الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٠٥ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره ، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) [ ق : 39 ] وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، وهذه الآية مكية .
وقال هاهنا بالغدو - وهو أوائل النهار : ( والآصال ) جمع أصيل ، كما أن الأيمان جمع يمين .
وأما قوله : ( تضرعا وخيفة ) أي : اذكر ربك في نفسك رهبة ورغبة ، وبالقول لا جهرا ; ولهذا قال : ( ودون الجهر من القول ) وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء و [ لا ] جهرا بليغا ; ولهذا لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟
فأنزل الله : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) [ البقرة : 186 ] وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس ، أربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ; إن الذي تدعونه سميع قريب " وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) [ الإسراء : 110 ] فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه ، وسبوا من أنزله ، و [ سبوا ] من جاء به ; فأمره الله تعالى ألا يجهر به ، لئلا ينال منه المشركون ، ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم ، وليتخذ سبيلا بين الجهر والإسرار .
وكذا قال في هذه الآية الكريمة : ( ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) وقد زعم ابن جرير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قبله : أن المراد بهذه الآية : أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة .
وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به ، ثم المراد بذلك في الصلاة ، كما تقدم ، أو الصلاة والخطبة ، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان ، سواء كان سرا أو جهرا ، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه ، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال ، لئلا يكونوا من الغافلين ; ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون
القول في تأويل قوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (واذكر) أيُّها المستمع المنصت للقرآن، إذا قرئ في صلاة أو خطبة (72) =، (ربك في نفسك)، يقول: اتعظ بما في آي القرآن, واعتبر به, وتذكر معادك إليه عند سماعكه =(تضرعًا)، يقول: افعل ذلك تخشعًا لله وتواضعًا له.
(73) (وخيفة)، يقول: وخوفًا من الله أن يعاقبك على تقصير يكون منك في الاتعاظ به والاعتبار, وغفلة عما بين الله فيه من حدوده.
(74) =( ودون الجهر من القول)، يقول: ودعاء باللسان لله في خفاء لا جهار.
(75) يقول: ليكن ذكر الله عند استماعك القرآن في دعاء إن دعوت غير جهار، ولكن في خفاء من القول، كما:- 15619 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول)، لا يجهر بذلك.
15620 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول)، الآية قال: أمروا أن يذكروه في الصدور تضرعًا وخيفة.
15621 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي, عن أبيه, عن حيان بن عمير, عن عبيد بن عمير, في قوله: (واذكر ربك في نفسك) قال: " يقول الله إذا ذكرني عبدي في نفسه, ذكرته في نفسي, وإذا ذكرني عبدي وحده ذكرته وحدي, وإذا ذكرني في ملإ ذكرته في أحسنَ منهم وأكرم ".
(76) 15622 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قوله: (واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة) قال: يؤمر بالتضرع في الدعاء والاستكانة, ويكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء.
* * * وأما قوله: (بالغدو والآصال)، فإنه يعني بالبُكَر والعشِيَّات.
* * * وأما " الآصال " فجمع، واختلف أهل العربية فيها.
فقال بعضهم: هي جمع " أصيل ", كما " الأيمان " جمع " يمين ", و " الأسرار " جمع " سرير ".
(77) * * * وقال آخرون منهم: هي جمع " أصُل ", و " الأصُل " جمع " أصيل ".
(78) * * * وقال آخرون منهم: هي جمع " أصل " و " أصيل ".
قال: وإن شئت جعلت " الأصُل " جمعًا ل " لأصيل ", وإن شئت جعلته واحدًا.
قال: والعرب تقول: " قد دنا الأصُل " فيجعلونه واحدًا.
* * * قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب في ذلك, وهو أنه جائز أن يكون جمع " أصيل " و " أصُل ", لأنهما قد يجمعان على أفعال.
وأما " الآصال "، فهي فيما يقال في كلام العرب: ما بين العصر إلى المغرب.
* * * وأما قوله: (ولا تكن من الغافلين)، فإنه يقول: ولا تكن من اللاهين إذا قرئ القرآن عن عظاته وعبره, وما فيه من عجائبه, ولكن تدبر ذلك وتفهمه, وأشعره قلبك بذكر الله، (79) وخضوعٍ له، وخوفٍ من قدرة الله عليك, إن أنت غفلت عن ذلك.
15623 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (بالغدو والآصال) قال: بالبكر والعشي =( ولا تكن من الغافلين).
15624 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا معرّف بن واصل السعدي, قال: سمعت أبا وائل يقول لغلامه عند مغيب الشمس: آصَلْنا بعدُ؟
(80) 15625 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج قال مجاهد, قوله: (بالغدو والآصال) قال: " الغدو "، آخر الفجر، صلاة الصبح =(والآصال)، آخر العشي، صلاة العصر.
قال: وكل ذلك لها وقت، أول الفجر وآخره.
وذلك مثل قوله في " سورة آل عمران ": وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ، [سورة آل عمران: 41] .
وقيل: " العشي": مَيْل الشمس إلى أن تغيب, و " الإبكار ": أول الفجر.
(81) 15626 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن محمد بن شريك, عن ابن أبي مليكة, عن ابن عباس, سئل عن [صلاة الفجر, فقال: إنها لفي كتاب الله, ولا يقوم عليها] .....
ثم قرأ: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ، الآية [سورة النور: 36 ] .
(82) 15627 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة)، إلى قوله: (بالغدو والآصال)، أمر الله بذكره, ونهى عن الغفلة.
أما " بالغدو ": فصلاة الصبح = " والآصال ": بالعشي.
(83) ------------------ الهوامش : (72) رد ابن كثير ما ذهب إليه الطبري في تفسير هذه الآية فقال : (( زعم ابن جرير ، وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه للذكر على هذه الصفة .
وهذا بعيد ، مناف للإنصات المأمور به .
ثم إن المراد بذلك في الصلاة كما تقدم ، أو في الصلاة والخطبة .
ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان ، سواء كان سراً أو جهراً .
وهذا الذي قالاه ، لم يتابعا عليه .
بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال ، لئلا يكونوا من الغافلين )) .
تفسير ابن كثير 3 : 626 ، 627 .
وهذا الذي قاله هو الصواب المحض إن شاء الله .
(73) انظر تفسير (( التضرع )) فيما سلف 13 : 572 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(74) انظر تفسير (( الخوف )) فيما سلف 9 : 123 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(75) انظر تفسير (( الجهر )) فيما سلف 2 : 80 / 9 : 344 ، 358 / 11 : 368 .
(76) الأثر : 15621 - (( ابن التيمى )) ، هو : (( معتمر بن سليمان بن طرخان التيمى )) وأبوه (( سليمان بن طرخان التيمى )) ، وقد مضيا مرارًا .
و (( حيان بن عمر القيسمى الجريرى )) ، ثقة قليل الحديث روى عن عبد الرحمن بن سمرة ، وابن عباس ، وسمرة بن جندب وغيرهم .
روى عنه سليمان التيمى ، وسعيد الجريرى ، وقتاده .
مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/1/ 137 ، 165 ، والكبير 2/1/ 50 ، وابن أبي حاتم 1/2/ 244 .
و((عبيد بن عمير بن قتادة الجندعى )) ، قاص أهل مكة ، تابعى ثقة من كبار التابعين ، مضى برقم : 9180 ، 9181 ، 9189 ، وغيرها .
(77) (( السرير )) الذي جمعه (( أسرار )) ، هو (( سرير الكمأة )) ، وهو ما يكون عليها من التراب والقشور والطين ، وليس للكمأة عروق ، ولكن لها أسرار .
(78) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 239 .
(79) في المخطوطة والمطبوعة : (( بذكر الله )) ، والسياق يتطلب ما أثبت .
(80) الأثر : 15624 - (( معرف بن واصل السعدي )) ، (( أبو بدل )) أو (( أبو يزيد )) ، ثقة.
كان أمام مسجد بنى عمرو بن سعيد بن تميم ، أمهم ستين سنة ، لم يسه في صلاة قط ، لأنها كانت تهمه .
روى عن أبي وائل وإبراهيم التيمى ، والنخعى ، والشعبى .
وغيرهم .
مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 248 ، والكبير 4/2/30 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 410 .
و (( أبو وائل )) هو (( شقيق بن سلمة الأسدى )) ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يره ، حجة في العربية .
وقوله : (( آصل )) ، أي : دخل في الأصيل .
(81) الأثر : 15625 - آخر هذا الخبر ، مضى برقم : 7024 ، من طريق أخرى .
(82) الأثر : 15626 - (( محمد بن شريك المكى )) ، ثقة ، مضى برقم : 10260 ، مترجم في التهذيب ، وابن سعد 5 : 360 ، والكبير 1/1/112 ، وابن أبي حاتم 3/2/284 .
وهكذا جاء الخبر في المخطوطة ، كما هو في المطبوعة ، وأنا أكاد أقطع أنه خطأ وتحريف ، وفيه سقط ، ولكنى لم أجد الخبر بإسناده ، فلذلك لم أغيره ، ووجدت نص الخبر بغير إسناد في الدر المنثور 5: 52 ، عن صلاة الضحى ، لا صلاة الفجر ، وهو الصواب إن شاء الله قال : ( وأخرج ابن أبي شيبة ، والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس قال : إن صلاة الضحى لفي القرآن ؟
، وما يغوص عليها إلا غواص ، في قوله : " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ " فهذا صواب العبارة ، ولكني وضعت ما كان في المخطوطة والمطبوعة بين قوسين ، لأني لم أجد الخبر بإسناده .
ووضعت مكان السقط نقطاً .
ثم أتممت الآية إلى غايتها أيضاً .
(83) الأثر : 15627 - كان في المخطوطة والمطبوعة : (( ...
حدثنا يزيد قال ، حدثنا سويد قال ، حدثنا سعيد ...
)) ، زاد في الإسناد (( قال حدثنا سويد )) ، وهو خطأ محض ، وإنما كرر الكتابة كتب (( يزيد )) ، ثم كتب (( سويد ) ، وزاد في الإسناد .
وهذا إسناد دائر في التفسير ، آخره رقم : 15598 .
قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلينقوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة نظيره ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقد تقدم .
قال أبو جعفر النحاس : ولم يختلف في معنى واذكر ربك في نفسك أنه في الدعاء .
قلت : قد روي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءة في الصلاة .
وقيل : المعنى اقرأ القرآن بتأمل وتدبر .
تضرعا مصدر ، وقد يكون في موضع الحال .
وخيفة معطوف عليه .
وجمع خيفة خوف ; لأنه بمعنى الخوف ; ذكره النحاس .
وأصل خيفة خوفة ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها .
خاف الرجل يخاف خوفا وخيفة ومخافة ، فهو خائف ، وقوم خوف على الأصل ، وخيف على اللفظ .
وحكى الفراء أنه يقال أيضا في جمع خيفة خيف .
قال الجوهري : والخيفة الخوف ، والجمع خيف ، وأصله الواو .ودون الجهر أي دون الرفع [ ص: 318 ] في القول .
أي أسمع نفسك ; كما قال : وابتغ بين ذلك سبيلا أي بين الجهر والمخافتة .
ودل هذا على أن رفع الصوت بالذكر ممنوع .
على ما تقدم في غير موضعبالغدو والآصال قال قتادة وابن زيد : الآصال العشيات .
والغدو جمع غدوة .
وقرأ أبو مجلز " بالغدو والإيصال " وهو مصدر آصلنا ، أي دخلنا في العشي .
