الآية ١٨٨ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٨٨ من سورة الأعراف

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ١٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨٨ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه ، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب ، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه ، كما قال تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا .

[ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ] ) [ الجن : 26 ، 27 ] وقوله : ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) قال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد .

( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) قال : لو كنت أعلم متى أموت ، لعملت عملا صالحا .

وكذلك روى ابن أبي نجيح عن مجاهد : وقال مثله ابن جريج .

وفيه نظر ; لأن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ديمة .

وفي رواية : كان إذا عمل عملا أثبته فجميع عمله كان على منوال واحد ، كأنه ينظر إلى الله ، عز وجل ، في جميع أحواله ، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك ، والله أعلم .

والأحسن في هذا ما رواه الضحاك ، عن ابن عباس : ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) أي : من المال .

وفي رواية : لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أربح فيه ، فلا أبيع شيئا إلا ربحت فيه ، وما مسني السوء ، قال : ولا يصيبني الفقر .

وقال ابن جرير : وقال آخرون : معنى ذلك : لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة ، ولعرفت الغلاء من الرخص ، فاستعددت له من الرخص .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( وما مسني السوء ) قال : لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون ، واتقيته .

ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير ، أي : نذير من العذاب ، وبشير للمؤمنين بالجنات ، كما قال تعالى : ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ) [ مريم : 97 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لسائليك عن الساعة: أَيَّانَ مُرْسَاهَا =(لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا)، يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع إلى نفسي, ولا دفع ضر يحلّ بها عنها إلا ما شاء الله أن أملكه من ذلك، بأن يقوّيني عليه ويعينني (1) =(ولو كنت أعلم الغيب)، يقول: لو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد (2) =(لاستكثرت من الخير)، يقول: لأعددت الكثير من الخير.

(3) * * * ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الخير " الذي عناه الله بقوله: (لاستكثرت من الخير).

(4) فقال بعضهم: معنى ذلك: لاستكثرت من العمل الصالح.

* ذكر من قال ذلك: 15494 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا) قال: الهدى والضلالة =(لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) قال: " أعلم الغيب "، متى أموت = لاستكثرت من العمل الصالح.

15495 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبى نجيح, عن مجاهد, مثله.

15496 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء)، : قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيته.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: " ولو كنت أعلم الغيب " لأعددت للسَّنة المجدبة من المخصبة, ولعرفت الغلاء من الرُّخْص, واستعددت له في الرُّخْص.

* * * وقوله: (وما مسني السوء)، يقول: وما مسني الضر (5) =(إن أنا إلا نذير وبشير)، يقول: ما أنا إلا رسولٌ لله أرسلني إليكم, أنذر عقابه مَن عصاه منكم وخالف أمره, وأبشّرَ بثوابه وكرامته من آمن به وأطاعه منكم.

(6) * * * وقوله: (لقوم يؤمنون)، يقول: يصدقون بأني لله رسول, ويقرون بحقية ما جئتهم به من عنده.

(7) ----------------- الهوامش : (1) انظر تفسير (( ملك )) فيما سلف 10 : 147 ، 187 ، 317 .

(2) انظر تفسير ((الغيب )) فيما سلف 11 : 464 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(3) انظر تفسير (( استكثر )) فيما سلف 12 : 115 .

(4) انظر تفسير (( الخير )) فيما سلف 2 : 505 / 7 : 91 .

(5) انظر تفسير (( المس )) فيما سلف 12 : 573 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(6) انظر تفسير (( نذير )) فيما سلف ص : 290 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

= وتفسير (( بشير )) فيما سلف 11 : 369 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

(7) في المطبوعة : (( بحقية ما جئتهم به )) ، والصواب من المخطوطة ، وقد غيرها في مئات من المواضع ، انظر ما سلف ص : 113 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .

و (( الحقيقة )) ، مصدر ، بمعني الصدق والحق ، كما أسلفت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنونقوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا ; فكيف أملك علم الساعة .

وقيل : لا أملك لنفسي الهدى والضلال .إلا ما شاء الله في موضع نصب بالاستثناء .

والمعنى : إلا ما شاء الله أن يملكني ويمكنني منه .

وأنشد سيبويه :مهما شاء بالناس يفعلولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته .

وقيل : لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب .

وقال ابن عباس : لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني .

وقيل : المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها .

وقيل : المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح ; عن الحسن وابن جريج .

وقيل : المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه .

وكله مراد ، والله أعلم .وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون هذا استئناف كلام ، أي ليس بي جنون ، لأنهم نسبوه إلى الجنون .

وقيل : هو متصل ، والمعنى لو علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت ، ودل على هذا قوله تعالى : إن أنا إلا نذير مبين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا فإني فقير مدبر، لا يأتيني خير إلا من اللّه، ولا يدفع عني الشر إلا هو، وليس لي من العلم إلا ما علمني اللّه تعالى.

وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ أي: لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع، ولحذرت من كل ما يفضي إلى سوء ومكروه، لعلمي بالأشياء قبل كونها، وعلمي بما تفضي إليه.

ولكني - لعدم علمي - قد ينالني ما ينالني من السوء، وقد يفوتني ما يفوتني من مصالح الدنيا ومنافعها، فهذا أدل دليل على أني لا علم لي بالغيب.

إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ أنذر العقوبات الدينية والدنيوية والأخروية، وأبين الأعمال المفضية إلى ذلك، وأحذر منها.

وَبَشِيرٌ بالثواب العاجل والآجل، ببيان الأعمال الموصلة إليه والترغيب فيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هذه البشارة والنذارة، وإنما ينتفع بذلك ويقبله المؤمنون، وهذه الآيات الكريمات، مبينة جهل من يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر.

فإنه ليس بيده شيء من الأمر، ولا ينفع من لم ينفعه اللّه، ولا يدفع الضر عمن لم يدفعه اللّه عنه، ولا له من العلم إلا ما علمه اللّه تعالى، وإنما ينفع من قبل ما أرسل به من البشارة والنذارة، وعمل بذلك، فهذا نفعه صلى الله عليه وسلم، الذي فاق نفع الآباء والأمهات، والأخلاء والإخوان بما حث العباد على كل خير، وحذرهم عن كل شر، وبينه لهم غاية البيان والإيضاح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن أهل مكة قالوا : يا محمد ، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه وتربح فيه عند الغلاء؟

وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت؟

فأنزل الله تعالى " قل لا أملك لنفسي نفعا " أي : لا أقدر لنفسي نفعا ، أي : اجتلاب نفع بأن أربح ولا ضرا ، أي دفع ضر بأن أرتحل من أرض تريد أن تجدب إلا ما شاء الله أن أملكه .

( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) أي : لو كنت أعلم الخصب والجدب لاستكثرت من الخير ، أي : من المال لسنة القحط ( وما مسني السوء ) أي : الضر والفقر والجوع .

وقال ابن جريج : " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا " يعني : الهدى والضلالة ، ( ولو كنت أعلم الغيب ) أي : متى أموت ، لاستكثرت من الخير ، يعني : من العمل الصالح وما مسني السوء .

قال ابن زيد : واجتنبت ما يكون من الشر واتقيته .

وقيل : معناه ولو كنت أعلم الغيب أي متى الساعة لأخبرتكم حتى تؤمنوا وما مسني السوء بتكذيبكم .

وقيل : ما مسني السوء : ابتداء ، يريد : وما مسني الجنون لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون .

( إن أنا إلا نذير ) لمن لا يصدق بما جئت به ، ( وبشير ) بالجنة ، ( لقوم يؤمنون ) يصدقون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل لا أملك لنفسي نفعا» أجلبه «ولا ضرا» أدفعه «إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب» ما غاب عني «لاستكثرت من الخير وما مسَّني السوء» من فقر وغيره لاحترازي عنه باجتناب المضار «إن» ما «أنا إلا نذير» بالنار للكافرين «وبشير» بالجنة «لقوم يؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: لا أقدرُ على جَلْبِ خير لنفسي ولا دفع شر يحل بها إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تكثِّر لي المصالح والمنافع، ولاتَّقيتُ ما يكون من الشر قبل أن يقع، ما أنا إلا رسول الله أرسلني إليكم، أخوِّف من عقابه، وأبشر بثوابه قومًا يصدقون بأني رسول الله، ويعملون بشرعه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس أن كل الأمور بيد الله - تعالى - ، وأن علم الغيب كله مرجعة إليه - سبحانه - فقال :( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ) أى : لا أملك لأجل نفسى جلب نفع ما ولا دفع ضرر ما .وقوله ( لِنَفْسِي ) متعلق بأملك .

أو بمحذوف وقع حالا من ( نَفْعاً ) والمراد : لا أملك ذلك فى وقت من الأوقات .وقوله ( إِلاَّ مَا شَآءَ الله ) استثناء متصل .

أى لا أملك لنفسى نفعا ولا ضراً فى وقت من الأوقات إلا فى وقت مشيئة الله بأن يمكننى من ذلك ، فإننى حينئذ أملكه بمشيئته .وقيل الاستثناء منقطع ، أى لكن ما شاء الله من ذلك كائن .وقوله ( وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِيَ السواء ) أى : لكانت حالى - كما قال الزمخشرى - على خلاف ما هى عليه من استكثار الخير ، واستغزار المنافع واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسنى شىء منها ولم أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى فى الحروب ، ورابحا وخاسرا فى التجارات ومصيبا ومخطئا فى التدابير " .قال الجمل : فإن قلت : قد أخبر صلى الله عليه وسلم عن المغيبات وقد جاءت أحاديث فى الصحيح بذلك وهو من أعظم معجزاته فكيف نوفق بينه وبين قوله - تعالى - ( وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب ) .

.

الخ .

.

؟

قلت : يحتمل أنهقاله على سبيل التواضع والأدب ، والمعنى : لا أعلم الغيب إلا أن يطلعنى الله عليه ويقدره لى .ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله على علم الغيب .

فلما أطلعه الله أخبر به كما قال - تعالى - ( عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ) أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ، ثم بعد ذلك أظهره - سبحانه - على أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته .ثم بين القرآن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله ( إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أى : ما أنا إلا بعد أرسلنى الله نذيراً وبشيراً ، وليس من مهمتى أو وظيفتى معرفة علم الغيب .وقوله ( لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يجوز أن يتعلق بقوله ( نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) جميعا لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالإنذار والتبشير ، ويجوز أن يتعلق بقوله ( بَشِيرٌ ) وحده ، وعليه يكون متعلق النذير محذوف أى : للكافرين .

وحذف للعلم به :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً ﴾ أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير، ونظيره قوله تعالى في سورة يونس: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ  قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ الثاني: روي أن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة.

فأنزل الله تعالى هذه الآية: الثالث: قال بعضهم: لما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين.

وقال انظروا أين ناقتي، فقال عبدالله بن أبي مع قومه ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.

فقال عليه الصلاة والسلام: «إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدها على ما قال»، فأنزل الله تعالى: ﴿ قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرَّاً إِلاَّ مَا شَاءَ الله ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أن القوم لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب وطالبوه بإعطاء الأموال الكثيرة والدولة العظيمة ذكر أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وبين أن كل من كان عبداً كان كذلك والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليسا إلا لله تعالى، فالعبد كيف يحصل له هذه القدرة، وهذا العلم؟

واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله تعالى: ﴿ قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ الله ﴾ والإيمان نفع والكفر ضر، فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بمشيئة الله سبحانه، وتقريره ما ذكرناه مراراً أن القدرة على الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر، وإن كانت صالحة للإيمان، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر، وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور الكفر عنها بدلاً عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة، فخالق تلك الداعية الجازمة يكون مريداً للكفر، فثبت أن على جميع التقادير: لا يملك العبد لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله.

أجاب القاضي عنه بوجوه: الأول: أن ظاهر قوله: ﴿ قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ وإن كان عاماً بحسب اللفظ إلا أنا ذكرنا أن سبب نزوله هو أن الكفار قالوا: يا محمد ألايخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو، حتى نشتري الرخيص فنربح عليه عند الغلاء، فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله، والمراد بالنفع: تملك الأموال وغيرها، والمراد بالضر وقت القحط، والأمراض وغيرها.

الثاني: المراد لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فيما يتصل بعلم الغيب، والدليل على أن المراد ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير ﴾ الثالث: المراد: لا أملك لنفسي من الضر والنفع إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه، والمقصود من هذا الكلام بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه.

واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ، وكيف يجوز المصير إليه مع أنا أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر لفظ هذه الآية، والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم علمه بالغيب بقوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير ﴾ واختلفوا في المراد من هذا الخير.

فقيل المراد منه: جلب منافع الدنيا وخيراتها، ودفع آفاتها ومضراتها، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب والأرباح والأكساب.

وقيل: المراد منه ما يتصل بأمر الدين، يعني: لو كنت أعلم الغيب كنت أعلم أن الدعوى إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك، فكيف اشتغل بدعوة هذا دون ذاك.

وقيل: المراد منه: ما يتصل بالجواب عن السؤالات، والتقدير: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير.

والجواب: عن هذه المسائل التي سألوه عنها مثل السؤال عن وقت قيام الساعة وغيره.

أما قوله: ﴿ وَمَا مَسَّنِىَ السوء ﴾ ففيه قولان: القول الأول: قال الواحدي رحمه الله: تم الكلام عند قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَا مَسَّنِىَ السوء ﴾ أي ليس بي جنون، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله: ﴿ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ ﴾ وهذا القول عندي بعيد جداً ويوجب تفكك نظم الآية.

والقول الثاني: إنه تمام الكلام الأول، والتقدير: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من تحصيل الخير، ولاحترزت عن الشر حتى صرت بحيث لا يمسني سوء.

ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر أن علم الغيب غير حاصل عندي، ولما بين بما سبق أنه لا يقدر إلا على ما أقدر الله عليه، ولا يعلم إلا ما أعطاه الله العلم به قال: ﴿ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ والنذير مبالغة في الإنذار بالعقاب على فعل المعاصي وترك الواجبات، والبشير مبالغة في البشارة بالثواب على فعل الواجبات وترك المعاصي وقوله: ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلاأنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذكر الثانية لأن ذكر إحداهما، يفيد ذكر الأخرى كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر  ﴾ والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان نذيراً وبشيراً للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون.

فلهذا السبب خصهم الله بالذكر، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ﴾ هو إظهار للعبودية والانتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب: أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرركما المماليك والعبيد ﴿ إِلاَّ مَا شَاء ﴾ ربي ومالكي من النفع لي والدفع عني ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب ﴾ لكانت حالي على خلاف ما هي عليه، من استكثار الخير، واستغزار المنافع، واجتناب السوء والمضارّ، حتى لا يمسني شيء منها.

ولم أكن غالباً مرة ومغلوباً أخرى في الحروب.

ورابحاً وخاسراً في التجارات، ومصيباً و مخطئاً في التدابير ﴿ إِنْ أَنَا إِلاَّ ﴾ عبد أرسلت نذيراً وبشيراً، وما من شأني أني أعلم الغيب ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يجوز أن يتعلق بالنذير والبشير جميعاً، لأن النذارة والبشارة إنما تنفعان فيهم.

أو يتعلق بالتبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير محذوفاً أي إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا ﴾ جَلْبَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضُرٍّ، وهو إظْهارٌ لِلْعُبُودِيَّةِ والتَّبَرِّي مِنَ ادِّعاءِ العِلْمِ بِالغُيُوبِ.

﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ مِن ذَلِكَ فَيُلْهِمُنِي إيّاهُ ويُوَفِّقُنِي لَهُ، ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُهُ لَخالَفْتُ حالِي ما هي عَلَيْهِ مِنَ اسْتِكْثارِ المَنافِعِ واجْتِنابِ المَضارِّ حَتّى لا يَمَسَّنِيَ سُوءٌ.

﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ ما أنا إلّا عَبْدٌ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ والبِشارَةِ.

﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالـ ﴿ بَشِيرٍ ﴾ ومُتَعَلِّقُ الـ ﴿ نَذِيرٌ ﴾ مَحْذُوفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء الله} هو إظهار للعبودية وبراءة عما يختص بالربوبية من علم الغيب أى انا عبد ضعفيف لا أملك لنفى اجتلاب نفع ولا دفع ضرر كالمماليك إلا ما شاء مالكي من النفع لي والدفع عني {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِىَ السوء} أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها ولم أكن غالباً مرة ومغلوباً اخرى فى الحروب وقيل الغيب لاجل والخير العمل والسوء الوجل وقيل لاستكثربت لاعتددت من الخصب للجدب والسوء الفقر وقد رد {إن أنا إلا نذير وبشير} يتعلق بالنذير والبشير إن أنا إلا عبد أرسلت نذيراً وبشيراً وما من شأنى أن أعلم الغيب واللام في {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يتعلق بالنذير والبشير لأن النذارة والبشارة إنما ينفعان فيهم أو بالبشير وحده والمتعلق بالنذير محذوف أي إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا ﴾ أيْ: لا أمْلِكُ لِأجْلِ نَفْسِي جَلْبَ نَفْعٍ ما ولا دَفْعَ ضَرَرٍ ما.

والجارُّ والمَجْرُورُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ أمْلِكُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نَفْعًا، والمُرادُ لا أمْلِكُ ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ ، أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُمَكِّنَنِي مِن ذَلِكَ فَإنَّنِي حِينَئِذٍ أمْلِكُهُ بِمَشِيئَتِهِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وفِيهِ دَلِيلٌ كَما قالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ عَلى أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ كائِنٌ، وفِيهِ عَلى هَذا مِن إظْهارِ العَجْزِ ما لا يَخْفى، والكَلامُ مَسُوقٌ لِإثْباتِ عَجْزِهِ عَنِ العِلْمِ بِالسّاعَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وإعادَةُ الأمْرِ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الجَوابِ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِهِ ومُغايَرَتِهِ لِلْأوَّلِ.

﴿ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ أيِ: الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما بَيْنَ الأشْياءِ مِنَ المُناسَباتِ المُصَحَّحَةِ عادَةً لِلسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ ومِنَ المُبايَناتِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْمُدافَعَةِ والمُمانَعَةِ ﴿ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ ﴾ أيْ: لَحَصَّلْتُ كَثِيرًا مِنَ الخَيْرِ الَّذِي نِيطَ بِتَرْتِيبِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ ﴿ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ أيِ السُّوءُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّفَصِّي عَنْهُ بِالتَّوَقِّي عَنْ مُوجِباتِهِ والمُدافَعَةِ بِمَوانِعِهِ وإنْ كانَ مِنهُ ما لا مَدْفَعَ لَهُ، وكَأنَّ عَدَمَ مَسِّ السُّوءِ مِن تَوابِعِ اسْتِكْثارِ الخَيْرِ في الجُمْلَةِ، ولِذا لَمْ يَسْلُكْ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ نَحْوَ مَسْلَكِ الجُمْلَةِ الأُولى، والِاسْتِلْزامُ في الشَّرْطِيَّةِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا وكُلِّيًّا بَلْ يَكْفِي أنْ يَكُونَ عادِيًّا في البَعْضِ.

وقَدْ حَكَمَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ في الآيَةِ مِنَ العادِيِّ، وبِذَلِكَ دَفَعَ الشِّهابُ ما قِيلَ: إنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ لا يَلْزَمُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلَيْهِ ومَنشَؤُهُ الغَفْلَةُ عَنِ المُرادِ.

وحَمْلُ الخَيْرِ والسُّوءِ عَلى ما ذُكِرَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُلَّةُ المُحَقِّقِينَ.

وفُسِّرَ بَعْضُ الأوَّلِ بِالرِّبْحِ في التِّجارَةِ والفَوْزِ بِالخِصْبِ.

والثّانِي بِضِدِّ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا تُخْبِرُنا بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ فَنَشْتَرِيَ فَنَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تُرِيدُ أنْ تُجْدِبَ فَنَرْتَحِلَ مِنها إلى ما قَدْ أخْصَبَ.

فَنَزَلَتْ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِالرِّبْحِ في التِّجارَةِ والثّانِي بِالفَقْرِ، وقِيلَ: الأوَّلُ الجَوابُ عَنْ السُّؤالِ والثّانِي التَّكْذِيبُ، وقِيلَ: الأوَّلُ الِاشْتِغالُ بِدَعْوَةِ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، والثّانِي النَّصَبُ الحاصِلُ مِن دَعْوَةِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ.

وقِيلَ: ونُسِبَ إلى مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: المُرادُ مِنَ الغَيْبِ المَوْتُ، ومِنَ الخَيْرِ الإكْثارُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ومِنَ السُّوءِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والكُلُّ كَما تَرى ومِنها ما لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الخَيْرِ عَلى ذِكْرِ السُّوءِ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلُ حَيْثُ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ النَّفْعِ عَلى ذِكْرِ الضُّرِّ وسَلَكَ في ذِكْرِهِما هُناكَ كَذَلِكَ مَسْلَكَ التَّرَقِّي عَلى ما قِيلَ: فَإنَّ دَفْعَ المَضارِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ، وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّ أكْثَرَ ما جاءَ في القُرْآنِ إذْ يُؤْتى بِالضُّرِّ والنَّفْعِ مَعًا تَقْدِيمُ لَفْظِ الضُّرِّ عَلى النَّفْعِ وهو الأصْلُ لِأنَّ العابِدَ إنَّما يَعْبُدُ مَعْبُودَهُ خَوْفًا مِن عِقابِهِ أوَّلًا ثُمَّ يَعْبُدُهُ طَمَعًا في ثَوابِهِ ثانِيًا كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ وحَيْثُ تَقَدَّمَ النَّفْعُ عَلى الضُّرِّ كانَ ذَلِكَ لِسَبْقِ لَفْظٍ تَضَمَّنَ مَعْنى نَفْعٍ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ حَيْثُ تَقَدَّمَ آنِفًا لَفْظُ الهِدايَةِ عَلى الضَّلالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ ﴾ إلَخْ.

وفي الرَّعْدِ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الطَّوْعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ وهو نَفْعٌ، وفي الفُرْقانِ تَقَدَّمَ العَذْبُ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ ﴾ وهو نَفْعٌ، وفي سَبَأٍ تَقَدَّمَ البَسْطُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ ولْيُقَسْ عَلى هَذا غَيْرُهُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: يُفَسِّرُ النَّفْعَ هُنا بِالهُدى والضُّرَّ بِالضَّلالِ، وبِهِ تَقْوى نُكْتَةُ التَّقْدِيمِ الَّتِي اعْتَبَرَها هَذا الفاضِلُ فِيما نَحْنُ فِيهِ كَما لا يَخْفى.

واسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبَرَ بِالمُغَيَّباتِ الجَمَّةِ وكانَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ، وعُدَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واخْتُلِفَ في الجَوابِ فَقِيلَ: المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ ذاكَ بِالغَيْبِ المُفِيدِ لِجَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ الَّتِي لا عَلاقَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ وما يَعْلَمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الغُيُوبِ لَيْسَ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ، وعَدَمُ العِلْمِ مِمّا لا يَطْعَنُ في مَنصِبِهِ الجَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ.

فَلَمْ يَفْعَلُوا فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ما لَقَّحْتُمْ؟

قالُوا: قُلْتَ كَذا وكَذا.

قالَ: أنْتُمْ أعْلَمُ بِأمْرِ دُنْياكُمْ»».

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى لَهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ حِينَ ذُكِرَ لَهُ أنَّهُ صارَ شِيصًا: «إنْ كانَ شَيْءٌ مِن أمْرِ دُنْياكم فَشَأْنُكُمْ، وإنْ كانَ مِن أمْرِ دِينِكم فَإلَيَّ»».

وقَدْ عُدَّ عَدَمُ عِلْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأمْرِ الدُّنْيا كَمالًا في مَنصِبِهِ؛ إذِ الدُّنْيا بِأسْرِها لا شَيْءَ عِنْدَ رَبِّهِ.

وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ اسْتِمْرارِ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الغَيْبَ، ومَجِيءُ (كانَ) لِلِاسْتِمْرارِ شائِعٌ، ويُلاحَظُ الِاسْتِمْرارُ أيْضًا في الِاسْتِكْثارِ وعَدَمِ المَسِّ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالغَيْبِ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْهُ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْلَمْهُ ولَمْ يُخْبَرْ بِهِ أصْلًا، وحِينَئِذٍ يُفَسَّرُ الخَيْرُ والسُّوءُ بِما يُلائِمُ ذَلِكَ كَتَعْلِيمِ السّائِلِينَ وعَدَمِ الطَّعْنِ في أمْرِ الرِّسالَةِ مِنَ الكافِرِينَ، وقِيلَ: ألْ في الغَيْبِ لِلِاسْتِغْراقِ وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ كُلَّ غَيْبٍ فَإنَّ مِنَ الغَيْبِ ما تَفَرَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَمَعْرِفَةِ كُنْهِ ذاتِهِ تَبارَكَ وتَعالى وكَمَعَرْفَةِ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ.

وفِي لِبابِ التَّأْوِيلِ لِلْخازِنِ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ والأدَبِ، والمَعْنى: لا أعْلَمُ الغَيْبَ إلّا أنْ يُطْلِعَنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ويُقَدِّرَهُ لِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الغَيْبِ، فَلَمّا أطْلَعَهُ أخْبَرَ بِهِ، أوْ يَكُونُ خَرَجَ هَذا الكَلامُ فَخَرَجَ الجَوابُ عَنْ سُؤالِهِمْ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أشْياءَ مِنَ المُغَيَّباتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ ودَلالَةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ.

وكَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ يُشِيرُ إلى تَرْجِيحِ الأوَّلِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ عَلى ذَلِكَ ما أنا إلّا عَبْدٌ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ والبِشارَةِ وشَأْنِي حِيازَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ العُلُومِ لا الوُقُوفُ عَلى الغُيُوبِ الَّتِي لا عَلاقَةَ بَيْنَها وبَيْنَهُما، وقَدْ كَشَفْتُ مِن أمْرِ السّاعَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإنْذارُ مِن مَجِيئِها لا مَحالَةَ واقْتِرابِها، وأمّا تَعْيِينُ وقْتِها فَلَيْسَ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ الإنْذارُ بَلْ هو مِمّا يَقْدَحُ فِيهِ لِما مَرَّ مِن أنَّ إبْهامَهُ أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وتَقْدِيمُ النَّذِيرِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إنْذارٍ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتُ بِهِ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالوَصْفَيْنِ جَمِيعًا والمُؤْمِنُونَ يَنْتَفِعُونَ بِالإنْذارِ كَما يَنْتَفِعُونَ بِالتَّبْشِيرِ، وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِالأخِيرِ ومُتَعَلِّقُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ: نَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ، وحُذِفَ لِيُطَهَّرَ اللِّسانُ مِنهم.

وأرادَ بَعْضَهم مِنَ الكافِرِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ومِن مُقابِلِهِمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ في أيِّ وقْتٍ كانَ وحِينَئِذٍ في الآيَةِ تَرْغِيبٌ لِلْكَفَرَةِ في إحْداثِ الإيمانِ وتَحْذِيرٌ عَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أي: قيام الساعة أَيَّانَ مُرْساها أي متى حينها وقيامها.

ويقال: هذا الكلام على الاختصار.

ومعناه: أي أوان قيامها.

ثم قال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي: علم قيام الساعة عند ربي وما لي بها من علم لاَ يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ أي لا يكشفها لحينها إلا الله.

ويقال: لا يقدر أحد على إظهارها إلا هو.

يعني: إلا الله.

ويقال: لا يعلم أحد قيامها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ثقل علم قيام الساعة على أهل السموات وأهل الأرض.

ويقال: ثقلت أي: خفي علمها، وإذا خفي الشيء ثقل علمه.

ويقال: معناه ثقل حمل ذكرها لفظاعة شأنها وأمرها.

ثم قال: لاَ تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يعني: فجأة.

ثم قال: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قال مقاتل: كأنك استحفيت عنها السؤال حتى علمتها.

وقال القتبي: أي: كأنك حفي تطلب علمها.

ومنه يقال: تحفى فلان بالقوم إذا بالغ في البر.

ويقال: كأنك حفي عنها أي كأنك جاهل بها.

ويقال: في الآية تقديم ومعناه: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها يعني: كأنك عالم بها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وروى إبراهيم بن يوسف بإسناده أن النبي  سأله رجل فقال: متى الساعة؟

فقال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ عَشْرَةٌ يَقْرَبُ فِيهَا المَاحِلُ وَيَطْرُفُ فِيها الفَاجِرُ وَيَعْجَزُ فِيها المُنْصِفُ وَتَكُونُ الصَّلاَةُ منّاً والزَّكَاةُ مَغْرَماً وَالأَمَانَةُ مَغْنَماً وَاسْتِطَالَةُ القُرَّاءِ فَعِنْدَ ذلك تَكُونُ أَمَارَةُ الصِّبْيانِ وَسُلْطَانُ النِّساءِ وَمَشُورَةُ الإِماءِ» .

ثم قال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ يعني: علم قيامها عِندَ الله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أنها كائنة ولا يصدقون بها.

قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا قال مقاتل: يعني لا أقدر لنفسي أن أسوق إليها خيراً أو أدفع عنها ضراً حين ينزل بي فكيف أملك علم الساعة إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فيصيبني وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي غيب النفع والضر إذ جاء لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يعني: لاستكثرت من النفع وما أصابني الضر.

وقال الكلبي: أن أهل مكة قالوا له ألا يخبرك ربك بالبيع الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه فتربح فيه؟

فنزل قل لهم: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ للجدوبة والقحط.

ويقال: لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح.

وقال الضحاك: قال لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا يعني الغنى والفقر إلا ما شاء الله إن شاء أغنى عبده وإن شاء أفقره وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي مواضع الكنوز لاستخرجتها وما مسني السوء يعني: الفقر إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ أي مخوف بالنار وَبَشِيرٌ يعني: مبشراً بالجنة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون بالبعث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التدَارُكِ، ووجَبَ عليهم المحذورُ، ثم وقفهم «بِأَيِّ حديثٍ» أو أمْرٍ يقعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إِذا لم يقع بأمْرٍ فيه نجاتُهم، ودخولُهم الجَنَّةَ ونحو هذا المعنى قولُ الشاعر: [الطويل]

...............

......

...

وَعنْ أَيّ نَفْسٍ دُونَ نَفْسِي أُقَاتِلُ «١»

والضمير في بَعْدَهُ يراد به القُرْآن.

وقيل: المراد به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعَ، وقيل: هو عائد على الأجَلِ، أي:

بعد الأجل، إِذ لا عَمَلَ بعد الموت.

وقوله سبحانه: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ...

الآية: هذا شرطٌ وجوابٌ، مضمَّنه اليأْسُ منهم، والمَقْتُ لهم لأن المراد أَنَّ هذا قد نزل بهم، والطغيان: الإفراطُ في الشيء، وكأنه مستعملٌ في غير الصَّلاح، والعمه: الحيرة.

يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)

وقوله سبحانك: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ، قال قتادة: السائِلُونَ: هم قريش «٢» .

وقال ابن عباس: هم أحبار اليهود «٣» .

ت: وفي «السِّيرَة» لابنِ هشامٍ: أَن السائلين من أحبار اليهود: حَمَلُ بْنُ أبي قُشَيْرٍ، وَسَمَوْءلُ بْنُ زَيْدٍ.

انتهى.

والساعة: القيامة مُوِّتَ كُلّ من كان حَيًّا حينئذٍ، وبعث الجميع، وأَيَّانَ: معناه مَتَى، وهي مبنيَّةٌ على الفتْحِ، قال الشاعر: [الرجز]

أَيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أَيَّانَا ...

أَمَا ترى لِفعْلِهَا أبانا «١»

ومُرْساها معناه: مُثْبَتُها ومُنْتَهَاها مأخوذٌ من: أرسى يُرْسِي، ف «مُرْسَاهَا» : رَفْعٌ بالابتداء، والخبرُ «أَيَّانَ» ، وعبارة البخاريّ: أَيَّانَ مُرْساها: متى خروجها.

انتهى، ويُجَلِّيها: معناه يظهرها.

وقوله سبحانه: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قيل: معناه: ثَقُلَ أنْ تُعْلَم ويُوقَفَ عَلى حقيقةٍ وَقْتها، وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: معناه: ثَقُلَتْ هيئتها والفزعُ عَلَى/ أَهْل السموات «٢» والأرض، لاَ تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، أي: فجأةً.

وقوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قالَ ابن عبَّاس وغيره: المعنى يسألونك كأنكَ حَفِيٌّ، أي: مُتْحَفٌ ومُهْتَبِلٌ «٣» بهم، وهذا ينحُو إلى ما قالَتْ قريشٌ: يا محمَّدُ، إِنا قرابَتُكَ، فأخبرْنا بوَقْت السَّاعة.

وقال ابن زَيْد وغيره: معناه: كأنك حفيٌّ في المسألة عَنْها، والاشتغالِ بها، حتى حصَّلَتْ علمها «٤» .

وقرأ ابن عبَّاس «٥» فيما ذكر أبو حاتم: «كأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا» .

وقوله سبحانه: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قال الطَّبريُّ: معناه: لا يعلمُونَ أنَّ هذا الأَمْرَ لا يعلمه إِلا اللَّهُ، بل يظنُّ أكثرهم أنه ممَّا يعلمه البَشَرُ.

وقوله سبحانه: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ ...

الآية: هذا أمر بأنْ يبالِغَ في الاستسلام، ويتجَّردَ من المشاركةِ في قُدْرة اللَّه، وغَيْبِه، وأنَّ يصفَ نفسه لهؤلاءِ السائلين بأنه لا يملكُ من منافع نفسه ومضارِّها إِلا مَا سَنَّى اللَّه وشاء ويسّر، وهذا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ، فَتَشْتَرِيَ فَتَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تُرِيدُ أنْ تَجْدُبَ، فَتَرْتَحِلَ عَنْها إلى ما قَدْ أُخْصِبَ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي المُرادِ بِالنَّفْعِ والضَّرِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ ما يَنْفَعُ ويَضُرُّ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ النَّفْعَ: الهُدى، والضُّرُّ: الضَّلالَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ: إلّا ما أرادَ أنْ أُمَلِّكَهُ بِتَمْلِيكِهِ إيّايَ؛ ومَن هو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَكَيْفَ يَعْلَمُ عِلْمَ السّاعَةِ.

!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ بِجَدْبِ الأرْضِ وقَحْطِ المَطَرِ قَبْلَ كَوْنِ ذَلِكَ لَهَيَّأْتُ لِسَنَةِ الجَدْبِ ما يَكْفِيها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ما أرْبَحُ فِيهِ إذا اشْتَرَيْتُهُ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى أمُوتُ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما أسْألُ عَنْهُ مِنَ الغَيْبِ لِأجَبْتُ عَنْهُ.

﴿ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ أيْ: لَمْ يَلْحَقْنِي تَكْذِيبٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَأمّا الغَيْبُ، فَهو كُلُّ ما غابَ عَنْكَ.

ويَخْرُجُ في المُرادِ بِالخَيْرِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ.

والثّانِي: المالُ.

والثّالِثُ: الرِّزْقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ ما يَسُوءُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: الجُنُونُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: التَّكْذِيبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَعَلى قَوْلِ الحَسَنِ، يَكُونُ هَذا الكَلامُ مُبْتَدَأ، والمَعْنى: وما بِي مِن جُنُونٍ إنَّما أنا نَذِيرٌ، وعَلى باقِي الأقْوالِ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُوءُ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِن الشاكِرِينَ ﴾ هَذا أمْرٌ في أنْ يُبالِغَ في الِاسْتِسْلامِ ويَتَجَرَّدَ مِنَ المُشارَكَةِ في قُدْرَةِ اللهِ وغَيْبِهِ، وأنْ يَصِفَ نَفْسَهُ لِهَؤُلاءِ السائِلِينَ بِصِفَةِ مَن كانَ بِها فَهو حَرِيٌّ ألّا يَعْلَمَ غَيْبًا ولا يَدَّعِيَهُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ لا يَمْلِكُ مِن مَنافِعِ نَفْسِهِ ومَضارِّها إلّا ما سَنّى اللهُ لَهُ وشاءَ ويَسَّرَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وأخْبَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ لَعَمِلَ بِحَسَبِ ما يَأْتِي ولاسْتَعَدَّ لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتِعْدادَ مَن يَعْلَمُ قَدَرَ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ، وهَذا لَفْظُ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ خَصَّصَ الناسُ هَذا فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٌ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ أجْلِي لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أوقاتُ النَصْرِ لَتَوَخِيَتِها، وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ مَعْنى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ﴾ السَنَةَ المُجْدِبَةَ لَأعْدَدْتُ لَها مِنَ المُخْصِبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَسَّنِيَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ وبِكِلَيْهِما قِيلَ؛ أحَدُهُما: أنَّ "ما" مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لاسْتَكْثَرْتُ ﴾ أيْ: ولَما مَسَّنِيَ السُوءُ.

والثانِي: أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَقْطُوعًا تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ ﴾ وابْتَدَأ يُخْبِرُ بِنَفْيِ السُوءِ عنهُ وهو الجُنُونُ الَّذِي رَمَوْهُ بِهِ.

قالَ المُؤَرِّجُ السَدُوسِيُّ:السُوءُ: الجُنُونُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، ثُمَّ أخْبَرَ بِجُمْلَةِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ.

و ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُطْلَبُ مِنهُمُ الإيمانُ ويُدْعَوْنَ إلَيْهِ وهَؤُلاءِ الناسُ أجْمَعُ، والثانِي: أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ نَذِيرٌ ويَتِمَّ الكَلامُ، ثُمَّ يَبْتَدِئَ يُخْبِرُ أنَّهُ بَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَفي هَذا وعْدٌ لِمَن حَصَلَ إيمانُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ الآيَةُ.

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ حَوّاءُ، وقَوْلُهُ: "مِنها" يُرِيدُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ آدَمَ نامَ فاسْتُخْرِجَتْ قُصْرى أضْلاعِهِ وخُلِقَتْ مِنها حَوّاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْكُنَ إلَيْها ﴾ أيْ: لِيَأْنَسَ ويَطْمَئِنَّ، وكانَ هَذا كُلُّهُ في الجَنَّةِ.

ثُمَّ ابْتَدَأ بِحالَةٍ أُخْرى هي في الدُنْيا بَعْدَ هُبُوطِها، فَقالَ: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ أيْ غَشِيَها وهي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، والحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حَمْلًا" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "حِمْلًا" بِكَسْرِ الحاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قالَ أيُّوبُ: سَألْتُ الحَسَنَ عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ فَقالَ: لَوْ كُنْتَ امْرَأً عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَ ما هِيَ، إنَّما المَعْنى: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدَّرَهُ قَوْمٌ عَلى القَلْبِ كَأنَّ المُرادَ: فاسْتَمَرَّ بِها، كَما تَقُولُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما ذَكَرَ النَقّاشُ -: "فَمَرَتْ بِهِ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها هَلْ هو حَمْلٌ أو مَرَضٌ ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "فاسْتَمَرَّتْ بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: "فَمارَتْ بِهِ" ومَعْناهُ: أيْ جاءَتْ بِهِ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِيحُ مَوْرًا، و"أثْقَلَتْ" دَخَلَتْ في الثِقْلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أيْ: صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَجُلُ وألْبَنَ إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، والضَمِيرُ في "دَعَوا" يَعُودُ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حَوّاءَ لَمّا حَمَلَتْ أوَّلَ حَمْلٍ لَمْ تَدْرِ ما هُوَ، وهَذا يُقَوِّي قِراءَةَ مَن قَرَأ "فَمَرَتْ بِهِ" بِتَخْفِيفِ الراءِ فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ فَوَجَدَ إبْلِيسُ إلَيْها السَبِيلَ، فَقالَ لَها: ما يُدْرِيكِ ما في جَوْفِكِ؟

ولَعَلَّهُ خِنْزِيرٌ أو حَيَّةٌ أو بَهِيمَةٌ في الجُمْلَةِ، وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟

أيَنْشَقُّ لَهُ بَطْنُكِ فَتَمُوتِينَ أو مِن فَمِكِ أو مِن أنْفِكِ؟

ولَكِنْ إنْ أطَعْتِنِي وسَمَّيْتِهِ عَبْدَ الحارِثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "والحارِثُ اسْمُ إبْلِيسَ"، فَسَأُخَلِّصُهُ لَكِ وأجْعَلُهُ بَشَرًا مِثْلَكِ، وإنْ أنْتِ لَمْ تَفْعَلِي قَتَلْتُهُ لَكِ، قالَ: فَأخْبَرَتْ حَوّاءُ آدَمَ، فَقالَ لَها: ذَلِكَ صاحِبُنا الَّذِي أغْوانا في الجَنَّةِ، لا نُطِيعُهُ، فَلَمّا ولَدَتْ سَمَّياهُ عَبْدَ اللهِ، فَماتَ الغُلامُ، ويُرْوى أنَّ اللهَ سَلَّطَ إبْلِيسَ عَلى قَتْلِهِ، فَحَمَلَتْ بِآخَرَ فَفَعَلَ بِها مِثْلَ ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ بِالثالِثِ، فَلَمّا ولَدَتْهُ أطاعا إبْلِيسَ فَسَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فَهَذا هو الشِرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ، أيْ في التَسْمِيَةِ فَقَطْ.

وَ"صالِحًا" قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: غُلامًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -وَهُوَ الأظْهَرُ-: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وفي "المُشْكِلِ" لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ أيْ: أتْيًا صالِحًا، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَبْيِينُ عن حالِ الكافِرِينَ، فَعَدَّدَ النِعَمَ الَّتِي تَعُمُّ الكافِرِينَ وغَيْرَهم مِنَ الناسِ، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِفِعْلِ المُشْرِكِينَ السَيِّئِ فَقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ ووَجَبَ العِقابُ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ الناسِ: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ يُرِيدُ آدَمَ وحَوّاءَ، أيْ: واسْتَمَرَّتْ حالُكم واحِدًا كَذَلِكَ، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ تَخُصُّ كُلَّ أحَدٍ بِجُزْءٍ مِنها، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وصْفًا لِحالِ الناسِ واحِدًا واحِدًا، أيْ هَكَذا يَفْعَلُونَ، فَإذا آتاهُمُ اللهُ الوَلَدَ صالِحًا سَلِيمًا كَما أرادَهُ، صَرَفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِرْكِ، فَهَذا فِعْلُ المُشْرِكِينَ الَّذِي قامَتِ الحُجَّةُ فِيهِ بِاقْتِرانِهِ مَعَ النِعْمَةِ العامَّةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما حَكى عنهُ الطَبَرِيُّ -: مَعْنى الآيَةِ: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ إشارَةٌ إلى الرُوحِ الَّذِي يُنْفَخُ في كُلِّ أحَدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أيْ: خَلَقَكم مِن جِنْسٍ واحِدٍ وجَعَلَ الإناثَ مِنهُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وصْفًا لِحالِ الناسِ واحِدًا واحِدًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَرْتِيبِ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا ارتقاء في التبرُّؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم، وزيادةٌ من التعليم للأمة بشيء من حقيقة الرسالة والنبوة، وتمييز ما هو من خصائصها عما ليس منها.

والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استينافها الاهتمام بمضمونها، كي تتوجه الأسماع إليها، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله: ﴿ قل إنما علمها عند ربي...

قل إنما علمها عند الله ﴾ [الأعراف: 187] للاهتمام باستقلال المقول، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله، وخص هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول عليه الصلاة والسلام نحو معرفة الغيب ليقلع من عقول المشركين توهمَ ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة، إعلاناً للمشركين بالتزام أنه لا يَعلم الغيب، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى يستيْئسوا من تحديه بذلك، وإعلاماً للمسلمين بالتمييز بين ما تقتضيه النبوة وما لا تقتضيه، ولذلك نفى عن نفسه معرفة أحواله المغيّبة، فضلاً على معرفة المغيبات من أحوال غيره إلاّ ما شاء الله.

في «تفسير البغوي»، عن ابن عباس: أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يَغلو فتشتريَ عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تَجْدب فترتحل منها إلى التي قد أخصبتْ، فأنزل الله تعالى: ﴿ قُل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلاّ ما شاء الله ﴾ فيكون هذا من جملة ما توركوا به مثل السؤال عن الساعة، وقد جمع رد القولين في قول.

ومعنى الملْك هنا الاستطاعة والتمكن، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً ﴾ في سورة المائدة (76)، والمقصود منه، هنا: ما يشمل العلم بالنفع والضر، لأن المقام لنفي معرفة الغيب، ولأن العلم بالشيء هو موجب توجه النفس إلى عَمله.

وقُدم النفع في الذكر هنا على الضر: لأن النفع أحب إلى الإنسان، وعُكس في آية المائدة؛ لأن المقصود تهوين أمر معبوداتهم، وأنها لا يُخشى غضبها.

وإنما عطف قوله: ﴿ ولا ضَراً ﴾ مع أن المرء لا يتطلب إضرار نفسه لأن المقصود تعميم الأحوال إذ لا تعدو أحوال الإنسان عن نافع وضار، فصار ذكر هذين الضدين مثل ذكر المساء والصباح وذكر الليل والنهار والشر والخير وسيأتي مزيد بيان لهذا عند قوله تعالى: ﴿ ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ﴾ في سورة الفرقان (3)، وجُعل نفي أن يملك لنفسه نفعاً أو ضراً مقْدمة لنفي العلم بالغيب، لأن غاية الناس من التطلع إلى معرفة الغيب هو الإسراع إلى الخيرات المستقبلة بتهيئة أسبابها وتقريبها، وإلى التجنب لمواقع الإضرار، فنفي أن يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، يعم سائر أنواع الملك وسائر أنواع النفع والضر، ومن جملة ذلك العموم ما يكون منه في المستقبل وهو من الغيب.

والاستثناء من مجموع النفع والضر، والأولى جعله متصلاً، أي إلاّ ما شاء الله أن يُملّكنيه بأن يُعْلمنيه ويُقدرَني عليه، فإن لم يشأ ذلك لم يطلعني على مواقعه وخلق الموانع من أسباب تحصيل النفع، ومن أسباب اتقاء الضر، وحمْله على الاتصال يناسب ثبوت قدرة للعبد بجعل الله تعالى وهي المسماة بالكسب، فإذا أراد الله أن يوجه نفس الرسول عليه الصلاة والسلام إلى معرفة شيء مغيب أطلعه عليه لمصلحة الأمة أو لإكرام الأمة له كقوله تعالى: ﴿ إذْ يريكهم الله في منامك ﴾ إلى قوله: ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ [الأنفال: 44].

وقوله: ﴿ ولو كنتُ أعلم الغيب ﴾ الخ تكملة للتبرؤ من معرفة الغيب، سواء منه ما كان يخص نفسه وما كان من شؤون غيره.

فحصل من مجموع الجملتين أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، في عالم الشهادة وفي عالَم الغيب، وأنه لا يعلم شيئاً من الغيب، مما فيه نفعه وضره وما عداه.

والاستدلال على انتفاء علمه بالغيب بانتفاء الاستكثار من الخير، وتجنب السوء، استدلال بأخص ما لو عَلم المرء الغيبَ لَعلمه، أولَ ما يعلم وهو الغيب الذي يَهُم نفسه، ولأن الله لو أراد إطلاعه على الغيب؛ لكان القصد من ذلك إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون إطلاعه على ما فيه راحته أول ما ينبغي إطلاعه عليه، فإذا انتفى ذلك كان انتفاء غيره أوْلَى.

ودلي التالي، في هذه القضية الشرطية، هو المشاهدة من فوات خيرات دنيوية لم يتهيأ لتحصيلها وحصول أسواء دنيوية، وفيه تعريض لهم إذ كانوا يتعرضون له السوء.

وجملة: ﴿ إن أنا إلاّ نذير وبشير ﴾ من تمام القول المأمور به وهي مستأنفة ستينافاً بيانياً، ناشئاً عن التبرُّؤِ من أن يملك لنفسه نفعاً أو ضراً لأن السامعين يتوهمون ما نفاه عن نفسه أخص صفات النبي فمن شأنهم أن يتعجبوا من نفيه ذلك عن نفسه وهو يقول إنه رسول الله إليهم، ويسألوا عن عمله ما هو بعد أن نفي عنه ما نفي، فبين لهم أن الرسالة منحصرة في النذارة على المفاسد وعواقبها والبشارة بعواقب الانتهاء عنها واكتساب الخيرات.

وإنما قدم وصف النذير على وصف البشير، هنا: لأن المقام خطاب المكذبين المشركين، فالنذارة أعلق بهم من البشارة.

وتقدم الكلام على النذير البشير عند قوله تعالى: ﴿ إنّا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ﴾ في سورة البقرة (119).

وقوله: ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ يتنازعُ تعلُّقَه كل من ﴿ نذير ﴾ و ﴿ بشير ﴾ : لأن الانتفاع بالأمرين يختص بالذين تهيئوا إلى الإيمان بأن يتأملوا في الآيات وينهوا من أنفسهم ويقولوا الحق على آبائهم، دون الذين جعلوا دَيدنهم التكذيبَ والإعراضَ والمكابرة، فالمضارع مراد به الحال والاستقبال كما هو شأنه، ليشمل من تَهيأ للإيمان حالاً ومآلاً، وأما شموله لمن آمنوا فيما مضى فهو بدلالة فحوى الخطاب إذ هم أولى، وهذا على حد قوله تعالى: ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ [النازعات: 45].

وفي نظم الكلام على هذا الأسلوب من التنازع، وإيلاء وصف (البشير) ب (قوم يؤمنون)، إيهام أن البشارة خاصة بالمؤمنين، وأن متعلق النذارة المتروك ذكره في النظم هو لأضداد المؤمنين، أي المشركين، وهذا المعنى مقصود على نحو قوله تعالى: ﴿ لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ﴾ [الأحقاف: 12].

وهذه المعاني المستتبعات مقصودة من القرآن، وهي من وجوه إعجازه لأن فيها استفادة معان وافرة من ألفاظ وجيزة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا ﴾ أيْ لا أمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَيْهِما مِن غَيْرِ مانِعٍ ولا صادٍّ.

﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ يُمَلِّكَنِي إيّاهُ فَأمْلِكُهُ بِمَشِيئَتِهِ.

﴿ وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: لَأعْدَدْتُ مِنَ السَّنَةِ المُخَصَّبَةِ لِلسَّنَةِ المُجْدِبَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: وهو شاذٌّ: لاشْتَرَيْتُ في الرُّخْصِ وبِعْتُ في الغَلاءِ.

﴿ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: ما بِي جُنُونٌ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ما مَسَّنِيَ الفَقْرُ لِاسْتِكْثارِي مِنَ الخَيْرِ.

والثّالِثُ: ما دَخَلْتُ عَلى شُبْهَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ قال: لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه ﴿ وما مسني السوء ﴾ قال: ولا يصيبني الفقر.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ﴾ قال: الهدى والضلالة ﴿ ولو كنت أعلم الغيب ﴾ متى أموت ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ قال: العمل الصالح.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ وما مسني السوء ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة ﴾ السائلون اليهود أو قريش، وسميت القيامة ساعة لسرعة حسابها كقوله: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾ معنى أيان: متى، ومرساها: وقوعها وحدوثها، وهي من الإرساء بمعنى الثبوت ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ﴾ أي استأثر الله بعلم وقوعها ولم يطلع عليه أحد ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ معنى يجليها يظهرها، فهو من الجلاء ضدّ الخفاء، واللام في لوقتها ظرفية: أي عند وقتها، والمعنى لا يظهر الساعة عند مجيء وقتها إلا الله ﴿ ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض ﴾ في معناه ثلاثة أقوال: الأول: ثقلت على أهل السموات والأرض لهيبتها عندهم وخوفهم منها، والثاني: ثقلت على أهل السموات والأرض أنفسها لتفطر السماء فيها وتبديل الأرض، والثالث: معنى ثقلت: أي ثقل علمها أي خفي ﴿ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ الحفيّ بالشيء هو المهتم به المعتني به، والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفيّ بعلمها وقيل: المعنى يسألونك عنها كأنك حفيِّبهم لقرابتك منهم، فعنها على هذين القولين يتعلق بيسألونك، وقيل المعنى يسألونك كأنك حفي بالسؤال عنها ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير ﴾ براءة من علم الغيب، واستدلال على عدم علمه ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ السواء ﴾ عطف على لاستكثرت من الخير أي لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير، واحترست من السوء ولكن لا أعلمه فيصيبني ما قدر لي من الخير والشر، وقيل: إن قوله وما مسني السوء: استئناف إخبار، والسوء على هذا هو الجنون واتصاله بما قبله أحسن ﴿ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يجوز أن يتعلق ببشير ونذير معاً أي أبشر المؤمنين وأنذرهم، وخص بهم البشارة والنذارة، لأنهم هم الذين ينتفعون بها، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، ويكون المتعلق بنذير محذوف أي نذير للكافرين، والأول أحسن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.

الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.

الباقون: بالتشديد.

﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.

الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.

﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.

الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.

الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .

بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".

واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.

وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.

كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه  كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله  كان مخالفاً لفعلهم.

وعن الحسن وقتادة أن النبي  قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.

فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.

فأمرهم الله  بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه  كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.

ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.

والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض  ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.

والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.

فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.

وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.

ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.

ومن السائل؟

عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.

وعن قتادة.

إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.

قال في الكشاف.

الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها  ﴾ ﴿ أيان يوم الدين  ﴾ ولا يقال أيان نمت.

وكسر همزته لغة بني سليم.

وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.

وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.

وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.

ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.

والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.

أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.

وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.

عن النبي  "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي  أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .

ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.

والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.

وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.

وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.

وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.

وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.

وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.

ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله  .

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله  .

وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.

وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.

قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.

وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.

وقال بعضهم: "لما رجع  من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر  بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.

فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.

فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .

أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.

وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل  ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً  ﴾ والطوع نفع.

وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات  ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  ﴾ وقس على هذا.

ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.

قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه  قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.

ومنها أن آدم  كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟

ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه  يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.

والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.

وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.

وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.

أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله  وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.

والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.

ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي  الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم  كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.

فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.

أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟

وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.

وعلى هذا فإنما قال  ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.

فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله  أعلم.

ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.

واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.

والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.

ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.

ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟

وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.

وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.

ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.

وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟

وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله  لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.

ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله  بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.

وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.

ثم لما أمره  بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.

وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.

أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.

يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال  ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.

أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.

ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.

قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.

وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور  ﴾ .

التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله  فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.

﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.

﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا ﴾ قيل: ﴿ أَيَّانَ ﴾ : متى قيامها.

وقال القتبي: ﴿ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا ﴾ أي: متى ثبوتها؛ يقال: رسا في الأرض: إذا ثبت، ورسا في الماء، ويقال للجبال: رواسي؛ لثبوتها.

ثم اختلف في السؤال عما كان: قال بعضهم: كان السؤال عن الفناء وفناء الخلق وهلاكهم؛ لأنه قال في آخره: ﴿ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾ ونحوه قوله: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [يس: 49]، وذلك يكون في الدنيا.

وقال قائلون: كان السؤال عن البعث وقيام الساعة؛ إنكاراً منهم إياها واستعجالا للعذاب؛ كقوله: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ  يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا  ﴾ ، وقولهم: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا...

﴾ الآية [المؤمنون: 82]، وغير ذلك من الآيات؛ يدل على أن السؤال كان عن الساعة، وليس قوله: ﴿ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾ أنه كان عن الفناء؛ إذ كانوا يعاينون الفناء؛ فلا يحتمل أن يكون السؤال عن ذلك.

ثم يحتمل بعد هذا وجهين: أحدهما: إن كان السؤال من المكذب بها فهو سؤال استهزاء واستعجال لما ذكرنا، وإن كان من المصدق فهو [سؤال] استعلام وإشفاق؛ ليتأهبوا لها ويستعدوا؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ لما سمعوا من الآيات ما يقرب وقوعها؛ كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ  ﴾ ونحوه من الآيات، وما سمعوا من رسول الله  : "[بعثت] أنا والساعة كهاتين" وفي بعض الأخبار قال: "كادت الساعة أن تسبقني" وغير ذلك من الأخبار، حملهم ذلك على السؤال عنها؛ ليتأهبوا لها ويستعدوا، ثم أمره أن يقول: ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، أي: لا يكشفها ولا يظهر وقتها إلا هو، ليس كالأمور التي تجري على أيدي الخلق، ويكون لغيره فيها تدبير [من إخراج الثمار والنبات والأمطار، وغير ذلك من الأمور التي تجري على أيدي الخلق ويكون لهم فيها تدبير، أعني] الملائكة الذين سلطوا على حفظ المطر والنبات، وأما الساعة فإنها تقوم من غير أن كان لأحد من الخلائق تدبير فيها أو علم، وهو ما وصفها الله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ أخبر أن أمر الساعة خارج عن تدبير الخلق؛ بل تقوم بتدبير الله من غير أن يجريها على [يد أحد]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

قيل: ثقلت على أهل السماوات والأرض.

ثم اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ ثَقُلَتْ ﴾ أي: خفيت على أهل السماوات والأرض، فذكر الثقل؛ لأن كل من خفي عليه شيء ثقل عليه، فذكر أنها ثقيلة عليهم؛ لخفائها عليهم.

وقال قائلون: ثقل وقوعها على أهل السماوات والأرض؛ لكثرة أهوالها وشدة وقوعها.

وأمكن أن يكون قوله: ﴿ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ على نفس السماوات والأرض؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ...

﴾ الآية [مريم: 90]، وذلك من شدة هولها، ولكن إن كان على نفس السماوات والأرض، أي: لو كانت هي بحيث تعرف وتميز، وبنيتها بنية من يعرف ثقل شيء لثقلت [عليها]، وهو ما قلنا في قوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ والدنيا لا تغر أحداً، أي: ما كان منها لو كان ممن يكون منه التغرير لكان تغريراً؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ .

اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ ، أي: مكرم مشرف عنده ذو منزلة فيعلمك عنها، وكذلك قيل: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً  ﴾ قيل: بارّاً رحيماً.

وقال قائلون: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ أي: عالم بها.

وقال قتادة: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ بهم، كأنك تحب أن يسألونك عنها.

وقال غيره: هو على التقديم والتأخير: يسألونك عنها كأنك [حفي يعني كأنك] استحفيت السؤال عنها حتى علمتها.

ثم قال: ﴿ قُلْ ﴾ مالي بها من علم ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنها كائنة.

ويحتمل: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنك لا تعلم أنها متى تكون؟

أو لا يعلمون ما عليهم وما لهم.

وقال الحسن في قوله: ﴿ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : إذا جاءت ثقلت على أهل السماوات والأرض، وكبرت عليهم.

وقال بعضهم: ثقل ذكرها على أهل السماوات والأرض.

[وقال قتادة: أثقل علمها على أهل السماوات والأرض.

وأصله: ما ذكرنا، أي: خفي علمها على أهل السماء والأرض] وإذا خفي الشيء ثقل.

وقوله: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ﴾ ما ذكرنا من التأويل، والله أعلم.

وعلى قول بعضهم: الحفي: الخبير العالم، وقالوا: هو المشرف المكرم البار الذي لا يستخفي منه شيء ولا يلبس عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ : الهدى والضلالة.

وقال قائلون من أهل التأويل: لا أملك جرَّ النفع إلى نفسي ولا دفع الضر عنها ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: إلا إن أقدرني الله على ذلك فأملك ذلك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ قال ذلك؛ لئلا يتخذوه معبوداً، لا ينسبوه إلى الله بالذي لا يليق النسبة به [نحو] ما قالت النصارى: ﴿ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله؛ لعظيم ما وقع عندهم من محل هؤلاء وقدرهم، فقال: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ ؛ لئلا ينسبوه إلى الله من الوجه الذي نسب أولئك، أظهر من نفسه العجز والعبادة، وهو ما قال عيسى [صلوات الله عليه حيث قال]: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [مريم: 30].

وقال ابن عباس في قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ : وذلك أن أهل مكة قالوا: ألا يخبرك ربك يا محمد بالتجارة المربحة فتتجر فيها فتربح، أو لا يخبرك بسنة القحط والجدوبة، أو يخبرك بوقت السعة والخصب؟!

فقال عند ذلك: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ من جدوبة الأرض والقحط؛ ﴿ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ [يقول: لتهيأت لذلك ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ ﴾ من الضر والشدة؛ إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل.

وقالوا في قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ قال بعضهم: لو كانت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ومن العمل الصالح].

[ولكن الوجه فيه غير ما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان لا يعلم متى يموت؟

لا يستكثر من الخير ومن العمل الصالح]، أو لو كان يعلم الغيب لاستكثر المال على ما قال بعضهم؛ هذا بعيد.

ولكن التأويل - والله أعلم - أن يجعل قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ أي: لا أعلم لكم نفعاً ولا ضرّاً، ولو كنت أعلم لكم الغيب لاستكثرت من الخير عند الله، أي: لو كنت أعلم لكم ذلك لصدقتموني وآمنتم بي [و] لاستكثرت من الخير عند الله بإيمانكم بالله وتصديقكم إياي.

أو أن يقال: لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً، ولو كنت أملك لكم ذلك لاستكثرت من الخير؛ لأنكم إذا رأيتموني أملك نفع ما غاب عنكم ودفع ضر ما غاب، لآمنتم بي وصدقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيراً كثيراً، يجعل قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ جواب ما تقدم من الكلام، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ أي: لا أعلم الغيب إلا قدر ما أوحي إلى ﴿ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ .

وقال بعضهم: لا أعلم الغيب قبل أن يوحى إلي، ولو كنت أعلم ذلك لاستكثرت من الخير بذلك.

وحاصل التأويل في قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ : ما ذكرنا بتصديقكم إياي وإيمانكم بي، أو ما ذكرنا من السعة والخصب في الدنيا لأهله ولأصحابه، أو ما ذكرنا، أي: لو كنت أملك لكم نفع ما غاب عنكم ودفع ضرر ما غاب - أيضاً - لآمنتم بي وصدقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيراً كثيراً.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ ﴾ أي: لو كنت أعلم من المصدق ومن المكذب لاستكثرت من الخير؛ لأنه لا يشتغل بمن يعلم أنه يرد ولا يجيب، وإنما يشتغل بمن يعلم منه أنه يجيب ولا يكذب، فيستكثر أتباعه والمطيعين لله.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ  ﴾ كانوا يقولون: إن به جنوناً، فقال: ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ ﴾ من النسبة إلى الجنون، ويقول: ما مسني السوء منكم: سوء ردٍّ وتكذيب؛ لأنه لو علم الذي يجيبه ويصدقه من الذي لا يجيبه ولا يصدقه، لم يمسه سوء من الرد والأذى؛ لأنه لا يشتغل به بعد ما أقام عليه الحجة [وعلم] من المجيب منكم ومن الرادّ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -يا محمد-: لا أستطيع جلب خيرٍ لنفسي، ولا كشف سوء عنها، إلا ما شاء الله، وإنما ذلك إلى الله، ولا أعلم إلا ما علَّمني الله، فلا أعلم الغيب، ولو كنت أعلم الغيب لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تجلب لي المصالح، وتدفع عني المفاسد؛ لِعِلمي بالأشياء قبل كونها وعلمي لما تؤول إليه، لست إلا رسولًا من عند الله، أخَوِّفُ من عقابه الأليم، وأبَشِّرُ بثوابه الكريم قومًا يؤمنون بأني رسول منه سبحانه وتعالى، ويُصَدِّقُونَ بما جئت به.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ql64P"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله