الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف

وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة ، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاما له واحتراما ، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه [ لعلكم تغلبون ] ) [ فصلت : 26 ] ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة كما ورد الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ، من حديث أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا " وكذلك رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة وصححه مسلم بن الحجاج أيضا ، ولم يخرجه في كتابه وقال إبراهيم بن مسلم الهجري ، عن أبي عياض ، عن أبي هريرة قال : كانوا يتكلمون في الصلاة ، فلما نزلت هذه الآية : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له [ وأنصتوا ] ) والآية الأخرى ، أمروا بالإنصات وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن المسيب بن رافع ، قال ابن مسعود : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة : سلام على فلان ، وسلام على فلان ، فجاء القرآن ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) وقال أيضا : حدثنا أبو كريب ، حدثنا المحاربي ، عن داود بن أبي هند ، عن بشير بن جابر قال : صلى ابن مسعود ، فسمع ناسا يقرءون مع الإمام ، فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفهموا ؟

أما آن لكم أن تعقلوا ؟

( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) كما أمركم الله قال : وحدثني أبو السائب ، حدثنا حفص ، عن أشعث ، عن الزهري قال : نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئا قرأه ، فنزلت : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن ، من حديث الزهري ، عن أبي أكيمة الليثي ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة ، فقال : " هل قرأ أحد منكم معي آنفا ؟

" قال رجل : نعم يا رسول الله .

قال إني أقول : ما لي أنازع القرآن ؟

" قال : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الترمذي : " هذا حديث حسن " .

وصححه أبو حاتم الرازي .

وقال عبد الله بن المبارك ، عن يونس عن الزهري قال : لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام ، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته ، ولكنهم يقرءون فيما لا يجهر به سرا في أنفسهم ، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرا ولا علانية ، فإن الله تعالى قال : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) قلت : هذا مذهب طائفة من العلماء : أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها ، وهو أحد قولي الشافعي ، وهو القديم كمذهب مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل ، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة .

وقال في الجديد : يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام ، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم .

وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل : لا يجب على المأموم قراءة أصلا في السرية ولا الجهرية ، لما ورد في الحديث : " من كان له إمام فقراءته له قراءة " .

وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعا ، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان ، عن جابر موقوفا ، وهذا أصح .

وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفا على حدة واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضا ، والله أعلم .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) يعني : في الصلاة المفروضة .

وكذا روي عن عبد الله بن المغفل .

وقال ابن جرير : حدثنا حميد بن مسعدة ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا الجريري ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال : رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان ، والقاص يقص ، فقلت : ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود ؟

قال : فنظرا إلي ، ثم أقبلا على حديثهما .

قال : فأعدت فنظرا إلي ، وأقبلا على حديثهما .

قال : فأعدت الثالثة ، قال : فنظرا إلي فقالا إنما ذلك في الصلاة : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) وقال سفيان الثوري ، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير ، عن مجاهد في قوله : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) قال : في الصلاة .

وكذا رواه غير واحد عن مجاهد .

وقال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن ليث ، عن مجاهد قال : لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم .

وكذا قال سعيد بن جبير ، والضحاك ، وإبراهيم النخعي ، وقتادة ، والشعبي ، والسدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أن المراد بذلك في الصلاة .

وقال شعبة ، عن منصور ، سمعت إبراهيم بن أبي حرة يحدث أنه سمع مجاهدا يقول في هذه الآية : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) قال : في الصلاة والخطبة يوم الجمعة .

وكذا روى ابن جريج عن عطاء ، مثله .

وقال هشيم ، عن الربيع بن صبيح ، عن الحسن قال : في الصلاة وعند الذكر .

وقال ابن المبارك ، عن بقية : سمعت ثابت بن عجلان يقول : سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) قال : الإنصات يوم الأضحى ، ويوم الفطر ، ويوم الجمعة ، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة .

وهذا اختيار ابن جرير أن المراد بذلك [ الإنصات في الصلاة وفي الخطبة ; لما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات ] خلف الإمام وحال الخطبة .

وقال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن ليث ، عن مجاهد أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئا ، قال : السكوت .

وقال مبارك بن فضالة ، عن الحسن : إذا جلست إلى القرآن ، فأنصت له .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا عباد بن ميسرة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من استمع إلى آية من كتاب الله ، كتبت له حسنة مضاعفة ، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة " .

تفرد به أحمد رحمه الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به، المصدقين بكتابه، الذين القرآنُ لهم هدى ورحمة: (إذا قرئ)، عليكم، أيها المؤمنون,(القرآن فاستمعوا له)، يقول: أصغوا له سمعكم، لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه (58) =(وأنصتوا)، إليه لتعقلوه وتتدبروه, ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه =(لعلكم ترحمون)، يقول: ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه, واعتباركم بعبره, واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيه.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي أمر الله بالاستماع لقارئ القرآن إذا قرأ والإنصات له.

فقال بعضهم: ذلك حال كون المصلي في الصلاة خلف إمام يأتمّ به, وهو يسمع قراءة الإمام، عليه أن يسمع لقراءته.

وقالوا: في ذلك أنـزلت هذه الآية.

* ذكر من قال ذلك: 15581 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو بكر بن عياش, عن عاصم, عن المسيب بن رافع قال: كان عبد الله يقول: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة: " سلام على فلان, وسلام على فلان ".

قال: فجاء القرآن: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا).

(59) 15582 - ....

قال: حدثنا حفص بن غياث, عن إبراهيم الهجري, عن أبي عياض, عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة, فلما نـزلت هذه الآية: (وإذا قرئ القرآن)، والآية الأخرى, أمروا بالإنصات.

(60) 15583 - حدثني أبو السائب قال: حدثنا حفص, عن أشعث, عن الزهري قال: نـزلت هذه الآية في فتى من الأنصار، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئًا قرأه, فنـزلت: ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا).

15584 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي, عن داود بن أبي هند, عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود, فسمع ناسًا يقرأون مع الإمام, فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا!

أما آن لكم أن تعقلوا؟(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)، كما أمركم الله.

(61) 15585 - حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا الجريري, عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاصّ يقص, فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟

قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما.

قال: فأعدت، فنظرا إلي, ثم أقبلا على حديثهما.

قال: فأعدت الثالثة قال: فنظرا إلي فقالا إنما ذلك في الصلاة: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا).

(62) 15586 - حدثني العباس بن الوليد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثنا عبد الله بن عامر قال: ثني زيد بن أسلم, عن أبيه, عن أبي هريرة, عن هذه الآية: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: نـزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الصلاة.

(63) 15587 - حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان, عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير, عن مجاهد في قوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: في الصلاة.

15588 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, عن رجل, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: في الصلاة.

15589 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن إدريس قال: حدثنا ليث, عن مجاهد: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: في الصلاة.

15590 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت حميدًا الأعرج قال: سمعت مجاهدًا يقول في هذه الآية: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: في الصلاة.

15591 - ....

قال: حدثني عبد الصمد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا حميد, عن مجاهد، بمثله.

15592 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير وابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: في الصلاة المكتوبة.

15593 - ....

قال: حدثنا المحاربي, عن ليث, عن مجاهد, وعن حجاج, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد = وعن ابن أبي ليلى, عن الحكم = عن سعيد بن جبير: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: في الصلاة المكتوبة.

15594 - ....

قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي هاشم, عن مجاهد: في الصلاة المكتوبة.

15595 - ....

قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

15596 - ....

قال: حدثنا المحاربي وأبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك قال: في الصلاة المكتوبة.

15597 - ....

قال: حدثنا جرير وابن فضيل, عن مغيرة, عن إبراهيم قال: في الصلاة المكتوبة.

15598 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: كانوا يتكلمون في صلاتهم بحوائجهم أوَّلَ ما فرضت عليهم, فأنـزل الله ما تسمعون: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا).

15599 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم: كم صليتم؟

كم بقي؟

فأنـزل الله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)، وقال غيره: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار, فأنـزل الله: (وإذا قرئ القرآن).

15600 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو خالد والمحاربي, عن أشعث, عن الزهري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ورجل يقرأ, فنـزلت: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا).

15601 - ....

قال: حدثنا أبو خالد الأحمر, عن الهجري, عن أبي عياض, عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة, فلما نـزلت: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: هذا في الصلاة.

(64) 15602 - ....

قال: حدثنا أبي, عن حريث, عن عامر قال: في الصلاة المكتوبة.

15603 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: إذا قرئ في الصلاة.

15604 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له)، يعني: في الصلاة المفروضة.

15605 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري, عن أبي هاشم, عن مجاهد قال: هذا في الصلاة في قوله: ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له) = قال: أخبرنا الثوري, عن ليث, عن مجاهد: أنه كره إذا مرّ الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد ممن خلفَه شيئًا.

قال: السكوت = قال: أخبرنا الثوري, عن ليث, عن مجاهد: قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم.

15606 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) قال: هذا إذا قام الإمام للصلاة (فاستمعوا له وأنصتوا).

15607 - حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن يونس, عن الزهري قال: لا يقرأ مَن وراء الإمام فيما يجهر به من القراءة, تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يُسْمِعهم صوته, ولكنهم يقرءون فيما لم يجهر به سرًّا في أنفسهم.

ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًّا ولا علانية.

قال الله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون).

15608 - حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن ابن لهيعة, عن ابن هبيرة, عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ، هذا في المكتوبة.

وأما ما كان من قصص أو قراءة بعد ذلك, فإنما هي نافلة.

إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة مكتوبة, وقرأ وراءه أصحابه, فخلَّطوا عليه قال: فنـزل القرآن: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)، فهذا في المكتوبة.

* * * وقال آخرون: بل عُني بهذه الآية الأمر بالإنصات للإمام في الخطبة إذا قرئ القرآن في خطبة.

(65) * ذكر من قال ذلك: 15609 - حدثنا تميم بن المنتصر قال: حدثنا إسحاق الأزرق, عن شريك, عن سعيد بن مسروق, عن مجاهد, في قوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: الإنصات للإمام يوم الجمعة.

15610 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو خالد وابن أبي عتبة, عن العوام, عن مجاهد قال: في خطبة يوم الجمعة.

* * * وقال آخرون: عني بذلك: الإنصات في الصلاة، وفي الخطبة.

* ذكر من قال ذلك: 15611 - حدثني ابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن منصور قال: سمعت إبراهيم بن أبي حمزة, يحدث أنه سمع مجاهدًا يقول في هذه الآية: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: في الصلاة, والخطبة يوم الجمعة.

15612 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا هارون, عن عنبسة, عن جابر, عن عطاء قال: وجب الصُّمُوت في اثنتين، عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلي, وعند الإمام وهو يخطب.

15613 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن مجاهد: (وإذا قرئ القرآن)، وجب الإنصات في اثنتين، (66) في الصلاة والإمام يقرأ, والجمعة والإمام يخطب.

15614 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال حدثنا هشيم, أخبرنا من سمع الحسن يقول: في الصلاة المكتوبة, وعند الذكر.

15615 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري, عن جابر, عن مجاهد قال: وجب الإنصات في اثنتين: في الصلاة, ويوم الجمعة.

15616 - حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن بقية بن الوليد قال: سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال: الإنصات: يوم الأضحى, ويوم الفطر, ويوم الجمعة, وفيما يجهر به الإمام من الصلاة.

(67) 15617 - حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن [عون] قال: أخبرنا هشيم, عن الربيع بن صبيح, عن الحسن قال: في الصلاة, وعند الذكر.

(68) 15618 - حدثنا ابن البرقي قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: ثني ابن جريج, عن عطاء بن أبي رباح قال: أوجب الإنصات يوم الجمعة, قول الله تعالى ذكره: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)، وفي الصلاة مثل ذلك.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتمّ به يسمعه, وفي الخطبة.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال: " إذا قرأ الإمام فأنصتوا "، (69) وإجماع الجميع على أن [على] من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة, الاستماعَ والإنصاتَ لها, (70) مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه، من قارئه، إلا في هاتين الحالتين، (71) على اختلاف في إحداهما, وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به.

وقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا من قوله: " إذا قرأ الإمام فانصتوا " فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتمًّا سامعًا قراءته، بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ------------------- الهوامش : (58) انظر تفسير (( استمع )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) .

(59) الأثر : 15581 - (( أبو بكر بن عياش )) ، ثقة معروف ، مضى مرارًا .

و (( عاصم )) ، هو (( عاصم بن أبي النجود )) ، (( عاصم ابن بهدلة )) ، ثقة مضى مرارًا .

و (( المسيب بن رافع الأسدى )) ، تابعى ثقة ، لم يلق ابن مسعود ، مضى برقم 128 ، 6175 .

و (( عبد الله )) ، هو ابن مسعود .

فهذا الخبر منقطع الإسناد .

وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 623 .

(60) الأثر : 15582 - سيأتي بإسناد آخر ، بلفظ آخر رقم : 15601 .

(( حفص بن غياث )) ثقة مأمون ، أخرج له الجماعة ، مضى مرارًا .

(( إبراهيم الهجرى )) ، هو (( إبراهيم بن مسلم الهجرى )) ، وهو ضعيف ، مضى برقم : 11 ، 4173 .

و (( أبو عياض )) ، هو (( عمر بن الأسود العنسى )) ، ثقة من عباد أهل الشام ، مضى برقم 1382 ، 11255 ، 12804 .

