود الهواري 2/ 63، والرازي 15/ 82.
(٦٠) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 245 بسند جيد.
وذكره ابن عطية 6/ 167، والرازي 15/ 82.
(٦١) أخرجه الطبري 9/ 141 بسند جيد، وذكره الرازي 15/ 82.
(٦٢) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 140، وابن أبي حاتم 5/ 1628 من طرق جيدة عن قتادة وهو مرسل.
(٦٣) يعني ابن عباس بعد ذكر رواية الفراء عنه.
(٦٤) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1628 بسند ضعيف، وأخرج ابن حسون في كتاب "اللغات" ص 34، و"الوزان" 6 أبسند جيد عنه قال: (عالم بلغة قريش) اهـ.
(٦٥) "تفسير مجاهد" 1/ 251 - 252.
وأخرجه الطبري 9/ 1416، وابن أبي حاتم 5/ 1628 من طرق جيدة، وفي رواية عند الطبري قال: (حفي بهم حين يسألونك) وفي رواية: (استحفيت عنها السؤال حتى علمتها)، وصحح هذه الرواية ابن كثير في "تفسيره" 2/ 301، وجاء في رواية عند ابن أبي حاتم قال: (حفي بهم تشتهي أن يسألونك عنها).
(٦٦) أخرجه الطبري 9/ 141 من طرق جيدة عن الضحاك وابن زيد، وذكره الثعلبي 6/ 28 أعن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك.
(٦٧) أخرجه الطبري 9/ 141 بسند جيد عن معمر بن راشد الأزدي عن بعضهم، ولعله الكلبي كما أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245 عن معمر عن الكلبي، وذكره الماوردي 2/ 285، عن مجاهد والضحاك وابن زيد ومعمر.
(٦٨) في (ب): (ومن كبر)، وهو تحريف.
(٦٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧٠) "تفسير غريب القرآن" ص 184، ومثله قال السجستاني في "نزهة القلوب" ص 203، ومكي في "تفسير المشكل" ص 88.
(٧١) في (أ): (وهو).
(٧٢) "تفسير الرازي" 15/ 82، وفي "مجاز القرآن" 1/ 235 قال: (أي: حفي بها ومنه قولهم: تحفيت به في المسألة) اهـ.
(٧٣) "ديوان الأعشى الكبير" ص 151، و"العين" 3/ 306، و"تهذيب اللغة" 1/ 859، و"الصحاح" 6/ 2316، و"المجمل" 1/ 243، و"مقاييس اللغة" 2/ 83، و"الفريد" 2/ 392، و"تفسير القرطبي" 7/ 336، و"اللسان" 2/ 935 - 936 (حقاً)، و"الدر المصون" 5/ 532، وحفي أي: سأل عن حاله مبالغ في إكرامه والتلطف به، وأصعد أي: ذهب في البلاد.
(٧٤) "شرح القصائد" ص 447، و"الزاهر" 1/ 348، و"تهذيب اللغة" 1/ 859، قال في "شرح القصائد" أي: كأنك معني بها مستقصٍ في السؤال عنها.
(٧٥) في (ب): (بالمسألة).
(٧٦) "معاني الزجاج" 2/ 393 - 394.
(٧٧) في (ب): (بكثرة)، وهو تحريف.
(٧٨) والراجح -والله أعلم- أن المعنى: كأنك عالم بها وقد أخفى الله علمها على خلقه لأنه ظاهر الآية، قال ابن كثير 2/ 302: (هذا القول أرجح في المقام) اهـ.
وقال الشوكاني في "تفسيره" 2/ 398 - 399، وصديق خان في "فتح البيان" 5/ 94: (هذا هو معنى النظم القرآني على مقتضى المسلك العربي) اهـ.
(٧٩) "معاني الفراء" 1/ 399، وهو قول الداني في "المكتفى" ص 282.
(٨٠) "معاني الزجاج" 2/ 393 وهو قول النحاس في "معانيه" 3/ 111، وانظر: "القطع" للنحاس 1/ 268.
(٨١) "الزاهر" 1/ 348 وهو قول اليزيدي في "غريبه" ص 155، والسجستاني في "نزهة القلوب" ص 203، وحكاه النحاس في "إعرابه" 1/ 654 - 655، والثعلبي 6/ 28/ أعن أهل التفسير، وقال السمين في "الدر" 5/ 531: (لا حاجة إلى التقديم والتأخير لأن هذه كلها متعلقات للفعل فجملة ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ﴾ حال من مفعول ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ﴾ معترض وصلتها محذوفة أي: حفي بها أو عن بمعنى: الباء ويضمن معنى شيء يتعدى بعن أي: كأنك كاشف بحفاوتك عنها) اهـ.
بتصرف.
(٨٢) في (ب): (عنهما)، وهو تحريف.
(٨٣) وهو قول الطبري 9/ 142، وحكاه النحاس في "إعرابه" 1/ 655، عن المبرد قال: (المعنى ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ﴾ بالمسألة عنها أي: مُلح) اهـ.
(٨٤) في (ب): (كقول).
(٨٥) هذا هو الثاني وذكر الطبري 9/ 140 - 142 مثله.
(٨٦) "الحجة" لأبي علي 2/ 214، وانظر: "غرائب الكرماني" 1/ 430، و"التبيان" ص 397، و"الفريد" 2/ 391، و"البحر" 4/ 435.
(٨٧) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 83 أ.
(٨٨) في (أ): (واصل).
(٨٩) في (ب): (لم أطلعه عليه)، وهو تحريف.
(٩٠) في (ب): (خلقي)، وهو تحريف.
(٩١) أخرجه الطبري 9/ 142، وابن أبي حاتم 5/ 1629، بسند ضعيف عن ابن عباس في الآية قال: (لما سأل الناس محمدًا عن الساعة سألوه سؤال قوم وكأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده استأثر بعلمها فلم يُطلع عليها ملكًا ولا رسولاً) اهـ.
وكرر الجواب لتقرير الحكم، وتأكيده ولكل أن ذلك الجواب لا يرجى غيره، وأن الحصر في قوله: ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ﴾ حقيقي، ولما تضمنه قوله: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ من الزيادة والإنكار، وقيل: السؤال الأول: عن وقت قيام الساعة، والثاني: عن مقدار شدتها ومهابتها.
انظر: "الكشاف" 2/ 134 - 135، مع "حاشية ابن المنير" عليه ، وابن عطية 6/ 169، والرازي 15/ 82، وابن عاشور 9/ 205 - 206.
(٩٢) في (ب): (فقال مقال مقاتل هذه ..).
(٩٣) "تفسير مقاتل" 2/ 78، وذكره الثعلبي 6/ 28 ب.
(٩٤) قال الداني في "المكتفى" ص 282: (قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ وقف تام وقوله: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ كافٍ.
وقوله: ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ أكفى منه وقوله ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ تام) اهـ.
ونحوه قال ابن الأنباري في "الإيضاح" 2/ 673 والنحاس في "القطع" 1/ 268، وذكر قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 15/ 84 - 85، وقال: (هذا عندي بعيد جدًا، يوجب تفكيك نظم الآية) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 437: (هذا القول فيه تفكيك لنظم الكلام واقتصار على أن يكون جواب لو ﴿ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ﴾ فقط، وتقدير حصول علم الغيب يترتب عليه الأمران، لا أحدهما، فيكون إذ ذاك جوابًا قاصرًا) اهـ.
(٩٥) في (ب) كما ذكرنا في قوله: ﴿ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ وهي الآية (46) من سورة سبأ، وانظر: "البسيط النسخة الأزهري" 4/ 170 ب سورة سبأ تفسير الآية (46).
(٩٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 282، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1630، بسند جيد عنه قال: (نذير من النار ومبشر بالجنة) اهـ.
(٩٧) في: (أ): (إنما أنا منذر)، وهو تحريف.
(٩٨) انظر: "البسيط" تفسير سورة البقرة الآية (119).
(٩٩) في (ب): (ما يشبه)، وهو تحريف.
(١٠٠) في (ب): (فنشتري من الرخيص لنربح عليه).
(١٠١) في (ب): (فيرتحل).
(١٠٢) ذكره الثعلبي 6/ 28 أ، والبغوي 3/ 310، وابن الجوزي 3/ 299، والخازن 2/ 323، و"البحر" 4/ 435 - 436، عن ابن عباس، وذكره السمرقندي 1/ 587، والواحدي في "الوسيط" 2/ 282، و"أسباب النزول" ص 232، عن الكلبي.
(١٠٣) هذا قول الفراء في "معانيه" 2/ 400، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1629، بسند ضعيف عن ابن عباس، وذكره الماوردي 2/ 285 - 285، وقال: (هذا قول شاذ) اهـ.
(١٠٤) أخرجه الطبري 9/ 142، بسند جيد، وذكره الثعلبي 6/ 28 أ، والماوردي 2/ 285، والبغوي 3/ 311، والسيوطي في "الدر" 3/ 276.
(١٠٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٠٦) أخرجه الطبري 9/ 143، وذكره الثعلبي 6/ 28 ب، والبغوي 3/ 311، والسيوطي في "الدر" 3/ 276.
(١٠٧) في (ب): "الحسين" وهو تصحيف.
وذكره الماوردي 2/ 286، وابن الجوزي 3/ 300، والقرطبي 7/ 337، عن الحسن البصري.
(١٠٨) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 146.
(١٠٩) والظاهر العموم وعدم التعيين في النفع والضر والغيب وتحمل الأقوال على التمثيل لا الحصر وهذا هو اختيار الجمهور.
انظر: الطبري 142 - 143، و"معاني الزجاج" 2/ 394، و"النحاس" 3/ 112 ، و"إعراب النحاس" 1/ 655، و"تفسير ابن عطية" 6/ 170، وابن الجوزي 3/ 299، والرازي 15/ 83 - 84، والقرطبي 7/ 339، و"البحر" 4/ 437.
(١١٠) انظر: "تفسير الرازي" 15/ 83 - 84 <div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ ﴾ يعني نظر استدلال ﴿ وَمَا خَلَقَ الله ﴾ عطف على الملكوت ويعني بقوله من شيء: جميع المخلوقات إذ جميعها دليل على وحدانية خالقها ﴿ وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ ﴾ أن الأول مخففة من الثقيلة، وهي عطف على الملكوت، وأن الثانية مصدرية في موضع رفع بعسى، وأجلهم يعني؛ موتهم، والمعنى لعلهم يموتون عن قريب، ينبغي لهم أن يسارعوا إلى النظر فيما يخلصهم عند الله قبل حلول الأجل ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ﴾ الضمير للقرآن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.
الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.
الباقون: بالتشديد.
﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.
الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.
﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.
الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.
الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .
بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".
واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.
وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.
كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله كان مخالفاً لفعلهم.
وعن الحسن وقتادة أن النبي قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.
فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.
فأمرهم الله بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.
ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.
والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.
والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.
فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.
وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.
ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.
ومن السائل؟
عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.
وعن قتادة.
إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.
قال في الكشاف.
الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها ﴾ ﴿ أيان يوم الدين ﴾ ولا يقال أيان نمت.
وكسر همزته لغة بني سليم.
وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.
وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.
وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.
ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.
والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.
أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.
وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.
عن النبي "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .
ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.
والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.
وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.
وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.
وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.
وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.
وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.
ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله .
واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله .
وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.
وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.
قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.
وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.
وقال بعضهم: "لما رجع من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.
فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.
فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .
أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.
وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ والطوع نفع.
وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ وقس على هذا.
ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.
قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.
ومنها أن آدم كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟
ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.
والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.
وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.
وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.
أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.
والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.
ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.
فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.
أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟
وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.
وعلى هذا فإنما قال ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.
فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله أعلم.
ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.
واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.
والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.
ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.
ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟
وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.
وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.
ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.
وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟
وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.
ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.
وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.
ثم لما أمره بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.
وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.
أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.
يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.
أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.
ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.
قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ .
التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.
﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.
﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا ﴾ .
قد ذكرنا هذا في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
قال قائلون: هو صلة قوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا...
﴾ الآية [الأعراف: 177].
وقال بعضهم: فيه الوعد لرسول الله بالنصر له، والظفر على أعدائه.
والاستدراج: هو الأخذ في حال الغفلة من حيث أمن الرجل بغتة؛ كقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .
وقال قائلون: الاستدراج: المكر، لكن معنى ما يضاف الاستدراج والمكر إلى الخلق غير المعنى الذي يضاف إلى الله، والجهة التي تضاف إلى الله غير الجهة التي تضاف إلى الخلق [والجهة التي تضاف] إلى الخلق مذمومة، والجهة التي تضاف إلى الله محمودة، وكذلك ما أضيف إلى الله من المكر، والخداع، والاستهزاء ونحوه، هو ما ذكرنا على اختلاف الجهات، والمعنى في الجهة التي تضاف إلى الله غير الجهة التي تضاف إلى الخلق؛ لأن الله - - يأخذهم بما يستوجبون ويستحقون بحق الجزاء والمكافأة، فلا يلحقه في ذلك ذم؛ وأما الخلق فيما بينهم يمكرون ويكيدون، لا على الاستحقاق والجزاء.
وعن الحسن في قوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ قال: كلما جددوا لله معصية، جدد الله لهم نعمة؛ ليستهزءوا ويأشروا ويبطروا، ثم يهلكهم.
وقال بعضهم: يظهر لهم النعم وينسيهم الشكر.
وجائز أن يكون ما ذكر من الاستدراج والمكر والكيد عبارة عن العذاب، أي: إن أخذي إياهم وعذابي شديد؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ، أي: عقوبتي شديدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ .
أي: كيدوه أنتم وأمهلهم وأكيد لهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً...
﴾ الآية [الطارق: 15-16] فيخرج قوله: ﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ ، مخرج جزاء كيدهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً ﴾ أي: جزيناهم جزاء مكرهم؛ وكذلك قوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ ، أي: نجزيهم جزاء استدراج وما هو عندهم كيد، وكذلك نفعل بهم ما هو عندهم مكر وخداع، وإن لم يكن من الله مكر وخداع؛ كقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أي: إعادة الشيء عندكم أهون من الابتداء، وإن كانت الإعادة والابتداء [سواء على الله؛] فعلى ذلك قوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ ، ﴿ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ونحوه، أي: نفعل بكم ما هو استدراج وكيد عندكم، والله أعلم.
ودل قوله: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾ على أنه لم ينشئهم لحاجة له إليهم، أو لمنفعة له فيهم، ولكن أنشأهم لحوائج أنفسهم، ولمنافع ترجع إليهم، حتى إن عملوا نفعوا أنفسهم، وإن تركوا ضروا أنفسهم.
وقوله: ﴿ مَتِينٌ ﴾ .
قيل: شديد، أي: عقوبتي شديدة، والمتين: [هو] المحكوم القوي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ .
إن الكفرة كانوا ينسبون رسول الله إلى الجنون أحياناً، والذي حملهم على ذلك - والله أعلم - أنهم كانوا أهل العز والشرف في الدنيا، وكان لا يخالفهم أحد، ولا يستقبلهم بالمكروه إلا أحد رجلين: [رجل ذو قوة وهيبة] وله أعوان وأنصار، أو رجل به جنون؛ لأنهم كانوا يقتلون من يخالفهم في شيء من الأمر، فلما رأوا رسول الله خالفهم واستقبلهم بما يكرهون، ولم يروا معه أنصاراً ولا أعواناً ظنوا أنه لا يخالفهم إلا بجنون فيه، فنسبوه إلى الجنون لذلك، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون نسبتهم إياه إلى الجنون لما حرم عليهم عبادة الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها، وهم قد رأوا العقلاء منهم قد عبدوا الأصنام ولم يحرموا ذلك، فلما حرم ذلك عليهم ظنوا أنه إنما حرم ذلك لآفة، لذلك حملهم بالنسبة إلى الجنون، والله أعلم.
ثم عاتبهم بتركهم التفكر فيه بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ ؛ ليتبين لهم أنه ليس به جنون، وذلك يحتمل وجهين: أنهم لو تفكروا في رسول الله بما أخبرهم من المرغوب والمرهوب والمحذور في كتابهم على غير لسانهم، واختلاف منه إلى أحد منهم، ولا تعلم - لعلموا أنه رسول، وأن ما أخبر إنما أخبر بالله.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ ، أي: قد تفكروا فيه وعرفوا أن ليس به جنون؛ وكذلك في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ....
﴾ الآية، أي: قد تفكروا في ذلك، وعرفوا أن مثل هذا لم يخلق عبثاً باطلاً؛ كما يقال: أولم تفعل كذا، أي: قد فعلت لكنهم عاندوا وكابروا آياته وحججه.
وأمكن أن يكون قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ ﴾ أي: في أنفسهم، وفي أولئك الذين عبدوا من الأصنام والأوثان؛ ليظهر لهم أنهم على باطل وسفه، وليتبين لهم أن الحق هو ما يدعوهم إليه محمد ، لا ما كانوا هم عليه.
وفيه دلالة أن الحق يلزم وإن كان لا يعلم ذلك إلا بالتفكر والتدبر؛ لما لحق هؤلاء من الوعيد الشديد والعقاب العظيم لما تركوا هم التفكر، وكان لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك.
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ ﴾ أنه ليس به جنة؛ هذا جواب من الله.
ويحتمل: لو تفكروا في صاحبهم، لعرفوا أنه ليس به جنة.
ثم أخبر أنه نذير مبين، ليس كما يقولون: إنه مجنون؛ إذ معه آيات وبراهين، فهو نذير مبين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ....
﴾ الآية.
يحتمل هذا على الابتداء.
ويحتمل على الصلة بالأول، وهو أنهم إذا تفكروا في ملكوت السماوات والأرض، عرفوا ألوهية الله وربوبيته؛ لما يرون من اتصال منافع بعض ببعض على بعد ما بينهما، واتساق التدبير في ذلك، فعرفوا أن ذلك كله مسخر لمن له التمييز، وأن المقصود في خلقه أهل التمييز، فإذا عرفوا ذلك عرفوا أنهم يحتاجون إلى من يعرفهم ذلك، ويعلمهم ما يحتاجون في ذلك.
ويحتمل على ابتداء الأمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض ﴿ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ ؛ ليدلهم على وحدانية [الله] وربوبيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ .
كأن هذا نزل فيمن عرف صدقه، لكنه عاند في تكذيبه، فقال: ﴿ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ يحذرهم؛ ليرجعوا إلى تصديقه، مخافة الخروج من الدنيا على ما هم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
هذا يتوجه وجهين: أحدهما: أنكم ممن تقبلون الأخبار والحديث، فإذا لم تقبلوا حديث رسول الله وخبره ولم تصدقوه، فبأي حديث بعده تقبلون وتصدقون، ومعه حجج وبراهين؟
والله أعلم.
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ \[يعني\] بعد القرآن يؤمنون، وهو كما وصفه: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ...
﴾ الآية [فصلت: 42]، وقال: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، فإذا لم تقبلوا هذا ولم تصدقوه وهو بالوصف الذي ذكر، وأنتم ممن تقبلون الحديث، فبأي حديث بعده تقبلون.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ يريد به في الآخرة؛ يقول: إذا اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون، أي: لا حديث بعده يؤمنون به، والتأويل الآخر في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ .
وفي موضع آخر: ﴿ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ﴾ ، ولو كانت الهداية الأمر والبيان على ما قاله قوم، لكان ذلك من غيره، وكذلك لو كان الإضلال والإزاغة والنهي هو التخلية، لكان ذلك يكون من غيره، وكل من أراد الله أن يهديه أضله غيره، وكل من أضله الله هداه غيره، فذلك محال مع ما في كل ما أضاف الله الإضلال إلى الخلق ذمه، وفيما أضاف الهداية إليه مدحه، ثم أضافهما جميعاً إلى نفسه؛ دل أن هنالك زيادة معنى ليس ذلك في الإضافة إلى الخلق، وهو ما ذكر في غير موضع: إما خلق فعل الضلال من الكافر، وخلق فعل الاهتداء والإيمان من المؤمن، أو كان منه التوفيق والمعونة في الهدى، والخذلان في الكفر.
وهذان الوجهان اللذان ذكرناهما لا يكونان من الخلق، إنما يكونان من الله؛ لذلك كان معنى الإضافة إليه، وإنما يكون من الخلق الدعاء وغيره، لا ما قالته المعتزلة من البيان والأمر والنهي والتخلية؛ إذ [لا] يكون ذلك من الخلق، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ أي: من أهانه الله بالضلالة، فلا أحد يملك إكرامه بالهدى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
لا ضرر يلحقه في طغيانهم؛ لذلك تركهم فيه، ودل ذلك على أنه لم ينشئهم لحاجة نفسه، ولا لدفع مضرة نفسه، ولكن لحاجة أنفسهم؛ كقوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ، وهو حرف الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
من يخذله الله عن الهداية إلى الحق، ويضله الله عن الصراط المستقيم، فلا هادي له يهديه إليه، ويتركهم الله في ضلالهم وكفرهم يتحيرون لا يهتدون إلى شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.aKd76"