الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٠٦ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال : ( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [ ويسبحونه وله يسجدون ] ) وإنما ذكرهم بهذا ليتشبه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم ; ولهذا شرع لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم لله ، عز وجل ، كما جاء في الحديث : " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ، يتمون الصفوف الأول ، ويتراصون في الصف " وهذه أول سجدة في القرآن ، مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع .
وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عدها في سجدات القرآن آخر [ تفسير ] سورة الأعراف ، ولله الحمد والمنة .
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا تستكبر، أيها المستمع المنصت للقرآن، عن عبادة ربك, واذكره إذا قرئ القرآن تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول, فإن الذين عند ربك من ملائكته لا يستكبرون عن التواضع له والتخشع, وذلك هو " العبادة ".
(84) =(ويسبحونه)، يقول: ويعظمون ربهم بتواضعهم له وعبادتهم (85) =(وله يسجدون)، يقول: ولله يصلون = وهو سجودهم = (86) فصلوا أنتم أيضًا له, وعظموه بالعبادة، كما يفعله من عنده من ملائكته.
* * * آخر تفسير سورة الأعراف (87) ------------------------ الهوامش: (84) انظر تفسير (( العبادة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عبد ) .
(85) انظر تفسير (( التسبيح )) فيما سلف 1 : 474 - 476 / 6 : 391 ، ومادة ( سبح ) في فهارس اللغة .
(86) انظر تفسير (( السجود )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سجد ) .
(87) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه: "والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيرا .
الحمد لله رب العالمين" .
قوله تعالى : إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدونفيه ثماني مسائل : الأولى : إن الذين عند ربك يعني الملائكة بإجماع .
وقال : عند ربك والله تعالى بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته ، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ; عن الزجاج .
وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله .
وقيل : لأنهم رسل الله ; كما يقال : عند الخليفة جيش كثير .
وقيل : هذا على جهة التشريف لهم ، وأنهم بالمكان [ ص: 319 ] المكرم ; فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة .
ويسبحونه أي ويعظمونه وينزهونه عن كل سوء .
وله يسجدون قيل : يصلون .
وقيل : يذلون ، خلاف أهل المعاصي .الثانية : والجمهور من العلماء في أن هذا موضع سجود للقارئ .
وقد اختلفوا في عدد سجود القرآن ; فأقصى ما قيل : خمس عشرة .
أولها خاتمة الأعراف ، وآخرها خاتمة العلق .
وهو قول ابن حبيب وابن وهب - في رواية - وإسحاق .
ومن العلماء من زاد سجدة الحجر ، قوله تعالى : وكن من الساجدين على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
فعلى هذا تكون ست عشرة .
وقيل : أربع عشرة ; قاله ابن وهب في الرواية الأخرى عنه .
فأسقط ثانية الحج .
وهو قول أصحاب الرأي والصحيح سقوطها ; لأن الحديث لم يصح بثبوتها .
ورواه ابن ماجه وأبو داود في سننهما عن عبد الله بن منين من بني عبد كلال عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن ; منها ثلاث في المفصل ، وفي الحج سجدتان .
وعبد الله بن منين لا يحتج به ; قاله أبو محمد عبد الحق .
وذكر أبو داود أيضا من حديث عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله ، أفي سورة الحج سجدتان ؟
.
قال : نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما .
في إسناده عبد الله بن لهيعة ، وهو ضعيف جدا .
وأثبتهما الشافعي وأسقط سجدة " ص " .
وقيل : إحدى عشرة سجدة ، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل .
وهو مشهور مذهب مالك .
وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهم .
وفي سنن ابن ماجه عن أبي الدرداء قال : سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء ، الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج سجدة والفرقان وسليمان سورة النمل والسجدة وص وسجدة الحواميم .
وقيل : عشر ، وأسقط آخرة الحج وص وثلاث المفصل ; ذكر عن [ ص: 320 ] ابن عباس .
وقيل : إنها أربع ، سجدة الم تنزيل و حم تنزيل والنجم والعلق .
وسبب الخلاف اختلاف النقل في الأحاديث والعمل ، واختلافهم في الأمر المجرد بالسجود في القرآن ، هل المراد به سجود التلاوة أو سجود الفرض في الصلاة ؟الثالثة : واختلفوا في وجوب سجود التلاوة ; فقال مالك والشافعي : ليس بواجب .
وقال أبو حنيفة : هو واجب .
وتعلق بأن مطلق الأمر بالسجود على الوجوب ، وبقوله عليه السلام : إذا قرأ ابن آدم سجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله .
وفي رواية أبي كريب يا ويلي وبقوله عليه السلام إخبارا عن إبليس لعنه الله : أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار .
أخرجه مسلم .
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليه .
وعول علماؤنا على حديث عمر الثابت - خرجه البخاري - أنه قرأ آية سجدة على المنبر فنزل فسجد وسجد الناس معه ، ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود ، فقال : أيها الناس على رسلكم !
إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء .
وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من الأنصار والمهاجرين .
فلم ينكر عليه أحد فثبت الإجماع به في ذلك .
وأما قوله : أمر ابن آدم بالسجود فإخبار عن السجود الواجب .
ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على الاستحباب !
والله أعلم .الرابعة : ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس ونية واستقبال قبلة ووقت .
إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير طهارة .
وذكره ابن المنذر عن الشعبي .
وعلى قول الجمهور هل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده وتكبير وتسليم ؟
اختلفوا في ذلك ; فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع للتكبير لها .
وقد روي في الأثر عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد كبر ، [ ص: 321 ] وكذلك إذا رفع كبر .
ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة .
واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة ; وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء ، ولا سلام لها عند الجمهور .
وذهب جماعة من السلف وإسحاق إلى أنه يسلم منها .
وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام .
وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب .
والأول أولى ; لقوله عليه السلام : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وهذه عبادة لها تكبير ، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل أولى ، لأنها فعل وصلاة الجنازة قول .
وهذا اختيار ابن العربي .الخامسة : وأما وقته فقيل : يسجد في سائر الأوقات مطلقا ; لأنها صلاة لسبب .
وهو قول الشافعي وجماعة .
وقيل : ما لم يسفر الصبح ، أو ما لم تصفر الشمس بعد العصر .
وقيل : لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر .
وقيل : يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر .
وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا .
وسبب الخلاف معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح .
واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين ، والله أعلم .السادسة : فإذا سجد يقول في سجوده : اللهم احطط عني بها وزرا ، واكتب لي بها أجرا ، واجعلها لي عندك ذخرا .
رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ; ذكره ابن ماجه .السابعة : فإن قرأها في صلاة ، فإن كان في نافلة سجد إن كان منفردا أو في جماعة وأمن التخليط فيها .
وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص جوازه .
وقيل : لا يسجد .
وأما في الفريضة فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها ، سواء كانت صلاة سر أو جهر ، جماعة أو فرادى .
وهو معلل بكونها زيادة في أعداد سجود الفريضة .
وقيل : معلل بخوف التخليط على الجماعة ; وهذا أشبه .
وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط .الثامنة : روى ، البخاري عن أبي رافع قال : صليت مع أبي هريرة العتمة ، فقرأ إذا السماء انشقت فسجد ; فقلت : ما هذه ؟
قال : سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ، فلا أزال [ ص: 322 ] أسجد فيها حتى ألقاه .
انفرد بإخراجه .
وفيه : وقيل لعمران بن حصين : الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها ؟
قال : أرأيت لو قعد لها !
كأنه لا يوجبه عليه .
وقال سلمان : ما لهذا غدونا .
وقال عثمان : إنما السجدة على من استمعها .
وقال الزهري : لا يسجد إلا أن يكون طاهرا ، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة ، فإن كنت راكبا فلا عليك ، حيث كان وجهك .
وكان السائب لا يسجد لسجود القاص والله أعلم .
ثم ذكر تعالى أن له عبادا مستديمين لعبادته، ملازمين لخدمته وهم الملائكة، فلتعلموا أن اللّه لا يريد أن يتكثر بعبادتكم من قلة، ولا ليتعزز بها من ذلة، وإنما يريد نفع أنفسكم، وأن تربحوا عليه أضعاف أضعاف ما عملتم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ من الملائكة المقربين، وحملة العرش والكروبيين.
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ بل يذعنون لها وينقادون لأوامر ربهم وَيُسَبِّحُونَهُ الليل والنهار لا يفترون.
وَلَهُ وحده لا شريك له يَسْجُدُونَ فليقتد العباد بهؤلاء الملائكة الكرام، وليداوموا على عبادة الملك العلام.
تم تفسير سورة الأعراف وللّه الحمد والشكر والثناء.
وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلم.
( إن الذين عند ربك ) يعني : الملائكة المقربين بالفضل والكرامة ، ( لا يستكبرون ) لا يتكبرون ، ( عن عبادته ويسبحونه ) وينزهونه ويذكرونه ، فيقولون : سبحان الله .
( وله يسجدون ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنبأنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنبأنا حاجب بن أحمد الطوسي ، ثنا عبد الرحيم بن منيب ، ثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش ، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ، فيقول : يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار " أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، ثنا حميد بن زنجويه ، ثنا محمد بن يوسف ، ثنا الأوزاعي ، عن الوليد بن هشام ، عن معدان قال : سألت ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : حدثني حديثا ينفعني الله به ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة " .
«إن الذين عند ربك» أي الملائكة «لا يستكبرون» يتكبَّرون «عن عبادته ويسبِّحونه» ينزهوِّنه عما لا يليق به «وله يسجدون» أي يخصونه بالخضوع والعبادة فكونوا مثلهم.
إن الذين عند ربك من الملائكة لا يستكبرون عن عبادة الله، بل ينقادون لأوامره، ويسبحونه بالليل والنهار، وينزهونه عما لا يليق به، وله وحده لا شريك له يسجدون.
ثم ذكر - سبحانه - ما يقوى دواعى الذكر ، وينهض بالهمم إليه ، بمدحه للملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فقال : ( إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ ) وهم ملائكة الملأ الأعلى .والمراد بالعندية القرب من الله - تعالى - بالزلفى والرضا لا المكانية لتنزهه - سبحانه - عن ذلك .( لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ) بل يؤدونها حسبما أمروا به بخضوع وطاعة .( وَيُسَبِّحُونَهُ ) أى : ينزهونه عن كل مالا يليق بجلاله على ابلغ وجه .( وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) أى : يخصونه وحده بغاية العبودية والتذلل والخضوع ، ولا يشركون معه أحداً فى عبادة من عباداتهم .أما بع : فهذه هى سورة الأعراف التى سبحت بنا سبحاً طويلا وهى تحدثنا عن أدلة وحدانية الله ، وعن هداية القرآن الكريم ، وعن مظاهر نعم الله على خلقه ، وعن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، وعن بعض الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم ، وكيف كانت عاقبة هؤلاء الأقوام ، وعن سنن الله - تعالى - فى إسعاد الأمم وإشقائها ، وغير ذلك من أصول التشريع وآداب الاجتماع ، وشئون البشر .وقد استعملت السورة فى أوامرها ونواهيها وتوجيهاتها أساليب التذكير بالنعم ، والتخويف من النقم ، وإيراد الحجج المقنعة ، ودفع الشبهات الفاسدة .وهذا تفسير لها تناولنا فيه بالشرح والتحليل ما اشتملت عليه من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، ومقاصد جليلة ، وحجج باهرة ، ومواعظ مؤثرة .والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، ونافعا لنا يوم الدين .والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: لما رغب الله رسوله في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه في ذلك فقال: ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ والمعنى: أن الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب، وحوادث الحقد والحسد، لما كانوا مواظبين على العبودية والسجود والخضوع والخشوع، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعداً للذات البشرية والبواعث الإنسانية أولى بالمواظبة على الطاعة، ولهذا السبب قال عيسى عليه السلام: ﴿ وَأَوْصَانِى بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ﴾ وقال لمحمد عليه السلام: ﴿ واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ﴾ .
المسألة الثانية: المشبهة تمسكوا بقوله: ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ ﴾ وقالوا لفظ ﴿ عِندَ ﴾ مشعر بالمكان والجهة.
وجوابه أنا ذكرنا البراهين الكثيرة العقلية والنقلية في هذه السورة عند تفسير قوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ على أنه يمتنع كونه تعالى حاصلاً في المكان والجهة.
وإذا ثبت هذا فنقول: وجب المصير إلى التأويل في هذه الآية وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ ولا شك أن هذه المعية بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا هاهنا، وأيضاً جاء في الأخبار الربانية أنه تعالى قال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة، فكذا هاهنا.
والوجه الثاني: إن المراد القرب بالشرف.
يقال: للوزير قربة عظيمة من الأمير، وليس المراد منه القرب بالجهة، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة.
والوجه الثالث: أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات.
والوجه الرابع: إنما قال تعالى في صفة الملائكة: ﴿ الذين عِندَ رَبّكَ ﴾ لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال: إن عند الخليفة جيشاً عظيماً، وإن كانوا متفرقين في البلد، فكذا هاهنا والله أعلم.
المسألة الثانية: تمسك أبو بكر الأصم رحمه الله بهذه الآية في إثبات أن الملائكة أفضل من البشر، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال: ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ والمعنى فأنت أولى وأحق بالعبادة، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل منه.
المسألة الرابعة: ذكر من طاعاتهم أولاً كونهم يسبحون، وقد عرفت أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى من كل سوء، وذلك يرجع إلى المعارف والعلوم، ثم لما ذكر التسبيح أردفه بذكر السجود، وذلك يرجع إلى أعمال الجوارح، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب، ويتفرع عليها أعمال الجوارح.
وأيضاً قوله: ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ يفيد الحصر ومعناه: أنهم لا يسجدون لغير الله.
فإن قيل: فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ والمراد أنهم سجدوا لآدم؟
والجواب: قال الشيخ الغزالي: الذين سجدوا لآدم ملائكة الأرض.
فأما عظماء ملائكة السموات فلا.
وقيل أيضاً: إن قوله: ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ يفيد أنهم ما سجدوا لغير الله، فهذا يفيد العموم.
وقوله: فسجدوا لآدم خاص، والخاص مقدم على العام.
واعلم أن الآيات الدالة على كون الملائكة مستغرقين في العبودية كثيرة، كقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ والله أعلم.
﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ ﴾ هم الملائكة صلوات الله عليهم.
ومعنى ﴿ عِندَ ﴾ دنوّ الزلفة، والقرب من رحمة الله تعالى وفضله، لتوفرهم على طاعته وابتغاء مرضاته ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره، وهو تعريض بمن سواهم من المكلفين.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس ستراً، وكان آدم شفيعاً له يوم القيامة» .
﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ عامٌّ في الأذْكارِ مِنَ القِراءَةِ والدُّعاءِ وغَيْرِهِما، أوْ أمْرٌ لِلْمَأْمُومِ بِالقِراءَةِ سِرًّا بَعْدَ فَراغِ الإمامِ عَنْ قِراءَتِهِ كَما هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ﴾ مُتَضَرِّعًا وخائِفًا.
﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ ومُتَكَلِّمًا كَلامًا فَوْقَ السِّرِّ ودُونَ الجَهْرِ فَإنَّهُ أدْخَلُ في الخُشُوعِ والإخْلاصِ.
﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ بِأوْقاتِ الغُدُوِّ والعَشِيّاتِ.
وقُرِئَ « والأيْصالِ» وهو مَصْدَرُ آصَلَ إذا دَخَلَ في الأصِيلِ وهو مُطابِقٌ لِلْغُدُوِّ.
﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي مَلائِكَةَ المَلَأِ الأعْلى.
﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ ويُسَبِّحُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ.
﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ ويَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ والتَّذَلُّلِ لا يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، وهو تَعْرِيضٌ بِمَن عَداهم مِنَ المُكَلَّفِينَ ولِذَلِكَ شَرَعَ السُّجُودَ لِقِراءَتِهِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ «إذا قَرَأ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي فَيَقُولُ: يا ويْلَهُ أمَرَ هَذا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ وأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النّارُ» وعَنْهُ «مَن قَرَأ سُورَةَ الأعْرافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ سِتْرًا وكانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
{إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ} مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة {لا يستكبرون عن عبادته}
الأعراف ١٩٥ تعظمون عنها {وَيُسَبّحُونَهُ} وينزهونه عما لا يليق به {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره والله أعلم
سورة الأنفال مدنية وهي خمس أو ست أو سبع وسبعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
الأنفال ١ ٢
﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ وهم مَلائِكَةُ المَلَأِ الأعْلى، فالمُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ القُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالزُّلْفى والرِّضا لا المَكانِيَّةُ لِتَنَزُّهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ عِنْدَ عَرْشِ رَبِّكَ، ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ بَلْ يُؤَدُّونَها حَسْبَما أُمِرُوا بِهِ ﴿ ويُسَبِّحُونَهُ ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِحَضْرَةِ كِبْرِيائِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ﴿ ولَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ أيْ: ويَخُصُّونَهُ بِغايَةِ العُبُودِيَّةِ والتَّذَلُّلِ لا يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وهو تَعْرِيضٌ بِمَن عَداهم مِنَ المُكَلَّفِينَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ (لَهُ)، وجازَ أنْ يُؤْخَذَ مِن مَجْمُوعِ الكَلامِ كَما آثَرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ لِأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلسّابِقِ عَلى مَعْنى: ائْتُوا بِالعِبادَةِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ كَما أُمِرْتُمْ فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِها كَذَلِكَ فَإنّا مُغْنَوْنَ عَنْكم وعَنْ عِبادَتِكم إنَّ لَنا عِبادًا مُكْرَمِينَ مِن شَأْنِهِمْ كَذا وكَذا، فالتَّقْدِيمُ عَلى هَذا لِلْفاصِلَةِ، ولِما في الآيَةِ مِنَ التَّعْرِيضِ شُرِعَ السُّجُودُ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ إرْغامًا لِمَن أبى مِمَّنْ عَرَّضَ بِهِ.
قِيلَ: وقَدْ جاءَ الأمْرُ بِالسَّجْدَةِ لِآيَةٍ أُمِرَ فِيها بِالسُّجُودِ امْتِثالًا لِلْأمْرِ، أوْ حَكى فِيها اسْتِنْكافَ الكَفَرَةِ عَنْهُ مُخالَفَةً لَهُمْ، أوْ حَكى فِيها سُجُودَ نَحْوِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَأسِّيًا بِهِمْ، وهَذا مِنَ القِسْمِ الثّانِي بِاعْتِبارِ التَّعْرِيضِ أوْ مِنَ القِسْمِ الأخِيرِ بِاعْتِبارِ التَّصْرِيحِ.
وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في سُجُودِهِ لِذَلِكَ كَما رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ««اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدَ سَوادِي وبِكَ آمَنَ فُؤادِي، اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي وعَمَلًا يَرْفَعُنِي»».
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ في سُجُودِ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ مِرارًا: «سَجَدَ وجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ»».
وجاءَ عَنْها أيْضًا: ««ما مِن مُسْلِمٍ سَجَدَ لِلَّهِ تَعالى سَجْدَةً إلّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِها دَرَجَةً، أوْ حَطَّ عَنْهُ بِها خَطِيئَةً، أوْ جَمَعَهُما لَهُ كِلْتَيْهِما»».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إذا قَرَأ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي يَقُولُ: يا ويْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ، وأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأبَيْتُ فَلِي النّارُ»».
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ إخْفاءَ الذِّكْرِ أفْضَلُ، ويُوافِقُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ»».
وهِيَ ناعِيَةٌ عَلى جَهَلَةِ زَمانِنا مِنَ المُتَصَوِّفَةِ ما يَفْعَلُونَهُ مِمّا يُسْتَقْبَحُ شَرْعًا وعَقْلًا وعُرْفًا، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.
* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ وهي الرُّوحُ ﴿ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ وهِيَ القَلْبُ.
﴿ لِيَسْكُنَ إلَيْها ﴾ أيْ: لِيَمِيلَ إلَيْها ويَطْمَئِنَّ فَكانَتِ الرُّوحُ تَشَمُّ مِنَ القَلْبِ نَسائِمَ نَفَحاتِ الألْطافِ ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ أيْ: جامَعَها وهو إشارَةٌ إلى النِّكاحِ الرُّوحانِيِّ، والصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّهُ سائِرٌ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ.
﴿ حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا ﴾ في البِدايَةِ بِظُهُورِ أدْنى أثَرٍ مِن آثارِ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ في القَلْبِ الرُّوحانِيِّ.
﴿ فَلَمّا أثْقَلَتْ ﴾ كَبُرَتْ وكَثُرَتْ آثارُ الصِّفاتِ ﴿ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما ﴾ لِأنَّهُما خافا مِن تَبَدُّلِ الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ النُّورانِيَّةِ بِالصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ الظُّلْمانِيَّةِ ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا ﴾ لِلْعُبُودِيَّةِ ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا ﴾ بِحَسْبِ الفِطْرَةِ مِنَ القُوى ﴿ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ﴾ أيْ: جَعَلَ أوْلادَهُما لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ فِيما آتى أوْلادَهُما فَمِنهم عَبْدُ البَطْنِ ومِنهم عَبْدُ الخَمِيصَةِ ومِنهم مَن عَبَدَ الدِّرْهَمَ والدِّينارَ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ كائِنًا ما كانَ ﴿ عِبادٌ أمْثالُكُمْ ﴾ في العَجْزِ وعَدَمِ التَّأْثِيرِ ﴿ فادْعُوهُمْ ﴾ إلى أيِّ أمْرٍ كانَ ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في نِسْبَةِ التَّأْثِيرِ إلَيْهِمْ ﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ أيْ: لَيْسَ لَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها بَلْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ هو الَّذِي يُمَشِّيهِمْ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ.
﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ إنَّ اسْتَطَعْتُمْ ﴿ إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ ﴾ حافِظِي ومُتَوَلِّي أمْرِي ﴿ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: مَن قامَ بِهِ في حالِ الِاسْتِقامَةِ ﴿ وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ الحَقَّ ولا حَقِيقَتَكَ لِأنَّهم عُمْيُ القُلُوبِ في الحَقِيقَةِ، والضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ أيِ: السَّهْلَ الَّذِي يَتَيَسَّرُ لَهم ولا تُكَلِّفُهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ﴿ وأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ أيْ: بِالوَجْهِ الجَمِيلِ، ﴿ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ فَلا تُكافِئْهم بِجَهْلِهِمْ.
عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةً أجْمَعَ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
قِيلَ: وذَلِكَ لِقُوَّةِ دَلالَتِها عَلى التَّوْحِيدِ؛ فَإنَّ مَن شاهَدَ مالِكَ النَّواصِي وتَصَرُّفَهُ في عِبادِهِ وكَوْنَهم فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا بِأنْفُسِهِمْ لا يُشاقُّهم ولا يُداقُّهم في تَكالِيفِهِمْ ولا يَغْضَبُ في الأمْرِ والنَّهْيِ ولا يَتَشَدَّدُ ويَحْلُمُ عَنْهُمْ، ﴿ وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ بِالشُّهُودِ والحُضُورِ فَإنَّكَ تَرى حِينَئِذٍ أنْ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا إشارَةٌ إلى ما يَعْتَرِي الإنْسانَ أحْيانًا مِنَ الغَضَبِ وإيماءً إلى عِلاجِهِ بِالِاسْتِعاذَةِ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الغَضَبَ إنَّما يَهِيجُ بِالإنْسانِ إذا اسْتُقْبِحَ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ثُمَّ اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ قادِرًا وفي المَغْضُوبِ عَلَيْهِ كَوْنَهُ عاجِزًا، وإذا انْكَشَفَ لَهُ نُورٌ مِن عالَمِ العَقْلِ عَرَفَ أنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ إنَّما أقْدَمَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِ داعِيَةً وقَدْ سَبَقَتْ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى تَرْكِهِ وحِينَئِذٍ يَتَغَيَّرُ غَضَبُهُ.
وقَدْ ورَدَ: مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ تَعالى في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، فالِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ تَعالى في المَعْنى طَلَبُ الِالتِجاءِ إلَيْهِ بِاسْتِكْشافِ ذَلِكَ النُّورِ، ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ ﴿ إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ لَمَّةٌ مِنهُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ مَقامَ التَّوْحِيدِ ومُشاهَدَةِ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ فَعالِيَّةَ اللَّهِ تَعالى لا شَيْطانَ ولا فاعِلَ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ في نَظَرِهِمْ ﴿ وإخْوانُهُمْ ﴾ أيْ: إخْوانُ الشَّياطِينِ مِنَ المَحْجُوبِينَ ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ الشَّياطِينُ ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ وهو نِسْبَةُ الفِعْلِ إلى السَّوِيِّ ﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ عَنِ العِنادِ والمِراءِ والجَدَلِ، و ﴿ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها ﴾ أيْ: جَمَعْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ، ﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ لِأنِّي قائِمٌ بِهِ لا بِنَفْسِي.
﴿ وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ أيْ: لِلْقُرْآنِ بِآذانِكُمُ الظّاهِرَةِ ﴿ وأنْصِتُوا ﴾ بِحَواسِّكُمُ الباطِنَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لَهُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ، أيْ: إذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لِلرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ فَإنَّهُ المُتَكَلِّمُ والمُخاطِبُ لَكم بِهِ.
﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ بِالسَّمْعِ الحَقِيقِيِّ أوْ بِرَحْمَةِ تَجَلِّي المُتَكَلِّمِ في كَلامِهِ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ بِأنْ تَتَحَلّى بِما يُمْكِنُ التَّحَلِّي بِهِ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: هو عَلى حَدِّ: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .
﴿ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ﴾ حَسْبَ اخْتِلافِ المَقامِ ﴿ ودُونَ الجَهْرِ ﴾ أيْ: دُونَ أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ مِنكَ بَلْ يَكُونُ ذاكِرًا بِهِ لَهُ ﴿ بِالغُدُوِّ ﴾ أيْ وقْتِ ظُهُورِ نُورِ الرُّوحِ ﴿ والآصالِ ﴾ أيْ: وقْتِ غَلَباتِ صِفاتِ النَّفْسِ.
﴿ ولا تَكُنْ ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ عَنْ شُهُودِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، وقالَ بَعْضُ الأكابِرِ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ﴾ إشارَةٌ إلى أعْلى المَراتِبِ وهو حِصَّةُ الواصِلِينَ المُشاهِدِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ودُونَ الجَهْرِ ﴾ إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الوُسْطى وهي نَصِيبُ السّائِرِينَ إلى مَقامِ المُشاهَدَةِ، وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ إيماءً إلى مَرْتَبَةِ النّازِلِينَ مِنَ السّالِكِينَ، وفي ذِكْرِ الخَوْفِ إشْعارٌ بِاسْتِشْعارِ هَيْبَةِ الجَلالِ كَما قالَ: أشْتاقُهُ فَإذا بَدا أطْرَقْتُ مِن إجْلالِهِ لا خِيفَةً بَلْ هَيْبَةً ∗∗∗ وصِيانَةً لِجَمالِهِ وذَكَرُوا أنَّ حالَ المُبْتَدِي والسّالِكِ مَنُوطَةٌ بِرَأْيِ الشَّيْخِ؛ فَإنَّهُ الطَّبِيبُ لِأمْراضِ القُلُوبِ، فَهو أعْرَفُ بِالعِلاجِ، فَقَدْ يَرى لَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ عِلاجًا حَيْثُ تَوَقُّفُ قَطْعِ الخَواطِرِ وحَدِيثِ النَّفْسِ عَلَيْهِ، وفي عَوارِفِ المَعارِفِ لِلسُّهْرَوَرْدِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: لا يَزالُ العَبْدُ يُرَدِّدُ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلى لِسانِهِ مَعَ مُواطَأةِ القَلْبِ حَتّى تَصِيرَ مُتَأصِّلَةً فِيهِ مُزِيلَةً لِحَدِيثِ النَّفْسِ ويَنُوبُ مَعْناها في القَلْبِ عَنْهُ، فَإذا اسْتَوْلَتِ الكَلِمَةُ وسَهُلَتْ عَلى اللِّسانِ تَشَرَّبَها القَلْبُ ويَصِيرُ الذِّكْرُ حِينَئِذٍ ذِكْرَ الذّاتِ، وهَذا الذِّكْرُ هو المُشاهَدَةُ والمُكاشَفَةُ والمُعايَنَةُ، وذاكَ هو المَقْصِدُ الأقْصى مِنَ الخَلْوَةِ، وقَدْ يَحْصُلُ ما ذُكِرَ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ أيْضًا إذا أكْثَرَ التِّلاوَةَ واجْتَهَدَ في مُواطَأةِ القَلْبِ مَعَ اللِّسانِ حَتّى تَجْرِيَ التِّلاوَةُ عَلى اللِّسانِ وتَقُومَ مَقامَ حَدِيثِ النَّفْسِ فَيَدْخُلُ عَلى العَبْدِ سُهُولَةٌ في التِّلاوَةِ والصَّلاةِ اهـ.
ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا ما حاصِلُهُ أنَّ بِنْيَةَ العَبْدِ تَحْكِي مَدِينَةً جامِعَةً، وأعْضاؤُهُ وجَوارِحُهُ بِمَثابَةِ سُكّانِ المَدِينَةِ، والعَبْدُ في إقْبالِهِ عَلى الذِّكْرِ كَمُؤَذِّنٍ صَعِدَ مَنارَةً عَلى بابِ المَدِينَةِ يَقْصِدُ إسْماعَ أهْلِ المَدِينَةِ الأذانَ، فالذّاكِرُ المُحَقِّقُ يَقْصِدُ إيقاظَ قَلْبِهِ وإنْباءَ أجْزائِهِ وأبْعاضِهِ بِذِكْرِ لِسانِهِ فَهو يَقُولُ بِبَعْضِهِ ويَسْمَعُ بِكُلِّهِ إلى أنْ تَنْتَقِلَ الكَلِمَةُ مِنَ اللِّسانِ إلى القَلْبِ فَيَتَنَوَّرُ بِها ويَظْفَرُ بِجَدْوى الأحْوالِ ثُمَّ يَنْعَكِسُ نُورُ القَلْبِ عَلى القالَبِ فَيَتَزَيَّنُ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ اهـ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ وهُمُ الفانُونَ الباقُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أرْبابُ الِاسْتِقامَةِ ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ لِعَدَمِ احْتِجابِهِمْ بِالأنانِيَّةِ ﴿ ويُسَبِّحُونَهُ ﴾ بِنَفْيِها ﴿ ولَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ بِالفِناءِ التّامِّ وطَمْسِ البَقِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى هو الباقِي لَيْسَ في الوُجُودِ سِواهُ.
* * * (سُورَةُ الأنْفالِ) مَدَنِيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ سُئِلَ الحَبْرُ عَنْها فَقالَ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في بَدْرٍ، وقِيلَ: هي مَدَنِيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ؛ فَإنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عَلى ما قالَهُ مُقاتِلٌ، ورَدَ بِأنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِعَيْنِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.
واسْتَثْنى آخَرُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ الآيَةَ.
وصَحَّحَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ وغَيْرُهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهي في الشّامِيِّ سَبْعٌ وسَبْعُونَ آيَةً، وفي البَصْرِيِّ والحِجازِيِّ سِتٌّ وسَبْعُونَ.
وفي الكُوفِيِّ خَمْسٌ وسَبْعُونَ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِسُورَةِ الأعْرافِ أنَّ فِيها: ﴿ وأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ وفي هَذِهِ كَثِيرٌ مِن أفْرادِ المَأْمُورِ بِهِ.
وفي تِلْكَ ذِكْرُ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أقْوامِهِمْ، وفي هَذِهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذِكْرُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، وقَدْ فَصَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى في تِلْكَ قَصَصَ آلِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ وما حَلَّ بِهِمْ، وأجْمَلَ في هَذِهِ ذَلِكَ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهِ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهِ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ وأشارَ هُناكَ إلى سُوءِ زَعْمِ الكَفَرَةِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها ﴾ وصَرَّحَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وبَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ القُرْآنَ هُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وأرْدَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِماعِ لَهُ والأمْرِ بِذِكْرِهِ تَعالى، وهُنا بَيَّنَ جَلَّ وعَلا حالَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ وحالَهم إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَبارَكَ اسْمُهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُناسَباتِ، والظّاهِرُ أنَّ وضْعَها هُنا تَوْقِيفِيٌّ وكَذا وضْعُ بَراءَةَ بَعْدَها، وهُما مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَسائِرِ السُّوَرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ كَما مَرَّ في المُقَدِّماتِ.
وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ ذِكْرَ هَذِهِ السُّورَةِ هُنا لَيْسَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما هو المُرَجَّحُ في سائِرِ السُّوَرِ بَلْ بِاجْتِهادٍ مِن عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ كانَ يَظْهَرُ في بادِي الرَّأْيِ أنَّ المُناسِبَ إيلاءُ الأعْرافِ بِيُونُسَ وهُودٍ لِاشْتِراكٍ في كُلٍّ في اشْتِمالِها عَلى قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّها مَكِّيَّةُ النُّزُولِ خُصُوصًا أنَّ الحَدِيثَ ورَدَ في فَضْلِ السَّبْعِ الطُّوَلِ وعَدُّوا السّابِعَةَ يُونُسَ، وكانَتْ تُسَمّى بِذَلِكَ كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، فَفي فَصْلِها مِنَ الأعْرافِ بِسُورَتَيْنِ فَصْلٌ لِلنَّظِيرِ مِن سائِرِ نَظائِرِهِ، هَذا مَعَ قِصَرِ سُورَةِ الأنْفالِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأعْرافِ وبَراءَةَ، وقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ قَدِيمًا حَبْرُ الأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ لِعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي وإلى بَراءَةَ وهي مَنِ المِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا البَسْمَلَةَ بَيْنَهُما ووَضَعْتُمُوهُما في السَّبْعِ الطُّوَلِ؟
ثُمَّ ذَكَرَ جَوابَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ أسْلَفْنا الخَبَرَ بِطُولِهِ سُؤالًا وجَوابًا، ثُمَّ قالَ: وأقُولُ: يَتِمُّ مَقْصِدُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في ذَلِكَ بِأُمُورٍ فَتَحَ اللَّهِ تَعالى بِها: الأوَّلُ: أنَّهُ جَعَلَ الأنْفالَ قَبْلَ بَراءَةَ مَعَ قِصَرِها لِكَوْنِها مُشْتَمِلَةً عَلى البَسْمَلَةِ فَقَدَّمَها لِتَكُونَ كَقِطْعَةٍ مِنها ومُفْتَتَحِها وتَكُونُ بَراءَةُ لِخُلُوِّها مِنَ البَسْمَلَةِ كَتَتِمَّتِها وبَقِيَّتِها.
ولِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ.
الثّانِي: أنَّهُ وضَعَ بَراءَةَ هُنا لِمُناسَبَةِ الطُّولِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ السِّتِّ السّابِقَةِ سُورَةٌ أطْوَلُ مِنها؛ وذَلِكَ كافٍ في المُناسَبَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ خَلَّلَ بِالسُّورَتَيْنِ أثْناءَ السَّبْعِ الطُّوَلِ المَعْلُومُ تَرْتِيبُها في العَصْرِ الأوَّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ صادِرٌ لا عَنْ تَوْقِيفٍ وإلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُبَيِّنَ كِلْتَيْهِما فَوُضِعا هُنا كالوَضْعِ المُسْتَعارِ بِخِلافِ ما لَوْ وُضِعا بَعْدَ السَّبْعِ الطُّوَلِ فَإنَّهُ كانَ يُوهِمُ أنَّ ذَلِكَ مَحَلُّهُما بِتَوْقِيفٍ ولا يُتَوَهَّمُ هَذا عَلى هَذا الوَضْعِ لِلْعِلْمِ بِتَرَتُّبِ السَّبْعِ.
فانْظُرْ إلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِها ولا يَغُوصُ عَلَيْها الأغْواصُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ أخَّرَهُما وقَدَّمَ يُونُسَ وأتى بَعْدَ بَراءَةَ بِهُودٍ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ لِمُراعاةِ مُناسَبَةِ السَّبْعِ وإيلاءِ بَعْضِها بَعْضًا لَفاتَ مَعَ ما أشَرْنا إلَيْهِ أمْرٌ آخَرُ آكَدُ في المُناسَبَةِ؛ فَإنَّ الأوْلى بِسُورَةِ يُونُسَ أنْ يُؤْتى بِالسُّورِ الخَمْسَةِ الَّتِي بَعْدَها لِما اشْتَرَكَتْ فِيهِ مِنَ المُناسَباتِ مِنَ القَصَصِ والِافْتِتاحِ بِ (الر) وبِذِكْرِ الكِتابِ، ومِن كَوْنِها مَكِّيّاتٍ ومِن تَناسُبِ ما عَدا الحِجْرَ في المِقْدارِ ومِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ نَبِيٍّ، والرَّعْدُ اسْمُ مَلَكٍ وهو مُناسِبٌ لِأسْماءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَهَذِهِ عِدَّةُ مُناسَباتٍ لِلِاتِّصالِ بَيْنَ يُونُسَ وما بَعْدَها وهي آكَدُ مِن هَذا الوَجْهِ الواحِدِ في تَقْدِيمِ يُونُسَ بَعْدَ الأعْرافِ، ولِبَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ قُدِّمَتْ سُورَةُ الحِجْرِ عَلى النَّحْلِ مَعَ كَوْنِها أقْصَرَ مِنها، ولَوْ أُخِّرَتْ بَراءَةُ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ السِّتِّ لَبَعُدَتِ المُناسَبَةُ جِدًّا لِطُولِها بَعْدَ عِدَّةِ سُوَرٍ أقْصَرَ مِنها بِخِلافِ وضْعِ سُورَةِ النَّحْلِ بَعْدَ الحِجْرِ فَإنَّها لَيْسَتْ كَبَراءَةَ في الطُّولِ.
ويَشْهَدُ لِمُراعاةِ الفَواتِحِ في مُناسَبَةِ الوَضْعِ ما ذَكَرْناهُ مِن تَقْدِيمِ الحِجْرِ عَلى النَّحْلِ لِمُناسَبَةِ (الر) قَبْلَها، وما تَقَدَّمَ مِن تَقْدِيمِ آلِ عِمْرانَ عَلى النِّساءِ وإنْ كانَتْ أقْصَرَ مِنها لِمُناسَبَتِها البَقَرَةَ في الِافْتِتاحِ (بالم) وتَوالِي الطَّواسِينِ والحَوامِيمِ وتَوالِي العَنْكَبُوتِ والرُّومِ ولُقْمانَ والسَّجْدَةِ لِافْتِتاحِ كُلٍّ (بالم)، ولِهَذا قُدِّمَتِ السَّجْدَةُ عَلى الأحْزابِ الَّتِي هي أطْوَلُ مِنها، هَذا ما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيَّ، ثُمَّ ذُكِرَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى قَدَّمَ في مُصْحَفِهِ البَقَرَةَ والنِّساءَ وآلَ عِمْرانَ والأعْرافَ والأنْعامَ والمائِدَةَ ويُونُسَ راعى السَّبْعَ الطُّوَلَ فَقَدَّمَ الأطْوَلَ فالأطْوَلَ مِنها فالأطْوَلَ ثُمَّ ثَنى بِالمِئِينَ فَقَدَّمَ بَراءَةَ ثُمَّ النَّحْلَ ثُمَّ هُودَ ثُمَّ يُوسُفَ ثُمَّ الكَهْفَ وهَكَذا الأطْوَلُ، وجَعَلَ الأنْفالَ بَعْدَ النُّورِ.
ووَجْهُ المُناسَبَةِ أنَّ كُلًّا مَدَنِيَّةٌ ومُشْتَمِلَةٌ عَلى أحْكامٍ، وأنَّ في النُّورِ: ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ الآيَةَ.
وفي الأنْفالِ: ﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ ﴾ إلَخْ.
ولا يَخْفى ما بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِنَ المُناسَبَةِ؛ فَإنَّ الأُولى مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ بِما حَصَلَ وذُكِرَ بِهِ في الثّانِيَةِ فَتَأمَّلْ.
اهـ.
وأقُولُ: قَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا العَبْدِ الحَقِيرِ بِما لَمْ يَمُنَّ بِهِ عَلى هَذا المَوْلى الجَلِيلِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ حَيْثُ أوْقَفَنِي سُبْحانَهُ عَلى وجْهِ مُناسَبَةِ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها وهو لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ ما ذَكَرَهُ مِن عَدَمِ التَّوْقِيفِ في هَذا الوَضْعِ في غايَةِ البُعْدِ كَما يُفْهَمُ مِمّا قَدَّمْناهُ في المُقَدِّماتِ، وسُؤالُ الحَبْرِ وجَوابُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَيْسا نَصًّا في ذَلِكَ، وما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في أوَّلِ الأُمُورِ الَّتِي فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلَيْهِ غَيْرُ مُلائِمٍ بِظاهِرِهِ ظاهِرَ سُؤالِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ أفادَ أنَّ إسْقاطَ البَسْمَلَةِ مِن بَراءَةَ اجْتِهادِيٌّ أيْضًا ويُسْتَفادُ مِمّا ذَكَرَهُ خِلافُهُ، وما ادَّعاهُ مِن أنَّ يُونُسَ سابِعَةُ السَّبْعِ الطُّوَلِ لَيْسَ أمْرًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بَلْ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي رِوايَةٍ عِنْدَ الحاكِمِ أنَّها الكَهْفُ، وذَهَبَ جَماعَةٌ كَما قالَ في إتْقانِهِ: إلى أنَّ السَّبْعَ الطُّوَلَ أوَّلُها البَقَرَةُ وآخِرُها بَراءَةُ، واقْتَصَرَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ عَلى هَذا، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ السّابِعَةَ الأنْفالُ وبَراءَةُ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الفَيْرُوزَأبادِيُّ في قامُوسِهِ، وما ذَكَرَهُ في الأمْرِ الثّانِي يُغْنِي عَنْهُ ما عَلَّلَ بِهِ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
فَقَدْ أخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ يُدْعَيانِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القَرِينَتَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ جَعَلْتُهُما في السَّبْعِ الطُّوَلِ، وما ذَكَرَهُ مِن مُراعاةِ الفَواتِحِ في المُناسَبَةِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ؛ فَإنَّ الجِنَّ والكافِرُونَ والإخْلاصَ مُفْتَتَحاتٌ بِقُلْ مَعَ الفَصْلِ بِعِدَّةِ سُوَرٍ بَيْنَ الأُولى والثّانِيَةِ والفَصْلِ بِسُورَتَيْنِ بَيْنَ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لا يَخْلُو ما ذَكَرَهُ عَنْ نَظَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فَتَأمَّلْ.
قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وذلك أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة قبل نزول هذه الآية، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالسكوت.
وروى عبد الوهاب عن مجاهد عن أبي العالية الرياحي قال: كان النبي- - إذا صلى فقرأ وقرأ أصحابه خلفه حتى نزل وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فسكت القوم.
وقرأ النبي- - وروى قتادة عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال في الصلاة.
وروى مغيرة عن إبراهيم مثله، وسئل ابن عباس- ما- عن قوله: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ هذا لكل قارئ؟
قال: لا، ولكن هذا في الصلاة المفروضة.
وقال أبو هريرة- - مثله.
وقال مجاهد: وجب الإنصات في موضعين في الصلاة والإمام يقرأ، وفي الجمعة والإمام يخطب.
وعن مجاهد أنه قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم.
وقال عطاء والحسن إن هذا في الصلاة والخطبة.
ويقال: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا أي: اعملوا بما في كتاب الله تعالى ولا تجاوزوا عنه إلى غيره ثم قال لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لكي ترحموا فلا تعذبوا.
قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً يقول: اقرأ يا محمد إذا كنت إماماً بنفسك تضرعاً يعني: مستكيناً وَخِيفَةً يعني: وخوفاً من عذابه وهذا قول مقاتل.
وقال الكلبي: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ يعني: سراً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني: العلانية حتى يسمع من خلفك.
وقال الضحاك: معناه اجهر بالقراءة في الغداة والمغرب والعشاء وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ يعني: لا تغفل عن القراءة في الظهر والعصر، فإنك تخفي القراءة فيهما وروي عن رسول الله أنه قال «اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً خَامِلاً» قيل: وما الذكر الخامل؟
قال: «الذِّكْرُ الخَفِيُّ» .
قوله تعالى: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني: غدوة وعشية.
وروى يحيى بن أيوب عن خالد بن سعيد بن أبي هلال عن من سمع عقبة بن عامر قال: المسر بالقراءة كالمسر بالصدقة، والمعلن بالقراءة كالمعلن بالصدقة.
ثم قال: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن القراءة في الصلاة.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وذلك أن كفار مكة قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا [الفرقان: 60] واستكبروا عن السجود فنزل إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة لا يستكبرون عن عبادته يعني: لا يتعظمون ولا يستنكفون عن طاعته وَيُسَبِّحُونَهُ يقول: ويذكرونه وَلَهُ يَسْجُدُونَ يعني: يصلون.
وقال أهل اللغة: الآصال جمع الأُصل والأُصُل جمع الأَصِيل والآصال جمع الجمع يعني: العشيات والله أعلم بالصواب.
[الجزء الثاني]
كان يتأخَّر أحياناً، فكان الكُفَّار يقولون: هَلاَّ اجتبيتها، أي: اخترتها، فأمره اللَّه عزَّ وجلَّ أنْ يجيب بالتسْلِيمِ للَّه، وأَنَّ الأمر في الوحْي إِليه ينزِّله متى شاء، ثم أشار بقوله: هذا بَصائِرُ إلى القرآن، أي: علاماتُ هُدًى، وأنوارٌ تستضيء القلوبُ به.
وقوله سبحانه: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، ذكر الطبريّ وغيره أن أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانوا بمكَّةَ يتكلَّمون في المكتوبةِ بحوائجهم، فنزلتِ الآية أمْراً لهم بالاستماع والإنصات في الصَّلاة، وأما قولُ من قال: إِنها في الخُطْبة، فضعيفٌ، لأن الآية مكِّيَّة، والخُطْبَة لم تُكنْ إِلا بعد الهِجْرة، وألفاظ الآية على الجملة تتضمَّن تعظيم القُرْآن وتوقيرَهُ، وذلك واجبٌ في كل حالة، والإِنصاتُ: السكوتُ.
قال الزجَّاج: ويجوز أن يكون: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا، أي: اعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه.
قالَ ابنُ العربيِّ في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ، وأبو داود، عن عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ، قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ، فَلَمَّا انصرف، قال: «إنّي لأراكم تقرءون وَرَاءَ إمامكم، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيْ وَاللَّهِ، فَقَالَ: لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ القُرْآنِ فإِنَّه لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» «١» وقد رَوَى الناسُ في قراءة المأمومين خَلْفَ الإِمام بفاتحةِ الكِتَاب أحاديثَ كثيرةً، وأعظمهم في ذلك اهتبالا الدارقطنيُّ، وقد جمع البخاريُّ في ذلك جزءًا «٢» ، وكان رَأْيُهُ قراءةَ الفَاتحَةِ خلْفَ الإِمامِ في الصلاة الجهريَّة، وهي إِحدى روايات مالكٍ، وهو اختيارُ الشافعيِّ.
انتهى، وقد تقدَّم أول الكتاب ما اختاره ابن العربيّ.
وقوله سبحانه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ...
الآية: مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم/، وتعمُّ جميعَ أمته، وهو أمر من اللَّه تعالَى بذكْره وتسبيحِهِ وتقديسِهِ، والثناءِ عليه بمحامدِهِ، والجمهورُ على أن الذِّكْر لا يكون في النفْسِ، ولا يراعَى إِلا بحركه اللسَانِ، ويُدلُّ على ذلك من هذه الآية قوله: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ، وهذه مرتبةُ السرِّ، والمخافتة.
وقال الفَخْر «٣» : المراد بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ، كونه عارفا بمعاني
الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضراً لصفاتِ الجلالِ والعظمة، وذلك أن الذكْرَ باللِّسَان، إِذَا كان عارياً عن الذكْر بالقلْب، كان عدِيمَ الفائدة، ألاَ تَرَى أن الفقهاء أجمَعُوا على أنَّ الرجُلَ، إِذا قال: بِعْتُ واشتريت مع أنَّه لاَ يَعْرفُ معانِي هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئاً، فإِنه لا ينعقد البَيْعُ والشراءُ، فكذلك هنا، قال المتكلِّمون: وهذه الآية تدُلُّ على إثبات كلامِ النفْس.
وقوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ، يدُلُّ على أن الذكْرَ القلبيَّ يجبُ أن يكون دائماً، وألاَّ يغفُلَ الإنسان لحظةً عن استحضار جلالِ اللَّهِ وكبريائِهِ بقَدْر الطاقةِ البشريَّة، وتحقيقُ القول في هذا أنَّ بَيْنَ الرُّوحِ والبدنِ عَلاَقةً عجيبةً لأَن كلَّ أثر يحصُلُ في البدَنَ يصْعَدُ منه نتائجُ إِلى الرّوحِ أَلاَ تَرَى أنَّ الإِنسان إِذا تخيَّل الشيء الحامِضَ، ضَرَسَ منه، وإِذا تخيل حالَةً مكروهةً، أو غَضِبَ، سَخِنَ بدنه.
انتهى.
وتَضَرُّعاً: معناه: تذُّلَلاً وخُضُوعاً، البخاريُّ: وَخِيفَةً، أي: خوفاً انتهى.
وقوله: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: معناه: دَأَباً، وفي كلِّ يوم، وفي أطرافِ النهارِ، وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ تنبيهٌ منه عزَّ وجلَّ، ولما قال سبحانه: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: جَعَل بعد ذلك مثالاً من اجتهاد الملائِكَةِ لِيَبْعَثَ على الجِدِّ في طاعة اللَّهِ سبحانه.
ت: قال صاحبُ «الكلم الفارقية» : غفلةُ ساعةٍ عَنْ ربِّك مَكْدَرَة لمرآةِ قَلْبِكَ فكَيْفَ بِغَفْلَة جميعِ عُمْرك.
انتهى.
قال ابن عطاء اللَّهِ رحمه اللَّه: لا تتركُ الذِّكْر، لِعَدَمِ حُضُورك مع اللَّه فيه لأن غفلتك عن وُجودِ ذكْرِهِ أشدَّ مِنْ غفلتك في وجودِ ذكْرِهِ فعسى أن يرفعك مِنْ ذكْرٍ مع وجود غفلة، إِلى ذكْرٍ مع وجودِ يَقَظَةٍ، ومن ذِكْرٍ مع وجود يقظةٍ إِلى ذكْرٍ مع وجودِ حُضُورٍ، ومِنْ ذكْرٍ مع وجود حضور، إِلى ذكْرٍ مع وجود غيبة عمَّا سوى المذْكُور، وما ذلك على اللَّه بعزيز.
انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه» : قوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: أي:
فيما أُمِرْتَ به، وكُلِّفْتَه، وهذا خطابٌ له عليه السلام، والمراد به جميعُ أمته.
انتهى.
وقوله: الَّذِينَ، يريد به الملائكةَ.
وقوله: عِنْدَ، إِنما يريد به المنزلةَ، والتشريف، والقُرْبَ في المكانة، لا في المكان، فَهُمْ بذلك عنده، ثم وصف سبحانه حَالَهُمْ مِنْ تواضعهم، وإِدمانهم العبادة، والتَسبيحَ والسُّجودَ» ، وفي الحديث: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ
إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ رَاكعٌ، أَوْ سَاجِدٌ» «١» وهذا موضع سجدة.
/ قال عَبْدُ الرحمن بْنُ محمَّدٍ عفا اللَّه عنه: كَمُلَ ما انتخبناه في تفسير السورة، والحمد لله على ما به أنعم، وصلَّى اللَّه على سيّدنا محمّد وآله وسلّم تسليما كثيرا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: لا يَتَكَبَّرُونَ ويَتَعَظَّمُونَ (عَنْ عِبادَتِهِ) وفي هَذِهِ العِبادَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الطّاعَةُ.
والثّانِي: الصَّلاةُ والخُضُوعُ فِيها.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَيُسَبِّحُونَهُ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يُنَزِّهُونَهُ عَنِ السُّوءِ.
والثّانِي: يَقُولُونَ: سُبْحانَ اللَّهَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ أيْ: يَصِلُونَ.
وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا: أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ تُخْبِرُ أنَّ المَلائِكَةَ وهم أكْبَرُ شَأْنًا مِنكم، لا يَتَكَبَّرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنَ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إذا قَرَأ ابْنُ آَدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي ويَقُولُ: يا ويْلَهُ، أمَرَ هَذا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ، وأُمْرِتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِي النّارُ"» .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ كانُوا بِمَكَّةَ يَتَكَلَّمُونَ في المَكْتُوبَةِ بِحَوائِجِهِمْ، ويَصِيحُونَ عِنْدَ آياتِ الرَحْمَةِ والعَذابِ، ويَقُولُ أحَدُهم إذا أتاهُمْ: صَلَّيْتُمْ؟
وكَمْ بَقِيَ؟
فَيُخْبِرُونَهُ، ونَحْوُ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ أمْرًا لَهم بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ في الصَلاةِ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "إنَّها في الخُطْبَةِ" فَضَعِيفٌ، لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والخُطْبَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ هِجْرَةِ النَبِيِّ مِن مَكَّةَ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرَ الزَهْراوِيُّ مِن أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يَقْرَأُ في الصَلاةِ والنَبِيُّ يَقْرَأُ، فَأمّا الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عَنِ الكَلامِ في الصَلاةِ فَإجْماعٌ، وأمّا الإمْساكُ والإنْصاتُ عَنِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُمْسِكُ المَأْمُومُ عَنِ القِراءَةِ جُمْلَةً قَرَأ الإمامُ جَهْرًا أو سِرًّا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَقْرَأُ المَأْمُومُ إذا أسَرَّ الإمامُ ويُمْسِكُ إذا جَهَرَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُمْسِكُ المَأْمُومُ في جَهْرِ الإمامِ عن قِراءَةِ السُورَةِ ويَقْرَأُ فاتِحَةَ الكِتابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعَ هَذا القَوْلِ أحادِيثُ صِحاحٌ عَنِ النَبِيِّ فَهَذِهِ الآيَةُ واجِبَةُ الحُكْمِ في الصَلاةِ أنْ يُنْصِتَ عَنِ الحَدِيثِ وما عَدا القِراءَةَ.
وواجِبَةُ الحُكْمِ أيْضًا في الخُطْبَةِ مِنَ السُنَّةِ لا مِن هَذِهِ الآيَةِ، ويَجِبُ مِنَ الآيَةِ الإنْصاتُ إذا قَرَأ الخَطِيبُ القُرْآنَ أثْناءَ الخُطْبَةِ، وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ الصَلاةِ عَلى النَدْبِ، أعْنِي في نَفْسِ الإنْصاتِ والِاسْتِماعِ إذا سَمِعَ الإنْسانُ قِراءَةَ كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا ما تَتَضَمَّنُهُ الألْفاظُ وتُعْطِيهِ مِن تَوْقِيرِ القُرْآنِ وتَعْظِيمِهِ فَواجِبٌ في كُلِّ حالَةٍ، والإنْصاتُ: السُكُوتُ، و"لَعَلَّكُمْ" عَلى تَرَجِّي البَشَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ نَسْتَوْعِبِ اخْتِلافَ العُلَماءِ في القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ إذْ ألْفاظُ الآيَةِ لا تَعْرِضُ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا عَنَّ ذَلِكَ في ذِكْرِ السَبَبِ ذَكَرْنا مِنهُ نُبْذَةً.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ قالَ: الإنْصاتُ يَوْمَ الأضْحى ويَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ وفِيما يَجْهَرُ بِهِ الإمامُ مِنَ الصَلاةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ جَمَعَ فِيهِ ما أوجَبَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وغَيْرُها مِنَ السُنَّةِ في الإنْصاتِ، قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ : اعْمَلُوا بِما فِيهِ ولا تُجاوِزُوهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ الآيَةُ.
مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وهو أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِذِكْرِهِ بِتَسْبِيحِهِ وذِكْرِهِ وتَقْدِيسِهِ والثَناءِ عَلَيْهِ بِمَحامِدِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الذِكْرَ لا يَكُونُ في النَفْسِ ولا يُراعى إلّا بِحَرَكَةِ اللِسانِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ فَهَذِهِ مَرْتَبَةُ السِرِّ والمُخافَتَةِ بِاللَفْظِ.
وَ"تَضَرُّعًا" مَعْناهُ: تَذَلُّلًا وخُضُوعًا، و"خِيفَةً" أصْلُها: خِوْفَةً، بُدِّلَتِ الواوُ ياءً لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْها، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ مَعْناهُ: دَأبًا وفي كُلِّ يَوْمٍ وفي أطْرافِ النَهارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ كانَتْ في صَلاةِ المُسْلِمِينَ قَبْلَ فَرْضِ الصَلَواتِ الخَمْسِ، وقالَ قَتادَةُ: "الغُدُوُّ: صَلاةُ الصُبْحِ، والآصالُ: صَلاةُ العَصْرِ"، والآصالُ: جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ: جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ.
وقِيلَ: الآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ دُونَ تَوَسُّطٍ كَإيمانٍ جَمْعِ يَمِينٍ، وآصالٌ أيْضًا جَمْعُ أصايِلَ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالِ" مَصْدَرٌ كالإصْباحِ والإمْساءِ، ومَعْناهُ: إذا دَخَلْتَ في الأصِيلِ، وفي الطَبَرِيُّ: قالَ أبُو وائِلٍ لِغُلامِهِ: هَلْ آصَلْنا بَعْدُ؟
﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ.
ولَمّا قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ جَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثالًا مِنِ اجْتِهادِ المَلائِكَةِ لِيَبْعَثَ عَلى الجِدِّ في طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ: "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ" إنَّما يُرِيدُ في المَنزِلَةِ والتَشْرِيفِ والقُرْبِ في المَكانَةِ لا في المَكانِ، فَهم بِذَلِكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى حالَهم مِن تَواضُعِهِمْ وإدْمانِهِمْ لِلْعِبادَةِ والتَسْبِيحِ والسُجُودِ.
وفي الحَدِيثِ: "أطَّتِ السَماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أو راكِعٌ أو ساجِدٌ"، وهَذا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ، قالَ النَخْعِيُّ في كِتابِ النَقّاشِ: إنْ شِئْتَ رَكَعْتَ وإنْ شِئْتَ سَجَدْتَ.
كَمُلَتْ سُورَةُ الأعْرافِ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
تتنزل منزلة العلة للأمر بالذكر، ولذلك صُدرت ب ﴿ إن ﴾ التي هي لمجرد الاهتمام بالخبر، لا لرد تردد أو إنكار، لأن المخاطب منزه عن أن يتردد في خبر الله تعالى، فحرف التوكيد في مثل هذا المقام يغني غناء فاء التفريع، ويفيد التعليل كما تقدم غير مرة، والمعنى: الحث على تكرر ذكر الله في مختلف الأحوال، لأن المسلمين مأمورون بالاقتداء بأهل الكمال من الملإ الأعلى، وفيها تعريض بالمشركين المستكبرين عن عبادة الله بأنهم منحطون عن تلك الدرجات.
والمراد ب ﴿ الذين عند ربك ﴾ الملائكة، ووجه جعل حال الملائكة علة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر: أن مرتبة الرسالةُ تلحق صاحبها من البشر برتبة الملائكة، فهذا التعليل بمنزلة أن يقال: اذكر ربك لأن الذكر هو شان قبيلك، كقول ابن دارة سالم بن مسافع: فإن تتقوا شراً فمثلُكم اتقى *** وإن تفعلوا خيراً فمثلكُمُ فعل فليس في هذا التعليل ما يقتضي أن يكون الملائكة أفضل من الرسل، كما يتوهمه المعتزلة لأن التشبه بالملائكة من حيث كان الملائكة أسبقَ في هذا المعنى؛ لكونه حاصلاً منهم بالجِبِلّة فهم مثل فيه، ولا شبهة في أن الفريق الذين لم يكونوا مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة، إذا تخلقوا بمثل خلق الملائكة، كان سُموهم إلى تلك المرتبة أعجب، واستحقاقهم الشكر والفضل له أجدر.
ووجه العدول عن لفظ الملائكة إلى الموصولية: ما تؤذن به الصلة من رفعة منزلتهم، فيتذرع بذلك إلى إيجاد المنافسة في التخلق بأحوالهم.
و ﴿ عند ﴾ مستعمل مجازاً في رفعة المقدار، والحظوة الآلهية.
وقوله: ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ ليس المقصود به التنويه بشأن الملائكة لأن التنويه بهم يكون بأفضل من ذلك، وإنما أريد به التعريض بالمشركين وأنهم على النقيض من أحوال الملائكة المقربين، فخليق بهم أن يكونوا بعداء عن منازل الرفعة، والمقصود هو قوله: ﴿ ويسبحونه ﴾ أي ينزهونه بالقول والاعتقاد عن صفات النقص، وهذه الصلة هي المقصودة من التعليل للأمر بالذكر.
واختيار صيغة المضارع لدلالتها على التجديد والاستمرار، أو كما هو المقصود وتقديم المعمول من قوله: ﴿ وله يسجدون ﴾ للدلالة على الاختصاص أي ولا يسجدون لغيره، وهذا أيضاً تعريض بالمشركين الذين يسجدون لغيره، والمضارع يفيد الاستمرار أيضاً.
وهنا موضع سجود من سجود القرآن، وهو أولها في ترتيب الصحف، وهو من المتفق على السجود فيه بين علماء الأمة، ومقتضى السجدة هنا أن الآية جاءت للحض على التخلق بأخلاق الملائكة في الذكر، فلما أخبرت عن حالة من أحوالهم في تعظيم الله وهو السجود لله، أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبادر بالتشبه بهم تحقيقاً للمقصد الذي سبق هذا الخبر لأجله.
وأيضاً جرى قبل ذلك ذكر اقتراح المشركين أن يأتيهم النبي صلى الله عليه وسلم بآية كما يقترحون فقال الله له: ﴿ قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ﴾ [الأعراف: 203] وبأن يأمرهم بالاستماع للقرآن وذكر أن الملائكة يسجدون لله، شرع الله عند هذه الآية سجوداً؛ ليظهر إيمان المؤمنين بالقرآن وجحود الكافرين به حين سجد المؤمنون، ويمسك المشركون الذين يحضرون مجالس نزول القرآن، وقد دل استقراء مواقع سجود القرآن أنها لا تعدو أن تكون إغاظة للمشركين أو اقتداء بالأنبياء أو المرسلين كما قال ابن عباس في سجدة، ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ﴾ [ص: 24] أن الله تعالى قال: ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ [الأنعام: 90] فداود ممن أمر محمد صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي به.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ وفي هَذا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذِكْرُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ خَلْفَ الإمامِ سِرًّا في نَفْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرٌ بِالقَلْبِ بِاسْتِدامَةِ الفِكْرِ حَتّى لا يَنْسى نِعَمَ اللَّهِ المُوجِبَةَ لِطاعَتِهِ.
والثّالِثُ: ذِكَرَهُ بِاللِّسانِ إمّا رَغْبَةً إلَيْهِ في دُعائِهِ أوْ تَعْظِيمًا لَهُ بِالآيَةِ.
وَفي المُخاطَبِ بِهَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُسْتَمِعُ لِلْقُرْآنِ إمّا في الصَّلاةِ أوِ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ومَعْناهُ عامٌّ في جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ﴾ أمّا التَّضَرُّعُ فَهو التَّواضُعُ والخُشُوعُ، وأمّا الخِيفَةُ فَمَعْناهُ مَخافَةٌ مِنهُ.
﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ يَعْنِي أسَرَّ القَوْلَ إمّا بِالقَلْبِ أوْ بِاللِّسانِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالبِكْرِ والعَشِيّاتِ.
والثّانِي: أنَّ الغُدُوَّ آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ونَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ.
﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَنِ الذِّكْرِ.
والثّانِي: عَنْ طاعَتِهِ في كُلِّ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
﴿ وَيُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ وهَذا أوَّلُ سَجَداتِ التِّلاوَةِ في القُرْآنِ.
وَسَبَبُ نُزُولِها ما قالَهُ كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿ وَما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا ﴾ .
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وأعْلَمَهم أنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ إذا كانُوا عَلى هَذِهِ الحالِ في الخُضُوعِ والرَّغْبَةِ فَأنْتُمْ بِذَلِكَ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
أخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي العريان المجاشعي عن ابن عباس.
أنه ذكر سجود القرآن فقال: الأعراف والرعد والنحل وبنو إسرائيل ومريم والحج سجدة واحدة، والنمل والفرقان والم تنزيل وحم تنزيل وص، وليس في المفصل سجود.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال: عد علي بن العباس عشر سجدات في القرآن.
الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج الأولى منها، والفرقان، والنمل، وتنزيل السجدة، وحم السجدة.
وأخرج ابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي الدرداء قال: «سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء.
الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج سجدة، والفرقان، وسليمان سورة النمل، والسجدة، وص وسجدة الحواميم» .
وأخرج أبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عمرو بن العاص «أن النبي صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَهُ خَمْسَ عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث من المفصل وفي سورة الحج سجدتين» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي عن ابن عمرو قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لوضع جبهته» .
وأخرج مسلم وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيتُ فليَ النار» .
وأخرج البيهقي عن ابن سيرين قال: سئلت عائشة عن سجود القرآن؟
فقالت: حق لله يؤديه أو تطوّع تطوّعه، وما من مسلم سجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة، أو جمعهما له كلتيهما.
وأخرج البيهقي عن مسلم بن يسار قال: إذا قرأ الرجل السجدة فلا يسجد حتى يأتي على الآية كلها، فإذا أتى عليه رفع يديه وكبر وسجد.
وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبَّر، وسجد وسجدنا معه.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والدارقطني والبيهقي عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل يقول في السجدة مراراً «سَجَدَ وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن السكن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره» قال: وبلغني أن داود عليه السلام كان يقول: سجد وجهي متعفراً في التراب لخالقي وحق له، ثم قال: سبحان الله ما أشبه كلام الأنبياء بعضهم ببعض.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول في سجوده: اللهم لك سجد سوادي وبك آمن فؤادي، اللهم ارزقني علماً ينفعني وعلماً يرفعني.
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة أنه كان يقول إذا قرأ السجدة: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، سبحان الله وبحمده ثلاثاً.
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: «كانوا يكرهون إذا أتوا على السجدة أن يجاوزوها حتى يسجدوا» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع قراءة آخر سورة الأعراف في كل جمعة على المنبر» .
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) (٣) فعلى هذا قوله: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يراد به: قرب الرحمة والفضل لأقرب المكان (٤) وقال غيره من أهل المعاني: (هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله عز وجل، يراد بذلك: أنهم بالمكان الذي كلامه وشرفه وجعل الأمور تصدر عنه).
وقال بعضهم: (إنما قيل في صفة الملائكة ﴿ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ لأنهم رسل الله إلى الإنس، كما يقال: إن عند الخليفة جيشًا عظيمًا وإن كانوا متفرقين في البلدان) (٥) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .
جاء هذا على الجواب لمن استكبر من الناس عن عبادة الله، كأنه قيل: من هو أكبر منك أيها الإنسان لا يستكبر عن عبادة الله (٦) (١) "تنوير المقباس" 2/ 151.
(٢) قال القرطبي 7/ 356: (يعني: الملائكة بإجماع) اهـ.
وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 188، والطبري 9/ 168، و"معاني الزجاج" 2/ 398، و"إعراب النحاس" 2/ 173، و"تفسير السمرقندي" 1/ 592، والثعلبي 6/ 35 أ، والماوردي 2/ 79.
(٣) "معاني الزجاج" 2/ 398.
(٤) انظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 199.
(٥) ذكر هذه الأقوال النحاس في "إعرابه" 1/ 663، والثعلبي 6/ 35 أ، والرازي 15/ 111، والقرطبي 7/ 356، والذي عليه أهل السنة والجماعة وهو ظاهر الآية أن عندية الملائكة عند ربهم عندية فوقية ومن لوازمها عندية القرب والمكانة والتشريف وما ذكره الواحدي وغيره تأويلات ليس عليها دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ولا من صحيح اللغة.
انظر: "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" للمغراوي ص 98.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 168، والسمرقندي 1/ 592، والماوردي 2/ 291.
إلى هنا انتهى الموجود في نسخة: (ب) وجاء في نسخة: (أ): (تمت المجلدة الثالثة بحمد الله وجميل صنعه، يتلوها في الرابعة -إن شاء الله تعالى- سورة الأنفال، في الثامن والعشرين من ذي الحجة لشهور سنة ست وستمائة هجرية 606هـ.
والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين.
غفر الله لصاحبه وكاتبه ولمن قال آمين من العالمين.
بقلم الفقير إلى الله عثمان بصليق الشافعي).
﴿ وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإنصات المأمور به هو لقراءة الإمام في الصلاة، والثاني: أنه الإنصات للخطبة، والثالث: أنه الإنصات لقراءة القرآن على الإطلاق وهو الراجح لوجهين: أحدهما: أن اللفظ عام ولا دليل على تخصيصه، والثاني أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ : قال بعضهم: الرحمة أقرب شيء إلي مستمع القرآن لهذه الآية ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ يحتمل أن يريد الذكر بالقلب دون اللسان، أو الذكر باللسان سراً، فعلى الأول يكون قوله: ودون الجهر من القول؛ عطف متغاير أي حالة أخرى، وعلى الثاني يكون بياناً وتفسيراً للأول ﴿ بالغدو والآصال ﴾ أي في الصباح والعشي والآصال جمع أُصُل والأُصل جمع أصيل؛ قيل: المراد صلاة الصبح والعصر، وقيل: فرض الخمس والأظهر الإطلاق ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ ﴾ هم الملائكة عليهم السلام، وفي ذكرهم تحريض للمؤمنين وتعريض للكفار ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ قدم المجرور لمعنى الحصر أي لا يسجدون إلا لله، والله أعلم.
القراءات: ﴿ طيف ﴾ بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.
الباقون: ﴿ طائف ﴾ على وزن "فاعل" ﴿ يمدونهم ﴾ من الإمداد: أبو جعفر ونافع.
الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿ العفو وأمر ﴾ مدغماً: أبو عمرو.
وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مبصرون ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿ لا يقصرون ﴾ ه ﴿ اجتبيتها ﴾ ط ﴿ من ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ من الغافلين ﴾ ه ﴿ يسجدون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة.
واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله ﴿ خذ العفو ﴾ ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو والمعروف.
والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق.
ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله : "يا جبرائيل ما هذا؟
فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" .
قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل.
يروى عن جعفر الصادق : ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا ﴿ خذ العفو ﴾ أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال.
والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي.
وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ.
قال أبو زيد: لما نزل قوله ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله : كيف يا رب والغضب؟
فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه.
عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب.
ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .
قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة.
والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه قبل تلك الوسوسة منه؟
ولو سلم فمحمول على ترك الأولى.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنه سميع عليم ﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.
ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ﴾ قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء.
والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً.
ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين.
قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته.
ومفعول ﴿ تذكروا ﴾ محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد.
واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال : "من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنهربما انقلب الضعيف قوياً.
وبالجملة فالمراد من قوله ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله ﴿ تذكروا ﴾ الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿ أولياؤهم الطاغوت ﴾ والضمير المرفوع في ﴿ يمدون ﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له.
والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي.
وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له.
قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن ﴿ إخوانهم ﴾ في مقابلة ﴿ الذين اتقوا ﴾ قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله ﴿ إنما نمدهم به من مال ﴾ \[المؤمنون: 55\] ﴿ وأمددناهم بفاكهة ﴾ ﴿ أتمدونن بمال ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ أما قوله ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ فالإقصار الكف عن الشيء.
قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.
ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ ثم إنه ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر.
والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟
وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿ إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي ﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها.
ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿ هذا ﴾ يعني القرآن ﴿ بصائر ﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿ هدى ﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان.
فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإنصات السكوت للاستماع.
قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر.
وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت.
وقال قتادة.
كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت.
ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.
وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه.
وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع.
واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا.
والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع.
وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور.
وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز.
قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.
وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام.
هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة.
وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله ﴿ ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق.
وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه.
ثم أمر نبيه وأمته تبعيته بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء.
والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء.
قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه.
قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة.
الثالث والرابع: ﴿ تضرعاً وخيفة ﴾ أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية.
والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة.
الخامس: قوله ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء.
قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.
السادس: قوله ﴿ بالغدو والآصال ﴾ والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته.
وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.
وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته.
إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.
وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.
السابع: قوله ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ فيداومون على ذلك ﴿ ويسبحونه ﴾ يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم ﴿ وله يسجدون ﴾ بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح.
وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح.
والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق.
التأويل: ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿ من الشيطان نزغ ﴾ في طلب غير الله ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من طلب غير الله ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال : "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.
﴿ طائف من الشيطان ﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿ وإخوانهم ﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ أي لم تأت القلوب ﴿ بآية ﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿ قالوا ﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿ قل إنما أتبع ﴾ إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني.
﴿ فاستمعوا ﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿ وأنصتوا ﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر" فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿ تضرعاً ﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿ وخيفة ﴾ في الوسط ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ﴿ ولا تكوننَّ من الغافلين ﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿ يسبحونه ﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿ وله يسجدون ﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ...
﴾ الآية.
أمر الله - - بالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له إذا قرئ وإن كان في العقل أن من خاطب آخر بمخاطبات يلزمه الاستماع إلى ما يخاطبه ويشافهه، فالله - - إذا خاطب بخطاب أولى أن يستمع له مع ما ذكر في غير موضع من القرآن آيات ما يوجب في العقل الاستماع إليه؛ كقوله: ﴿ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ وغير ذلك من الآيات، ولا سبيل إلى أن يعرف أنه بصائر، وأنه هدى وما ذكر إلا بالاستماع إليه والتفكر فيه؛ فدل أن الاستماع لازم في العقل من له أدنى عقل؛ على ما ذكرنا من المخاطبات، لكنه ذكر - هاهنا - الاستماع إليه - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: مقابل ما كانوا يقولون: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ ﴾ أمر - عز وجل - المؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ ، وأمر بالإنصات مكان ما يقولون: ﴿ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .
والثاني: يجوز أن يكون أمر بالاستماع إليه في الصلاة؛ على ما قال بعض أهل التأويل أنه في الصلاة.
وقال بعضهم: في حال الخطبة؛ لما يسبق إلى أوهامهم أنه لما اشتغلوا بغيرها من العبادات ولزموا أنواع القرب أن يسقط عنهم حق الاستماع، فأمر بالاستماع إليه، والإنصات له؛ ليعلموا أن حق الاستماع لازم في كل حال.
ثم الاستماع إليه يكون لتفهم ما أودع فيه من الأمر والنهي، والوعد، والوعيد، وغيره، والإنصات للتعظيم والتبجيل.
ثم الاستماع له لم يلزم لنفس التلاوة، ولكن إنما يلزم لما أودع فيه من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغيره؛ ليفهموا ما فيه، ويقبلوه، ويقوموا بوفاء ذلك، وأمّا سائر الأذكار إنما صارت عبادة لنفسها؛ لذلك لم يلزم الاستماع إلى سائر الأذكار، ولزم لتلاوة القرآن.
ولأن القرآن كلام الله وكتابه، ومن الجفاء والاستخفاف أن يكتب إنسان إلى أخيه كتاباً لا ينظر فيه ولا يستمع له؛ فترك الاستماع إلى كتاب الله أعظم في الجفاء والاستخفاف.
ولأن القرآن يجهر به، وسائر الأذكار لا تجهر، فإن كنت تجهر فيستمع لها كما يستمع إلى القرآن، والله أعلم.
وذكر في بعض القصة أن الآية نزلت في الصلاة؛ لأن رسول الله إذا قرأ في صلاته كانوا يقولون مثل [ما قال]، فنزلت الآية بالنهي عن ذلك، والأمر بالاستماع إليه والإنصات له.
وذكر أنهم كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار؛ فنزلت الآية لذلك، فلا ندري كيف كانت القصة؛ وفيم كانت؟
وقد يحتمل ما ذكرنا آنفاً.
ثم إن كانت الآية في الصلاة ففيه دلالة النهي عن القراءة خلف الإمام؛ لأنه أمر بالاستماع إليه والإنصات له، وعلى ذلك جاءت الأخبار؛ روي عن أبي العالية قال: كان نبي الله إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه، حتى نزل: ﴿ قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ فسكتوا.
وعن علباء بن أحمر "أن النبي قرأ في صلاة الفجر الواقعة، وقرأها رجل خلفه، فلما فرغ من الصلاة قال: من الذي ينازعني في هذه السورة فقال رجل: أنا يا رسول الله؛ فأنزل الله: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ " وغير ذلك من الأخبار.
فقال قوم: إن الإنصات الذي أمر به المؤتم معناه ألا يجهر بقراءته، وليس فيه نهي أن يقرأ في نفسه.
وزعم بعضهم أن القارئ خفيّاً يسمى ناصتاً [ومنصتاً]، واستدل بما روي عن أبي هريرة - - "[قال كان] رسول الله إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة، قلت: بأبي أنت، أرأيت سكاتك بين التكبير والقراءة، أخبرني ما تقول؟
قال : أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المغرب والمشرق" وغير ذلك من الدعوات، فقال هذا القائل: قد سمى النبي القارئ مخفياً ساكتاً، والصامت مثل الساكت، فيجوز أن يسمى صامتاً، وهو أن يقرأ مخفياً، كما يسمى ساكتاً.
قال القتبي: غلط هذا القائل في تشبيه الصامت بالساكت؛ لأن الأسماء لا تقاس، وإنما يطلق في كل واحد منهما ما أطلقته اللغة فيه.
ومما يبين غلطه أن الله يقول: ﴿ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ ، فلو كان القارئ مخفياً يسمى صامتاً ناصتاً ما كان مستمعاً، وإنما يكون مستمعاً صامتاً إذا صمت فلم يقرأ؛ فمن أطلق له أن يقرأ والإمام يقرأ فلم يستمع، ولا أنصت.
ومما يدل على غلطه - أيضاً - أن العلماء جميعاً ينهون المؤتم عن القراءة وإمامه يجهر بالقراءة، وإنما يأمر من يأمره بالقراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا سكت إمامه، ويأمر هؤلاء الإمام أن يقف ساعة إذا فرغ من قراءته حتى يقرأ المؤتمون، فلو كانوا يجعلون القارئ في نفسه والإمام يقرأ جهراً صامتاً ما أمروه بتأخير القراءة حتى يفرغ إمامه من القراءة؛ فهذا يبين غلط المستدل بحديث أبي هريرة في استدلاله.
ومما يدل على أن المؤتم منهي عن أن يقرأ والإمام يجهر ما روي عن أبي هريرة - - "أن النبي صلى بهم صلاة - فظن أنها الصبح - فلما سلم أقبل على الناس، قال: هل يقرأ أحد منكم؟!
فقال رجل: أنا، فقال النبي: إني أقول: مالي أنازع القرآن قال أبو هريرة: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه النبي " .
فقال قوم: إن أبا هريرة قال: انتهى الناس عن القراءة خلف النبي فيما جهر فيه.
فيقال: إن أبا هريرة لم يرو ذلك عن النبي.
ثم مما يدل [على] أن المؤتم لا يقرأ جهر الإمام أو خَافَتَ قول النبي: "مالي أنازع القرآن؟" وقد علمنا أن المؤتم لم يجهر بقراءته؛ فيتأول متأول منازعته النبي على أنه شغله؛ فلا وجه لقوله: "مالي أنازع القرآن؟" إلا بنهيه المؤتم عن أن يقرأ، جَهَرَ إمامُه أو خَافَتَ.
وقد روي عن النبي ما يبين النهي عن القراءة خلف الإمام فيما [يجهر فيه أو يخافت]: ما روي عن عمران "أن النبي صلى بأصحابه الظهر، فلما قضى صلاته قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟
فقال بعض الناس: أنا يا رسول الله، فقال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها" فبين عمران بن حصين أن الرجل خافت بقراءته؛ دل أن النهي الذي رواه أبو هريرة لم يكن في حال جهر الإمام دون مخافتته، وأن المؤتم منهي عن القراءة خلف الإمام في كل الصلوات.
وقد روي عن النبي بالنهي عن القراءة خلف الإمام أحاديث كثيرة: [منها:] ما روي عن أبي هريرة عن النبي وعمران بن حصين عنه، وما روي عن عبد الله: "كنا نقرأ خلف النبي فقال [رسول الله] : خلطتم على القرآن" فإن قيل: لعلهم كانوا يجهرون بالقرآن، فنهى عن الجهر.
قيل له: لم ينقل [لنا] في شيء من الأخبار أن المؤتمين كانوا يقرءون جهراً، ولو كانوا يقرءون جاهرين، لأدّي ذلك إلينا كما أدّي أنهم كانوا يقرءون.
وفي ذلك وجه آخر: أنه لم يكن النهي عن الجهر خاصة، ولكن للقراءة نفسها ما روي عن أبي وائل قال: سألت عبد الله ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام، فقال: أنصت، فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك ذلك الإمام.
وعن عبد الله بن شداد أن النبي قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" وعن جابر بن عبد الله "أن النبي صلى الله علي وسلم صلَّى ورجل خلفه يقرأ، فنهاه رجل من أصحاب النبي عن القراءة في الصلاة، فتنازعا فيه، حتى ذكر للنبي فقال: من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة" وعن أبي موسى، عن النبي أنه قال: "وإذا قرأ الإمام فأنصتوا" وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" وغير ذلك من الأحاديث.
وأكثر ما يحتج به المخالف لعلمائنا - رحمهم الله - أن رسول الله قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن" يرويه عبادة ابن الصامت.
قال سفيان: هذا عندنا فيمن يصلي وحده؛ فذلك يحتمل، والأحاديث التي جاءت مفسرة في النهي عن القراءة خلف الإمام.
فإن قال: يترك المؤتم القراءة فيما يجهر فيه إمامه بحديث أبي هريرة، ويقرأ فيما يخافت بحديث عبادة بن الصامت؛ ليصلح حديث أبي هريرة وحديث عبادة جميعاً.
قيل له: فهلا جعلته في المصلى وحده ليصح حديث عبادة، وحديث عمران بن حصين؛ لأن حديث عمران [بن حصين] ينهى عن [القراءة خلف الإمام] فيما خافت، وحديث أبي هريرة عن القراءة فيما يجهر فيه؛ فإن جعلت حديث أبي هريرة خارجاً عن عموم حديث عبادة، فذلك يوجب ألاَّ يقرأ المؤتم فيما يجهر فيه إمامه ويخافت، ويقال له: هل رأيت فرضاً من فرائض الصلاة يسقط عن المؤتم في حال، ويجب عليه في حال؟
فإن قال: لا.
قيل: ففي إسقاطك تلك القراءة عنه في حال الجهر ما أوجب عليك أن تسقطها عنه في حال المخافتة.
وقد احتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قالوا: وجدنا الرجل إذا جاء إلى الإمام وهو راكع فكبر ودخل في صلاته ولم يقرأ، فكل يجمع أن صلاته تجزئة، فدل ذلك أن القراءة غير فرض عليه.
فإن قال: إنما أطلق له ذلك للضرورة.
قيل: لو جاء إلى الإمام وهو ساجد، لم يعتد بتلك الركعة والضرورة قائمة، فلو كانت الضرورة تزيل فرضاً لأزالت الركوع عمن لحق إمامه وهو ساجد، فهي لا تزيل فرض القراءة عمن لحق إمامه، ولكن لا يلزمه القراءة خلف الإمام؛ فلذلك أجزأته صلاته لا للضرورة التي ذكرت، والله أعلم.
وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: لا قراءة على من خلف الإمام، منهم: علي، وابن مسعود، وجابر، [وسعد]، وأبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، م.
أما عن علي - - قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة.
وعن عبد الله قال: من قرأ خلف الإمام ملئ فوه تراباً.
وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له.
وعن سعد قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فمه جمرة.
وعن ابن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ خلف الإمام، قال: لا، فإذا صلى أحدكم وحده فليقرأ.
وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
وعن أبي سعيد أنه سئل عن القراءة خلف الإمام، قال: يكفيك ذلك الإمام.
وعن ابن عباس أن رجلاً سأله: أقرأ خلف الإمام؟
قال: لا.
إلى مثل هذه الأحاديث ذهب أصحابنا، وعلى ذلك دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .
اختلف أهل التأويل في الذكر الذي ذكر في الآية؛ منهم من صرف التأويل إلى كل ذكر.
ومنهم من صرفه إلى التلاوة؛ فإن كان ذكر الغدو والآصال كناية عن الليل والنهار فهو ذكر أحواله يذكر الله - عز وجل - بنعمه وإحسانه، وذكره بنعمه شكره، أو يذكره بقدرته وسلطانه، وذلك يحمله على الخضوع له والتواضع، أو يذكر أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وذلك يوجب الإقرار بالتقصير، والخوف لعقوبته، والرغبة في وعده؛ كأنه قال: واذكر ربك في كل حال من الليل والنهار إما شكراً لنعمه وإحسانه، وإما الإقرار بالتقصير في أمره ونهيه، وإما الخوف [لوعيده، وإما الرغبة] لوعده، فكأنه قال: اذكر ربك تضرعاً وتواضعاً وخيفة مع الخوف.
وإن كان تأويل الغدو والآصال كناية عن الغداة والعشي، فهو كناية عن التلاوة، وهو ما سبق من ذكر التلاوة من قوله: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ﴾ وقوله: ﴿ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ وتأويله - والله أعلم -: ولا تجهر بصلاتك في بعض صلاتك، ولا تخافت في بعضها.
أو أن يقال: لا تجهر الجهر العالي، ولا تخافت غاية المخافتة، ولكن بين ذلك.
أو أن يقول: لا تشتغل بالجهر، ولا بالمخافتة، ولكن اقرأ لما فيه، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .
وقرأ بعضهم: (وخفية) وهو من الإخفاء؛ حيث قال: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ ، وأما ظاهر القراءة فهو ﴿ وَخِيفَةً ﴾ ، وهو من الخوف.
وقال مجاهد: رخص الله أن تذكره في نفسك تضرعاً وخيفة، وأنت خلف الإمام تسمع قراءته.
﴿ وَٱلآصَالِ ﴾ ، قال أبو عوسجة: العشيات، الواحد: أصل وأصيل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ ﴾ .
معلوم أن رسول الله لم يكن من الغافلين في حال، ولكن على النهي لأمته؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، و ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ونحوه، نهاه أن يكونن ما ذكر؛ لما ذكرنا نهياً لغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ .
قالت المشبهة: لو لم يكن [بين الله] وبين الملائكة قرب الذات لكانوا هم والبشر بقوله: ﴿ عِندَ رَبِّكَ ﴾ سواء، لكان لا معنى لتخصيص الملائكة بذلك.
لكن التأويل عندنا في قوله: ﴿ عِندَ رَبِّكَ ﴾ : في الطاعة والخضوع، أو في الكرامة والمنزلة، ليس على قرب الذات، ولكن على ما وصف - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ وصفهم بالطاعة له والخضوع؛ فعلى ذلك الأول، ليس على قرب الذات، ولكن على ما ذكر من الطاعة والخضوع.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ﴾ ليس على أنه في الأرض يقترب منه إذا سجد؟!.
وأصل ما يضاف إلى الله من جزئية الأشياء يخرج مخرج تعظيم تلك الجزئيات؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ خصّ المساجد بالإضافة إليه، وإن كانت البقاع كلها له؛ تعظيماً لها، وكذلك قوله: الكعبة بيت الله الحرام، وإن كانت البيوت كلها له، ونحو ذلك مما أضاف ذلك إلى نفسه من جزئيات الأشياء؛ تعظيماً لذلك وإجلالا؛ فعلى ذلك الأول، أضافهم إلى نفسه إما لطاعة لهم إياه والخضوع، وإما لكرامة لهم والمنزلة، وإضافة كلية الأشياء إلى الله تخرج مخرج تعظيم الربّ؛ من ذلك قوله: ﴿ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
ومن الناس من استدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ لكنا نقول: إن الأفضل عند الله الأطوع له والأخضع والأتقى والأقوم لأمره ونهيه؛ على ما ذكرنا: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ لا نشير أن هؤلاء أفضل من هؤلاء، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.
وتأويل الآية - والله أعلم - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ...
﴾ الآية، أي: إنهم وإن لم تكن لهم حاجة إلى المأكل والمشرب وأنواع الحاجات لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم مع حاجتكم إلى الأكل والشرب وأنواع الحوائج أحرى وأولى ألا تستكبروا عن عبادته.
أو أن يقول: إن الذين تعبدون من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم أحق ألا تستكبروا عن عبادته؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة، فخرج هذا جواب ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُسَبِّحُونَهُ ﴾ .
التسبيح: هو وصف الرب - عز وجل - بالرفعة، والعظمة والجلال، والتعالي عن الأشباه والأمثال، وعما وصفه الملحدون.
والتسبيح: هو تنزيه الرب وتبرئته عن جميع معاني الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ .
السجود: هو الخضوع في الغاية، وليس في الآية دليل وجوب السجدة على من تلاها أو سمعها، إنما فيها الإخبار عن الساجدين أنهم سجدوا غير مستكبرين، وفي ذلك ترغيب في السجود، إلا أن النبي روي أنه سجد وسجد من معه.
وعن ابن عمر - - قال: "كان رسول الله يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضعاً يسجد فيه" .
وعن ابن عباس - -: "رأيت النبي سجد في ص" .
وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: "كان رسول الله يقرأ القرآن في غير صلاته، فيسجد ونسجد معه" .
وعن ابن مسعود - -: "كان رسول الله قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد، إلا شيخ كبير من قريش أخذ كفّاً من جص فرفعه إلى جبهته، فلقد رأيته قتل كافراً" .
وعن ابن عباس - - أنه ذكر سجود القرآن - أو عدّ - فقال: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج - سجدة واحدة - والفرقان، وطس، وآلم [تنزيل]، وص، وحم [تنزيل] وقال: وليس في المفصل سجود.
وعن ابن مسعود قال في السورة يكون في آخرها السجدة نحو الأعراف والنجم: إن شئت فاسجد ثم قم فاقرأ، وإن شئت فاركع.
وعن ابن مسعود: كان يسجد في الأعراف، وفي بني إسرائيل، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك.
واحتج بعض مشايخنا أن السجود على من تلا آية السجدة واجب: بما أجمع أهل العلم أن على المصلي إذا تلا الآية فيها السجدة أن يسجد في صلاته، فلو كان السجود تطوعاً ما كان لأحد أن يزيد في صلاته ما ليس منها؛ فدل ذلك على أن السجود واجب في الصلاة، وإذا كان في الصلاة واجباً فهو على كل واجب.
ومن الحجة لنا - أيضاً - ما روي أن النبي - - قرأ آيات فسجد فيها، فكان السجود فيها واجباً، كما أنه لما صلى صلاة العيدين كانت واجبة.
إن الذين عند ربك -أيها الرسول- من الملائكة لا يترفعون عن عبادته سبحانه، بل ينقادون لها مذعنين لا يفترون، وهم يُنزِّهون الله بالليل والنهار عما لا يليق به، وله وحده يسجدون.
من فوائد الآيات في الآيات بشارة للمسلمين المستقيمين على صراط نبيهم بأن ينصرهم الله كما نصر نبيه وأولياءه.
في الآيات جماع الأخلاق، فعلى العبد أن يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه.
على العبد إذا مَسَّه سوء من الشيطان -فأذنب بفعل محرم، أو ترك واجب- أن يستغفر الله تعالى، ويستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الماحية.