والآصال جمع أصل ; مثل طنب وأطناب ; فهو جمع الجمع ، والواحد أصيل ، جمع على أصل ; عن الزجاج .
الأخفش : الآصال جمع أصيل ; مثل يمين وأيمان .
الفراء : أصل جمع أصيل ، وقد يكون أصل واحدا ، كما قال الشاعر :ولا بأحسن منها إذ دنا الأصلالجوهري : الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب ، وجمعه أصل وآصال وأصائل ; كأنه جمع أصيلة ; قال الشاعر :لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائلويجمع أيضا على أصلان ; مثل بعير وبعران ; ثم صغروا الجمع فقالوا أصيلان ، ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال ; ومنه قول النابغة :وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحدوحكى اللحياني : لقيته أصيلالا .ولا تكن من الغافلين أي عن الذكر .
الذكر للّه تعالى يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بهما، وهو أكمل أنواع الذكر وأحواله، فأمر اللّه عبده ورسوله محمدا أصلا وغيره تبعا، بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصا خاليا.
تَضَرُّعًا أي: متضرعا بلسانك، مكررا لأنواع الذكر، وَخِيفَةً في قلبك بأن تكون خائفا من اللّه، وَجِلَ القلب منه، خوفا أن يكون عملك غير مقبول، وعلامة الخوف أن يسعى ويجتهد في تكميل العمل وإصلاحه، والنصح به.
وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ أي: كن متوسطا، لا تجهر بصلاتك، ولا تخافت بها، وابتغ بين ذلك سبيلا.
بِالْغُدُوِّ أول النهار وَالآصَالِ آخره، وهذان الوقتان لذكر الله فيهما مزية وفضيلة على غيرهما.
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ الذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم، فإنهم حرموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمن كل السعادة والفوز في ذكره وعبوديته، وأقبلوا على من كل الشقاوة والخيبة في الاشتغال به، وهذه من الآداب التي ينبغي للعبد أن يراعيها حق رعايتها، وهي الإكثار من ذكر اللّه آناء الليل والنهار، خصوصا طَرَفَيِ النهار، مخلصا خاشعا متضرعا، متذللا ساكنا، وتواطئا عليه قلبه ولسانه، بأدب ووقار، وإقبال على الدعاء والذكر، وإحضار له بقلبه وعدم غفلة، فإن اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه.
قوله تعالى : ( واذكر ربك في نفسك ) قال ابن عباس : يعني بالذكر : القراءة في الصلاة ، يريد يقرأ سرا في نفسه ، ( تضرعا وخيفة ) خوفا ، أي : تتضرع إلي وتخاف مني هذا في صلاة السر .
وقوله : ( ودون الجهر من القول ) أراد في صلاة الجهر لا تجهر جهرا شديدا ، بل في خفض وسكون ، يسمع من خلفك ، وقال مجاهد وابن جريج : أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع إليه في الدعاء والاستكانة دون رفع الصوت والصياح بالدعاء ( بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) أي : بالبكر والعشيات ، واحد آصال : أصيل مثل يمين وأيمان ، وهو ما بين العصر والمغرب .
«واذكر ربَّك في نفسك» أي سرا «تضرُّعا» تدللا «وخيفة» خوفا منه «و» فوق السر «دون الجهر من القول» أي قصدا بينهما «بالغدو والآصال» أوائل النهار وأواخره «ولا تكن من الغافلين» عن ذكر الله.
واذكر -أيها الرسول- ربك في نفسك تخشعًا وتواضعًا لله خائفًا وجل القلب منه، وادعه متوسطًا بين الجهر والمخافتة في أول النهار وآخره، ولا تكن من الذين يَغْفُلون عن ذكر الله، ويلهون عنه في سائر أوقاتهم.
ثم اختتمت السورة الكريمة بالحديث عن ذكر الله الذى هو طب القلوب ودواؤها وعافية الأبدان وشفاؤها فقالت : ( واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ .
.
.
) .أى : استحضر عظمة ربك - جل جلاله - فى قلبك .
واذكره بما يقربك إليه عن طريق قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك .وقوله ( تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ) فى موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أى : اذكره متضرعا متذللا له وخائفا منه - سبحانه - :وقوله ( وَدُونَ الجهر مِنَ القول ) معطوف على قوله ( فِي نَفْسِكَ ) أى : اذكر ربك ذكراً فى نفسك ، وذكرا بلسانك دون الجهر .والمراد بالجهر : رفع الصوت بإفراط ، وبما دونه مما هو أقل منه ، وهو الوسط بين الجهر والمخافتة ، قال ابن عباس : هو أن يسمع نفسه .وقوله ( بالغدو والآصال ) متعلق باذكر ، والغدو جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس .والآصال جمع أصيل وهو من العصر إلى الغروب .أى : اذكر ربك مستحضرا عظمته ، فى كل وقت ، وراقبه فى كل حال ، لا سيما فى هذين الوقتين لأنهما طرفا النهار ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه به كان جديرا برعاية ربه .قيل : وخص هذان الوقتان بالذكر لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد .
وما بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع لأمر المعاش .ثم نهى - سبحانه - عن الغفلة عن ذكره فقال : ( وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين ) الذين شغلتهم الدنيا عن ذكر الله .وفيه إشعار بطلب دوام ذكره - تعالى - واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية .قال بعض العلماء : ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن للذكر آدابا من أهمها :1 - أن يكون فى النفس لأن الإخفاء أدخل فى الإخلاص ، وأقرب إلى الإجابة ، وأبعد من الرياء .2 - أن يكون على سبيل التضرع وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير .3 - أن يكون على وجه الخيفة أى الخوف والخشية من سلطان الربوبية وعظمة الألوهية من المؤاخذة على التقصير فى العمل لتخشع النفس ويخضع القلب .4 - أن يكون دون الجهر لأنه أقرب إلى حسن التفكر ، وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال : " رفع الناس أصواتهم بالدعاء فى بعض الأسفار ، فقال لهم النبى صلى الله عليه وسلم يأيها الناس : اربعوا على أنفسكم - أى هونوا على أنفسكم - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً .
إن الذى تدعونه سميع قريب ، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " .5 - أن يكون باللسان لا بالقلب وحده ، وهو مستفاد من قوله ( وَدُونَ الجهر ) لأن معناه ومتكلما كلاماً دون الجهر ، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة ، معطوفاً على ( تَضَرُّعاً ) أو هو معطوف على ( فِي نَفْسِكَ ) أى : اذكره ذكراً فى نفسك وذكراً بلسانك دون الجهر .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ اعلم أن قارئاً يقرأ القرآن بصوت عال حتى يمكنهم استماع القرآن، ومعلوم أن ذلك القارئ ليس إلا الرسول عليه السلام، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ القرآن على القوم بصوت عال رفيع، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من تبليغ الوحي والرسالة، ثم إنه تعالى أردف ذلك الأمر، بأن أمره في هذه الآية بأن يذكر ربه في نفسه، والفائدة فيه: أن انتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة، لأنه بهذا الشرط أقرب إلى الاخلاص والتضرع.
المسألة الثانية: أنه تعالى أمر رسوله بالذكر مقيداً بقيود.
القيد الأول: ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ والمراد بذكر الله في نفسه كونه عارفاً بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضراً لصفات الكمال والعز والعلو والجلال والعظمة، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عارياً عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة.
ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال: بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم منها شيئاً، فإنه لا ينعقد البيع والشراء، فكذا هاهنا ويتفرع على ما ذكرنا أحكام: الحكم الأول: سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحداً من المريدين بالخلوة والذكر، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوماً، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب.
الحكم الثاني: قال المتكلمون: هذه الآية تدل على إثبات كلام النفس لأنه تعالى لما أمر رسوله بأن يذكر ربه في نفسه وجب الاعتراف بحصول الذكر النفساني ولا معنى لكلام النفس إلا ذلك.
فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد من الذكر النفساني العلم والمعرفة؟
قلنا: هذا باطل لأن الإنسان لا قدرة له على تحصيل العلم بالشيء ابتداء لأنه إما أن يطلبه حال حصوله أو حال عدم حصوله.
والأول باطل لأنه يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال.
والثاني باطل لأن ما لا يكون متصوراً، كان الذهن غافلاً عنه والغافل عن الشيء يمتنع كونه طالباً له فثبت أنه لا قدرة للإنسان على تحصيل التصورات، فامتنع ورود الأمر به، والآية دالة على ورود الأمر بالذكر النفساني، فوجب أن يكون الذكر النفساني معنى مغايراً للمعرفة والعلم والتصور، وذلك هو المطلوب.
الحكم الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ ولم يقل: واذكر إلهك ولا سائر الأسماء، وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه ربا، وأضاف نفسه إليه، وكل ذلك يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان، والمقصود منه، أن يصير العبد فرحاً مبتهجاً عند سماع هذا الاسم، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام نعم الله عليه، وبالحقيقة لا يصل عقله إلى أقل أقسامها، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء، فإذا سمع بعد ذلك قوله: ﴿ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ﴾ عظم الخوف، وحينئذ تحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف، وعنده يكمل الإيمان على ما قال عليه السلام: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» إلا أن هنا دقيقة، وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف، فلما وقع الابتداء بما يوجب الرجاء، علمنا أن جانب الرجاء أقوى.
القيد الثاني: من القيود المعتبرة في الذكر حصول التضرع، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ وهذا القيد معتبر، ويدل عليه القرآن، والمعقول.
أما القرآن فقوله في سورة الأنعام ﴿ قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ وأما المعقول: فلأن كمال حال الإنسان إنما يحصل بانكشاف أمرين: أحدهما: عزة الربوبية، وهذا المقصود، إنما يتم بقوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ الثاني: بمشاهدة ذلة العبودية وذلك إنما يكمل بقوله: ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ فالانتقال من الذكر إلى التضرع يشبه النزول من المعراج، والانتقال من التضرع إلى الذكر يشبه الصعود، وبهما يتم معراج الأرواح القدسية وهاهنا بحث وهو أن معرفة الله من لوازمها التضرع، والخوف، والذكر القلبي يمتنع انفكاكه عن التضرع والخوف، فما الفائدة في اعتبار هذا التضرع والخوف؟
وأجيب عنه بأن المعرفة لا يلزمها التضرع والخوف على الإطلاق، لأنه ربما استحكم في عقل الإنسان أنه تعالى لا يعاقب أحداً لأن ذلك العقاب إيذاء للغير، ولا فائدة للحق فيه.
وإذا كان كذلك لا يعذب فإذا اعتقد هذا، لم يكمل التضرع والخوف.
فلهذا السبب نص الله تعالى على أنه لابد منه وأجيب عنه بأن الخوف على قسمين: الأول: خوف العقاب، وهو مقام المبتدين.
والثاني: خوف الجلال وهو مقام المحققين، وهذا الخوف ممتنع الزوال وكل من كان أعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل، وأجيب عن هذا الجواب بأن لأصحاب المكاشفات مقامين: مكاشفة الجمال، ومكاشفة الجلال، فإذا كشفوا بالجمال عاشوا، وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، ولا بد في مقام الذكر من رعاية الجانبين.
القيد الثالث: قوله: ﴿ وَخِيفَةً ﴾ وفي قراءة أخرى ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ وقال الزجاج: أصلها خوفة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، أقول هذا الخوف يقع على وجوه: أحدها: خوف التقصير في الأعمال.
وثانيها: خوف الخاتمة.
والمحققون خوفهم من السابقة، لأنه إنما يظهر في الخاتمة ما سبق الحكم به في الفاتحة، ولذلك كان عليه السلام يقول: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة».
وثالثها: خوف أني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصر لها ولا حد بطاعاتي الناقصة وأذكاري القاصرة؟
وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول: الشكر شرك، فسألوني عن هذه الكلمة فقلت: لعل المراد والله أعلم أن من حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره فقد أشرك.
لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد يقول: منك النعمة ومني الشكر، ولا شك أن هذا شرك، فأما إذا أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع، فهناك يشم فيه رائحة العبودية.
وأما القراءة الثانية: وهو قوله: ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ فالإخفاء في حق المبتدين يراد لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة، وفي حق المنتهين المقربين منشؤه الغيرة، وذلك لأن المحبة إذا استكملت أوجبت الغيرة، فإذا كمل هذا التوغل وحصل الفناء، وقع الذكر في حين الإخفاء بناء على قوله عليه السلام: «من عرف الله كل لسانه».
القيد الرابع: قوله: ﴿ وَدُونَ الجهر مِنَ القول ﴾ والمراد منه أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطاً بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ وقال عن زكريا عليه السلام: ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً ﴾ قال ابن عباس: وتفسير قوله: ﴿ وَدُونَ الجهر مِنَ القول ﴾ المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه، فإن المراد حصول الذكر اللساني، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه، فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني، ولا يزال يتقوى كل واحد من هذه الأركان الثلاثة، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض، وتصير هذه الانعكاسات سبباً لمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام.
والقيد الخامس: قوله: ﴿ بالغدو والأصال ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في لفظ الغدو قولان: القول الأول: أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدواً غدوا، ومنه قوله تعالى: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ﴾ أي غدوها للسير، ثم سمى وقت الغدو غدواً، كما يقال: دنا الصباح أي وقته، ودنا المساء أي وقته.
القول الثاني: أن يكون الغدو جمع غدوة، قال الليث: الغدو جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة، وأما ﴿ الآصال ﴾ فقال الفراء: واحدها أصل وواحد الأصل الأصيل.
قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل واليوم بليلته، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني، فسمى آخر النهار أصيلاً، لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.
المسألة الثانية: خص الغدو والآصال بهذا الذكر، والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية.
وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر.
ومن الناس من قال: ذكر هذين الوقتين والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.
عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿ الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ ﴾ لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام.
والقيد السادس: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين ﴾ والمعنى أن قوله: ﴿ بالغدو والأصال ﴾ دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلاً في كل الأوقات وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين ﴾ يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائماً، وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية والقوة الإنسانية، وتحقيق القول، أن بين الروح وبين البدن علاقة عجيبة، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر إلى البدن، وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج إلى الروح، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس سنه، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه، فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن، وأيضاً إذا واظب الإنسان على عمل من الأعمال وكرر مرات وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس فهذه آثار صعدت من البدن إلى النفس.
إذا عرفت هذا فنقول: إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه، حصل أثر من ذلك الذكر اللساني في الخيال، ثم يصعد من ذلك الأثر الخيالي مزيد أنوار وجلايا إلى جوهر الروح، ثم تنعكس من تلك الإشراقات الروحانية آثار زائدة إلى اللسان ومنه إلى الخيال، ثم مرة أخرى إلى العقل، ولا يزال تنعكس هذه الأنوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض، ويتقوى بعضها بعض ويستكمل بعضها ببعض، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب، لا جرم لا نهاية لسفر العارفين في هذه المقامات العالية القدسية وذلك بحر لا ساحل له، ومطلوب لا نهاية له.
واعلم أن قوله تعالى: ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ وإن كان ظاهره خطاباً مع النبي عليه السلام، إلا أنه عام في حق كل المكلفين ولكل أحد درجة مخصوصة ومرتبة معينة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة كما قال في صفة الملائكة: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك ﴿ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ﴾ متضرعاً وخائفاً ﴿ وَدُونَ الجهر ﴾ ومتكلماً كلاماً دون الجهر، لأنّ الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر ﴿ بالغدو والأصال ﴾ لفضل هذين الوقتين.
أو أراد الدوام.
ومعنى بالغدوّ: بأوقات الغدو، وهي الغدوات.
وقرئ: ﴿ والإيصال ﴾ ، من آصل إذا دخل في الأصيل، كأقصر وأعتم وهو مطابق للغدوّ ﴿ وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين ﴾ من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ عامٌّ في الأذْكارِ مِنَ القِراءَةِ والدُّعاءِ وغَيْرِهِما، أوْ أمْرٌ لِلْمَأْمُومِ بِالقِراءَةِ سِرًّا بَعْدَ فَراغِ الإمامِ عَنْ قِراءَتِهِ كَما هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ﴾ مُتَضَرِّعًا وخائِفًا.
﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ ومُتَكَلِّمًا كَلامًا فَوْقَ السِّرِّ ودُونَ الجَهْرِ فَإنَّهُ أدْخَلُ في الخُشُوعِ والإخْلاصِ.
﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ بِأوْقاتِ الغُدُوِّ والعَشِيّاتِ.
وقُرِئَ « والأيْصالِ» وهو مَصْدَرُ آصَلَ إذا دَخَلَ في الأصِيلِ وهو مُطابِقٌ لِلْغُدُوِّ.
﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي مَلائِكَةَ المَلَأِ الأعْلى.
﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ ويُسَبِّحُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ.
﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ ويَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ والتَّذَلُّلِ لا يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، وهو تَعْرِيضٌ بِمَن عَداهم مِنَ المُكَلَّفِينَ ولِذَلِكَ شَرَعَ السُّجُودَ لِقِراءَتِهِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ «إذا قَرَأ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي فَيَقُولُ: يا ويْلَهُ أمَرَ هَذا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ وأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النّارُ» وعَنْهُ «مَن قَرَأ سُورَةَ الأعْرافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ سِتْرًا وكانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
{واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} متضرعاً وخائفاً {وَدُونَ الجهر من القول} متكلما كلاما دون الجهر لأن الاخافء ادخل فى الاخلاص واقرب إلى حسن التفكير {بالغدو والأصال} لفضل هذين الوقتين وقيل المراد دامة الذكر باستقامة الفكر ومعنى بالغدو بأوقات الغدو وهي الغدوات والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل وهو العشي {وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين} من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه
﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ عُطِفَ عَلى (قُلْ)، وعَلى الثّانِي فِيهِ تَجْرِيدُ الخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عامٌّ لِكُلِّ ذِكْرٍ فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأقْرَبُ مِنَ القَبُولِ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ»».
وقالَ الإمامُ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ عارِفًا بِمَعانِي الأذْكارِ الَّتِي يَقُولُها بِلِسانِهِ مُسْتَحْضِرًا لِصِفاتِ الكَمالِ والعِزِّ والعَظَمَةِ والجَلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ عارِيًا عَنِ الذِّكْرِ بِالقَلْبِ كَأنَّهُ عَدِيمُ الفائِدَةِ، بَلْ ذَكَرَ جَمْعٌ أنَّ الذِّكْرَ اللِّسانِيَّ السّاذَجَ لا ثَوابَ فِيهِ أصْلًا، ومَن أتى بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ غَيْرَ مُلاحِظٍ مَعْناها أوْ جاهِلًا بِهِ لا يُعَدُّ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: الخِطابُ لِمُسْتَمِعِ القُرْآنِ، والذِّكْرُ القُرْآنُ، والمُرادُ أمْرُ المَأْمُومِ بِالقِراءَةِ سِرًّا بَعْدَ فَراغِ الإمامِ عَنْ قِراءَتِهِ، وفِيهِ بُعْدٌ ولَوِ التَزَمَ قَوْلَ الإمامِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَأْوِيلِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ: مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: ذا تَضَرُّعٍ وخِيفَةٍ، وكَوْنُهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ غَيْرُ مُناسِبٍ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ذَلِكَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مِن غَيْرِ المَذْكُورِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وأصْلُ خِيفَةٍ خُوفَةٌ، ودُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ صِفَةٌ لِمَعْمُولِ حالٍ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: ومُتَكَلِّمًا كَلامًا دُونَ الجَهْرِ لِأنَّ دُونَ لا تَتَصَرَّفُ عَلى المَشْهُورِ، والعَطْفُ عَلى تَضَرُّعًا، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ والعَطْفُ عَلى حالِهِ، والمُرادُ: اذْكُرْهُ مُتَضَرِّعًا ومُقْتَصِدًا.
وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي نَفْسِكَ ﴾ لَكِنْ عَلى مَعْنى: اذْكُرْهُ ذِكْرًا في نَفْسِكَ وذِكْرًا بِلِسانِكَ دُونَ الجَهْرِ، والمُرادُ بِالجَهْرِ رَفْعُ الصَّوْتِ المُفْرِطُ وبِما دُونَهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الجَهْرِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هو أنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ.
وقالَ الإمامُ: المُرادُ أنْ يَقَعَ الذِّكْرُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها ﴾ ويُشْعِرُ كَلامُ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِالجَهْرِ مُقابِلَ الذِّكْرِ في النَّفْسِ، والآيَةُ عِنْدَهُ خِطابٌ لِلْمَأْمُومِ المَأْمُورِ بِالإنْصاتِ، أيِ اذْكُرْ رَبَّكَ أيُّها المُنْصِتُ في نَفْسِكَ ولا تَجْهَرْ بِالذِّكْرِ ﴿ بِالغُدُوِّ ﴾ جَمْعُ غُدْوَةٍ كَما في القامُوسِ، وفي الصِّحاحِ الغُدُوُّ نَقِيضُ الرَّواحِ، وقَدْ غَدا يَغْدُو غُدُوًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالغُدُوِّ ﴾ أيْ: بِالغَدَواتِ جَمَعِ غَدْوَةٍ وهي ما بَيْنَ صَلاةِ الغَداةِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَعَبَّرَ بِالفِعْلِ عَنِ الوَقْتِ كَما يُقالُ: أتَيْتُكَ طُلُوعَ الشَّمْسِ.
أيْ: وقْتَ طُلُوعِها، وهو نَصٌّ في أنَّ الغُدُوَّ مَصْدَرٌ لا جَمْعٌ، وعَلَيْهِ فَقَدْ يُقَدَّرُ مَعَهُ مُضافٌ مَجْمُوعٌ أيْ أوْقاتَ الغُدُوِّ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ والآصالِ ﴾ وهو كَما قالَ الأزْهَرِيُّ جَمْعُ أصْلٍ، وأصْلٌ جَمْعُ أصِيلٍ أعْنِي ما بَيْنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ - فَهو جَمْعُ الجَمْعِ ولَيْسَ لِلْقِلَّةِ ولَيْسَ جَمْعًا لِأصِيلٍ؛ لِأنَّ فَعِيلًا لا يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ لَهُ لِأنَّهُ قَدْ يُجْمَعُ عَلَيْهِ كَيَمِينٍ وإيمانٍ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ لِأصْلٍ مُفْرَدًا كَعُنُقٍ ويُجْمَعُ عَلى أُصْلانٍ أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ اذْكُرْ، وخُصَّ هَذانِ الوَقْتانِ بِالذِّكْرِ قِيلَ لِأنَّ الغَدْوَةَ عِنْدَها يَنْقَلِبُ الحَيَوانُ مِنَ النَّوْمِ الَّذِي هو كالمَوْتِ إلى اليَقَظَةِ الَّتِي هي كالحَياةِ، والعالَمُ يَتَحَوَّلُ مِنَ الظُّلْمَةِ الَّتِي هي طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ إلى النُّورِ الَّذِي هو طَبِيعَةٌ وُجُودِيَّةٌ، وفي الأصِيلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ، أوْ لِأنَّهُما وقْتا فَراغٍ فَيَكُونُ الذِّكْرُ فِيهِما ألْصَقَ بِالقَلْبِ، وقِيلَ: لِأنَّهُما وقْتانِ يَتَعاقَبُ فِيهِما المَلائِكَةُ عَلى ابْنِ آدَمَ، وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ التَّخْصِيصَ بَلْ دَوامَ الذِّكْرِ واتِّصالَهُ أيِ اذْكُرْ كُلَّ وقْتٍ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ السَّدُوسِيُّ (والإيصالِ)، وهو مَصْدَرُ آصَلَ إذا دَخَلَ في الأصِيلِ وهو مُطابِقٌ لِغُدُوٍّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِإفْرادِهِ ومَصْدَرِيَّتِهِ، فَتَذَكَّرْ ﴿ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وذلك أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة قبل نزول هذه الآية، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالسكوت.
وروى عبد الوهاب عن مجاهد عن أبي العالية الرياحي قال: كان النبي- - إذا صلى فقرأ وقرأ أصحابه خلفه حتى نزل وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فسكت القوم.
وقرأ النبي- - وروى قتادة عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال في الصلاة.
وروى مغيرة عن إبراهيم مثله، وسئل ابن عباس- ما- عن قوله: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ هذا لكل قارئ؟
قال: لا، ولكن هذا في الصلاة المفروضة.
وقال أبو هريرة- - مثله.
وقال مجاهد: وجب الإنصات في موضعين في الصلاة والإمام يقرأ، وفي الجمعة والإمام يخطب.
وعن مجاهد أنه قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم.
وقال عطاء والحسن إن هذا في الصلاة والخطبة.
ويقال: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا أي: اعملوا بما في كتاب الله تعالى ولا تجاوزوا عنه إلى غيره ثم قال لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لكي ترحموا فلا تعذبوا.
قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً يقول: اقرأ يا محمد إذا كنت إماماً بنفسك تضرعاً يعني: مستكيناً وَخِيفَةً يعني: وخوفاً من عذابه وهذا قول مقاتل.
وقال الكلبي: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ يعني: سراً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني: العلانية حتى يسمع من خلفك.
وقال الضحاك: معناه اجهر بالقراءة في الغداة والمغرب والعشاء وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ يعني: لا تغفل عن القراءة في الظهر والعصر، فإنك تخفي القراءة فيهما وروي عن رسول الله أنه قال «اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً خَامِلاً» قيل: وما الذكر الخامل؟
قال: «الذِّكْرُ الخَفِيُّ» .
قوله تعالى: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني: غدوة وعشية.
وروى يحيى بن أيوب عن خالد بن سعيد بن أبي هلال عن من سمع عقبة بن عامر قال: المسر بالقراءة كالمسر بالصدقة، والمعلن بالقراءة كالمعلن بالصدقة.
ثم قال: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن القراءة في الصلاة.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وذلك أن كفار مكة قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا [الفرقان: 60] واستكبروا عن السجود فنزل إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة لا يستكبرون عن عبادته يعني: لا يتعظمون ولا يستنكفون عن طاعته وَيُسَبِّحُونَهُ يقول: ويذكرونه وَلَهُ يَسْجُدُونَ يعني: يصلون.
وقال أهل اللغة: الآصال جمع الأُصل والأُصُل جمع الأَصِيل والآصال جمع الجمع يعني: العشيات والله أعلم بالصواب.
[الجزء الثاني]
كان يتأخَّر أحياناً، فكان الكُفَّار يقولون: هَلاَّ اجتبيتها، أي: اخترتها، فأمره اللَّه عزَّ وجلَّ أنْ يجيب بالتسْلِيمِ للَّه، وأَنَّ الأمر في الوحْي إِليه ينزِّله متى شاء، ثم أشار بقوله: هذا بَصائِرُ إلى القرآن، أي: علاماتُ هُدًى، وأنوارٌ تستضيء القلوبُ به.
وقوله سبحانه: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، ذكر الطبريّ وغيره أن أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانوا بمكَّةَ يتكلَّمون في المكتوبةِ بحوائجهم، فنزلتِ الآية أمْراً لهم بالاستماع والإنصات في الصَّلاة، وأما قولُ من قال: إِنها في الخُطْبة، فضعيفٌ، لأن الآية مكِّيَّة، والخُطْبَة لم تُكنْ إِلا بعد الهِجْرة، وألفاظ الآية على الجملة تتضمَّن تعظيم القُرْآن وتوقيرَهُ، وذلك واجبٌ في كل حالة، والإِنصاتُ: السكوتُ.
قال الزجَّاج: ويجوز أن يكون: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا، أي: اعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه.
قالَ ابنُ العربيِّ في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ، وأبو داود، عن عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ، قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ، فَلَمَّا انصرف، قال: «إنّي لأراكم تقرءون وَرَاءَ إمامكم، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيْ وَاللَّهِ، فَقَالَ: لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ القُرْآنِ فإِنَّه لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» «١» وقد رَوَى الناسُ في قراءة المأمومين خَلْفَ الإِمام بفاتحةِ الكِتَاب أحاديثَ كثيرةً، وأعظمهم في ذلك اهتبالا الدارقطنيُّ، وقد جمع البخاريُّ في ذلك جزءًا «٢» ، وكان رَأْيُهُ قراءةَ الفَاتحَةِ خلْفَ الإِمامِ في الصلاة الجهريَّة، وهي إِحدى روايات مالكٍ، وهو اختيارُ الشافعيِّ.
انتهى، وقد تقدَّم أول الكتاب ما اختاره ابن العربيّ.
وقوله سبحانه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ...
الآية: مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم/، وتعمُّ جميعَ أمته، وهو أمر من اللَّه تعالَى بذكْره وتسبيحِهِ وتقديسِهِ، والثناءِ عليه بمحامدِهِ، والجمهورُ على أن الذِّكْر لا يكون في النفْسِ، ولا يراعَى إِلا بحركه اللسَانِ، ويُدلُّ على ذلك من هذه الآية قوله: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ، وهذه مرتبةُ السرِّ، والمخافتة.
وقال الفَخْر «٣» : المراد بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ، كونه عارفا بمعاني
الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضراً لصفاتِ الجلالِ والعظمة، وذلك أن الذكْرَ باللِّسَان، إِذَا كان عارياً عن الذكْر بالقلْب، كان عدِيمَ الفائدة، ألاَ تَرَى أن الفقهاء أجمَعُوا على أنَّ الرجُلَ، إِذا قال: بِعْتُ واشتريت مع أنَّه لاَ يَعْرفُ معانِي هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئاً، فإِنه لا ينعقد البَيْعُ والشراءُ، فكذلك هنا، قال المتكلِّمون: وهذه الآية تدُلُّ على إثبات كلامِ النفْس.
وقوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ، يدُلُّ على أن الذكْرَ القلبيَّ يجبُ أن يكون دائماً، وألاَّ يغفُلَ الإنسان لحظةً عن استحضار جلالِ اللَّهِ وكبريائِهِ بقَدْر الطاقةِ البشريَّة، وتحقيقُ القول في هذا أنَّ بَيْنَ الرُّوحِ والبدنِ عَلاَقةً عجيبةً لأَن كلَّ أثر يحصُلُ في البدَنَ يصْعَدُ منه نتائجُ إِلى الرّوحِ أَلاَ تَرَى أنَّ الإِنسان إِذا تخيَّل الشيء الحامِضَ، ضَرَسَ منه، وإِذا تخيل حالَةً مكروهةً، أو غَضِبَ، سَخِنَ بدنه.
انتهى.
وتَضَرُّعاً: معناه: تذُّلَلاً وخُضُوعاً، البخاريُّ: وَخِيفَةً، أي: خوفاً انتهى.
وقوله: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: معناه: دَأَباً، وفي كلِّ يوم، وفي أطرافِ النهارِ، وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ تنبيهٌ منه عزَّ وجلَّ، ولما قال سبحانه: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: جَعَل بعد ذلك مثالاً من اجتهاد الملائِكَةِ لِيَبْعَثَ على الجِدِّ في طاعة اللَّهِ سبحانه.
ت: قال صاحبُ «الكلم الفارقية» : غفلةُ ساعةٍ عَنْ ربِّك مَكْدَرَة لمرآةِ قَلْبِكَ فكَيْفَ بِغَفْلَة جميعِ عُمْرك.
انتهى.
قال ابن عطاء اللَّهِ رحمه اللَّه: لا تتركُ الذِّكْر، لِعَدَمِ حُضُورك مع اللَّه فيه لأن غفلتك عن وُجودِ ذكْرِهِ أشدَّ مِنْ غفلتك في وجودِ ذكْرِهِ فعسى أن يرفعك مِنْ ذكْرٍ مع وجود غفلة، إِلى ذكْرٍ مع وجودِ يَقَظَةٍ، ومن ذِكْرٍ مع وجود يقظةٍ إِلى ذكْرٍ مع وجودِ حُضُورٍ، ومِنْ ذكْرٍ مع وجود حضور، إِلى ذكْرٍ مع وجود غيبة عمَّا سوى المذْكُور، وما ذلك على اللَّه بعزيز.
انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه» : قوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: أي:
فيما أُمِرْتَ به، وكُلِّفْتَه، وهذا خطابٌ له عليه السلام، والمراد به جميعُ أمته.
انتهى.
وقوله: الَّذِينَ، يريد به الملائكةَ.
وقوله: عِنْدَ، إِنما يريد به المنزلةَ، والتشريف، والقُرْبَ في المكانة، لا في المكان، فَهُمْ بذلك عنده، ثم وصف سبحانه حَالَهُمْ مِنْ تواضعهم، وإِدمانهم العبادة، والتَسبيحَ والسُّجودَ» ، وفي الحديث: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ
إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ رَاكعٌ، أَوْ سَاجِدٌ» «١» وهذا موضع سجدة.
/ قال عَبْدُ الرحمن بْنُ محمَّدٍ عفا اللَّه عنه: كَمُلَ ما انتخبناه في تفسير السورة، والحمد لله على ما به أنعم، وصلَّى اللَّه على سيّدنا محمّد وآله وسلّم تسليما كثيرا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ في هَذا الذِّكْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القِراءَةُ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا، أمَرَ أنْ يَقْرَأ في نَفْسِهِ في صَلاةِ الإسْرارِ.
والثّانِي: أنَّهُ القِراءَةُ خَلْفَ الإمامِ سِرًّا في نَفْسِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسانِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِاسْتِدامَةِ الفِكْرِ، لا يَغْفُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.
وفي المُخاطَبِ بِهَذا الذَّكَرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المُسْتَمِعُ لَلْقُرْآَنِ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا مِنَ الخَطِيبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابُ النَّبِيِّ ، ومَعْناهُ عامٌّ في جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ﴾ التَّضَرُّعُ: الخُشُوعُ في تَواضُعٍ؛ والخِيفَةُ الحَذَرُ مِن عِقابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ الجَهْرُ: الإعْلانُ بِالشَّيْءِ؛ ورَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ: إذا كانَ صَوْتُهُ عالِيًا.
وفي هَذا نَصَّ عَلى أنَّهُ الذِّكْرُ بِاللِّسانِ؛ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قِراءَةُ القُرْآَنِ.
والثّانِي: الدُّعاءُ، وكَلاهُما مَندُوبٌ إلى إخْفائِهِ، إلّا أنَّ صَلاةَ الجَهْرِ قَدْ بَيَّنَ أدَبُها في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ ﴾ .
بِها فَأمّا الغُدُوُّ فَهو جَمْعُ غُدْوَةٍ؛ والآَصالُ جَمْعُ أصْلٍ، والأصْلُ جَمْعُ أصِيلٍ؛ فالآَصالُ جَمْعُ الجَمْعِ، والآَصالُ: العَشِيّاتُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي ما بَيْنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ؛ وأنْشَدَ: لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أهْلَهُ وأقْعُدُ في أفْيائِهِ بِالأصائِلِ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي بِالغُدُوِّ: صَلاةَ الفَجْرِ؛ والآَصالِ: صَلاةَ العَصْرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ كانُوا بِمَكَّةَ يَتَكَلَّمُونَ في المَكْتُوبَةِ بِحَوائِجِهِمْ، ويَصِيحُونَ عِنْدَ آياتِ الرَحْمَةِ والعَذابِ، ويَقُولُ أحَدُهم إذا أتاهُمْ: صَلَّيْتُمْ؟
وكَمْ بَقِيَ؟
فَيُخْبِرُونَهُ، ونَحْوُ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ أمْرًا لَهم بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ في الصَلاةِ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "إنَّها في الخُطْبَةِ" فَضَعِيفٌ، لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والخُطْبَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ هِجْرَةِ النَبِيِّ مِن مَكَّةَ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرَ الزَهْراوِيُّ مِن أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يَقْرَأُ في الصَلاةِ والنَبِيُّ يَقْرَأُ، فَأمّا الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عَنِ الكَلامِ في الصَلاةِ فَإجْماعٌ، وأمّا الإمْساكُ والإنْصاتُ عَنِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُمْسِكُ المَأْمُومُ عَنِ القِراءَةِ جُمْلَةً قَرَأ الإمامُ جَهْرًا أو سِرًّا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَقْرَأُ المَأْمُومُ إذا أسَرَّ الإمامُ ويُمْسِكُ إذا جَهَرَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُمْسِكُ المَأْمُومُ في جَهْرِ الإمامِ عن قِراءَةِ السُورَةِ ويَقْرَأُ فاتِحَةَ الكِتابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعَ هَذا القَوْلِ أحادِيثُ صِحاحٌ عَنِ النَبِيِّ فَهَذِهِ الآيَةُ واجِبَةُ الحُكْمِ في الصَلاةِ أنْ يُنْصِتَ عَنِ الحَدِيثِ وما عَدا القِراءَةَ.
وواجِبَةُ الحُكْمِ أيْضًا في الخُطْبَةِ مِنَ السُنَّةِ لا مِن هَذِهِ الآيَةِ، ويَجِبُ مِنَ الآيَةِ الإنْصاتُ إذا قَرَأ الخَطِيبُ القُرْآنَ أثْناءَ الخُطْبَةِ، وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ الصَلاةِ عَلى النَدْبِ، أعْنِي في نَفْسِ الإنْصاتِ والِاسْتِماعِ إذا سَمِعَ الإنْسانُ قِراءَةَ كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا ما تَتَضَمَّنُهُ الألْفاظُ وتُعْطِيهِ مِن تَوْقِيرِ القُرْآنِ وتَعْظِيمِهِ فَواجِبٌ في كُلِّ حالَةٍ، والإنْصاتُ: السُكُوتُ، و"لَعَلَّكُمْ" عَلى تَرَجِّي البَشَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ نَسْتَوْعِبِ اخْتِلافَ العُلَماءِ في القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ إذْ ألْفاظُ الآيَةِ لا تَعْرِضُ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا عَنَّ ذَلِكَ في ذِكْرِ السَبَبِ ذَكَرْنا مِنهُ نُبْذَةً.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ قالَ: الإنْصاتُ يَوْمَ الأضْحى ويَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ وفِيما يَجْهَرُ بِهِ الإمامُ مِنَ الصَلاةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ جَمَعَ فِيهِ ما أوجَبَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وغَيْرُها مِنَ السُنَّةِ في الإنْصاتِ، قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ : اعْمَلُوا بِما فِيهِ ولا تُجاوِزُوهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ الآيَةُ.
مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وهو أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِذِكْرِهِ بِتَسْبِيحِهِ وذِكْرِهِ وتَقْدِيسِهِ والثَناءِ عَلَيْهِ بِمَحامِدِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الذِكْرَ لا يَكُونُ في النَفْسِ ولا يُراعى إلّا بِحَرَكَةِ اللِسانِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ فَهَذِهِ مَرْتَبَةُ السِرِّ والمُخافَتَةِ بِاللَفْظِ.
وَ"تَضَرُّعًا" مَعْناهُ: تَذَلُّلًا وخُضُوعًا، و"خِيفَةً" أصْلُها: خِوْفَةً، بُدِّلَتِ الواوُ ياءً لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْها، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ مَعْناهُ: دَأبًا وفي كُلِّ يَوْمٍ وفي أطْرافِ النَهارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ كانَتْ في صَلاةِ المُسْلِمِينَ قَبْلَ فَرْضِ الصَلَواتِ الخَمْسِ، وقالَ قَتادَةُ: "الغُدُوُّ: صَلاةُ الصُبْحِ، والآصالُ: صَلاةُ العَصْرِ"، والآصالُ: جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ: جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ.
وقِيلَ: الآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ دُونَ تَوَسُّطٍ كَإيمانٍ جَمْعِ يَمِينٍ، وآصالٌ أيْضًا جَمْعُ أصايِلَ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالِ" مَصْدَرٌ كالإصْباحِ والإمْساءِ، ومَعْناهُ: إذا دَخَلْتَ في الأصِيلِ، وفي الطَبَرِيُّ: قالَ أبُو وائِلٍ لِغُلامِهِ: هَلْ آصَلْنا بَعْدُ؟
﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ.
ولَمّا قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ جَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثالًا مِنِ اجْتِهادِ المَلائِكَةِ لِيَبْعَثَ عَلى الجِدِّ في طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ: "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ" إنَّما يُرِيدُ في المَنزِلَةِ والتَشْرِيفِ والقُرْبِ في المَكانَةِ لا في المَكانِ، فَهم بِذَلِكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى حالَهم مِن تَواضُعِهِمْ وإدْمانِهِمْ لِلْعِبادَةِ والتَسْبِيحِ والسُجُودِ.
وفي الحَدِيثِ: "أطَّتِ السَماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أو راكِعٌ أو ساجِدٌ"، وهَذا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ، قالَ النَخْعِيُّ في كِتابِ النَقّاشِ: إنْ شِئْتَ رَكَعْتَ وإنْ شِئْتَ سَجَدْتَ.
كَمُلَتْ سُورَةُ الأعْرافِ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
إقبال بالخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يختص به، بعد أن أمر بما أمر بتبليغه من الآيات المتقدمة، والمناسبة في هذا الانتقال أن أمر الناس باستماع القرآن يستلزم أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقراءة القرآن عليهم قراءة جهرية يسمعونها، فلما فرغ الكلام من حظ الناس نحو قراءة الرسول عليه الصلاة والسلام، أقبل على الكلام في حظ الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن وغيره، وهو التذكر الخاص به، فأمر بأن يذكر الله ما استطاع وكيفما تسنى له، وفي أوقات النهار المختلفة، فجملة ﴿ واذكر ربك ﴾ معطوفة على الجمل السابقة من قوله: ﴿ إن وليي الله ﴾ [الأعراف: 196] إلى هنا.
والنفس اسم للقوة التي بها الحياة، فهي مرادفة الروح، وتطلق على الذات المركبة من الجسد والروح، ولكون مقر النفس في باطن الإنسان أطلقت على أمور باطن الإنسان من الإدراك والعقل كما في قوله تعالى حكاية عن عيسى ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ [المائدة: 116] وقد مضى في سورة المائدة، ومن ذلك يتطرق إلى إطلاقها على خويصة المرء، ومنه قوله في الحديث القدسي في «صحيح البخاري» " وإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خيرِ منهم " فقابل قوله: في نفسه بقوله: في ملإ.
والمعنى: اذكر ربك وأنت في خلوتك كما تذكره في مجامع الناس.
والذكر حقيقة في ذكر اللسان، وهو المراد هنا، ويعضده قوله: ﴿ ودونَ الجهر من القول ﴾ وذلك يشمل قراءة القرآن وغيرَ القرآن من الكلام الذي فيه تمجيد الله وشكره ونحو ذلك، مثل كلمة التوحيد والحوقلة والتسبيح والتكبير والدعاء ونحو ذلك.
و«التضرع» التذلل ولما كان التذلل يستلزم الخطاب بالصوت المرتفع في عادة العرب كني بالتضرع عن رفع الصوت مراداً به معناه الأصلي والكنائي، ولذلك قوبل بالخُفيه في قوله ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفيةً ﴾ في أوائل هذه السورة (55) وقد تقدم.
وقوبل التضرع هنا بالخيفة وهي اسم مصدر الخوف، فهو من المصادر التي جاءت على صيغة الهيئة وليس المراد بها الهيئة، مثل الشدة، ولما كانت الخيفة انفعالا نفسياً يجده الإنسان في خاصة نفسه كانت مستلزمة للتخافت بالكلام خشية أن يَشعُر بالمرء من يخافه.
فلذلك كني بها هنا عن الإسرار بالقول مع الخوف من الله، فمقابلتُها بالتضرع طباق في معنيي اللفظين الصريحين ومعنييهما الكناءين، فكأنه قيل تضرعاً وإعلاناً وخيفة وإسراراً.
وقوله: ودون الجهر من القول} هو مقابل لكل من التضرع والخيفة وهو الذكر المتوسط بين الجهر والإسرار، والمقصود من ذلك استيعاب أحوال الذكر باللسان، لأن بعضها قد تكون النفس أنشط إليه منها إلى البعض الآخر.
و (الغُدو) اسم لزمن الصباح وهو النصف الأول من النهار.
و (الآصال) جمع أصيل وهو العشي وهو النصف الثاني من النهار إلى الغروب.
والمقصود استيعاب أجزاء النهار بحسب المتعارف، فأما الليل فهو زمن النوم، والأوقات التي تحصل فيها اليقظة خصت بأمر خاص مثل قوله تعالى: ﴿ قم الليل إلا قليلاً ﴾ [المزمل: 2] على أنها تدخل في عموم قوله: ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ .
فدل قوله: ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ على التحذير من الغفلة عن ذكر الله ولاحد للغفلة، فإنها تحدد بحال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعلم بنفسه.
فإن له أوقاتاً يتلقى فيها الوحي وأوقات شؤون جِبِلّية كالطعام.
وهذا الأمر خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، وكل ما خص به الرسول عليه الصلاة والسلام من الوجوب يستحسن للأمة اقتداؤهم به فيه إلا ما نهوا عنه مثل الوصال في الصوم.
وقد تقدم أن نحو ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ أشد في الانتفاء وفي النهي من نحو: ولا تغفل، لأنه يفرض جماعة يحق عليهم وصف الغافلين فيحذر من أن يكون في زمرتهم وذلك أبْين للحالة المنهي عنها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ وفي هَذا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذِكْرُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ خَلْفَ الإمامِ سِرًّا في نَفْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرٌ بِالقَلْبِ بِاسْتِدامَةِ الفِكْرِ حَتّى لا يَنْسى نِعَمَ اللَّهِ المُوجِبَةَ لِطاعَتِهِ.
والثّالِثُ: ذِكَرَهُ بِاللِّسانِ إمّا رَغْبَةً إلَيْهِ في دُعائِهِ أوْ تَعْظِيمًا لَهُ بِالآيَةِ.
وَفي المُخاطَبِ بِهَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُسْتَمِعُ لِلْقُرْآنِ إمّا في الصَّلاةِ أوِ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ومَعْناهُ عامٌّ في جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ﴾ أمّا التَّضَرُّعُ فَهو التَّواضُعُ والخُشُوعُ، وأمّا الخِيفَةُ فَمَعْناهُ مَخافَةٌ مِنهُ.
﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ يَعْنِي أسَرَّ القَوْلَ إمّا بِالقَلْبِ أوْ بِاللِّسانِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالبِكْرِ والعَشِيّاتِ.
والثّانِي: أنَّ الغُدُوَّ آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ونَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ.
﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَنِ الذِّكْرِ.
والثّانِي: عَنْ طاعَتِهِ في كُلِّ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
﴿ وَيُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ وهَذا أوَّلُ سَجَداتِ التِّلاوَةِ في القُرْآنِ.
وَسَبَبُ نُزُولِها ما قالَهُ كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿ وَما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا ﴾ .
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وأعْلَمَهم أنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ إذا كانُوا عَلى هَذِهِ الحالِ في الخُضُوعِ والرَّغْبَةِ فَأنْتُمْ بِذَلِكَ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أمره الله أن يذكره ونهاه عن الغفلة، أما بالغدوّ: فصلاة الصبح، والآصال: بالعشي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال: الآصال: ما بين الظهر والعصر.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ [ الأعراف: 204] قال: هذا إذا أقام الإِمام الصلاة فاستمعوا له وأنصتوا ﴿ واذكر ربك ﴾ أيها المنصت ﴿ في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول ﴾ قال: لا تجهر بذاك ﴿ بالغدوّ والآصال ﴾ بالبكر والعشي ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير في قوله: ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ قال: يقول الله «إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني عبدي وحْده ذكرته وحدي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أحسن منهم وأكرم» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ بالغدوّ ﴾ قال: آخر الفجر صلاة الصبح ﴿ والآصال ﴾ آخر العشي صلاة العصر، وكل ذلك لها وقت أول الفجر وآخره، وذلك مثل قوله في سورة آل عمران ﴿ بالعشي والإِبكار ﴾ [ آل عمران: 41] ميل الشمس إلى أن تغيب، والإِبكار أول الفجر.
وأخرج عبد بن حميد عن معرف بن واصل قال: سمعت أبا وائل يقول لغلامه عند مغيب الشمس: آصلنا.
وأخرج البزار والطبراني عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ قال: ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل عن الفارين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن بكير بن الأخنس قال: ما أتى يوم الجمعة على أحد وهو لا يعلم أنه يوم الجمعة إلا كتب من الغافلين.
وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الغفلة في ثلاث.
عن ذكر الله، ومن حين يصلي الصبح إلى طلوع الشمس، وأن يغفل الرجل عن نفسه في الدين حتى يركبه» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ ، الخطاب في هذا للنبي ، وغيره داخل فيه لأنه عام لسائر المكلفين.
قال ابن عباس: (يعني بالذكر القراءة في الصلاة) (١) ﴿ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ﴾ قال: (يريد: يتضرع إليّ ويخاف مني) (٢) ومعناه: (٣) ﴿ وَخِيفَةً ﴾ قال الزجاج: (أصلها خوفة.
فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها) ذكر ذلك في سورة طه (٤) ﴿ وَدُونَ الْجَهْرِ ﴾ دون الرفع ﴿ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ من القرآن.
قال (٥) ﴿ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ .
قال: (يريد: بكرة وعشيًا، يريد: الصلوات) (٦) فعلى (٧) ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ .
وقد مر، فأمر ان يقرأ في نفسه في بعضها وهو صلاة الإسرار، ودون الجهر في بعضها وهو ما يرفع فيها (٨) ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ .
وقال قتادة (٩) ﴿ بِالْغُدُوِّ ﴾ فصلاة الصبح، وأما بالعشي فصلاة العصر)، وعلى هذا القول الآية مقصورة على الصلاتين.
وقال مجاهد (١٠) (١١) وعلى هذا الآية وردت في ذكر الله تعالى بالقلب، وترك الصياح في الدعاء (١٢) وقوله تعالى: ﴿ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ .
الغَدْو مصدر، يقال: غَدوت أغدُو (١٣) ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ﴾ أي: غدوها للسير، ثم سمي وقت الغدو غدوًا كما يقال: دنا الإصباح، أي: وقته، ودنا الإمساء، ويجوز أن يكون الغدو هاهنا جمع غدوة، قال الليث: (الغدوُّ جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة) (١٤) قال الراجز (١٥) جرَّت عليه كلَّ ريح ريدة ...
هو جاء سفواء نؤوج الغدوة وأما ﴿ وَالْآصَالِ ﴾ ، فقال الفراء: (واحدها أُصُل، وواحد الأصل أصيل.
قال: ويقال: جئناهم مؤصلين، أي: عند الآصال) (١٦) وقال الزجاج: (الآصال العشيات جمع الجمع) (١٧) ومنه قول النابغة (١٨) وقفت فيها أصيلًا كي (١٩) أي: عشية، ويقال: الأصيل (٢٠) (٢١) (١) ذكره الثعلبي 6/ 35 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 294، والبغوي 3/ 321، وابن الجوزى 3/ 313، الخازن 2/ 332.
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 294، والبغوي 3/ 321.
(٣) في (ب): (ومعنا)، وهو تحريف.
(٤) "معاني الزجاج" 3/ 367: (والخيف بالكسر جمع خيفة من الخَوْف، فأصله خوفة سكنت الواو إثر كسر فقلبت ياء) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 662، و"تهذيب اللغة" 1/ 966 (خاف)، و"الحجة" لأبي علي 3/ 317، و"اللسان" 3/ 1290 (خوف)، و"معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 103.
(٥) كأنه يعني بقال ابن عباس ما ، ولم أقف عليه عنه.
(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 295 عن ابن عباس.
(٧) قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 312 - 313: (المراد بالآية الحض على كثرة الذكر من العباد ﴿ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار ولا يفترون ليقتدي بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، وزعم أن المراد بها: أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة، وهذا بعيد منافٍ للإنصات المأمور به، ثم إن المراد بذلك في الصلاة أو الصلاة والخطبة ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان سواء كان سرًا أو جهرًا فهذا الذي قيل لم يتابع عليه) اهـ.
بتصرف.
(٨) في (أ): (ما يرفع فيه الصوت).
(٩) أخرجه الطبري 9/ 168 بسند جيد، وفيه ﴿ وَالْآصَالِ ﴾ بالعشي، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 288، وزاد نسبته إلى (عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة).
(١٠) أخرجه الطبري 9/ 166 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 6/ 35 أ، والبغوي 3/ 321 عن مجاهد وابن جريج وليس فيه عند الطبري: (ويكره رفع الصوت ..).
(١١) أخرجه الطبري 9/ 167 بسند جيد.
(١٢) قال النحاس في "معانيه" 3/ 123: (لم يختلف في معنى قوله: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ أنه في الدعاء.
وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 166، والسمرقندي 1/ 591، والماوردي ص 290.
(١٣) في (أ): (غدوت أغدوا).
(١٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2636، وليس فيه: (وواحد الغدوات غدوة).
انظر: "العين" 4/ 437، و"الجمهرة" 2/ 671، و"البارع" ص 425، و"الصحاح" 6/ 2444، و"المجمل" 2/ 692، و "مقاييس اللغة" 4/ 415، و"المفردات" ص 603، و"اللسان" 6/ 3220 (غدا).
(١٥) الشاهد لهميان بن قحافة السعدي، شاعر، وراجز، أموي في "الصحاح" 2/ 479 (ريد) وهو لعلقمة بن عبدة التيمي الفحل، شاعر، جاهلي في "تهذيب إصلاح المنطق" 1/ 280، وهو في "اللسان" 3/ 1790 (ريد) لهميان أو علقمة وبلا نسبة في: "إصلاح المنطق" ص 94، و"المخصص" 9/ 86 و 15/ 81 قال التبريزي في "تهذيب إصلاح المنطق في شرح الشاهد": (ريح ريدة لينة الهبوب والهوجاء التي تهب بشدة، والسفواء الخفيفة، والنؤوج المصوتة في هبوبها أخبر أنها تهب في وقت الغدوة) اهـ.
(١٦) ذكره النحاس في "إعرابه" 1/ 662 - 663، والرازي 15/ 109، والقرطبي 7/ 356، ولم أقف عليه في معانيه وهذا القول هو قول الأكثر.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 239، و"معاني النحاس" 3/ 121، وفي "معاني الأخفش" 2/ 317، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 156: (الآصال، واحدها أصيل).
وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 167، و"نزهة القلوب" ص 88.
(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 398 وفيه: (الآصال: جمع أُصل والأصل جمع أصيل فالآصال جمع الجمع وهي العشيات) اهـ.
وانظر: "معجم الإبدال والإعلال" للخراط ص 22.
(١٨) "ديوانه" ص 9، و"الكتاب" 2/ 321، و"معاني الفراء" 1/ 480، و"المقتضب" 4/ 414، و"الجمل" للزجاجي ص 235، و"اللمع" لابن جني ص 122، و"الصحاح" 4/ 1623 (أصلَ)، و"الإنصاف" ص 148، والقرطبي 7/ 356، و"اللسان" 1/ 89 (أصل) وعجزه: عيت جوابًا وما بالربع من أحد (١٩) في (ب): (أصيلًا لا أسائلها) ورواية الأكثر.
(أصيلانًا).
قال النحاس في "شرح القصائد المعلقات" 1/ 158 في شرح البيت: (يروى: أصيلًا كي أسائلها، وهو واحد وجمعه أصُل وجمع أصل آصال ويروى: أصيلانًا وفيه قولان: أحدهما: أنه تصغير أصلان، وأصلان جمع أصيل.
والثاني: أنه بمنزلة قولهم: على الله التكلان، وقولهم: غفران، وهذا هو الصحيح، والأول خطأ لأن أصلانًا لا يجوز أن يصغر إلا أن يرد إلى أقل العدد وهو حكم كل جمع كثير.
وقوله: عيت أي: عجزت عن الإجابة، والربع المنزل في الربيع ثم كثر استعماله في كل منزل) اهـ.
بتصرف.
ورواية أصيلال أصله: أصيلان أبدل النون لاما على غير القياس.
(٢٠) هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 168.
وانظر: "العين" 7/ 156، و"المجمل" 1/ 97، و"مقاييس اللغة" 1/ 109، و"المفردات" ص 78 (أصل).
(٢١) في (ب): (أصل).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإنصات المأمور به هو لقراءة الإمام في الصلاة، والثاني: أنه الإنصات للخطبة، والثالث: أنه الإنصات لقراءة القرآن على الإطلاق وهو الراجح لوجهين: أحدهما: أن اللفظ عام ولا دليل على تخصيصه، والثاني أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ : قال بعضهم: الرحمة أقرب شيء إلي مستمع القرآن لهذه الآية ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ يحتمل أن يريد الذكر بالقلب دون اللسان، أو الذكر باللسان سراً، فعلى الأول يكون قوله: ودون الجهر من القول؛ عطف متغاير أي حالة أخرى، وعلى الثاني يكون بياناً وتفسيراً للأول ﴿ بالغدو والآصال ﴾ أي في الصباح والعشي والآصال جمع أُصُل والأُصل جمع أصيل؛ قيل: المراد صلاة الصبح والعصر، وقيل: فرض الخمس والأظهر الإطلاق ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ ﴾ هم الملائكة عليهم السلام، وفي ذكرهم تحريض للمؤمنين وتعريض للكفار ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ قدم المجرور لمعنى الحصر أي لا يسجدون إلا لله، والله أعلم.
القراءات: ﴿ طيف ﴾ بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.
الباقون: ﴿ طائف ﴾ على وزن "فاعل" ﴿ يمدونهم ﴾ من الإمداد: أبو جعفر ونافع.
الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿ العفو وأمر ﴾ مدغماً: أبو عمرو.
وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مبصرون ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿ لا يقصرون ﴾ ه ﴿ اجتبيتها ﴾ ط ﴿ من ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ من الغافلين ﴾ ه ﴿ يسجدون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة.
واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله ﴿ خذ العفو ﴾ ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو والمعروف.
والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق.
ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله : "يا جبرائيل ما هذا؟
فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" .
قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل.
يروى عن جعفر الصادق : ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا ﴿ خذ العفو ﴾ أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال.
والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي.
وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ.
قال أبو زيد: لما نزل قوله ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله : كيف يا رب والغضب؟
فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه.
عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب.
ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .
قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة.
والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه قبل تلك الوسوسة منه؟
ولو سلم فمحمول على ترك الأولى.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنه سميع عليم ﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.
ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ﴾ قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء.
والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً.
ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين.
قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته.
ومفعول ﴿ تذكروا ﴾ محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد.
واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال : "من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنهربما انقلب الضعيف قوياً.
وبالجملة فالمراد من قوله ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله ﴿ تذكروا ﴾ الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿ أولياؤهم الطاغوت ﴾ والضمير المرفوع في ﴿ يمدون ﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له.
والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي.
وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له.
قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن ﴿ إخوانهم ﴾ في مقابلة ﴿ الذين اتقوا ﴾ قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله ﴿ إنما نمدهم به من مال ﴾ \[المؤمنون: 55\] ﴿ وأمددناهم بفاكهة ﴾ ﴿ أتمدونن بمال ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ أما قوله ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ فالإقصار الكف عن الشيء.
قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.
ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ ثم إنه ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر.
والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟
وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿ إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي ﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها.
ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿ هذا ﴾ يعني القرآن ﴿ بصائر ﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿ هدى ﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان.
فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإنصات السكوت للاستماع.
قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر.
وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت.
وقال قتادة.
كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت.
ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.
وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه.
وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع.
واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا.
والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع.
وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور.
وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز.
قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.
وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام.
هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة.
وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله ﴿ ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق.
وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه.
ثم أمر نبيه وأمته تبعيته بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء.
والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء.
قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه.
قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة.
الثالث والرابع: ﴿ تضرعاً وخيفة ﴾ أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية.
والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة.
الخامس: قوله ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء.
قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.
السادس: قوله ﴿ بالغدو والآصال ﴾ والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته.
وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.
وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته.
إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.
وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.
السابع: قوله ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ فيداومون على ذلك ﴿ ويسبحونه ﴾ يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم ﴿ وله يسجدون ﴾ بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح.
وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح.
والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق.
التأويل: ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿ من الشيطان نزغ ﴾ في طلب غير الله ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من طلب غير الله ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال : "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.
﴿ طائف من الشيطان ﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿ وإخوانهم ﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ أي لم تأت القلوب ﴿ بآية ﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿ قالوا ﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿ قل إنما أتبع ﴾ إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني.
﴿ فاستمعوا ﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿ وأنصتوا ﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر" فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿ تضرعاً ﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿ وخيفة ﴾ في الوسط ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ﴿ ولا تكوننَّ من الغافلين ﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿ يسبحونه ﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿ وله يسجدون ﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ...
﴾ الآية.
أمر الله - - بالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له إذا قرئ وإن كان في العقل أن من خاطب آخر بمخاطبات يلزمه الاستماع إلى ما يخاطبه ويشافهه، فالله - - إذا خاطب بخطاب أولى أن يستمع له مع ما ذكر في غير موضع من القرآن آيات ما يوجب في العقل الاستماع إليه؛ كقوله: ﴿ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ وغير ذلك من الآيات، ولا سبيل إلى أن يعرف أنه بصائر، وأنه هدى وما ذكر إلا بالاستماع إليه والتفكر فيه؛ فدل أن الاستماع لازم في العقل من له أدنى عقل؛ على ما ذكرنا من المخاطبات، لكنه ذكر - هاهنا - الاستماع إليه - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: مقابل ما كانوا يقولون: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ ﴾ أمر - عز وجل - المؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ ، وأمر بالإنصات مكان ما يقولون: ﴿ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .
والثاني: يجوز أن يكون أمر بالاستماع إليه في الصلاة؛ على ما قال بعض أهل التأويل أنه في الصلاة.
وقال بعضهم: في حال الخطبة؛ لما يسبق إلى أوهامهم أنه لما اشتغلوا بغيرها من العبادات ولزموا أنواع القرب أن يسقط عنهم حق الاستماع، فأمر بالاستماع إليه، والإنصات له؛ ليعلموا أن حق الاستماع لازم في كل حال.
ثم الاستماع إليه يكون لتفهم ما أودع فيه من الأمر والنهي، والوعد، والوعيد، وغيره، والإنصات للتعظيم والتبجيل.
ثم الاستماع له لم يلزم لنفس التلاوة، ولكن إنما يلزم لما أودع فيه من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغيره؛ ليفهموا ما فيه، ويقبلوه، ويقوموا بوفاء ذلك، وأمّا سائر الأذكار إنما صارت عبادة لنفسها؛ لذلك لم يلزم الاستماع إلى سائر الأذكار، ولزم لتلاوة القرآن.
ولأن القرآن كلام الله وكتابه، ومن الجفاء والاستخفاف أن يكتب إنسان إلى أخيه كتاباً لا ينظر فيه ولا يستمع له؛ فترك الاستماع إلى كتاب الله أعظم في الجفاء والاستخفاف.
ولأن القرآن يجهر به، وسائر الأذكار لا تجهر، فإن كنت تجهر فيستمع لها كما يستمع إلى القرآن، والله أعلم.
وذكر في بعض القصة أن الآية نزلت في الصلاة؛ لأن رسول الله إذا قرأ في صلاته كانوا يقولون مثل [ما قال]، فنزلت الآية بالنهي عن ذلك، والأمر بالاستماع إليه والإنصات له.
وذكر أنهم كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار؛ فنزلت الآية لذلك، فلا ندري كيف كانت القصة؛ وفيم كانت؟
وقد يحتمل ما ذكرنا آنفاً.
ثم إن كانت الآية في الصلاة ففيه دلالة النهي عن القراءة خلف الإمام؛ لأنه أمر بالاستماع إليه والإنصات له، وعلى ذلك جاءت الأخبار؛ روي عن أبي العالية قال: كان نبي الله إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه، حتى نزل: ﴿ قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ فسكتوا.
وعن علباء بن أحمر "أن النبي قرأ في صلاة الفجر الواقعة، وقرأها رجل خلفه، فلما فرغ من الصلاة قال: من الذي ينازعني في هذه السورة فقال رجل: أنا يا رسول الله؛ فأنزل الله: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ " وغير ذلك من الأخبار.
فقال قوم: إن الإنصات الذي أمر به المؤتم معناه ألا يجهر بقراءته، وليس فيه نهي أن يقرأ في نفسه.
وزعم بعضهم أن القارئ خفيّاً يسمى ناصتاً [ومنصتاً]، واستدل بما روي عن أبي هريرة - - "[قال كان] رسول الله إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة، قلت: بأبي أنت، أرأيت سكاتك بين التكبير والقراءة، أخبرني ما تقول؟
قال : أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المغرب والمشرق" وغير ذلك من الدعوات، فقال هذا القائل: قد سمى النبي القارئ مخفياً ساكتاً، والصامت مثل الساكت، فيجوز أن يسمى صامتاً، وهو أن يقرأ مخفياً، كما يسمى ساكتاً.
قال القتبي: غلط هذا القائل في تشبيه الصامت بالساكت؛ لأن الأسماء لا تقاس، وإنما يطلق في كل واحد منهما ما أطلقته اللغة فيه.
ومما يبين غلطه أن الله يقول: ﴿ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ ، فلو كان القارئ مخفياً يسمى صامتاً ناصتاً ما كان مستمعاً، وإنما يكون مستمعاً صامتاً إذا صمت فلم يقرأ؛ فمن أطلق له أن يقرأ والإمام يقرأ فلم يستمع، ولا أنصت.
ومما يدل على غلطه - أيضاً - أن العلماء جميعاً ينهون المؤتم عن القراءة وإمامه يجهر بالقراءة، وإنما يأمر من يأمره بالقراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا سكت إمامه، ويأمر هؤلاء الإمام أن يقف ساعة إذا فرغ من قراءته حتى يقرأ المؤتمون، فلو كانوا يجعلون القارئ في نفسه والإمام يقرأ جهراً صامتاً ما أمروه بتأخير القراءة حتى يفرغ إمامه من القراءة؛ فهذا يبين غلط المستدل بحديث أبي هريرة في استدلاله.
ومما يدل على أن المؤتم منهي عن أن يقرأ والإمام يجهر ما روي عن أبي هريرة - - "أن النبي صلى بهم صلاة - فظن أنها الصبح - فلما سلم أقبل على الناس، قال: هل يقرأ أحد منكم؟!
فقال رجل: أنا، فقال النبي: إني أقول: مالي أنازع القرآن قال أبو هريرة: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه النبي " .
فقال قوم: إن أبا هريرة قال: انتهى الناس عن القراءة خلف النبي فيما جهر فيه.
فيقال: إن أبا هريرة لم يرو ذلك عن النبي.
ثم مما يدل [على] أن المؤتم لا يقرأ جهر الإمام أو خَافَتَ قول النبي: "مالي أنازع القرآن؟" وقد علمنا أن المؤتم لم يجهر بقراءته؛ فيتأول متأول منازعته النبي على أنه شغله؛ فلا وجه لقوله: "مالي أنازع القرآن؟" إلا بنهيه المؤتم عن أن يقرأ، جَهَرَ إمامُه أو خَافَتَ.
وقد روي عن النبي ما يبين النهي عن القراءة خلف الإمام فيما [يجهر فيه أو يخافت]: ما روي عن عمران "أن النبي صلى بأصحابه الظهر، فلما قضى صلاته قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟
فقال بعض الناس: أنا يا رسول الله، فقال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها" فبين عمران بن حصين أن الرجل خافت بقراءته؛ دل أن النهي الذي رواه أبو هريرة لم يكن في حال جهر الإمام دون مخافتته، وأن المؤتم منهي عن القراءة خلف الإمام في كل الصلوات.
وقد روي عن النبي بالنهي عن القراءة خلف الإمام أحاديث كثيرة: [منها:] ما روي عن أبي هريرة عن النبي وعمران بن حصين عنه، وما روي عن عبد الله: "كنا نقرأ خلف النبي فقال [رسول الله] : خلطتم على القرآن" فإن قيل: لعلهم كانوا يجهرون بالقرآن، فنهى عن الجهر.
قيل له: لم ينقل [لنا] في شيء من الأخبار أن المؤتمين كانوا يقرءون جهراً، ولو كانوا يقرءون جاهرين، لأدّي ذلك إلينا كما أدّي أنهم كانوا يقرءون.
وفي ذلك وجه آخر: أنه لم يكن النهي عن الجهر خاصة، ولكن للقراءة نفسها ما روي عن أبي وائل قال: سألت عبد الله ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام، فقال: أنصت، فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك ذلك الإمام.
وعن عبد الله بن شداد أن النبي قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" وعن جابر بن عبد الله "أن النبي صلى الله علي وسلم صلَّى ورجل خلفه يقرأ، فنهاه رجل من أصحاب النبي عن القراءة في الصلاة، فتنازعا فيه، حتى ذكر للنبي فقال: من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة" وعن أبي موسى، عن النبي أنه قال: "وإذا قرأ الإمام فأنصتوا" وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" وغير ذلك من الأحاديث.
وأكثر ما يحتج به المخالف لعلمائنا - رحمهم الله - أن رسول الله قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن" يرويه عبادة ابن الصامت.
قال سفيان: هذا عندنا فيمن يصلي وحده؛ فذلك يحتمل، والأحاديث التي جاءت مفسرة في النهي عن القراءة خلف الإمام.
فإن قال: يترك المؤتم القراءة فيما يجهر فيه إمامه بحديث أبي هريرة، ويقرأ فيما يخافت بحديث عبادة بن الصامت؛ ليصلح حديث أبي هريرة وحديث عبادة جميعاً.
قيل له: فهلا جعلته في المصلى وحده ليصح حديث عبادة، وحديث عمران بن حصين؛ لأن حديث عمران [بن حصين] ينهى عن [القراءة خلف الإمام] فيما خافت، وحديث أبي هريرة عن القراءة فيما يجهر فيه؛ فإن جعلت حديث أبي هريرة خارجاً عن عموم حديث عبادة، فذلك يوجب ألاَّ يقرأ المؤتم فيما يجهر فيه إمامه ويخافت، ويقال له: هل رأيت فرضاً من فرائض الصلاة يسقط عن المؤتم في حال، ويجب عليه في حال؟
فإن قال: لا.
قيل: ففي إسقاطك تلك القراءة عنه في حال الجهر ما أوجب عليك أن تسقطها عنه في حال المخافتة.
وقد احتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قالوا: وجدنا الرجل إذا جاء إلى الإمام وهو راكع فكبر ودخل في صلاته ولم يقرأ، فكل يجمع أن صلاته تجزئة، فدل ذلك أن القراءة غير فرض عليه.
فإن قال: إنما أطلق له ذلك للضرورة.
قيل: لو جاء إلى الإمام وهو ساجد، لم يعتد بتلك الركعة والضرورة قائمة، فلو كانت الضرورة تزيل فرضاً لأزالت الركوع عمن لحق إمامه وهو ساجد، فهي لا تزيل فرض القراءة عمن لحق إمامه، ولكن لا يلزمه القراءة خلف الإمام؛ فلذلك أجزأته صلاته لا للضرورة التي ذكرت، والله أعلم.
وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: لا قراءة على من خلف الإمام، منهم: علي، وابن مسعود، وجابر، [وسعد]، وأبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، م.
أما عن علي - - قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة.
وعن عبد الله قال: من قرأ خلف الإمام ملئ فوه تراباً.
وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له.
وعن سعد قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فمه جمرة.
وعن ابن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ خلف الإمام، قال: لا، فإذا صلى أحدكم وحده فليقرأ.
وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
وعن أبي سعيد أنه سئل عن القراءة خلف الإمام، قال: يكفيك ذلك الإمام.
وعن ابن عباس أن رجلاً سأله: أقرأ خلف الإمام؟
قال: لا.
إلى مثل هذه الأحاديث ذهب أصحابنا، وعلى ذلك دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .
اختلف أهل التأويل في الذكر الذي ذكر في الآية؛ منهم من صرف التأويل إلى كل ذكر.
ومنهم من صرفه إلى التلاوة؛ فإن كان ذكر الغدو والآصال كناية عن الليل والنهار فهو ذكر أحواله يذكر الله - عز وجل - بنعمه وإحسانه، وذكره بنعمه شكره، أو يذكره بقدرته وسلطانه، وذلك يحمله على الخضوع له والتواضع، أو يذكر أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وذلك يوجب الإقرار بالتقصير، والخوف لعقوبته، والرغبة في وعده؛ كأنه قال: واذكر ربك في كل حال من الليل والنهار إما شكراً لنعمه وإحسانه، وإما الإقرار بالتقصير في أمره ونهيه، وإما الخوف [لوعيده، وإما الرغبة] لوعده، فكأنه قال: اذكر ربك تضرعاً وتواضعاً وخيفة مع الخوف.
وإن كان تأويل الغدو والآصال كناية عن الغداة والعشي، فهو كناية عن التلاوة، وهو ما سبق من ذكر التلاوة من قوله: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ﴾ وقوله: ﴿ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ وتأويله - والله أعلم -: ولا تجهر بصلاتك في بعض صلاتك، ولا تخافت في بعضها.
أو أن يقال: لا تجهر الجهر العالي، ولا تخافت غاية المخافتة، ولكن بين ذلك.
أو أن يقول: لا تشتغل بالجهر، ولا بالمخافتة، ولكن اقرأ لما فيه، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .
وقرأ بعضهم: (وخفية) وهو من الإخفاء؛ حيث قال: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ ، وأما ظاهر القراءة فهو ﴿ وَخِيفَةً ﴾ ، وهو من الخوف.
وقال مجاهد: رخص الله أن تذكره في نفسك تضرعاً وخيفة، وأنت خلف الإمام تسمع قراءته.
﴿ وَٱلآصَالِ ﴾ ، قال أبو عوسجة: العشيات، الواحد: أصل وأصيل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ ﴾ .
معلوم أن رسول الله لم يكن من الغافلين في حال، ولكن على النهي لأمته؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، و ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ونحوه، نهاه أن يكونن ما ذكر؛ لما ذكرنا نهياً لغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ .
قالت المشبهة: لو لم يكن [بين الله] وبين الملائكة قرب الذات لكانوا هم والبشر بقوله: ﴿ عِندَ رَبِّكَ ﴾ سواء، لكان لا معنى لتخصيص الملائكة بذلك.
لكن التأويل عندنا في قوله: ﴿ عِندَ رَبِّكَ ﴾ : في الطاعة والخضوع، أو في الكرامة والمنزلة، ليس على قرب الذات، ولكن على ما وصف - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ وصفهم بالطاعة له والخضوع؛ فعلى ذلك الأول، ليس على قرب الذات، ولكن على ما ذكر من الطاعة والخضوع.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ﴾ ليس على أنه في الأرض يقترب منه إذا سجد؟!.
وأصل ما يضاف إلى الله من جزئية الأشياء يخرج مخرج تعظيم تلك الجزئيات؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ خصّ المساجد بالإضافة إليه، وإن كانت البقاع كلها له؛ تعظيماً لها، وكذلك قوله: الكعبة بيت الله الحرام، وإن كانت البيوت كلها له، ونحو ذلك مما أضاف ذلك إلى نفسه من جزئيات الأشياء؛ تعظيماً لذلك وإجلالا؛ فعلى ذلك الأول، أضافهم إلى نفسه إما لطاعة لهم إياه والخضوع، وإما لكرامة لهم والمنزلة، وإضافة كلية الأشياء إلى الله تخرج مخرج تعظيم الربّ؛ من ذلك قوله: ﴿ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
ومن الناس من استدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ لكنا نقول: إن الأفضل عند الله الأطوع له والأخضع والأتقى والأقوم لأمره ونهيه؛ على ما ذكرنا: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ لا نشير أن هؤلاء أفضل من هؤلاء، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.
وتأويل الآية - والله أعلم - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ...
﴾ الآية، أي: إنهم وإن لم تكن لهم حاجة إلى المأكل والمشرب وأنواع الحاجات لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم مع حاجتكم إلى الأكل والشرب وأنواع الحوائج أحرى وأولى ألا تستكبروا عن عبادته.
أو أن يقول: إن الذين تعبدون من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم أحق ألا تستكبروا عن عبادته؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة، فخرج هذا جواب ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُسَبِّحُونَهُ ﴾ .
التسبيح: هو وصف الرب - عز وجل - بالرفعة، والعظمة والجلال، والتعالي عن الأشباه والأمثال، وعما وصفه الملحدون.
والتسبيح: هو تنزيه الرب وتبرئته عن جميع معاني الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ .
السجود: هو الخضوع في الغاية، وليس في الآية دليل وجوب السجدة على من تلاها أو سمعها، إنما فيها الإخبار عن الساجدين أنهم سجدوا غير مستكبرين، وفي ذلك ترغيب في السجود، إلا أن النبي روي أنه سجد وسجد من معه.
وعن ابن عمر - - قال: "كان رسول الله يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضعاً يسجد فيه" .
وعن ابن عباس - -: "رأيت النبي سجد في ص" .
وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: "كان رسول الله يقرأ القرآن في غير صلاته، فيسجد ونسجد معه" .
وعن ابن مسعود - -: "كان رسول الله قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد، إلا شيخ كبير من قريش أخذ كفّاً من جص فرفعه إلى جبهته، فلقد رأيته قتل كافراً" .
وعن ابن عباس - - أنه ذكر سجود القرآن - أو عدّ - فقال: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج - سجدة واحدة - والفرقان، وطس، وآلم [تنزيل]، وص، وحم [تنزيل] وقال: وليس في المفصل سجود.
وعن ابن مسعود قال في السورة يكون في آخرها السجدة نحو الأعراف والنجم: إن شئت فاسجد ثم قم فاقرأ، وإن شئت فاركع.
وعن ابن مسعود: كان يسجد في الأعراف، وفي بني إسرائيل، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك.
واحتج بعض مشايخنا أن السجود على من تلا آية السجدة واجب: بما أجمع أهل العلم أن على المصلي إذا تلا الآية فيها السجدة أن يسجد في صلاته، فلو كان السجود تطوعاً ما كان لأحد أن يزيد في صلاته ما ليس منها؛ فدل ذلك على أن السجود واجب في الصلاة، وإذا كان في الصلاة واجباً فهو على كل واجب.
ومن الحجة لنا - أيضاً - ما روي أن النبي - - قرأ آيات فسجد فيها، فكان السجود فيها واجباً، كما أنه لما صلى صلاة العيدين كانت واجبة.
واذكر -أيها الرسول- الله ربك متذللًا متواضعًا خائفًا، واجعل دعاءك وسطًا بين رفع الصوت وخفضه في أول النهار وآخره لفضل هذين الوقتين، ولا تكن من الغافلين عن ذكر الله تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.nEjON"