وهذا خبر ضعيف الإسناد ، لضعف إبراهيم الهجرى .

ورواه البيهقي في السنن 2 : 155 ، بنحوه ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 156 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة في المصنف ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه .

(61) الأثر : 15584 - (( بشير بن جابر )) هكذا في المطبوعة وابن كثير 3 : 623 .

وفي المخطوطة : (( بسير )) غير منقوط ، وقد أعيانى أن أجد لها وجهاً ، أو أن أجد (( بشير بن جابر )) في شيء من المراجع .

(62) الأثر : 15585 - (( طلحة بن عبيد بن كريز الخزاعى )) ، أبو المطرف المصرى .

ثقة قليل الحديث .

مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/1/166 ، والكبير 2/2/348 .

وابن أبي حاتم 2 / 1 / 474 .

و (( كريز )) ( بفتح الكاف ، وكسر الراء )) .

(63) الأثر : 15586 - (( عبد الله بن عامر الأسلمى )) ، روى عنه الأوزعى ، وابن أبي ذئب ، وسليمان بن بلال وغيرهم .

ضعفه أحمد وابن معين ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/123 ، وميزان الاعتدال 2 : 50 .

وهذا خبر ضعيف لضعف (( عبد الله بن عامر )) .

ورواه الواحدى في أسباب النزول : 171 ، 172 من طريق أبي منصور المنصورى ، عن عبد الله بن عامر ، بمثله .

(64) الأثر : 15601 - (( الهجرى )) ، هو (( إبراهيم بن مسلم الهجرى )) ، ومضى هذا الخبر برقم : 15582 ، بنحوه ، وبينا ضعف إسناده هناك .

(65) في المطبوعة : (( إذا قرئ القرآن في خطبة )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(66) في المطبوعة : (( وإذا قرئ القرآن ، وجب الإنصات قال : وجب في اثنتين .

وهو مضطرب صوابه من المخطوطة ، بحذف ما زاده ، وتقديم ما أخره .

(67) الأثر : 15616 - (( ثابت بن عجلان الأنصارى السلمي )) ، متكلم فيه ، وثقه بعضهم ، ومرضه آخرون .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/166 ، ولم يذكر فيه جرحاً ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 455 .

(68) الأثر : 15617 - (( عمرو بن عون الواسطى )) ، مضى مرارًا .

وكان في المخطوطة : (( قال حدثنا عمرو بن قال أخبرنا هشيم )) ، سقط من الإسناد ما أثبته بين القوسين .

وكان في المطبوعة : (( عمرو بن حماد )) ، مكان (( عمرو بن عون )) ، وهو فاسد و سئ جداً .

وقد مضى مرارًا مثل إسناد (( المثنى )) هذا إلى (( هشيم )) برقم : 3159 ، 3879 ، 10962 ، وغيرها .

فمن هذا استظهرت ما أثبته ، وهو الصواب إن شاء الله .

(69) انظر تخريج الخبر في السنن الكبرى 2: 155 ، 156 .

(70) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، والسياق : (( أن على من سمع ...

الاستماع والإنصات )) .

(71) في المخطوطة حرف ( ط ) فوق (( لسامعه )) ، دلالة على الخطأ والشك في صحته ، ولكنه مستقيم .

وهو عطف على ما قبله ، كأنه قال : وأنه لا وقت يجب الإنصات لسامعه ، من قارئه )) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا قيل : إن هذا نزل في الصلاة ، روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزهري وعبيد الله بن عمير وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب .

قال سعيد : كان المشركون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ; فيقول بعضهم لبعض بمكة : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه .

فأنزل الله جل وعز جوابا لهم وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا .وقيل : إنها نزلت في الخطبة ; قاله سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن مخيمرة ومسلم بن يسار وشهر بن حوشب وعبد الله بن المبارك .

وهذا ضعيف ; لأن القرآن فيها قليل ، والإنصات يجب في جميعها ; قاله ابن العربي .

النقاش : والآية مكية ، ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة .

وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أيضا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة ، وفيما يجهر به الإمام فهو عام .

وهو الصحيح لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات .

قال النقاش : أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة .

النحاس : وفي اللغة يجب أن يكون في كل شيء ، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء .

وقال الزجاج : يجوز أن يكون فاستمعوا له وأنصتوا اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه .

والإنصات : السكوت للاستماع والإصغاء والمراعاة .

أنصت ينصت إنصاتا ; ونصت أيضا ; قال الشاعر :قال الإمام عليكم أمر سيدكم فلم نخالف وأنصتنا كما قالاويقال : أنصتوه وأنصتوا له ; قال الشاعر :إذا قالت حذام فأنصتوها فإن القول ما قالت حذاموقال بعضهم في قوله فاستمعوا له وأنصتوا : كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصا ليعيه عنه أصحابه .

قلت : هذا فيه بعد ، والصحيح القول بالعموم ; لقوله : لعلكم ترحمون والتخصيص [ ص: 317 ] يحتاج إلى دليل .

وقال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له : إن المشركين كانوا يكثرون اللغط والشغب تعنتا وعنادا ; على ما حكاه الله عنهم : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون .

فأمر الله المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة وأن يستمعوا ، ومدح الجن على ذلك فقال : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الآية .

وقال محمد بن كعب القرظي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه ; إذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قالوا مثل قوله ، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة .

فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث ; فنزل : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون فأنصتوا .

وهذا يدل على أن المعني بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال قتادة في هذه الآية : كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم ، كم بقي ; فأنزل الله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا .

وعن مجاهد أيضا : كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم ; فنزل قوله تعالى : لعلكم ترحمون .

وقد مضى في الفاتحة الاختلاف في قراءة المأموم خلف الإمام .

ويأتي في " الجمعة " حكم الخطبة ، إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب اللّه يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه.

وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب اللّه، فإنه ينال خيرا كثيرا وعلما غزيرا، وإيمانا مستمرا متجددا، وهدى متزايدا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب اللّه حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير.

ومن أوكد ما يؤمر به مستمع القرآن، أن يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه، فإنه مأمور بالإنصات، حتى إن أكثر العلماء يقولون: إن اشتغاله بالإنصات، أولى من قراءته الفاتحة، وغيرها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فذهب جماعة إلى أنها في القراءة في الصلاة ، روي عن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت والاستماع إلى قراءة القرآن .

وقال قوم : نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام .

وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة .

وقال الكلبي : كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سمع ناسا يقرأون مع الإمام فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفقهوا وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله ؟

وهذا قول الحسن والزهري والنخعي : أن الآية في القراءة في الصلاة .

وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد : إن الآية في الخطبة ، أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة .

وقال سعيد بن جبير : هذا في الإنصات يوم الأضحى والفطر ويوم الجمعة ، وفيما يجهر به الإمام .

وقال عمر بن عبد العزيز : يجب الإنصات لقول كل واعظ .

والأول أولاها ، وهو أنها في القراءة في الصلاة لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة .

واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس الأصم ثنا الربيع ثنا الشافعي ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت " .

واختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام في الصلاة : فذهب جماعة إلى إيحابها سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسر .

روي ذلك عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن عباس ، ومعاذ ، وهو قول الأوزاعي والشافعي .

وذهب قوم إلى أنه يقرأ فيما أسر الإمام فيه بالقراءة ولا يقرأ إذا جهر ، يروى ذلك عن ابن عمر ، وهو قول عروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وبه قال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق .

وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء أسر الإمام أو جهر ، يروى ذلك عن جابر ، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي ويتمسك من لا يرى القراءة خلف الإمام بظاهر هذه الآية ، ومن أوجبها قال : الآية في غير الفاتحة وإذا قرأ الفاتحة يتبع سكتات الإمام ولا ينازع الإمام في القراءة .

والدليل عليه : ما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، ثنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، ثنا أبو العباس المحبوبي ، ثنا أبو عيسى الترمذي ، ثنا هناد ، ثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق عن مكحول ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصبح فثقلت عليه القراءة ، فلما انصرف قال : " إني أراكم تقرأون وراء إمامكم " ؟

قال : قلنا يا رسول الله إي والله ، قال : " لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا» عن الكلام «لعلكم ترحمون» نزلت في ترك الكلام في الخطبة وعبَّر عنها بالقرآن لاشتمالها عليه، وقيل في قراءة القرآن مطلقا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له أيها الناس وأنصتوا، لتعقلوه رجاء أن يرحمكم الله به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكما افتتحت السورة بالثناء على القرآن ( كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) فقد اتجهت فى أواخرها إلى أمر الناس بحسن الاستماع إلى هذا القرآن ، وإلى تدبره والعمل به فقالت : ( وَإِذَا قُرِىءَ .

.

.

.

) .أى وإذا قرىء القرآن الذى ذكرت خصائصه ومزاياه عليكم فاستمعوا له بتدبر وخشوع ، واصغوا إليه بأسماعكم وكل جوارحكم لتفهموا معانيه ، وتفقهوا توجيهاته ، وأنصتوا لقراءته حتى تنقضى تعظيما له ، وإكبارا لشأنه ، لكى تفوزوا برحمة الله ورضاه .وبعض العلماء يحمل القراءة فى الآية على القراءة خلف الإمام فى الصلاة ، أى أن علىالمؤتم أن يستمع إلى قراءة الإمام بتدبر وخشوع ، واستدلوا على ذلك بأحاديث فى هذا المعنى .

وبعضهم يجعل الآية عامة فى وجوب الاستماع فى قراءة القرآن بتدبر وإنصات وخشوع فى الصلاة وفى غير الصلاة وحملوا الأحاديث التى أوردها أصحاب الرأى الأول على العموم أيضاً .والذى نراه أن الآية تأمر بوجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن فى الصلاة وفى غير الصلاة ، لأن تعاليم الإسلام وآدابه تقتضى منا أن نستمع إلى القرآن بتدبر وإنصات وخشوع ، ليؤثر تأثيره الشافى فى القلوب ، وليقودها إلى الطاعة والتقوى ، فتنال المغفرة والرحمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ هذا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ  ﴾ أردفه بقوله: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الإنصات السكوت والاستماع، يقال: نصت، وأنصت، وانتصت، بمعنى واحد.

المسألة الثانية: لا شك أن قوله: ﴿ فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ أمره، وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً، وللناس فيه أقوال.

القول الأول: وهو قول الحسن وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها ففي أي موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كل أحد استماعه والسكوت، فعلى هذا القول يجب الإنصات لعابري الطريق، ومعلمي الصبيان.

والقول الثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية، وأمروا بالإنصات، وقال قتادة: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم، كم صليتم وكم بقي؟

وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

والقول الثالث: أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام.

قال ابن عباس قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم، فخلطوا عليه، فنزلت هذه الآية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

والقول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وهذا القول منقول عن الشافعي رحمه الله، وكثير من الناس قد استبعد هذا القول، وقال اللفظ عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة الواحدة.

وأقول هذا القول في غاية البعد لأن لفظة إذا تفيد الارتباط، ولا تفيد التكرار، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار مرة واحدة طلقت طلقة واحدة، فإذا دخلت الدار ثانياً لم تطلق بالاتفاق لأن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تفيد التكرار.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ لا يفيد إلا وجوب الإنصات مرة واحدة، فلما أوجبنا الاستماع عند قراءة القرآن في الخطبة، فقد وفينا بموجب اللفظ ولم يبق في اللفظ دلالة على ما وراء هذه الصورة، سلمنا أن اللفظ يفيد العموم إلا أنا نقول بموجب الآية، وذلك لأن عند الشافعي رحمه الله: يسكت الإمام، وحينئذ يقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة للإمام سكتتان، فاغتنم القراءة في أيهما شئت، وهذا السؤال أورده الواحدي في البسيط.

ولقائل أن يقول: سكوت الإمام إما أن نقول: إنه من الواجبات أو ليس من الواجبات والأول باطل بالإجماع والثاني يقتضي أن يجوز له أن لا يسكت.

فبتقدير: أن لا يسكت يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام، وذلك يفضي إلى ترك الاستماع، وإلى ترك السكوت عند قراءة الإمام، وذلك على خلاف النص، وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود ومقدار مخصوص والسكتة للمأمومين مختلفة بالثقل والخفة، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام، وحينئذ يلزم المحذور المذكور، وأيضاً فالإمام إنما يبقى ساكتاً ليتمكن المأموم من إتمام القراءة، وحينئذ ينقلب الإمام مأموماً، والمأموم إماماً، لأن الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم، وذلك غير جائز، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الواحدي غير جائز، وذكر الواحدي سؤالاً ثانياً على التمسك بالآية.

فقال: إن الإنصات هو ترك الجهر والعرب تسمي تارك الجهر منصتاً، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.

ولقائل أن يقول: إنه تعالى أمره أولاً بالاستماع واشتغاله بالقراءة يمنعه من الاستماع، لأن السماع غير، والاستماع غير، فالاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، قال تعالى لموسى عليه السلام: ﴿ وَأَنَا اخترتك فاستمع لِمَا يُوحَى  ﴾ والمراد ما ذكرناه، وإذا ثبت هذا وظهر أن الاشتغال بالقراءة مما يمنع من الاستماع علمنا أن الأمر بالاستماع يفيد النهي عن القراءة.

السؤال الثالث: وهو المعتمد أن نقول: الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد فهب أن عموم قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام، إلا أن قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».

وقوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» أخص من ذلك العموم، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير إلى تخصيص عموم هذه الآية بهذا الخبر، وهذا السؤال حسن.

والسؤال الرابع: أن نقول: مذهب مالك وهو القول القديم للشافعي أنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلوات الجهرية، عملاً بمقتضى هذا النص، ويجب عليه القراءة في الصلوات السرية، لأن هذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة، وهذا أيضاً سؤال حسن، وفي الآية قول خامس وهو أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطاباً مع المسلمين، وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقواماً من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها، فأمر الله رسوله أن يقول جواباً عن كلامهم إنه ليس لي أن أقترح على ربي، وليس لي إلا أن أنتظر الوحي، ثم بين تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله: ﴿ هذا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ﴾ فلو قلنا إن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه، وانقطع النظم، وحصل فساد الترتيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، فوجب أن يكون المراد منه شيئاً آخر سوى هذا الوجه وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة، من حيث إنه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزاً دالاً على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيستعينوا بهذا القرآن على طلب سائر المعجزات، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن: إنه بصائر وهدى ورحمة فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب الحسن المفيد، ولو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى، وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ ﴾ خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزاً على صدق نبوته، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه، ومما يقوى أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى، وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ  ﴾ فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت، حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز.

والوجه الثاني: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: ﴿ هذا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم.

ثم قال: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ ولو كان المخاطبون بقوله: ﴿ فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ هم المؤمنون لما قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ لأنه جزم تعالى قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعاً فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة للمؤمنين؟

أما إذا قلنا: إن المخاطبين بقوله: ﴿ فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ هم الكافرون، صح حينئذ قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ لأن المعنى؛ فاستمعوا له وأنصتوا فلعلكم تطلعون على ما فيه من دلائل الإعجاز، فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين، فثبت أنا لو حملناه على ما قلناه حسن قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ لعل فيه.

فثبت أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى، وحينئذ يسقط استدلال الخصم به من كل الوجوه، لأنا بينا بالدليل أن هذا الخطاب ما يتناول المؤمنين، وإنما تناول الكفار في أول زمان تبليغ الوحي والدعوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذَا قرئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة.

وقيل: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت، ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.

وقيل معناه: وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له.

وقيل: معنى فاستمعوا له: فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ ﴾ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِمّا اقْتَرَحُوهُ.

﴿ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها ﴾ هَلّا جَمَعَتْها تَقَوُّلًا مِن نَفْسِكَ كَسائِرِ ما تَقْرَؤُهُ أوْ هَلّا طَلَبْتَها مِنَ اللَّهِ.

﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ لَسْتُ بِمُخْتَلِقٍ لِلْآياتِ أوْ لَسْتُ بِمُقْتَرِحٍ لَها.

﴿ هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ ﴾ هَذا القُرْآنُ بَصائِرُ لِلْقُلُوبِ بِها يُبْصَرُ الحَقُّ ويُدْرَكُ الصَّوابُ.

﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ نَزَلَتْ في الصَّلاةِ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيها فَأُمِرُوا بِاسْتِماعِ قِراءَةِ الإمامِ والإنْصاتِ لَهُ.

وظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُما حَيْثُ يُقْرَأُ القُرْآنُ مُطْلَقًا، وعامَّةُ العُلَماءِ عَلى اسْتِحْبابِهِما خارِجَ الصَّلاةِ.

واحْتَجَّ بِهِ مَن لا يَرى وُجُوبَ القِراءَةِ عَلى المَأْمُومِ وهو ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذا قرئ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وقيل معناه إذا تلاعليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له وجمهور الصحابة رضى الله عنهم على أنه في استماع المؤتم وقيل في استماع الخطبة وقيل فيهما وهو الأصح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ إرْشادٌ إلى طَرِيقِ الفَوْزِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يَنْطَوِي عَلَيْها القُرْآنُ، والِاسْتِماعُ مَعْرُوفٌ، واللّامُ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ أجَلِيَّةً وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى إلى وأنْ تَكُونَ صِلَةً، أيْ: فاسْتَمِعُوهُ، والإنْصاتُ السُّكُوتُ يُقالُ: نَصَتَ يُنْصِتُ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ إذا سَكَتَ والِاسْمُ النُّصْتَةُ بِالضَّمِّ، ويُقالُ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ: أنْصَتَهُ وأنْصَتَ لَهُ إذا سَكَتَ لَهُ واسْتَمَعَ لِحَدِيثِهِ، وجاءَ أنْصَتَهُ إذا أسْكَتَهُ، والعَطْفُ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ القُرْآنِ، وعُلِّلَ الأمْرُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تَفُوزُوا بِالرَّحْمَةِ الَّتِي هي أقْصى ثَمَراتِهِ، والآيَةُ دَلِيلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في أنَّ المَأْمُومَ لا يَقْرَأُ في سِرِّيَّةٍ ولا جَهْرِيَّةٍ لِأنَّها تَقْتَضِي وُجُوبَ الِاسْتِماعِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ في غَيْرِها عَلى جَوازِ الِاسْتِماعِ وتَرْكِهِ فَبَقِيَ فِيها عَلى حالِهِ في الإنْصاتِ لِلْجَهْرِ وكَذا في الإخْفاءِ لَعَلِمْنا بِأنَّهُ يُقْرَأُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أخْبارٌ جَمَّةٌ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: «قَرَأ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ: وإذا قُرِئَ القُرْآنُ إلَخْ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ صَلّى بِأصْحابِهِ فَسَمِعَ أُناسًا يَقْرَؤُونَ خَلْفَهُ، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: أما آنَ لَكم أنْ تَفْهَمُوا!

أما آنَ لَكم أنْ تَعْقِلُوا!

﴿ وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: لا قِراءَةَ خَلْفَ الإمامِ.

وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإذا قَرَأ فَأنْصِتُوا»».

وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ جابِرٍ: «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن كانَ لَهُ إمامٌ فَقِراءَتُهُ لَهُ قِراءَةٌ»».

وهَذا الحَدِيثُ إذا صَحَّ وجَبَ أنْ يَخُصَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ ﴾ .

وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا صَلاةَ إلّا بِقِراءَةٍ»».

عَلى طَرِيقَةِ الخَصْمِ مُطْلَقًا فَيَخْرُجُ المُقْتَدِي وعَلى طَرِيقَتِنا أيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ العُمُومَ قَدْ خُصَّ مِنهُ البَعْضُ وهو المُدْرِكُ في الرُّكُوعِ إجْماعًا فَجازَ التَّخْصِيصُ بَعْدَهُ بِالمُقْتَدِي بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ، وكَذا يُحْمَلُ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُسِيءِ صَلاتَهُ: «فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ»».

عَلى غَيْرِ حالَةِ الِاقْتِداءِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ، بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ القِراءَةَ ثابِتَةٌ مِنَ المُقْتَدِي شَرْعًا؛ فَإنَّ قِراءَةَ الإمامِ لَهُ فَلَوْ قَرَأ لَكانَ لَهُ قِراءَتانِ في صَلاةٍ واحِدَةٍ وهو غَيْرُ مَشْرُوعٍ.

بَقِيَ الكَلامُ في تَصْحِيحِ الخَبَرِ، وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ مَرْفُوعًا عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ ضُعِّفَ، واعْتَرَفَ المُضَعِّفُونَ لِرَفْعِهِ كالدّارَقُطْنِيِّ والبَيْهَقِيِّ وابْنُ عَدِيٍّ بِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ مُرْسَلٌ لِأنَّ الحُفّاظَ كالسُّفْيانَيْنِ وأبِي الأحْوَصِ وشُعْبَةَ وإسْرائِيلَ وشَرِيكٍ وجَرِيرٍ وأبِي الزُّبَيْرِ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وخَلْقٍ آخَرِينَ رَوَوْهُ عَنْ مُوسى بْنِ أبِي عائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلُوهُ، وقَدْ أرْسَلَهُ مَرَّةً أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وحِينَئِذٍ لَنا أنْ نَقُولَ: المُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ فَيَكْفِينا فِيما يَرْجِعُ إلى العَمَلِ عَلى رَأْيِنا وعَلى طَرِيقِ الإلْزامِ أيْضًا بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى حُجِّيَّةِ المُرْسَلِ أيْضًا، وعَلى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ عَنْ حُجِّيَّتِهِ فَقَدْ رَفَعَهُ الإمامُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في مُوَطَّئِهِ قالَ: أنْبَأنا أبُو حَنِيفَةَ أبُو الحَسَنِ مُوسى بْنُ أبِي عائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن صَلّى خَلْفَ إمامٍ فَإنَّ قِراءَةَ الإمامِ لَهُ قِراءَةٌ»».

وقَوْلُهُمْ: إنَّ الحُفّاظَ الَّذِينَ عَدُّوهم لَمْ يَرْفَعُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.

فَقَدْ قالَ أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ في مُسْنَدِهِ: أخْبَرَنا إسْحاقُ الأزْرَقُ، حَدَّثَنا سُفْيانُ وشَرِيكٌ عَنْ مُوسى بْنِ أبِي عائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن كانَ لَهُ إمامٌ فَقِراءَةُ الإمامِ لَهُ قِراءَةٌ»».

ثُمَّ قالَ: وحَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ مُوسى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ ولَمْ يَذْكُرْ جابِرًا - ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ حَدَّثْنا الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ، وإسْنادُ حَدِيثِ جابِرٍ الأوَّلِ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، والثّانِي عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، فَهَؤُلاءِ سُفْيانُ وشَرِيكٌ وجَرِيرٌ وأبُو الزُّبَيْرِ رَفَعُوهُ بِالطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ فَبَطَلَ عَدُّهم فِيمَن لَمْ يَرْفَعْهُ، ولَوْ تَفَرَّدَ الثِّقَةُ وجَبَ قَبُولُهُ لِأنَّ الرَّفْعَ زِيادَةٌ، وزِيادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ فَكَيْفَ ولَمْ يَنْفَرِدْ، والثِّقَةُ قَدْ يُسْنِدُ الحَدِيثَ تارَةً ويُرْسِلُهُ أُخْرى.

وأخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ الإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في تَرْجَمَتِهِ، وذُكِرَ فِيها قِصَّةٍ وبِها أخْرَجَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدانَ الصَّيْرَفِيُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الفَضْلِ البَلْخِيُّ، حَدَّثَنا مَكِّيُّ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ عَنْ مُوسى بْنِ أبِي عائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ««إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى ورَجُلٌ خَلْفَهُ يَقْرَأُ فَجَعَلَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَنْهاهُ عَنِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، فَلَمّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ قالَ: أتَنْهانِي عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَنازَعا حَتّى ذَكَرا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن صَلّى خَلْفَ إمامٍ فَإنَّ قِراءَةَ الإمامِ لَهُ قِراءَةٌ»».

وفِي رِوايَةٍ لِأبِي حَنِيفَةَ: «إنَّ ذَلِكَ كانَ في الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ» وهي «أنَّ رَجُلًا قَرَأ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ فَأوْمَأ إلَيْهِ فَنَهاهُ، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: أتَنْهانِي» الحَدِيثَ.

نَعَمْ إنْ جابِرًا رَوى مِنهُ مَحَلَّ الحُكْمِ فَقَطْ تارَةً والمَجْمُوعَ تارَةً ويَتَضَمَّنُ رَدَّ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ لِأنَّهُ خَرَجَ تَأْيِيدًا لِنَهْيِ ذَلِكَ الصَّحابِيِّ عَنْها مُطْلَقًا في السِّرِّيَّةِ والجَهْرِيَّةِ خُصُوصًا في رِوايَةِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ القِصَّةَ كانَتْ في السِّرِّيَّةِ لا إباحَةَ فِعْلِها وتَرْكِها فَيُعارِضُ ما رُوِيَ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ: ««ما لِي أُنازَعُ في القُرْآنِ»».

أنَّهُ قالَ: إنَّهُ لا بُدَّ فَفي الفاتِحَةِ، وكَذا ما رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قالَ: كُنّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في صَلاةِ الفَجْرِ فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِراءَةُ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: «لَعَلَّكم تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمامِكُمْ؟» قُلْنا: نَعَمْ هَذا، قالَ: «لا تَفْعَلُوا إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ، فَإنَّهُ لا صَلاةَ لِمَن لا يَقْرَأُ بِها»».

ويُقَدَّمُ لِتَقَدُّمِ المَنعِ عَلى الإطْلاقِ عِنْدَ التَّعارُضِ ولِقُوَّةِ السَّنَدِ؛ فَإنَّ حَدِيثَ المَنعِ أصَحُّ فَبَطَلَ رَدُّ المُتَعَصِّبِينَ، وتَضْعِيفُ بَعْضِهِمْ لِمِثْلِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَعَ تَضْيِيقِهِ في الرِّوايَةِ إلى الغايَةِ حَتّى إنَّهُ شَرَطَ التَّذَكُّرَ لِجَوازِها بَعْدَ عِلْمِ الرّاوِي أنَّ ذَلِكَ المَرْوِيَّ خَطُّهُ، ولَمْ يَشْتَرَطِ الحُفّاظُ هَذا ولَمْ يُوافِقْهُ صاحِباهُ عَلى أنَّ الخَبَرَ قَدْ عُضِّدَ بِرِواياتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جابِرٍ غَيْرِ هَذِهِ، وإنْ ضُعِّفَتْ وبِمَذاهِبِ الصَّحابَةِ أيْضًا كابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

وأخْرَجَ مُحَمَّدٌ عَنْ داوُدَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَجْلانَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَيْتَ في فَمِ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الإمامِ حَجَرًا، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلّا أنَّ فِيهِ مَقالًا أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خَلْفَ الإمامِ فَقَدْ أخْطَأ الفِطْرَةَ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: أدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا كُلُّهم يَمْنَعُونَ المُقْتَدِيَ عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ، وقَدِ ادَّعى بَعْضُ أصْحابِنا إجْماعَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّ مُرادَهُ بِذَلِكَ إجْماعَ كَثِيرٍ مِن كِبارِهِمْ، وإلّا فَفِيهِ نَظَرٌ، وكَوْنُ مُرادِهِ الإجْماعَ السُّكُوتِيَّ لَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَأْمُومَ يَقْرَأُ إذا أسَرَّ الإمامُ القِراءَةَ ولا يَقْرَأُ إذا جَهَرَ وهو قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ والزُّهْرِيِّ ومالِكٍ وابْنِ المُبارَكِ وأحْمَدَ وإسْحاقَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وحُجَّتُهم فِيما قِيلَ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِماعِ لِقِراءَةِ القُرْآنِ، والسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ فَحَمَلْنا مَدْلُولَ الآيَةِ عَلى صَلاةِ الجَهْرِ ومَدْلُولَ السُّنَّةِ عَلى صَلاةِ السِّرِّ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلائِلِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما يَقْرَأُ في السِّرِّيَّةِ لِأنَّهُ لا يُقالُ لَهُ: مُسْتَمِعٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ وإنْ سَلَّمْنا أنَّهُ لا يُقالُ لَهُ ذَلِكَ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا يُقالُ لَهُ: مُنْصِتٌ مَعَ عِلْمِهِ بِالقِراءَةِ، وبِأنّا لا نُسَلِّمُ دَلالَةَ السُّنَّةِ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ ودُونَ إثْباتِ ذَلِكَ خَرْطُ القَتادِ، عَلى أنَّ الجَزْمَ العَمَلُ بِأقْوى الدَّلِيلَيْنِ، ولَيْسَ مُقْتَضى أقْواهُما إلّا المَنعُ، ومِن هُنا ضَعُفَ ما يُرْوى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُسْتَحْسَنُ قِراءَةُ الفاتِحَةِ عَلى سَبِيلِ الِاحْتِياطِ مُخالِفًا لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ وأبُو يُوسُفَ مِن كَراهَةِ القِراءَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الوَعِيدِ، والحَقُّ أنَّ قَوْلَهُ كَقَوْلِهِما، فَقَدْ قالَ في كِتابِ الآثارِ بَعْدَ ما أُسْنِدَ إلى عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ: إنَّهُ ما قَرَأ قَطُّ فِيما يُجْهَرُ بِهِ ولا فِيما لا يُجْهَرُ بِهِ، وبِهِ نَأْخُذُ فَلا نَرى القِراءَةَ خَلْفَ الإمامِ في شَيْءٍ مِنَ الصَّلاةِ يُجْهَرُ فِيهِ أوْ لا يُجْهَرُ فِيهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَقْرَأ خَلْفَهُ في شَيْءٍ مِنها، وذَكَرَ في مُوَطَّئِهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ السَّرْخَسِيُّ: تَفْسُدُ صَلاةُ القارِئِ خَلْفَ الإمامِ في قَوْلِ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومِنهم فِيما قِيلَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وفي رِوايَةِ المُزَنِيِّ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ يَقْرَأُ في الجَهْرِيَّةِ والسِّرِّيَّةِ، وفي رِوايَةِ البُوَيْطِيِّ أنَّهُ يَقْرَأُ في السِّرِّيَّةِ أُمَّ القُرْآنِ ويَضُمُّ السُّورَةَ في الأُولَيَيْنِ ويَقْرَأُ في الجَهْرِيَّةِ أُمَّ القُرْآنِ فَقَطْ.

والمَشْهُورُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ لا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ الَّذِي يَسْمَعُ الإمامَ في جَهْرِيَّةٍ بَلْ يَسْتَمِعُ.

فَإنْ بَعُدَ بِأنْ لَمْ يَسْمَعْ أوْ سَمِعَ صَوْتًا لا يُمَيِّزُ حُرُوفَهُ أوْ كانَتْ سِرِّيَّةً قَرَأ في الأصَحِّ، وسَبَبُ النُّزُولِ لَمْ يَكُنِ القِراءَةَ في الصَّلاةِ بَلْ أمْرٌ آخَرُ.

فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ، وحاصِلُها النَّهْيُ عَنِ التَّكَلُّمِ لا عَنِ القِراءَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِالخُطْبَةِ، والأمْرُ بِالِاسْتِماعِ إمّا لِلْوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ، وعِنْدَنا الإنْصاتُ في الخُطْبَةِ فَرْضٌ عَلى تَفْصِيلٍ في المَسْألَةِ، وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الآيَةَ في الصَّلاةِ والخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وفي كَلامِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الِاسْتِماعِ في الجَهْرِ بِالقُرْآنِ مُطْلَقًا.

قالَ في الخُلاصَةِ: رَجُلٌ يَكْتُبُ الفِقْهَ وبِجَنْبِهِ رَجُلٌ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَلا يُمْكِنُهُ اسْتِماعُ القُرْآنِ فالإثْمُ عَلى القارِئِ، وعَلى هَذا لَوْ قَرَأ عَلى السَّطْحِ في اللَّيْلِ جَهْرًا والنّاسُ نِيامٌ يَأْثَمُ، وهَذا صَرِيحٌ في إطْلاقِ الوُجُوبِ، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، و(إذا) هُنا لِلْكُلِّيَّةِ وغالِبُ الشَّرْطِيّاتِ القُرْآنِيَّةِ المُؤَدّاةِ بِها كُلِّيَّةٌ، وهَذا والمُرادُ مِنَ الِاسْتِماعِ في الآيَةِ المَعْنى المُتَبادِرُ مِنهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ مِنهُ القَبُولُ والإجابَةُ، وهو بِهَذا المَعْنى مَجازٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ في الأساسِ، ومِنهُ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لِمَن حَمِدَهُ وسَمِعَ الأمِيرُ كَلامَ فُلانٍ، ورَجَّحَ ذَلِكَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ قالَ: وهَذا أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ الكَرِيمِ سابِقًا ولاحِقًا وأجْمَعُ لِلْمَعانِي والأقْوالِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَعْرِيضًا أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما اسْتَهْزَؤُوا بِالقُرْآنِ ونَبَذُوهُ وراءَهم ظِهْرِيًّا لِأنَّهم فَقَدُوا البَصائِرَ وعَدِمُوا الهِدايَةَ والرَّحْمَةَ وأنَّ حالَهم عَلى خِلافِ المُؤْمِنِينَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما هو أزْيَدُ مِن مُجَرَّدِ الِاسْتِماعِ وهو قَبُولُهُ والعَمَلُ بِما فِيهِ والتَّمَسُّكُ بِهِ وأنْ لا يُجاوِزُوهُ مُرَتِّبًا لِلْحُكْمِ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إذا قُرِئَ القُرْآنُ وضْعًا لِلْمُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِمَزِيدِ الدَّلالَةِ عَلى العِلِّيَّةِ، يَعْنِي إذا ظَهَرَ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنَّكم لَسْتُمْ مِثْلَ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ فَعَلَيْكم بِهَذا الكِتابِ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ الهادِي إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى مَقامِ الرَّحْمَةِ والزُّلْفى فاسْتَمِعُوهُ وبالِغُوا في الأخْذِ مِنهُ والعَمَلِ بِما فِيهِ لِيَحْصُلَ المَطْلُوبُ ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ، ويَدْخُلُ في هَذا وُجُوبُ الإنْصاتِ في الصَّلاةِ بِطَرِيقِ الأوْلى لِأنَّها مَقامُ المُناجاةِ، والِاسْتِماعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ، وعَلى هَذا الإنْصاتُ عِنْدَ تِلاوَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اهـ، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الخِطابَ في الآيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَلْ هو نَصٌّ في ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الخِطابَ فِيها لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ كَوْنَ القُرْآنِ بَصائِرَ وهُدًى ورَحْمَةً لا يَظْهَرُ إلّا بِشَرْطٍ مَخْصُوصٍ وهو أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ عِنْدَ نُزُولِهِ اسْتَمَعُوا لَهُ وأنْصَتُوا لِيَقِفُوا عَلى مَعانِيهِ ومَزاياهُ فَيَعْتَرِفُوا بِإعْجازِهِ ويَسْتَغْنُوا بِذَلِكَ عَنْ طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ، وأُيِّدَ هَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ لِلتَّرَجِّي وهو إنَّما يُناسِبُ حالَ الكُفّارِ لا حالَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الرَّحْمَةُ جَزْمًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ المَرْجُوَّةَ غَيْرُ تِلْكَ الرَّحْمَةِ، ولَئِنْ سُلِّمَ كَوْنُها إيّاها فالإطْماعُ مِنَ الكَرِيمِ واجِبٌ فَلَمْ يَبْقَ فَرْقٌ، وفي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ الأمْرِ القِراءَةُ مِن أيِّ قارِئٍ كانَ، وفي الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ ما لا يَخْفى.

ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأصْحابِ: يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ قِراءَتِهِ خارِجَ الصَّلاةِ أنْ يَلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِهِ ويَتَعَمَّمَ ويَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ تَعْظِيمًا لَهُ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ العِلْمُ، ولَوْ قَرَأ مُضْطَجِعًا فَلا بَأْسَ؛ إذْ هو نَوْعٌ مِنَ الذِّكْرِ، وقَدْ مَدَحَ سُبْحانَهُ ذاكِرِيهِ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَضُمُّ رِجْلَيْهِ عِنْدَ القِراءَةِ ولا يَمُدُّها؛ لِأنَّهُ سُوءُ أدَبٍ، ولَوْ قَرَأ ماشِيًا أوْ عِنْدَ النَّسْجِ ونَحْوِهِ مِنَ الأعْمالِ فَإنْ كانَ القَلْبُ حاضِرًا غَيْرَ مُشْتَغِلٍ لَمْ يُكْرَهْ وإلّا كُرِهَ، ولا يَقْرَأْ وهو مَكْشُوفُ العَوْرَةِ أوْ كانَ بِحَضْرَتِهِ مَن هو كَذَلِكَ.

وإنْ كانَتْ زَوْجَتَهُ، وكَرِهَ بَعْضُهُمُ القِراءَةَ في الحَمّامِ والطَّرِيقِ.

قالَ النَّوَوِيُّ: ومَذْهَبُنا لا تُكْرَهُ فِيهِما، وتُكْرَهُ في الحُشِّ وبَيْتِ الرَّحى وهي تَدُورُ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ وهو مُقْتَضى مَذْهَبِنا، والكَلامُ في آدابِ القِراءَةِ وما يَنْبَغِي لِلْقارِئِ طَوِيلٌ، وفي الإتْقانِ قَدْرٌ لَهُ قَدْرٌ مِن ذَلِكَ، فَإنْ كانَ عِنْدَكَ فارْجِعْ إلَيْهِ.

والجُمْلَةُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُهم يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا مِن جِهَتِهِ تَعالى، قِيلَ: وعَلى الأوَّلِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وذلك أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة قبل نزول هذه الآية، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالسكوت.

وروى عبد الوهاب عن مجاهد عن أبي العالية الرياحي قال: كان النبي-  - إذا صلى فقرأ وقرأ أصحابه خلفه حتى نزل وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فسكت القوم.

وقرأ النبي-  - وروى قتادة عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال في الصلاة.

وروى مغيرة عن إبراهيم مثله، وسئل ابن عباس-  ما- عن قوله: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ هذا لكل قارئ؟

قال: لا، ولكن هذا في الصلاة المفروضة.

وقال أبو هريرة-  - مثله.

وقال مجاهد: وجب الإنصات في موضعين في الصلاة والإمام يقرأ، وفي الجمعة والإمام يخطب.

وعن مجاهد أنه قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم.

وقال عطاء والحسن إن هذا في الصلاة والخطبة.

ويقال: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا أي: اعملوا بما في كتاب الله تعالى ولا تجاوزوا عنه إلى غيره ثم قال لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لكي ترحموا فلا تعذبوا.

قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً يقول: اقرأ يا محمد إذا كنت إماماً بنفسك تضرعاً يعني: مستكيناً وَخِيفَةً يعني: وخوفاً من عذابه وهذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ يعني: سراً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني: العلانية حتى يسمع من خلفك.

وقال الضحاك: معناه اجهر بالقراءة في الغداة والمغرب والعشاء وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ يعني: لا تغفل عن القراءة في الظهر والعصر، فإنك تخفي القراءة فيهما وروي عن رسول الله  أنه قال «اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً خَامِلاً» قيل: وما الذكر الخامل؟

قال: «الذِّكْرُ الخَفِيُّ» .

قوله تعالى: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني: غدوة وعشية.

وروى يحيى بن أيوب عن خالد بن سعيد بن أبي هلال عن من سمع عقبة بن عامر قال: المسر بالقراءة كالمسر بالصدقة، والمعلن بالقراءة كالمعلن بالصدقة.

ثم قال: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن القراءة في الصلاة.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وذلك أن كفار مكة قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا [الفرقان: 60] واستكبروا عن السجود فنزل إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة لا يستكبرون عن عبادته يعني: لا يتعظمون ولا يستنكفون عن طاعته وَيُسَبِّحُونَهُ يقول: ويذكرونه وَلَهُ يَسْجُدُونَ يعني: يصلون.

وقال أهل اللغة: الآصال جمع الأُصل والأُصُل جمع الأَصِيل والآصال جمع الجمع يعني: العشيات والله أعلم بالصواب.

[الجزء الثاني]

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كثير «١» وغيره: «طَيْفٌ» .

قال أبو عليٍّ الطائفُ كالخاطر، والطّيف كالخطرة، وقوله: تَذَكَّرُوا: إشارة إِلى الاستعاذة المأمور بها، وإِلى ما للَّه عزَّ وجلَّ من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرُّض الشيطانِ فيها، وقرأ ابنُ الزُّبَيْر «٢» : «مِن الشَّيْطَان تَأَمَّلُوا فإِذَا هُمْ» ، وفي مُصْحَفِ «٣» أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ «إِذَا طَافَ مِنَ الشَّيْطَانِ طَائِفٌ تَأَمَّلُوا» ، وقوله: مُبْصِرُونَ: من البصيرة، أي: فإِذا هم قد تبيَّنوا الحقَّ، ومالوا إليه، والضميرُ في إِخْوانُهُمْ، عائدٌ على الشياطين، وفي يَمُدُّونَهُمْ عائدٌ على الكُفَّار، وهم المرادُ ب «الإِخوان» ، هذا قول الجمهور.

قال ع «٤» : وقرأ جميعُ السبعة «٥» غير نافع: يَمُدُّونَهُمْ من مَدَدتُّ، وقرأ نافعٌ:

«يَمِدُّونَهُمْ» ، من أَمْدَدتْ.

قال الجمهور: هما بمعنًى واحدٍ، إلا أن المستعمَلَ في المحبوب «أَمَدَّ» ، والمستعملَ في المكروه «مَدَّ» ، فقراءة الجماعةِ جارِيَةٌ على المنهَاج المستعمل، وقراءةُ نافع هي مقيَّدة بقوله: فِي الغَيِّ كما يجوز أَنّ تقيِّد البِشَارَةَ، فتقول: بَشَّرْتُهُ بشرٍّ وَمَدُّ الشياطينِ للكَفَرَةَ، أيْ: ومَنْ نَحا نحوهم: هو بالتزيين لهم، والإِغواءِ المتتابعِ، وقوله: ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ من أَقْصَرَ، والضميرُ عائدٌ على الجميع، أي: هؤلاء لا يقصرون عن الإغواء، وهؤلاء لا يُقْصِرُونَ في الطاعة للشياطين.

وقوله سبحانه: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها، سببها فيما رُوِيَ أن الوَحْيَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَرَأ في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، فَقَرَأ أصْحابُهُ وراءَهُ رافِعِينَ أصْواتَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ إذا صَلّى، فَيَقُولُ بَعْضُهم لَبَعْضٍ: لا تَسْمَعُوا لَهَذا القُرْآَنِ والغُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّالِثُ: «أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ كُلَّما قَرَأ النَّبِيُّ  شَيْئًا، قَرَأ هو، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في صَلاتِهِمْ أوَّلَ ما فُرِضَتْ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لَصاحِبِهِ: كَمْ صَلَّيْتُمْ؟

فَيَقُولُ: كَذا وكَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ تَأْمُرُ بِالإنْصاتِ لِلْإمامِ في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ في آَخَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ  كانُوا بِمَكَّةَ يَتَكَلَّمُونَ في المَكْتُوبَةِ بِحَوائِجِهِمْ، ويَصِيحُونَ عِنْدَ آياتِ الرَحْمَةِ والعَذابِ، ويَقُولُ أحَدُهم إذا أتاهُمْ: صَلَّيْتُمْ؟

وكَمْ بَقِيَ؟

فَيُخْبِرُونَهُ، ونَحْوُ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ أمْرًا لَهم بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ في الصَلاةِ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "إنَّها في الخُطْبَةِ" فَضَعِيفٌ، لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والخُطْبَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ هِجْرَةِ النَبِيِّ  مِن مَكَّةَ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرَ الزَهْراوِيُّ مِن أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يَقْرَأُ في الصَلاةِ والنَبِيُّ  يَقْرَأُ، فَأمّا الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عَنِ الكَلامِ في الصَلاةِ فَإجْماعٌ، وأمّا الإمْساكُ والإنْصاتُ عَنِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُمْسِكُ المَأْمُومُ عَنِ القِراءَةِ جُمْلَةً قَرَأ الإمامُ جَهْرًا أو سِرًّا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَقْرَأُ المَأْمُومُ إذا أسَرَّ الإمامُ ويُمْسِكُ إذا جَهَرَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُمْسِكُ المَأْمُومُ في جَهْرِ الإمامِ عن قِراءَةِ السُورَةِ ويَقْرَأُ فاتِحَةَ الكِتابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعَ هَذا القَوْلِ أحادِيثُ صِحاحٌ عَنِ النَبِيِّ  فَهَذِهِ الآيَةُ واجِبَةُ الحُكْمِ في الصَلاةِ أنْ يُنْصِتَ عَنِ الحَدِيثِ وما عَدا القِراءَةَ.

وواجِبَةُ الحُكْمِ أيْضًا في الخُطْبَةِ مِنَ السُنَّةِ لا مِن هَذِهِ الآيَةِ، ويَجِبُ مِنَ الآيَةِ الإنْصاتُ إذا قَرَأ الخَطِيبُ القُرْآنَ أثْناءَ الخُطْبَةِ، وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ الصَلاةِ عَلى النَدْبِ، أعْنِي في نَفْسِ الإنْصاتِ والِاسْتِماعِ إذا سَمِعَ الإنْسانُ قِراءَةَ كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا ما تَتَضَمَّنُهُ الألْفاظُ وتُعْطِيهِ مِن تَوْقِيرِ القُرْآنِ وتَعْظِيمِهِ فَواجِبٌ في كُلِّ حالَةٍ، والإنْصاتُ: السُكُوتُ، و"لَعَلَّكُمْ" عَلى تَرَجِّي البَشَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ نَسْتَوْعِبِ اخْتِلافَ العُلَماءِ في القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ إذْ ألْفاظُ الآيَةِ لا تَعْرِضُ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا عَنَّ ذَلِكَ في ذِكْرِ السَبَبِ ذَكَرْنا مِنهُ نُبْذَةً.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ قالَ: الإنْصاتُ يَوْمَ الأضْحى ويَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ وفِيما يَجْهَرُ بِهِ الإمامُ مِنَ الصَلاةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ جَمَعَ فِيهِ ما أوجَبَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وغَيْرُها مِنَ السُنَّةِ في الإنْصاتِ، قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ : اعْمَلُوا بِما فِيهِ ولا تُجاوِزُوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ الآيَةُ.

مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ  تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وهو أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِذِكْرِهِ بِتَسْبِيحِهِ وذِكْرِهِ وتَقْدِيسِهِ والثَناءِ عَلَيْهِ بِمَحامِدِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الذِكْرَ لا يَكُونُ في النَفْسِ ولا يُراعى إلّا بِحَرَكَةِ اللِسانِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ فَهَذِهِ مَرْتَبَةُ السِرِّ والمُخافَتَةِ بِاللَفْظِ.

وَ"تَضَرُّعًا" مَعْناهُ: تَذَلُّلًا وخُضُوعًا، و"خِيفَةً" أصْلُها: خِوْفَةً، بُدِّلَتِ الواوُ ياءً لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْها، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ مَعْناهُ: دَأبًا وفي كُلِّ يَوْمٍ وفي أطْرافِ النَهارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ كانَتْ في صَلاةِ المُسْلِمِينَ قَبْلَ فَرْضِ الصَلَواتِ الخَمْسِ، وقالَ قَتادَةُ: "الغُدُوُّ: صَلاةُ الصُبْحِ، والآصالُ: صَلاةُ العَصْرِ"، والآصالُ: جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ: جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ.

وقِيلَ: الآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ دُونَ تَوَسُّطٍ كَإيمانٍ جَمْعِ يَمِينٍ، وآصالٌ أيْضًا جَمْعُ أصايِلَ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالِ" مَصْدَرٌ كالإصْباحِ والإمْساءِ، ومَعْناهُ: إذا دَخَلْتَ في الأصِيلِ، وفي الطَبَرِيُّ: قالَ أبُو وائِلٍ لِغُلامِهِ: هَلْ آصَلْنا بَعْدُ؟

﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ.

ولَمّا قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ جَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثالًا مِنِ اجْتِهادِ المَلائِكَةِ لِيَبْعَثَ عَلى الجِدِّ في طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ: "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ" إنَّما يُرِيدُ في المَنزِلَةِ والتَشْرِيفِ والقُرْبِ في المَكانَةِ لا في المَكانِ، فَهم بِذَلِكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى حالَهم مِن تَواضُعِهِمْ وإدْمانِهِمْ لِلْعِبادَةِ والتَسْبِيحِ والسُجُودِ.

وفي الحَدِيثِ: "أطَّتِ السَماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أو راكِعٌ أو ساجِدٌ"، وهَذا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ، قالَ النَخْعِيُّ في كِتابِ النَقّاشِ: إنْ شِئْتَ رَكَعْتَ وإنْ شِئْتَ سَجَدْتَ.

كَمُلَتْ سُورَةُ الأعْرافِ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يؤذن العطف بأن الخطاب بالأمر في قوله: ﴿ فاستمعوا وأنصتوا ﴾ وفي قوله: ﴿ لعلكم ﴾ تابع للخطاب في قوله ﴿ هذا بصائر من ربكم ﴾ [الأعراف: 203] إلخ، فقوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن ﴾ من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله لهم وذلك إعادة تذكير للمشركين تصريحاً أو تعريضاً بأن لا يعرضوا عن استماع القرآن وبأن يتأملوه ليعلموا أنه آية عظيمة، وأنه بصائر وهدى ورحمة، لمن يؤمن به ولا يعاند، وقد علم من أحوال المشركين أنهم كانوا يتناهون عن الإنصات إلى القرآن ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ [فصلت: 26].

وذكرُ اسم القرآن إظهارٌ في مقام الإضمار، لأن القرآن تقدم ذكره بواسطة اسم الإشارة فنكتة هذا الإظهار: التنويه بهذا الأمر، وجعل جملته مستقلة بالدلالة غير متوقفة على غيرها، وهذا من وجوه الاهتمام بالكلام ومن دواعي الإظهارِ في مقام الإضمار استقريتة من كلام البلغاء.

والاستماع الإصغاء وصيغة الافتعال دالة على المبالغة في الفعل، والإنصات الاستماع مع ترك الكلام فهذا مؤكد (لا تسمعوا).

مع زيادة معنى.

وذلك مقابل قولهم: ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ [فصلت: 26]، ويجوز أن يكون الاستماع مستعملاً في معناه المجازي، وهو الامتثال للعمل بما فيه كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ [الأعراف: 198] ويكون الإنصات جامعاً لمعنى الإصغاء وترك اللغو.

وهذا الخطاب شامل للكفار على وجه التبليغ، وللمسلمين على وجه الارشاد لأنهم أرجى للانتفاع بهديه لأن قبله قوله: ﴿ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ [الأعراف: 203].

ولا شبهة في أن هذه الآية نزلت في جملة الآيات التي قبلها وعلى مناسبتها، سواء أريد بضمير الخطاب بها المشركون والمسلمون معاً، أم أريد المسلمون تصريحاً والمشركون تعريضاً، أم أريد المشركون للاهتداء والمسلمون بالأحرى لزيادته.

فالاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المقضي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ واستدعاء النظر والعملُ بما فيه، فالاستماع والإنصاتُ مراتب بحسب مراتب المستمعين.

فهذه الآية مجملة في معنى الاستماع والإنصات وفي مقتضى الأمر من قوله: ﴿ فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ ، يُبين بعضَ إجمالها سياقُ الكلام والحملُ على ما يفسر سببها من قوله تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه ﴾ [فصلت: 26]، ويُحال بيان مجملها فيما زادَ على ذلك على أدلة أخرى.

وقد اتفق علماء الأمة على أن ظاهر الآية بمجرده في صور كثيرة مؤول، فلا يقول أحد منهم بأنه يجب على كل مسلم إذا سمع أحداً يقرأ القرآن أن يشتغل بالاستماع ويُنصت، إذ قد يكون القارئ يقرأ بمحضر صانع في صنعته فلو وجب عليه الاستماع لأمر بترك عمله، ولكنهم اختلفوا في محمل تأويلها: فمنهم من خصها بسبب رأوا أنه سبب نزولها، فرووا عن أبي هريرة أنها نزلت في قراءة الإمام في الجهر، وروى بعضهم أن رجلاً من الأنصار صلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم صلاة جهرية فكان يقرأ في الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فنزلت هذه الآية في أمر الناس بالاستماع لقراءة الإمام.

وهؤلاء قصروا أمر الاستماع على قراءة خاصة دل عليها سبب النزول عندهم على نحو يقرب من تخصيص العام بخصوص سببه، عند من يخصص به، وهذا تأويل ضعيف، لأن نزول الآية على هذا السبب لم يصح، ولا هو مما يساعد عليه نظم الآية التي معها، وما قالوه في ذلك إنما هو تفسير وتأويل وليس فيه شيء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من أبقى أمر الاستماع على إطلاقه القريب من العموم، ولكنهم تأولوه على أمرِ الندب، وهذا الذي يؤخذ من كلام فقهاء المالكية، ولو قالوا المراد من قوله قُرئ قراءة خاصة، وهي أن يقرأه الرسول عليه الصلاة والسلام على الناس لعلْم ما فيه والعمل به للكافر والمسلم، لكان أحسن تأويلاً.

وفي «تفسير القرطبي» عن سعيد (بن المسيب): كان المشركون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى فيقول بعضهم لبعض لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فأنزل الله تعالى جواباً لهم ﴿ وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ .

على أن ما تقدم من الاخبار في محمل سبب نزول هذه الآية لا يستقيم لأن الآية مكية وتلك الحوادث حدثت في المدينة.

أما استدلال أصحاب أبي حنيفة على ترك قراءة المأموم إذا كان الإمام مُسراً بالقراءة، فالآية بمعزل عنه إذ لا يتحقق في ذلك الترك معنى الإنصات.

ويجب التنبه إلى أن ليس في الآية صيغة من صيغ العموم لأن الذي فيها فعلان هما (قُرئ) (واستمعوا) والفعل لا عموم له في الإثبات.

ومعنى الشرط المستفاد من (إذا) يقتضي إلا عموم الأحوال أو الأزمان دون القراءات وعموم الأزمان أو الأحواللِ لا يستلزم عموم الأشخاص بخلاف العكس كما هو بين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ أيْ لِقِراءَتِهِ.

﴿ وَأنْصِتُوا ﴾ أيْ لا تُقابِلُوهُ بِكَلامٍ ولا إعْراضٍ ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ هَذا الإنْصاتِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المَأْمُومِ خَلْفَ الإمامِ يُنْصِتُ ولا يَقْرَأُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ يُنْصِتُ الحاضِرُ لِاسْتِماعِها ولا يَتَكَلَّمُ، قالَتْهُ عائِشَةُ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ في الصَّلاةِ، سَلامٌ عَلى فُلانٍ، سَلامٌ عَلى فُلانٍ، فَجاءَ القُرْآنُ مِن ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ قال: نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ يعني في الصلاة المفروضة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: صلّى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ خلفه قوم، فنزلت ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه، إذا قال: بسم الله الرحمن قالوا مثل ما يقول حتى تنقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث ما شاء الله أن يلبث ثم نزلت ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا...

﴾ الآية.

فقرأ وأنصتوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فأنزلت ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل أنه سئل أَكُلُّ من سمع القرآن يُقْرَأْ وجب عليه الاستماع والإِنصات؟

قال: لا.

قال: إنما نزلت هذه الآية ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ في قراءة الإِمام، إذا قرأ الإِمام فاستمع له وأنصت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود.

أنه صلى بأصحابه فسمع ناساً يقرأون خلفه، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ كما أمركم الله.

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قال في القراءة خلف الإِمام: انصت للقرآن كما أُمرت فإن في الصلاة شغلاً وسيكفيك ذاك الإِمام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال: لا قراءة خلف الإِمام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فانصتوا» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان له إمام فقراءته له قراءة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: أول ما أحدثوا القراءة خلف الإِمام، وكانوا لا يقرأون.

وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئاً قرأه، فنزلت ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي العالية «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بأصحابه فقرأ قرأ أصحابه خلفه، فنزلت هذه الآية ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ فسكت القوم وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر قال: كانت بنو إسرائيل إذا قرأت أئمتهم جاوبوهم، فكره الله ذلك لهذه الأمة، قال: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن إبراهيم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ورجل يقرأ، فنزلت ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن طلحة بن مصرف في قوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ قال: ليس هؤلاء بالأئمة الذين أمرنا بالإِنصات لهم.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فنزلت ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود «أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فلم يرد عليه- وكان الرجل قبل ذلك يتكلم في صلاته ويأمر بحاجته- فلما فرغ رد عليه، وقال: إن الله يفعل ما يشاء وإنها نزلت ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن مغفل قال: كان الناس يتكلمون في الصلاة، فأنزل الله هذه الآية ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾ فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلام في الصلاة.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عطاء قال: بلغني أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة كما يتكلم اليهود والنصارى حتى نزلت ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة أول ما أمروا بها، كان الرجل يجيء وهم في الصلاة فيقول لصاحبه: كم صليتم؟

فيقول: كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ فأمروا بالاستماع والإِنصات، علم أن الإِنصات هو أحرى أن يستمع العبد ويعيه ويحفظه، علم أن لن يفقهوا حتى ينصتوا، والإِنصات باللسان والاستماع بالأذنين.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فأنزل الله: ﴿ وإذا قرئ القرآن...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ﴾ قال: نزلت في صلاة الجمعة، وفي صلاة العيدين، وفيما جهر به من القراءة في الصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: المؤمن في سعة من الاستماع إليه إلا في صلاة الجمعة، وفي صلاة العيدين، وفيما جهر به من القراءة في الصلاة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ قال: نزلت في رفع الأصوات خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وفي الخطبة لأنها صلاة، وقال: من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فلا صلاة له.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في هذه الآية ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ قال: هذا في الصلاة، والخطبة يوم الجمعة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: وجب الإِنصات في اثنتين، في الصلاة والإِمام يقرأ، ويوم الجمعة والإِمام يخطب.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما أوجب الإِنصات يوم الجمعة؟

قال: قوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ قال: ذاك زعموا في الصلاة وفي الجمعة؟

قلت: والإِنصات يوم الجمعة كالإِنصات في القراءة سواء.

قال: نعم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ قال: عند الصلاة المكتوبة، وعند الذكر.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار، فأنزل الله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له.....

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له...

﴾ الآية.

قال: في الصلاة، وحين ينزل الوحي عن الله عز وجل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد.

أنه كره إذا مر الإِمام بآية خوف أو آية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئاً قال: السكوت.

وأخرج أبو الشيخ عن عثمان بن زائدة.

أنه كان إذا قرئ عليه القرآن غطى وجهه بثوبه، ويتأوّل من ذلك قول الله: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ فيكره أن يشغل بصره وشيئاً من جوارحه بغير استماع.

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان بسند حسن عن أبي هريرة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾ .

الإنصات السكوت للاستماع، يقال: نَصَتَ وأَنصت وانتصت بمعنى واحد (١) (٢) (٣) أبوك الذي أجدى علي بنصره ...

فأنصت عني بعده كلَّ قائل (٤) (٥) (٦) (٧) وقال قتادة: (كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي، وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأنزل الله هذه الآية) (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾ الآية) (١١) القول الثاني: أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام، قال ابن عباس: (إن رسول الله  قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية) (١٢) وروى عن أبي هريرة مثل ذلك (١٣)  في الصلاة) (١٤) وروي أيضًا عن ابن مسعود (١٥) (١٦) وفي الآية قول ثالث: وهو أنها نزلت في السكوت للخطبة؛ أُمِروا بالإنصات للإمام يوم الجمعة، وهذا قول سعيد (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) واحتج ابن المبارك (٢٣) (٢٤) (٢٥) واختار الفراء (٢٦) (٢٧) ولا حجة في الآية لمن أبى وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة خلف الإِمام؛ لأن قوله: ﴿ وَأَنْصِتُوا ﴾ على القول الأول أمر بالإنصات عن الكلام الذي لا يحل في الصلاة، وعلى القول الثاني أمر بالإنصات عن رفع الأصوات خلف الإِمام، وفي القول الثالث أمر بالإنصات لاستماع القرآن في الخطبة، وقد قال الأوزاعي (٢٨) (٢٩) فإن احتج بعموم اللفظ ولم يقصر الآية على سببها قيل له: حكم الآية ممتثل (٣٠) (٣١)  -؛ لأن السنة أن يسكت الإِمام ويتنفس فيقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام، كما قال أبو سلمة (٣٢) (٣٣)  : "إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة إلا بها" (٣٤) فالمأموم ينصت إلا عن الفاتحة.

للخبر، على أنا نقول: إن جاز لغيرنا أن يُعدّي الآية إلى غير السبب النازل فيه جاز لنا أن نأوّلها بما ذكره أبو إسحاق، وهو أنه قال: (يجوز أن يكون: ﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ (٣٥) ﴿ وَأَنْصِتُوا ﴾ لا تجاوزه إلى غيره؛ لأن معنى قول القائل: سمع الله دعاءك تأويله: أجاب الله دعاءك، وفعل ما أردت؛ لأن الله عز وجل سميع لم يزل) (٣٦) وذهب قوم من أهل الظاهر (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾ .

ثم أقبلا علي حديثهما) (٤٣) (١) انظر: "العين" 7/ 106، و"الجمهرة" 1/ 401، و"الصحاح" 1/ 268، و"المجمل" 2/ 870، و"مقاييس اللغة" 5/ 434.

(٢) تقدمت ترجمته.

(٣) لفظ: (قوله) ساقط من (ب).

(٤) البيت للكميت في "البحر" 4/ 438، و"الدر المصون" 5/ 551 وهو للراعي النميري في "ديوانه" ص 78، و"مجاز القرآن" 2/ 47، و"الجمهرة" 1/ 398، 3/ 1261، و"الاشتقاق" ص 110، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 4/ 3582، و"اللسان" 7/ 4437 (نصت).

(٥) وقع هنا في (ب) اضطراب في ترتيب الأوراق حيث وقع باقي تفسير الآية في 186 ب.

(٦) "تهذيب اللغة" 4/ 3582.

(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 8380، الطبري 9/ 163، وابن أبي حاتم 5/ 1645، والبيهقي في "سننه" 2/ 155 من طرق ضعيفة.

(٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 247، والطبري 9/ 164 من طرق جيدة.

(٩) معاوية بن قرَّة بن إياس بن هلال المزني أبو إياس البصري، إمام تابعي عابد عالم ثقة، والد القاضي إياس أدرك كثيرًا من الصحابة  م، توفي سنة 113 هـ وله 76 سنة، انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 378، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 153، و"تهذيب التهذيب" 4/ 111، و"تقريب التهذيب" ص 538 (6769).

(١٠) أخرجه البيهقي في "سننه" 2/ 155 بسند جيد.

(١١) أخرجه الطبري 9/ 162 بسند ضعيف لانقطاعه.

(١٢) أخرجه الطبري 9/ 165 بسند جيد (١٣) في (ب): (مثل هذا).

(١٤) أخرجه الطبري 9/ 163، وابن أبي حاتم 5/ 1645، والدارقطني في "سننه" 1/ 326، والواحدي في "الوسيط" 2/ 293، وفي "أسباب النزول" ص 233 بسند ضعيف كما قال الدارقطني.

(١٥) أخرجه الطبري 13/ 346، وابن أبي حاتم 5/ 1646 بسند جيد عنه، قال: (لعلكم تقرأون مع الإِمام قالوا: نعم، قال: ألا تفقهون ما لكم لا تعقلون: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ ) اهـ.

قال الشيخ أحمد شاكر في "الحاشية": (فيه بشير بن جابر لم أعرفه وفي المخطوطة (بسير) غير منقوطة ولم أعرف له وجه) اهـ.

(١٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 247 بسند جيد.

(١٧) ذكره البغوي 3/ 319، والرازي 15/ 102، والخازن 2/ 330 عن سعيد بن جبير وعطاء، وأخرج الطبري 9/ 165 بسند جيد عنه قال: (يوم الأضحى والفطر والجمعة وفي الصلاة) وقال البخاري في القراءة خلف الإمام ص 64: (ذكر عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن الآية في الصلاة إذا خطب الإِمام يوم الجمعة) اهـ.

(١٨) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 226 - 227، الطبري 9/ 165 من طرق جيدة.

(١٩) ذكره الماوردي 2/ 290، وأخرج الطبري 9/ 165 من طرق جيدة.

(٢٠) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 233، وابن الجوزي 3/ 313، عن سعيد ابن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار.

(٢١) ذكره الثعلبي 6/ 34 ب، والقرطبي 7/ 353، عن سعيد بن جبير ومجاهد وعمرو ابن دينار وزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة.

(٢٢) القاسم بن مخيمرة الهمداني، أبو عروة الكوفي نزيل الشام، تابعي إمام عابد فاضل معلم محدث ثقة، توفي سنة 100 هـ.

انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 120، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 201، و"تهذيب التهذيب" 3/ 421، و"تقريب التهذيب" 3/ 421.

(٢٣) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي.

تقدمت ترجمته.

(٢٤) لفظ: (الخطبة) ساقط من (ب).

(٢٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 34 ب، وهذا القول ضعفه أكثرهم، قال البغوي في "تفسيره" 3/ 320: (الأولى أنها في القراءة في الصلاة؛ لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام) وضعفه ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 828، والقرطبي 7/ 353.

(٢٦) "معاني الفراء" 1/ 402.

(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 398.

(٢٨) الأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي أبو عمرو الشامي الدمشقي، إمام تابعي عابد فاضل فقيه حافظ ثقة، شيخ الإِسلام وعالم أهل الشام أجمعوا على إمامته وجلالته وعلوّ مرتبته وكمال فضله وأقاويل الأئمة فيه كثيرة مصرحة بورعه وزهده وغزارة فقهه وقيامه بالحق، توفي رحمه الله تعالى سنة 157 هـ وله 69 سنة.

انظر: "الجرح والتعديل" 1/ 184، و5/ 266، و"الحلية" 6/ 135، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 298، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 107، و"تهذيب التهذيب" 2/ 537.

(٢٩) لم أقف عليه.

(٣٠) كذا في النسخ: "ممتثل" ولعل المعنى أي: قائم ومتصور.

انظر: "اللسان" 7/ 4135: (مثل).

(٣١) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 77، و"روضة الطالبين" 1/ 347، و"المجموع" 3/ 363.

(٣٢) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو إمام تابعي عالم عابد فقيه ثقة مكثر اتفقوا على جلالته وإمامته وعظم قدره وارتفاع منزلته توفي رحمه الله تعالى سنة 94 هـ، وله 72 سنة، انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 93، و"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 240، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 287، و"تهذيب التهذيب" 4/ 531.

(٣٣) أخرجه البخاري في "القراءة خلف الإمام"، وذكره ابن قدامة في "المغني" == 2/ 266، وابن القيم في "زاد المعاد" 1/ 208، وقال ابن قدامة في "المغني" 1/ 163: (يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة سكتة يستريح فيها ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة كي لا ينازعوه فيها، وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق، وكرهه مالك وأصحاب الرأي) اهـ.

وانظر: "سنن البيهقي" 2/ 195، و"نيل الأوطار" 2/ 276.

(٣٤) أخرجه البخاري في "القراءة خلف الإمام"، وأبو داود في "سننه" رقم (323)، والترمذي رقم (311)، و"النسائي" 2/ 141 - كتاب "الافتتاح"- باب: قراءة أم القرآن في الجهرية، والدارقطني 1/ 318، والحاكم في "المستدرك" 1/ 238 عن عبادة بن الصامت  قال: (صلى رسول الله  الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرءون وراء إمامكم.

قلنا: إي والله.

قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها") اهـ.

قال الترمذي: (حديث حسن وله شواهد والعمل عليه في القراءة خلف الإِمام عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وهو قول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) اهـ.

وقال الدارقطني: (إسناده حسن) اهـ.

وذكره الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" 1/ 231 وحسنه وقال: (صححه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي) اهـ.

وقال البيهقي في "سننه" 2/ 163: (يقرأ المأموم خلف الإمام بفاتحة الكتاب في السرية والجهرية وهو أصح الأقوال على السنة وأحوطها وبالله التوفيق) اهـ.

وهذا هو الظاهر وحديث عبادة نص في ذلك، وهو اختيار الشيخ محمد بن == صالح العثيمين قال في "مجموع دروس الحرم المكي" 2/ 236: (الصحيح من أقوال أهل العلم أن قراءة الفاتحة واجبة على الإِمام والمأموم والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية والدليل حديث عبادة فتكون الأحاديث مخصصة للآية وتحمل الآية في غير الفاتحة لأنه لا بد من قراءتها) اهـ.

(٣٥) في النسخ: (استمعوا).

(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 398.

(٣٧) انظر: "المغني" لابن قدامة 2/ 259، و"الفتاوى" لشيخ الإِسلام 23/ 265 وص 330، و"نيل الأوطار" 2/ 243 - 257، وقال النحاس في "إعرابه" ص 662: (الإنصات في اللغة عام يجب أن يكون في كل شيء إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء) اهـ.

ونحوه في "معانيه" 3/ 122، وقال القرطبي 7/ 353 - 354: (الصحيح أن الإنصات عام في الصلاة والخطبة لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات وحكي عن النقاش إجماع أهل التفسير أن هذا في الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة) اهـ.

(٣٨) في (ب): (إلى ما ذهبوا).

(٣٩) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 165، 166، والسمرقندي 1/ 591، والماوردي 2/ 290، وابن عطية 6/ 196 - 197، وابن الجوزي 3/ 312، والرازي 15/ 102 - 104، وابن كثير 2/ 311، و"الدر المنثور" 3/ 285 - 287.

(٤٠) الجريري: سعيد بن إياس الجريري، أبو مسعود البصري، إمام، محدث من كبار العلماء، ثقة، اختلط قبل موته بثلاث سنين.

توفي سنة 144 هـ.

انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 1، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 153، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 155، و"تهذيب التهذيب" 2/ 7، و"تقريب التهذيب" ص 233 (2273).

(٤١) طلحة بن عبد الله بن كريز بن جابر بن ربيعة الخزاعي الكعبي، تقدمت ترجمته.

(٤٢) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، إمام مجمع على ثقته، وكان قاضي أهل مكة.

تقدمت ترجمته.

(٤٣) أخرجه الطبري 9/ 163 بسند جيد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإنصات المأمور به هو لقراءة الإمام في الصلاة، والثاني: أنه الإنصات للخطبة، والثالث: أنه الإنصات لقراءة القرآن على الإطلاق وهو الراجح لوجهين: أحدهما: أن اللفظ عام ولا دليل على تخصيصه، والثاني أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ : قال بعضهم: الرحمة أقرب شيء إلي مستمع القرآن لهذه الآية ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ يحتمل أن يريد الذكر بالقلب دون اللسان، أو الذكر باللسان سراً، فعلى الأول يكون قوله: ودون الجهر من القول؛ عطف متغاير أي حالة أخرى، وعلى الثاني يكون بياناً وتفسيراً للأول ﴿ بالغدو والآصال ﴾ أي في الصباح والعشي والآصال جمع أُصُل والأُصل جمع أصيل؛ قيل: المراد صلاة الصبح والعصر، وقيل: فرض الخمس والأظهر الإطلاق ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ ﴾ هم الملائكة عليهم السلام، وفي ذكرهم تحريض للمؤمنين وتعريض للكفار ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ قدم المجرور لمعنى الحصر أي لا يسجدون إلا لله، والله أعلم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طيف ﴾ بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون: ﴿ طائف ﴾ على وزن "فاعل" ﴿ يمدونهم ﴾ من الإمداد: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿ العفو وأمر ﴾ مدغماً: أبو عمرو.

وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مبصرون ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿ لا يقصرون ﴾ ه ﴿ اجتبيتها ﴾ ط ﴿ من ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ من الغافلين ﴾ ه ﴿ يسجدون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة.

واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله ﴿ خذ العفو ﴾ ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه  ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو والمعروف.

والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق.

ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله  : "يا جبرائيل ما هذا؟

فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" .

قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل.

يروى عن جعفر الصادق  : ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا ﴿ خذ العفو ﴾ أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال.

والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي.

وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ.

قال أبو زيد: لما نزل قوله ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله  : كيف يا رب والغضب؟

فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه.

عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب.

ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي  : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .

قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة.

والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه  قبل تلك الوسوسة منه؟

ولو سلم فمحمول على ترك الأولى.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنه سميع عليم ﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه  قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.

ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ﴾ قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء.

والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً.

ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين.

قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته.

ومفعول ﴿ تذكروا ﴾ محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد.

واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله  خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال  : "من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنهربما انقلب الضعيف قوياً.

وبالجملة فالمراد من قوله  ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله ﴿ تذكروا ﴾ الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والضمير المرفوع في ﴿ يمدون ﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له.

والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي.

وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له.

قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن ﴿ إخوانهم ﴾ في مقابلة ﴿ الذين اتقوا ﴾ قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله ﴿ إنما نمدهم به من مال ﴾ \[المؤمنون: 55\] ﴿ وأمددناهم بفاكهة  ﴾ ﴿ أتمدونن بمال  ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون  ﴾ فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ أما قوله ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ فالإقصار الكف عن الشيء.

قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.

ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ثم إنه  ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر.

والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟

وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿ إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي ﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها.

ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿ هذا ﴾ يعني القرآن ﴿ بصائر ﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿ هدى ﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان.

فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإنصات السكوت للاستماع.

قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر.

وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت.

وقال قتادة.

كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت.

ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.

وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه  فنزلت.

وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه.

وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع.

واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا.

والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع.

وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور.

وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز.

قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.

وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام.

هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة.

وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله ﴿ ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق.

وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه.

ثم أمر نبيه وأمته تبعيته  بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء.

والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء.

قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه.

قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة.

الثالث والرابع: ﴿ تضرعاً وخيفة ﴾ أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية.

والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة.

الخامس: قوله ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء.

قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.

السادس: قوله ﴿ بالغدو والآصال ﴾ والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته.

وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.

وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته.

إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.

وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.

السابع: قوله ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ فيداومون على ذلك ﴿ ويسبحونه ﴾ يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم ﴿ وله يسجدون ﴾ بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح.

وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح.

والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق.

التأويل: ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿ من الشيطان نزغ ﴾ في طلب غير الله ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من طلب غير الله ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال  : "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.

﴿ طائف من الشيطان ﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿ وإخوانهم ﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ أي لم تأت القلوب ﴿ بآية ﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿ قالوا ﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿ قل إنما أتبع ﴾ إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني.

﴿ فاستمعوا ﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿ وأنصتوا ﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر" فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿ تضرعاً ﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿ وخيفة ﴾ في الوسط ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ﴿ ولا تكوننَّ من الغافلين ﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿ يسبحونه ﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿ وله يسجدون ﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ...

﴾ الآية.

أمر الله -  - بالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له إذا قرئ وإن كان في العقل أن من خاطب آخر بمخاطبات يلزمه الاستماع إلى ما يخاطبه ويشافهه، فالله -  - إذا خاطب بخطاب أولى أن يستمع له مع ما ذكر في غير موضع من القرآن آيات ما يوجب في العقل الاستماع إليه؛ كقوله: ﴿ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ وغير ذلك من الآيات، ولا سبيل إلى أن يعرف أنه بصائر، وأنه هدى وما ذكر إلا بالاستماع إليه والتفكر فيه؛ فدل أن الاستماع لازم في العقل من له أدنى عقل؛ على ما ذكرنا من المخاطبات، لكنه ذكر - هاهنا - الاستماع إليه - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: مقابل ما كانوا يقولون: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ  ﴾ أمر - عز وجل - المؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ  ﴾ ، وأمر بالإنصات مكان ما يقولون: ﴿ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ .

والثاني: يجوز أن يكون أمر بالاستماع إليه في الصلاة؛ على ما قال بعض أهل التأويل أنه في الصلاة.

وقال بعضهم: في حال الخطبة؛ لما يسبق إلى أوهامهم أنه لما اشتغلوا بغيرها من العبادات ولزموا أنواع القرب أن يسقط عنهم حق الاستماع، فأمر بالاستماع إليه، والإنصات له؛ ليعلموا أن حق الاستماع لازم في كل حال.

ثم الاستماع إليه يكون لتفهم ما أودع فيه من الأمر والنهي، والوعد، والوعيد، وغيره، والإنصات للتعظيم والتبجيل.

ثم الاستماع له لم يلزم لنفس التلاوة، ولكن إنما يلزم لما أودع فيه من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغيره؛ ليفهموا ما فيه، ويقبلوه، ويقوموا بوفاء ذلك، وأمّا سائر الأذكار إنما صارت عبادة لنفسها؛ لذلك لم يلزم الاستماع إلى سائر الأذكار، ولزم لتلاوة القرآن.

ولأن القرآن كلام الله وكتابه، ومن الجفاء والاستخفاف أن يكتب إنسان إلى أخيه كتاباً لا ينظر فيه ولا يستمع له؛ فترك الاستماع إلى كتاب الله أعظم في الجفاء والاستخفاف.

ولأن القرآن يجهر به، وسائر الأذكار لا تجهر، فإن كنت تجهر فيستمع لها كما يستمع إلى القرآن، والله أعلم.

وذكر في بعض القصة أن الآية نزلت في الصلاة؛ لأن رسول الله  إذا قرأ في صلاته كانوا يقولون مثل [ما قال]، فنزلت الآية بالنهي عن ذلك، والأمر بالاستماع إليه والإنصات له.

وذكر أنهم كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار؛ فنزلت الآية لذلك، فلا ندري كيف كانت القصة؛ وفيم كانت؟

وقد يحتمل ما ذكرنا آنفاً.

ثم إن كانت الآية في الصلاة ففيه دلالة النهي عن القراءة خلف الإمام؛ لأنه أمر بالاستماع إليه والإنصات له، وعلى ذلك جاءت الأخبار؛ روي عن أبي العالية قال: كان نبي الله  إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه، حتى نزل: ﴿ قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ فسكتوا.

وعن علباء بن أحمر "أن النبي  قرأ في صلاة الفجر الواقعة، وقرأها رجل خلفه، فلما فرغ من الصلاة قال: من الذي ينازعني في هذه السورة فقال رجل: أنا يا رسول الله؛ فأنزل الله: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ " وغير ذلك من الأخبار.

فقال قوم: إن الإنصات الذي أمر به المؤتم معناه ألا يجهر بقراءته، وليس فيه نهي أن يقرأ في نفسه.

وزعم بعضهم أن القارئ خفيّاً يسمى ناصتاً [ومنصتاً]، واستدل بما روي عن أبي هريرة -  - "[قال كان] رسول الله  إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة، قلت: بأبي أنت، أرأيت سكاتك بين التكبير والقراءة، أخبرني ما تقول؟

قال  : أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المغرب والمشرق" وغير ذلك من الدعوات، فقال هذا القائل: قد سمى النبي  القارئ مخفياً ساكتاً، والصامت مثل الساكت، فيجوز أن يسمى صامتاً، وهو أن يقرأ مخفياً، كما يسمى ساكتاً.

قال القتبي: غلط هذا القائل في تشبيه الصامت بالساكت؛ لأن الأسماء لا تقاس، وإنما يطلق في كل واحد منهما ما أطلقته اللغة فيه.

ومما يبين غلطه أن الله يقول: ﴿ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ﴾ ، فلو كان القارئ مخفياً يسمى صامتاً ناصتاً ما كان مستمعاً، وإنما يكون مستمعاً صامتاً إذا صمت فلم يقرأ؛ فمن أطلق له أن يقرأ والإمام يقرأ فلم يستمع، ولا أنصت.

ومما يدل على غلطه - أيضاً - أن العلماء جميعاً ينهون المؤتم عن القراءة وإمامه يجهر بالقراءة، وإنما يأمر من يأمره بالقراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا سكت إمامه، ويأمر هؤلاء الإمام أن يقف ساعة إذا فرغ من قراءته حتى يقرأ المؤتمون، فلو كانوا يجعلون القارئ في نفسه والإمام يقرأ جهراً صامتاً ما أمروه بتأخير القراءة حتى يفرغ إمامه من القراءة؛ فهذا يبين غلط المستدل بحديث أبي هريرة في استدلاله.

ومما يدل على أن المؤتم منهي عن أن يقرأ والإمام يجهر ما روي عن أبي هريرة -  - "أن النبي  صلى بهم صلاة - فظن أنها الصبح - فلما سلم أقبل على الناس، قال: هل يقرأ أحد منكم؟!

فقال رجل: أنا، فقال النبي: إني أقول: مالي أنازع القرآن قال أبو هريرة: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه النبي  " .

فقال قوم: إن أبا هريرة قال: انتهى الناس عن القراءة خلف النبي  فيما جهر فيه.

فيقال: إن أبا هريرة لم يرو ذلك عن النبي.

ثم مما يدل [على] أن المؤتم لا يقرأ جهر الإمام أو خَافَتَ قول النبي: "مالي أنازع القرآن؟" وقد علمنا أن المؤتم لم يجهر بقراءته؛ فيتأول متأول منازعته النبي  على أنه شغله؛ فلا وجه لقوله: "مالي أنازع القرآن؟" إلا بنهيه المؤتم عن أن يقرأ، جَهَرَ إمامُه أو خَافَتَ.

وقد روي عن النبي  ما يبين النهي عن القراءة خلف الإمام فيما [يجهر فيه أو يخافت]: ما روي عن عمران "أن النبي  صلى بأصحابه الظهر، فلما قضى صلاته قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟

فقال بعض الناس: أنا يا رسول الله، فقال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها" فبين عمران بن حصين أن الرجل خافت بقراءته؛ دل أن النهي الذي رواه أبو هريرة لم يكن في حال جهر الإمام دون مخافتته، وأن المؤتم منهي عن القراءة خلف الإمام في كل الصلوات.

وقد روي عن النبي  بالنهي عن القراءة خلف الإمام أحاديث كثيرة: [منها:] ما روي عن أبي هريرة عن النبي  وعمران بن حصين عنه، وما روي عن عبد الله: "كنا نقرأ خلف النبي  فقال [رسول الله]  : خلطتم على القرآن" فإن قيل: لعلهم كانوا يجهرون بالقرآن، فنهى عن الجهر.

قيل له: لم ينقل [لنا] في شيء من الأخبار أن المؤتمين كانوا يقرءون جهراً، ولو كانوا يقرءون جاهرين، لأدّي ذلك إلينا كما أدّي أنهم كانوا يقرءون.

وفي ذلك وجه آخر: أنه لم يكن النهي عن الجهر خاصة، ولكن للقراءة نفسها ما روي عن أبي وائل قال: سألت عبد الله ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام، فقال: أنصت، فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك ذلك الإمام.

وعن عبد الله بن شداد أن النبي  قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" وعن جابر بن عبد الله "أن النبي صلى الله علي وسلم صلَّى ورجل خلفه يقرأ، فنهاه رجل من أصحاب النبي عن القراءة في الصلاة، فتنازعا فيه، حتى ذكر للنبي  فقال: من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة" وعن أبي موسى، عن النبي  أنه قال: "وإذا قرأ الإمام فأنصتوا" وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" وغير ذلك من الأحاديث.

وأكثر ما يحتج به المخالف لعلمائنا - رحمهم الله - أن رسول الله  قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن" يرويه عبادة ابن الصامت.

قال سفيان: هذا عندنا فيمن يصلي وحده؛ فذلك يحتمل، والأحاديث التي جاءت مفسرة في النهي عن القراءة خلف الإمام.

فإن قال: يترك المؤتم القراءة فيما يجهر فيه إمامه بحديث أبي هريرة، ويقرأ فيما يخافت بحديث عبادة بن الصامت؛ ليصلح حديث أبي هريرة وحديث عبادة جميعاً.

قيل له: فهلا جعلته في المصلى وحده ليصح حديث عبادة، وحديث عمران بن حصين؛ لأن حديث عمران [بن حصين] ينهى عن [القراءة خلف الإمام] فيما خافت، وحديث أبي هريرة عن القراءة فيما يجهر فيه؛ فإن جعلت حديث أبي هريرة خارجاً عن عموم حديث عبادة، فذلك يوجب ألاَّ يقرأ المؤتم فيما يجهر فيه إمامه ويخافت، ويقال له: هل رأيت فرضاً من فرائض الصلاة يسقط عن المؤتم في حال، ويجب عليه في حال؟

فإن قال: لا.

قيل: ففي إسقاطك تلك القراءة عنه في حال الجهر ما أوجب عليك أن تسقطها عنه في حال المخافتة.

وقد احتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قالوا: وجدنا الرجل إذا جاء إلى الإمام وهو راكع فكبر ودخل في صلاته ولم يقرأ، فكل يجمع أن صلاته تجزئة، فدل ذلك أن القراءة غير فرض عليه.

فإن قال: إنما أطلق له ذلك للضرورة.

قيل: لو جاء إلى الإمام وهو ساجد، لم يعتد بتلك الركعة والضرورة قائمة، فلو كانت الضرورة تزيل فرضاً لأزالت الركوع عمن لحق إمامه وهو ساجد، فهي لا تزيل فرض القراءة عمن لحق إمامه، ولكن لا يلزمه القراءة خلف الإمام؛ فلذلك أجزأته صلاته لا للضرورة التي ذكرت، والله أعلم.

وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: لا قراءة على من خلف الإمام، منهم: علي، وابن مسعود، وجابر، [وسعد]، وأبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت،  م.

أما عن علي -  - قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة.

وعن عبد الله قال: من قرأ خلف الإمام ملئ فوه تراباً.

وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له.

وعن سعد قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فمه جمرة.

وعن ابن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ خلف الإمام، قال: لا، فإذا صلى أحدكم وحده فليقرأ.

وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام.

وعن أبي سعيد أنه سئل عن القراءة خلف الإمام، قال: يكفيك ذلك الإمام.

وعن ابن عباس أن رجلاً سأله: أقرأ خلف الإمام؟

قال: لا.

إلى مثل هذه الأحاديث ذهب أصحابنا، وعلى ذلك دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .

اختلف أهل التأويل في الذكر الذي ذكر في الآية؛ منهم من صرف التأويل إلى كل ذكر.

ومنهم من صرفه إلى التلاوة؛ فإن كان ذكر الغدو والآصال كناية عن الليل والنهار فهو ذكر أحواله يذكر الله - عز وجل - بنعمه وإحسانه، وذكره بنعمه شكره، أو يذكره بقدرته وسلطانه، وذلك يحمله على الخضوع له والتواضع، أو يذكر أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وذلك يوجب الإقرار بالتقصير، والخوف لعقوبته، والرغبة في وعده؛ كأنه قال: واذكر ربك في كل حال من الليل والنهار إما شكراً لنعمه وإحسانه، وإما الإقرار بالتقصير في أمره ونهيه، وإما الخوف [لوعيده، وإما الرغبة] لوعده، فكأنه قال: اذكر ربك تضرعاً وتواضعاً وخيفة مع الخوف.

وإن كان تأويل الغدو والآصال كناية عن الغداة والعشي، فهو كناية عن التلاوة، وهو ما سبق من ذكر التلاوة من قوله: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ﴾ وقوله: ﴿ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى  ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا  ﴾ وتأويله - والله أعلم -: ولا تجهر بصلاتك في بعض صلاتك، ولا تخافت في بعضها.

أو أن يقال: لا تجهر الجهر العالي، ولا تخافت غاية المخافتة، ولكن بين ذلك.

أو أن يقول: لا تشتغل بالجهر، ولا بالمخافتة، ولكن اقرأ لما فيه، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .

وقرأ بعضهم: (وخفية) وهو من الإخفاء؛ حيث قال: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾ ، وأما ظاهر القراءة فهو ﴿ وَخِيفَةً ﴾ ، وهو من الخوف.

وقال مجاهد: رخص الله أن تذكره في نفسك تضرعاً وخيفة، وأنت خلف الإمام تسمع قراءته.

﴿ وَٱلآصَالِ ﴾ ، قال أبو عوسجة: العشيات، الواحد: أصل وأصيل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ ﴾ .

معلوم أن رسول الله  لم يكن من الغافلين في حال، ولكن على النهي لأمته؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ، و ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ونحوه، نهاه أن يكونن ما ذكر؛ لما ذكرنا نهياً لغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ .

قالت المشبهة: لو لم يكن [بين الله] وبين الملائكة قرب الذات لكانوا هم والبشر بقوله: ﴿ عِندَ رَبِّكَ ﴾ سواء، لكان لا معنى لتخصيص الملائكة بذلك.

لكن التأويل عندنا في قوله: ﴿ عِندَ رَبِّكَ ﴾ : في الطاعة والخضوع، أو في الكرامة والمنزلة، ليس على قرب الذات، ولكن على ما وصف - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ  ﴾ وصفهم بالطاعة له والخضوع؛ فعلى ذلك الأول، ليس على قرب الذات، ولكن على ما ذكر من الطاعة والخضوع.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب  ﴾ ليس على أنه في الأرض يقترب منه إذا سجد؟!.

وأصل ما يضاف إلى الله من جزئية الأشياء يخرج مخرج تعظيم تلك الجزئيات؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ خصّ المساجد بالإضافة إليه، وإن كانت البقاع كلها له؛ تعظيماً لها، وكذلك قوله: الكعبة بيت الله الحرام، وإن كانت البيوت كلها له، ونحو ذلك مما أضاف ذلك إلى نفسه من جزئيات الأشياء؛ تعظيماً لذلك وإجلالا؛ فعلى ذلك الأول، أضافهم إلى نفسه إما لطاعة لهم إياه والخضوع، وإما لكرامة لهم والمنزلة، وإضافة كلية الأشياء إلى الله تخرج مخرج تعظيم الربّ؛ من ذلك قوله: ﴿ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

ومن الناس من استدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ لكنا نقول: إن الأفضل عند الله الأطوع له والأخضع والأتقى والأقوم لأمره ونهيه؛ على ما ذكرنا: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ  ﴾ لا نشير أن هؤلاء أفضل من هؤلاء، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.

وتأويل الآية - والله أعلم - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ...

﴾ الآية، أي: إنهم وإن لم تكن لهم حاجة إلى المأكل والمشرب وأنواع الحاجات لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم مع حاجتكم إلى الأكل والشرب وأنواع الحوائج أحرى وأولى ألا تستكبروا عن عبادته.

أو أن يقول: إن الذين تعبدون من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم أحق ألا تستكبروا عن عبادته؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة، فخرج هذا جواب ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُسَبِّحُونَهُ ﴾ .

التسبيح: هو وصف الرب - عز وجل - بالرفعة، والعظمة والجلال، والتعالي عن الأشباه والأمثال، وعما وصفه الملحدون.

والتسبيح: هو تنزيه الرب وتبرئته عن جميع معاني الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ .

السجود: هو الخضوع في الغاية، وليس في الآية دليل وجوب السجدة على من تلاها أو سمعها، إنما فيها الإخبار عن الساجدين أنهم سجدوا غير مستكبرين، وفي ذلك ترغيب في السجود، إلا أن النبي  روي أنه سجد وسجد من معه.

وعن ابن عمر -  - قال: "كان رسول الله  يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضعاً يسجد فيه" .

وعن ابن عباس -  -: "رأيت النبي  سجد في ص" .

وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: "كان رسول الله  يقرأ القرآن في غير صلاته، فيسجد ونسجد معه" .

وعن ابن مسعود -  -: "كان رسول الله  قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد، إلا شيخ كبير من قريش أخذ كفّاً من جص فرفعه إلى جبهته، فلقد رأيته قتل كافراً" .

وعن ابن عباس -  - أنه ذكر سجود القرآن - أو عدّ - فقال: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج - سجدة واحدة - والفرقان، وطس، وآلم [تنزيل]، وص، وحم [تنزيل] وقال: وليس في المفصل سجود.

وعن ابن مسعود قال في السورة يكون في آخرها السجدة نحو الأعراف والنجم: إن شئت فاسجد ثم قم فاقرأ، وإن شئت فاركع.

وعن ابن مسعود: كان يسجد في الأعراف، وفي بني إسرائيل، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك.

واحتج بعض مشايخنا أن السجود على من تلا آية السجدة واجب: بما أجمع أهل العلم أن على المصلي إذا تلا الآية فيها السجدة أن يسجد في صلاته، فلو كان السجود تطوعاً ما كان لأحد أن يزيد في صلاته ما ليس منها؛ فدل ذلك على أن السجود واجب في الصلاة، وإذا كان في الصلاة واجباً فهو على كل واجب.

ومن الحجة لنا - أيضاً - ما روي أن النبي -  - قرأ آيات فسجد فيها، فكان السجود فيها واجباً، كما أنه لما صلى صلاة العيدين كانت واجبة.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا لقراءته، ولا تتكلموا، ولا تنشغلوا بغيره؛ رجاء أن يرحمكم الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.MWRZ0"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله