الآية ١٨٩ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٨٩ من سورة الأعراف

۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٨٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨٩ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ، عليه السلام ، وأنه خلق منه زوجه حواء ، ثم انتشر الناس منهما ، كما قال تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [ الحجرات : 13 ] وقال تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها [ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ] ) الآية [ النساء : 1 ] .

وقال في هذه الآية الكريمة : ( وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) أي : ليألفها ويسكن بها ، كما قال تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) [ الروم : 21 ] فلا ألفة بين زوجين أعظم مما بين الزوجين ; ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه .

( فلما تغشاها ) أي : وطئها ( حملت حملا خفيفا ) وذلك أول الحمل ، لا تجد المرأة له ألما ، إنما هي النطفة ، ثم العلقة ، ثم المضغة .

وقوله : ( فمرت به ) قال مجاهد : استمرت بحمله .

وروي عن الحسن ، وإبراهيم النخعي ، والسدي ، نحوه .

وقال ميمون بن مهران : عن أبيه استخفته .

وقال أيوب : سألت الحسن عن قوله : ( فمرت به ) قال : لو كنت رجلا عربيا لعرفت ما هي .

إنما هي : فاستمرت به .

وقال قتادة : ( فمرت به ) واستبان حملها .

وقال ابن جرير : [ معناه ] استمرت بالماء ، قامت به وقعدت .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : استمرت به ، فشكت : أحملت أم لا .

( فلما أثقلت ) أي : صارت ذات ثقل بحملها .

وقال السدي : كبر الولد في بطنها .

( دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ) أي : بشرا سويا ، كما قال الضحاك ، عن ابن عباس : أشفقا أن يكون بهيمة .

وكذلك قال أبو البختري وأبو مالك : أشفقا ألا يكون إنسانا .

وقال الحسن البصري : لئن آتيتنا غلاما .

( لنكونن من الشاكرين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة)، يعني بالنفس الواحدة: آدم، (8) كما: - 15497 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: (خلقكم من نفس واحدة) قال: آدم عليه السلام.

(9) 15498 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة)، من آدم.

(10) * * * ويعني بقوله: (وجعل منها زوجها)، : وجعل من النفس الواحدة, وهو آدم, زوجها حواء، (11) كما: - 15499 - حدثني بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة.(وحمل منها زوجها)، : حواء, فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها.

(12) * * * ويعني بقوله: (ليسكن إليها)، : ليأوي إليها لقضاء حاجته ولذته.

(13) * * * ويعني بقوله: (فلما تغشاها)، فلما تدثَّرها لقضاء حاجته منها، فقضى حاجته منها =(حملت حملا خفيفًا)، وفي الكلام محذوف، ترك ذكرُه استغناءً بما ظهر عما حذف, وذلك قوله: (فلما تغشاها حملت)، وإنما الكلام: فلما تغشاها =فقضى حاجته منها= حملت.

* * * وقوله: (حملت حملا خفيفًا)، يعني ب " خفة الحمل ": الماء الذي حملته حواء في رَحِمها من آدم، أنه كان حملا خفيفًا, وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل خفيفٌ عليها.

* * * وأما قوله: (فمرت به)، فإنه يعني: استمرَّت بالماء: قامت به وقعدت, وأتمت الحمل، كما: - 15500 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو أسامة, عن أبي عمير, عن أيوب قال: سألت الحسن عن قوله: (حملت حملا خفيفًا فمرت به) قال: لو كنت امرءًا عربيًّا لعرفت ما هي؟

إنما هي: فاستمرَّت به.

(14) 15501 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (فلما تغشاها حملت حملا خفيفًا فمرت به)، استبان حملها.

15502 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فمرت به) قال: استمرّ حملها.

15503 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: (حملت حملا خفيفًا) قال: هي النطفة = وقوله: (فمرّت به)، يقول: استمرّت به.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فشكَّت فيه.

* ذكر من قال ذلك: 15504 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: (فمرت به) قال: فشكت، أحملت أم لا؟

* * * ويعني بقوله: (فلما أثقلت)، فلما صار ما في بطنها من الحمل الذي كان خفيفًا، ثقيلا ودنت ولادتها.

* * * يقال منه: " أثقلت فلانة " إذا صارت ذات ثقل بحملها، كما يقال: " أَتْمَرَ فلان ": إذا صار ذا تَمْر.

كما: - 15505 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فلما أثقلت)، : كبر الولد في بطنها.

* * * قال أبو جعفر: (دعوا الله ربهما)، يقول: نادى آدم وحواء ربهما وقالا يا ربنا، " لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين ".

* * * واختلف أهل التأويل في معنى " الصلاح " الذي أقسم آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحًا في حمل حواء: لنكونن من الشاكرين.

فقال بعضهم: ذلك هو أن يكون الحمل غلامًا.

* ذكر من قال ذلك: 15506 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: قال الحسن, في قوله: (لئن آتيتنا صالحًا) قال: غلامًا.

* * * وقال آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرًا سويًّا مثلهما, ولا يكون بهيمة.

* ذكر من قال ذلك: 15507 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن زيد بن جبير الجُشَمي, عن أبي البختري, في قوله: (لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين) قال: أشفقا أن يكون شيئًا دون الإنسان.

(15) 15508 -...

قال: حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن زيد بن جبير, عن أبي البختري قال: أشفقا أن لا يكون إنسانًا.

15509 - ...

قال: حدثنا محمد بن عبيد, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: لما حملت امرأة آدم فأثقلت, كانا يشفقان أن يكون بهيمة, فدعوا ربهما: (لئن آتيتنا صالحًا)، الآية.

15510 - ...

قال: حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: أشفقا أن يكون بهيمة.

15511 - حدثني القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء, ألقيت الشهوة في نفسه فأصابها, فليس إلا أن أصابها حملت, فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها، (16) قالت: ما هذا؟

فجاءها إبليس, فقال [لها: إنك حملت فتلدين!

قالت: ما ألد؟

قال]: (17) أترين في الأرض إلا ناقةً أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو بعض ذلك!

(18) [ ويخرج من أنفك، أو من أذنك، أو من عينك ].

(19) قالت: والله ما مني شيء إلا وهو يضيق عن ذلك!

قال: فأطيعيني وسميه " عبد الحارث " = [ وكان اسمه في الملائكة الحارث ] = (20) تلدي شبهكما مثلكما !

قال: فذكرت ذلك لآدم عليه السلام , فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت!

(21) فمات, ثم حملت بآخر, فجاءها فقال: أطيعيني وسميه عبد الحارث -وكان اسمه في الملائكة الحارث= وإلا ولدت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة, أو قتلته, فإني أنا قتلت الأول!

قال: فذكرت ذلك لآدم, فكأنه لم يكرهه, فسمته " عبد الحارث ", فذلك قوله: (لئن آتيتنا صالحًا)، يقول: شبهنا مثلنا = فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا قال: شبههما مثلهما.

(22) 15512 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فلما أثقلت)، كبر الولد في بطنها، جاءها إبليس, فخوَّفها وقال لها: ما يدريك ما في بطنك؟

لعله كلب، أو خنـزير، أو حمار!

وما يدريك من أين يخرج؟

أمن دبرك فيقتلك, أو من قُبُلك, أو ينشق بطنك فيقتلك؟

فذلك حين (دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا)، يقول: مثلنا =(لنكونن من الشاكرين).

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعَوا الله ربهما بحمل حواء, وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء، صالحًا ليكونان لله من الشاكرين.

و " الصلاح " قد يشمل معاني كثيرة: منها " الصلاح " في استواء الخلق، ومنها " الصلاح " في الدين, و " الصلاح " في العقل والتدبير.

وإذ كان ذلك كذلك, ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني " الصلاح " دون بعض, ولا فيه من العقل دليل، وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله, فيقال: إنهما قالا( لئن آتيتنا صالحًا ) بجميع معاني " الصلاح ".

(23) * * * وأما معنى قوله: (لنكونن من الشاكرين)، فإنه: لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحًا.

--------------------- الهوامش : (8) انظر تفسير (( نفس واحدة )) فيما سلف 7 : 513 ، 514 .

(9) الأثر : 15497 - مضى برقم : 8402 (10) الأثر : 15498 - مضى برقم : 8401 .

(11) انظر تفسير (( جعل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جعل ) .

(12) الأثر : 15499 - مضى برقم : 8405 .

(13) في المطبوعة والمخطوطة : (( لقضاء الحاجة ولذته )) ، والسياق يقتضى ما أثبت .

(14) الأثر : 15500 (( أبو عمير )) ، هو ( الحارث بن عمير البصري ) .

ثقة متكلم فيه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 83 .

و(( أيوب )) هو السختياني ، (( أيوب بن أبي تميمه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 409 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 255 .

(15) الأثر : 15507 - (( زيد بن جبير الحشمي الطائى )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 356 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 558 .

وكان في المطبوعة : (( الحسمي )) ، غير منقوطة كما في المخطوطة ، والصواب ما أثبت .

(16) هذا تعبير جيد ، يصور سرعة حدوث ذلك ، ولو شاء أن يقوله قائل ، لقال : (( فليس إلا أن أصابها حتي حملت .

.

.

)) ، فتهوى العبارة من قوة إلى ضعف .

(17) الزيادة بين القوسين من الدر المنثور3 : 152 ، وهي زيادة لا بد منها .

والمخطوطة مضطربة في الوضع .

(18) في المطبوعة والدر المنثور : (( هو بعض ذلك )) .

(19) الزيادة بين القوسين من الدر المنثور ، ولا يستقيم الكلام إلا بها .

(20) هذه الزيادة أيضا من الدر المنثور .

(21) في المطبوعة : (( هو صاحبنا الذي قد أخرجنا من الجنة )) ، وفي المخطوطة : (( الذي قد فمات )) وبين (( قد )) و(( فمات)) حرف ((ط)) وبالهامش و((كذا)) .

وأثبت نص العبارة من الدر المنثور .

(22) الأثر : 15511 - هذه أخبار باطلة كما أشرنا إليه مرارًا .

(23) انظر تفسير (( الصلاح )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين[ ص: 302 ] فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة قال جمهور المفسرين : المراد بالنفس الواحدة آدم وجعل منها زوجها يعني حواء ليسكن إليها ليأنس بها ويطمئن ، وكان هذا كله في الجنة .فلما تغشاها ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في الدنيا بعد هبوطهما فقال : فلما تغشاها كناية عن الوقاع .

حملت حملا خفيفا كل ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حمل بالفتح .

وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حمل بالكسر .

وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر .

وقال أبو سعيد السيرافي : يقال في حمل المرأة حمل وحمل ، يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة ، ومرة لبروزه وظهوره بحمل الدابة .

والحمل أيضا مصدر حمل عليه يحمل حملا : إذا صال .فمرت به يعني المني ; أي استمرت بذلك الحمل الخفيف .

يقول : تقوم وتقعد وتقلب ، ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل ; عن الحسن ومجاهد وغيرهما .

وقيل : المعنى فاستمر بها الحمل ، فهو من المقلوب ; كما تقول : أدخلت القلنسوة في رأسي .

وقرأ عبد الله بن عمر " فمارت به " بألف والتخفيف ; من مار يمور إذا ذهب وجاء وتصرف .

وقرأ ابن عباس ويحيى بن يعمر " فمرت به " خفيفة من المرية ، أي شكت فيما أصابها ; هل هو حمل أو مرض ، أو نحو ذلك .الثانية : قوله تعالى فلما أثقلت صارت ذات ثقل ; كما تقول : أثمر النخل .

وقيل : دخلت في الثقل ; كما تقول : أصبح وأمسى .دعوا الله ربهما الضمير في دعوا عائد على آدم وحواء .

وعلى هذا القول ما روي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو .

وهذا يقوي قراءة من قرأ " فمرت به " بالتخفيف .

فجزعت بذلك ; فوجد إبليس السبيل إليها .

قال الكلبي : إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال : ما هذا الذي في بطنك ؟

قالت : ما أدري !

قال : إني أخاف أن يكون بهيمة .

فقالت ذلك لآدم عليه السلام .

فلم يزالا في هم من ذلك .

ثم عاد إليها فقال : هو من الله بمنزلة ، فإن دعوت الله فولدت إنسانا أفتسمينه بي ؟

قالت نعم .

قال : فإني أدعو الله .

فأتاها وقد ولدت فقال : سميه باسمي .

فقالت : وما اسمك ؟

قال : الحارث - ولو سمى لها نفسه لعرفته - فسمته عبد الحارث .

ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث ، في الترمذي [ ص: 303 ] وغيره .

وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات ; فلا يعول عليها من له قلب ، فإن آدم وحواء عليهما السلام وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، على أنه قد سطر وكتب : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض .

وعضد هذا بقراءة السلمي " أتشركون " بالتاء .ومعنى " صالحا " يريد ولدا سويا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ أيها الرجال والنساء، المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرقكم.

مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وهو آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم.

وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا أي: خلق من آدم زوجته حواء لأجل أن يسكن إليها لأنها إذا كانت منه حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر، فانقاد كل منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة.

فَلَمَّا تَغَشَّاهَا أي: تجللها مجامعا لها قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة وذلك الجماع النسل، [وحينئذ] حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا، وذلك في ابتداء الحمل، لا تحس به الأنثى، ولا يثقلها.

فَلَمَّا استمرت به و أَثْقَلَتْ به حين كبر في بطنها، فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد، وعلى خروجه حيا، صحيحا، سالما لا آفة فيه [كذلك] فدعوا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا ولدا صَالِحًا أي: صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) يعني : آدم ، ( وجعل ) وخلق ( منها زوجها ) يعني : حواء ، ( ليسكن إليها ) ليأنس بها ويأوي إليها ( فلما تغشاها ) أي : واقعها وجامعها ( حملت حملا خفيفا ) وهو أول ما تحمل المرأة من النطفة يكون خفيفا عليها ، ( فمرت به ) أي : استمرت به وقامت وقعدت به ، لم يثقلها ، ( فلما أثقلت ) أي : كبر الولد في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها ودنت ولادتها ، ( دعوا الله ربهما ) يعني آدم وحواء ، ( لئن آتيتنا ) يا ربنا ( صالحا ) أي : بشرا سويا مثلنا ، ( لنكونن من الشاكرين ) قال المفسرون : فلما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل ، فقال لها : ما الذي في بطنك؟

قالت : ما أدري .

قال : إني أخاف أن يكون بهيمة ، أو كلبا ، أو خنزيرا ، وما يدريك من أين يخرج؟

من دبرك فيقتلك ، أو من قبلك وينشق بطنك ، فخافت حواء من ذلك ، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام فلم يزالا في هم من ذلك ، ثم عاد إليها فقال : إني من الله بمنزلة ، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحارث؟

- وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث - فذكرت ذلك لآدم ، فقال : لعله صاحبنا الذي قد علمت ، فعاودها إبليس ، فلم يزل بهما حتى غرهما ، فلما ولدت سمياه عبد الحارث .

قال الكلبي : قال إبليس لها : إن دعوت الله فولدت إنسانا أتسمينه بي؟

قالت : نعم ، فلما ولدت قال سميه بي ، قالت : وما اسمك قال الحارث ، ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله ، وعبيد الله وعبد الرحمن ، فيصيبهم الموت ، فأتاهما إبليس وقال : إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ، فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش .

وجاء في الحديث : " خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض " .

وقال ابن زيد : ولد لآدم ولد فسماه عبد الله فأتاهما إبليس فقال لهما : ما سميتما ابنكما؟

قالا عبد الله - وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله فمات - فقال إبليس : أتظنان أن الله تارك عبده عندكما ، لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخر ، ولكن أدلكم على اسم يبقى لكما ما بقيتما ، فسمياه عبد شمس .

والأول أصح ، فذلك قوله : ( فلما آتاهما صالحا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو» أي الله «الذي خلقكم من نفس واحدة» أي آدم «وجعل» خلق «منها زوجها» حواء «ليسكن إليها» ويألفها «فلما تغشَّاها» جامعها «حملت حملا خفيفا» هو النطفة «فمرت به» ذهبت وجاءت لخفته «فلما أثقلت» بكبر الولد في بطنها وأشفقا أن يكون بهيمة «دعوا الله ربَّهما لئن آتيتنا» ولدا «صالحا» سويا «لنكونن من الشاكرين» لك عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو الذي خلقكم -أيها الناس- من نفس واحدة، وهي آدم عليه السلام وخَلَق منها زوجها، وهي حواء؛ ليأنس بها ويطمئن، فلما جامعها -والمراد جنس الزوجين من ذرية آدم- حملت ماءً خفيفًا، فقامت به وقعدت وأتمت الحمل، فلما قَرُبت ولادتها وأثقلت دعا الزوجان ربهما: لئن أعطيتنا بشرًا سويًا صالحًا لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت لنا من الولد الصالح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن مظاهر قدرة الله وأدلة وحدانيته ، فذكرت الناس بمبدأ نشأتهم ، وكيف أن بعضهم قد انحرف عن طريق التوحيد إلى طريق الشرك ، وساقت ذلك فى صورة القصة لضرب المثل من واقع الحياة فقالت : ( هُوَ الذي خَلَقَكُمْ .

.

.

) .قوله - تعالى - ( هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) استئناف مسوق لبيان ما يقتضى التوحيد الذى هو المقصد الأعظم .أى : إن الذى يستحق العبادة والخضوع ، والذى عنده مفاتح الغيب هو الله الذى خلقكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم ، وجعل من نوع هذه النفس وجنسها زوجها حواء ، ثم انتشر الناس منهما بعد ذلك كما قال - تعالى - ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ) وقوله ( لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) أى : ليطمئن إليهاويميل ولا ينفر ، لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس .

وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه .فالأصل فى الحياة الزوجية هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار وهذه نظرة الإسلام إلى تلك الحياة قال - تعالى - ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ) والضمير المستكين فى ( لِيَسْكُنَ ) يعود إلى النفس ، وكان الظاهر تأنيثه لأن النفس من المؤنثات السماعية ولذا أنثت صفتها وهى قوله ( وَاحِدَةٍ ) إلا أنه جاء مذكرا هنا باعتبار أن المراد من النفس هنا - آدم عليه السلام - " ولو أنث على حسب الظاهر لتوهم نسبة السكون إلى الأنثى ، فكان التذكير كما يقول الزمخشرى - أحسن طباقا للمعنى .وقوله ( فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ ) .الغشاء : غطاء الشىء الذى يستره من فوقه ، والغاشية؛ الظلة التى تظل الإنسان من سحابة أو غيرها .

والتغشى كناية عن الجماع .

أى فلما تغشى الزوج الذى هو الذكر الزوجى التى هى الأنثى وتدثرها لقضاء شهوتهما ( حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ) .

أى : حملت منه محمولا خفيفا وهو الجنين فى أول حملة لا تجد المرأة له ثقلا لأنه يكون نطفة ثم مضغة ، ولا ثقل له يذكر فى تلك الأحوال ( فَمَرَّتْ بِهِ ) أى : فمضت به إلى وقت ميلاده من غير نقصان ولا إسقاط .

أو المعنى : فاستمرت به كما كانت من قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت من غير مشقة وتلك هى المرحلة الأولى من مراحل الحمل .وتأمل معى - أيها القارىء الكريم - مرة أخرى قوله - تعالى - : ( فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ) لترى سمو القرآن فى تعبيره ، وأدبه فى عرض الحقائق .

إن أسلوبه يلطف ويدق عند تصوير العلاقة بين الزوجين ، فهو يسوقها عن طريق كناية بديعة تتناسب مع جو السكن والمودة بين الزوجين وتتسق مع جو الستر الذى تدعو إليه الشريعة الإسلامية عند المباشرة بين الرجل والمرأة ، ولا نجد كلمة تؤدى هذه المعانى أفضل من كلمة ( تَغَشَّاهَا ) .ثم تأتى المرحلة الثانية من مراحل الحمل فيعبر عنها القرآن بقوله : ( فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ) .أى : فحين صارت ذات ثقل يسبب نمو الحمل فى بطنها ، فالهمزة للصيرورة كقولهم : أتمر فلان وألبن أى : صار ذا تمر ولبن .أى : وحين صارت الأم كذلك وتبين الحمل ، وتعلق به قلب الزوجين ، توجها إلى ربهما يدعوانه بضراعة وطمع بقولهما : ( لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً ) أى لئن أعطيتنا نسلا سويا تام الخلقة ، يصلح للأعمال الإنسانية النافعة ( لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ) لك على نعمائك التى من أجلها هذه النعمة واستجاب الله للزوجين دعاءهما ، فرزقهما الولد الصالح فماذا كانت النتيجة؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ وهي نفس آدم ﴿ وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ آدم ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَلَمَّا أَثْقَلَت ﴾ أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال: ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج؟

أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك؟

فخافت حواء، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها وقال: إن سألت الله أن يجعله صالحاً سوياً مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله: ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما ﴾ أي لما آتاهما الله ولداً سوياً صالحاً جعلا له شريكاً أي جعل آدم وحواء له شريكاً، والمراد به الحرث هذا تمام القصة.

واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة.

الثاني: أنه تعالى قال بعده: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ  ﴾ وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.

الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئاً)، ولم يقل (ما لا يخلق شيئاً)، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة من لا بصيغة ما الرابع: أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ فكان لابد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟

وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم؟

الخامس: أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار.

فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا  ﴾ وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها السادس: أن بتقدير أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله.

فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً بالله لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم، وذلك لا يقوله عاقل.

فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه.

إذا عرفت هذا فنقول: في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد.

التأويل الأول: ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك.

فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام.

ثم قال تعالى: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد.

التأويل الثاني: بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم آل قصي، والمراد من قوله: هو الذي خلقكم من نفس قصي وَجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات، وجعل الضمير في ﴿ يُشْرِكُونَ ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.

التأويل الثالث: أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام، وحكى عنهما أنهما قالا: ﴿ لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولداً سوياً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ فقوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، والتقرير: فلما آتاهما صالحاً أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟

ثم قال: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام، ثم يقال لذلك المنعم: أن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك، فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا، ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة والبغي؟

على التبعيد فكذا هاهنا.

الوجه الثاني: في الجواب أن نقول: أن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء ولا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله: ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما ﴾ فنقول: التقدير، فلما آتاهما ولداً صالحاً سوياً جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذا فيما آتاهما، أي فيما آتى أولادهما ونظيره قوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ أي واسأل أهل القرية.

فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ .

قلنا: لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله: ﴿ جَعَلاَ ﴾ المراد منه الذكر والأنثى مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وهو قوله تعالى: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

الوجه الثالث: في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما ﴾ عائد إلى آدم وحواء عليهما السلام، إلا أنه قيل: إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفاً على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق.

ثم بدا لهم في ذلك، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته.

وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا قال تعالى: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكياً عن الله سبحانه: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه وعلى هذا التقدير: فالإشكال زائل.

الوجه الرابع: في التأويل أن نقول: سلمنا صحة تلك القصة المذكورة، إلا أنا نقول: إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث، وقد يسمى المنعم عليه عبداً للمنعم.

يقال في المثل: أنا عبد من تعلمت منه حرفاً، ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان: كتابة عبد وده فلان.

قال الشاعر: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا *** ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيهاً على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه، إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتباً في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه الآية.

المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ الآية وفيها مباحث: البحث الأول: قوله: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ المشهور أنها نفس آدم وقوله: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ المراد حواء.

قالوا ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم.

قالوا: والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل، والجنسية علة الضم، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم؟

ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟

وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء، وأيضاً الذي يقال: إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح.

بقي أن يقال: إذا لم نقل بذلك، فما المراد من كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ فنقول: قد ذكرنا أن الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة والسلام: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع.

وقال عليه الصلاة والسلام: «في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون» والمراد خلق من النوع الإنساني زوجة آدم، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنساناً مثله قوله: ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ أي جامعها، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها، ومثله يجللها، وهو يشبه التغطي واللبس.

قال تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ وقوله: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ قالوا يريد النطفة والمني والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر، والحمل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على الدابة.

وقوله: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ أي استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة، والمراد أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل.

قال صاحب الكشاف: وقرأ يحيى بن يعمر ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ بالتخفيف وقرأ غيره ﴿ فمارت به ﴾ من المرية.

كقوله: ﴿ أفتمارونه  ﴾ وفي قراءة أخرى ﴿ أفتمارونه ﴾ معناه وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه ﴿ فَلَمَّا أَثْقَلَت ﴾ أي صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها ﴿ دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا ﴾ يعني آدم وحواء ﴿ لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا ﴾ أي ولداً سوياً مثلنا ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ لآلائك ونعمائك ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما ﴾ الله ﴿ صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما ﴾ والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص (عَنْهُ شُرَكَاء) بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر (عَنْهُ) بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء، أو يقال معناه أحدثا لله إشراكاً في الولد ومن قرأ ﴿ شُرَكَاء ﴾ فحجته قوله: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ  ﴾ وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ وهي نفس آدم عليه السلام ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وهي حواء، خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه.

أو من جنسها كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ [النمل: 72] ﴿ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس، وإذا كانت بعضاً منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه.

وقال: ﴿ لِيَسْكُنَ ﴾ فذكر بعد ما أنث في قوله: ﴿ واحدة ﴾ ﴿ منها زوجها ﴾ ، ذهابا إلى معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم.

ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى.

والتغشي: كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ خف عليها، ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالي من حملهن من الكرب والأذى، ولم تستثقله كما يستثقلنه.

وقد تسمع بعضهن تقول في ولدها: ما كان أخفه على كبدي حين حملته ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق وقيل: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ يعني النطفة ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ فقامت به وقعدت.

وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ فاستمرت به ﴾ وقرأ يحيى بن يعمر ﴿ فمرت به ﴾ بالتخفيف.

وقرأ غيره ﴿ فمارت به ﴾ من المرية، كقوله: ﴿ أفتمارونه ﴾ وأفتمرونه.

ومعناه: فوقع في نفسها ظن الحمل، فارتابت به.

﴿ فَلَمَّا أَثْقَلَت ﴾ حان وقت ثقل حملها كقولك: أقربت.

وقرئ ﴿ أُثقلت ﴾ ، على البناء للمفعول: أي أثقلها الحمل ﴿ دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا ﴾ دعا آدم وحواء رَبَّهما ومالِكَ أمرهما الذي هو الحقيقي بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا: ﴿ لَئِنْ ءاتَيْتَنَا ﴾ لئن وهبت لنا ﴿ صالحا ﴾ ولداً سوياً قد صلح بدنه وبرئ.

وقيل: ولداً ذكراً، لأن الذكورة من الصلاح والجودة.

والضمير في ﴿ ءَاتَيْتَنَا ﴾ و ﴿ لَّنَكُونَنَّ ﴾ .

لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما ﴾ ما طلباه من الولد الصالح السويّ ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ أي جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك ﴿ فِيمَا ءاتاهما ﴾ أي آتى أولادهما، وقد دلّ على ذلك بقوله: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ حيث جمع الضمير.

وآدم وحواء بريئان من الشرك.

ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد مناة، وعبد شمس وما أشبه ذلك، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم.

ووجه آخر وهو أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم آل قصي ألا ترى إلى قوله في قصة أم معبد.

فَيَا لَقُصَيّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُم ** بِهِ مِنْ فَخَارٍ لاَ يُبَارَى وَسُودَدِ ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصيّ، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السويّ جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصيّ وعبد الدار، وجعل الضمير في ﴿ يُشْرِكُونَ ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وهذا تفسير حسن لا إشكال فيه.

وقرئ ﴿ شركا ﴾ ، أي ذوي شرك وهم الشركاء، أو أحدثا لله شركاً في الولد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ هو آدَمُ.

﴿ وَجَعَلَ مِنها ﴾ مِن جَسَدِها مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِها، أوْ مِن جِنْسِها كَقَوْلِهِ: ﴿ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ .

﴿ زَوْجَها ﴾ حَوّاءَ.

﴿ لِيَسْكُنَ إلَيْها ﴾ لِيَسْتَأْنِسَ بِها ويَطْمَئِنَّ إلَيْها اطْمِئْنانَ الشَّيْءِ إلى جُزْئِهِ أوْ جِنْسِهِ، وإنَّما ذُكِرَ الضَّمِيرُ ذَهابًا إلى المَعْنى لِيُناسِبَ.

﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ أيْ جامَعَها.

﴿ حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا ﴾ خَفَّ عَلَيْها ولَمْ تَلْقَ مِنهُ ما تَلْقى مِنهُ الحَوامِلُ غالِبًا مِنَ الأذى، أوْ مَحْمُولًا خَفِيفًا وهو النُّطْفَةُ.

﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ أيْ قامَتْ وقَعَدَتْ، وقُرِئَ « فَمَرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ و « فاسْتَمَرَّتْ بِهِ» و « فَمارَتْ» مِنَ المَوْرِ وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، أوْ مِنَ المِرْيَةِ أيْ فَظَنَّتِ الحِمْلَ وارْتابَتْ مِنهُ.

﴿ فَلَمّا أثْقَلَتْ ﴾ صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ بِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها.

وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ أثْقَلَها حَمْلُها.

﴿ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا ﴾ ولَدًا سَوِيًّا قَدْ صَلَحَ بَدَنُهُ.

﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ لَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ المُجَدَّدَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)

{هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة} هي نفس آدم عليه السلام {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} حواء خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ليطمئن ويميل لأن الجنس اميل خصوصا ااذ كان بعضامنه كما يسكنم الإنسان إلى ولده ويبحه محبة نفسه لكونه بضعة منه وذكر ليسكم بعدما أنث فى قوله واحدة وخلق منها زوجها ذهاباً إلى معنى

النفس ليبين أن المراد بها آدم {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} جامعها {حملت حملا خفيفا} خف غعليها ولم تلق منه ما يلقي بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ولم تستثقله كما يستثقلنه {فَمَرَّتْ بِهِ} فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق أو حملت حملا خفيفا يعنى الننطفة فمرت به فقامت وبه وقعدت {فَلَمَّا أَثْقَلَت} حان وقت ثقل حملها {دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا} دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعي ويلتجأ إليه فقالا {لئن آتيتنا صالحا} للئن وهبت لنا ولداً سوياً قد صلح بدنه أو ولدا ذكرا لأن الذكروة من الصلاح {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} لك والضمير فى آتيتنا ولنكونن لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأعْظَمُ، وإيقاعُ المَوْصُولِ خَبَرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: هو سُبْحانَهُ ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي خَلَقَكم جَمِيعًا وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ أصْلًا ﴿ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿ وجَعَلَ مِنها ﴾ أيْ: مِن جِنْسِها كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ فَمِن ابْتِدائِيَّةٌ والمَشْهُورُ أنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ.

أيْ: مِن جَسَدِها لِما يُرْوى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اليُسْرى، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ لَنا، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ داخِلٌ في حُكْمِها ولا ضَيْرَ في تَقَدُّمِ مَضْمُونِهِ عَلى مَضْمُونِ الأوَّلِ وُجُودًا لِما أنَّ الواوَ لا تَسْتَدْعِي التَّرْتِيبَ فِيهِ، وهو إمّا بِمَعْنى صَيَّرَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ زَوْجَها ﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والثّانِي هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، وإمّا بِمَعْنى أنْشَأ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ.

﴿ لِيَسْكُنَ إلَيْها ﴾ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ.

أيْ: لِيَسْتَأْنِسَ بِها ويَطْمَئِنَّ إلَيْها، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلنَّفْسِ، وكانَ الظّاهِرُ التَّأْنِيثَ لِأنَّ النَّفْسَ مِنَ المُؤَنَّثاتِ السَّماعِيَّةِ؛ ولِذا أُنِّثَتْ صِفَتُها إلّا أنَّهُ ذُكِّرَ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنها آدَمُ، ولَوْ أُنِّثَ عَلى الظّاهِرِ لَتُوُهِّمَ نِسْبَةُ السُّكُونِ إلى الأُنْثى والمَقْصُودُ خِلافُهُ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ التَّذْكِيرَ أحْسَنُ طِباقًا لِلْمَعْنى، وبَيَّنَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ السُّكُونُ مُفَسَّرًا بِالمَيْلِ وهو مُتَناوِلٌ لِلْمَيْلِ الشَّهْوانِيِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ التَّغَشِّي لا سِيَّما وقَدْ أُكِّدَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ والتَّغَشِّي مَنسُوبٌ إلى الذَّكَرِ لا مَحالَةَ كانَ الطِّباقُ في نِسْبَتِهِ أيْضًا إلَيْهِ، وإنْ كانَ مِنَ الجانِبَيْنِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ تَكْثِيرَ النَّوْعِ عِلَّةُ المُؤانَسَةِ كَما أنَّ الوَحْدَةَ عِلَّةُ الوَحْشَةِ، وأيْضًا لَمّا جُعِلَ المَخْلُوقُ أوَّلًا الأصْلَ كانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الزَّوْجِ لِسُكُونِهِ بَعْدَ الِاسْتِيحاشِ لا العَكْسُ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لَفْظًا ومَعْنًى، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أنَّ النَّفْسَ إذا أُرِيدَ بِهِ الإنْسانُ بِعَيْنِهِ فَمُذَكَّرٌ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ مُؤَنَّثٍ، وجاءَ ثَلاثَةُ أنْفُسٍ عَلى مَعْنى ثَلاثَةِ أشْخاصٍ، وإذا أُرِيدَ بِها الرُّوحُ فَهي مُؤَنَّثَةٌ لا غَيْرُ، وتَصْغِيرُها نُفَيْسَةٌ فَلْيُفْهَمْ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ مِن تَغَشّاها لِلزَّوْجِ وهو بِمَعْنى الزَّوْجَةِ مُؤَنَّثٌ، والتَّغَشِّي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ أيْ: فَلَمّا جامَعَها ﴿ حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا ﴾ أيْ: مَحْمُولًا خَفِيفًا وهو الجَنِينُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً أوْ عَلَقَةً أوْ مُضْغَةً فَإنَّهُ لا ثِقَلَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأطْوارِ، فَنُصِبَ حَمْلًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وهو بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى شَجَرٍ وبِالكَسْرِ خِلافُهُ.

وقَدْ حُكِيَ في كُلٍّ مِنهُما الكَسْرُ والفَتْحُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُنا مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وأنْ يُرادَ بِالخِفَّةِ عَدَمُ التَّأذِّي أيْ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفَّ عَلَيْها ولَمْ تَلْقَ مِنهُ ما تَلْقى بَعْضُ الحَوامِلِ مِن حَمْلِهِنَّ مِنَ الكَرْبِ والأذِيَّةِ.

﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِهِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، والمُرادُ: بَقِيَتْ بِهِ كَما كانَتْ قَبْلُ حَيْثُ قامَتْ وقَعَدَتْ وأخَذَتْ وتَرَكَتْ وهو مَعْنًى لا غُبارَ فِيهِ.

والقَوْلُ بِأنَّهُ مِنَ القَلْبِ أيْ: فاسْتَمَرَّ بِها حَمْلُها مِنَ القَلْبِ عِنْدَ النُّقّادِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ (مَرَتْ) بِالتَّخْفِيفِ فَقِيلَ: إنَّهُ مُخَفَّفُ مَرَّتْ كَما يُقالُ: ظَلَّتْ في ظَلِلْتُ، وقِيلَ: هو مِنَ المِرْيَةِ أيِ: الشَّكِّ أيْ: شَكَّتْ في أمْرِ حَمْلِها.

وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ والجَحْدَرِيُّ (فَمارَتْ) مِن مارَ يَمُورُ إذا جاءَ وذَهَبَ فَهي بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أوْ هي مِنَ المِرْيَةِ كَقِراءَةِ أبِي العالِيَةِ ووَزْنُهُ فاعَلَتْ، وحُذِفَتْ لامُهُ لِلسّاكِنَيْنِ.

﴿ فَلَمّا أثْقَلَتْ ﴾ أيْ: صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ بِكِبَرِ الحَمْلِ في بَطْنِها، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ كَقَوْلِهِمْ: أتْمَرَ وألْبَنَ أيْ: صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، وقِيلَ: إنَّها لِلدُّخُولِ في زَمانِ الفِعْلِ أيْ: دَخَلَتْ في زَمانِ الثِّقَلِ كَأصْبَحَ دَخَلَ في الصَّباحِ والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُتَبادَرُ مِنَ الثِّقَلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، والتَّقابُلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْنى الأوَّلِ لِلْخِفَّةِ ظاهِرٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الكَرْبُ لِيُقابِلَ الخِفَّةَ بِالمَعْنى الثّانِي، لَكِنَّ المُتَبادِرَ في المَوْضِعَيْنِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ، وقُرِئَ: (أُثْقِلَتْ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: أثْقَلَها حَمْلُها.

﴿ دَعَوا اللَّهَ ﴾ أيْ: آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ لَمّا خافا عاقِبَةَ الأمْرِ فاهْتَمّا بِهِ وتَضَرَّعا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ رَبَّهُما ﴾ أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ الدُّعاءُ.

وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُما قَدْ صَدَّرا بِهِ دُعاءَهُما وهو المَعْهُودُ مِنهُما في الدُّعاءِ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ لِإيذانِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ بِهِ، أيْ: دَعَواهُ تَعالى أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا ووَعَدا بِمُقابَلَتِهِ الشُّكْرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ وقالا أوْ قائِلَيْنِ: ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا ﴾ أيْ: نَسْلًا مِن جِنْسِنا سَوِيًّا، وقِيلَ: ولَدًا سَلِيمًا مِن فَسادِ الخِلْقَةِ كَنَقْصِ بَعْضِ الأعْضاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ وعَلَيْهِ جَماعَةٌ.

وعَنِ الحَسَنِ: غُلامًا ذَكَرًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ: ﴿ لَنَكُونَنَّ ﴾ نَحْنُ أوْ نَحْنُ ونَسْلُنا ﴿ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ لَكَ عَلى إيتائِكَ.

وقِيلَ: عَلى نَعائِمِكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ آتَيْتَنا لَهُما ولِكُلِّ مَن يَتَناسَلُ مِن ذُرِّيَّتِهِما ولَيْسَ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني: من نفس آدم وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يعني: خلق من نفس آدم من ضلع من أضلاعه اليسرى زوجته حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها يعني: ليطمئن إليها ويجامعها فَلَمَّا تَغَشَّاها أي: سكن إليها وجامعها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً يعني: خفيف الماء فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت بالحمل.

يقول: قامت بالحمل وقعدت ولا تدري أهي حبلى أم لا فَلَمَّا أَثْقَلَتْ يعني: ثقل الولد في بطنها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما وذلك أن إبليس أتاها فقال: يا حواء ما هذا الذي في بطنك؟

قالت: ما أدري.

قال: أخاف إنها بهيمة، وإني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنساناً صالحاً أتسميه باسمي؟

قالت: نعم.

وما اسمك قال: عبد الحارث فكذب.

فدعت حواء وآدم فذلك قوله: دعوا الله ربهما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً يعني: أعطيتنا ولداً سوياً صحيح الجوارح لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ وهذا قول سعيد بن جبير رواه عن ابن عباس.

وروى معمر عن قتادة أنه قال: كان آدم لا يولد له ولد إلا مات فجاء الشيطان وقال: إن سرك أن يعيش ولدك فسمه عبد الحارث ففعل.

فأشركا في الاسم.

ولم يشركا في العبادة.

وروي عن السدي أنه قال: اسم إبليس هو الحارث يوم لعن فأراد أن ينسب إليه، فأمرها فسمته عبد الحارث، فعاش بعد ذلك أياماً ثم مات.

فذلك قوله: فَلَمَّا آتاهُما يعني: أعطاهما صالِحاً خلقاً آدمياً سوياً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر جَعَلاَ له شركا بكسر الشين وجزم الراء وقرأ الباقون شُرَكاءَ بالضم ونصب الراء.

فمن قرأ بالكسر فهو على معنى التسمية، وهو اسم يقوم مقام المصدر ومن قرأ بالضم فمعناه: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني: الشريك في الاسم وإنما ذكر الشركاء وأراد به الشريك يعني: الشيطان فإن قيل: من قرأ بالكسر كان من حق الكلام أن يقول جعلا لغيره شركاً، لأنهما لا ينكران أن الأصل لله تعالى.

وإنَّما جعلا لغيره شركاً أي نصيباً.

قيل له: معناه جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني: ذا شرك.

فذكر الشرك والمراد به شركه كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 12] أي أهل القرية فضرب الله تعالى بهذا مثلاً للكفار يعني: كما أن آدم وحواء أعطاهما ورزقهما فاشركوا في عبادته.

ثم نزه نفسه عن الشرك فقال تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي هو أعلى وأجلّ من أن يوصف بالشرك.

ثم رجع إلى قصة الكفار فقال الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً يعني: أيشركون الآلهة مع الله تعالى وهم كفار مكة ما لا يخلق شيئاً وهي الآلهة وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يعني: لا يستطيعون أن يمتنعوا مما نزل بهم من العذاب وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى قال الكلبي يعني: الآلهة.

وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر لاَ يَتَّبِعُوكُمْ يعني: لا يتّبعهم آلهتهم سَواءٌ عَلَيْكُمْ يا أهل مكة أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ لا تعقل شيئاً لأنه ليس فيها روح.

وقال مقاتل: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني: كفار مكة لاَ يَتَّبِعُوكُمْ لا يتبعونكم يعني: النبيّ  سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون فلا يؤمنون قرأ نافع لاَ يَتَّبِعُوكُمْ بجزم التاء وقرأ الباقون بالنصب والتشديد لاَ يَتَّبِعُوكُمْ وهما لغتان تبعه وأتْبعه معناهما واحد.

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ يعني: تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام عِبادٌ أَمْثالُكُمْ يعني: مخلوقين مملوكين أشباهكم وليسوا بآلهة فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنها آلهة.

ثم قال عز وجل: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها يعني: في حوائجكم أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها يعني: يعطون بها ويمنعون عنكم الضر أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها يعني: عبادتكم أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها يعني: دعاءكم وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلها.

ولكن لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى بيّن ضعف معبودهم وعجزهم، وبيّن أنهم اشتغلوا بشيء لا فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك.

ثم قال: قُلِ يا محمد يعني: لكفار مكة ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعني: آلهتكم ثُمَّ كِيدُونِ يعني: اعملوا بي ما شئتم فَلا تُنْظِرُونِ يعني: لا تمهلون ولا تؤجلون لأنهم خوفوه بآلهتهم قرأ أبو عمرو ثُمَّ كيدوني بالياء في حال الوصل وقرأ الباقون بغير الياء.

ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، واستعد لكلِّ شيءٍ استعداد مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء.

وقوله: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يحتمل وجْهين، وبكليهما قيل.

أحدهما: أن «ما» معطوفةٌ على قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ أي: وَلَمَا مسني السوءُ.

والثاني: أن يكون الكلامُ مقطوعاً تَمَّ في قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به.

قال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ «١» : السُّوءُ الجنون بلغة هُذَيْلٍ.

ت: وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب «السوء» الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه: مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ ...

[سبأ: ٤٦] الآية، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: يحتملُ معنيين:

أحدهما: أنْ يريد: لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع.

والثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه.

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)

وقوله: جلّت عظمته: وهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ...

الآية.

قال جمهورُ المفسِّرين: المراد بالنَّفْسِ الواحدة: آدم عليه السلام، وبقوله: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها حَوَّاء، وقولُه: مِنْها هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فاستخرجت قصرى أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حوّاء.

وقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْها، أي: ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة.

ثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: فَلَمَّا تَغَشَّاها، أي:

غَشِيَها، وهي كناية عن الجماع، والحمل الخفيف: هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا.

وقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس: «فاستمرت بِهِ» ، وقرأ ابن «١» مسعود: «فاستمرت بِحَمْلِهَا» وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن «٢» العاص: «فَمَارَتْ بِهِ» ، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت كما تقولُ: مَارَتِ الرِّيحُ مَوْراً، وأَثْقَلَتْ: دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول: أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله دَعَوَا، على هذا التأويل: عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك/ أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ «عَبْدَ الحَارث» ، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه حرْصاً علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ.

وقال الطبريُّ والسديُّ «٣» في قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب «٤» .

ت: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ على صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله، نَعَمْ روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «٥» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذلك، وكان ذلك من

وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ «١» غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم «٢» ، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ.

انتهى.

وهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ:

وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء- وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغرور- فلا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحاً، ولا يسمعا له قَوْلاً، والقولْ الأشبه بالحَقِّ: أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين.

انتهى من «الأحكام» .

قال «٣» ع: وقوله صالِحاً: قال الحَسَن: معناه: غُلاَماً «٤» ، وقال ابن عباس وهو الأظهر: بَشَراً سَوِّياً «٥» سليماً.

وقال قومٌ: إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطباً لجميع الناس: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يريد: آدم وحواء، أي: واستمرّت

حالُكم واحداً واحداً كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها ...

إلى آخر الآية، وصفاً لحالِ الناس واحداً واحداً، أي: هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولداً صالحاً سليماً كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين.

قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم؟!

انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ وباللَّه التوفيق.

وقرأ نافعٌ «١» ، وعاصم في رواية أبي بَكْر: «شركاً» - بكسر الشين، وسكون الراء- على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم:

«شُرَكَاء» على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن «٢» كَعْب: «فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً أَشْرَكَا فِيهِ» .

وقوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً ...

الآية: ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل/ في المعنى وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا:

إن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله: مَا لاَ يَخْلُقُ، وعبَّر عن الأصنام ب هُمْ كأنها تَعْقِلُ على اعتقاد الكُفَّار فيها وبحسب أسمائها، ويُخْلَقُونَ: معناه: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني: الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنى، وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ أي: فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» «٣» بالتاء مِنْ فوقُ «أَتُشْركُونَ» .

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ، من قال: إن الآياتِ في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: آَدَمَ، وَبِزَوْجِها: حَوّاءُ.

ومَعْنى ﴿ لِيَسْكُنَ إلَيْها ﴾ : لَيَأْنَسَ بِها ويَأْوِي إلَيْها.

﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ أيْ: جامَعَها.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أحْسَنُ كِنايَةٍ عَنِ الجِماعِ.

والحَمْلُ، بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ، أوْ أخْرَجَتْهُ شَجَرَةٌ.

والحَمْلُ، بِكَسْرِ الحاءِ: ما يُحْمَلُ.

والمُرادُ بِالحَمْلِ الخَفِيفِ: الماءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قَعَدَتْ وقامَتْ ولَمْ يُثْقِلْها.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وقَرَأ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَوْنَيُّ " اسْتَمارَّتْ بِهِ " بِزِيادَةِ ألِفٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ بِألِفٍ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: فَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةَ الرّاءِ، أيْ: شَكَتْ وتَمارَتْ أحَمَلَتْ، أمْ لا؟

﴿ فَلَمّا أثْقَلَتْ ﴾ أيْ: صارَ حَمْلُها ثَقِيلًا.

وقالَ الأخْفَشُ: صارَتْ ذا ثِقَلٍ.

يُقالُ: أثْمَرْنا، أيْ: صِرْنا ذَوِي ثَمَرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما ﴾ يَعْنِي آَدَمَ وحَوّاءَ ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا ﴾ وفي المُرادِ بِالصّالِحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْسانُ المُشابِهُ لَهُما، وخافا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الغُلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

شَرْحُ السَّبَبِ في دُعائِهِما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ حَوّاءَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ ما في بَطْنِكِ، لَعَلَّهُ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ حِمارٌ؛ وما يُدْرِيكَ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، أيَشُقُّ بَطْنَكِ، أمْ يَخْرُجُ مِن فِيكِ، أوْ مِن مِنخَرَيْكِ؟

فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَدَعَوا اللَّهَ حِينَئِذٍ، فَجاءَ إبْلِيسُ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟

قالَتْ: ما أسْتَطِيعُ القِيامَ إذا قَعَدْتُ، قالَ: أفَرَأيْتِ إنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلَهُ إنْسانًا مِثْلَكِ ومِثْلَ آَدَمَ، أتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي؟

قالَتْ: نَعَمْ.

فَلَمّا ولَدَتْهُ سَوِيًّا، جاءَها إبْلِيسُ فَقالَ: لِمَ لا تُسَمِّينَهُ بِي كَما وعَدْتِنِي؟

فَقالَتْ: وما اسْمُكَ؟

قالَ: الحارِثُ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثُ، فَسَمَّتْهُ: عُبِدَ الحارِثِ، وقِيلَ: عَبَدُ شَمْسٍ بِرِضى آَدَمَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " شُرَكاءُ " بِضَمِّ الشِّينِ والمَدِّ، جَمْعُ شَرِيكٍ.

وقَرَأ نافِعٌ.

وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " شِرْكًا " مَكْسُورَةَ الشِّينِ عَلى المَصْدَرِ، لا عَلى الجَمْعِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " شِرْكًا " حَذَفَ المُضافَ، كَأنَّهُ أرادَ: جَعَلا لَهُ ذا شِرْكٍ، وذَوِي شَرِيكٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا، لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلا لَهُ ذَوِي شِرْكٍ، فالمَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا؛ وهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ "شُرَكاءَ" وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى "شُرَكاءَ": شَرِيكًا، فَأوْقَعَ الجَمْعَ مَوْقِعَ الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ  ﴾ .

والمُرادُ بِالشَّرِيكِ: إبْلِيسُ، لِأنَّهُما أطاعاهُ في الِاسْمِ، فَكانَ الشِّرْكُ في الطّاعَةِ، لا في العِبادَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدا أنَّ الحارِثَ رَبَّهُما، لَكِنْ قَصَدا أنَّهُ سَبَبُ نَجاةِ ولَدِهِما؛ وقَدْ يُطْلَقُ العَبْدُ عَلى مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ.

قالَ الشّاعِرُ: وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا وما فِيَّ إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لا يَعِيشُ لِآَدَمَ ولَدٌ، فَقالَ الشَّيْطانُ: إذا وُلِدَ لَكُما ولَدٌ فَسَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأطاعاهُ في الِاسْمِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أشْرَكَ آَدَمُ، إنَّ أوَّلَ الآَيَةِ لَشُكْرٌ، وآَخِرُها مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن يَعْبُدُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ .

ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، رَزَقَهُمُ اللهُ أوْلادًا فَهَوَّدُوهم ونَصَّرُوهم.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ قالا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ﴾ عائِدٌ إلى النَّفْسِ وزَوْجِهِ مِن ولَدِ آَدَمَ، لا إلى آَدَمَ وحَوّاءَ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوَلَدِ الصّالِحِ، وهو السَّلِيمُ الخَلْقِ؛ فالمَعْنى: جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ الوَلَدُ شُرَكاءَ.

وإنَّما قِيلَ: "جَعَلا" لِأنَّ حَوّاءَ كانْتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أوْلادُ آَدَمَ وحَوّاءَ.

فَتَأْوِيلُ الآَيَةِ: فَلَمّا آَتاهُما صالِحًا، جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ، فَحَذَفَ الأوْلادَ وأقامَهُما مَقامَهم كَما قالَ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ في مُشْرِكِي العَرَبِ خاصَّةً، وأنَّها مَفْصُولَةً عَنْ قِصَّةِ آَدَمَ وحَوّاءَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُوءُ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِن الشاكِرِينَ ﴾ هَذا أمْرٌ في أنْ يُبالِغَ في الِاسْتِسْلامِ ويَتَجَرَّدَ مِنَ المُشارَكَةِ في قُدْرَةِ اللهِ وغَيْبِهِ، وأنْ يَصِفَ نَفْسَهُ لِهَؤُلاءِ السائِلِينَ بِصِفَةِ مَن كانَ بِها فَهو حَرِيٌّ ألّا يَعْلَمَ غَيْبًا ولا يَدَّعِيَهُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ لا يَمْلِكُ مِن مَنافِعِ نَفْسِهِ ومَضارِّها إلّا ما سَنّى اللهُ لَهُ وشاءَ ويَسَّرَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وأخْبَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ لَعَمِلَ بِحَسَبِ ما يَأْتِي ولاسْتَعَدَّ لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتِعْدادَ مَن يَعْلَمُ قَدَرَ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ، وهَذا لَفْظُ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ خَصَّصَ الناسُ هَذا فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٌ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ أجْلِي لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أوقاتُ النَصْرِ لَتَوَخِيَتِها، وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ مَعْنى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ﴾ السَنَةَ المُجْدِبَةَ لَأعْدَدْتُ لَها مِنَ المُخْصِبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَسَّنِيَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ وبِكِلَيْهِما قِيلَ؛ أحَدُهُما: أنَّ "ما" مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لاسْتَكْثَرْتُ ﴾ أيْ: ولَما مَسَّنِيَ السُوءُ.

والثانِي: أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَقْطُوعًا تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ ﴾ وابْتَدَأ يُخْبِرُ بِنَفْيِ السُوءِ عنهُ وهو الجُنُونُ الَّذِي رَمَوْهُ بِهِ.

قالَ المُؤَرِّجُ السَدُوسِيُّ:السُوءُ: الجُنُونُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، ثُمَّ أخْبَرَ بِجُمْلَةِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ.

و ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُطْلَبُ مِنهُمُ الإيمانُ ويُدْعَوْنَ إلَيْهِ وهَؤُلاءِ الناسُ أجْمَعُ، والثانِي: أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ نَذِيرٌ ويَتِمَّ الكَلامُ، ثُمَّ يَبْتَدِئَ يُخْبِرُ أنَّهُ بَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَفي هَذا وعْدٌ لِمَن حَصَلَ إيمانُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ الآيَةُ.

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ حَوّاءُ، وقَوْلُهُ: "مِنها" يُرِيدُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ آدَمَ نامَ فاسْتُخْرِجَتْ قُصْرى أضْلاعِهِ وخُلِقَتْ مِنها حَوّاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْكُنَ إلَيْها ﴾ أيْ: لِيَأْنَسَ ويَطْمَئِنَّ، وكانَ هَذا كُلُّهُ في الجَنَّةِ.

ثُمَّ ابْتَدَأ بِحالَةٍ أُخْرى هي في الدُنْيا بَعْدَ هُبُوطِها، فَقالَ: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ أيْ غَشِيَها وهي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، والحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حَمْلًا" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "حِمْلًا" بِكَسْرِ الحاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قالَ أيُّوبُ: سَألْتُ الحَسَنَ عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ فَقالَ: لَوْ كُنْتَ امْرَأً عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَ ما هِيَ، إنَّما المَعْنى: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدَّرَهُ قَوْمٌ عَلى القَلْبِ كَأنَّ المُرادَ: فاسْتَمَرَّ بِها، كَما تَقُولُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما ذَكَرَ النَقّاشُ -: "فَمَرَتْ بِهِ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها هَلْ هو حَمْلٌ أو مَرَضٌ ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "فاسْتَمَرَّتْ بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: "فَمارَتْ بِهِ" ومَعْناهُ: أيْ جاءَتْ بِهِ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِيحُ مَوْرًا، و"أثْقَلَتْ" دَخَلَتْ في الثِقْلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أيْ: صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَجُلُ وألْبَنَ إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، والضَمِيرُ في "دَعَوا" يَعُودُ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حَوّاءَ لَمّا حَمَلَتْ أوَّلَ حَمْلٍ لَمْ تَدْرِ ما هُوَ، وهَذا يُقَوِّي قِراءَةَ مَن قَرَأ "فَمَرَتْ بِهِ" بِتَخْفِيفِ الراءِ فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ فَوَجَدَ إبْلِيسُ إلَيْها السَبِيلَ، فَقالَ لَها: ما يُدْرِيكِ ما في جَوْفِكِ؟

ولَعَلَّهُ خِنْزِيرٌ أو حَيَّةٌ أو بَهِيمَةٌ في الجُمْلَةِ، وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟

أيَنْشَقُّ لَهُ بَطْنُكِ فَتَمُوتِينَ أو مِن فَمِكِ أو مِن أنْفِكِ؟

ولَكِنْ إنْ أطَعْتِنِي وسَمَّيْتِهِ عَبْدَ الحارِثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "والحارِثُ اسْمُ إبْلِيسَ"، فَسَأُخَلِّصُهُ لَكِ وأجْعَلُهُ بَشَرًا مِثْلَكِ، وإنْ أنْتِ لَمْ تَفْعَلِي قَتَلْتُهُ لَكِ، قالَ: فَأخْبَرَتْ حَوّاءُ آدَمَ، فَقالَ لَها: ذَلِكَ صاحِبُنا الَّذِي أغْوانا في الجَنَّةِ، لا نُطِيعُهُ، فَلَمّا ولَدَتْ سَمَّياهُ عَبْدَ اللهِ، فَماتَ الغُلامُ، ويُرْوى أنَّ اللهَ سَلَّطَ إبْلِيسَ عَلى قَتْلِهِ، فَحَمَلَتْ بِآخَرَ فَفَعَلَ بِها مِثْلَ ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ بِالثالِثِ، فَلَمّا ولَدَتْهُ أطاعا إبْلِيسَ فَسَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فَهَذا هو الشِرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ، أيْ في التَسْمِيَةِ فَقَطْ.

وَ"صالِحًا" قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: غُلامًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -وَهُوَ الأظْهَرُ-: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وفي "المُشْكِلِ" لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ أيْ: أتْيًا صالِحًا، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَبْيِينُ عن حالِ الكافِرِينَ، فَعَدَّدَ النِعَمَ الَّتِي تَعُمُّ الكافِرِينَ وغَيْرَهم مِنَ الناسِ، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِفِعْلِ المُشْرِكِينَ السَيِّئِ فَقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ ووَجَبَ العِقابُ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ الناسِ: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ يُرِيدُ آدَمَ وحَوّاءَ، أيْ: واسْتَمَرَّتْ حالُكم واحِدًا كَذَلِكَ، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ تَخُصُّ كُلَّ أحَدٍ بِجُزْءٍ مِنها، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وصْفًا لِحالِ الناسِ واحِدًا واحِدًا، أيْ هَكَذا يَفْعَلُونَ، فَإذا آتاهُمُ اللهُ الوَلَدَ صالِحًا سَلِيمًا كَما أرادَهُ، صَرَفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِرْكِ، فَهَذا فِعْلُ المُشْرِكِينَ الَّذِي قامَتِ الحُجَّةُ فِيهِ بِاقْتِرانِهِ مَعَ النِعْمَةِ العامَّةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما حَكى عنهُ الطَبَرِيُّ -: مَعْنى الآيَةِ: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ إشارَةٌ إلى الرُوحِ الَّذِي يُنْفَخُ في كُلِّ أحَدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أيْ: خَلَقَكم مِن جِنْسٍ واحِدٍ وجَعَلَ الإناثَ مِنهُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وصْفًا لِحالِ الناسِ واحِدًا واحِدًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَرْتِيبِ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، عاد بها الكلام إلى تقرير دليل التوحيد وإبطال الشرك من الذي سلف ذكره في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظُهورهم ذرياتهم ﴾ [الأعراف: 172] الآية، وليست من القول المأمور به في قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ﴾ [الأعراف: 188] لأن ذلك المقول قصد منه إبطال الملازمة بين وصف الرسالة وعلْم الرسول بالغيب، وقد تم ذلك، فالمناسب أن يكون الغرض الآخر كلاماً موجهاً من الله تعالى إلى المشركين لإقامة الحجة عليهم بفساد عقولهم في إشراكهم وإشراك آبائهم.

ومناسبة الانتقالَ جريان ذكر اسم الله في قوله: ﴿ إلاّ ما شاء الله ﴾ [الأعراف: 188] وضمير الخطاب في ﴿ خلقكم ﴾ للمشركين من العرب، لأنهم المقصود من هذه الحجج والتذكير، وإن كان حكم هذا الكلام يشمل جميع البشر، وقد صدر ذلك بالتذكير بنعمة خلق النوع المبتدأ بخلق أصله وهو ءادم وزوجه حواء تمهيداً للمقصود.

وتعليق الفعل باسم الجمع، في مثله، في الاستعمال يقع على وجهين: أحدهما: أن يكون المراد الكل المجموعي، أي جملة ما يصدق عليه الضمير، أي خلق مجموع البشر من نفس واحدة فتكون النفس هي نفسَ آدم الذي تولد منه جميع البشر.

وثانيهما: أن يكون المراد الكل الجميعي أي خَلق كل أحد منكم من نفس واحدة، فتكون النفس هي الأب، أي أبو كل واحد من المخاطبين على نحو قوله تعالى: ﴿ يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ [الحجرات: 13] وقوله: ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ [القيامة: 39].

ولفظ ﴿ نفس واحدة ﴾ وحْدَه يحتمل المعنيين، لأن في كلا الخلقين امتناناً، وفي كليهما اعتباراً واتعاضاً.

وقد جعل كثير من المفسرين النفسَ الواحدة آدم وبعض المحققين منهم جعلوا الأب لكل أحد، وهو المأثور عن الحسن، وقتادة، ومشى عليه الفخر، والبيضاوي وابنُ كثير، والأصم، وابن المنير، والجبائي.

ووصفت النفس بواحدة على أسلوب الإدماج بين العبرة والموعظة، لأن كونها واحدة أدعى للاعتبار إذ ينسل من الواحدة أبناء كثيرون حتى ربما صارت النفس الواحدة قبيلة أو أمّة، ففي هذا الوصف تذكير بهذه الحالة العجيبة الدالة على عظم القدرة وسعة العلم حيث بثه من نفس واحدة رجالاً كثيراً ونساء، وقد تقدم القول في ذلك في طالعة سورة النساء.

والذي يظهر لي أن في الكلام استخداماً في ضميري ﴿ تغشاها ﴾ وما بعده إلى قوله: ﴿ فيما آتاهما ﴾ وبهذا يجمع تفسير الآية بين كلا الرأيين.

و (من) في قوله: ﴿ من نفس واحدة ﴾ ابتدائية.

وعبر في جانب الأنثى بفعل جعل، لأن المقصود جعل الأنثى زوجاً للذكر، لا الإخبارُ عن كون الله خلقها، لأن ذلك قد علم من قوله: ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ .

و (من) في قوله: ﴿ وجعل منها ﴾ للتبعيض، والمراد: من نوعها، وقوله: ﴿ منها ﴾ صفة ل ﴿ زوجها ﴾ قدمت على الموصوف للاهتمام بالامتنان بأن جعل الزوج وهو الأنثى من نوع ذكرها وهذه الحكمة مطردة في كل زوجين من الحيوان.

وقوله: ﴿ ليسكن إليها ﴾ تعليل لما أفادته (من) التبعيضية.

والسكون مجاز في الاطمئنان والتأنس أي: جعل من نوع الرجل زوجه ليألفها ولا يجفو قربها، ففي ذلك منة الإيناس بها، وكثرة ممارستها لينساق إلى غشيانها، فلو جعل الله التناسل حاصلاً بغير داعي الشهوة لكانت نفس الرجل غير حريصة على الاستكثار من نسله، ولو جعله حاصلاً بحالة ألم لكانت نفس الرجل مقلة منه، بحيث لا تنصرف إليه إلاّ للاضطرار بعد التأمل والتردد، كما ينصرف إلى شرب الدواء ونحوه المعقبة منافع، وفُرع عنه بفاء التعقيب ما يحدث عن بعض سكون الزوج إلى زوجه وهو الغشيان.

وصيغت هذه الكنابة بالفعل الدال على التكلف لإفادة قوة التمكن من ذلك لأن التكلف يقتضي الرغبة.

وذُكِّر الضمير المرفوع في فعلي ﴿ يَسْكُنَ ﴾ و(تغشى): باعتبار كون ما صْدق المعاد، وهو النفس الواحدة، ذكراً، وأنّث الضمير المنصوب في ﴿ تغشاها ﴾ ، والمرفوع في ﴿ حَملتْ ﴾ .

و(مرتْ): باعتبار كون ما صْدق المعاد وهو زوجها أنثى، وهو عكس بديع في نقل ترتيب الضمائر.

ووُصف الحمل ب ﴿ خفيفاً ﴾ إدماج ثان، وهو حكاية للواقع، فإن الحمل في مبدئه لا تجد منه الحامل ألماً، وليس المراد هنا حملاً خاصّاً، ولكنه الخبر عن كل حمل في أوله، لأن المراد بالزوجين جنسهما، فهذه حكاية حالة تحصل منها عبرة أخرى، وهي عبرة تطور الحمل كيف يبتدئ خفيفاً كالعدم، ثم يتزايد رويداً رويداً حتى يثقل، وفي «الموطأ» «قال: مالك وكذلك (أي كالمريض غير المخوف والمريض المخوف»): الحامل في أول حملها بشر وسرور وليس بمرض ولا خوف، لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه ﴿ فبشرّناها بإسحاق ﴾ [هود: 71] وقال: ﴿ حَملت حمْلاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتينا صالحاً لنكونن من الشاكرين ﴾ .

وحقيقة المرور: الاجتياز، ويستعار للتغافل وعدم الاكتراث للشيء كقوله تعالى: ﴿ فلما كشفْنا عنه ضُره مر كأنْ لم يَدْعُنا إلى ضرَ مسّه ﴾ [يونس: 72] أي: نسى دعاءنا، وأعرض عن شكرنا لأن المار بالشيء لا يقف عنده ولا يسائله، وقوله: ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ [الفرقان: 72].

وقال تعالى: ﴿ وكأيّنْ من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها مُعرضون ﴾ [يوسف: 105].

فمعنى ﴿ فمرت به ﴾ لم تتفطن له، ولم تفكر في شأنه، وكل هذا حكاية للواقع، وهو إدماج.

والإثْقاللِ ثَقل الحمل وكلفته، يقال أثقلت الحامل فهي مُثقل وأثقل المريض فهو مُثقل، والهمزة للصيرورة مثل أوْرَقَ الشجر، فهو كما يقال أقْرَبت الحامل فهي مُقْرب إذا أقرب أبان وضعها.

وقد سلك في وصف تكوين النسل مسلك الإطناب: لما فيه من التذكير بتلك الأطوار، الدالة على دقيق حكمة الله وقدرته، وبلطفه بالإنسان.

وظاهر قوله: ﴿ دَعَوَا الله ربهما ﴾ أن كل أبوين يَدعوان بذلك، فإن حمل على ظاهره قلنا لا يخلو أبواب مشركان من أن يتمنيا أن يكون لهما من الحمل مولود صالح، سواء نطقاً بذلك أم أضمراه في نفوسهما، فإن مدة الحمل طويلة، لا تخلو أن يحدث هذا التمني في خلالها، وإنما يكون التمني منهم على الله، فإن المشركين يعترفون لله بالربوبية، وبأنه هو خالق المخلوقات ومُكونها، ولا حظ للآلهة إلاّ في التصرفات في أحوال المخلوقات، كما دلت علبه محاجات القرآن لهم نحو قوله تعالى: ﴿ قل هل من شركائكم من يَبْدَؤا الخلق ثم يعيده ﴾ [يونس: 34] وقد تقدم القول في هذا عند قوله تعالى: وإن حمل دَعوا} على غير ظاهره فتأويله أنه مخصوص ببعض الأزواج الذين يخطر بيبالهم الدعاء.

وإجراء صفة ﴿ ربهما ﴾ المؤذنة بالرفق والإيجاد: للإشارة إلى استحضار الأبوين هذا الوصف عند دعائهما الله، أي يَذكرَ أنه باللفظ أو ما يفيد مفاده، ولعل العرب كانوا إذا دعوا بصلاح الحمل قالوا: ربنا آتنا صالحاً.

وجملة: ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ مبيّنة لجملة ﴿ دَعَوَا الله ﴾ .

و ﴿ صالحاً ﴾ وصف جرى على موصوف محذوف، وظاهر التذكير أن المحذوف تقديره: (ذكراً) وكان العرب يرغبون في ولادة الذكور وقال تعالى: ﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ﴾ [النحل: 57] أي الذكور.

فالدعاء بأن يؤتَيا ذكراً، وأن يكون صالحاً، أي نافعاً: لأنهم لا يعرفون الصلاح الحق، ويَنذران: لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين.

ومعنى ﴿ فلما آتاهما صالحاً لما أتى من أتاه منهم ولداً صالحاً وضمير جعلا ﴾ للنفس الواحدة وزوجها، أي جعل الأبوان المشركان.

و«الشِّرْك» مصدر شَرَكه في كذا، أي جعلا لله شركة، والشركة تقتضي شريكاً أي جعلا لله شريكاً فيما آتاهما الله، والخبر مراد منه مع الإخبار التعجيب من سفه آرائهم، إذ لا يجعل رشيدُ الرأي شريكاً لأحد في ملكه وصنعه بدون حق، فلذلك عُرف المشروك فيه بالموصولية فقيل ﴿ فيما آتاهما ﴾ دون الإضمار بأن يقال: جعلا له شركاً فيه: لما تؤذن به الصلة من فساد ذلك الجعْل، وظُلم جاعله، وعدم استحقاق المجعول شريكاً لما جعل له، وكفران نعمة ذلك الجاعل، إذ شَكَر لمن لم يُعطه، وكفر من أعطاه، وإخلاف الوعد المؤكد.

وجُعل الموصول (ما) دون (منَ) باعتبار أنه عطية، أو لأن حالة الطفولة أشبه بغير العاقل.

وهذا الشرك لا يخلو عنه أحد من الكفار في العرب، وبخاصة أهل مكة، فإن بعض المشركين يجعل ابنه سادنا لبيوت الأصنام، وبعضهم يحْجُر ابنه إلى صنم ليحفظه ويرعاه، وخاصة في وقت الصبا، وكل قبيلة تنتسب إلى صنمها الذي تعبده، وبعضهم يسمى ابنه: عبد كذا، مضافاً إلى اسم صنم كما سَمُّوا عبدَ العُزى، وعبدَ شمس، وعبدَ مناة، وعبدَ يا ليل، وعبدَ ضخم، وكذلك امرؤ القيس، وزيد مناءة، لأن الإضافة على معنى التمليك والتعبيد، وقد قال أبو سفيان، يومَ أحد: «اعْلُ هُبل» وقالت امرأة الطفيل لزوجها الطفيل بن عَمرو الدوسي حين أسلم وأمرها بأن تسلم «لا نخشى على الصبية من (ذي الشّرَى) شيئاً» ذو الشرى صنم.

وجملة: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي: تنزه الله عن إشراكهم كله: ما ذُكر منه آنفاً من إشراك الوالدين مع الله فيما آتاهما، وما لم يذكر من أصناف إشراكهم.

وموقع فاء التفريع في قوله: ﴿ فتعالى الله ﴾ موقع بديع، لأن التنزيه عما أحدثوه من الشرك يترتب على ما قبله من انفراده بالخلْق العجيب، والمنن العظيمة، فهو متعال عن إشراكهم لا يليق به ذلك، وليس له شريك بحق، وهو إنشاء تنزيه غيرُ مقصود به مخاطب.

وضمير الجمع في قوله: ﴿ يُشركون ﴾ عائد إلى المشركين الموجودين لأن الجملة كالنتيجة لما سبقها من دليل خَلْق الله إياهم.

وقد روَى الترمذي وأحمد: حديثاً عن سُمرة بن جندب، في تسويل الشيطان لحواء أن تسمي ولدها عبد الحارث، والحارث اسم إبليس، قال الترمذي حديث حسن غريب، ووسمه ابن العربي في «أحكام القرآن»، بالضعف، وتبعه تلميذه القرطبي وبيّن ابنُ كثير ما في سنده من العلل، على أن المفسرين ألصقوه بالآية وجعلوه تفسيراً لها، وليس فيه على ضعفه أنه فسّر به الآية ولكن الترمذي جعله في باب تفسير سورة الأعراف من «سنُنه».

وقال بعض المفسرين: الخطاب في ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ لقريش خاصة، والنفس الواحدة هو قُصي بنُ كلاب تزوج امرأة من خُزاعة فلما آتاهما الله أولاداً أربعة ذكوراً سمى ثلاثة منهم عبد مناف، وعبد العُزى، وعبد الدار، وسمى الرابع «عبداً» بدون إضافة وهو الذي يُدعى بعبْد قُصي.

وقرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وأبو جعفر: شِرْكاً بكسر الشين وسكون الراء أي اشْتراكاً مع الله، والمفعول الثاني لفعل جعلا محذوف للعلم به، أي جعلا له الأصنام شركاً، وقرأ بقية العشرة شُركاء بضم الشين جمع شريك، والقراءتان متحدتان معنى.

وفي جملة: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ محسن من البديع وهو مجيء الكلام متزناً على ميزان الشعر، من غير أن يكون قصيدة، فإن هذه الجملة تدخل في ميزان الرَمل.

وفيها الالتفات من الخطاب الذي سبق في قوله: ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ وليس عائد إلى ما قبله، لأن ما قبله كان بصيغة المثنى خمس مرات من قوله: ﴿ دَعوا الله ربهما ﴾ إلى قوله ﴿ فيما آتاهما ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ وذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ قالَ لِحَوّاءَ سَمِّيهِ: عَبْدَ الحارِثِ، يَعْنِي نَفْسَهُ لِأنَّهُ اسْمُهُ في السَّماءِ كانَ (الحارِثَ ) فَسَمَّتْهُ عَبْدَ اللَّهِ فَماتَ، ثُمَّ حَمَلَتْ ولَدًا ثانِيًا فَقالَ لَها ذَلِكَ فَلَمْ تَقْبَلْ، فَماتَ، ثُمَّ حَمَلَتْ ثالِثًا فَقالَ لَها ولِآدَمَ، أتَظُنّانِ اللَّهَ تارِكَ عَبْدِهِ عِنْدَكُما؟

لا واللَّهِ لَيَذْهَبَنَّ بِهِ كَما ذَهَبَ بِالآخَرِينَ فَسَمَّياهُ بِذَلِكَ فَعاشَ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ أيْ في الِاسْمِ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «خَدَعَهُما مَرَّتَيْنِ خَدَعَهُما في الجَنَّةِ وخَدَعَهُما في الأرْضِ.

» وَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّ المُكَنّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ ابْنُ آدَمَ وزَوْجَتُهُ، ولَيْسَ بِراجِعٍ إلى آدَمَ وحَوّاءَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن سمرة بن جندب في قوله: ﴿ فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء ﴾ قال: سمياه عبد الحارث.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد آتاها الشيطان، فقال: سمياه عبد الحارث يعيش لكما، فسمياه عبد الحارث فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟

سميه عبد الحارث فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك: فلم تفعل، ثم حملت الثالث فجاءها فقال لها: إن تطيعيني سلم لك، وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبها، فأطاعته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ولد لآدم ولد فسماه عبد الله، فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما هذا؟

قال: عبد الله، وكان ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله.

فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟

ووالله ليذهبن به كما ذهب بالآخر ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس فسمياه، فذلك قوله تعالى ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ الشمس لا تخلق شيئاً إنما هي مخلوقة.

قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خدعها مرتين» .

قال زيد: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما أهبط الله آدم وحواء ألقى في نفسه الشهوة لامرأته، فتحرك ذلك منه فأصابها، فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرك ولدها في بطنها، فقالت: ما هذا؟

فجاءها إبليس فقال لها: إنك حملت فتلدين.

قالت: ما ألد؟

قال: ما هل ترين إلا ناقة أو بقرة أو ماعزة أو ضانية هو بعض ذلك، ويخرج من أنفك أو من عينك أو من اذنك.

قالت: والله ما مني من شيء إلا وهو يضيق عن ذلك!

قال: فاطيعيني وسميه عبد الحارث- وكان اسمه في الملائكة الحارث- تلدي مثلك، فذكرت ذلك لآدم فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت.

فمات ثم حملت بآخر، فجاءها فقال: أطيعيني أو قتلته فإني أنا قتلت الأول، فذكرت ذلك لآدم فقال مثل قوله الأوّل، ثم حملت بالثالث فجاءها فقال لها مثل ما قال، فذكرت ذلك لآدم فكأنه لم يكره ذلك، فسمته عبد الحارث فذلك قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: حملت حواء، فأتاها إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعيني أو لأجعلن له قربى أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن- فخوّفهما- سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما أيضاً فقال مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فادركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن السدي قال: إن أول اسم سمياه عبد الرحمن فمات، ثم سمياه صالحاً فمات، يعني آدم وحواء.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم أولاد.

فتعبدهم لله، وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلاً فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله: ﴿ وهو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأها ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن سمرة في قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ .

قال: خفيفاً لم يستبن، فمرت به لما استبان حملها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فشكت أحملت أم لا.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال: سئل الحسن عن قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ قال: فشكت أحملت أم لا.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال: سئل الحسن عن قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ قال: لو كنت عربياً لعرفتها، إنما هي استمرت بالحمل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قال: هي من النطفة ﴿ فمرت به ﴾ يقول: استمرت.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت بحمله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت بحمله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: استخفته.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ فلما أثقلت ﴾ قال: كبر الولد في بطنها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله: ﴿ لئن آتيتنا ﴾ قال: أشفقا أن يكون بهيمة، فقالا: لئن آتيتنا بشراً سوياً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قال: غلاماً سوياً.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ فجعلا له شركاء ﴾ قال: كان شركا في طاعة، ولم يكن شركا في عباده.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ فجعلا له شركاً ﴾ بكسر الشين.

وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ جعلا له شركاء ﴾ قال: أشركاه في الاسم قال: وكنية إبليس أبو كدوس.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن السدي قال: هذا من الموصل والمفصول قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ في شأن آدم وحوّاء، يعني في الأسماء ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ يقول: عما يشرك المشركون ولم يعيِّنهما.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أشرك آدم أن أولها شكر وآخرها مثل ضربه لمن بعده.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ هذه فصل بين آية آدم خاصة في آلهة العرب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال: هذه مفصولة اطاعاه في الولد ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ هذه لقوم محمد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ جعلا له شركاء ﴾ قال: كان شركاً في طاعته ولم يكن شركاً في عبادته، وقال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوّدوا ونصروا.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ قال: يعني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ قال: هو الانكاف أنكف نفسه يقول: عظم نفسه، وانكفته الملائكة وما سبح له.

وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: هذا في الكفار، يدعون الله فإذا آتاهما صالحاً هوّدا ونصرا، ثم قال: ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ يقول: يطيعون ما لا يخلق شيئاً وهي الشياطين لا تخلق شيئاً وهي تخلق ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ يقول: لمن يدعوهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

و (١) ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ، قال ابن عباس (٢) (٣) ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ كما قال في سورة النساء: ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: ليأنس بها ويأوي إليها) (٤) قال أهل المعاني: (والحكمة في أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم هو أن يكون آدم إليها أميل، ولها آلف وأحب؛ إذ الشكل إلى شكله أحب (٥) (٦) ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ .

قال المفسرون (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ﴾ ، قالوا (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ .

أي: استمرت بذلك الحمل الخفيف، وقامت وقعدت لم يُثقلها.

قال الكلبي (١٤) (١٥) ﴿ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ﴾ .

أي: صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها.

﴿ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا ﴾ .

يعني: آدم وحواء (١٦) ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا ﴾ بشرًا سويًا مثلنا، وذلك أنهما أشفقا أن يكون بهيمة أو شيئًا سوى الإنسان، ويأتي بيان هذا في الآية الثانية.

(١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٢) "تنوير المقباس" 2/ 146، وذكره الرازي 15/ 85، والسيوطي في "الدر" 3/ 278.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 143، وأخرجه بسند جيد عن قتادة والسدي، وبسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1630 بسند ضعيف عن الضحاك، وقال ابن أبي حاتم: (وروي عن مجاهد وأبي مالك وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك) اهـ.

وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 394، و"النحاس" 3/ 113، و"تفسير السمرقندي" 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 75، وقال القرطبي 7/ 337: (قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم) اهـ.

(٤) ذكره الثعلبي 6/ 28 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 282، والبغوي 3/ 311، والقرطبي 7/ 337، الخازن 2/ 324 بلا نسبة، ونحوه قال الطبرى 9/ 143، وانظر: السمرقندي 1/ 588، والماوردي 2/ 75.

(٥) لفظ: (أحب) غير واضح في (أ)، وكأنه: (أجذب) (٦) انظر: الرازي 15/ 89، و"البحر" 4/ 439.

(٧) انظر: الطبري 9/ 143، السمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 75.

(٨) "معاني الزجاج" 2/ 395، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 113.

(٩) انظر: "العين" 4/ 429، و"تهذيب اللغة" 3/ 2669، و"الصحاح" 6/ 2446، و"مقاييس اللغة" 4/ 425، و"المفردات" ص 606، و"اللسان" 6/ 3262 (غشى).

(١٠) تَجَلَّلَه، بالفتح: علاه، وجلال كل شيء، بالكسر: غطاؤه، انظر: "العين" 6/ 17، و"تهذيب اللغة" 1/ 641، و"الصحاح" 4/ 1658، و"اللسان" 2/ 664 (جلل).

(١١) انظر: الطبري 9/ 143، و"معاني الزجاج" 2/ 395، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 أ، والماوردي 2/ 75.

(١٢) لفظ: (والحمل ما كان في) غير واضح في: وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 236، و"معاني الأخفش" 2/ 315، و"غريب القرآن" ص 155، و"نزهة القلوب" ص 203 - 208، و"إعراب النحاس" 1/ 656.

(١٣) الحمل، بفتح الحاء: وما ذكر هو قول الزجاج والمشهور عن أهل اللغة أما الحمل بالكسر فهو ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة، وحكي في حمل الشجرة لغتان الفتح والكسر وقيل: ما ظهر فهو حمل بالكسر، وما بطن فهو بالفتح، وقيل: ما كان لازمًا للشيء فهو حمل بالفتح، وما كان بائنًا فهو بالكسر، قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 925: (الصواب الأول)، وانظر: "العين" 3/ 240، و"الجمهرة" 1/ 566، و"الصحاح" 4/ 1676، و"المجمل" 1/ 252، و"مقاييس اللغة" 2/ 106، و"المفردات" ص 257، و"اللسان" 2/ 1002 (حمل).

(١٤) "تنوير المقباس" 2/ 146، وهو قول الأكثر، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 236، و"تفسير غريب القرآن" ص 184، و"تفسير الطبري" 9/ 144، وقد أخرج من طرق جيدة نحوه عن مجاهد والحسن وقتادة والسدي، وانظر: "نزهة القلوب" ص 203، و"معاني النحاس" 3/ 113، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 75.

(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 395، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 400.

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 144، و"معاني الزجاج" 2/ 395، و"النحاس" 3/ 114، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 75.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ يعني آدم ﴿ زَوْجَهَا ﴾ يعني حوّاء ﴿ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ يميل إليها ويستأنس بها ﴿ تغشاها ﴾ كناية عن الجماع ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾ أي خف عليها ولم تلق منه ما يلقى بعض الحوامل من حملهن من الأذى والكرب، وقيل: الحمل الخفيف المني في فرجها ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ قيل: معناه استمرت به إلى حين ميلاده، وقيل: الحمل معناه قامت وقعدت ﴿ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ ﴾ أي ثقل حملها وصارت به ثقيلة ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنَا صالحا ﴾ أي ولداً صالحاً سالماً في بدنه ﴿ فَلَمَّآ آتاهما صالحا ﴾ أي لما آتاهما ولداً صالحاً كما طلبا: جعل أولادهما له شركاء فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما: أي فيما آتى أولادهما وذريتهما، وقيل: إن حواء لما حملت جاءها إبليس وقال لها: إن أطعتيني وسميت ما في بطنك عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس الحارث، وإن عصيتني في ذلك قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها إنه عدوّنا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد ثم حملت مرة أخرى فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته فمات الولد ثم حملت مرة ثالثة فسمياه عبد الحارث طمعاً في حياته، فقوله: جعلا له شركاء في آتاهما: أي في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله، والقول الأول أصح لثلاثة أوجه: أحدها أنه يقتضي براءة آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذريته لقوله تعالى: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ بضمير الجمع، والثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة، وقيل: من نفس واحدة قصي بن كلاب: وزوجته وجعلا له شركاء أي: سموا أولادهما عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف، وهذا القول بعيد لوجهين أحدهما أن الخطاب على هذا خاص بذرية قصي من قريش والظاهر أن الخطاب عام لبني آدم، والآخر أن قوله: وجعل منها زوجها، فإن هذا يصح في حواء لأنها خلقت من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ هذه الآية رد على المشركين من بني آدم، والمراد بقوله: ما لا يخلق شيئاً الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله، والمعنى: أنها مخلوقة غير خالقة، والله تعالى خالق غير مخلوق فهو الإله وحده.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.

الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.

الباقون: بالتشديد.

﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.

الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.

﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.

الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.

الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .

بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".

واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.

وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.

كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه  كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله  كان مخالفاً لفعلهم.

وعن الحسن وقتادة أن النبي  قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.

فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.

فأمرهم الله  بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه  كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.

ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.

والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض  ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.

والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.

فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.

وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.

ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.

ومن السائل؟

عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.

وعن قتادة.

إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.

قال في الكشاف.

الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها  ﴾ ﴿ أيان يوم الدين  ﴾ ولا يقال أيان نمت.

وكسر همزته لغة بني سليم.

وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.

وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.

وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.

ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.

والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.

أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.

وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.

عن النبي  "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي  أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .

ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.

والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.

وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.

وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.

وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.

وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.

وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.

ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله  .

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله  .

وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.

وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.

قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.

وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.

وقال بعضهم: "لما رجع  من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر  بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.

فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.

فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .

أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.

وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل  ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً  ﴾ والطوع نفع.

وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات  ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  ﴾ وقس على هذا.

ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.

قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه  قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.

ومنها أن آدم  كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟

ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه  يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.

والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.

وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.

وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.

أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله  وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.

والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.

ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي  الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم  كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.

فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.

أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟

وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.

وعلى هذا فإنما قال  ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.

فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله  أعلم.

ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.

واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.

والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.

ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.

ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟

وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.

وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.

ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.

وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟

وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله  لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.

ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله  بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.

وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.

ثم لما أمره  بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.

وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.

أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.

يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال  ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.

أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.

ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.

قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.

وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور  ﴾ .

التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله  فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.

﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.

﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً...

﴾ الآية.

قال عامة أهل التأويل: إن آدم وحواء لما أهبطا تغشاها آدم، فحملت، فأتاها إبليس فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟

قالت: لا أدري، قال: لعله بهيمة من هذه البهائم: ناقة، أو شاة، أو بقرة، قالت: لا أدري، فأعرض عنها، فلما أثقلت أتاها فقال: كيف تجدينك؟

قالت: إني لأخاف أن يكون الذي ذكرت، ما أستطيع القيام إذا قعدت إلا بجهد، قال: أفرأيت إن دعوت الله يجعله إنساناً مثلك ومثل آدم أتسمينه بي؟

قالت: نعم، فانصرف عنها، وقالت لآدم: لقد أتاني آت فخوفني بكذا، وإني لأخاف مما ذكر، فدعوا الله في ذلك بقوله: ﴿ دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً ﴾ ، يقول: جعلته إنساناً ﴿ لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ ، فكان هذا دعاؤهما قبل أن تلد، فلما ولدت أتاها إبليس وقال: ألا تسمينه بي كما وعدتني، قالت: نعم، ما اسمك؟

قال: اسمي الحارث، فسمته: عبد الحارث؛ فذلك قوله: ﴿ فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا ﴾ ؛ على هذا حمل أهل التأويل الآية [و] إلى آدم وحواء صرفوها، وذلك وخش من القول، قبيح في آدم وحواء ذلك، ولو ثبت ما قالوا: إنهما سميا ولدهما باسمه ونسباه إليه، لم يكن في ذلك إشراك؛ إذ لو كان في مثله إشراك لكان فيما أضاف العبيد والمماليك إلى الخلق إشراك في ألوهيته.

ثم التأويل عندنا على غير ما ذهبوا إليه - والله أعلم - وهو أن قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ يعني: من آدم، ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ : حواء، أي: خلق الذكور كلهم من آدم، وخلق الإناث كلهن من حوّاء؛ كقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً  ﴾ أخبر أن الأزواج خلقهن من نفس الأزواج، فلما أضاف الزوجات إلى أنفس الأزواج وأنهن من أنفسهم خلقهن؛ كان قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ كل زوجة وزوج إذا تغشاها وحملت دعا آدم وحواء: ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ إذ جميع الأولاد أولادهما، يدعون الله في ذلك ليكون صالحاً؛ فمن كان مسلماً منهما كان بدعائهما؛ فعلى هذا التأويل يحصل دعاؤهما لأولادهما الذين يولدون إلى يوم القيامة؛ لأنهما أب وأم، وقد يدعو الوالدان لأولادهما بالصلاح والخير؛ على هذا يجوز أن يخرج تأويل الآية، وأما ما قاله أولئك فهو بعيد محال، والله أعلم.

وقال بعضهم: إن العرب كان إذا ولد لهم أولاد ذكور ينسبون إلى الأصنام التي يعبدونها ويضيفون إليها؛ تعظيماً لها؛ يقولون: ابن اللات، وابن العزى، وابن المناة، ونحو ذلك، وكانوا يقتلون البنات، وكان إذا أصابتهم الشدة يفزعون إلى الله ويتضرعون إليه؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ...

﴾ الآية [الزمر: 8]، ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ...

﴾ الآية [لقمان: 32]، فلما ذهب ذلك عنهم وانجلى عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ...

﴾ الآية [الزمر: 8]، فإذا كان من عادة العرب ما ذكرنا، كان إذا حملت زوجة منهم وثقل ما في بطنها، جعلا يدعوان الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ذكراً وسلمت من الولادة ﴿ لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً ﴾ يعني: ذكراً ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا ﴾ أي: جعلا لله شركاء في الولد الذي ولد لهما، وينسبونه إلى الأصنام التي كانوا يعبدونها، فذلك قوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا ﴾ فتعالى الله عما يشركون، والله أعلم بذلك.

وقال الحسن: الآية في مشركي العرب، إلا قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ فإن ذلك في آدم وحواء.

ألا ترى أنه قال: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ دل أنه ما ذكرنا.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ وهي نفس آدم ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي: خلق كل نفس منكم من تلك النفس، وجعل لكل نفس منكم زوجة من تلك النفس ليسكن إليها؛ فعلى هذا التأويل يصرف آخر الآية إلى غير آدم وحواء.

وقال القتبي: قوله ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ \[أي\]: استمرت بالحمل، وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ إن العرب كانت تعبد الأصنام تقليداً لآبائهم وسلفهم، فيذكر سفههم أن النفس التي [خلقتم] منها لم تقلد أحداً، ولم تشرك أحداً، إنما اتبعت ما في العقل حسنه، أو ما في السمع من الأمر، فكيف اتبعتم أنتم النفس التي خلقتم منها، وهي لم تتبع إلا ما ذكرنا دون ما اتبعتم في الإشراك له آباؤكم.

ولو كانت القصة في آدم على ما يقول أهل التأويل، فيكون العرب [بها] تعلق واقتداء، فيقولون: إنه أشرك، ونحن نشرك، فدل أنه ليس على ما قالوا:، ولكن على الوجوه التي ذكرنا.

وفي قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ دلالة أن ليس لأحد من البشر على آخر [فضل] من جهة الخلقة والنسبة؛ إذ كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة، وهم إخوة وأخوات، وإن كان لأحد فضل على آخر فإنما يكون لأعمال يكتسبها، وأخلاق محمودة ومحاسن: يختارها، وأما من جهة الخلقة فلا فضل لبعض على بعض؛ كقوله: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ .

يذكر سفههم أنهم يشركون في عبادته وألوهيته من يعلمون أنه لم يخلقهم، وإنما خلقهم الله -  وتعالى - وهم مخلوقون؛ فصرف العبادة إلى غير الذي خلقهم سفه وجور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ .

يسفههم - أيضاً - أن في الشاهد لا يخضع أحد لأحد ولا يشكر له إلا مجازات لما سبق منه إليه من النعمة، أو لما يأمل في العاقبة من المنفعة، وأنتم تعبدون هذه الأصنام ولم يسبق منها إليكم شيء، ولا لكم رجاء يقع في العاقبة؛ فكيف تعبدونهم؟!

﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً ﴾ \[لا\] يدفعون عنهم الضر ﴿ وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ أي: ولا من قصد قصدهم بالكسر والإتلاف يملكون دفعه عن أنفسهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو الذي أوجدكم -أيها الرجال والنساء- من نفس واحدة هي آدم  ، وخلق من آدم  زوجته حواء، خلقها من ضلعه ليأنس إليها، ويطمئن بها، فلما جامع زوجٌ زوجته حملت حملًا خفيفًا لا تشعر به؛ لأنه كان في بدايته، واستمرت على حملها هذا تمضي في حوائجها لا تجد ثقلًا، فلما أثقلت به حين كبر في بطنها دعا الزوجان ربهما قائلين: لئن أعطيتنا -يا ربنا- ولدًا صالح الخلقة تامَّها لنكونن من الشاكرين لنعمك.

<div class="verse-tafsir" id="91.z8m4r"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله