الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٩٠ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 153 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ) ذكر المفسرون هاهنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها ، ثم نتبع ذلك بيان الصحيح في ذلك ، إن شاء الله وبه الثقة .
قال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عمر بن إبراهيم ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ولما ولدت حواء طاف بها إبليس - وكان لا يعيش لها ولد - فقال : سميه عبد الحارث ; فإنه يعيش ، فسمته عبد الحارث ، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره " .
وهكذا رواه ابن جرير ، عن محمد بن بشار بندار ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، به .
ورواه الترمذي في تفسيره هذه الآية عن محمد بن المثنى ، عن عبد الصمد ، به وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ، ولم يرفعه .
ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث عبد الصمد مرفوعا ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره ، عن أبي زرعة الرازي ، عن هلال بن فياض ، عن عمر بن إبراهيم ، به مرفوعا .
وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض ، عن عمر بن إبراهيم ، به مرفوعا قلت : " وشاذ " [ هذا ] هو : هلال ، وشاذ لقبه .
والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه : أحدها : أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري ، وقد وثقه ابن معين ، ولكن قال أبو حاتم الرازي : لا يحتج به .
ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن سمرة مرفوعا فالله أعلم .
الثاني : أنه قد روي من قول سمرة نفسه ، ليس مرفوعا ، كما قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر ، عن أبيه .
وحدثنا ابن علية عن سليمان التيمي ، عن أبي العلاء بن الشخير ، عن سمرة بن جندب ، قال : سمى آدم ابنه " عبد الحارث " .
الثالث : أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا ، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا ، لما عدل عنه .
قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا سهل بن يوسف ، عن عمرو ، عن الحسن : ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) قال : كان هذا في بعض أهل الملل ، ولم يكن بآدم حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال : قال الحسن : عنى بها ذرية آدم ، ومن أشرك منهم بعده - يعني : [ قوله ] ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) وحدثنا بشر حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول : هم اليهود والنصارى ، رزقهم الله أولادا ، فهودوا ونصروا وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ، رحمه الله ، أنه فسر الآية بذلك ، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية ، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما عدل عنه هو ولا غيره ، ولا سيما مع تقواه لله وورعه ، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب ، من آمن منهم ، مثل : كعب أو وهب بن منبه وغيرهما ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله [ تعالى ] إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع ، والله أعلم .
فأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانت حواء تلد لآدم ، عليه السلام ، أولادا فيعبدهم لله ويسميه : " عبد الله " و " عبيد الله " ، ونحو ذلك ، فيصيبهم الموت فأتاها إبليس وآدم فقال : إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش قال : فولدت له رجلا فسماه " عبد الحارث " ، ففيه أنزل الله ، يقول الله : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) إلى قوله : ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) إلى آخر الآية .
وقال العوفي ، عن ابن عباس قوله في آدم : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) إلى قوله : ( فمرت به ) شكت أحبلت أم لا ؟
( فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ) فأتاهما الشيطان ، فقال : هل تدريان ما يولد لكما ؟
أم هل تدريان ما يكون ؟
أبهيمة يكون أم لا ؟
وزين لهما الباطل ; إنه غوي مبين ، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا ، فقال لهما الشيطان : إنكما إن لم تسمياه بي ، لم يخرج سويا ، ومات كما مات الأولان فسميا ولدهما " عبد الحارث " ، فذلك قول الله [ تعالى ] ( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) الآية .
وقال عبد الله بن المبارك ، عن شريك ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) قال : قال الله تعالى : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ) آدم ( حملت [ حملا خفيفا ] ) فأتاهما إبليس - لعنه الله - فقال : إنى صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعني أو لأجعلن قرني له أيل فيخرج من بطنك فيشقه ، ولأفعلن ولأفعلن - يخوفهما - فسمياه " عبد الحارث " فأبيا أن يطيعاه ، فخرج ميتا ، ثم حملت الثانية ، فأتاهما أيضا فقال : أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت ، لتفعلن أو لأفعلن - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه ، فخرج ميتا ، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضا ، فذكر لهما ، فأدركهما حب الولد ، فسمياه " عبد الحارث " ، فذلك قوله : ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) رواه ابن أبي حاتم .
وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه ، كمجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة .
ومن الطبقة الثانية : قتادة ، والسدي ، وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة ، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب ، فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب ، كما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد - يعني ابن بشير - عن عقبة ، عن قتادة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب قال : لما حملت حواء أتاها الشيطان ، فقال لها : أتطيعيني ويسلم لك ولدك ؟
سميه " عبد الحارث " ، فلم تفعل ، فولدت فمات ، ثم حملت فقال لها مثل ذلك ، فلم تفعل .
ثم حملت الثالث فجاءها فقال : إن تطيعيني يسلم ، وإلا فإنه يكون بهيمة ، فهيبهما فأطاعا .
وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب ، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " ، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام : فمنها : ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله .
ومنها ما علمنا كذبه ، بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا .
ومنها : ما هو مسكوت عنه ، فهو المأذون في روايته ، بقوله ، عليه السلام : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " وهو الذي لا يصدق ولا يكذب ، لقوله : " فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " .
وهذا الأثر : [ هل ] هو من القسم الثاني أو الثالث ؟
فيه نظر .
فأما من حدث به من صحابي أو تابعي ، فإنه يراه من القسم الثالث ، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ، رحمه الله ، في هذا [ والله أعلم ] وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء ، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ; ولهذا قال الله : ( فتعالى الله عما يشركون ) ثم قال :
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رزقهما الله ولدًا صالحًا كما سألا =جعلا له شركاء فيما آتاهما ورزقهما.
* * * ثم اختلف أهل التأويل في " الشركاء " التي جعلاها فيما أوتيا من المولود.
فقال بعضهم: جعلا له شركاء في الاسم.
* ذكر من قال ذلك: 15513 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا عمر بن إبراهيم, عن قتادة, عن الحسن, عن سمرة بن جندب, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت حوّاء لا يعيش لها ولد, فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه " عبد الحارث ", فعاش لها ولد, فسمته " عبد الحارث ", (24) وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان.
(25) 15514 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر, عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء, عن سمرة بن جندب: أنه حدث أن آدم عليه السلام سمى ابنه " عبد الحارث ".
15515 - ....
قال: حدثنا المعتمر, عن أبيه قال: حدثنا ابن علية, عن سليمان التيمي, عن أبي العلاء بن الشخّير, عن سمرة بن جندب قال: سمى آدمُ ابنه: " عبد الحارث ".
(26) 15515 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كانت حوّاء تلد لآدم, فتعبِّدهم لله, وتسميه " عبيد الله " و " عبد الله " ونحو ذلك, فيصيبهم الموت, فأتاها إبليسُ وآدمَ, فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش !
فولدت له رجلا فسماه " عبد الحارث ", ففيه أنـزل الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، إلى قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، إلى آخر الآية.
15517 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله في آدم: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، إلى قوله: فَمَرَّتْ بِهِ ، فشكّت: أحبلت أم لا = فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا الآية, فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟
أم هل تدريان ما يكون؟
أبهيمة يكون أم لا؟
وزيَّن لهما الباطل، إنه غويٌّ مبين.
وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا, فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي، لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأولان!
فسميا ولدهما " عبد الحارث "; فذلك قوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما)، الآية.
15518 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: لما ولد له أول ولد, أتاه إبليس فقال: إني سأنصح لك في شأن ولدك هذا، تسميه " عبد الحارث " !
فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك !
=قال ابن عباس: وكان اسمه في السماء " الحارث "= قال آدم: أعوذ بالله من طاعتك، إني أطعتك في أكل الشجرة, فأخرجتني من الجنة, فلن أطيعك.
فمات ولده, ثم ولد له بعد ذلك ولد آخر, فقال: أطعني وإلا مات كما مات الأول !
فعصاه, فمات, فقال: لا أزال أقتلهم حتى تسميه " عبد الحارث ".
فلم يزل به حتى سماه " عبد الحارث ", فذلك قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، أشركه في طاعته في غير عبادة, ولم يشرك بالله, ولكن أطاعه.
15519 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سَلَمَة, عن هارون قال: أخبرنا الزبير بن الخِرِّيت, عن عكرمة قال: ما أشرك آدم ولا حواء, وكان لا يعيش لهما ولد, فأتاهما الشيطان فقال: إن سرَّكما أن يعيش لكما ولد فسمياه " عبد الحارث " !
فهو قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما).
(27) 15520 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا قال: كان آدم عليه السلام لا يولد له ولد إلا مات, فجاءه الشيطان, فقال: إن سرَّك أن يعيش ولدك هذا, فسمِّه " عبد الحارث " !
ففعل قال: فأشركا في الاسم، ولم يشركا في العبادة.
15521 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما)، ذكر لنا أنه كان لا يعيش لهما ولد, فأتاهما الشيطان, فقال لهما: سمياه " عبد الحارث " !
وكان من وحي الشيطان وأمره, وكان شركًا في طاعةٍ, ولم يكن شركًا في عبادةٍ.
15522 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) قال: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد.
فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد, فسمياه " عبد الحارث " !
ففعلا وأطاعاه, فذلك قول الله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء)، الآية.
15523 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابن فضيل, عن سالم بن أبي حفصة, عن سعيد بن جبير, قوله: أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا ، ..
إلى قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) قال: لما حملت حوّاء في أوّل ولد ولدته حين أثقلت, أتاها إبليس قبل أن تلد, فقال: يا حوّاء، ما هذا الذي في بطنك؟
فقالت: ما أدري.
فقال: من أين يخرج؟
من أنفك, أو من عينك, أو من أذنك؟
قالت: لا أدري.
قال: أرأيت إن خرج سليمًا أمطيعتي أنت فيما آمرك به؟
(28) قالت: نعم.
قال: سميه " عبد الحارث " !
=وقد كان يسمى إبليس الحارث= فقالت: نعم.
ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي كذا وكذا, فقال: إن ذلك الشيطان فاحذريه, فإنه عدوُّنا الذي أخرجنا من الجنة !
ثم أتاها إبليس, فأعاد عليها, فقالت: نعم.
فلما وضعته أخرجه الله سليمًا, فسمته " عبد الحارث " فهو قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون).
15524 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير وابن فضيل, عن عبد الملك, عن سعيد بن جبير قال: قيل له: أشرك آدم؟
قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت, أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا, من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟
فقنَّطها, ثم قال: أرأيت إن خرج سويًّا = زاد ابن فضيل: لم يضرك ولم يقتلك = أتطيعيني؟
قالت: نعم.
قال: فسميه " عبد الحارث " !
ففعلت = زاد جرير: فإنما كان شركه في الاسم.
(29) 15525 - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: فولدت غلامًا =يعني حوّاء= فأتاهما إبليس فقال: سموه عبدي وإلا قتلته !
قال له آدم عليه السلام: قد أطعتك وأخرجتني من الجنة!
فأبى أن يطيعه, فسماه " عبد الرحمن ", فسلط الله عليه إبليس فقتله.
فحملت بآخر; فلما ولدته قال لها: سميه عبدي وإلا قتلته !
قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة!
فأبى, فسماه " صالحًا " فقتله.
فلما أن كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه " عبد الحارث " ، (30) وكان اسم إبليس; وإنما سمي " إبليس " حين أبلس =فَعَنَوَا, (31) فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، يعني في التسمية.
* * * وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم، جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد.
وقالوا: معنى الكلام: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا : أي هذا الرجل الكافر,(حملت حملا خفيفًا فلما أثقلت) دعوتما الله ربكما.
قالوا: وهذا مما ابتدئ به الكلام على وجه الخطاب, ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب, كما قيل: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ، [سورة يونس: 22] وقد بينا نظائر ذلك بشواهده فيما مضى قبل.
(32) * ذكر من قال ذلك: 15526 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا سهل بن يوسف, عن عمرو, عن الحسن: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال: كان هذا في بعض أهل الملل, ولم يكن بآدم.
15527 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال.
قال الحسن: عني بهذا ذرية آدم, من أشرك منهم بعده =يعني بقوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما).
15528 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى, رزقهم الله أولادًا فهوَّدوا ونصَّروا.
(33) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء) في الاسم لا في العبادة =وأن المعنيَّ بذلك آدم وحواء، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.
* * * فإن قال قائل: فما أنت قائل =إذ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية, وأن المعنيّ بها آدم وحواء= في قوله: (فتعالى الله عما يشركون) ؟
أهو استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك، أو في العبادة؟
فإن قلت: " في الأسماء " دلّ على فساده قوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ؟
فإن قلت: " في العبادة ", قيل لك: أفكان آدم أشرك في عباد الله غيره؟
قيل له: إن القول في تأويل قوله: (فتعالى عما يشركون)، ليس بالذي ظننت, وإنما القول فيه: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان.
فأما الخبر عن آدم وحواء، فقد انقضى عند قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، ثم استؤنف قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، (34) كما:- 15529 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، يقول: هذه فصْلٌ من آية آدم، خاصة في آلهة العرب.
* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (شركاء)، فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: " جَعَلا لَهُ شِرْكًا " بكسر الشين, بمعنى الشَّرِكَة.
(35) * * * وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين وبعض البصريين: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ)، بضم الشين, بمعنى جمع " شريك ".
* * * قال أبو جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب, لأن القراءة لو صحت بكسر الشين، لوجب أن يكون الكلام: فلما أتاهما صالحًا جعلا لغيره فيه شركًا =لأن آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما من عطية إبليس، ثم يجعلا لله فيه شركًا لتسميتهما إياه ب " عبد الله " , وإنما كانا يدينان لا شك بأن ولدهما من رزق الله وعطيته, ثم سمياه " عبد الحارث ", فجعلا لإبليس فيه شركًا بالاسم.
فلو كانت قراءة من قرأ: " شِرْكًا "، صحيحة، وجب ما قلنا، أن يكون الكلام: جعلا لغيره فيه شركًا.
وفي نـزول وحي الله بقوله: (جعلا له)، ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة: (شُرَكَاء)، بضم الشين على ما بينت قبل.
* * * فإن قال قائل: فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما " عبد الحارث ", و " الحارث " واحد, وقوله: (شركاء)، جماعة, فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما " جعلا له شركاء ", وإنما أشركا واحدًا!
قيل: قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمِّه, كقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ، [سورة آل عمران: 173] وإنما كان القائل ذلك واحدًا, فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة, إذ لم يقصد قصده, وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها.
(36) * * * وأما قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، فتنـزيه من الله تبارك وتعالى نفسَه, وتعظيم لها عما يقول فيه المبطلون، ويدَّعون معه من الآلهة والأوثان، (37) كما: - 15530 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (فتعالى الله عما يشركون) قال: هو الإنكاف, أنكف نفسه جل وعز = يقول: عظَّم نفسه = وأنكفته الملائكة وما سبَّح له.
15531 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت صدقة يحدِّث عن السدي قال: هذا من الموصول والمفصول، قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، في شأن آدم وحواء, ثم قال الله تبارك وتعالى: (فتعالى الله عما يشركون) قال: عما يشرك المشركون, ولم يعنهما.
(38) -------------------- الهوامش : (24) في المطبوعة : (( من وحي الشيطان )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لما في المراجع .
(25) الأثر : 15513 - (( عبد الصمد )) هو (( عبد الصمد بن عبد الوارث )) .
مضى مرارًا .
و (( عمر بن إبراهيم العبدى )) ، وثقه أحمد وغيره ، ولكنه قال : (( يروى عن قتادة أحاديث مناكير ، يخالف )) .
وقال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) ، وقال ابن عدى : يروى عن قتادة أشياء لا يوافق عليها ، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب )) .
وذكره ابن حبان في الثقاب وقال : (( يخطئ ، ويخالف )) .
ثم ذكره في الضعفاء فقال : (( كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه .
فلا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد .
فأما فيما روى الثقات ، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأساً )) ، وقال الدار قطني : ( لين ، يترك )) .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 98 ، وميزان الاعتدال 2 : 248 .
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 11 ، بغير هذا اللفظ ، ورواه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك 2 : 545 ، وقال : (( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي .
وأخرجه الترمذي في تفسير الآية وقال : (( هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ، عن قتادة .
وقد رواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه )) .
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 611 ، 612 ، وأعله من ثلاثة وجوه : الأول : أن عمر بن إبراهيم لا يحتج به = الثاني : أنه قد روى من قول سمرة نفسه غير مرفوع = الثالث : أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا ، وذكر بعض أخبار أبي جعفر بأسانيدها رقم 15526 - 15528 ، ثم قال : (( وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك ، وهو من أحسن التفاسير ، وأولى ما حملت عليه الآية .
ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره ، ولاسيما مع تقواه وورعه .
فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم ، مثل كعب أو وهب بن منيه وغيرهما ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع ، والله أعلم )) .
قلت : وسترى أن أبا جعفر قد رجح أن المعني بذلك آدم وحواء ، قال : (( لإجماع الحجة من أهل التأويل علي ذلك )) .
وإجماع أهل التأويل في مثل هذا ، مما لا يقوم الأول : لأن الآية مشكلة ، ففيها نسبة الشرك إلى آدم الذي اصطفاه ربه ، بنص كتاب الله ، وقد أراد أبو جعفر أن يخرج من ذلك ، فزعم ( ص : 315 ) أن القول عن آدم وحواء انقضى عند قوله : (( جعلا له شركاء فيما آتاهما ، ثم استأنف قوله : (( فتعالى الله عما يشركون )) ، يعنى عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان .وهذا مخرج ضعيف جداً .
الثاني أن مثل هذا المشكل في أمر آدم وحواء ، ونسبة الشرك إليهما ، مما لا يقضى به ، إلا بحجة يجب التسليم لها من نص كتاب ، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولا خبر بذلك ، إلا هذا الخبر الضعيف الذي بينا ضعفه ، وأنه من رواية عمر بن إبراهيم ، عن قتادة .
وروايته عن قتادة مضطربة ، خالف فيها ما روى عن الحسن ، أنه عنى بالآية بعض أهل الملل والمشركون.
هذا ، وقد رد هذا القول ، جماعة من المفسرين ، كابن كثير في تفسيره ، والفخر الرازي ( 3 : 243 - 345 ) ، وحاول الزمخشرى في تفسيره أن يرده فلم يحسن ، وتعقبه أحمد بن محمد بن المنير في الإنصاف .
وغير هؤلاء كثير .
ولكن بعد هذا كله ، نجد إن تفسير ألفاظ الآية ، ومطابقته للمعنى الصحيح الذي ذهب العلماء إليه في نفي الشرك عن أبينا آدم عليه السلام ، وفي أن الآية لا تعنى أبانا آدم وأمنا حواء = بقى مبهماً ، لم يتناوله أحد ببيان صحيح .
وكنت أحب أن يتيسر لى بيانه في هذا الموضع ، ولكنى وجدت الأمر أعسر من أن أتكلم فيه في مثل هذا التعليق .
(26) الأثر : 15514 ، 15515 - (( أبو العلاء بن الشخير )) ، منسوب إلى جده ، وهو : (( يزيد بن عبد الله بن الشخير العامرى )) ، تابعى عابد ثقة ، كان يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه ، فكان أخوه مطرف يقول له : (( أغن عنا مصحفك سائر اليوم )) .
مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/1/113 ، والكبير 4/2/345 ، وابن أبي حاتم 4/2/274 .
(27) الأثر : 15519 - كان الإسناد في المطبوعة: "حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن هارون، لا أدري من أين جاء بقوله "سلمة" !!
فإن المخطوطة فيها بياض في هذا الموضع هكذا: "حدثنا ابن حميد قال: حدثنا ......
، عن هارون، فوضعت مكان البياض نقطا، وفيها بعد "عكرمة" وقبل "قال" خط معقوف، وفي الهامش أمام البياض وعند هذه العلامة حرف (ط) ثم إلى جوارها حرف (ا) عليه ثلاث نقط، كل ذلك دال على الشك والخطأ.
و "هارون" هو النحوي الأعور "هارون بن موسى الأزدي" صاحب القراءات ثقة مضى برقم 4985 ، 11693 .
و "الزبير بن الخريت" ثقة، مضى أيضا برقم 4985، 11693.
وإسناد أبي جعفر في الموضعين في رواية "الزبير بن الخريت" عن عكرمة هو "حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا هارون النحوي، قال حدثني الزبير بن الخريت، عن عكرمة" فأخشى أن يكون سقط من التفسير هنا إسناد ابن حميد وخبره ثم صدر إسناد بعده، هو إسناد أبي جعفر السالف: "حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن هارون .
.
.
" إلى آخر الإسناد ، والله أعلم" .
(28) في المطبوعة : (( أتطيعينى أنت )) ، والصواب الجيد من المخطوطة .
(29) في المطبوعة : (( شركة )) بالتاء في آخره ، والصواب ما أثبت .
(30) في المطبوعة : (( فإذا غلبتم فسموه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(31) في المطبوعة : (( ففعلوا )) ، وهو خطأ لا شك فيها ، لو كان لقال : (( ففعلا )) ، ورسم المخطوطة غير منقوطة هو ما أثبت ، وصواب قراءته ما قرأت .
= يقال : (( عنا له يعنو )) : إذا خضع له وأطاعه .
(32) انظر ما سلف 1 : 154 / 3 : 304 ، 305 / 6 : 238 ، 464 / 8 : 447 / 11 : 264 .
(33) الآثار: 15526-15528-انظر التعليق على الأثر السالف رقم 10013.
(34) انظر التعليق عن الأثر رقم 155130 .
(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 400 .
(36) انظر ما سلف 1 : 292 ، 293 / 2 : 485 - 487 ، 500 /4 : 191 / 6 : 364 / 7 : 404 - 413 / 12 : 213 .
(37) انظر تفسير (( تعالى )) فيما سلف 12 : 10 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(38) عند هذا الموضع ، انتهي الجزء العاشر من مخطوطتنا ، وفي آخرها ما نصه : (( نجز الجز العاشر من كتاب البيان ، بحمد الله وعونه ، وحسن توفيقه ويمنه .
وصلى الله على محمد .
يتلوه في الحادي عشر إن شاء الله تعالى القول في تأويل قوله : { أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } وكان الفراغ من نسخه في شهر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمئة .
غفر الله لكاتبه ومؤلفه ، ولمن كتب لأجله ولجميع المسلمين .
الحمد لله رب العالمين )) ثم يتلوه في أول الجزء الحادي عشر من المخطوطة "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن".
فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء ، وهي :الثالثة : قال المفسرون : كان شركا في التسمية والصفة ، لا في العبادة والربوبية .
وقال أهل المعاني : إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث ، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له ، لا على أن الضيف ربه ; كما قال حاتم :وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما في إلا تيك من شيمة العبدوقال قوم : إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه السلام ، وهو الذي يعول عليه .
فقوله : جعلا له يعني الذكر والأنثى الكافرين ، ويعني به الجنسين .
ودل على هذا فتعالى الله عما يشركون ولم يقل يشركان .
وهذا قول حسن .
وقيل : المعنى هو الذي خلقكم من نفس واحدة من هيئة واحدة وشكل واحد وجعل منها زوجها أي من جنسها فلما تغشاها يعني الجنسين .
وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية ; فإذا آتاهما الولد صالحا سليما سويا كما أراداه صرفاه عن الفطرة إلى الشرك ، فهذا فعل المشركين .
قال صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية : على هذه الملة - وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه .
قال عكرمة : لم يخص بها [ ص: 304 ] آدم ، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم .
وقال الحسين بن الفضل : وهذا أعجب إلى أهل النظر ; لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبي الله آدم .
وقرأ أهل المدينة وعاصم " شركا " على التوحيد .
وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع ، على مثل فعلاء ، جمع شريك .
وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى ، وهي صحيحة على حذف المضاف ، أي جعلا له ذا شرك ; مثل " واسأل القرية " فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء .الرابعة : ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض .
روى ابن القاسم ويحيى عن مالك قال : أول الحمل يسر وسرور ، وآخره مرض من الأمراض .
وهذا الذي قاله مالك : " إنه مرض من الأمراض " يعطيه ظاهر قوله : دعوا الله ربهما وهذه الحالة مشاهدة في الحمال ، ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة ; كما ورد في الحديث .
وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله .
ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه .
وقال أبو حنيفة والشافعي : وإنما يكون ذلك في الحامل بحال الطلق ، فأما قبل ذلك فلا .
واحتجوا بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة .
قلنا : كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة ، وقد يموت من لم يمرض .
الخامسة : قال مالك : إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث .
ومن طلق زوجته وهي حامل طلاقا بائنا فلما أتى عليها ستة أشهر فأراد ارتجاعها لم يكن له ذلك ; لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح .
قال يحيى : وسمعت مالكا يقول في الرجل يحضر القتال : إنه إذا زحف في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ماله شيئا إلا في الثلث ، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال .
ويلتحق بهذا المحبوس للقتل في قصاص .
وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعي وغيرهما .
قال ابن العربي : وإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشد حالا من المريض ، وإنكار ذلك غفلة في النظر ; فإن سبب الموت موجود عندهما ، كما أن المرض سبب الموت ، قال الله تعالى : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون .
وقال رويشد الطائي :يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوتوقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إني أنا الموت[ ص: 305 ] ومما يدل على هذا قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر .
فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة : الحال الشديدة إنما هي المبارزة ; وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة العدو وتداني الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر ، ومن سوء الظنون بالله ، ومن زلزلة القلوب واضطرابها ; هل هذه حالة ترى على المريض أم لا ؟
هذا ما لا يشك فيه منصف ، وهذا لمن ثبت في اعتقاده ، وجاهد في الله حق جهاده ، وشاهد الرسول وآياته ; فكيف بنا ؟السابعة : وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول ; هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل .
فقال ابن القاسم : حكمه حكم الصحيح .
وقال ابن وهب وأشهب : حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر .
قال القاضي أبو محمد : وقولهما أقيس ; لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل .
قال ابن العربي : وابن القاسم لم يركب البحر ، ولا رأى دودا على عود .
ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه ، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها ، ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البحر .
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا على وفق ما طلبا، وتمت عليهما النعمة فيه جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا أي: جعلا للّه شركاء في ذلك الولد الذي انفرد اللّه بإيجاده والنعمة به، وأقرَّ به أعين والديه، فَعَبَّدَاه لغير اللّه.
إما أن يسمياه بعبد غير اللّه كـ "عبد الحارث" و "عبد العزيز" و "عبد الكعبة" ونحو ذلك، أو يشركا باللّه في العبادة، بعدما منَّ اللّه عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد.
وهذا انتقال من النوع إلى الجنس، فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل إلى الكلام في الجنس، ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرا، فلذلك قررهم اللّه على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال، أم في الأفعال، فإن الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجا، ثم جعل بينهم من المودة والرحمة ما يسكن بعضهم إلى بعض، ويألفه ويلتذ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة والأولاد والنسل.
ثم أوجد الذرية في بطون الأمهات، وقتا موقوتا، تتشوف إليه نفوسهم، ويدعون اللّه أن يخرجه سويا صحيحا، فأتم اللّه عليهم النعمة وأنالهم مطلوبهم.
أفلا يستحق أن يعبدوه، ولا يشركوا به في عبادته أحدا، ويخلصوا له الدين.
( فلما آتاهما صالحا ) بشرا سويا ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) قرأ أهل المدينة وأبو بكر : " شركا " بكسر الشين والتنوين ، أي : شركة .
قال أبو عبيدة : أي حظا ونصيبا ، وقرأ الآخرون : " شركاء " بضم الشين ممدودا على جمع شريك ، يعني : إبليس ، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع .
أي : جعلا له شريكا إذ سمياه عبد الحارث ، ولم يكن هذا إشراكا في العبادة ولا أن الحارث ربهما ، فإن آدم كان نبيا معصوما من الشرك ، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه ، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك ، كما يطلق اسم الرب على ما لا يراد به أنه معبود هذا ، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف ، على وجه الخضوع لا على أن الضيف ربه ، ويقول للغير : أنا عبدك .
وقال يوسف لعزيز مصر : إنه ربي ، ولم يرد به أنه معبوده ، كذلك هذا .
وقوله : ( فتعالى الله عما يشركون ) قيل : هذا ابتداء كلام وأراد به إشراك أهل مكة ، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث أنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم .
وفي الآية قول آخر : وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم ، وهو قول الحسن وعكرمة ، ومعناه : جعل أولادهما شركاء ، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم ، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء فقال : " ثم اتخذتم العجل " ، " وإذ قتلتم نفسا " خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ذلك الفعل من آبائهم .
وقيل : هم اليهود والنصارى ، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا ، وقال ابن كيسان : هم الكفار سموا أولادهم عبد العزى وعبد اللات وعبد مناة ونحوه .
وقال عكرمة : خاطب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم أي خلق كل واحد من أبيه وجعل منها زوجها ، أي : جعل من جنسها زوجها ، وهذا قول حسن ، لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة المفسرين أنه في آدم وحواء .
«فلمَّا آتاهما» ولدا «صالحا جعلا له شركاء» وفي قراءة بكسر الشين والتنوين أي شريكا «فيما آتاهما» بتسميته عبد الحارث ولا ينبغي أن يكون عبدا إلا لله، وليس بإشراك في العبودية لعصمة آدم وروى سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره رواه الحاكم وقال صحيح والترمذي وقال حسن غريب «فتعالى الله عما يشركون» أي أهل مكة به من الأصنام، والجملة مسببة عطف على خلقكم وما بينهما اعتراض.
فلما رزق الله الزوجين ولدًا صالحًا، جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بخلقه فعبَّداه لغير الله، فتعالى الله وتنزه عن كل شرك.
لقد كانت النتيجة عدم الوفاء لله فيما عاهداه عليه ، ويحكى القرآن ذلك فيقول : ( فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا ) أى : فحين أعطاهما - سبحانه - الولد الصالح الذى كانا يتمنيانه ، جعلا لله - تعالى - شركاء فى هذه العطاء ، وأخلا بالشكر فى مقابلة هذه النعمة أسوأ إخلال ، حيث نسبوا هذا العطاء إلى الأصنام والأوثان ، أو إلى الطبيعة كما يزعم الطبعيون أو إلى غير ذلك مما يتنافى مع إفراد الله - تعالى - بالعبادة والشكر .وقوله ( فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تنزيه فيه معنى التعجيب من أحوالهم .
أى : تنزه - سبحانه - وتقدس عن شرك هؤلاء الأغبياء الجاحدين الذين يقابلون نعم الله بالإشراك والكفران .والضمير فى ( يُشْرِكُونَ ) يعود على أولئك الآباء الذين جعلوا لله شركاء : هذا والمحققون من العلماء يرون أن هاتين الآيتين قد سيقتا توبيخا للمشركين حيث إن الله - تعالى - أنعم عليهم بخلقهم من نفس واحدة ، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن ، وأعطاهم الذرية ، وأخذ عليهم العهود بشكره على هذه النعم ، ولكنهم جحدوا نعمه وأشركوا معه فى العبادة والشكر آلهة أخرى ( فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .ويرى بعض المفسرين أن المراد بهذا السياق آدم وحواء ، واستدلوا على ذلك بما رواه الإمام أحمد - بسنده - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لما طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش ، وكان ذلك من وحى الشيطان وأمره .وقد أثبت ابن كثير فى تفسيره ضعف هذا الحديث من عدة وجوه ، ثم قال : قال الحسن : عنى الله - تعالى - بهذه الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده ، وقال قتادة : كان الحسن يقول : هم اليهود والنصارى رزقهم الله اولاداً فهودوا ونصروا .
قال ابن كثير : وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية ، ونحن على مذهب الحسن البصرى فى هذا ، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ، ولهذا قال : ( فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .وقال صاحب الانتصاف : والأسلم والأقرب أن يكون المراد - والله أعلم - جنسى الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين .
وكأن المعنى خلقكم جنسا واحداً ، وجعل أزواجكم منكم أيضاً لتسكنوا إليهن ، فلما تغشى الجنس الذى هو الذكر ، الجنس الآخر الذى هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت .
وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون على حد قولهم : " بنو فلان قتلوا قتيلا " يعنى من نسبة البعض إلى الكل .والذى نراه أن الآيتين ورادتان فى توبيخ المشركين على شركهم ونقضهم لعهودهم مع الله - تعالى - لأن الأحاديث والأثار التى وردت فى أنهما وردتا فى شأن آدم وحواء لتسميتها ابنهما بعبد الحارث اتباعاً لوسوسة الشيطان لهما - ليست صحيحة ، كما أثبت ذلك علماء الحديث .
اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ وهي نفس آدم ﴿ وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ آدم ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَلَمَّا أَثْقَلَت ﴾ أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال: ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج؟
أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك؟
فخافت حواء، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها وقال: إن سألت الله أن يجعله صالحاً سوياً مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله: ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما ﴾ أي لما آتاهما الله ولداً سوياً صالحاً جعلا له شريكاً أي جعل آدم وحواء له شريكاً، والمراد به الحرث هذا تمام القصة.
واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة.
الثاني: أنه تعالى قال بعده: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.
الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئاً)، ولم يقل (ما لا يخلق شيئاً)، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة من لا بصيغة ما الرابع: أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ فكان لابد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟
وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم؟
الخامس: أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار.
فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها السادس: أن بتقدير أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله.
فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً بالله لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم، وذلك لا يقوله عاقل.
فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه.
إذا عرفت هذا فنقول: في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد.
التأويل الأول: ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك.
فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام.
ثم قال تعالى: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد.
التأويل الثاني: بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم آل قصي، والمراد من قوله: هو الذي خلقكم من نفس قصي وَجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات، وجعل الضمير في ﴿ يُشْرِكُونَ ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.
التأويل الثالث: أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام، وحكى عنهما أنهما قالا: ﴿ لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولداً سوياً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ فقوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، والتقرير: فلما آتاهما صالحاً أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟
ثم قال: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام، ثم يقال لذلك المنعم: أن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك، فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا، ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة والبغي؟
على التبعيد فكذا هاهنا.
الوجه الثاني: في الجواب أن نقول: أن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء ولا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله: ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما ﴾ فنقول: التقدير، فلما آتاهما ولداً صالحاً سوياً جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذا فيما آتاهما، أي فيما آتى أولادهما ونظيره قوله: ﴿ واسئل القرية ﴾ أي واسأل أهل القرية.
فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ .
قلنا: لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله: ﴿ جَعَلاَ ﴾ المراد منه الذكر والأنثى مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وهو قوله تعالى: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
الوجه الثالث: في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما ﴾ عائد إلى آدم وحواء عليهما السلام، إلا أنه قيل: إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفاً على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق.
ثم بدا لهم في ذلك، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته.
وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا قال تعالى: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكياً عن الله سبحانه: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه وعلى هذا التقدير: فالإشكال زائل.
الوجه الرابع: في التأويل أن نقول: سلمنا صحة تلك القصة المذكورة، إلا أنا نقول: إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث، وقد يسمى المنعم عليه عبداً للمنعم.
يقال في المثل: أنا عبد من تعلمت منه حرفاً، ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان: كتابة عبد وده فلان.
قال الشاعر: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا *** ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيهاً على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه، إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتباً في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه الآية.
المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ الآية وفيها مباحث: البحث الأول: قوله: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ المشهور أنها نفس آدم وقوله: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ المراد حواء.
قالوا ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم.
قالوا: والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل، والجنسية علة الضم، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم؟
ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟
وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء، وأيضاً الذي يقال: إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح.
بقي أن يقال: إذا لم نقل بذلك، فما المراد من كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ فنقول: قد ذكرنا أن الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة والسلام: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع.
وقال عليه الصلاة والسلام: «في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون» والمراد خلق من النوع الإنساني زوجة آدم، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنساناً مثله قوله: ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ أي جامعها، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها، ومثله يجللها، وهو يشبه التغطي واللبس.
قال تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ وقوله: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ قالوا يريد النطفة والمني والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر، والحمل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على الدابة.
وقوله: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ أي استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة، والمراد أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل.
قال صاحب الكشاف: وقرأ يحيى بن يعمر ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ بالتخفيف وقرأ غيره ﴿ فمارت به ﴾ من المرية.
كقوله: ﴿ أفتمارونه ﴾ وفي قراءة أخرى ﴿ أفتمارونه ﴾ معناه وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه ﴿ فَلَمَّا أَثْقَلَت ﴾ أي صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها ﴿ دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا ﴾ يعني آدم وحواء ﴿ لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا ﴾ أي ولداً سوياً مثلنا ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ لآلائك ونعمائك ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما ﴾ الله ﴿ صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما ﴾ والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص (عَنْهُ شُرَكَاء) بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر (عَنْهُ) بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء، أو يقال معناه أحدثا لله إشراكاً في الولد ومن قرأ ﴿ شُرَكَاء ﴾ فحجته قوله: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ ﴾ وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ وهي نفس آدم عليه السلام ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وهي حواء، خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه.
أو من جنسها كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ [النمل: 72] ﴿ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس، وإذا كانت بعضاً منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه.
وقال: ﴿ لِيَسْكُنَ ﴾ فذكر بعد ما أنث في قوله: ﴿ واحدة ﴾ ﴿ منها زوجها ﴾ ، ذهابا إلى معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم.
ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى.
والتغشي: كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ خف عليها، ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالي من حملهن من الكرب والأذى، ولم تستثقله كما يستثقلنه.
وقد تسمع بعضهن تقول في ولدها: ما كان أخفه على كبدي حين حملته ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق وقيل: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ يعني النطفة ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ فقامت به وقعدت.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ فاستمرت به ﴾ وقرأ يحيى بن يعمر ﴿ فمرت به ﴾ بالتخفيف.
وقرأ غيره ﴿ فمارت به ﴾ من المرية، كقوله: ﴿ أفتمارونه ﴾ وأفتمرونه.
ومعناه: فوقع في نفسها ظن الحمل، فارتابت به.
﴿ فَلَمَّا أَثْقَلَت ﴾ حان وقت ثقل حملها كقولك: أقربت.
وقرئ ﴿ أُثقلت ﴾ ، على البناء للمفعول: أي أثقلها الحمل ﴿ دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا ﴾ دعا آدم وحواء رَبَّهما ومالِكَ أمرهما الذي هو الحقيقي بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا: ﴿ لَئِنْ ءاتَيْتَنَا ﴾ لئن وهبت لنا ﴿ صالحا ﴾ ولداً سوياً قد صلح بدنه وبرئ.
وقيل: ولداً ذكراً، لأن الذكورة من الصلاح والجودة.
والضمير في ﴿ ءَاتَيْتَنَا ﴾ و ﴿ لَّنَكُونَنَّ ﴾ .
لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما ﴿ فَلَمَّا ءاتاهما ﴾ ما طلباه من الولد الصالح السويّ ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾ أي جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك ﴿ فِيمَا ءاتاهما ﴾ أي آتى أولادهما، وقد دلّ على ذلك بقوله: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ حيث جمع الضمير.
وآدم وحواء بريئان من الشرك.
ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد مناة، وعبد شمس وما أشبه ذلك، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم.
ووجه آخر وهو أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم آل قصي ألا ترى إلى قوله في قصة أم معبد.
فَيَا لَقُصَيّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُم ** بِهِ مِنْ فَخَارٍ لاَ يُبَارَى وَسُودَدِ ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصيّ، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السويّ جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصيّ وعبد الدار، وجعل الضمير في ﴿ يُشْرِكُونَ ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وهذا تفسير حسن لا إشكال فيه.
وقرئ ﴿ شركا ﴾ ، أي ذوي شرك وهم الشركاء، أو أحدثا لله شركاً في الولد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ أيْ جَعَلَ أوْلادُهُما لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتى أوْلادَهُما فَسَمَّوْهُ عَبْدَ العُزّى وعَبْدَ مَنافٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
﴿ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ.
وقِيلَ: لَمّا حَمَلَتْ حَوّاءُ أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ فَقالَ لَها: ما يُدْرِيكِ ما في بَطْنِكِ لَعَلَّهُ بَهِيمَةٌ أوْ كَلْبٌ وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، فَخافَتْ مِن ذَلِكَ وذَكَرَتْهُ لِآدَمَ فَهْمًا مِنهُ ثُمَّ عادَ إلَيْها وقالَ: إنِّي مِنَ اللَّهِ بِمَنزِلَةٍ فَإنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهُ خَلْقًا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ عَلَيْكِ خُرُوجَهُ تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحَرْثِ، وكانَ اسْمُهُ حارِثًا بَيْنَ المَلائِكَةِ فَتَقَبَّلَتْ، فَلَمّا ولَدَتْ سَمَّياهُ عَبْدَ الحَرْثِ.
وَأمْثالُ ذَلِكَ لا تَلِيقُ بِالأنْبِياءِ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ لِآلِ قُصِيٍّ مِن قُرَيْشٍ، فَإنَّهم خُلِقُوا مِن نَفْسِ قُصِيٍ وكانَ لَهُ زَوْجٌ مِن جِنْسِهِ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ وطَلَبا مِنَ اللَّهِ الوَلَدَ فَأعْطاهُما أرْبَعَةَ بَنِينَ فَسَمَّياهم: عَبْدُ مَنافٍ، وعَبْدُ شَمْسٍ، وعَبْدُ قُصِيٍّ، وعَبْدُ الدّارِ.
ويَكُونُ الضَّمِيرُ في ﴿ يُشْرِكُونَ ﴾ لَهُما ولِأعْقابِهِما المُقْتَدِينَ بِهِما.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ « شِرْكًا» أيْ شَرِكَةً بِأنْ أشْرَكا فِيهِ غَيْرَهُ أوْ ذَوِي شِرْكٍ وهُمُ الشُّرَكاءُ، وهم ضَمِيرُ الأصْنامِ جِيءَ بِهِ عَلى تَسْمِيَتِهِمْ إيّاها آلِهَةً.
<div class="verse-tafsir"
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)
{فلما آتاهما صالحا} أعطاهما ما طلبناه من الولد الصالح السوي {جعلا له شركاء}
الأعراف ١٨٠ ١٨٥ أى جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك {فيما آتاهما} أي آتى أولادهما دليله {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} حيث جمع الضمير وآدم وحواء بريئان من الشرك ومعن إشراكهم فيما آتاهم الله تسميتهم أولادهم بعبد العزة وعبد مناف وعبد شمس ونحو ذلك مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم أو يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم آل قصي أي هو الذي خلقكم من نفس واحدة قصى ودعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهماولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك شركاً مدني وأبو بكر أى وذوى شرك وهم الشركاء
﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا ﴾ وهو ما سَألاهُ أصالَةً مِنَ النَّسْلِ أوْ ما طَلَباهُ أصالَةً واسْتِتْباعًا مِنَ الوَلَدِ ووَلَدِ الوَلَدِ ما تَناسَلُوا ﴿ جَعَلا ﴾ أيِ النَّسْلَ الصّالِحَ السَّوِيَّ، وثَنّى الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ النَّسْلَ صِنْفانِ ذَكَرٌ وأُنْثى، وقَدْ جاءَ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ كَذَلِكَ ﴿ لَهُ ﴾ أيْ: لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ شُرَكاءَ ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ﴿ فِيما آتاهُما ﴾ مِنَ الأوْلادِ حَيْثُ أضافُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ (بِما) لِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ عِنْدَ الوِلادَةِ، والأوْلادُ إذْ ذاكَ مُلْحَقُونَ بِما لا يَعْقِلُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ ما يَعُمُّ سائِرَ النِّعَمِ؛ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى آلِهَتِهِمْ، ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ شُرَكاءَ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، وإسْنادُ الجَعْلِ لِلنَّسْلِ عَلى حَدِّ: بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا فُلانًا، ﴿ فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَنْزِيهٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ عَلى ما فَصَّلَ مِن قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ وآثارِ نِعْمَتِهِ الزّاجِرَةِ عَنِ الشِّرْكِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأُولَئِكَ النَّسْلِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وفِيهِ تَغْلِيبُ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وإيذانٌ بِعِظَمِ شِرْكِهِمْ، والمُرادُ بِذَلِكَ إمّا التَّسْمِيَةُ أوْ مُطْلَقُ الإشْراكِ، و(ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ: عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدِي مِنَ المُشْكِلاتِ، ولِلْعُلَماءِ فِيها كَلامٌ طَوِيلٌ ونِزاعٌ عَرِيضٌ، وما ذَكَرْناهُ هو الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الجُبّائِيِّ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ بَعْدَ إغْضاءِ العَيْنِ عَنْ مُخالَفَتِهِ لِلْمَرْوِيّاتِ سِوى تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعِهِ أُخْرى مَعَ كَوْنِ المَرْجِعِ مُفْرَدًا لَفْظًا ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ في الفَصِيحِ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ في جَعَلا وآتاهُما بَعْدُ مُضافًا مَحْذُوفًا وضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ فِيهِما لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلى طَرْزِ ما قَبْلُ أيْ: جَعَلَ أوْلادُهُما فِيما آتى أوْلادَهُما مِنَ الأوْلادِ وإنَّما قَدَّرُوهُ في مَوْضِعَيْنِ ولَمْ يَكْتَفُوا بِتَقْدِيرِهِ في الأوَّلِ وإعادَةُ الضَّمِيرِ مِنَ الثّانِي عَلى المُقَدَّرِ أوَّلًا لِأنَّ الحَذْفَ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ ظاهِرَةٌ فَهو كالمَعْدُومِ فَلا يَحْسُنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالشِّرْكِ فِيما آتى الأوْلادَ تَسْمِيَةُ كُلِّ واحِدٍ مِن أوْلادِهِمْ بِنَحْوِ عَبْدِ العُزّى وعَبْدِ شَمْسٍ.
واعْتُرِضَ أوَّلًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ فِيما يَكُونُ لِلْفِعْلِ مُلابَسَةٌ ما بِالمُضافِ إلَيْهِ أيْضًا بِسِرايَتِهِ إلَيْهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا ويَتَضَمَّنُ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ صُورَةَ مَزِيَّةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآيَةَ.
فَإنَّ الإنْجاءَ مِنهم مَعَ أنَّ تَعَلُّقَهُ حَقِيقَةً لَيْسَ إلّا بِأسْلافِ اليَهُودِ، وقَدْ نُسِبَ إلى أخْلافِهِمْ بِحُكْمِ سِرايَتِهِ إلَيْهِمْ تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ بَرِيئانِ مِن سِرايَةِ الجَعْلِ المَذْكُورِ إلَيْهِما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَلا وجْهَ لِإسْنادِهِ إلَيْهِما صُورَةً، وثانِيًا بِأنَّ إشْراكَهم بِإضافَةِ أوْلادِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ إلى أصْنامِهِمْ مِن لازِمِ اتِّخاذِ تِلْكَ الأصْنامِ آلِهَةً ومُتَفَرِّعٌ لَهُ لا أمْرٌ حَدَثَ عَنْهم لَمْ يَكُنْ قَبْلُ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّوْبِيخُ عَلى هَذا دُونَ ذَلِكَ، وثالِثًا بِأنَّ إشْراكَ أوْلادِهِما لَمْ يَكُنْ حِينَ آتاهُما اللَّهُ تَعالى صالِحًا بَلْ بَعْدَهُ بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ، ورابِعًا بِأنْ إجْراءَ جَعَلا عَلى غَيْرِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ الأوَّلُ والتَّعْقِيبُ بِالفاءِ يُوجِبُ اخْتِلالَ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ وجْهَ ذَلِكَ الإسْنادِ الإيذانُ بِتَرْكِهِما الأوْلى حَيْثُ أقْدَما عَلى نَظْمِ أوْلادِهِما في سِلْكِ أنْفُسِهِما والتَزَما شُكْرَهم في ضِمْنِ شُكْرِهِما، وأقْسَما عَلى ذَلِكَ قَبْلَ تَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ بِبَيانِ أنَّ إخْلالَهم بِالشُّكْرِ الَّذِي وعَداهُ وعْدًا مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ بِمَنزِلَةِ إخْلالِهِما بِالذّاتِ في اسْتِيجابِ الحِنْثِ والخُلْفِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِتَضاعُفِ جِنايَتِهِمْ بِبَيانِ أنَّهم بِجَعْلِهِمُ المَذْكُورَ أوْقَعُوهُما في ورْطَةِ الحِنْثِ والخُلْفِ وجَعَلُوهُما كَأنَّهُما باشَراهُ بِالذّاتِ فَجَمَعُوا بَيْنَ الجِنايَةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى والجِنايَةِ عَلَيْهِما عَلَيْهِما السَّلامُ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ عَلى هَذا لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ وعَلَيْهِمْ مِنَ الخَلْقِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَناسُلِهِمْ وبَّخَهم عَلى جَهْلِهِمْ وإضافَتِهِمْ تِلْكَ النِّعَمَ إلى غَيْرِ مُعْطِيها وإسْنادِها إلى مَن لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ ولَمْ يَذْكُرْ أوَّلًا أمْرًا مِن أُمُورِ الأُلُوهِيَّةِ قَصْدًا حَتّى يُوَبَّخُوا عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ كَلِمَةَ لَمّا لَيْسَتْ لِلزَّمانِ المُتَضايِقِ بَلِ المُمْتَدِّ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَقَعَ الشَّرْطُ والجَزاءُ في يَوْمٍ واحِدٍ أوْ شَهْرٍ أوْ سَنَةٍ بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الأُمُورِ كَما يُقالُ: لَمّا ظَهَرَ الإسْلامُ طَهُرَتِ البِلادُ مِنَ الكُفْرِ والإلْحادِ، وعَنِ الرّابِعِ بِما حَرَّرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ في اخْتِيارِ هَذا القَوْلِ وإيثارِهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الشِّرْكَ راجِعٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولَيْسَ المُتَعارَفُ بَلْ ما نُقِلَ مِن تَسْمِيَةِ الوَلَدِ عَبْدَ الحَرْثِ وهو أنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ وأنَّهُ بَعْدَ ما خُتِمَتْ قِصَّةُ اليَهُودِ بِما خُتِمَتْ تَسْلِيَةً وتَشْجِيعًا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَمْلًا لَهُ عَلى التَّثَبُّتِ والصَّبْرِ اقْتِداءً بِإخْوَتِهِ مِن أُولِي العَزْمِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما مُصْطَفاهُ وكَلِيمُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ ما قاساهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ شَدِيدَ الشَّبَهِ بِما كانَ يُقاسِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قُرَيْشٍ وذُيِّلَتْ بِما يَقْتَضِي العَطْفَ عَلى المَعْنى الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ أوَّلًا؛ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ وقَعَ التَّخَلُّصُ إلى ذِكْرِ أهْلِ مَكَّةَ في (حاقَ) مَوْقِعَهُ فَقِيلَ: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ وذُكِرَ سُؤالُهم عَمّا لا يَعْنِيهِمْ فَلَمّا أُرِيدَ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَهُمُّكم وإنَّما المُهِمُّ إزالَةُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مُنْغَمِسُونَ فِيهِ مِن أوْضارِ الشِّرْكِ والآثامِ مَهَّدَ لَهُ، هو الَّذِي خَلَقَكم مُضَمَّنًا مَعْنى الِامْتِنانِ والمالِكِيَّةِ المُقْتَضِيَيْنِ لِلتَّوْحِيدِ والعُبُودِيَّةِ ثُمَّ قِيلَ: ﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ﴾ أيْ: جَعَلْتُمْ يا أوْلادَهُما، ولَقَدْ كانَ في أبَوَيْكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في قَوْلِهِما: ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ وكَأنَّ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا ووَفَيا بِما وعَدا بِهِ رَبَّهُما مِنَ القِيامِ بِمُوجِبِ الشُّكْرِ خالَفْتُمْ أنْتُمْ يا أوْلادَهُما فَأشْرَكْتُمْ وكَفَرْتُمُ النِّعْمَةَ، وفي هَذا الِالتِفاتِ ثُمَّ إضافَةُ فِعْلِهِمْ إلى الأبَوَيْنِ عَلى عَكْسِ ما جُعِلَ مِن خَلْقِ الأبِ وتَصْوِيرِهِ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ مُتَعَلِّقًا بِهِمْ إيماءً إلى غايَةِ كُفْرانِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ، وعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ثُمَّ قالَ: فَظَهَرَ أنَّ إجْراءَ جَعَلا لَهُ عَلى غَيْرِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ الأوَّلُ، والتَّعْقِيبُ بِالفاءِ لا يُوجِبُ اخْتِلالَ النَّظْمِ بَلْ يُوجِبُ التِئامَهُ، والإنْصافُ أنَّ الأسْئِلَةَ والآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ اللُّغْزِ، وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ ضَمِيرَ جَعَلا وآتاهُما يَعُودُ عَلى النَّفْسِ وزَوْجِها مِن ولَدِ آدَمَ لا إلى آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ قالَ: ويَكُونُ المَعْنى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ لِكُلِّ نَفْسٍ زَوْجًا مِن جِنْسِها فَلَمّا تَغَشّى كُلُّ نَفْسٍ زَوْجَها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا وهو ماءُ الفَحْلِ، فَلَمّا أثْقَلَتْ بِمَصِيرِ ذَلِكَ الماءِ لَحْمًا ودَمًا وعَظْمًا دَعا الرَّجُلُ والمَرْأةُ رَبَّهُما: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا أيْ: ذَكَرًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ، وكانَتْ عادَتُهم أنْ يَئِدُوا البَناتِ فَلَمّا آتاهُما أيْ: فَلَمّا أعْطى اللَّهُ تَعالى الأبَ والأُمَّ ما سَألاهُ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ؛ فَسَمَّيا عَبْدَ اللّاتِ وعَبْدَ العُزّى وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَتِ الكِنايَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ إلى الجَمِيعِ.
ولا تَعَلُّقَ لِلْآيَةِ بِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا، ولا يَخْفى أنَّ المُتَبادِرَ مِن صَدْرِها آدَمُ وحَوّاءُ ولا يَكادُ يُفْهَمُ غَيْرُهُما رَأْسًا، نَعَمِ اخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ ما مَآلُهُ هَذا في الِانْتِصافِ وادَّعى أنَّهُ أقْرَبُ وأسْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ جِنْسَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى ولا يُقْصَدُ مُعَيَّنٌ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وكَأنَّ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: هو الَّذِي خَلَقَكم جِنْسًا واحِدًا وجَعَلَ أزْواجَكم مِنكم أيْضًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهِنَّ، فَلَمّا تَغَشّى الجِنْسُ الَّذِي هو الذَّكَرُ الجِنْسَ الَّذِي هو الأُنْثى جَرى مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ كَيْتَ وكَيْتَ، وإنَّما نَسَبَ هَذِهِ المَقالَةَ إلى الجِنْسِ وإنْ كانَ فِيهِمُ المُوَحِّدُونَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم فَجازَ أنْ يُضافَ الكَلامُ إلى الجِنْسِ عَلى طَرِيقَةِ: قَتَلَ بَنُو تَمِيمٍ فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ بَعْضُهُمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ و ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وتُعُقِّبُ بِأنَّ فِيهِ إجْراءَ جَمِيعِ ألْفاظِ الآيَةِ عَلى الأوْجُهِ البَعِيدَةِ.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ لِآدَمَ وحَوّاءَ كَما هو الظّاهِرُ إلّا أنَّ حَدِيثَهُما ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ وانْقَطَعَ الحَدِيثُ ثُمَّ خَصَّ المُشْرِكِينَ مِن أوْلادِ آدَمَ بِالذَّكَرِ، ويَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ العُمُومُ ثُمَّ يُخَصُّ البَعْضُ بِالذِّكْرِ، وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ جَعَلا لِآدَمَ وحَوّاءَ كَما هو الظّاهِرُ والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ والكِنايَةِ في (فَتَعالى) إلَخْ لِلْمُشْرِكِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ويُشْرِكُ كَما نُشْرِكُ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، ونَظِيرُ هَذا أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى آخَرَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ الَّذِي أنْعَمْتَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ إيذاءَكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ في حَقِّهِ كَذا وكَذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بِالشَّرِّ والإساءَةِ؛ ومُرادُهُ أنَّهُ بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ ومَنفِيٌّ عَنْهُ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في (خَلَقَكُمْ) لِقُرَيْشٍ وهم آلُ قُصَيٍّ فَإنَّهم خُلِقُوا مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وكانَ لَهُ زَوْجٌ مِن جِنْسِهِ عَرَبِيَّةٌ قُرَيْشِيَّةٌ وطَلَبا مِنَ اللَّهِ تَعالى الوَلَدَ فَأعْطاهُما أرْبَعَةَ بَنِينَ فَسَمَّياهم عَبْدَ مَنافٍ وعَبْدَ شَمْسٍ وعَبْدَ العُزّى وعَبْدَ الدّارِ يَعْنِي بِها دارَ النَّدْوَةِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (يُشْرِكُونَ) لَهُما ولِأعْقابِهِما المُقْتَدِينَ بِهِما، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في قِصَّةِ أُمِّ مَعْبَدٍ: فَيا لِقُصَيٍّ ما زَوى اللَّهُ عَنْكُمُ بِهِ مِن فَخارٍ لا يُبارى وسُؤْدَدِ واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّ المُخاطَبِينَ لَمْ يُخْلَقُوا مِن نَفْسِ قُصَيٍّ لا كُلُّهم ولا جُلُّهم وإنَّما هُوَ: مُجْتَمَعُ قُرَيْشٍ وبِأنَّ القَوْلَ بِأنَّ زَوْجَهُ قُرَشِيَّةٌ خَطَأٌ؛ لِأنَّها إنَّما كانَتْ بِنْتَ سَيِّدِ مَكَّةَ مِن خُزاعَةَ، وقُرَيْشٌ إذْ ذاكَ مُتَفَرِّقُونَ لَيْسُوا في مَكَّةَ، وأيْضًا مِن أيْنَ العِلْمُ أنَّهُما وعَدا عِنْدَ الحَمْلِ أنْ يَكُونا شاكِرَيْنِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولا كُفْرانَ أشَدَّ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي كانا فِيهِ.
وما مِثْلُ مَن فَسَّرَ بِذَلِكَ إلّا كَمَن عَمَّرَ قَصْرًا فَهَدَمَ مِصْرًا، وأمّا البَيْتُ فَإنَّما خُصَّ فِيهِ بَنُو قُصَيٍّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم ألْصَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ سَيِّدَهم وأمِيرَهم شَمِلَ ذِكْرُهُ الكُلَّ شُمُولَ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ الكُلَّ لَيْسُوا مِن نَسْلِ فِرْعَوْنَ، (وأُجِيبَ) عَنْ قَوْلِهِ: مِن أيْنَ العِلْمُ إلَخْ بِأنَّهُ مِن إعْلامِ اللَّهِ تَعالى إنْ كانَ ذَلِكَ هو مَعْنى النَّظْمِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ كَوْنَ زَوْجَتِهِ غَيْرَ قُرَشِيَّةٍ في حَيِّزِ المَنعِ.
نَعَمْ في كَوْنِ قُصَيٍّ هو أحَدُ أجْدادِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُشْرِكًا مُخالَفَةٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِن أنَّ أجْدادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّهم غَيْرُ مُشْرِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ لَهُ لِلْوَلَدِ، والمَعْنى أنَّهُما طَلَبا مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْثالًا لِلْوَلَدِ الصّالِحِ الَّذِي آتاهُما، وقِيلَ: هو لِإبْلِيسَ، والمَعْنى جَعَلا لِإبْلِيسَ شُرَكاءَ في اسْمِهِ حَيْثُ سَمَّيا ولَدَهُما بِعَبْدِ الحَرْثِ، وكِلا القَوْلَيْنِ رَدَّهُما الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ، وهُما لَعَمْرِي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، لَكِنِّي ذَكَرْتُهُما اسْتِيفاءً لِلْأقْوالِ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وغَيْرِهِمْ إلى أنَّ ضَمِيرَ جَعَلا يَعُودُ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، والمُرادُ بِالشِّرْكِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما غَيْرُ المُتَبادَلِ بَلْ ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَخَلَّصَ إلى قِصَّةِ العَرَبِ وإشْراكِهِمُ الأصْنامَ فَهو كَما قالَ السُّدِّيُّ مِنَ المَوْصُولِ لَفْظًا المَفْصُولِ مَعْنًى، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ كَما قِيلَ تَغْيِيرُ الضَّمِيرِ إلى الجَمْعِ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ولَوْ كانَتِ القِصَّةُ واحِدَةً لَقِيلَ: يُشْرِكانِ، وكَذَلِكَ الضَّمائِرُ بَعْدُ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.
والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَمّا ولَدَتْ حَوّاءُ طافَ بِها إبْلِيسُ وكانَ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ فَقالَ لَها: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَرْثِ فَإنَّهُ يَعِيشُ فَسَمَّتْهُ بِذَلِكَ فَعاشَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ، وأمَرَهُ وأرادَ بِالحَرْثِ نَفْسَهُ فَإنَّهُ كانَ يُسَمّى بِهِ بَيْنَ المَلائِكَةِ»».
ولا يُعَدُّ هَذا شِرْكًا بِالحَقِيقَةِ عَلى ما قالَ القُطْبُ؛ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ لا تُفِيدُ مَفْهُوماتِها اللُّغَوِيَّةَ لَكِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الشِّرْكُ تَغْلِيظًا وإيذانًا بِأنَّ ما عَلَيْهِ أُولَئِكَ السّائِلُونَ عَمّا لا يَعْنِيهِمْ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يَكادُ يُحِيطُ بِفَظاعَتِهِ عِبارَةٌ.
وفِي لُبابِ التَّأْوِيلِ أنَّ إضافَةَ عَبْدٍ إلى الحَرْثِ عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِسَلامَتِهِ وقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ العَبْدِ عَلى ما لا يُرادُ بِهِ المُلُوكُ كَقَوْلِهِ: وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ولَعَلَّ نِسْبَةَ الجَعْلِ إلَيْهِما مَعَ أنَّ الحَدِيثَ ناطِقٌ بِأنَّ الجاعِلَ حَوّاءُ لا هي وآدَمُ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أقَرَّها عَلى ذَلِكَ، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُما سَمَّياهُ بِذَلِكَ.
وتَعَقَّبَ هَذا القَوْلَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ بِأنَّ الحَدِيثَ لا يَصْلُحُ تَأْيِيدًا لَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ مُفَسِّرًا لِلْآيَةِ ولا إنْكارًا لِصُدُورِ ذَلِكَ مِنهُما عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِشِرْكٍ.
نَعَمْ كانَ الأوْلى بِهِما التَّنَزُّهَ عَنْ ذَلِكَ إنَّما المُنْكَرُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ لا سِيَّما عَلى قِراءَةِ الأكْثَرِينَ (شُرَكاءَ) بِلَفْظِ الجَمْعِ، ومَن حَمَلَ (فَتَعالى) إلَخْ عَلى أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ وهو راجِعٌ إلى المُشْرِكِينَ مِنَ الكُفّارِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ، وكَوْنُهُ مَنقُولًا عَنِ السَّلَفِ مَعارَضٌ بِأنَّ غَيْرَهُ مَنقُولٌ أيْضًا عَنْ جَمْعٍ مِنهُمُ.
انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ: أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَسْمِيَةِ آدَمَ وحَوّاءَ ولَدَيْهِما بِعَبْدِ الحَرْثِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكادُ يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، وهو ظاهِرٌ في كَوْنِ الخَبَرِ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ، وارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ في تَفْسِيرِها مِمّا لا مُخَلِّصَ عَنْهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.
ووَجْهُ جَمْعِ الشُّرَكاءِ زِيادَةً في التَّغْلِيظِ لِأنَّ مَن جَوَّزَ الشِّرْكَ جَوَّزَ الشُّرَكاءَ، فَلَمّا جَعَلا شَرِيكًا فَكَأنَّهُما جَعَلا شُرَكاءَ، وحُمِلَ ﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ إلَخْ عَلى الِابْتِداءِ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ السِّباقُ والسِّياقُ وبِهِ وصَرَّحَ كَثِيرٌ مِن أساطِينِ الإسْلامِ والذّاهِبُونَ إلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ نَزْرٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الذّاهِبِينَ إلَيْهِ وهم دُونَهم أيْضًا في العِلْمِ والفَضْلِ وشَتّانَ ما بَيْنَ دَنْدَنَةِ النَّحْلِ وألْحانِ مَعْبَدٍ، ومِن هُنا قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّ هَذا القَوْلَ أحْسَنُ الأقْوالِ بَلْ لا قَوْلَ غَيْرُهُ ولا مُعَوِّلَ إلّا عَلَيْهِ لِأنَّهُ مُقْتَبَسٌ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ وحَضْرَةِ الرِّسالَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ مِنِّي أنَّهُ إذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي، وأراهُ قَدْ صَحَّ ولِذَلِكَ أحْجَمَ كُمَيْتُ قَلَمِي عَنِ الجَرْيِ في مَيْدانِ التَّأْوِيلِ كَما جَرى غَيْرُهُ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: (شِرْكًا) بِصِيغَةِ المَصْدَرِ أيْ: شَرِكَةً أوْ ذَوِي شَرِكَةٍ وهُمُ الشُّرَكاءُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني: من نفس آدم وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يعني: خلق من نفس آدم من ضلع من أضلاعه اليسرى زوجته حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها يعني: ليطمئن إليها ويجامعها فَلَمَّا تَغَشَّاها أي: سكن إليها وجامعها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً يعني: خفيف الماء فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت بالحمل.
يقول: قامت بالحمل وقعدت ولا تدري أهي حبلى أم لا فَلَمَّا أَثْقَلَتْ يعني: ثقل الولد في بطنها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما وذلك أن إبليس أتاها فقال: يا حواء ما هذا الذي في بطنك؟
قالت: ما أدري.
قال: أخاف إنها بهيمة، وإني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنساناً صالحاً أتسميه باسمي؟
قالت: نعم.
وما اسمك قال: عبد الحارث فكذب.
فدعت حواء وآدم فذلك قوله: دعوا الله ربهما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً يعني: أعطيتنا ولداً سوياً صحيح الجوارح لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ وهذا قول سعيد بن جبير رواه عن ابن عباس.
وروى معمر عن قتادة أنه قال: كان آدم لا يولد له ولد إلا مات فجاء الشيطان وقال: إن سرك أن يعيش ولدك فسمه عبد الحارث ففعل.
فأشركا في الاسم.
ولم يشركا في العبادة.
وروي عن السدي أنه قال: اسم إبليس هو الحارث يوم لعن فأراد أن ينسب إليه، فأمرها فسمته عبد الحارث، فعاش بعد ذلك أياماً ثم مات.
فذلك قوله: فَلَمَّا آتاهُما يعني: أعطاهما صالِحاً خلقاً آدمياً سوياً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر جَعَلاَ له شركا بكسر الشين وجزم الراء وقرأ الباقون شُرَكاءَ بالضم ونصب الراء.
فمن قرأ بالكسر فهو على معنى التسمية، وهو اسم يقوم مقام المصدر ومن قرأ بالضم فمعناه: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني: الشريك في الاسم وإنما ذكر الشركاء وأراد به الشريك يعني: الشيطان فإن قيل: من قرأ بالكسر كان من حق الكلام أن يقول جعلا لغيره شركاً، لأنهما لا ينكران أن الأصل لله تعالى.
وإنَّما جعلا لغيره شركاً أي نصيباً.
قيل له: معناه جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني: ذا شرك.
فذكر الشرك والمراد به شركه كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 12] أي أهل القرية فضرب الله تعالى بهذا مثلاً للكفار يعني: كما أن آدم وحواء أعطاهما ورزقهما فاشركوا في عبادته.
ثم نزه نفسه عن الشرك فقال تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي هو أعلى وأجلّ من أن يوصف بالشرك.
ثم رجع إلى قصة الكفار فقال الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً يعني: أيشركون الآلهة مع الله تعالى وهم كفار مكة ما لا يخلق شيئاً وهي الآلهة وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يعني: لا يستطيعون أن يمتنعوا مما نزل بهم من العذاب وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى قال الكلبي يعني: الآلهة.
وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر لاَ يَتَّبِعُوكُمْ يعني: لا يتّبعهم آلهتهم سَواءٌ عَلَيْكُمْ يا أهل مكة أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ لا تعقل شيئاً لأنه ليس فيها روح.
وقال مقاتل: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني: كفار مكة لاَ يَتَّبِعُوكُمْ لا يتبعونكم يعني: النبيّ سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون فلا يؤمنون قرأ نافع لاَ يَتَّبِعُوكُمْ بجزم التاء وقرأ الباقون بالنصب والتشديد لاَ يَتَّبِعُوكُمْ وهما لغتان تبعه وأتْبعه معناهما واحد.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ يعني: تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام عِبادٌ أَمْثالُكُمْ يعني: مخلوقين مملوكين أشباهكم وليسوا بآلهة فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنها آلهة.
ثم قال عز وجل: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها يعني: في حوائجكم أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها يعني: يعطون بها ويمنعون عنكم الضر أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها يعني: عبادتكم أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها يعني: دعاءكم وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلها.
ولكن لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى بيّن ضعف معبودهم وعجزهم، وبيّن أنهم اشتغلوا بشيء لا فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك.
ثم قال: قُلِ يا محمد يعني: لكفار مكة ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعني: آلهتكم ثُمَّ كِيدُونِ يعني: اعملوا بي ما شئتم فَلا تُنْظِرُونِ يعني: لا تمهلون ولا تؤجلون لأنهم خوفوه بآلهتهم قرأ أبو عمرو ثُمَّ كيدوني بالياء في حال الوصل وقرأ الباقون بغير الياء.
ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"
الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، واستعد لكلِّ شيءٍ استعداد مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء.
وقوله: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يحتمل وجْهين، وبكليهما قيل.
أحدهما: أن «ما» معطوفةٌ على قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ أي: وَلَمَا مسني السوءُ.
والثاني: أن يكون الكلامُ مقطوعاً تَمَّ في قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به.
قال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ «١» : السُّوءُ الجنون بلغة هُذَيْلٍ.
ت: وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب «السوء» الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه: مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ ...
[سبأ: ٤٦] الآية، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: يحتملُ معنيين:
أحدهما: أنْ يريد: لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع.
والثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)
وقوله: جلّت عظمته: وهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ...
الآية.
قال جمهورُ المفسِّرين: المراد بالنَّفْسِ الواحدة: آدم عليه السلام، وبقوله: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها حَوَّاء، وقولُه: مِنْها هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فاستخرجت قصرى أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حوّاء.
وقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْها، أي: ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة.
ثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: فَلَمَّا تَغَشَّاها، أي:
غَشِيَها، وهي كناية عن الجماع، والحمل الخفيف: هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا.
وقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس: «فاستمرت بِهِ» ، وقرأ ابن «١» مسعود: «فاستمرت بِحَمْلِهَا» وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن «٢» العاص: «فَمَارَتْ بِهِ» ، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت كما تقولُ: مَارَتِ الرِّيحُ مَوْراً، وأَثْقَلَتْ: دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول: أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله دَعَوَا، على هذا التأويل: عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك/ أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ «عَبْدَ الحَارث» ، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه حرْصاً علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ.
وقال الطبريُّ والسديُّ «٣» في قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب «٤» .
ت: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ على صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله، نَعَمْ روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «٥» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذلك، وكان ذلك من
وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ «١» غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم «٢» ، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ.
انتهى.
وهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ:
وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء- وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغرور- فلا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحاً، ولا يسمعا له قَوْلاً، والقولْ الأشبه بالحَقِّ: أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين.
انتهى من «الأحكام» .
قال «٣» ع: وقوله صالِحاً: قال الحَسَن: معناه: غُلاَماً «٤» ، وقال ابن عباس وهو الأظهر: بَشَراً سَوِّياً «٥» سليماً.
وقال قومٌ: إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطباً لجميع الناس: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يريد: آدم وحواء، أي: واستمرّت
حالُكم واحداً واحداً كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها ...
إلى آخر الآية، وصفاً لحالِ الناس واحداً واحداً، أي: هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولداً صالحاً سليماً كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين.
قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم؟!
انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ وباللَّه التوفيق.
وقرأ نافعٌ «١» ، وعاصم في رواية أبي بَكْر: «شركاً» - بكسر الشين، وسكون الراء- على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم:
«شُرَكَاء» على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن «٢» كَعْب: «فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً أَشْرَكَا فِيهِ» .
وقوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً ...
الآية: ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل/ في المعنى وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا:
إن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله: مَا لاَ يَخْلُقُ، وعبَّر عن الأصنام ب هُمْ كأنها تَعْقِلُ على اعتقاد الكُفَّار فيها وبحسب أسمائها، ويُخْلَقُونَ: معناه: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني: الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنى، وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ أي: فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» «٣» بالتاء مِنْ فوقُ «أَتُشْركُونَ» .
وقوله سبحانه: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ، من قال: إن الآياتِ في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: آَدَمَ، وَبِزَوْجِها: حَوّاءُ.
ومَعْنى ﴿ لِيَسْكُنَ إلَيْها ﴾ : لَيَأْنَسَ بِها ويَأْوِي إلَيْها.
﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ أيْ: جامَعَها.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أحْسَنُ كِنايَةٍ عَنِ الجِماعِ.
والحَمْلُ، بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ، أوْ أخْرَجَتْهُ شَجَرَةٌ.
والحَمْلُ، بِكَسْرِ الحاءِ: ما يُحْمَلُ.
والمُرادُ بِالحَمْلِ الخَفِيفِ: الماءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قَعَدَتْ وقامَتْ ولَمْ يُثْقِلْها.
وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وقَرَأ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَوْنَيُّ " اسْتَمارَّتْ بِهِ " بِزِيادَةِ ألِفٍ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ بِألِفٍ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: فَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةَ الرّاءِ، أيْ: شَكَتْ وتَمارَتْ أحَمَلَتْ، أمْ لا؟
﴿ فَلَمّا أثْقَلَتْ ﴾ أيْ: صارَ حَمْلُها ثَقِيلًا.
وقالَ الأخْفَشُ: صارَتْ ذا ثِقَلٍ.
يُقالُ: أثْمَرْنا، أيْ: صِرْنا ذَوِي ثَمَرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما ﴾ يَعْنِي آَدَمَ وحَوّاءَ ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا ﴾ وفي المُرادِ بِالصّالِحِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْسانُ المُشابِهُ لَهُما، وخافا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ الغُلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
شَرْحُ السَّبَبِ في دُعائِهِما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ حَوّاءَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ ما في بَطْنِكِ، لَعَلَّهُ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ حِمارٌ؛ وما يُدْرِيكَ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، أيَشُقُّ بَطْنَكِ، أمْ يَخْرُجُ مِن فِيكِ، أوْ مِن مِنخَرَيْكِ؟
فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَدَعَوا اللَّهَ حِينَئِذٍ، فَجاءَ إبْلِيسُ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟
قالَتْ: ما أسْتَطِيعُ القِيامَ إذا قَعَدْتُ، قالَ: أفَرَأيْتِ إنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلَهُ إنْسانًا مِثْلَكِ ومِثْلَ آَدَمَ، أتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي؟
قالَتْ: نَعَمْ.
فَلَمّا ولَدَتْهُ سَوِيًّا، جاءَها إبْلِيسُ فَقالَ: لِمَ لا تُسَمِّينَهُ بِي كَما وعَدْتِنِي؟
فَقالَتْ: وما اسْمُكَ؟
قالَ: الحارِثُ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثُ، فَسَمَّتْهُ: عُبِدَ الحارِثِ، وقِيلَ: عَبَدُ شَمْسٍ بِرِضى آَدَمَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " شُرَكاءُ " بِضَمِّ الشِّينِ والمَدِّ، جَمْعُ شَرِيكٍ.
وقَرَأ نافِعٌ.
وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " شِرْكًا " مَكْسُورَةَ الشِّينِ عَلى المَصْدَرِ، لا عَلى الجَمْعِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " شِرْكًا " حَذَفَ المُضافَ، كَأنَّهُ أرادَ: جَعَلا لَهُ ذا شِرْكٍ، وذَوِي شَرِيكٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا، لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلا لَهُ ذَوِي شِرْكٍ، فالمَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا؛ وهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ "شُرَكاءَ" وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى "شُرَكاءَ": شَرِيكًا، فَأوْقَعَ الجَمْعَ مَوْقِعَ الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ .
والمُرادُ بِالشَّرِيكِ: إبْلِيسُ، لِأنَّهُما أطاعاهُ في الِاسْمِ، فَكانَ الشِّرْكُ في الطّاعَةِ، لا في العِبادَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدا أنَّ الحارِثَ رَبَّهُما، لَكِنْ قَصَدا أنَّهُ سَبَبُ نَجاةِ ولَدِهِما؛ وقَدْ يُطْلَقُ العَبْدُ عَلى مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ.
قالَ الشّاعِرُ: وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا وما فِيَّ إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لا يَعِيشُ لِآَدَمَ ولَدٌ، فَقالَ الشَّيْطانُ: إذا وُلِدَ لَكُما ولَدٌ فَسَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأطاعاهُ في الِاسْمِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أشْرَكَ آَدَمُ، إنَّ أوَّلَ الآَيَةِ لَشُكْرٌ، وآَخِرُها مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن يَعْبُدُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ .
ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، رَزَقَهُمُ اللهُ أوْلادًا فَهَوَّدُوهم ونَصَّرُوهم.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ قالا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ﴾ عائِدٌ إلى النَّفْسِ وزَوْجِهِ مِن ولَدِ آَدَمَ، لا إلى آَدَمَ وحَوّاءَ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوَلَدِ الصّالِحِ، وهو السَّلِيمُ الخَلْقِ؛ فالمَعْنى: جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ الوَلَدُ شُرَكاءَ.
وإنَّما قِيلَ: "جَعَلا" لِأنَّ حَوّاءَ كانْتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أوْلادُ آَدَمَ وحَوّاءَ.
فَتَأْوِيلُ الآَيَةِ: فَلَمّا آَتاهُما صالِحًا، جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ، فَحَذَفَ الأوْلادَ وأقامَهُما مَقامَهم كَما قالَ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ .
وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ في مُشْرِكِي العَرَبِ خاصَّةً، وأنَّها مَفْصُولَةً عَنْ قِصَّةِ آَدَمَ وحَوّاءَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ﴾ ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ﴾ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ هي في آدَمَ وحَوّاءَ، وإنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "ءاتاهُما" عائِدٌ عَلَيْهِما، ويُقالُ: إنَّ الشِرْكَ الَّذِي جَعَلاهُ هو في الطاعَةِ، أيْ أطاعا إبْلِيسَ في التَسْمِيَةِ بِعَبْدِ الحارِثِ، لَكِنَّهُما كانا في غَيْرِ ذَلِكَ مُطِيعَيْنِ لِلَّهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشِرْكُ في أنْ جَعَلا عُبُودِيَّتَهُ بِالِاسْمِ لِغَيْرِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ والسُدِّيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ : إنَّهُ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنَّ خَبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ فِيما آتاهُما ﴾ ، وإنَّ هَذا كَلامٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَفْظُ، ويَتَّجِهُ أنْ يُقالَ: تَعالى اللهُ عن ذَلِكَ اليَسِيرِ المُتَوَهَّمِ مِنَ الشِرْكِ في عُبُودِيَّةِ الِاسْمِ، ويَبْقى الكَلامُ في جِهَةِ أبَوَيْنا آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، وجاءَ الضَمِيرُ في "يُشْرِكُونَ" ضَمِيرَ جَمْعٍ لِأنَّ إبْلِيسَ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ، ومَن قالَ: "إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ إنَّما الغَرَضُ مِنها تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في الأزْواجِ وفي تَسْهِيلِ النَسْلِ والوِلادَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُوءَ فِعْلِ المُشْرِكِينَ بِعَقِبِ ذَلِكَ"، قالَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ: إنَّها عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ، وإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ المُرادُ بِالضَمِيرِ فِيهِ: المُشْرِكُونَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: فَلَمّا آتى اللهُ هَذَيْنِ الإنْسانَيْنِ صالِحًا أيْ سَلِيمًا ذَهَبا بِهِ إلى الكُفْرِ، وجَعَلا لِلَّهِ فِيهِ شُرَكاءَ، وأخْرَجاهُ عَنِ الفِطْرَةِ.
ولَفْظَةُ الشِرْكِ تَقْتَضِي نَصِيبَيْنِ، فالمَعْنى: وجَعَلا لِلَّهِ فِيهِ ذا شِرْكٍ، لِأنَّ إبْلِيسَ أو أصْنامَ المُشْرِكِينَ هي المَجْعُولَةُ، والأصْلُ أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ تَعالى، وبِهَذا حَلَّ الزَجّاجُ اعْتِراضَ مَن قالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ: "جَعَلا لِغَيْرِهِ شِرْكًا".
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "شِرْكًا" بِكَسْرِ الشِينِ وسُكُونِ الراءِ عَلى المَصْدَرِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، وعاصِمٍ، وأبانِ بْنِ تَغْلِبَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ "شُرَكاءَ" عَلى الجَمْعِ، وهي بَيِّنَةٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ، وقَلِقَةٌ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: "إنَّ الآيَةَ الأُولى في آدَمَ وحَوّاءَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ: "فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ"، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في قَصَصِ آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ في التَسْمِيَةِ بِعَبْدِ الحارِثِ، وفي صُورَةِ مُخاطَبَتِهِمْ أشْياءَ طَوِيلَةً لا يَقْتَضِي الِاخْتِصارُ ذِكْرُها.
وَقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: "عَمّا يُشْرِكُونَ أيُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ فِيهِما، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "عَمّا تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ" الآيَةُ، ورَوى بَعْضُ مَن قالَ: "إنَّ الآياتِ في آدَمَ وحَوّاءَ" أنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبَدَ شَمْسٍ، فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، وإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا ﴾ ، ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبَدَ شَمْسٍ، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ قالَ: إنَّ هَذِهِ في مُشْرِكِي الكُفّارِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ الأصْنامَ في العِبادَةِ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لا يَخْلُقُ ﴾ ، وعَبَّرَ عنها بِـ"هُمْ" كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِها.
و ﴿ يُخْلَقُونَ ﴾ مَعْناهُ: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، ويَحْتَمِلُ -عَلى قِراءَةِ "أيُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ- أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يُخْلَقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ فَيَجْعَلُونَ إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ تُخَرَّجُ عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ: "إنَّ المُرادَ آدَمُ وحَوّاءُ والشَمْسُ" عَلى ما تَقَدَّمَ، ولَكِنْ بِقَلَقٍ وتَعَسُّفٍ مِنَ المُتَأوِّلِ في المَعْنى، وإنَّما تَتَّسِقُ هَذِهِ الآياتُ ويَرُوقُ نَظْمُها ويَتَناصَرُ مَعْناها عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ، والمَعْنى: ولا يَنْصُرُونَ أنْفُسَهم مِن أمْرِ اللهِ وإرادَتِهِ، ومَن لا يَدْفَعُ عن نَفْسِهِ فَأحْرى ألّا يَدْفَعَ عن غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى ﴾ الآيَةُ، مَن قالَ: "إنَّ الآياتِ في آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ" قالَ: إنَّ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ وأُمَّتِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ في أمْرِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ ، ولَهُمُ الهاءُ والمِيمُ مِن "تَدْعُوهُمْ"، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ قالَ: إنَّ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ولِلْكَفّارِ فَقَطْ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ، أيْ: إنَّ هَذِهِ حالُ الأصْنامِ مَعَكم إنْ دَعَوْتُمُوهم لَمْ يُجِيبُوكُمْ، إذْ لَيْسَ لَهم حَواسُّ ولا إدْراكاتٌ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لا يَتْبَعُوكُمْ" بِسُكُونِ التاءِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "لا يَتَّبِعُوكُمْ" بِشَدِّ التاءِ المَفْتُوحَةِ وكَسْرِ الباءِ، والمَعْنى واحِدٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ ﴾ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ، إذِ التَقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ.
ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَواءٌ عَلَيْكَ النَقْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ <div class="verse-tafsir"
جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، عاد بها الكلام إلى تقرير دليل التوحيد وإبطال الشرك من الذي سلف ذكره في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظُهورهم ذرياتهم ﴾ [الأعراف: 172] الآية، وليست من القول المأمور به في قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ﴾ [الأعراف: 188] لأن ذلك المقول قصد منه إبطال الملازمة بين وصف الرسالة وعلْم الرسول بالغيب، وقد تم ذلك، فالمناسب أن يكون الغرض الآخر كلاماً موجهاً من الله تعالى إلى المشركين لإقامة الحجة عليهم بفساد عقولهم في إشراكهم وإشراك آبائهم.
ومناسبة الانتقالَ جريان ذكر اسم الله في قوله: ﴿ إلاّ ما شاء الله ﴾ [الأعراف: 188] وضمير الخطاب في ﴿ خلقكم ﴾ للمشركين من العرب، لأنهم المقصود من هذه الحجج والتذكير، وإن كان حكم هذا الكلام يشمل جميع البشر، وقد صدر ذلك بالتذكير بنعمة خلق النوع المبتدأ بخلق أصله وهو ءادم وزوجه حواء تمهيداً للمقصود.
وتعليق الفعل باسم الجمع، في مثله، في الاستعمال يقع على وجهين: أحدهما: أن يكون المراد الكل المجموعي، أي جملة ما يصدق عليه الضمير، أي خلق مجموع البشر من نفس واحدة فتكون النفس هي نفسَ آدم الذي تولد منه جميع البشر.
وثانيهما: أن يكون المراد الكل الجميعي أي خَلق كل أحد منكم من نفس واحدة، فتكون النفس هي الأب، أي أبو كل واحد من المخاطبين على نحو قوله تعالى: ﴿ يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ [الحجرات: 13] وقوله: ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ [القيامة: 39].
ولفظ ﴿ نفس واحدة ﴾ وحْدَه يحتمل المعنيين، لأن في كلا الخلقين امتناناً، وفي كليهما اعتباراً واتعاضاً.
وقد جعل كثير من المفسرين النفسَ الواحدة آدم وبعض المحققين منهم جعلوا الأب لكل أحد، وهو المأثور عن الحسن، وقتادة، ومشى عليه الفخر، والبيضاوي وابنُ كثير، والأصم، وابن المنير، والجبائي.
ووصفت النفس بواحدة على أسلوب الإدماج بين العبرة والموعظة، لأن كونها واحدة أدعى للاعتبار إذ ينسل من الواحدة أبناء كثيرون حتى ربما صارت النفس الواحدة قبيلة أو أمّة، ففي هذا الوصف تذكير بهذه الحالة العجيبة الدالة على عظم القدرة وسعة العلم حيث بثه من نفس واحدة رجالاً كثيراً ونساء، وقد تقدم القول في ذلك في طالعة سورة النساء.
والذي يظهر لي أن في الكلام استخداماً في ضميري ﴿ تغشاها ﴾ وما بعده إلى قوله: ﴿ فيما آتاهما ﴾ وبهذا يجمع تفسير الآية بين كلا الرأيين.
و (من) في قوله: ﴿ من نفس واحدة ﴾ ابتدائية.
وعبر في جانب الأنثى بفعل جعل، لأن المقصود جعل الأنثى زوجاً للذكر، لا الإخبارُ عن كون الله خلقها، لأن ذلك قد علم من قوله: ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ .
و (من) في قوله: ﴿ وجعل منها ﴾ للتبعيض، والمراد: من نوعها، وقوله: ﴿ منها ﴾ صفة ل ﴿ زوجها ﴾ قدمت على الموصوف للاهتمام بالامتنان بأن جعل الزوج وهو الأنثى من نوع ذكرها وهذه الحكمة مطردة في كل زوجين من الحيوان.
وقوله: ﴿ ليسكن إليها ﴾ تعليل لما أفادته (من) التبعيضية.
والسكون مجاز في الاطمئنان والتأنس أي: جعل من نوع الرجل زوجه ليألفها ولا يجفو قربها، ففي ذلك منة الإيناس بها، وكثرة ممارستها لينساق إلى غشيانها، فلو جعل الله التناسل حاصلاً بغير داعي الشهوة لكانت نفس الرجل غير حريصة على الاستكثار من نسله، ولو جعله حاصلاً بحالة ألم لكانت نفس الرجل مقلة منه، بحيث لا تنصرف إليه إلاّ للاضطرار بعد التأمل والتردد، كما ينصرف إلى شرب الدواء ونحوه المعقبة منافع، وفُرع عنه بفاء التعقيب ما يحدث عن بعض سكون الزوج إلى زوجه وهو الغشيان.
وصيغت هذه الكنابة بالفعل الدال على التكلف لإفادة قوة التمكن من ذلك لأن التكلف يقتضي الرغبة.
وذُكِّر الضمير المرفوع في فعلي ﴿ يَسْكُنَ ﴾ و(تغشى): باعتبار كون ما صْدق المعاد، وهو النفس الواحدة، ذكراً، وأنّث الضمير المنصوب في ﴿ تغشاها ﴾ ، والمرفوع في ﴿ حَملتْ ﴾ .
و(مرتْ): باعتبار كون ما صْدق المعاد وهو زوجها أنثى، وهو عكس بديع في نقل ترتيب الضمائر.
ووُصف الحمل ب ﴿ خفيفاً ﴾ إدماج ثان، وهو حكاية للواقع، فإن الحمل في مبدئه لا تجد منه الحامل ألماً، وليس المراد هنا حملاً خاصّاً، ولكنه الخبر عن كل حمل في أوله، لأن المراد بالزوجين جنسهما، فهذه حكاية حالة تحصل منها عبرة أخرى، وهي عبرة تطور الحمل كيف يبتدئ خفيفاً كالعدم، ثم يتزايد رويداً رويداً حتى يثقل، وفي «الموطأ» «قال: مالك وكذلك (أي كالمريض غير المخوف والمريض المخوف»): الحامل في أول حملها بشر وسرور وليس بمرض ولا خوف، لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه ﴿ فبشرّناها بإسحاق ﴾ [هود: 71] وقال: ﴿ حَملت حمْلاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتينا صالحاً لنكونن من الشاكرين ﴾ .
وحقيقة المرور: الاجتياز، ويستعار للتغافل وعدم الاكتراث للشيء كقوله تعالى: ﴿ فلما كشفْنا عنه ضُره مر كأنْ لم يَدْعُنا إلى ضرَ مسّه ﴾ [يونس: 72] أي: نسى دعاءنا، وأعرض عن شكرنا لأن المار بالشيء لا يقف عنده ولا يسائله، وقوله: ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ [الفرقان: 72].
وقال تعالى: ﴿ وكأيّنْ من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها مُعرضون ﴾ [يوسف: 105].
فمعنى ﴿ فمرت به ﴾ لم تتفطن له، ولم تفكر في شأنه، وكل هذا حكاية للواقع، وهو إدماج.
والإثْقاللِ ثَقل الحمل وكلفته، يقال أثقلت الحامل فهي مُثقل وأثقل المريض فهو مُثقل، والهمزة للصيرورة مثل أوْرَقَ الشجر، فهو كما يقال أقْرَبت الحامل فهي مُقْرب إذا أقرب أبان وضعها.
وقد سلك في وصف تكوين النسل مسلك الإطناب: لما فيه من التذكير بتلك الأطوار، الدالة على دقيق حكمة الله وقدرته، وبلطفه بالإنسان.
وظاهر قوله: ﴿ دَعَوَا الله ربهما ﴾ أن كل أبوين يَدعوان بذلك، فإن حمل على ظاهره قلنا لا يخلو أبواب مشركان من أن يتمنيا أن يكون لهما من الحمل مولود صالح، سواء نطقاً بذلك أم أضمراه في نفوسهما، فإن مدة الحمل طويلة، لا تخلو أن يحدث هذا التمني في خلالها، وإنما يكون التمني منهم على الله، فإن المشركين يعترفون لله بالربوبية، وبأنه هو خالق المخلوقات ومُكونها، ولا حظ للآلهة إلاّ في التصرفات في أحوال المخلوقات، كما دلت علبه محاجات القرآن لهم نحو قوله تعالى: ﴿ قل هل من شركائكم من يَبْدَؤا الخلق ثم يعيده ﴾ [يونس: 34] وقد تقدم القول في هذا عند قوله تعالى: وإن حمل دَعوا} على غير ظاهره فتأويله أنه مخصوص ببعض الأزواج الذين يخطر بيبالهم الدعاء.
وإجراء صفة ﴿ ربهما ﴾ المؤذنة بالرفق والإيجاد: للإشارة إلى استحضار الأبوين هذا الوصف عند دعائهما الله، أي يَذكرَ أنه باللفظ أو ما يفيد مفاده، ولعل العرب كانوا إذا دعوا بصلاح الحمل قالوا: ربنا آتنا صالحاً.
وجملة: ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ مبيّنة لجملة ﴿ دَعَوَا الله ﴾ .
و ﴿ صالحاً ﴾ وصف جرى على موصوف محذوف، وظاهر التذكير أن المحذوف تقديره: (ذكراً) وكان العرب يرغبون في ولادة الذكور وقال تعالى: ﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ﴾ [النحل: 57] أي الذكور.
فالدعاء بأن يؤتَيا ذكراً، وأن يكون صالحاً، أي نافعاً: لأنهم لا يعرفون الصلاح الحق، ويَنذران: لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين.
ومعنى ﴿ فلما آتاهما صالحاً لما أتى من أتاه منهم ولداً صالحاً وضمير جعلا ﴾ للنفس الواحدة وزوجها، أي جعل الأبوان المشركان.
و«الشِّرْك» مصدر شَرَكه في كذا، أي جعلا لله شركة، والشركة تقتضي شريكاً أي جعلا لله شريكاً فيما آتاهما الله، والخبر مراد منه مع الإخبار التعجيب من سفه آرائهم، إذ لا يجعل رشيدُ الرأي شريكاً لأحد في ملكه وصنعه بدون حق، فلذلك عُرف المشروك فيه بالموصولية فقيل ﴿ فيما آتاهما ﴾ دون الإضمار بأن يقال: جعلا له شركاً فيه: لما تؤذن به الصلة من فساد ذلك الجعْل، وظُلم جاعله، وعدم استحقاق المجعول شريكاً لما جعل له، وكفران نعمة ذلك الجاعل، إذ شَكَر لمن لم يُعطه، وكفر من أعطاه، وإخلاف الوعد المؤكد.
وجُعل الموصول (ما) دون (منَ) باعتبار أنه عطية، أو لأن حالة الطفولة أشبه بغير العاقل.
وهذا الشرك لا يخلو عنه أحد من الكفار في العرب، وبخاصة أهل مكة، فإن بعض المشركين يجعل ابنه سادنا لبيوت الأصنام، وبعضهم يحْجُر ابنه إلى صنم ليحفظه ويرعاه، وخاصة في وقت الصبا، وكل قبيلة تنتسب إلى صنمها الذي تعبده، وبعضهم يسمى ابنه: عبد كذا، مضافاً إلى اسم صنم كما سَمُّوا عبدَ العُزى، وعبدَ شمس، وعبدَ مناة، وعبدَ يا ليل، وعبدَ ضخم، وكذلك امرؤ القيس، وزيد مناءة، لأن الإضافة على معنى التمليك والتعبيد، وقد قال أبو سفيان، يومَ أحد: «اعْلُ هُبل» وقالت امرأة الطفيل لزوجها الطفيل بن عَمرو الدوسي حين أسلم وأمرها بأن تسلم «لا نخشى على الصبية من (ذي الشّرَى) شيئاً» ذو الشرى صنم.
وجملة: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي: تنزه الله عن إشراكهم كله: ما ذُكر منه آنفاً من إشراك الوالدين مع الله فيما آتاهما، وما لم يذكر من أصناف إشراكهم.
وموقع فاء التفريع في قوله: ﴿ فتعالى الله ﴾ موقع بديع، لأن التنزيه عما أحدثوه من الشرك يترتب على ما قبله من انفراده بالخلْق العجيب، والمنن العظيمة، فهو متعال عن إشراكهم لا يليق به ذلك، وليس له شريك بحق، وهو إنشاء تنزيه غيرُ مقصود به مخاطب.
وضمير الجمع في قوله: ﴿ يُشركون ﴾ عائد إلى المشركين الموجودين لأن الجملة كالنتيجة لما سبقها من دليل خَلْق الله إياهم.
وقد روَى الترمذي وأحمد: حديثاً عن سُمرة بن جندب، في تسويل الشيطان لحواء أن تسمي ولدها عبد الحارث، والحارث اسم إبليس، قال الترمذي حديث حسن غريب، ووسمه ابن العربي في «أحكام القرآن»، بالضعف، وتبعه تلميذه القرطبي وبيّن ابنُ كثير ما في سنده من العلل، على أن المفسرين ألصقوه بالآية وجعلوه تفسيراً لها، وليس فيه على ضعفه أنه فسّر به الآية ولكن الترمذي جعله في باب تفسير سورة الأعراف من «سنُنه».
وقال بعض المفسرين: الخطاب في ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ لقريش خاصة، والنفس الواحدة هو قُصي بنُ كلاب تزوج امرأة من خُزاعة فلما آتاهما الله أولاداً أربعة ذكوراً سمى ثلاثة منهم عبد مناف، وعبد العُزى، وعبد الدار، وسمى الرابع «عبداً» بدون إضافة وهو الذي يُدعى بعبْد قُصي.
وقرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وأبو جعفر: شِرْكاً بكسر الشين وسكون الراء أي اشْتراكاً مع الله، والمفعول الثاني لفعل جعلا محذوف للعلم به، أي جعلا له الأصنام شركاً، وقرأ بقية العشرة شُركاء بضم الشين جمع شريك، والقراءتان متحدتان معنى.
وفي جملة: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ محسن من البديع وهو مجيء الكلام متزناً على ميزان الشعر، من غير أن يكون قصيدة، فإن هذه الجملة تدخل في ميزان الرَمل.
وفيها الالتفات من الخطاب الذي سبق في قوله: ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ وليس عائد إلى ما قبله، لأن ما قبله كان بصيغة المثنى خمس مرات من قوله: ﴿ دَعوا الله ربهما ﴾ إلى قوله ﴿ فيما آتاهما ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ وذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ قالَ لِحَوّاءَ سَمِّيهِ: عَبْدَ الحارِثِ، يَعْنِي نَفْسَهُ لِأنَّهُ اسْمُهُ في السَّماءِ كانَ (الحارِثَ ) فَسَمَّتْهُ عَبْدَ اللَّهِ فَماتَ، ثُمَّ حَمَلَتْ ولَدًا ثانِيًا فَقالَ لَها ذَلِكَ فَلَمْ تَقْبَلْ، فَماتَ، ثُمَّ حَمَلَتْ ثالِثًا فَقالَ لَها ولِآدَمَ، أتَظُنّانِ اللَّهَ تارِكَ عَبْدِهِ عِنْدَكُما؟
لا واللَّهِ لَيَذْهَبَنَّ بِهِ كَما ذَهَبَ بِالآخَرِينَ فَسَمَّياهُ بِذَلِكَ فَعاشَ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ أيْ في الِاسْمِ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «خَدَعَهُما مَرَّتَيْنِ خَدَعَهُما في الجَنَّةِ وخَدَعَهُما في الأرْضِ.
» وَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّ المُكَنّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ ابْنُ آدَمَ وزَوْجَتُهُ، ولَيْسَ بِراجِعٍ إلى آدَمَ وحَوّاءَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن سمرة بن جندب في قوله: ﴿ فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء ﴾ قال: سمياه عبد الحارث.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد آتاها الشيطان، فقال: سمياه عبد الحارث يعيش لكما، فسمياه عبد الحارث فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟
سميه عبد الحارث فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك: فلم تفعل، ثم حملت الثالث فجاءها فقال لها: إن تطيعيني سلم لك، وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبها، فأطاعته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ولد لآدم ولد فسماه عبد الله، فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما هذا؟
قال: عبد الله، وكان ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله.
فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟
ووالله ليذهبن به كما ذهب بالآخر ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس فسمياه، فذلك قوله تعالى ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ الشمس لا تخلق شيئاً إنما هي مخلوقة.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خدعها مرتين» .
قال زيد: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما أهبط الله آدم وحواء ألقى في نفسه الشهوة لامرأته، فتحرك ذلك منه فأصابها، فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرك ولدها في بطنها، فقالت: ما هذا؟
فجاءها إبليس فقال لها: إنك حملت فتلدين.
قالت: ما ألد؟
قال: ما هل ترين إلا ناقة أو بقرة أو ماعزة أو ضانية هو بعض ذلك، ويخرج من أنفك أو من عينك أو من اذنك.
قالت: والله ما مني من شيء إلا وهو يضيق عن ذلك!
قال: فاطيعيني وسميه عبد الحارث- وكان اسمه في الملائكة الحارث- تلدي مثلك، فذكرت ذلك لآدم فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت.
فمات ثم حملت بآخر، فجاءها فقال: أطيعيني أو قتلته فإني أنا قتلت الأول، فذكرت ذلك لآدم فقال مثل قوله الأوّل، ثم حملت بالثالث فجاءها فقال لها مثل ما قال، فذكرت ذلك لآدم فكأنه لم يكره ذلك، فسمته عبد الحارث فذلك قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: حملت حواء، فأتاها إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعيني أو لأجعلن له قربى أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن- فخوّفهما- سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما أيضاً فقال مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فادركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن السدي قال: إن أول اسم سمياه عبد الرحمن فمات، ثم سمياه صالحاً فمات، يعني آدم وحواء.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم أولاد.
فتعبدهم لله، وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلاً فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله: ﴿ وهو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأها ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن سمرة في قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ .
قال: خفيفاً لم يستبن، فمرت به لما استبان حملها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فشكت أحملت أم لا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال: سئل الحسن عن قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ قال: فشكت أحملت أم لا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال: سئل الحسن عن قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ قال: لو كنت عربياً لعرفتها، إنما هي استمرت بالحمل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قال: هي من النطفة ﴿ فمرت به ﴾ يقول: استمرت.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت به.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت بحمله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت بحمله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: استخفته.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ فلما أثقلت ﴾ قال: كبر الولد في بطنها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله: ﴿ لئن آتيتنا ﴾ قال: أشفقا أن يكون بهيمة، فقالا: لئن آتيتنا بشراً سوياً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قال: غلاماً سوياً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ فجعلا له شركاء ﴾ قال: كان شركا في طاعة، ولم يكن شركا في عباده.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ فجعلا له شركاً ﴾ بكسر الشين.
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ جعلا له شركاء ﴾ قال: أشركاه في الاسم قال: وكنية إبليس أبو كدوس.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن السدي قال: هذا من الموصل والمفصول قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ في شأن آدم وحوّاء، يعني في الأسماء ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ يقول: عما يشرك المشركون ولم يعيِّنهما.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أشرك آدم أن أولها شكر وآخرها مثل ضربه لمن بعده.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ هذه فصل بين آية آدم خاصة في آلهة العرب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال: هذه مفصولة اطاعاه في الولد ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ هذه لقوم محمد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ جعلا له شركاء ﴾ قال: كان شركاً في طاعته ولم يكن شركاً في عبادته، وقال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوّدوا ونصروا.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ قال: يعني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ قال: هو الانكاف أنكف نفسه يقول: عظم نفسه، وانكفته الملائكة وما سبح له.
وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: هذا في الكفار، يدعون الله فإذا آتاهما صالحاً هوّدا ونصرا، ثم قال: ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ يقول: يطيعون ما لا يخلق شيئاً وهي الشياطين لا تخلق شيئاً وهي تخلق ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ يقول: لمن يدعوهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ .
قال المفسرون (١) (٢) ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ )، أي: لما آتاهما ولدًا سويًا ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ ﴾ قال ابن عباس (٣) (٤) و (٥) ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ ﴾ إذ قالت: عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله (٦) (٧) وذكر ابن زيد (إن النبي قال: "خدعهما مرتين، خدعهما (٨) (٩) وهذا الذي ذكرنا معنى قول سعيد بن جبير (١٠) (١١) (١٢) واختلف القراء في قوله: ﴿ شُرَكَاءَ ﴾ .
فقرأ نافع (١٣) ﴿ شِرْكاً ﴾ بكسر الشين، وهذا يتوجه على حذف المضاف بتقدير: جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فإذا جعلا له ذوي شرك فقد جعلا له شركاء، فالقراءتان تؤولان إلى معنى واحد، والضمير في: ﴿ لَهُ ﴾ يعود إلى اسم الله كأنه ﴿ وجَعَلَا ﴾ لله ﴿ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ .
قال أبو الحسن (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ .
وقال أبو علي: (يجوز أن يكون الكلام على ظاهرة ولا يقدر حذف المضاف في قوله: ﴿ جَعَلَا لَهُ ﴾ ، وأنت تريد لغيره، ولكن (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ شركًا ﴾ أحسن وأولى من تقدير حذفه من قوله: ﴿ لَهُ ﴾ (٢٣) قال الزجاج: (ومن قرأ ﴿ شركًا ﴾ فهو مصدر شركت الرجل (٢٤) (٢٥) ﴿ شُرَكَاءَ ﴾ فحجته (٢٦) ﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ﴾ ، وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس، أوقع الجمع موقع الواحد، وذلك أن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين (٢٧) (٢٨) (٢٩) وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا يريد: أنه خاضع له مطيع، ولم يرد أن الضيف ربه، وقد يقع الاشتراك في الاسم مع وقوع اختلاف في المعنى كما يقال لمملوك زيد: هذا عبد زيد، ثم يقال: إنه عبد الله، فقد جمعهما اللفظ، والمعنى مختلف (٣٠) (٣١) قال: فإن سألت الله عز وجل أن يسهل أمر الولادة عليك أتسمينه باسمي؟
قالت: نعم، وخبرها أن اسمه الحارث، فلما ولدت سمت الولد عبد الحارث، فذلك قول الله عز وجل: ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ ) (٣٢) قال أبو علي: (فعلى هذا التقدير: جعل أحدهما، فحذف المضاف كقوله: ﴿ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ ) (٣٣) ﴿ آتَاهُمَا ﴾ .
ثم قال: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (٣٤) ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: أهل مكة) (٣٥) وقال عبد الله بن مسلم: (وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك بالعقد والنية من ذريتهما فقال: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، وهذا يدلك (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ .
ثم ذكر كفار مكة فقال: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ ﴾ ) (٣٩) (٤٠) ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ في شأن آدم وحواء، ثم قال: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
قال: عما يشرك المشركون، لم يعنهما) (٤١) وقال أبو بكر: (قال طائفة من أهل العلم: الذين جعلوا لله شركاء اليهود (٤٢) ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا ﴾ جعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف) (٤٣) (٤٤) وروى سعيد (٤٥) (٤٦) (٤٧) ويتوجه قول هؤلاء على ما ذكرنا من حذف المضاف، وهو اختيار ابن كيسان؛ لأنه قال: (هم الكفار جعلوا له شركاء، سموا أولادهم عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة) (٤٨) (١) ذكره عن المفسرين ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 258، والواحدي في "الوسيط" 2/ 283، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 400، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 184، و"معاني الزجاج" 2/ 395، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 45، والقرطبي 7/ 338.
(٢) في (ب): "تسميه".
(٣) أخرجه الطبري 9/ 146، وابن أبي حاتم 5/ 1633 - 1634، من طرق يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ضعيف عن ابن عباس عن أبي بن كعب، وأخرج أيضًا من طريق جيد رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس قال: (في هذه الآية ما أشرك آدم وإن أولها شكر وإن آخرها مثل) اهـ.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 277، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وفيه: (وآخرها مثل ضرب لمن بعده).
(٤) في (ب): (في تسميتها).
(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٦) في (ب): (إلا الله)، وهو تحريف.
(٧) "معاني الفراء" 1/ 400.
(٨) لفظ: (خدعهما) ساقط من (ب).
(٩) أخرجه الطبري 9/ 150، وابن أبي حاتم 5/ 1635 بسند جيد عن عبد الرحمن بن زيد وهو مرسل ضعيف وعند ابن أبي حاتم: (قال رسول الله : "خدعهما مرتين").
قال زيد بن أسلم: (خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض).
وذكره الثعلبي 6/ 30 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 283، والبغوي 3/ 313 ، والسيوطي في "الدر" 3/ 277.
(١٠) أخرجه الطبري 9/ 147، وابن أبي حاتم 5/ 1634 من طرق جيدة.
(١١) لفظ: (والكلبي) ساقط من (ب)، وقد أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 245، بسند جيد عن الكلبي، وذكره هود الهواري 2/ 65، والثعلبي 6/ 29 أ.
(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 146 - 149، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 286 - 287، و"الدر المنثور" 3/ 277، وقال الطبري: (أجمع أهل التأويل على أن المعني بذلك: آدم حواء، وأنهما ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ ﴾ في الاسم لا في العبادة) اهـ.
بتصرف.
وقد أخرج أحمد والترمذي رقم (3077) كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف، والطبري 9/ 146، وابن أبي حاتم 5/ 1635، والحاكم في "المستدرك" 2/ 545 كلهم عن عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي قال: (لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسموه عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره) اهـ.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر عن قتادة ورواه بعضهم ولم يرفعه) اهـ.
وأخرجه ابن عدي في "الكامل" 6/ 89، وقال: (هذا لا أعلم يرويه عن قتادة غير عمر وحديثه عن قتادة مضطرب وهو مع ضعفه يكتب حديثه) اهـ، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في "التلخيص" وقال في "الميزان" 3/ 179: (هو حديث منكر) اهـ، والحديث ضعيف لأن فيه عمر بن إبراهيم العبدي قال الحافظ في "التقريب" ص 410 رقم (4864): (صدوق، في حديثه عن قتادة ضعف) اهـ.
وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 304 - 305، و"البداية والنهاية" 1/ 96: (الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، الثاني: أنه روى موقوفًا على سمرة، كما أخرجه الطبري 13/ 310، وهذه علة قادحة في الحديث، وهو أشبه، والمقطوع أن رفعه خطأ والصواب وقفه، الثالث: أن الحسن البصري فسر الآية بغير هذا فلو كان == عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه وقد أخرج تفسيره الطبري 9/ 148 بأسانيد صحيحة ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض من آمن من أهل الكتاب) اهـ.
مجموع بتصرف.
أما الآثار عن الصحابة والتابعين م فجزم ابن كثير في "تفسيره" 2/ 306 أنها مأخوذة عن أهل الكتاب قال: (روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه، وقد تلقى هذه الآثار عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب، وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وأخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافة من الكتاب والسنة أيضاً، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته وهو الذي لا يصدق ولا يكذب، وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث) اهـ.
ملخصًا.
وكذلك ضعف الحديث وجعل الروايات من الإسرائيليات ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 819 - 820، والقرطبي 7/ 337، والألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 348 رقم 342، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في القول المفيد على كتاب "التوحيد" 3/ 67، ومحمد أبو شهبة في الموضوعات والإسرائيليات في كتب "التفسير" ص 209 - 215، وانظر: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" 2/ 614، و"الدر النضيد على أبواب التوحيد" ص 285، و"تخريج الأحاديث المنتقدة في كتاب التوحيد" للشيخ فريج صالح البهلال ص 109.
(١٣) قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: (جَعَلاَ لَهُ شِرْكَا) بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف من غير مد ولا همز، وقرأ الباقون: ﴿ شُرَكَاءَ ﴾ بضم الشين وفتح الراء والمد وهمزة مفتوحة من غير تنوين جمع شريك.
== انظر: "السبعة" ص 299، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 430، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 273.
(١٤) "معاني الأخفش" 2/ 216.
(١٥) في (أ): (يجعله).
(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 396.
(١٧) كذا في الأصول أي: حكاه أبو علي عن الأخفش، و"الحجة" 4/ 111 - 112، وفي "معاني الأخفش" 2/ 316: (قال بعضهم: (شركًا) لأن الشرك إنما هو الشركة، وكان ينبغي في قول من قال هذا أن يقول: فجعلا لغيره شركًا فيما آتاهما) اهـ، وذكر النحاس في "إعرابه" 1/ 656.
(١٨) "معاني الزجاج" 2/ 396، ومثله قال النحاس في "إعرابه" 2/ 656 - 657.
(١٩) لفظ: (ولكن) ساقط من (أ).
(٢٠) جاء بعده في "الحجة" 4/ 112: (فيكون المعنى: جعلا له ذوي شرك وإذا جعلا له ذوي شرك وإن في المعنى مثل جعلا لغيره شركًا) اهـ.
(٢١) "الحجة" لأبي علي 4/ 111 - 112.
(٢٢) انظر: "المشكل" 1/ 307، و"البيان" 1/ 381، و"التبيان" 1/ 398، و"الفريد" 2/ 394، و"الدر المصون" 5/ 535.
(٢٣) لفظ: (له) ساقط من (ب).
(٢٤) في (ب): (شركت بالرجل)، وهو تحريف.
(٢٥) "معاني الزجاج" 2/ 396.
(٢٦) هذا من "الحجة" لأبي علي 4/ 112، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 431، و"إعراب القراءات" 1/ 216، و"الحجة" لابن خالويه ص 168، لابن زنجلة ص 304، و"الكشف" 1/ 486.
(٢٧) انظر: "تفسير الطبري" 149.
(٢٨) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 147، وابن أبي حاتم 5/ 1634 ، و"الداني في المكتفى" ص 283 من عدة طرق جيدة وذكره يحيى بن سلام في "التصاريف" ص 106، السمرقندي 1/ 588، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 279 ، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر) قال: و (أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله) وذكره الثعلبي 6/ 30 أعن المفسرين.
(٢٩) البيت لحاتم الطائي في "ديوانه" ص 44، و"تفسير الثعلبي" 6/ 30 أ، والقرطبي 7/ 339، وهو لقيس بن عاصم المنقري في "الكامل" للمبرد 2/ 179، وللمقنع الكندي في "أمالي القالي" 1/ 281، وبلا نسبة في: "عيون الأخبار" 1/ 266، و"الوسيط" للواحدي 2/ 284، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 353، والرازي 15/ 88، والخازن 2/ 325 وعجزه: وما فيَّ إلا تلك من شيمة العبدِ (٣٠) ذكر الطبري في "تفسيره" 9/ 148: (إجماع أهل التأويل على أن المراد الشرك في الاسم لا في العبادة).
(٣١) لفظ: (لي) ساقط من (ب).
(٣٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 148، و"التاريخ" 1/ 149 بسند ضعيف.
(٣٣) "الحجة" 4/ 112 - 113 وزاد فيه: (فيكون الذي جعل له شركًا أحدهما ويخرج آدم من أن ينسب إليه ذلك) اهـ.
وهذا القول رجحه صديق خان في "فتح البيان" 5/ 99 - 103، وأطال في تقريره قال: (الجاعل هو حواء دون آدم ولم يشرك آدم قط، وعلى هذا فليس في الآية إشكال، والذهاب إلى ما ذكرناه متعين تبعاً للكتاب والحديث وصونًا لجانب النبوة عن الشرك بالله تعالى، والذي ذكروه في تأويل الآية يرده كله ظاهر الكتاب والسنة، والقول بأنها سمته بإذن آدم يحتاج إلى دليل ولعلها سمته بغير إذنه ثم تابت من ذلك، وصحة إطلاق المثنى على المفرد شائع في كلام العرب وفي القرآن من ذلك الكثير، ولكنهم لم يذهبوا إليه في هذا الآية مع كونه ظاهر الأمر وواضحه ، ومع أنهم ذكروه وذهبوا إليه في مواضع من القرآن والحديث، وهذا عجيب منهم غاية العجب) اهـ.
ملخصًا.
(٣٤) في (ب): (تعالى)، وهو تحريف.
(٣٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 284، وذكره الثعلبي 6/ 30 أ، والبغوي 3/ 314 بلا نسبة.
(٣٦) في (ب): (يدل).
(٣٧) "تأويل مشكل القرآن" ص 259.
(٣٨) قال الداني في "المكتفى" ص 282: (قوله: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا ﴾ وقف كافٍ عند أصحاب الوقف وهو عندي تام لأنه انقضاء قصة آدم وحواء عليهما السلام، وقوله: ﴿ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ يريد مشركي العرب) اهـ.
وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 674، و"القطع" للنحاس 1/ 268.
(٣٩) "تفسيرمقاتل" 2/ 80.
(٤٠) في (ب): (ثم قال).
(٤١) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 246، والطبري 9/ 149، وابن أبي حاتم 5/ 2635 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 179، وهذا القول هو اختيار الطبري في "تفسيره" 9/ 148، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في "القول المفيد على كتاب التوحيد" 3/ 67.
(٤٢) لفظ: (اليهود) ساقط من (ب) (٤٣) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 304.
(٤٤) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 148، من طرق جيدة، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 305: (أخرجه ابن جرير عن الحسن بأسانيد صحيحة وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية) اهـ.
(٤٥) سعيد هو راوية قتادة وأثبت الناس فيه، سعيد بن أبي عروبة البصري، إمام ثقة، تقدمت ترجمته.
(٤٦) أخرجه الطبري 9/ 148، وابن أبي حاتم 5/ 1634 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 279، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد، وابن المنذر).
(٤٧) ذكره النحاس في "معانيه" 3/ 116، والثعلبي 6/ 30 ب، والبغوي 3/ 314، والقرطبي 7/ 339.
(٤٨) ذكره الثعلبي 6/ 30 ب، والبغوي 3/ 314، والخازن 2/ 325، وهذا القول هو الظاهر الذي عليه أهل التحقيق، وقد استحسنه البغوي 3/ 314، والخازن 2/ 325، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 116: (هذا القول أولى والله أعلم، من أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام مثل هذا) اهـ.
وقال في "إعرابه" 2/ 167: (هذا قول حسن)، وقال القرطبي 7/ 339: (هذا قول حسن وهو الذي يعول عليه) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 440: (من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب ولقريش فيتسق الكلام اتساقًا حسنًا من غير تكَلف تأويل ولا تفكيك).
== وقد اختار هذا القول الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 305 - 306، وأطال في تقريره فأجاد وأفاد -رحمه الله تعالى-، وانظر: "الكشاف" 2/ 138، وابن عطية 6/ 174 - 176، والرازي 15/ 86.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ يعني آدم ﴿ زَوْجَهَا ﴾ يعني حوّاء ﴿ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ يميل إليها ويستأنس بها ﴿ تغشاها ﴾ كناية عن الجماع ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾ أي خف عليها ولم تلق منه ما يلقى بعض الحوامل من حملهن من الأذى والكرب، وقيل: الحمل الخفيف المني في فرجها ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ قيل: معناه استمرت به إلى حين ميلاده، وقيل: الحمل معناه قامت وقعدت ﴿ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ ﴾ أي ثقل حملها وصارت به ثقيلة ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنَا صالحا ﴾ أي ولداً صالحاً سالماً في بدنه ﴿ فَلَمَّآ آتاهما صالحا ﴾ أي لما آتاهما ولداً صالحاً كما طلبا: جعل أولادهما له شركاء فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما: أي فيما آتى أولادهما وذريتهما، وقيل: إن حواء لما حملت جاءها إبليس وقال لها: إن أطعتيني وسميت ما في بطنك عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس الحارث، وإن عصيتني في ذلك قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها إنه عدوّنا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد ثم حملت مرة أخرى فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته فمات الولد ثم حملت مرة ثالثة فسمياه عبد الحارث طمعاً في حياته، فقوله: جعلا له شركاء في آتاهما: أي في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله، والقول الأول أصح لثلاثة أوجه: أحدها أنه يقتضي براءة آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذريته لقوله تعالى: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ بضمير الجمع، والثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة، وقيل: من نفس واحدة قصي بن كلاب: وزوجته وجعلا له شركاء أي: سموا أولادهما عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف، وهذا القول بعيد لوجهين أحدهما أن الخطاب على هذا خاص بذرية قصي من قريش والظاهر أن الخطاب عام لبني آدم، والآخر أن قوله: وجعل منها زوجها، فإن هذا يصح في حواء لأنها خلقت من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ هذه الآية رد على المشركين من بني آدم، والمراد بقوله: ما لا يخلق شيئاً الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله، والمعنى: أنها مخلوقة غير خالقة، والله تعالى خالق غير مخلوق فهو الإله وحده.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.
الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.
الباقون: بالتشديد.
﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.
الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.
﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.
الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.
الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .
بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".
واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.
وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.
كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله كان مخالفاً لفعلهم.
وعن الحسن وقتادة أن النبي قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.
فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.
فأمرهم الله بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.
ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.
والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.
والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.
فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.
وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.
ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.
ومن السائل؟
عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.
وعن قتادة.
إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.
قال في الكشاف.
الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها ﴾ ﴿ أيان يوم الدين ﴾ ولا يقال أيان نمت.
وكسر همزته لغة بني سليم.
وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.
وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.
وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.
ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.
والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.
أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.
وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.
عن النبي "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .
ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.
والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.
وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.
وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.
وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.
وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.
وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.
ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله .
واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله .
وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.
وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.
قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.
وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.
وقال بعضهم: "لما رجع من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.
فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.
فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .
أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.
وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ والطوع نفع.
وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ وقس على هذا.
ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.
قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.
ومنها أن آدم كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟
ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.
والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.
وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.
وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.
أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.
والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.
ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.
فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.
أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟
وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.
وعلى هذا فإنما قال ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.
فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله أعلم.
ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.
واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.
والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.
ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.
ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟
وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.
وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.
ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.
وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟
وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.
ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.
وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.
ثم لما أمره بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.
وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.
أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.
يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.
أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.
ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.
قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ .
التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.
﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.
﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً...
﴾ الآية.
قال عامة أهل التأويل: إن آدم وحواء لما أهبطا تغشاها آدم، فحملت، فأتاها إبليس فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟
قالت: لا أدري، قال: لعله بهيمة من هذه البهائم: ناقة، أو شاة، أو بقرة، قالت: لا أدري، فأعرض عنها، فلما أثقلت أتاها فقال: كيف تجدينك؟
قالت: إني لأخاف أن يكون الذي ذكرت، ما أستطيع القيام إذا قعدت إلا بجهد، قال: أفرأيت إن دعوت الله يجعله إنساناً مثلك ومثل آدم أتسمينه بي؟
قالت: نعم، فانصرف عنها، وقالت لآدم: لقد أتاني آت فخوفني بكذا، وإني لأخاف مما ذكر، فدعوا الله في ذلك بقوله: ﴿ دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً ﴾ ، يقول: جعلته إنساناً ﴿ لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ ، فكان هذا دعاؤهما قبل أن تلد، فلما ولدت أتاها إبليس وقال: ألا تسمينه بي كما وعدتني، قالت: نعم، ما اسمك؟
قال: اسمي الحارث، فسمته: عبد الحارث؛ فذلك قوله: ﴿ فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا ﴾ ؛ على هذا حمل أهل التأويل الآية [و] إلى آدم وحواء صرفوها، وذلك وخش من القول، قبيح في آدم وحواء ذلك، ولو ثبت ما قالوا: إنهما سميا ولدهما باسمه ونسباه إليه، لم يكن في ذلك إشراك؛ إذ لو كان في مثله إشراك لكان فيما أضاف العبيد والمماليك إلى الخلق إشراك في ألوهيته.
ثم التأويل عندنا على غير ما ذهبوا إليه - والله أعلم - وهو أن قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ يعني: من آدم، ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ : حواء، أي: خلق الذكور كلهم من آدم، وخلق الإناث كلهن من حوّاء؛ كقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أخبر أن الأزواج خلقهن من نفس الأزواج، فلما أضاف الزوجات إلى أنفس الأزواج وأنهن من أنفسهم خلقهن؛ كان قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ كل زوجة وزوج إذا تغشاها وحملت دعا آدم وحواء: ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ إذ جميع الأولاد أولادهما، يدعون الله في ذلك ليكون صالحاً؛ فمن كان مسلماً منهما كان بدعائهما؛ فعلى هذا التأويل يحصل دعاؤهما لأولادهما الذين يولدون إلى يوم القيامة؛ لأنهما أب وأم، وقد يدعو الوالدان لأولادهما بالصلاح والخير؛ على هذا يجوز أن يخرج تأويل الآية، وأما ما قاله أولئك فهو بعيد محال، والله أعلم.
وقال بعضهم: إن العرب كان إذا ولد لهم أولاد ذكور ينسبون إلى الأصنام التي يعبدونها ويضيفون إليها؛ تعظيماً لها؛ يقولون: ابن اللات، وابن العزى، وابن المناة، ونحو ذلك، وكانوا يقتلون البنات، وكان إذا أصابتهم الشدة يفزعون إلى الله ويتضرعون إليه؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ...
﴾ الآية [الزمر: 8]، ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ...
﴾ الآية [لقمان: 32]، فلما ذهب ذلك عنهم وانجلى عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ...
﴾ الآية [الزمر: 8]، فإذا كان من عادة العرب ما ذكرنا، كان إذا حملت زوجة منهم وثقل ما في بطنها، جعلا يدعوان الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ذكراً وسلمت من الولادة ﴿ لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً ﴾ يعني: ذكراً ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا ﴾ أي: جعلا لله شركاء في الولد الذي ولد لهما، وينسبونه إلى الأصنام التي كانوا يعبدونها، فذلك قوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا ﴾ فتعالى الله عما يشركون، والله أعلم بذلك.
وقال الحسن: الآية في مشركي العرب، إلا قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ فإن ذلك في آدم وحواء.
ألا ترى أنه قال: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ دل أنه ما ذكرنا.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ وهي نفس آدم ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي: خلق كل نفس منكم من تلك النفس، وجعل لكل نفس منكم زوجة من تلك النفس ليسكن إليها؛ فعلى هذا التأويل يصرف آخر الآية إلى غير آدم وحواء.
وقال القتبي: قوله ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ \[أي\]: استمرت بالحمل، وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ إن العرب كانت تعبد الأصنام تقليداً لآبائهم وسلفهم، فيذكر سفههم أن النفس التي [خلقتم] منها لم تقلد أحداً، ولم تشرك أحداً، إنما اتبعت ما في العقل حسنه، أو ما في السمع من الأمر، فكيف اتبعتم أنتم النفس التي خلقتم منها، وهي لم تتبع إلا ما ذكرنا دون ما اتبعتم في الإشراك له آباؤكم.
ولو كانت القصة في آدم على ما يقول أهل التأويل، فيكون العرب [بها] تعلق واقتداء، فيقولون: إنه أشرك، ونحن نشرك، فدل أنه ليس على ما قالوا:، ولكن على الوجوه التي ذكرنا.
وفي قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ دلالة أن ليس لأحد من البشر على آخر [فضل] من جهة الخلقة والنسبة؛ إذ كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة، وهم إخوة وأخوات، وإن كان لأحد فضل على آخر فإنما يكون لأعمال يكتسبها، وأخلاق محمودة ومحاسن: يختارها، وأما من جهة الخلقة فلا فضل لبعض على بعض؛ كقوله: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ .
يذكر سفههم أنهم يشركون في عبادته وألوهيته من يعلمون أنه لم يخلقهم، وإنما خلقهم الله - وتعالى - وهم مخلوقون؛ فصرف العبادة إلى غير الذي خلقهم سفه وجور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ .
يسفههم - أيضاً - أن في الشاهد لا يخضع أحد لأحد ولا يشكر له إلا مجازات لما سبق منه إليه من النعمة، أو لما يأمل في العاقبة من المنفعة، وأنتم تعبدون هذه الأصنام ولم يسبق منها إليكم شيء، ولا لكم رجاء يقع في العاقبة؛ فكيف تعبدونهم؟!
﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً ﴾ \[لا\] يدفعون عنهم الضر ﴿ وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ أي: ولا من قصد قصدهم بالكسر والإتلاف يملكون دفعه عن أنفسهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فلما استجاب الله دعاءهما، وأعطاهما ولدًا صالحًا كما دَعَوَا صَيَّرَا لله شركاء فيما وهبهما فَعَبَّدَا ولدهما لغيره، وسَمَّيَاهُ عبد الحارث، فتعالى الله وتنزه عن كل شريك، فهو المنفرد بالربوبية والألوهية.
<div class="verse-tafsir" id="91.Mplge"