الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٨٧ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 142 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( يسألونك عن الساعة ) كما قال تعالى : ( يسألك الناس عن الساعة ) [ الأحزاب : 63 ] قيل : نزلت في قريش .
وقيل : في نفر من اليهود .
والأول أشبه ; لأن الآية مكية ، وكانوا يسألون عن وقت الساعة ، استبعادا لوقوعها ، وتكذيبا بوجودها ; كما قال تعالى : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) [ الأنبياء : 38 ] ، وقال تعالى : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ) [ الشورى : 18 ] وقوله : ( أيان مرساها ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " منتهاها " أي : متى محطها ؟
وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة ؟
( قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ) أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن وقت الساعة ، أن يرد علمها إلى الله تعالى ; فإنه هو الذي يجليها لوقتها ، أي : يعلم جلية أمرها ، ومتى يكون على التحديد ، [ أي ] لا يعلم ذلك [ أحد ] إلا هو تعالى ; ولهذا قال : ( ثقلت في السماوات والأرض ) قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : ( ثقلت في السماوات والأرض ) قال : ثقل علمها على أهل السماوات والأرض أنهم لا يعلمون .
قال معمر : قال الحسن : إذا جاءت ، ثقلت على أهل السماوات والأرض ، يقول : كبرت عليهم .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( ثقلت في السماوات والأرض ) قال : ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة .
وقال ابن جريج : ( ثقلت في السماوات والأرض ) قال : إذا جاءت انشقت السماء وانتثرت النجوم ، وكورت الشمس ، وسيرت الجبال ، وكان ما قاله الله ، عز وجل فذلك ثقلها .
واختار ابن جرير ، رحمه الله : أن المراد : ثقل علم وقتها على أهل السماوات والأرض ، كما قال قتادة .
وهو كما قالاه ، كقوله تعالى : ( لا تأتيكم إلا بغتة ) ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السماوات والأرض ، والله أعلم .
وقال السدي [ في قوله تعالى ] ( ثقلت في السماوات والأرض ) يقول : خفيت في السماوات والأرض ، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل .
( لا تأتيكم إلا بغتة ) [ قال ] يبغتهم قيامها ، تأتيهم على غفلة .
وقال قتادة في قوله تعالى : ( لا تأتيكم إلا بغتة ) قضى الله أنها ( لا تأتيكم إلا بغتة ) قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الساعة تهيج بالناس ، والرجل يصلح حوضه ، والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه " وقال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون ، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ولا يطويانه .
ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه .
ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه .
ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها " وقال مسلم في صحيحه : حدثني زهير بن حرب ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة ، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة .
والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم .
والرجل يلوط حوضه فما يصدر حتى تقوم " وقوله [ تعالى ] ( يسألونك كأنك حفي عنها ) اختلف المفسرون في معناه ، فقيل : معناه : كما قال العوفي عن ابن عباس : ( يسألونك كأنك حفي عنها ) يقول : كأن بينك وبينهم مودة ، كأنك صديق لهم .
قال ابن عباس : لما سأل الناس محمدا صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم ، فأوحى الله إليه : إنما علمها عنده ، استأثر بعلمها ، فلم يطلع الله عليها ملكا مقربا ولا رسولا .
وقال قتادة : قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم : إن بيننا وبينك قرابة ، فأسر إلينا متى الساعة .
فقال الله ، عز وجل : ( يسألونك كأنك حفي عنها ) وكذا روي عن مجاهد ، وعكرمة ، وأبي مالك ، والسدي ، وهذا قول .
والصحيح عن مجاهد - من رواية ابن أبي نجيح وغيره - : ( يسألونك كأنك حفي عنها ) قال : استحفيت عنها السؤال ، حتى علمت وقتها .
وكذا قال الضحاك ، عن ابن عباس : ( يسألونك كأنك حفي عنها ) يقول : كأنك عالم بها ، لست تعلمها ، ( قل إنما علمها عند الله ) وقال معمر ، عن بعضهم : ( كأنك حفي عنها ) كأنك عالم بها .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( كأنك حفي عنها ) كأنك عالم بها ، وقد أخفى الله علمها على خلقه ، وقرأ : ( إن الله عنده علم الساعة ) الآية [ لقمان : 34 ] .
ولهذا القول أرجح في المعنى من الأول ، والله أعلم ; ولهذا قال : ( قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ولهذا لما جاء جبريل ، عليه السلام ، في صورة أعرابي ، يعلم الناس أمر دينهم ، فجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس السائل المسترشد ، وسأله عن الإسلام ، ثم عن الإيمان ، ثم عن الإحسان ، ثم قال : فمتى الساعة ؟
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " أي : لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد ، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عنده علم الساعة ) الآية وفي رواية : فسأله عن أشراط الساعة ، ثم قال : " في خمس لا يعلمهن إلا الله " .
وقرأ هذه الآية ، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب : " صدقت " ; ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه ، ثم لما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " وفي رواية قال : " وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها ، إلا صورته هذه " .
وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد ، في أول شرح صحيح البخاري ، ولله الحمد والمنة ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال : يا محمد ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاء - على نحو من صوته - قال : يا محمد ، متى الساعة ؟
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويحك إن الساعة آتية ، فما أعددت لها ؟
" قال : ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ، ولكني أحب الله ورسوله .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المرء مع من أحب " .
فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث وهذا له طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أنه قال : " المرء مع من أحب " وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين .
ففيه أنه ، عليه السلام ، كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه ، أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم ، وهو الاستعداد لوقوع ذلك ، والتهيؤ له قبل نزوله ، وإن لم يعرفوا تعيين وقته .
ولهذا قال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سألوه عن الساعة : متى الساعة ؟
فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال : " إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم " يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة .
ثم قال مسلم : وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يونس بن محمد ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ; أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، وعنده غلام من الأنصار يقال له محمد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن يعش هذا الغلام فعسى ألا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " .
انفرد به مسلم وحدثنا حجاج بن الشاعر ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا معبد بن هلال العنزي عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ; أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : متى الساعة ؟
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيهة ، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة ، فقال : " إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " - قال أنس : ذلك الغلام من أترابي وقال : حدثنا هارون بن عبد الله ، حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، عن أنس قال : مر غلام للمغيرة بن شعبة - وكان من أقراني - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " ورواه البخاري في كتاب " الأدب " من صحيحه ، عن عمرو بن عاصم ، عن همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أنس ; أن رجلا من أهل البادية قال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟
فذكر الحديث ، وفي آخره : " فمر غلام للمغيرة بن شعبة " ، وذكره وهذا الإطلاق في هذه الروايات محمول على التقييد ب " ساعتكم " في حديث عائشة ، رضي الله عنها .
وقال ابن جريج : أخبرني أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بشهر ، قال : " تسألوني عن الساعة ، وإنما علمها عند الله .
وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة ، تأتي عليها مائة سنة " رواه مسلم وفي الصحيحين ، عن ابن عمر مثله ، قال ابن عمر : وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرام ذلك القرن .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، أنبأنا العوام ، عن جبلة بن سحيم ، عن مؤثر بن عفازة عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى " ، قال : " فتذاكروا أمر الساعة " ، قال : " فردوا أمرهم إلى إبراهيم ، عليه السلام ، فقال : لا علم لي بها .
فردوا أمرهم إلى موسى ، فقال : لا علم لي بها .
فردوا أمرهم إلى عيسى ، فقال عيسى : أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله ، عز وجل ، وفيما عهد إلي ربي ، عز وجل ، أن الدجال خارج " ، قال : " ومعي قضيبان ، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص " ، قال : " فيهلكه الله ، عز وجل ، إذا رآني ، حتى إن الحجر والشجر يقول : يا مسلم ، إن تحتي كافرا تعالى فاقتله " .
قال : " فيهلكهم الله ، عز وجل ، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم " ، قال : " فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون ، فيطئون بلادهم ، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه ، ولا يمرون على ماء إلا شربوه " ، قال : " ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم ، فأدعو الله ، عز وجل ، عليهم فيهلكهم ويميتهم ، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم - أي : تنتن - " قال : " فينزل الله المطر ، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر " .
قال أحمد : قال يزيد بن هارون : ثم تنسف الجبال ، وتمد الأرض مد الأديم - ثم رجع إلى حديث هشيم قال : ففيما عهد إلي ربي ، عز وجل ، أن ذلك إذا كان كذلك ، فإن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا ورواه ابن ماجه ، عن بندار عن يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب بسنده ، نحوه فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ، ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين ، وإنما ردوا الأمر إلى عيسى عليه السلام ، فتكلم على أشراطها ; لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذا لأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقتل المسيح الدجال ، ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج ببركة دعائه ، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط قال : سمعت أبي يذكر عن حذيفة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال : " علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ، ولكن سأخبركم بمشاريطها ، وما يكون بين يديها : إن بين يديها فتنة وهرجا " ، قالوا : يا رسول الله ، الفتنة قد عرفناها ، فالهرج ما هو ؟
قال بلسان الحبشة : " القتل " .
قال ويلقى بين الناس التناكر ، فلا يكاد أحد يعرف أحدا " لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه .
وقال وكيع : حدثنا ابن أبي خالد ، عن طارق بن شهاب ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) الآية [ النازعات : 42 ] .
ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، به وهذا إسناد جيد قوي .
فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم [ محمد ] صلوات الله عليه وسلامه نبي الرحمة ، ونبي التوبة ، ونبي الملحمة ، والعاقب والمقفى ، والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه ، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد ، رضي الله عنهما : " بعثت أنا والساعة كهاتين " وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها .
ومع هذا كله ، قد أمره الله تعالى أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها ، فقال : ( قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون )
القول في تأويل قوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: (يسألونك عن الساعة).
فقال بعضهم: عني بذلك قومُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش, وكانوا سألوا عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك: 15462 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إنّ بيننا وبينك قرابة, فأسِرَّ إلينا متى الساعة!
فقال الله: يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا .
(49) * * * وقال آخرون: بل عُني به قوم من اليهود.
* ذكر من قال ذلك: 15463 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قال جَبَل بن أبي قشير، وشمول بن زيد، لرسول الله صلى الله عليه وسلم (50) يا محمد، أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيًّا كما تقول, فإنا نعلم متى هي؟
فأنـزل الله تبارك وتعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي)، إلى قوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ .
(51) 15464 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن طارق بن شهاب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكُر من شأن الساعة حتى نـزلت: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها).
(52) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قومًا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة, فأنـزل الله هذه الآية = وجائز أن يكون كانوا من قريش = وجائز أن يكونوا كانوا (53) من اليهود; ولا خبر بذلك عندنا يجوِّز قَطْعَ القول على أيّ ذلك كان.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذاً: يسألك القومُ الذين يسألونك عن الساعة (أيان مرساها)؟
يقول: متى قيامها؟
* * * ومعنى " أيان ": متى، في كلام العرب, ومنه قول الراجز: (54) أَيَّــانَ تَقْضِــي حَــاجَتِي أَيَّانَــا أَمَـــا تَــرَى لِنُجْحِهَــا إِبَّانَــا (55) * * * ومعنى قوله: (مرساها)، قيامها, من قول القائل: " أرساها الله فهي مُرْسَاة ", و " أرساها القوم "، إذا حبسوها, و " رسَت هي، ترسُو رُسُوًّا ".
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15465 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها)، : يقول متى قيامها.
* * * 15466- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها)، : متى قيامها؟
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: مُنتهاها =وذلك قريب المعنى من معنى مَن قال: معناه: " قيامها ", لأن انتهاءها، بلوغها وقتها.
وقد بينا أن أصل ذلك: الحبس والوقوف.
* ذكر من قال ذلك: 15467 - حدثنا المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها)، يعني: منتهاها.
* * * وأما قوله: (قل إنما علمها عند ربي لا يجلِّيها لوقتها إلا هو)، فإنه أمرٌ من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يجيب سائليه عن الساعة بأنه لا يعلم وقت قيامها إلا الله الذي يعلم الغيب, وأنه لا يظهرها لوقتها ولا يعلمها غيرُه جل ذكره، كما: - 15468 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو)، يقول: علمها عند الله, هو يجليها لوقتها, لا يعلم ذلك إلا الله.
15469 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لا يجليها)، : يأتي بها.
15470 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال مجاهد: (لا يجليها)، قال: لا يأتي بها إلا هو.
15471 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (لا يجليها لوقتها إلا هو)، يقول: لا يرسلها لوقتها إلا هو.
* * * القول في تأويل قوله : ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: ثقلت الساعة على أهل السموات والأرض أن يعرفوا وقتها ومجيئها، لخفائها عنهم، واستئثار الله بعلمها.
* ذكر من قال ذلك: 15472 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: (ثقلت في السموات والأرض)، يقول: خفيت في السموات والأرض, فلم يعلم قيامها متى تقوم مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل.
15473 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور= وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق = جميعًا, عن معمر, عن بعض أهل التأويل: (ثقلت في السموات والأرض) ، قال: ثقل علمها على أهل السموات وأهل الأرض، إنهم لا يعلمون.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أنها كَبُرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض.
* ذكر من قال ذلك: 15474 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور= وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق = جميعًا, عن معمر قال: قال الحسن, في قوله: (ثقلت في السموات والأرض)، يعني: إذا جاءت ثقلت على أهل السماء وأهل الأرض.
يقول: كبرت عليهم.
15475 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج: (ثقلت في السموات والأرض) قال: إذا جاءت انشقت السماء, وانتثرت النجوم, وكوِّرت الشمس, وسُيِّرت الجبال, وكان ما قال الله; فذلك ثقلها.
15476 - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال بعض الناس في " ثقلت ": عظمت.
* * * وقال آخرون: معنى قوله: (في السموات والأرض)، : على السموات والأرض.
* ذكر من قال ذلك: 15477 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (ثقلت في السموات والأرض)، أي: على السموات والأرض.
* * * قال أبو جعفر: وأولى ذلك عندي بالصواب, قول من قال: معنى ذلك: ثقلت الساعة في السموات والأرض على أهلها، أن يعرفوا وقتها وقيامها; لأن الله أخفى ذلك عن خلقه, فلم يطلع عليه منهم أحدًا.
وذلك أن الله أخبرَ بذلك بعد قوله: قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ، وأخبر بعده أنها لا تأتي إلا بغتة, فالذي هو أولى: أن يكون ما بين ذلك أيضًا خبرًا عن خفاء علمها عن الخلق, إذ كان ما قبله وما بعده كذلك.
* * * وأما قوله: (لا تأتيكم إلا بغتة)، فإنه يقول: لا تجيء الساعة إلا فجأة, لا تشعرون بمجيئها، (56) كما: - 15478 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (لا تأتيكم إلا بغتة)، يقول: يبغتهم قيامها, تأتيهم على غفلة.
15479 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (لا تأتيكم إلا بغتة)، قضى الله أنها لا تأتيكم إلا بغتة.
قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن الساعة تهيج بالناس والرجل يُصْلِح حوضه، والرجلُ يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه.
* * * القول في تأويل قوله : يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يسألك هؤلاء القوم عن الساعة, كأنك حَفِيٌّ عنها.
* * * [ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (حفي عنها) ] .
(57) فقال بعضهم: يسألونك عنها كأنك حفي بهم.
وقالوا: معنى قوله: " عنها " التقديم، وإن كان مؤخرًا.
* ذكر من قال ذلك: 15480 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (يسألونك كأنك حفيّ عنها)، يقول: كأن بينك وبينهم مودة, كأنك صديق لهم.
قال ابن عباس: لما سأل الناسُ محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم, فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده, استأثر بعلمها, فلم يطلع عليها ملكًا ولا رسولا.
15481 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: قال قتادة: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة, فأسِرَّ إلينا متى الساعة !
فقال الله: (يسألونك كأنك حفي عنها).
(58) 15482 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (يسألونك كأنك حفي عنها)، : أي حفي بهم.
قال: قالت قريش: يا محمد، أسرّ إلينا علم الساعة، لما بيننا وبينك من القرابة = لقرابتنا منك.
15483 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، وهانئ بن سعيد, عن حجاج, عن خصيف, عن مجاهد وعكرمة: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: حفي بهم حين يسألونك.
15484 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: قريب منهم, وتحفَّى عليهم = قال: وقال أبو مالك: كأنك حفي بهم.
قال: قريب منهم, وتحفَّى عليهم = قال: وقال أبو مالك: كأنك حفي بهم، فتحدثهم.
(59) 15485 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (يسألونك كأنك حفي عنها)، كأنك صديق لهم.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنك قد استحفيت المسألة عنها فعلمتها.
* ذكر من قال ذلك: 15486 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (كأنك حفي عنها)، استحفيت عنها السؤال حتى علمتَها.
15487 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد, عن مجاهد في قوله: (كأنك حفي عنها) قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها.
15488 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: كأنك عالم بها.
15489 - ...
قال: حدثنا حامد بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك: (يسألونك كأنك حفيّ عنها) قال: كأنك تعلمها.
(60) 15490 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: ثني عبيد بن سليمان, عن الضحاك, قوله: (يسألونك كأنك حفي عنها)، يقول: يسألونك عن الساعة, كأنك عندك علمًا منها = قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي .
15491 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن بعضهم: (كأنك حفي عنها)، : كأنك عالم بها.
15492 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (كأنك حفي عنها) قال: كأنك عالم بها.
وقال: أخفى علمها على خلقه.
وقرأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، [سورة لقمان: 34] حتى ختم السورة.
15493 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: (يسألونك كأنك حفي عنها)، يقول: كأنك يعجبك سؤالهم إياك =(قل إنما علمها عند الله).
* * * وقوله: (كأنك حفي عنها)، يقول: لطيف بها.
(61) * * * فوجَّه هؤلاء تأويل قوله: (كأنك حفي عنها)، إلى حفيّ بها, وقالوا: تقول العرب: " تحفّيت له في المسألة ", و " تحفيت عنه ".
قالوا: ولذلك قيل: " أتينا فلانًا نسأل به ", بمعنى نسأل عنه.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: كأنك حفي بالمسألة عنها فتعلمها.
فإن قال قائل: وكيف قيل: (حفي عنها)، ولم يُقَل: " حفي بها ", إن كان ذلك تأويل الكلام؟
قيل: إن ذلك قيل كذلك, لأن الحفاوة إنما تكون في المسألة, وهي البشاشة للمسئول عند المسألة, والإكثار من السؤال عنه, والسؤال يوصل ب " عن " مرة، وب " الباء " مرة.
فيقال: " سألت عنه ", و " سألت به ".
فلما وضع قوله: " حفي" موضع السؤال, وصل بأغلب الحرفين اللذين يوصل بهما " السؤال ", وهو " عن ", كما قال الشاعر: (62) سُــؤَالَ حَــفِيٍّ عَـنْ أَخِيـهِ كَأَنَّـهُ بِذِكْرَتِـــهِ وَسْــنَانُ أَوْ مُتَوَاسِــنُ (63) * * * وأما قوله: (قل إنما علمها عند الله)، فإن معناه: قل، يا محمد، لسائليك عن وقت الساعة وحين مجيئها: لا علم لي بذلك, ولا علم به إلا [عند] الله الذي يعلم غيب السموات والأرض (64) =(ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك لا يعلمه إلا الله, بل يحسبون أن علم ذلك يوجد عند بعض خلقه.
------------------------ الهوامش : (49) الأثر : 15462 - سيأتي برقم : 15481 .
(50) في المطبوعة : ((حمل بن أبي قشير )) ، وهي في المخطوطة كما أثبتها غير منقوطة .
والصواب أيضاً في سيرة ابن هشام 2 : 162 ، 218 ، وكتب هناك : (( شمويل )) ، وهما سواء ، وفي المطبوعة هنا (( سمول )) غير منقوطة كما في المخطوطة .
(51) الأثر : 15463 - سيرة ابن هشام 2 : 218 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 12216 .
(52) الأثر : 15464 - (( إسماعيل بن أبي خالد الأحمسى )) ثقة ثبت ، مضى برقم : 5694 ، 5777 ، 12280 .
و(( طارق بن شهاب الأحمسى )) ، رأي النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه مرسلا ، مضى مرارًا ، رقم : 9744 ، 11682 ، 12073 ، 12075 ، 12085 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( مخارق بن شهاب )) ، وهو خطأ صرف ، صوابه من ابن كثير .
وهذا الخبر ساقه ابن كثير في تفسيره 3 : 609 ، وقال : (( ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، به .
وهذا إسناد جيد قوي )) .
(53) في المطبوعة : (( أن يكون كانوا )) مرة أخرى ، ولكنى أثبت ما في المخطوطة .
(54) لم أعرف قائله .
(55) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 234 ، اللسان ( أبن ) .
و (( إبان الشيء )) ، زمنه ووقته الذي يصلح فيه ، أو يكون فيه .
(56) انظر تفسير (( البغتة )) فيما سلف 11 : 325 ، 360 ، 368 / 12 : 576 .
(57) الزيادة بين القوسين ، يقتضيها نهج أبي جعفر في تفسيره .
(58) الأثر : 15481 - مضى برقم : 15462 .
(59) الأثر : 15484 - (( أبو مالك )) ، في هذا الخبر ، لم أعرف من يكون ؟
(60) الأثر : 15489 - (( جابر بن نوح )) ، مضى برقم : 5694 ، 9863 ، وفي المطبوعة (( حامد بن نوح )) ، وفي المخطوطة ، سيئ الكتابة ، وهذا صوابه .
(61) هذه الجملة التي أفردتها ، لا شك أنها ليست من كلام ابن عباس في الأثر السالف ، ولذلك فصلت بينهما .
بقى بعد أنى أخشى أن يكون سقط من الناسخ شيء قبل هذه الجملة ، فإن الذي ذكره أبو جعفر قولان فقط ، لا ثلاثة أقوال ، وهذه الجملة الأخيرة .
متعلقة بالقول الأول ، وكأنها تفسير له .
(62) هو المعطل الهذلي .
(63) ديوان الهذليين 3 : 45 من قصيدة له طويلة .
وبهذه الرواية التي رواها أبو جعفر (( سؤال حفي )) ، يختل سياق الشعر .
وروايته في ديوانه : فــإن تـرني قصـدًا قريبًا، فـإنـه بعيـد عـلي المـرء الحجـازي أيـن بعيـد عـلى ذى حاجـة، ولـو أننـى إذا نفجــت يومـاً بهـا الـدار آمـن يقـول الـذي أمسـى إلى الحرز أهله: بـأي الحشـاء أمسـى الخليط المباين ســؤال الغنـي عـن أخيـه، كأنـه بذكرتـــه وســنان أو متواســن و (( الذي أمسى إلى الحرز أهله )) هو الذي صار في مكان حصين آمناً مطمئناً ، فهو يسأل عنه ويقول : (( بأي الحشا )) ، بأي النواحي أمسي فلان ؟
وهو صاحبه المفارق .
ثم يقول : إنه يسأل سؤال غير حفي - لا سؤال حفي - (( سؤال غني عن أخيه )) وأنما يذكره كالنائم أو المتناوم ، لقلة حفاوة به .
فهذا نقيض رواية أبي جعفر .
وكان في المطبوعة : (( يذكره وسنان )) ، والصواب من المخطوطة والديوان .
(64) في المطبوعة : (( ولا يعلم به إلا الله )) وليس بجيد ، وأثبت ما في المخطوطة وزدت ما يقتضيه السياق بين قوسين
قوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون[ ص: 300 ] قوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها أيان سؤال عن الزمان ; مثل متى .
قال الراجز :أيان تقضي حاجتي أيانا أما ترى لنجحها أواناوكانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم .
وروي أن المشركين قالوا ذلك لفرط الإنكار .ومرساها في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه ، والخبر : أيان .
وهو ظرف مبني على الفتح ، بني لأن فيه معنى الاستفهام .
ومرساها بضم الميم ، من أرساها الله ، أي أثبتها ، أي متى مثبتها ، أي متى وقوعها .
وبفتح الميم من رست ، أي ثبتت ووقفت ; ومنه وقدور راسيات .
قال قتادة : أي ثابتات .قل إنما علمها عند ربي ابتداء وخبر ، أي لم يبينها لأحد ; حتى يكون العبد أبدا على حذرلا يجليها أي لا يظهرها .
لوقتها أي في وقتها إلا هو والتجلية : إظهار الشيء ; يقال : جلا لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه .ثقلت في السماوات والأرض خفي علمها على أهل السماوات والأرض .
وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد .
وقيل : كبر مجيئها على أهل السماوات والأرض ; عن الحسن وغيره .
ابن جريج والسدي : عظم وصفها على أهل السماوات والأرض .
وقال قتادة : وغيره : المعنى لا تطيقها السماوات والأرض لعظمها : لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب .
وقيل : المعنى ثقلت المسألة عنها .لا تأتيكم إلا بغتة أي فجأة ، مصدر في موضع الحاليسألونك كأنك حفي عنها أي عالم بها كثير السؤال عنها .
قال ابن فارس : الحفي العالم بالشيء .
والحفي : المستقصي في السؤال .
قال الأعشى :فإن تسألي عني فيا رب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدايقال : أحفى في المسألة وفي الطلب ، فهو محف وحفي على التكثير ، مثل مخصب وخصيب .
قال محمد بن يزيد : المعنى يسألونك كأنك حفي بالمسألة عنها ، أي ملح .
يذهب إلى أنه ليس في الكلام تقديم وتأخير .
وقال ابن عباس وغيره : هو على التقديم والتأخير ، والمعنى : يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي حفي ببرهم وفرح بسؤالهم .
وذلك لأنهم قالوا : بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا بوقت الساعة .قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليس هذا تكريرا ، ولكن أحد العلمين لوقوعها والآخر لكنهها .
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: يَسْأَلُونَكَ أي: المكذبون لك، المتعنتون عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا أي: متى وقتها الذي تجيء به، ومتى تحل بالخلق؟
قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي أي: إنه تعالى مختص بعلمها، لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ أي: لا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو.
ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أي: خفي علمها على أهل السماوات والأرض، واشتد أمرها أيضا عليهم، فهم من الساعة مشفقون.
لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً أي: فجأة من حيث لا تشعرون، لم يستعدوا لها، ولم يتهيأوا لقيامها.
يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك مستحف عن السؤال عنها، ولم يعلموا أنك - لكمال علمك بربك، وما ينفع السؤال عنه - غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب.
وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه.
قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، وخصوصا مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهم، ويدعون ما يجب عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحد أن يدركه، ولا هم مطالبون بعلمه.
قوله تعالى : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) قال قتادة : قالت قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟
فأنزل الله تعالى : " يسئلونك عن الساعة " يعني : القيامة ، ( أيان مرساها ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : منتهاها .
وقال قتادة : قيامها ، وأصله الثبات ، أي : متى مثبتها؟
( قل ) يا محمد ( إنما علمها عند ربي ) استأثر بعلمها ولا يعلمها إلا هو ، ( لا يجليها ) لا يكشفها ولا يظهرها .
وقال مجاهد : لا يأتي بها ، ( لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض ) يعني : ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السماوات والأرض ، وكل خفي ثقيل .
قال الحسن : يقول إذا جاء ثقلت وعظمت على أهل السماوات والأرض ، ( لا تأتيكم إلا بغتة ) فجأة على غفلة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها " .
( يسألونك كأنك حفي عنها ) أي : عالم بها من قولهم أحفيت في المسألة ، أي : بالغت فيها ، معناه : كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمتها ، ( قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن علمها عند الله حتى سألوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عنها .
«يسألونك» أي أهل مكة «عن الساعة» القيامة «أيَّان» متى «مُرساها قل» لهم «إنَّما علمها» متى تكون «عند ربي لا يُجلّيها» يظهرها «لوقتها» اللام بمعنى في «إلا هو ثقُلت» عظمت «في السماوات والأرض» على أهلها لهولها «لا تأتيكم إلا بغتة» فجأة «يسألونك كأنك حَفيٌ» مبالغ في السؤال «عنها» حتى علمتها «قل إنما علمها عند الله» تأكيد «ولكن أكثر الناس لا يعلمون» أن علمها عنده تعالى.
يسألك -أيها الرسول- كفار "مكة" عن الساعة متى قيامها؟
قل لهم: عِلْمُ قيامها عند الله لا يظهرها إلا هو، ثَقُلَ علمها، وخفي على أهل السموات والأرض، فلا يعلم وقت قيامها ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل، لا تجيء الساعة إلا فجأة، يسألك هؤلاء القوم عنها كأنك حريص على العلم بها، مستقص بالسؤال عنها، قل لهم: إنما علمها عند الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك لا يعلمه إلا الله.
ثم بينت السورة الكريمة أن أمر الساعة مرده إلى الله - تعالى - ، وأن السائلين عن وقتها من الأحسن لهم أن يستعدوا لها بدل أن يكثروا من السؤال عن زمن مجيئها فقالت : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة .
.
.
) .قال الآلوسى : عن ابن عباس أن قوماً من اليهود قالوا : يا محمد ، أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا .
إنا نعلم متى هى ، وكان ذلك امتحاناً منهم ، مع عملهم أن الله - تعالى - قد استاثر بعلمها .
وأخرج ابن جرير عن قتادة أن جماعة من قريش قالوا : يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة فنزلت " .وقوله : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) استئناف مسوق لبيان بعض أنواع ضلالهم وطغيانهم .والساعة فى الأصل اسم لمدار قليل من الزمان غير معين ، وتطلق فى عرف الشرع على يوم القيامة وهو المراد بالسؤال هنا .وأطلق على يوم القيامة ساعة إما لوقوعه بغتة ، أو لسرعة ما فيه من الحساب ، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله - تعالى- .و ( أَيَّانَ ) ظرف زمان متضمن معنى متى .
و ( مُرْسَاهَا ) مصدر ميمى من أرساها إذا اثبته وأقره ، ولا يكاد يستعمل الإرساء إلا فى الشىء الثقيل كما فى قوله - تعالى - ( والجبال أَرْسَاهَا ) ونسبته هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه المعانى بالأجسام .
و ( أَيَّانَ ) خبر مقدم و ( مُرْسَاهَا ) مبتدأ مؤخر .والمعنى : يسألك يا محمد هؤلاء القوم عن الساعة قائلين أيان مرساها؟أى متى إرساؤها واستقرارها ، أو متى زمن مجيئها وحصولها؟وقوله ( قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ) جواب عن سؤالهم : أى : قل أيها الرسول الكريم : علم الساعة أو علم قيامها عند ربى وحده ليس عندى ولا عند غيرى من الخلق شىء منه .والتعبير بإنما المفيد للحصر للاشعار بأنه - سبحانه - هو الذى استأثر بعلم ذلك ولم يخبر أحدا به من ملك مقرب أو نبى مرسل .وقوله ( لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ) بيان لاستمرار إخفائها إلى حين قيامها وإقناط كلى عن إظهار أمرها بطريق الإخبار .والتجلية : الكشف والإظهار .
يقال : جلى لى الأمر وانجلى تجلية بمعنى : كشفه وأظهره أتم الإظهار .والمعنى : لا يكشف الحجاب عن خفائها ، ولا يظهرها للناس فى الوقت الذى يختاره إلا الله وحده .قال بعضهم : والسبب فى إخفاء الساعة عن العباد لكى يكونوا دائما على حذر ، فيكون ذلك أدعى للطاعة وأزجر عن المعصية ، فإنه متى علمها المكلف ربما تقاصر عن التوبة وأخرها .ثم عظم - سبحانه - أمر الساعة فقال ( ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض ) أى : كبرت أو شقت على أهلها لخوفهم من شدائدها وأهوالها وما فيها من محاسبة ومجازاة ، وعن السدى : أن من خفى عليه علم شىء كان ثقيلا عليه .أو المعنى : ثقلت عند الوقوع على نفس السموات حتى انشقت وانتثرت نجومها وكورت شمسها ، وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها ، وسجرت بحارها ، وقوله : " لا تأتيكم إلا بغتة " أى : لا تأتيكم إلا فجأة وعلى حين غفلة من غير توقع ولا انتظار .وقد وردت أحاديث متعددة تؤيد وقوع الساعة فجأة ، ومنها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه .
ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته - أى ناقته ذات اللبن - فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه - أى يطليه بالجص أو الطين - فلا يسقى فيه .
ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فمه فلا يطعمها " .ثم قال - تعالى - ( يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) .أى : يسألونك يا محمد هذا السؤال كأنك حفى عنها أى : كأنك عالم بها .
من حفى عن الشىء إذا بحث عن تعرف حاله بتتبع واستقصاء ومن بحث عن شىء وسأل عنه استحكم علمه به ، وعدى ( حَفِيٌّ ) بعن اعتباراً لأصل معناه ، وهو السؤال والبحث .قال صاحب الكشاف : ( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ) عالم بها .
وحقيقته كأنك بليغ فى السؤال عنها ، لأن من بالغ فى المسألة عن الشىء والتنقير عنه .
استحكم علمه فيه ورصن - أى ثبت وتمكن - ، وهذا التركيب معناه المبالغة ومنه احفاء الشارب ، واحتفاء البقل ، استئصاله ، وأحفى فى المسألة إذا ألحف - إى ألح وتشدد - وحفى بقلان وتحفى به : بالغ فى البربه .
وقيل : إن قريشا قالت له إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة؟
فقيل : يسألونك عنها كأنك حفى تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوى علمها عن غيرهم ، ولو أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها الله فى إخبارك به ، لكنت مبلغه للقريب والبعيد من غير تخصيص ، كسائر ما أوحى إليك .ثم قال : فإن قلت : لم كرر يسألونك وإنما علمها عند الله؟
قلت : للتأكيد ولما جاء به من زيادة قوله ( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ) وعلى هذا تكرير العلماء والحذاق " .وقال صاحب الانتصاف : وفى هذا النوع من التكرير نكتة لا تلقى إلا فى الكتاب العزيز ، وهو أجل من أن يشارك فيها .
وذاك أن المعهود فى أمثال هذا التكرار أن الكلام إذا بنى على مقصد واعتراض فى أثنائه عارض فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول وقد بعد عهده ، طرى بذكر المقصد الأول للتصل نهايته ببدايته ، وقد تقدم لذلك فى الكتاب العزيز أمثال ، وسيأتى ، وهذا منها فإنه لما ابتدأ الكلام .
بقوله ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) ثم اعترض ذكر الجواب المضمن فى قوله ( قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ) إلى قوله ( بَغْتَةً ) أن يدمغ تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم ، وهو المضمن فى قوله ( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ) وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده ، فطرى ذكره تطرية عامة ، ولا تراه أبداً يطرى إلا بنوع من الإجمال كالتذكرة للأول مستغنى عن تفصيله بما تقدم .فمن ثم قيل ( يَسْأَلُونَكَ ) ولم يذكر المسئول عنه وهو " الساعة " اكتفاء بما تقدم ، فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال : ( قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ) ويلاحظ هذا فى تلخيص الكلام بعد بسطه " .هذا ، وإذا كان علم الساعة مرده إلى الله وحده ، فإن هناك نصوصاً من الكتاب والسنة تحدثت عن أماراتها وعلاماتها ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) والأشراط : جمع شرط - بفتح الشين والراء - وهى العلامات الدالة على قربها ، وأعظم هذه العلامات بعثة النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ بها كمل الدين وما بعد الكمال إلا الزوال .وقد ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " بعثت أنا والساعة كهاتين " ويفرج بين أصبعيه الوسطى والسبابة .وفى حديث جبريل المشهور " أنه سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، فقال له ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، وسأخبرك أشراطها :" إذ ولدت الأمة ربها - أى سيدها - ، وإذا تطاول رعاة الإبل فى البنيان " " .ومن علامات الساعة - كما صرحت بذلك الأحاديث - قبض العلم ، ففى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " ومنها - أى من علامات الساعة - كثرة الزلازل ، وتقارب الزمان - اى قلة البركة فى الوقت بحيث يمر الشهر كأنه أسبوع ، وظهور الفتن وكثرة الهرج - أى القتل إلى غير ذلك من العلامات التى وردت فى الأحاديث النبوية ، وقد ساق بعض المفسرين وعلى رأسهم ابن كثير جملة منها .
اعلم أن في نظم الآية وجهين: الأول: أنه تعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبعه بالكلام في المعاد، لما بينا أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة.
الثاني: أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ﴿ وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ ﴾ باعثاً بذلك عن المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة ﴾ ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق، فيصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك السائل من هو؟
قال ابن عباس: إن قوماً من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية، وقال الحسن وقتادة: إن قريشاً قالوا: يا محمد بيننا وبينك قرابة، فاذكر لنا متى الساعة؟
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق.
المسألة الثالثة: أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذي يجيء، وهو سؤال عن الزمان وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى، وفي اشتقاقه قولان: المشهور أنه مأخوذ من الأين وأنكره ابن جني وقال: ﴿ أَيَّانَ ﴾ سؤال عن الزمان، وأين سؤال عن المكان، فكيف يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر.
والثاني: وهو الذي اختاره ابن جني أن اشتقاقه من أي فعلان منه، لأن معناه أي وقت ولفظة أي، فعل من أويت إليه، لأن البعض آو إلى مكان الكل متسانداً إليه هكذا.
قال ابن جني: وقرأ السلمي (إيان) بكسر الهمز.
المسألة الرابعة: مرساها المرسي هاهنا مصدر بمعنى الإرساء لقوله تعالى: ﴿ بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ أي إجراؤها وإرساؤها، والإرساء الإثبات يقال رسى يرسوا؛ إذا ثبت.
قال تعالى: ﴿ والجبال أرساها ﴾ فكان الرسو ليس اسماً لمطلق الثبات، بل هو اسم لثبات الشيء إذا كان ثقيلاً ومنه إرساء الجبل، وإرساء السفينة، ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة، بدليل قوله: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السموات والأرض ﴾ لا جرم سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها بالإرساء.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ﴾ أي لا يعلم الوقت الذي فيه يحصل قيام القيامة إلا الله سبحانه ونظيره قوله سبحانه: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ ولما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: متى الساعة فقال عليه السلام: «ليس المسؤول عنها بأعلم من السائل».
قال المحققون: والسبب في إخفاء الساعة عن العباد؟
أنهم إذا لم يعلموا متى تكون، كانوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال: ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا ﴾ التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره، والمعنى: لا يظهرها في وقتها المعين ﴿ إِلاَّ هُوَ ﴾ أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو.
ثم قال تعالى: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السموات والأرض ﴾ والمراد وصف الساعة بالثقل ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾ وأيضاً وصف الله تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيء عَظِيمٌ ﴾ ووصف عذابها بالشدة فقال: ﴿ وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين في تفسير قوله: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السموات والارض ﴾ وجوه: قال الحسن: ثقل مجيئها على السموات والأرض، لأجل أن عند مجيئها شققت السموات وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الأرض لأجل أن في ذلك اليوم تبدل الأرض غير الأرض، وتبطل الجبال والبحار، وقال أبو بكر الأصم: إن هذا اليوم ثقيل جداً على أهل السماء والأرض، لأن فيه فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب.
وقال قوم: إن هذا اليوم عظيم الثقل على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها إلى البعث والحساب والسؤال والخوف من الله في مثل هذا اليوم شديد.
وقال السدي: ﴿ ثَقُلَتْ ﴾ أي خفيت في السموات والأرض ولم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها.
وقال قوم: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السموات والأرض ﴾ أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السموات والأرض، وكما يقال في المحمول الذي يتعذر حمله أنه قد ثقل على حامله، فكذلك يقال في العلم الذي استأثر الله تعالى به أنه يثقل عليهم.
ثم قال: ﴿ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾ وهذا أيضاً تأكيد لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الساعة تفجأ الناس، فالرجل يصلح موضعه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم بسلعته في سوقه.
والرجل يخفض ميزانه ويرفعه».
وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك».
ثم قال تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الحفي وجوه: الأول: الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي: يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفياً، والحفي الكلام واللقاء الحسن، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً ﴾ أي باراً لطيفاً يجيب دعائي إذا دعوته، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره إن قريشاً قالت لمحمد عليه السلام: إن بيننا وبينك قرابة، فاذكر لنا متى الساعة.
فقال تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا ﴾ أي كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم.
والقول الثاني: ﴿ حَفِىٌّ عَنْهَا ﴾ أي كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها، وعلى هذا القول ﴿ حَفِىٌّ ﴾ فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال، ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في المسألة، أي استقصى.
فقوله: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ﴾ أي كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها.
قال صاحب الكشاف: هذا الترتيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وإحفاء البقل استئصاله، وأحفى في المسألة إذا ألحف، وحفى بفلان وتحفى به بالغ في البر به، وعلى هذا التقدير: فالقولان الأولان متقاربان.
المسألة الثانية: في قوله: ﴿ عَنْهَا ﴾ وجهان: الأول: أن يكون فيه تقديم وتأخير والتقدير: يسألونك عنها كأنك حفي بها ثم حذف قوله: بها لطول الكلام ولأنه معلوم لا يحصل الالتباس بسبب حذفه.
والثاني: أن يكون التقدير: يسألونك كأنك حفي بهم لأن لفظ الحفي يجوز أن يعدى تارة بالباء وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود ﴿ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ بِهَا ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها ﴾ سؤال عن وقت قيام الساعة وقوله ثانياً: ﴿ يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا ﴾ سؤال عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهابتها، فلم يلزم التكرار: أجاب عن الأول بقوله: ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي ﴾ .
وأجاب عن الثاني بقوله: ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ﴾ والفرق بين الصورتين أن السؤال الأول كان واقعاً عن وقت قيام الساعة.
والسؤال الثاني كان واقعاً عن مقدار شدتها ومهابتها، وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على غاية المهابة، وهو قولنا الله ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته المعين عن الخلق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْئَلُونَكَ ﴾ قيل: إن قوماً من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً، فإنا نعلم متى هي، وكان ذلك امتحاناً منهم، مع علمهم أن الله تعالى قد استأثر بعلمها.
وقيل: السائلون قريش.
و ﴿ الساعة ﴾ من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريا.
وسميت القيامة بالساعة، لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق.
﴿ أَيَّانَ ﴾ بمعنى متى.
وقيل؛ اشتقاقه من أيّ فعلان منه، لأنّ معناه أيّ وقت وأيّ فعل، من أويت إليه، لأنّ البعض آو إلى الكل متساند إليه، قاله ابن جني، وأبى أن يكون من ﴿ أين ﴾ لأنّه زمان، ﴿ وأين ﴾ مكان.
وقرأ السلمي ﴿ إيان ﴾ بكسر الهمزة ﴿ مرساها ﴾ إرساؤها، أو وقت إرسائها؛ أي إثباتها وإقرارها.
وكل شيء ثقيل رسّوه ثباته واستقراره.
ومنه رسي الجبل وأرسي السفينة.
والمرسى: الأنجر الذي ترسى به، ولا أثقل من الساعة، بدليل قوله ﴿ ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض ﴾ والمعنى حتى يرسيها الله ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا ﴾ أي علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به، ولم يخبر به أحداً من ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، يكاد يخفيها من نفسه، ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك ﴿ لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ أي لا تزال خفية، لا يظهر أمرها ولا يكشف خفاء علمها إلاّ هو وحده إذا جاء في وقتها بغتة، لا يجليها بالخبر عنها قبل مجيئها أحد من خلقه، لاستمرار الخفاء بها على غيره إلى وقت وقوعها ﴿ ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض ﴾ أي كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة، وبودّه أن يتجلى له علمها وشقّ عليه خفاؤها وثقل عليه.
أو ثقلت فيها لأن أهلها يتوقعونها ويخافون شدائدها وأهوالها.
أو لأنّ كل شيء لا يطيقها ولا يقوم لها فهي ثقيلة فيها ﴿ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾ إلاّ فجأة على غفلة منكم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوّم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه» ﴿ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ﴾ كأنك عالم بها.
وحقيقته: كأنك بليغ في السؤال عنها، لأنّ من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه، استحكم فيه ورصن وهذا التركيب معناه المبالغة.
ومنه إحفاء الشارب.
إحتفاء البقل: استئصاله.
وأحفى في المسألة، إذا ألحف وحفي بفلان وتحفى به: بالغ في البرّ به.
وعن مجاهد: استحفيت عنها السؤال حتى علمت.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ كأنك حفيّ بها ﴾ أي عالم بها بليغ في العلم بها.
وقيل: ﴿ عَنْهَا ﴾ متعلق بيسئلونك: أي يسئلونك عنها كأنك حفيّ أي عالم بها.
وقيل: إن قريشاً قالوا له إن بيننا وبينك قرابة، فقل لنا متى الساعة؟
فقيل: يسئلونك عنها كأنك حفيّ تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوي علمها عن غيرهم، ولو أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها الله في إخبارك به، لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص، كسائر ما أوحي إليك.
وقيل: كأنك حفيّ بالسؤال عنها تحبه وتؤثره، يعني أنك تكره السؤال عنها لأنها من علم الغيب الذي استأثر الله به ولم يؤته أحداً من خلقه.
فإن قلت: لم كرر يسئلونك وإنما علمها عند الله؟
قلت: للتأكيد، ولما جاء به من زيادة قوله: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ﴾ وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في كتبهم لا يخلون المكرر من فائدة زائدة، منهم محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنه العالم بها، وأنه المختص بالعلم بها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ ﴾ أيْ عَنِ القِيامَةِ، وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ وإطْلاقُها عَلَيْها إمّا لِوُقُوعِها بَغْتَةً أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِها، أوْ لِأنَّها عَلى طُولِها عِنْدَ اللَّهِ كَساعَةٍ.
﴿ أيّانَ مُرْساها ﴾ مَتى إرْساؤُها أيْ إثْباتُها واسْتِقْرارُها ورُسُوُّ الشَّيْءِ ثَباتُهُ واسْتِقْرارُهُ، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ وأرْسى السَّفِينَةَ، واشْتِقاقُ ﴿ أيّانَ ﴾ مِن أيٍّ لِأنَّ مَعْناهُ أيُّ وقْتٍ، وهو مِن أوَيْتُ إلَيْهِ لِأنَّ البَعْضَ أوى إلى الكُلِّ.
﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ اسْتَأْثَرَ بِهِ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا ولا نَبِيًّا مُرْسَلًا.
﴿ لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها ﴾ لا يُظْهِرُ أمْرَها في وقْتِها.
﴿ إلا هُوَ ﴾ والمَعْنى أنَّ الخَفاءَ بِها مُسْتَمِرٌّ عَلى غَيْرِهِ إلى وقْتِ وُقُوعِها، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ كاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ .
﴿ ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ عَظُمَتْ عَلى أهْلِها مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ لِهَوْلِها، وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى الحِكْمَةِ في إخْفائِها.
﴿ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً ﴾ إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ السّاعَةَ تَهِيجُ بِالنّاسِ والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ والرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ والرَّجُلُ يُقَوِّمُ سِلْعَتَهُ في سُوقِهِ والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ» .
﴿ يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ﴾ عالِمٌ بِها، فَعِيلٌ مِن حَفى عَنِ الشَّيْءِ إذا سَألَ عَنْهُ، فَإنَّ مَن بالَغَ في السُّؤالِ عَنِ الشَّيْءِ والبَحْثِ عَنْهُ اسْتَحْكَمَ عِلْمُهُ فِيهِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَنْ.
وقِيلَ هي صِلَةُ ﴿ يَسْألُونَكَ ﴾ .
وقِيلَ هو مِنَ الحَفاوَةِ بِمَعْنى الشَّفَقَةِ فَإنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةً فَقُلْ لَنا مَتى السّاعَةُ، والمَعْنى يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ تَتَحَفّى بِهِمْ فَتَخُصُّهم لِأجْلِ قَرابَتِهِمْ بِتَعْلِيمِ وقْتِها.
وقِيلَ مَعْناهُ كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِالسُّؤالِ عَنْها تُحِبُّهُ، مِن حَفى بِالشَّيْءِ إذا فَرِحَ أيْ تُكْثِرُهِ لِأنَّهُ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ﴾ كَرَّرَهُ لِتَكْرِيرِ يَسْألُونَكَ لِما نِيطَ بِهِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ ولِلْمُبالَغَةِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)
ولما سألت اليهود أو قريش عن الساعة متى تكون نزل {يسألونك عن الساعة} هى من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسباها أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق {أَيَّانَ} متى واشتقاقه من أي فعلان منه لأن معناه أي وقت {مرساها} إرساؤها مصدر مثل المدخل بمعنى الإدخال أو وقت إرسائها أي إثباتها والمعنى متى يرسيها الله {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي} أي علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به لم يخبربه أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك {لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} لا يظهر امرها ولا يكشف خفاء علمها إلا هو توحده {ثقلت في السماوات والأرض} أى كل من أهل ها عليه أو ثقلت فهيا لأن أهلها يخافون شدائدها وأهوالها {لاَ تَأْتِيكُمْ إلا بغتة} فجاة على غفلة منكم {يسألونك كأنك حفي عنها} كأنمك علام بها وحقيقته كأنكم بليغ في السؤال عنها لأن من بالغ فى المسألة عن الشئ والتنقير عنه استحكم علمه فيها وأصل
هذا التركيب المبالغة ومنه إحفاء الشارب أو عنها متعلق يسئلونك أى يسئلونك عنها كأنك حفي أي عالم بها {قُلْ إنما علمها عند الله} وكرر يسئلونك وإنما
الأعراف ١٧٧ ١٨٠ عِلْمُهَا عِندَ الله للتأكيد ولزيادة كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا وعلى هذا تكرير العلماء في كتبهم لا يخلون المكرر من فائدة منهم محمد بن الحسن رحمه الله {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} أنه المختص بالعلم بها
ثُمَّ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ اقْتِرابِ أجَلِهِمْ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ سُؤالِهِمْ عَنِ السّاعَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ ﴾ وقِيلَ هو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضِ طُغْيانِهِمْ وضَلالِهِمْ، والسّاعَةُ في الأصْلِ اسْمٌ لِمِقْدارٍ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وهي عِنْدَ المُنَجِّمِينَ جُزْءٌ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَنْقَسِمُ إلى مُعْوَجَّةٍ ومُسْتَوِيَةٍ، وتُطْلَقُ في عُرْفِ الشَّرْعِ عَلى يَوْمِ مَوْتِ الخَلْقِ وعَلى يَوْمِ قِيامِ النّاسِ لِرَبِّ العالَمِينَ، وفَسَّرُوها بِيَوْمِ القِيامَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِنهُ أحَدُ ذَيْنِكَ اليَوْمَيْنِ وإنْ كانَ المَشْهُورُ فِيهِ اليَوْمَ الآخِرَ، والظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ اليَوْمُ الأوَّلُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، والسّاعَةُ في ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، ووَجْهُ إطْلاقِها عَلَيْهِ وكَذا عَلى وقْتِ القِيامِ ظاهِرٌ إنْ أُرِيدَ زَمانُ المَوْتِ أوْ زَمانُ القِيامِ بِدُونِ مُلاحَظَةِ الِامْتِدادِ لِظُهُورِ أنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ في نَفْسِهِ، وإنْ أُرِيدَ الزَّمانُ المُمْتَدُّ فَإطْلاقُها عَلَيْهِ إمّا لِمَجِيئِهِ بَغْتَةً كَما قِيلَ، أوْ لِأنَّهُ يُدْهِشُ مَن يَأْتِيهِمْ فَيَقِلُّ عِنْدَهم أوْ يُقَلِّلُ ما قَبْلَهُ، أوْ لِأنَّهُ عَلى طُولِهِ قَدْرٌ يَسِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِالضِّدِّ تَمْلِيحًا كَما يُسَمّى الأسْوَدُ كافُورًا، والسّائِلُ عَنْ ذَلِكَ أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ قالَ حِمْلُ ابْنُ أبِي قُشَيْرٍ وسَمْوَلُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَقُولُ؛ فَإنّا نَعْلَمُ مَتى هِيَ؟
وكانَ ذَلِكَ امْتِحانًا مِنهم مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.
وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ السّائِلَ قُرَيْشٌ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، أسِرَّ إلَيْنا مَتى السّاعَةُ لِما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ القَرابَةِ.
فَنَزَلَتْ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أيّانَ مُرْساها ﴾ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أيّانَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها وهو لُغَةٌ فِيها، وهي ظَرْفُ زَمانٍ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ ويَلِيها المُبْتَدَأُ أوِ الفِعْلُ المُضارِعُ دُونَ الماضِي بِخِلافِ مَتى حَيْثُ يَلِيها كِلاهُما، والتَّحْقِيقُ أنَّها بَسِيطَةٌ مُرْتَجَلَةٌ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِن أيٍّ وهي فَعْلانُ مِنهُ لِأنَّ مَعْناهُ أيَّ وقْتٍ، وأيَّ فِعْلٍ، وأيٌّ مِن أوَيْتُ بِمَعْنى رَجَعْتُ؛ لِأنَّ بابَ طَوَيْتُ وشَوَيْتُ أضْعافُ بابِ حَيَيْتُ ووَعَيْتُ ولِقُرْبِهِ مِنهُ مَعْنًى لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ ومُسْتَنِدٌ إلَيْهِ، وأصْلُهُ عَلى هَذا أوِيٌّ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ أيًّا، وإنَّما لَمْ تُجْعَلْ أيّانَ فِعْلًا لا مِن أيْنَ لِأنَّها ظَرْفُ زَمانٍ وأيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ أصْلَها أيَّ أوانٍ، أوْ أيَّ آنٍ؛ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وتَعَقَّبَ في الكَشْفِ حَدِيثَ الِاشْتِقاقِ مِن أيٍّ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ النَّمْلِ ولَوْ سُمِّيَ بِهِ لَكانَ فَعالًا مِن آنَ يَئِينُ ولا تُصْرَفُ، ثُمَّ قالَ: والوَجْهُ ما ذَكَرَهُ هُناكَ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ في غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ لا وجْهَ لَهُ.
ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ اشْتِقاقُهُ مِن أيٍّ أوْلى مِنَ اشْتِقاقِهِ مِنَ الأيْنِ بِمَعْنى الحَيْنُونَةِ؛ لِأنَّ أيّانَ زَمانٌ، وكَأنَّهُ غَيَّرَهُ الِاسْتِفْهامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ بِالتَّضْمِينِ كَما في مَتى ونَحْوِهِ، وكَذَلِكَ اشْتِقاقُ أيٍّ مِن أوَيْتُ لا وجْهَ لَهُ إلّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ يَجُوزُ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ كَما في حِمارِ قَبّانٍ.
اه.
وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ أمْرٌ قَدَّرُوهُ لِلِامْتِحانِ ولِيُعْلَمَ حُكْمُها إذا سُمِّيَ بِها فَلا يُنافِي ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وكَذا لا يُنافِي لِتَحْقِيقٍ فَتَأمَّلْ، وأيًّا ما كانَ فَهي في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ومَرْساها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَن أرْساهُ إذا أثْبَتَهُ وأقَرَّهُ أيْ: مَتى إثْباتُها وتَقْرِيرُها؟
ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ الإرْساءُ إلّا في الشَّيْءِ الثَّقِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ ومِنهُ مُرْساةُ السُّفُنِ، ونِسْبَتُهُ هُنا إلى السّاعَةِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِ المَعانِي بِالأجْسامِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ زَمانٌ، وفي جَوازِهِ خِلافُ الفَلاسِفَةِ لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ بِمَتى وُقُوعُ ذَلِكَ؟
والجُمْلَةُ قِيلَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ يَسْألُونَكَ؛ أيْ: يَسْألُونَكَ قائِلِينَ: أيّانَ مُرْساها؟
وقِيلَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ عَنِ السّاعَةِ.
والتَّحْقِيقُ عِنْدَ بَعْضِ جُلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَحَلَّها النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ لِأنَّها بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لا مِنَ المَجْرُورِ فَقَطْ، وفي تَعْلِيقِ السُّؤالِ بِنَفْسِ السّاعَةِ أوَّلًا وبِوَقْتِ وُقُوعِها ثانِيًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ مِنَ السُّؤالِ نَفْسُها بِاعْتِبارِ حُلُولِها في وقْتِها المُعَيَّنِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَحَلًّا لَها، وما في الجَوابِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ مُخَرَّجٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أيْ: إنَّ عِلْمَها بِالِاعْتِبارِ المَذْكُورِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لا غَيْرُ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: إنَّما عِلْمُ وقْتِ إرْسائِها عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وبَعْضُهم حَيْثُ غَفَلَ عَنِ النُّكْتَةِ المُشارِ إلَيْها حَمَلَ النَّظْمَ الجَلِيلَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ أبِي البَقاءِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً أنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِهِ حَيْثُ لَمْ يُخْبِرْ أحَدًا بِهِ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أوْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَوْفِيقَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْجَوابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ والإرْشادِ وهو أوْلى مِمّا سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ ﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ خَفائِها إلى حِينِ قِيامِها، وإقْناطٌ كُلِّيٌّ عَنْ إظْهارِ أمْرِها بِطَرِيقِ الإخْبارِ، والتَّجْلِيَةُ الكَشْفُ والإظْهارُ، واللّامُ لامُ التَّوْقِيتِ، واخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ: هي بِمَعْنى فِي، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: بِمَعْنى عِنْدَ، وقالَ الرَّضِيُّ: هي اللّامُ المُفِيدَةُ لِلِاخْتِصاصِ، وهو عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ إمّا أنْ يَخْتَصَّ الفِعْلُ بِالزَّمانِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ كَ كَتَبْتُ لِغُرَّةِ كَذا أوْ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ نَحْوَ: لِخَمْسٍ خَلَوْنَ أوْ قَبْلَهُ نَحْوَ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ، ومَعَ الإطْلاقِ يَكُونُ الِاخْتِصاصُ لِوُقُوعِهِ فِيهِ وإلّا فَحَسْبَ القَرِينَةِ، وفَسَّرَها هُنا غَيْرُ واحِدٍ بِفي.
والمَعْنى: لا يَكْشِفُ عَنْها ولا يُظْهِرُ لِلنّاسِ أمْرَها الَّذِي تَسْألُونَ عَنْهُ إلّا الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ فَيَتَوَسَّطُ في إظْهارِهِ لَهُمْ، لَكِنْ لا بِأنْ لا يُخْبِرَهم بِوَقْتِها كَما هو المَسْؤُولُ بَلْ بِأنْ يُقِيمَها فَيَعْلَمُوها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّجْلِيَةِ وهو قَيْدٌ لَها بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُجَلِّيها إلّا هو في وقْتِها إلّا أنَّهُ قُدِّمَ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ تَجَلِّيَها لَيْسَ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِوَقْتِها بَلْ بِإظْهارِ عَيْنِها في وقْتِها الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ، والمُرادُ: كَبُرَتْ وعَظُمَتْ عَلى أهْلِهِما حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا وقْتَ وُقُوعِها.
وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ مَن خَفِيَ عَلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ كانَ ثَقِيلًا عَلَيْهِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى: عَظُمَتْ عَلى أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ حَيْثُ يُشْفِقُونَ مِنها ويَخافُونَ شَدائِدَها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ المُرادَ ثَقُلَ عِلْمُها عَلَيْهِمْ فَلا يَعْلَمُونَها، ويَرْجِعُ إلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، وقِيلَ: المَعْنى: ثَقُلَتْ عِنْدَ الوُقُوعِ عَلى نَفْسِ السَّمَواتِ حَتّى انْشَقَّتْ وانْتَثَرَتْ نُجُومُها وكُوِّرَتْ شَمْسُها وعَلى نَفْسِ الأرْضِ حَتّى سُيِّرَتْ جِبالُها وسُجِّرَتْ بِحارُها وكانَ ما كانَ فِيها، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: وعَلَيْهِ فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وكَلِمَةُ في عَلى سائِرِ الأوْجُهِ اسْتِعارَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى تَمَكُّنِ الفِعْلِ كَما لا يَخْفى.
﴿ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً ﴾ أيْ: إلّا فَجْأةً عَلى حِينِ غَفْلَةٍ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ رَجُلانِ ثَوْبَهُما فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها»».
﴿ يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ﴾ أيْ: عالِمٌ بِها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ (فَحَفِيٌّ) فَعِيلٌ مِن حَفِيَ عَنِ الشَّيْءِ إذا بَحَثَ عَنْ تَعَرُّفِ حالِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الحَفاوَةَ في الأصْلِ الِاسْتِقْصاءُ في الأمْرِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ قالَ الأعْشى: فَإنْ تَسْألُوا عَنِّي فَيا رُبَّ سائِلٍ حَفِيٍّ عَنِ الأعْشى بِهِ حَيْثُ أصْعَدا ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، وتُطْلَقُ أيْضًا عَلى البِرِّ واللُّطْفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ والمَعْنى المُرادُ هُنا مُتَفَرِّعٌ عَلى المَعْنى الأوَّلِ؛ لِأنَّ مَن بَحَثَ عَنْ شَيْءٍ وسَألَ عَنْهُ اسْتَحْكَمَ عِلْمَهُ بِهِ، فَأُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ مَجازًا أوْ كِنايَةً وعُدِّيَ الوَصْفُ بِعْنَ اعْتِبارًا لِأصْلِ مَعْناهُ؛ وهو السُّؤالُ والبَحْثُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الكَشْفِ ولَوْلا ذَلِكَ لَعُدِّيَ بِالباءِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الباءِ، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَآ بِها.
والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ يَسْألُونَكَ أيْ: مُشَبَّهًا حالُكَ عِنْدَهم بِحالِ مَن هو (حَفِيٌّ)، وقِيلَ: إنَّ عَنْها مُتَعَلِّقٌ بِ يَسْألُونَكَ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ وصِلَةُ (حَفِيٌّ) مَحْذُوفَةٌ أيْ: بِها أوْ بِهِمْ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ (حَفِيٌّ) مِنَ الحَفاوَةِ بِمَعْنى الشَّفَقَةِ، فَإنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةً فَقُلْ لَنا مَتى السّاعَةُ؟
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وتُرْجُمانِ القُرْآنِ أيْضًا، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ عِنْدَكَ عِلْمُها لَكِنْ تَكْتُمُهُ فَلِشَفَقَتِكَ عَلَيْهِمْ طَلَبُوا مِنكَ أنْ تَخُصَّهم بِهِ، وتَعَلُّقُ (عَنْ) عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَحْذُوفٍ كَ: تُخْبِرُهم وتَكْشِفُ لَهم عَنْها بِعِيدٌ، وقِيلَ: هُوَ مِن حَفِيَ بِالشَّيْءِ إذا فَرِحَ بِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وغَيْرِهِما، والمَعْنى كَأنَّكَ فَرِحٌ بِالسُّؤالِ عَنْها تُحِبُّهُ، و(عَنْ) عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ - بِحَفِيٍّ - كَما قِيلَ: لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى السُّؤالِ، والكَلامُ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ خَطَئِهِمْ في تَوْجِيهِ السُّؤالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عالِمٌ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ أوْ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الرِّسالَةِ أثَرَ بَيانِ خَطَئِهِمْ في أصْلِ السُّؤالِ بِإعْلامِ بَيانِ المَسْؤُولِ عَنْهُ، وفي الِانْتِصافِ في تَوْجِيهِ تَكْرِيرِ يَسْألُونَكَ أنَّ المَعْهُودَ في أمْثالِ ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ إذا بُنِيَ عَلى مَقْصِدٍ وعَرَضَ في أثْنائِهِ عارِضٌ فَأُرِيدَ الرُّجُوعُ لِتَتِمَّةِ المَقْصِدِ الأوَّلِ وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ وطُوِيَ ذِكْرُهُ لِتَتَّصِلَ النِّهايَةُ بِالبِدايَةِ، وهُنا لَمّا ابْتَدَأ الكَلامَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها ﴾ ثُمَّ اعْتُرِضَ ذِكْرُ الجَوابِ بِقُلْ إلى بَغْتَةٍ أُرِيدَ تَتِمَّةُ سُؤالِهِمْ عَنْها بِوَجْهٍ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وهو المُضَمَّنُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ﴾ وهو شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِالسُّؤالِ وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ فَطُرِّيَ ذِكْرُهُ لِيَلِيَهُ تَمامُهُ، ولا تَراهُ أبَدًا يُطْرِي إلّا بِنَوْعٍ مِنَ الإجْمالِ، ومِن ثَمَّ لَمْ يَذْكُرِ المَسْؤُولَ عَنْهُ وهو السّاعَةُ اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ لَمّا كَرَّرَ جَلَّ وعَلا السُّؤالَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ كَرَّرَ الجَوابَ أيْضًا مُجْمَلًا فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ ذِكْرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ هُنا، وذَكَرَ المُحَقِّقُ الأوَّلُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِإعادَةِ الجَوابِ الأوَّلِ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ وتَقْرِيرًا لَهُ وإشْعارًا بِعِلَّتِهِ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ بِإيرادِ اسْمِ الذّاتِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِتْباعِها لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ وتَمْهِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِجَهْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ السُّؤالَ الأوَّلَ كانَ عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وهَذا السُّؤالُ كانَ عَنْ كَيْفِيَّتِها وتَفْصِيلِ ما فِيها مِنَ الشَّدائِدِ والأحْوالِ قِيلَ: ولِذَلِكَ خُصَّ جَوابُهُ بِاسْمِ الذّاتِ إذْ هو أعْظَمُ الأسْماءِ مَهابَةً، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ النَّيْسابُورِيُّ ونُقِلَ عَنِ الإمامِ وغَيْرِهِ، ولا أرى لَهم مُسْنَدًا في ذَلِكَ، ومَفْعُولُ العِلْمِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِهِمْ مَحْذُوفٌ: أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ مِنَ اخْتِصاصِ عِلْمِها بِهِ تَعالى فَبَعْضُهم يُنْكِرُها رَأْسًا فَلا يَسْألُ عَنْها إلّا مُتَلاعِبًا، وبَعْضُهم يَعْلَمُ أنَّها واقِعَةٌ البَتَّةَ ويَزْعُمُ أنَّكَ واقِفٌ عَلى وقْتِ وُقُوعِها فَيَسْألُ جَهْلًا، وبَعْضُهم يَزْعُمُ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الرِّسالَةِ فَيَتَّخِذُ السُّؤالَ ذَرِيعَةً إلى القَدْحِ فِيها، والواقِفُ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ ويَسْألُ امْتِحانًا مُلْحَقٌ بِالجاهِلِينَ لِعَدَمِ عِمْلِهِ بِعَمَلِهِ هَذا، وإنَّما أخْفى سُبْحانَهُ أمْرَ السّاعَةِ اقْتِضاءَ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ ذَلِكَ فَإنَّهُ أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ كَما أنَّ إخْفاءَ الأجَلِ الخاصِّ لِلْإنْسانِ كَذَلِكَ، ولَوْ قِيلَ بِأنَّ الحِكْمَةَ التَّكْوِينِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا لَمْ يَبْعُدْ، وظاهِرُ الآياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْلَمْ وقْتَ قِيامِها.
نَعَمْ عَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرْبَها عَلى الإجْمالِ وأُخْبِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ.
فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ، وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى»».
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا أيْضًا: ««إنَّما أجَلُكم فِيمَن مَضى قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ مِن صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ»».
وجاءَ في غَيْرِ ما أثَرٍ أنَّ عُمْرَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بُعِثَ في أواخِرِ الألِفِ السّادِسَةِ، ومُعْظَمُ المِلَّةِ في الألِفِ السّابِعَةِ.
وأخْرَجَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عِدَّةَ أحادِيثَ في أنَّ عُمْرَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وذَكَرَ أنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الأُمَّةِ تَزِيدُ عَلى ألْفِ سَنَةٍ ولا تَبْلُغُ الزِّيادَةُ عَلَيْها خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْبارٍ وآثارٍ ذَكَرَها في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ - بِالكَشْفِ عَنْ مُجاوَزَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ الألْفَ - وسَمّى بَعْضُهم لِذَلِكَ هَذِهِ الألِفَ الثّانِيَةِ بِالمُخَضْرَمَةِ؛ لِأنَّ نِصْفَها دُنْيا ونِصْفَها الآخَرَ أُخْرى، وإذا لَمْ يَظْهَرِ المَهْدِيُّ عَلى رَأْسِ المِائَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها يَنْهَدِمُ جَمِيعُ ما بَناهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَهُ، وكَأنِّي بِكَ تَراهُ مُنْهَدِمًا، ونَقَلَ السَّفارِينِيُّ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّهم زَعَمُوا أنَّ تَدْبِيرَ العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لِلسُّنْبُلَةِ فَإذا تَمَّ دَوْرُها وقَعَ الفَسادُ والدُّثُورُ في العالَمِ فَإذا عادَ الأمْرُ إلى المِيزانِ تَجْتَمِعُ المَوادُّ ويُقَدَّرُ النُّشُورُ عَوْدًا، وقالَ البِكْرِيُّ: إنَّ سُلْطانَ الحَمَلِ عِنْدَهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، وسُلْطانَ الثَّوْرِ دُونَهُ بِألِفٍ، وهَكَذا يَنْقُصُ ألْفَ ألْفٍ إلى الحُوتِ فَيَكُونُ سُلْطانُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، فَإذا كَمُلَتِ انْقَضى عالَمُ الكَوْنِ والفَسادِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ هَرْمَسَ وادَّعى أنَّهُ قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حُكْمِ الحَمَلِ والثَّوْرِ والجَوْزاءِ عَلى الأرْضِ حَيَوانٌ فَلَمّا كانَ حُكْمُ السَّرَطانِ تَكَوَّنَتْ دَوابُّ الماءِ وهو أُمُّ الأرْضِ ولَمّا كانَ حُكْمُ الأسَدِ تَكَوَّنَتِ الدَّوابُّ ذَواتُ الأرْبَعِ، ولَمّا كانَ حُكْمُ السُّنْبُلَةِ تَوَلَّدَ الإنْسانانِ الأوَّلانِ؛ آدَمُ نَوْسٌ وحَوّا نَوْسٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مُدَّةَ العالَمِ مِقْدارُ قَطْعِ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ لِدَرَجِ الفَلَكِ، والكَوْكَبُ مِنها يَقْطَعُ البُرْجَ بِزَعْمِهِ في ثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ سِتٌّ وثَلاثُونَ ألْفَ سَنَةٍ.
انْتَهى.
ولا يَخْفى عَلى مَنِ اطَّلَعَ عَلى كُتُبِ الأرْصادِ والزِّيجاتِ أنَّ الأدْوارَ عِنْدَهم ثَلاثَةٌ: أكْبَرُ وأوْسَطُ وأصْغَرُ ويُسَمُّونَها التَّسْيِيراتِ، وهي عَلى السَّوِيَّةِ في جَمِيعِ البُرُوجِ؛ فالدَّوْرُ الأكْبَرُ ما يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ كُلِّ دَرَجَةٍ بِمِائَةِ سَنَةٍ، والأوْسَطُ ما يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ كُلِّ دَرَجَةٍ بِعَشْرِ سِنِينَ والأصْغَرُ ما يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ كُلِّ دَرَجَةٍ بِسَنَةٍ، وعِنْدَهم دَوْرٌ أعْظَمُ ويُسَمُّونَهُ أيْضًا التَّسْيِيرَ الأعْظَمَ وهو ما يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ كُلِّ دَرَجَةٍ بِألْفِ سَنَةٍ، والتَّسْيِيرُ اليَوْمَ في المِيزانِ وقَدْ مَضى مِنهُ أرْبَعُ دَرَجاتٍ وسِتٌّ وخَمْسُونَ دَقِيقَةً وإحْدى وثَلاثُونَ ثانِيَةً واثْنَتا عَشْرَةَ ثالِثَةً، وإذا اعْتُبِرَتْ مُدَّةُ ذَلِكَ مِن نُقْطَةِ رَأْسِ الحَمَلِ إلى هُنا بَلَغَتْ مِائَةَ ألْفِ سَنَةٍ وأرْبَعًا وثَمانِينَ ألْفَ سَنَةٍ وتِسْعَمِائَةٍ وثَلاثًا وأرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّ مُدَّةَ حَرَكَةِ الثَّوابِتِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ بَطْلَيْمُوسَ في كُلِّ بُرْجٍ ألْفانِ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وسِتُّونَ سَنَةً وثَمانِيَةُ أشْهُرٍ وسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وتِسْعَ عَشْرَةَ ساعَةً، وإذا ضُرِبَ ذَلِكَ في اثْنَيْ عَشَرَ عِدَّةِ البُرُوجِ خَرَجَ مُدَّةُ قَطْعِها الفَلَكَ كُلَّهُ وهو أقَلُّ مِمّا ذَكَرَهُ بِكَثِيرٍ، ولَعَلَّ المُرادَ بِدَوْرِ البُرْجِ ما أُرِيدَ بِسُلْطانِهِ مِن حُكْمِ تَأْثِيرِهِ والتَّأثُّرِ العادِيِّ عَلى ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ كُتُبِ القَوْمِ بِحُكْمِ الأصالَةِ لِلْبُرْجِ وهو الَّذِي يَفِيضُ عَلى الكَواكِبِ النّازِلِ فِيهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلْطانًا، والحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي المَحِيصُ عَنْهُ القَوْلُ بِحُدُوثِ العالَمِ حُدُوثًا زَمانِيًّا ولا يَعْلَمُ أوَّلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ عُمْرُ الدُّنْيا وأوَّلُ النَّشْأةِ الإنْسانِيَّةِ ومُدَّةُ بَقائِها في هَذا العالَمِ وقَدْرُ زَمانِ لُبْثِها في البَرْزَخِ كُلُّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وجَمِيعُ ما ورَدَ في هَذا البابِ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ لا سَنَدَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِأكْثَرِها، ووَراءَ هَذا أقْوالٌ لِأهْلِ الصِّينِ وغَيْرِهِمْ هي أدْهى وأمَرُّ مِمّا تَقَدَّمَ، وبِالجُمْلَةِ الباقِي مِن عُمْرِ الدُّنْيا عِنْدَ مَن يَقُولُ بِفَنائِها أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الماضِي مِن ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ما هُناكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أي: قيام الساعة أَيَّانَ مُرْساها أي متى حينها وقيامها.
ويقال: هذا الكلام على الاختصار.
ومعناه: أي أوان قيامها.
ثم قال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي: علم قيام الساعة عند ربي وما لي بها من علم لاَ يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ أي لا يكشفها لحينها إلا الله.
ويقال: لا يقدر أحد على إظهارها إلا هو.
يعني: إلا الله.
ويقال: لا يعلم أحد قيامها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ثقل علم قيام الساعة على أهل السموات وأهل الأرض.
ويقال: ثقلت أي: خفي علمها، وإذا خفي الشيء ثقل علمه.
ويقال: معناه ثقل حمل ذكرها لفظاعة شأنها وأمرها.
ثم قال: لاَ تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يعني: فجأة.
ثم قال: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قال مقاتل: كأنك استحفيت عنها السؤال حتى علمتها.
وقال القتبي: أي: كأنك حفي تطلب علمها.
ومنه يقال: تحفى فلان بالقوم إذا بالغ في البر.
ويقال: كأنك حفي عنها أي كأنك جاهل بها.
ويقال: في الآية تقديم ومعناه: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها يعني: كأنك عالم بها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وروى إبراهيم بن يوسف بإسناده أن النبي سأله رجل فقال: متى الساعة؟
فقال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ عَشْرَةٌ يَقْرَبُ فِيهَا المَاحِلُ وَيَطْرُفُ فِيها الفَاجِرُ وَيَعْجَزُ فِيها المُنْصِفُ وَتَكُونُ الصَّلاَةُ منّاً والزَّكَاةُ مَغْرَماً وَالأَمَانَةُ مَغْنَماً وَاسْتِطَالَةُ القُرَّاءِ فَعِنْدَ ذلك تَكُونُ أَمَارَةُ الصِّبْيانِ وَسُلْطَانُ النِّساءِ وَمَشُورَةُ الإِماءِ» .
ثم قال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ يعني: علم قيامها عِندَ الله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أنها كائنة ولا يصدقون بها.
قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا قال مقاتل: يعني لا أقدر لنفسي أن أسوق إليها خيراً أو أدفع عنها ضراً حين ينزل بي فكيف أملك علم الساعة إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فيصيبني وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي غيب النفع والضر إذ جاء لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يعني: لاستكثرت من النفع وما أصابني الضر.
وقال الكلبي: أن أهل مكة قالوا له ألا يخبرك ربك بالبيع الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه فتربح فيه؟
فنزل قل لهم: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ للجدوبة والقحط.
ويقال: لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح.
وقال الضحاك: قال لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا يعني الغنى والفقر إلا ما شاء الله إن شاء أغنى عبده وإن شاء أفقره وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي مواضع الكنوز لاستخرجتها وما مسني السوء يعني: الفقر إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ أي مخوف بالنار وَبَشِيرٌ يعني: مبشراً بالجنة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون بالبعث.
<div class="verse-tafsir"
التدَارُكِ، ووجَبَ عليهم المحذورُ، ثم وقفهم «بِأَيِّ حديثٍ» أو أمْرٍ يقعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إِذا لم يقع بأمْرٍ فيه نجاتُهم، ودخولُهم الجَنَّةَ ونحو هذا المعنى قولُ الشاعر: [الطويل]
...............
......
...
وَعنْ أَيّ نَفْسٍ دُونَ نَفْسِي أُقَاتِلُ «١»
والضمير في بَعْدَهُ يراد به القُرْآن.
وقيل: المراد به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعَ، وقيل: هو عائد على الأجَلِ، أي:
بعد الأجل، إِذ لا عَمَلَ بعد الموت.
وقوله سبحانه: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ...
الآية: هذا شرطٌ وجوابٌ، مضمَّنه اليأْسُ منهم، والمَقْتُ لهم لأن المراد أَنَّ هذا قد نزل بهم، والطغيان: الإفراطُ في الشيء، وكأنه مستعملٌ في غير الصَّلاح، والعمه: الحيرة.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
وقوله سبحانك: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ، قال قتادة: السائِلُونَ: هم قريش «٢» .
وقال ابن عباس: هم أحبار اليهود «٣» .
ت: وفي «السِّيرَة» لابنِ هشامٍ: أَن السائلين من أحبار اليهود: حَمَلُ بْنُ أبي قُشَيْرٍ، وَسَمَوْءلُ بْنُ زَيْدٍ.
انتهى.
والساعة: القيامة مُوِّتَ كُلّ من كان حَيًّا حينئذٍ، وبعث الجميع، وأَيَّانَ: معناه مَتَى، وهي مبنيَّةٌ على الفتْحِ، قال الشاعر: [الرجز]
أَيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أَيَّانَا ...
أَمَا ترى لِفعْلِهَا أبانا «١»
ومُرْساها معناه: مُثْبَتُها ومُنْتَهَاها مأخوذٌ من: أرسى يُرْسِي، ف «مُرْسَاهَا» : رَفْعٌ بالابتداء، والخبرُ «أَيَّانَ» ، وعبارة البخاريّ: أَيَّانَ مُرْساها: متى خروجها.
انتهى، ويُجَلِّيها: معناه يظهرها.
وقوله سبحانه: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قيل: معناه: ثَقُلَ أنْ تُعْلَم ويُوقَفَ عَلى حقيقةٍ وَقْتها، وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: معناه: ثَقُلَتْ هيئتها والفزعُ عَلَى/ أَهْل السموات «٢» والأرض، لاَ تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، أي: فجأةً.
وقوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قالَ ابن عبَّاس وغيره: المعنى يسألونك كأنكَ حَفِيٌّ، أي: مُتْحَفٌ ومُهْتَبِلٌ «٣» بهم، وهذا ينحُو إلى ما قالَتْ قريشٌ: يا محمَّدُ، إِنا قرابَتُكَ، فأخبرْنا بوَقْت السَّاعة.
وقال ابن زَيْد وغيره: معناه: كأنك حفيٌّ في المسألة عَنْها، والاشتغالِ بها، حتى حصَّلَتْ علمها «٤» .
وقرأ ابن عبَّاس «٥» فيما ذكر أبو حاتم: «كأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا» .
وقوله سبحانه: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قال الطَّبريُّ: معناه: لا يعلمُونَ أنَّ هذا الأَمْرَ لا يعلمه إِلا اللَّهُ، بل يظنُّ أكثرهم أنه ممَّا يعلمه البَشَرُ.
وقوله سبحانه: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ ...
الآية: هذا أمر بأنْ يبالِغَ في الاستسلام، ويتجَّردَ من المشاركةِ في قُدْرة اللَّه، وغَيْبِه، وأنَّ يصفَ نفسه لهؤلاءِ السائلين بأنه لا يملكُ من منافع نفسه ومضارِّها إِلا مَا سَنَّى اللَّه وشاء ويسّر، وهذا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةٌ، فَبَيِّنْ لَنا مَتى السّاعَةُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عُرْوَةُ: الَّذِي سَألَهُ عَنَ السّاعَةِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ.
والمُرادُ بِالسّاعَةِ هاهُنا الَّتِي يَمُوتُ فِيها الخَلْقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيّانَ مُرْساها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مَتى مَرْساها؟
أيْ: مُنْتَهاها.
ومَرَسا السَّفِينَةِ: حَيْثُ تَنْتَهِي.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "أيّانَ" بِمَعْنى: مَتى؛ و"مَتى" بِمَعْنى: أيْ حِينَ، ونَرى أنَّ أصْلَها: أيْ أوانُ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ [والواوُ]، وجُعِلَ الحَرْفانِ واحِدًا، ومَعْنى الآَيَةِ: مَتى ثُبُوتُها؟
يُقالُ: رَسا في الأرْضِ، أيْ: ثَبَتَ، ومِنهُ قِيلَ لَلْجِبالِ: رَواسِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: مَتى وُقُوعُها؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ أيْ: قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها ﴿ لا يُجَلِّيها ﴾ أيْ: لا يُظْهِرُها في وقْتِها إلّا هو.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ثَقُلَ وُقُوعُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَجْهُهُ أنَّ الكُلَّ يَخافُونَها، مُحْسِنُهم ومُسِيئُهم.
والثّانِي: عَظُمَ شَأْنُها في السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّالِثُ: خَفِيَ أمَرُها، فَلَمْ يَعْلَمْ مَتى كَوْنُها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ "فِي" بِمَعْنى "عَلى" فالمَعْنى: ثَقُلَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً ﴾ أيْ.
فَجْأةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، فَتَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ، أيْ: بَرٌّ بِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ .
قالَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْباطُ عَنِ السُّدِّيُّ: كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم.
والثّانِي: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِسُؤالِهِمْ، مُجِيبٌ لَهم.
قالَ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَأنَّكَ يُعْجِبُكَ سُؤالُهم.
وقالَ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ: كَأنَّكَ تُحِبُّ أنْ يَسْألُوكَ عَنْها.
وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّكَ فَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ.
والثّالِثُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ.
والرّابِعُ: كَأنَّكَ اسْتَحْفَيْتَ السُّؤالَ عَنْها حَتّى عَلِمْتَها، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: كَأنَّكَ سَؤُولٌ عَنْها.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّكَ مَعْنِيٌّ بِطَلَبِ عِلْمِها.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها، والحَفِيُّ في كَلامِ العَرَبِ: المَعْنِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُها إلّا هو ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ: المُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا أهْلُ مَكَّةَ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ أنَّها كائِنَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هو ثَقُلَتْ في السَماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عنها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ هَذا شَرْطٌ وجَوابٌ مُضَمَّنُهُ اليَأْسُ مِنهم والمَقْتُ لَهُمْ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ هَذا قَدْ نَزَلَ بِهِمْ وأنَّهم مِثالٌ لِهَذا.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: "وَنَذَرُهُمْ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وكَذَلِكَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ "وَيَذَرُهُمْ" بِالياءِ والرَفْعِ، وقَرَأها أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ: "وَنَحْنُ نَذْرُهُمْ"، أو عَلى قَطْعِ الفِعْلِ واسْتِئْنافِ القَوْلِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ - بِالياءِ والجَزْمِ، وقَرَأها كَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "وَيَذَرْهُمْ" بِالياءِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جَزْمٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ أبِي داوُدَ: فابْلُونِي بَلِيَّتَكم لَعَلِّي ∗∗∗ أُصالِحُكم وأسْتَدْرِجْ نَوِيّا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أنّى سَلَكْتَ فَإنَّنِي لَكَ كاشِحٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَلى انْتِقاصِكَ في الحَياةِ وأزْدَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومِثْلُهُ في الحَمْلِ عَلى المَوْضِعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ، لِأنَّكَ لَوْ لَمْ تُلْحِقِ الفاءَ لَقُلْتَ "أصَّدَّقْ"، ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ: "وَنَذَرْهُمْ" بِالنُونِ والجَزْمِ.
والطُغْيانُ: الإفْراطُ في الشَيْءِ، وكَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الصَلاحِ، والعَمَهُ: الحَيْرَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: المُرادُ: يَسْألُكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ الساعَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ بِالآيَةِ اليَهُودُ، وذَلِكَ أنَّ جَبَلَ بْنَ أبِي قُشَيْرٍ، وسَمْوِيلَ بْنَ زَيْدٍ قالا لَهُ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ الساعَةِ فَإنّا نَعْرِفُها، فَإنْ صَدَقْتَ آمَنّا بِكَ.
و"الساعَةُ": القِيامَةُ، مَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا وبَعْثُ الجَمِيعِ هو كُلُّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الساعَةِ واسْمُ القِيامَةِ.
و"أيّانَ" مَعْناها: مَتى وهو سُؤالٌ عن زَمانٍ، ولِتَضَمُّنِها الوَقْتَ بُنِيَتْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ السُلَمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُها "أيَّ آنٍ" وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ، وقالَ الشاعِرُ: أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا ∗∗∗ ∗∗∗ أما تَرى لِفِعْلِها إبّانا؟
قالَ أبُو الفَتْحِ: وزْنُ "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: فَعْلانَ، وبِكَسْرِها: فِعْلانَ، والنُونُ فِيهِما زائِدَةٌ.
ومُرْساها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ أيّانَ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ مُرْساها مُرْتَفِعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ ومَعْناهُ مُثْبِتُها ومُنْتَهاها، مَأْخُوذَةٌ مَن أرْسى يُرْسِي، ثُمَّ أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالرَدِّ إلَيْهِ والتَسْلِيمِ لِعِلْمِهِ، ويُجَلِّيها مَعْناهُ يُظْهِرُها والجَلاءُ البَيِّنَةُ والشُهُودُ وهو مُرادُ زُهَيْرٍ بِقَوْلِهِ: .....................
∗∗∗ ∗∗∗ يَمِينٌ أو نِفارٌ أو جَلاءُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَقُلَتْ في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ السُدِّيُّ، ومَعْمَرٌ عن بَعْضِ أهْلِ التَأْوِيلِ: مَعْناهُ: ثَقُلَ أنْ تَعْلَمَ ويُوقَفَ عَلى حَقِيقَةِ وقْتِها، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: ثَقُلَتْ هَيْئَتُها والفَزَعُ مِنها عَلى أهْلِ السَماواتِ والأرْضِ، كَما تَقُولُ: خِيفَ العَدُوُّ في بَلَدِ كَذا وكَذا، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ: ثَقُلَتْ عَلى السَماواتِ والأرْضِ أنْفُسِها لِتَفَطُّرِ السَماواتِ وتَبَدُّلِ الأرْضِ ونَسْفِ الجِبالِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى خَبَرًا يَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ: إنَّها لا تَأْتِي إلّا بَغْتَةً، أيْ فَجْأةً دُونَ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنها عِلْمٌ بِوَقْتِها عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الناسِ، و"بَغْتَةً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عنها ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عنها كَأنَّكَ حَفِيٌّ، أيْ: مُتْحَفٌ ومُهْتَبَلٌ، وهَذا يَنْحُو إلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ في المَسْألَةِ عنها والِاشْتِغالِ بِها حَتّى حَصَّلَتْ عِلْمَها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ -: "كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها"، لِأنَّ "حَفِيٌّ" مَعْناهُ: مُهْتَبَلٌ مُجْتَهِدٌ في السُؤالِ مُبالِغٌ في الإقْبالِ عَلى ما يُسْألُ عنهُ، وقَدْ يَجِيءُ "حَفِيٌّ" وصْفًا لِلسُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيُّ سُؤالُها ومِنَ المَعْنى الأوَّلِ الَّذِي يَجِيءُ فِيهِ "حَفِيٌّ" وصْفًا لِلسّائِلِ قَوْلُ الآخَرِ: سُؤالُ حَفِيٍّ عن أخِيهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِذُكْرَتِهِ وسْنانُ أو مُتَواسِنُ ثُمَّ أمَرَهُ ثانِيَةً بِأنْ يُسَلِّمَ لِعِلْمِهِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وتَهَمُّمًا بِهِ إذْ هو مِنَ الغُيُوبِ الخَمْسَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ ، وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ عِلْمُ قِيامِها والثانِي عِلْمُ كُنْهِها وحالِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ، بَلْ يَظُنُّ أكْثَرُهم أنَّهُ مِمّا يَعْلَمُ البَشَرُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي يذكر به شيء من ضلالهم ومحاولة تعجيزهم النبي صلى الله عليه وسلم بتعيين وقت الساعة.
ومناسبة هذا الاستئناف هي التعرض لتوقع اقتراب أجلهم في قوله: ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلُهم ﴾ [الأعراف: 185] سواء أفسر الأجل بأجل إذهاب أهل الشرك من العرب في الدنيا، وهو الاستئصال، أم فسر بأجلهم وأجل بقية الناس وهو قيام الساعة، فإن الكلام على الساعة مناسبة لكلا الأجلين.
وقد عرف من شنشنة المشركين إنكارهم، البعثَ وتهكمهم بالرسول عليه الصلاة والسلام من أجل إخباره عن البعث ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزقتم كل مُمزققٍ إنكم لفي خلققٍ جديدٍ أفترى على الله كذباً أم به جنةٌ ﴾ [سبأ: 7، 8]، وقد جعلوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة ووقتها تعجيزاً له، لتوهمهم أنه لما أخبرهم بأمرها فهو يدعي العلم بوقتها ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوممٍ لا تستأخرون عنه ساعةً ولا تستقدمون ﴾ [سبأ: 29، 30].
فالسائلون هم المشركون، وروي ذلك عن قتادة، والضمير يعود إلى الذين كذبوا بآياتنا، وقد حكي عنهم مثل هذا السؤال في مواضع من القرآن، كقوله تعالى في سورة النازعات (42) ﴿ يسألونك عن الساعة أيّانَ مرساها ﴾ وقوله ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون ﴾ [النبأ: 1 3] يعني البعثَ والساعة، ومن المفسرين من قال: المعني بالسائلين اليهود أرادوا امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن الساعة، وهذا لا يكون سبب نزول الآية، لأن هذه السورة مكية، قيل كلها، وقيل إن آيتين منها نزلتا بالمدينة، ولم يعُدوا هذه الآية، فيما اختُلف في مكان نزوله والسور التي حكي فيها مثل هذا السؤال مكية أيضاً نازلة قبل هذه السورة.
والساعة معرّفةً باللام علم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء هذا العالم الدنيوي والدخول في العالم الأخروي، وتسمى: يومَ البعث، ويومَ القيامة.
و ﴿ أيّان ﴾ اسم يدل على السؤال عن الزمان وهو جامد غير متصرف مركب من (أي) الاستفهامية و(آنَ) وهو الوقت، ثم خففت (أي) وقلبت همزة (آن) ياء ليتأتى الإدغام، فصارت (أيّان) بمعنى أي زمان، ويتعين الزمان المسؤول عنه بما بعد (أيان)، ولذلك يتعين أن يكون اسمَ معنى لا اسمَ ذات، إذ لا يخبر بالزمان عن الذات، وأما استعمالها اسم شرط لعموم الأزمنة فذلك بالنقل من الاستفهام إلى الشرط كما نقلت (متى) من الاستفهام إلى الشرطية، وهي توسيعات في اللغة تَصيرُ معاني متجددة، وقد ذكروا في اشتقاق (أيان) احتمالات يرجعون بها إلى معاني أفعال، وكلها غير مرضية، وما ارتأيناه هنا أحسن منها.
فقوله: ﴿ أيان ﴾ خبر مقدم لصدارة الاستفهام، و ﴿ مرساها ﴾ مبتدأ مؤخر، وهو في الأصل مضاف إليه آن إذ الأصل أي (آن) آن مُرسى الساعة.
وجملة: ﴿ أيان مُرساها ﴾ في موضع نصب بقول محذوف دل عليه فعل ﴿ يسألونك ﴾ والتقدير: يقولون أيان مرساها، وهو حكاية لقولهم بالمعنى، ولذلك كانت الجملة في معنى البدل عن جملة: ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ .
والمُرْسَى مصدر ميمي من الإرساء وهو الإقرار يقال رَسَا الجبل ثُبت، وأرساه أثبته وأقره، والإرساء الاستقرار بعد السير كما قال الأخطل: وقال رَائدُهم أرْسُوا نزاوِلُها *** ومرسى السفينة استقرارها بعد المخر قال تعالى: ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ [هود: 41]، وقد أطلق الإرساء هنا استعارة للوقوع تشبيهاً لوقوع الأمر الذي كان مترقباً أو متردد فيه بوصول السائر في البر أو البحر إلى المكان الذي يريده.
وقد أمر الله رسوله بجوابهم جواب جد وإغضاء عن سوء قصدهم بالسؤال التهكْم، إظهاراً لنفي الوصمة عن وصف النبوءة من جراء عدم العلم بوقت الشاعة، وتعليماً للذين يترقبون أن يحصل من جواب الرسول عن سؤال المشركين علْم للجميع بتعيين وقت الساعة فإذا أمْر الساعة مما تتوجه النفوس إلى تطلبه.
فقد ورد في الصحيح أن رجلاً من المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله متى الساعة؟
فقال رسول الله ماذا أعْدَدْتَ لها؟
فقال ما أعددتُ لها كبيرَ عَمل إلاّ أني أحب الله ورسوله فقال أنتَ مع مَن أحببت».
وعلْمُ الساعة هو علم تحديد وقتها كما يُنبئ عنه السؤال، وقوله: ﴿ لا يُجليها لوقتها إلاّ هو ﴾ ، فإضافة علم إلى ضمير الساعة على تقدير مضاف بينهما أيْ علْم وقتها، والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله، وظرفية (عند) مجازية استعملت في تحقيق تعلق علم الله بوقتها.
والحصر حقيقي: لأنه الأصل، ولما دل عليه توكيده بعَد في قوله: ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ ، والقصر الحقيقي يشتمل على معنى الإضافي وزيادة، لأن علم الساعة بالتحديد مقصور على الله تعالى.
والتعريف بوصف الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم إيماءٌ إلى الاستدلال على استئثار الله تعالى بعلم وقت الساعة دون الرسول المسؤول ففيه إيماء إلى خطإهم وإلى شبهة خطإهم.
و (التجلية) الكشف، والمراد بها ما يشمل الكشف بالإخبار والتعيين، والكشفَ بالإيقاع، وكلاهما منفيُ الإسناد عن غير الله تعالى، فهو الذي يعلم وقْتها، وهو الذي يُظهرها إذا أراد، فإذا أظهرها فقد أجلاها.
واللام في قوله: ﴿ لوقتها ﴾ للتوقيت كالتي في قوله تعالى: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ [الإسراء: 78].
ومعنى التوقيت، قريب من معنى (عندَ)، والتحقيقُ: أن معناه ناشئ عن معنى لام الاختصاص.
ومعنى اللام يناسب أحد معنيي الإجلاء، وهو الإظهار، لأنه الذي إذا حصل تَم كشف أمرها، وتحقق الناسُ أن القادر على إجلائها كان عالماً بوقت حلولها.
وفصلت جملة: ﴿ لا يجليها لوقتها إلاّ هو ﴾ لأنها تتنزل من التي قبلها منزلة التأكيد والتقرير.
وقدم المجرور وهو ﴿ لوقتها ﴾ على فاعل ﴿ يجليها ﴾ الواقع استثناء مفرغاً للاهتمام به تنبيهاً على أن تجلية أمرها تكون عند وقت حلولها لأنها تأتي بغتة.
وجملة: ﴿ ثقلت في السماوات والأرض ﴾ معترضة لقصد الإفادة بهولها، والإيماء إلى حكمة إخفائها.
وفعل ﴿ ثقلت ﴾ يجوز أن يكون لمجرد الإخبار بشدة، أمرها كقوله: ﴿ ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً ﴾ .
ويجوز أن يكون تعجيباً بصيغة فعُل بضم العين فتقدر الضمة ضمة تحويل الفعل للتعجيب، وإن كانت هي ضمة أصلية في الفعل، فيكون من قبيل قوله: ﴿ كُبرت كلمة تخرُج من أفواههم ﴾ [الكهف: 5].
والثقل مستعار للمشقة كما يستعار العظم والكِبَر، لأن شدة وقع الشيء في النفوس ومشقته عليها تخيّل لمن خلت به أنه حامل شيئاً ثقيلاً، ومنه قوله تعالى: ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ [المزمل: 5] أي شديداً تلقيه وهو القرآن، ووصف الساعة بالثقل باعتبار ما هو مظروف في وقتها من الحوادث، فوصفها بذلك مجاز عقلي، والقرينة واضحة، وهي كون الثقل بمعنى الشدة لا يكون وصفاً للزمان، ولكنه وصف للأحداث، فإذا أسند إلى الزمان، فإسناده إليه إنما هو باعتباره ظرفاً للأحداث، كقوله: ﴿ وقالَ هذا يومٌ عَصيبٌ ﴾ [هود: 77].
وثقل الساعة أي شدتها هو عظم ما يحدث فيها من الحوادث المهولة في السماوات والأرض، من تصادم الكواكب، وانخرَام سيرها، ومن زلازل الأرض وفيضان البراكين، والبحار، وجفاف المياه، ونحو ذلك مما ينشأ عن اختلال النظام الذي مكان عليه سير العالم، وذلك كله يحدث شدة عظيمة على كل ذي إدراك من الموجودات.
ومن بديع الإيجاز تعدية فعل ﴿ ثَقُلَت ﴾ بحرف الظرفية الدال على مكان حلول الفعل، وحذفُ ما حقه أن يتعدى إليه وهو حرف (إلى) الذي يدل على ما يقع عليه الفعل، ليعم كل ما تحويه السماوات والأرض مما يقع عملية عملية الثقل بمعنى الشدة.
وجملة: ﴿ لا تأتيكم إلاّ بغتة ﴾ مستأنفة جاءت تكملة للإخبار عن وقت حلول الساعة، لأن الإتيان بغتة يحقق مضمون الإخبار عن وقتها بأنه غير معلوم إلاّ لله، وبأن الله غيرُ مُظهره لأحد، فدل قوله: ﴿ لا تأتيكم إلاّ بغتة ﴾ على أن انتفاء إظهار وقتها انتفاءٌ متوغل في نوعه بحيث لا يحصل العلم لأحد بحلولها بالكنه ولا بالإجمال، وأما ما ذكر لها من أمارات في حديث سُؤال جبريل عن أماراتها فلا ينافي إتيانها بغتة، لأن تلك الأمارات ممتدةُ الأزمان بحيث لا يحصل معها تهيؤ للعلم بحلولها.
و«البغتة» مصدر على زنة المرّة من البغْت وهو المفاجأة أي الحصول بدون تهيؤ له، وقد مضى القول فيها عند قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتةً ﴾ في سورة الأنعام (31).
وجملة: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ مؤكدة لجملة: ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ ومبينة لكيفية سؤالهم فلذيْنك فُصلت.
وحذف متعلق السؤال لعلمه من الجملة الأولى.
و ﴿ حَفي ﴾ فعيل فيجوز أن يكون بمعنى فاعل مشتقاً من حَفي به، مثل غَنيِ فهو غَني إذا أكثر السؤال عن حاله تلطفاً، ويكون المعنى كأنك أكثرتَ السؤال عن وقتها حتى علمته، فيكون وصف حَفي كناية عن العالم بالشيء، لأن كثرة السؤال تقتضي حصول العلم بالمسؤول عنه، وبهذا المعنى فسر في «الكشاف» فهو من الكناية بالسؤال عن طلب العلم، لأن السؤال سبب العلم، كقول السموْأل أوْ عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو غيرهما: سَلي إنَ جهلت الناسَ عنا وعنهم *** فليسَ سواءً عَالم وجَهُول وقول عامر بن الطُفيل: طُلْقت إنَ لم تسألي أي فارس *** حَليلُك إذْ لاقى صُداء وخثْعها وقول أُنَيْفٍ بن زَبّانَ النبهاني: فلما التقيْنا بيْنَ السيفُ بيننا *** لسائلةٍ عنّا حَفِيٌّ سؤالها ويجوز أن يكون مشتقاً من أحفاه إذا ألح عليه في فعل، فيكون فعيلاً بمعنى مُفعل مثل حَكيم، أي كأنك مُلح في السؤال عنها، أي ملح على الله في سؤال تعيين وقت الساعة كقوله تعالى: ﴿ إنْ يسألكموها فيُحْفكم تبخلوا ﴾ [محمد: 37].
وقوله: ﴿ كأنك حفي ﴾ حال من ضمير المخاطب في قوله: ﴿ يسألونك ﴾ معترضة بين ﴿ يسألونك ﴾ ومتعلقه.
ويتعلق قوله: ﴿ عنها ﴾ على الوجهين بكل من ﴿ يسألونك ﴾ و ﴿ حفيّ ﴾ على نحو من التنازع في التعليق.
ويجوز أن يكون ﴿ حفيّ ﴾ مشتقاً من حَفي به، كرضي بمعنى بَالغ في الإكرام، فيكون مستعملاً في صريح معناه، والتقدير: كأنك حفي بهم أي مكرم لهم وملاطف فيكون تهكماً بالمشركين، أي يظهرون لك أنك كذلك ليستنزلوك للخوض معهم في تعيين وقت الساعة، روي عن ابن عباس: كأنك صديق لهم، وقال قتادة: قالت قريش لمحمد: إن بيننا قرابة فأسِرَّ إليْنا متى الساعة فقال الله تعالى: ﴿ يسألونك كأنك حَفي عنها ﴾ وعلى هذا الوجه يتعلق ﴿ عنها ﴾ ب ﴿ يسألونك ﴾ وحذف متعلق ﴿ حفي ﴾ لظهوره.
وبهذا تعلم أن تأخير ﴿ عنها ﴾ للإيفاء بهذه الاعتبارات.
وفي الآية إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتعلق همته بتعيين وقت الساعة، إذ لا فائدة له في ذلك، ولأنه لو اهتم بذلك لكان في اهتمامه تطلباً لإبطال الحكمة في إخفائها، وفي هذا إشارة إلى أن انتفاء علمه بوقتها لا ينافي كرامته على الله تعالى بأن الله أعطاه كمالاً نفسياً يصرفه عن تطلب ذلك، ولو تطلبه لأعْلمه الله به، كما صرف موسى عليه السلام عن الاستمرار على كراهة الموت حين حل أجله كيلا ينزع روحه وهو كاره، وهذه سرائر عالية بين الله وبين الصالحين من عباده.
وأكدت جملة الجواب الأولى بقوله: ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ تأكيداً لمعناها ليعلم أن ذلك الجواب لا يرجى غيره وأن الحصر المشتمل عليه قوله: ﴿ إنما علمها عند ربي ﴾ حصر حقيقي ثم عطف على جملة الجواب استدراك عن الحصر في قوله: ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ تأكيداً لكونه حصراً حقيقياً، وإبطالاً لظن الذين يحسبون أن شأن الرسل أن يكونوا عالمين بكل مجهول، ومن ذلك وقت الساعة بالنسبة إلى أوقاتهم يستطيعون إعلام الناس فيستدلون بعدم علم الساعة على عدم صدق مدعي الرسالة، وهذا الاعتقاد ضلالة ملازمة للعقول الأفنة، فإنها تتوهم الحقائق على غيْر ما هي عليه، وتوقن بما يخيل إليها، وتجعله أصولاً تبني عليها معارفها ومعاملاتها، وتجعلها حَكماً في الأمور إثباتاً ونفياً، وهذا فرط ضلالة، وإنه لَضغْث على إبَالة بتشديد الباء وتخفيفها، وقد حكي التاريخ القديم شاهداً مما قلناه وهو ما جاء في سفر دانيال من كتب الأنبياء الملحقة بالتوراة أن (بُخْتَنَصَّر) ملك بابل رأى رؤيا أزعجته وتطلب تعبيرها، فجمع العرافين والمنجمين والسحرة وأمرهم أن يخبروه بصورة ما رآه في حلمه من دون أن يحكيه لهم، فلما أجابوه بأن هذا ليس في طاقة أحد من البشر ولا يطلع على ما في ضمير الملك إلاّ الآلهة، غضب، واغتاظ، وأمر بقتلهم، وأنه أحضر دانيال النبي وكان من جملة أسرى بني إسرائيل في (بابل) وهدده بالقتل إن لم ينبئه بصورة رؤياه، ثم بتعبيرها، وأن دانيال استنظره مدة، وأنه التجأ إلى الله بالدعاء هو وأصحابه (عزريا) و(ميشاييل) و(حننيا) فدعوا الله لينقذ دانيال من القتل، وأن الله أوحى إلى دانيال بصورة ما رءاه الملك فأخبر دانيالُ الملكَ بذلك، ثم عبر له، فنال حظوة لديه انظر الإصحاح الثاني من سفر دانيال.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ السّائِلَ عَنْها اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ السّائِلَ عَنْها قُرَيْشٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
﴿ أيّانَ مُرْساها ﴾ أمّا ﴿ أيّانَ ﴾ فَمَعْنى مَتى، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا أما تَرى لِنَجْحِها أوانًا وَأمّا ﴿ مُرْساها ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قِيامُها، قالَها السُّدِّيُّ.
والثّانِي: مُنْتَهاها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: ظُهُورُها، قالَهُ الأخْفَشُ.
﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ ﴾ لا يَعْلَمُ وقْتَها إلّا هو، نَفْيًا أنْ يَعْلَمَها غَيْرُ اللَّهِ ﴿ ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَبُرَ عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ مَجِيءُ السّاعَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ثَقُلَ عَلَيْهِمْ قِيامُ السّاعَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ عَظُمَ وصْفُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً ﴾ يَعْنِي عَلى غَفْلَةٍ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُها غَيْرُ اللَّهِ، ولَمْ تَرِدِ الأخْبارُ عَنْها مِن جِهَةِ اللَّهِ فَصارَ مَجِيئُها بَغْتَةً وذَلِكَ أشَدُّ لَها كَما قالَ الشّاعِرُ: وأنْكَأُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ ﴿ يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ عالِمٌ بِها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومَعْمَرٌ.
والثّانِي: مَعْنى الكَلامِ يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ، عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ كَأنَّكَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ تُوجِبُ بِرَّهم، مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قال حمل بن أبي قشير، وسمول بن زيد، لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول، فإنا نعلم ما هي؟
فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ أي متى قيامتها ﴿ قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ﴾ قال: قالت قريش: يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة.
قال: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ﴾ قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «تهج الساعة بالناس: والرجل يسقي على ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، والرجل يقيم سلعته في السوق، قضاء الله لا تأتيكم إلا بغتة» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أيان مرساها ﴾ قال: منتهاها.
وأخرج أحمد عن حذيفة قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة قال: ﴿ علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ﴾ ولكن أخبركم بمشاريطها، وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجا.
قالوا: يا رسول الله الفتنة قد عرفناها الهرج ما هو؟
قال: بلسان الحبشة القتل» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة وأنا شاهد فقال «لا يعلمها إلا الله ولا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها ما بين يديها من الفتن والهرج.
فقال رجل: وما الهرج يا رسول الله؟
قال: بلسان الحبشة القتل، وأن تجف قلوب الناس، ويلقي بينهم التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحداً، ويرفع ذو الحجا ويبقى رجراجة من الناس، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً» .
وأخرج مسلم وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر «تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض يوم من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة» .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الشعبي قال: لقي عيسى جبريل فقال: السلام عليك يا روح الله.
قال: وعليك يا روح الله.
قال: يا جبريل متى الساعة؟
فانتفض جبريل في أجنحته، ثم قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة، أو قال: ﴿ لا يجليها لوقتها إلا هو ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ لا يجليها لوقتها إلا هو ﴾ يقول: لا يأتي بها إلا الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هو يجليها لوقتها لا يعلم ذلك إلا الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثقلت في السماوات والأرض ﴾ قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثقلت في السماوات والأرض ﴾ قال: ثقل علمها على أهل السموات والأرض إنهم لا يعلمون، وقال الحسن، إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول: كبرت عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثقلت في السماوات والأرض ﴾ قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكوّرت الشمس، وسيرت الجبال، وما يصيب الأرض، وكان ما قال الله، فذلك ثقلها بهما.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ قال: فجأة آمنين.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه فلا يلوكها ولا يسيغها ولا يلفظها، وعلى رجلين قد نشرا بينهما ثوباً يتبايعانه فلا يطويانه ولا يتبايعانه» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لا تقوم الساعة حتى ينادي مناد: يا أيها الناس أتتكم الساعة ثلاثاً.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ لا يجليها لوقتها إلا هو ﴾ يقول: لا يرسلها لوقتها إلا هو ﴿ ثقلت في السماوات والأرض ﴾ يقول: خفيت في السموات والأرض، فلم يعلم قيامها متى تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ قال: تبغتهم تأتيهم على غفلة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمتها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ قال أحدهما: عالم بها، وقال الآخر: يجب أن يسأل عنها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمتها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ قال أحدهما: عالم بها، وقال الآخر: يجب أن يسأل عنها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ يقول: كأنك عالم بها أي لست تعلمها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ قال: لطيف بها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ يقول: كان بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم، قال ابن عباس: لما سأل الناس محمداً صلى الله عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده استأثر بعلمها، فلم يطلع عليها ملكاً ولا رسولاً.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ قال: كأنك حفي بهم حين يأتونك يسألونك.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يسألونك كأنك حفي ﴾ بسؤالهم قال: كأنك تحب أن يسألوك عنها.
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ ﴿ كأنك حفيء بها ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ قال: كأنك يعجبك أن يسألوك عنها لنخبرك بها فأخفاها منه فلم يخبره، فقال: ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ [ النازعات: 43] وقال: ﴿ أكاد أخفيها ﴾ [ طه: 15] وقراءة أُبي ﴿ أكاد أخفيها من نفسي ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟
فقال الله: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة ﴾ السائلون اليهود أو قريش، وسميت القيامة ساعة لسرعة حسابها كقوله: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾ معنى أيان: متى، ومرساها: وقوعها وحدوثها، وهي من الإرساء بمعنى الثبوت ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ﴾ أي استأثر الله بعلم وقوعها ولم يطلع عليه أحد ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ معنى يجليها يظهرها، فهو من الجلاء ضدّ الخفاء، واللام في لوقتها ظرفية: أي عند وقتها، والمعنى لا يظهر الساعة عند مجيء وقتها إلا الله ﴿ ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض ﴾ في معناه ثلاثة أقوال: الأول: ثقلت على أهل السموات والأرض لهيبتها عندهم وخوفهم منها، والثاني: ثقلت على أهل السموات والأرض أنفسها لتفطر السماء فيها وتبديل الأرض، والثالث: معنى ثقلت: أي ثقل علمها أي خفي ﴿ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ الحفيّ بالشيء هو المهتم به المعتني به، والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفيّ بعلمها وقيل: المعنى يسألونك عنها كأنك حفيِّبهم لقرابتك منهم، فعنها على هذين القولين يتعلق بيسألونك، وقيل المعنى يسألونك كأنك حفي بالسؤال عنها ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير ﴾ براءة من علم الغيب، واستدلال على عدم علمه ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ السواء ﴾ عطف على لاستكثرت من الخير أي لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير، واحترست من السوء ولكن لا أعلمه فيصيبني ما قدر لي من الخير والشر، وقيل: إن قوله وما مسني السوء: استئناف إخبار، والسوء على هذا هو الجنون واتصاله بما قبله أحسن ﴿ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يجوز أن يتعلق ببشير ونذير معاً أي أبشر المؤمنين وأنذرهم، وخص بهم البشارة والنذارة، لأنهم هم الذين ينتفعون بها، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، ويكون المتعلق بنذير محذوف أي نذير للكافرين، والأول أحسن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.
الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.
الباقون: بالتشديد.
﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.
الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.
﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.
الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.
الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .
بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".
واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.
وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.
كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله كان مخالفاً لفعلهم.
وعن الحسن وقتادة أن النبي قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.
فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.
فأمرهم الله بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.
ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.
والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.
والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.
فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.
وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.
ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.
ومن السائل؟
عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.
وعن قتادة.
إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.
قال في الكشاف.
الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها ﴾ ﴿ أيان يوم الدين ﴾ ولا يقال أيان نمت.
وكسر همزته لغة بني سليم.
وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.
وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.
وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.
ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.
والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.
أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.
وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.
عن النبي "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .
ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.
والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.
وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.
وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.
وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.
وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.
وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.
ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله .
واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله .
وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.
وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.
قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.
وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.
وقال بعضهم: "لما رجع من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.
فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.
فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .
أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.
وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ والطوع نفع.
وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ وقس على هذا.
ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.
قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.
ومنها أن آدم كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟
ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.
والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.
وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.
وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.
أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.
والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.
ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.
فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.
أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟
وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.
وعلى هذا فإنما قال ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.
فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله أعلم.
ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.
واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.
والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.
ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.
ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟
وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.
وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.
ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.
وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟
وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.
ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.
وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.
ثم لما أمره بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.
وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.
أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.
يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.
أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.
ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.
قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ .
التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.
﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.
﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا ﴾ قيل: ﴿ أَيَّانَ ﴾ : متى قيامها.
وقال القتبي: ﴿ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا ﴾ أي: متى ثبوتها؛ يقال: رسا في الأرض: إذا ثبت، ورسا في الماء، ويقال للجبال: رواسي؛ لثبوتها.
ثم اختلف في السؤال عما كان: قال بعضهم: كان السؤال عن الفناء وفناء الخلق وهلاكهم؛ لأنه قال في آخره: ﴿ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾ ونحوه قوله: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً...
﴾ الآية [يس: 49]، وذلك يكون في الدنيا.
وقال قائلون: كان السؤال عن البعث وقيام الساعة؛ إنكاراً منهم إياها واستعجالا للعذاب؛ كقوله: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ ، وقولهم: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا...
﴾ الآية [المؤمنون: 82]، وغير ذلك من الآيات؛ يدل على أن السؤال كان عن الساعة، وليس قوله: ﴿ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾ أنه كان عن الفناء؛ إذ كانوا يعاينون الفناء؛ فلا يحتمل أن يكون السؤال عن ذلك.
ثم يحتمل بعد هذا وجهين: أحدهما: إن كان السؤال من المكذب بها فهو سؤال استهزاء واستعجال لما ذكرنا، وإن كان من المصدق فهو [سؤال] استعلام وإشفاق؛ ليتأهبوا لها ويستعدوا؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ لما سمعوا من الآيات ما يقرب وقوعها؛ كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ونحوه من الآيات، وما سمعوا من رسول الله : "[بعثت] أنا والساعة كهاتين" وفي بعض الأخبار قال: "كادت الساعة أن تسبقني" وغير ذلك من الأخبار، حملهم ذلك على السؤال عنها؛ ليتأهبوا لها ويستعدوا، ثم أمره أن يقول: ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، أي: لا يكشفها ولا يظهر وقتها إلا هو، ليس كالأمور التي تجري على أيدي الخلق، ويكون لغيره فيها تدبير [من إخراج الثمار والنبات والأمطار، وغير ذلك من الأمور التي تجري على أيدي الخلق ويكون لهم فيها تدبير، أعني] الملائكة الذين سلطوا على حفظ المطر والنبات، وأما الساعة فإنها تقوم من غير أن كان لأحد من الخلائق تدبير فيها أو علم، وهو ما وصفها الله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ أخبر أن أمر الساعة خارج عن تدبير الخلق؛ بل تقوم بتدبير الله من غير أن يجريها على [يد أحد]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
قيل: ثقلت على أهل السماوات والأرض.
ثم اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ ثَقُلَتْ ﴾ أي: خفيت على أهل السماوات والأرض، فذكر الثقل؛ لأن كل من خفي عليه شيء ثقل عليه، فذكر أنها ثقيلة عليهم؛ لخفائها عليهم.
وقال قائلون: ثقل وقوعها على أهل السماوات والأرض؛ لكثرة أهوالها وشدة وقوعها.
وأمكن أن يكون قوله: ﴿ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ على نفس السماوات والأرض؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ...
﴾ الآية [مريم: 90]، وذلك من شدة هولها، ولكن إن كان على نفس السماوات والأرض، أي: لو كانت هي بحيث تعرف وتميز، وبنيتها بنية من يعرف ثقل شيء لثقلت [عليها]، وهو ما قلنا في قوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ والدنيا لا تغر أحداً، أي: ما كان منها لو كان ممن يكون منه التغرير لكان تغريراً؛ فعلى ذلك الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ .
اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ ، أي: مكرم مشرف عنده ذو منزلة فيعلمك عنها، وكذلك قيل: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ﴾ قيل: بارّاً رحيماً.
وقال قائلون: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ أي: عالم بها.
وقال قتادة: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ بهم، كأنك تحب أن يسألونك عنها.
وقال غيره: هو على التقديم والتأخير: يسألونك عنها كأنك [حفي يعني كأنك] استحفيت السؤال عنها حتى علمتها.
ثم قال: ﴿ قُلْ ﴾ مالي بها من علم ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنها كائنة.
ويحتمل: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنك لا تعلم أنها متى تكون؟
أو لا يعلمون ما عليهم وما لهم.
وقال الحسن في قوله: ﴿ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : إذا جاءت ثقلت على أهل السماوات والأرض، وكبرت عليهم.
وقال بعضهم: ثقل ذكرها على أهل السماوات والأرض.
[وقال قتادة: أثقل علمها على أهل السماوات والأرض.
وأصله: ما ذكرنا، أي: خفي علمها على أهل السماء والأرض] وإذا خفي الشيء ثقل.
وقوله: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ ما ذكرنا من التأويل، والله أعلم.
وعلى قول بعضهم: الحفي: الخبير العالم، وقالوا: هو المشرف المكرم البار الذي لا يستخفي منه شيء ولا يلبس عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ : الهدى والضلالة.
وقال قائلون من أهل التأويل: لا أملك جرَّ النفع إلى نفسي ولا دفع الضر عنها ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: إلا إن أقدرني الله على ذلك فأملك ذلك.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ قال ذلك؛ لئلا يتخذوه معبوداً، لا ينسبوه إلى الله بالذي لا يليق النسبة به [نحو] ما قالت النصارى: ﴿ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله؛ لعظيم ما وقع عندهم من محل هؤلاء وقدرهم، فقال: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ ؛ لئلا ينسبوه إلى الله من الوجه الذي نسب أولئك، أظهر من نفسه العجز والعبادة، وهو ما قال عيسى [صلوات الله عليه حيث قال]: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...
﴾ الآية [مريم: 30].
وقال ابن عباس في قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ : وذلك أن أهل مكة قالوا: ألا يخبرك ربك يا محمد بالتجارة المربحة فتتجر فيها فتربح، أو لا يخبرك بسنة القحط والجدوبة، أو يخبرك بوقت السعة والخصب؟!
فقال عند ذلك: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ من جدوبة الأرض والقحط؛ ﴿ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ [يقول: لتهيأت لذلك ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ ﴾ من الضر والشدة؛ إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل.
وقالوا في قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ قال بعضهم: لو كانت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ومن العمل الصالح].
[ولكن الوجه فيه غير ما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان لا يعلم متى يموت؟
لا يستكثر من الخير ومن العمل الصالح]، أو لو كان يعلم الغيب لاستكثر المال على ما قال بعضهم؛ هذا بعيد.
ولكن التأويل - والله أعلم - أن يجعل قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ أي: لا أعلم لكم نفعاً ولا ضرّاً، ولو كنت أعلم لكم الغيب لاستكثرت من الخير عند الله، أي: لو كنت أعلم لكم ذلك لصدقتموني وآمنتم بي [و] لاستكثرت من الخير عند الله بإيمانكم بالله وتصديقكم إياي.
أو أن يقال: لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً، ولو كنت أملك لكم ذلك لاستكثرت من الخير؛ لأنكم إذا رأيتموني أملك نفع ما غاب عنكم ودفع ضر ما غاب، لآمنتم بي وصدقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيراً كثيراً، يجعل قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ جواب ما تقدم من الكلام، والله أعلم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ أي: لا أعلم الغيب إلا قدر ما أوحي إلى ﴿ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ .
وقال بعضهم: لا أعلم الغيب قبل أن يوحى إلي، ولو كنت أعلم ذلك لاستكثرت من الخير بذلك.
وحاصل التأويل في قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ : ما ذكرنا بتصديقكم إياي وإيمانكم بي، أو ما ذكرنا من السعة والخصب في الدنيا لأهله ولأصحابه، أو ما ذكرنا، أي: لو كنت أملك لكم نفع ما غاب عنكم ودفع ضرر ما غاب - أيضاً - لآمنتم بي وصدقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيراً كثيراً.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ أي: لو كنت أعلم من المصدق ومن المكذب لاستكثرت من الخير؛ لأنه لا يشتغل بمن يعلم أنه يرد ولا يجيب، وإنما يشتغل بمن يعلم منه أنه يجيب ولا يكذب، فيستكثر أتباعه والمطيعين لله.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ كانوا يقولون: إن به جنوناً، فقال: ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ ﴾ من النسبة إلى الجنون، ويقول: ما مسني السوء منكم: سوء ردٍّ وتكذيب؛ لأنه لو علم الذي يجيبه ويصدقه من الذي لا يجيبه ولا يصدقه، لم يمسه سوء من الرد والأذى؛ لأنه لا يشتغل به بعد ما أقام عليه الحجة [وعلم] من المجيب منكم ومن الرادّ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
يسألك هؤلاء المكذبون المُتَعنِّتون عن القيامة: أي وقت تقع ويستقر العلم بها؟
قل -يا محمد-: ليس علمها عندي ولا عند غيري، وإنما علمها عند الله وحده يظهرها لوقتها المقدر لها إلا الله، خفي أمر ظهورها على أهل السماوات وأهل الأرض، لا تأتيكم إلا فجأة، يسألونك عن الساعة كأنك حريص على العلم بها، وما علموا أنك لا تسأل عنها لكمال علمك بربك، قل لهم -يا محمد-: إنما علم الساعة عند الله وحده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
من فوائد الآيات خَلَق الله للبشر آلات الإدراك والعلم -القلوب والأعين والآذان- لتحصيل المنافع ودفع المضار.
الدعاء بأسماء الله الحسنى سبب في إجابة الدعاء، فيُدْعَى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، مثل: اللهمَّ تب عَلَيَّ يا تواب.
التفكر في عظمة السماوات والأرض، والتوصل بهذا التفكر إلى أن الله تعالى هو المستحق للألوهية دون غيره؛ لأنه المنفرد بالصنع.
<div class="verse-tafsir" id="91.Bkl91"