الآية ٢٠٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٠٣ من سورة الأعراف

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـَٔايَةٍۢ قَالُوا۟ لَوْلَا ٱجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ مِن رَّبِّى ۚ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٢٠٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( قالوا لولا اجتبيتها ) يقول : لولا تلقيتها .

وقال مرة أخرى : لولا أحدثتها فأنشأتها .

وقال ابن جرير عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد في قوله [ تعالى ] ( وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ) قال : لولا اقتضيتها ، قالوا : تخرجها عن نفسك .

وكذا قال قتادة ، والسدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، واختاره ابن جرير .

وقال العوفي ، عن ابن عباس [ رضي الله عنه ] ) لولا اجتبيتها ) يقول : تلقيتها من الله ، عز وجل وقال الضحاك : ( لولا اجتبيتها ) يقول : لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء .

ومعنى قوله تعالى : ( وإذا لم تأتهم بآية ) أي : معجزة ، وخارق ، كما قال تعالى : ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) [ الشعراء : 4 ] يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم : ألا تجهد نفسك في طلب الآيات [ من الله ] حتى نراها ونؤمن بها ، قال الله تعالى له : ( قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ) أي : أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء ، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي ، فإن بعث آية قبلتها ، وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها ; إلا أن يأذن لي في ذلك ، فإنه حكيم عليم .

ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات ، وأبين الدلالات ، وأصدق الحجج والبينات ، فقال : ( هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا لم تأت، يا محمد، هؤلاء المشركين بآية من الله =(قالوا لولا اجتبَيتَها)، يقول: قالوا: هلا اخترتها واصطفيتها.

(45) = من قول الله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ، [سورة آل عمران: 179] يعني: يختار ويصطفي.

وقد بينا ذلك في مواضعه بشواهده.

(46) * * * ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: هلا افتعلتها من قِبَل نفسك واختلقتها؟

بمعنى: هلا اجتبيتها اختلاقًا؟

كما تقول العرب: " لقد اختار فلان هذا الأمر وتخيره اختلاقًا ".

(47) * ذكر من قال ذلك: 15571 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها) أي: لولا أتيتنا بها من قِبَل نفسك؟

هذا قول كفار قريش.

15572 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير, عن مجاهد, قوله: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها) قالوا: لولا اقتضبتها!

(48) قالوا: تخرجها من نفسك.

15573 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها) قالوا: لولا تقوَّلتها, جئتَ بها من عندك؟.

15574 - حدثني المثنى قال: حدثني عبد الله قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (لولا اجتبيتها)، يقول: لولا تلقَّيتها = وقال مرة أخرى: لولا أحدَثتها فأنشأتها.

15575 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (قالوا لولا اجتبيتها)، يقول: لولا أحدثتها.

15576 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قوله: (لولا اجتبيتها) قال: لولا جئت بها من نفسك!

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: هلا أخذتها من ربك وتقبَّلتها منه؟

(49) * ذكر من قال ذلك: 15577 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (لولا اجتبيتها)، يقول: لولا تقبَّلتها من الله!

15578 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (لولا اجتبيتها)، يقول: لولا تلقَّيتَها من ربك!

15579 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لولا اجتبيتها)، يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك, تأويلُ من قال تأويله: هلا أحدثتها من نفسك!

لدلالة قول الله: قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ، فبيَّن ذلك أن الله إنما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، (50) بأن يجيبهم بالخبر عن نفسه أنه إنما يتبع ما ينـزل عليه ربه ويوحيه إليه, لا أنه يحدث من قبل نفسه قولا وينشئه فيدعو الناس إليه.

* * * وحكي عن الفراء أنه كان يقول: " اجتبيت الكلام " و " اختلقته "، و " ارتجلته ": إذا افتعلته من قِبَل نفسك.

(51) 15580 - حدثني بذلك الحارث قال: حدثنا القاسم عنه.

* * * قال أبو عبيدة: وكان أبو زيد يقول: إنما تقول العرب ذلك للكلام يبتدئه الرجل، (52) لم يكن أعدَّه قبل ذلك في نفسه.

قال أبو عبيد: و " اخترعته " مثل ذلك.

(53) * * * القول في تأويل قوله : إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، للقائلين لك إذا لم تأتهم بآية: " هلا أحدثتها من قبل نفسك!": إن ذلك ليس لي، ولا يجوز لي فعله; لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إليّ من عنده, فإنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي، لأني عبده، وإلى أمره أنتهي، وإياه أطيع.

(54) =(هذا بصائر من ربكم)، يقول: هذا القرآن والوحي الذي أتلوه عليكم = " بصائر من ربكم ", يقول: حجج عليكم, وبيان لكم من ربكم.

* * * = واحدتها " بصيرة ", كما قال جل ثناؤه: هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، [سورة الجاثية: 20].

(55) .

* * * وإنما ذكر " هذا " ووحّد في قوله: (هذا بصائر من ربكم)، لما وصفت من أنه مرادٌ به القرآن والوحي.

* * * وقوله: (وهدى)، يقول: وبيان يهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم =(ورحمة)، رحم الله به عباده المؤمنين, فأنقذهم به من الضلالة والهلكة =(لقوم يؤمنون)، يقول: هو بصائر من الله وهدى ورحمة لمن آمن, يقول: لمن صدَّق بالقرآن أنه تنـزيل الله ووحيه, وعمل بما فيه، دون من كذب به وجحده وكفر به, (56) بل هو على الذين لا يؤمنون به عمًى وخزي.

(57) ------------------- الهوامش : (45) انظر تفسير (( لولا )) فيما سلف 11 : 356 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(46) انظر تفسير (( اجتبى )) فيما سلف 7 : 437 / 11 : 512 ، 513 .

(47) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 402 ، والتعليق عليه هناك .

وهذا معنى غريب جداً في (( اختار )) ، أنا في ريب منه ، إلا أن يكون أراد أن العرب تقول في مجازها (( اختار الشيء اختلاقاً ، كل ذلك بمعنى : اختلقه ، لا أن (( اختار )) بمعنى اختلق .

وإن كان صاحب اللسان قد اتبع قول الفراء الآتى بعد ص 343 (( وهو في كلام العرب جائز أن يقول : (( لقد اختار لك الشيء واجتباه و ارتجله )) .

(48) (( اقتضب الكلام اقتضاباً )) ، ارتجله من غير تهيئة أو إعداد له .

يقال : (( هذا شعر مقتضب ، وكتاب مقتضب )) .

(49) في المطبوعة والمخطوطة ، في هذا الموضع ، والذي يليه في الأثر : (( تقبلتها )) ، وفي الأثر الذي بعده : (( تلقيتها ؛ في المخطوطة و المطبوعة ، وأرجو أن يكون هذا الأخير هو الصواب ، كما سلفت في رقم : 15574 ، وإن كان الأول جائزا .

(50) في المخطوطة والمطبوعة : (( يبين ذلك أن الله ...

) والسياق يقتضى ما أثبت .

(51) انظر ما سلف ص 341 ، تعليق رقم : 2 .

(52) في المطبوعة : (( يبديه الرجل )) ، وفي المخطوطة : (( البديه الرجل )) ، وكأن الصواب ما أثبت .

(53) في المطبوعة : (( واخترعه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(54) انظر تفسير (( الاتباع )) ، و (( الوحي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( تبع ) و ( وحي ) .

(55) انظر تفسير (( بصيرة )) فيما سلف 12 : 23 ، 24 .

(56) انظر تفسير (( الهدى )) و (( الرحمة )) و (( الإيمان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) ، ( رحم ) ، ( أمن ) .

(57) في المطبوعة "غم" وفي المخطوطة "عم" غير منقوطة وهذا صواب قراءتها لقوله تعالى في سورة فصلت : 44 ، في صفة القرآن " والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنونقوله تعالى وإذا لم تأتهم بآية أي تقرؤها عليهم .

قالوا لولا اجتبيتها لولا بمعنى هلا ، ولا يليها على هذا المعنى إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا .

وقد تقدم القول فيها في " البقرة " مستوفى ومعنى اجتبيتها اختلقتها من نفسك .

فأعلمهم أن الآيات من قبل الله عز وجل ، وأنه لا يقرأ عليهم إلا ما أنزل عليه .

يقال : اجتبيت الكلام أي ارتجلته واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند نفسك .قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي أي من عند الله لا من عند نفسي .هذا بصائر من ربكم يعني القرآن ، جمع بصيرة ، هي الدلالة والعبرة .

أي هذا الذي دللتكم به على أن الله عز وجل واحد .

بصائر ، أي يستبصر بها .

وقال الزجاج : بصائر أي طرق .

والبصائر طرق الدين .

قال الجعفي :راحوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عتدوأي [ ص: 316 ] وهدى رشد وبيان .

ورحمة أي ونعمة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي لا يزال هؤلاء المكذبون لك في تعنت وعناد، ولو جاءتهم الآيات الدالة على الهدى والرشاد، فإذا جئتهم بشيء من الآيات الدالة على صدقك لم ينقادوا.

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ من آيات الاقتراح التي يعينونها قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا أي: هلا اخترت الآية، فصارت الآية الفلانية، أو المعجزة الفلانية كأنك أنت المنـزل للآيات، المدبر لجميع المخلوقات، ولم يعلموا أنه ليس لك من الأمر شيء، أو أن المعنى: لولا اخترعتها من نفسك.

قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي فأنا عبد متبع مدبَّر، واللّه تعالى هو الذي ينـزل الآيات ويرسلها على حسب ما اقتضاه حمده، وطلبتْه حكمته البالغة، فإن أردتم آية لا تضمحل على تعاقب الأوقات، وحجة لا تبطل في جميع الآنات، فـ هَذَا القرآن العظيم، والذكر الحكيم بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يستبصر به في جميع المطالب الإلهية والمقاصد الإنسانية، وهو الدليل والمدلول فمن تفكر فيه وتدبره، علم أنه تنـزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبه قامت الحجة على كل من بلغه، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، وإلا فمن آمن، فهو هُدًى له من الضلال وَرَحْمَةٌ له من الشقاء، فالمؤمن مهتد بالقرآن، متبع له، سعيد في دنياه وأخراه.

وأما من لم يؤمن به، فإنه ضال شقي، في الدنيا والآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا لم تأتهم بآية ) يعني : إذا لم تأت المشركين بآية ، ( قالوا لولا اجتبيتها ) هلا افتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك؟

تقول العرب : اجتبيت الكلام إذا اختلقته .

قال الكلبي : كان أهل مكة يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا : لولا اجتبيتها؟

أي : هلا أحدثتها وأنشأتها من عندك؟

( قل ) لهم يا محمد ( إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ) ثم قال : ( هذا ) يعني : القرآن ( بصائر ) حجج وبيان وبرهان ( من ربكم ) واحدتها بصيرة ، وأصلها ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصره الإنسان ، فيهتدي به ، يقول : هذه دلائل تقودكم إلى الحق .

( وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا لم تأتهم» أي أهل مكة «بآية» مما اقترحوا «قالوا لولا» هلا «اجتبيتها» أنشأتها من قبل نفسك «قل» لهم «إنَّما أتَّبع ما يوحى إلي من ربي» وليس لي أن آتي من عند نفسي بشيء «هذا» القرآن «بصائر» حجج «من ربِّكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا لم تجئ -أيها الرسول- هؤلاء المشركين بآية قالوا: هلا أحدَثْتها واختلقتها من عند نفسك، قل لهم -أيها الرسول-: إن هذا ليس لي، ولا يجوز لي فِعْله؛ لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إليَّ من عنده، وهو هذا القرآن الذي أتلوه عليكم حججًا وبراهين من ربكم، وبيانًا يهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم، ورحمة يرحم الله بها عباده المؤمنين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان غوايتهم وضلالهم فقال : ( وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ .

.

.

) .الاجتباء : افتعال من الجباية بمعنى الجمع ، يقال : جبيت الماء فى الحوض أى جمعته ، ومنه قيل للحوض جابية .والمعنى : وإذا لم تأت أيها الرسول هؤلاء المشركين بآية من القرآن وتراخى الوحى بنزولها ، أو بآية مما اقترحوه عليك من الآيات الكونية ، إذا لم تفعل ذلك قالوا لك بجهالة وسفاهة ( لَوْلاَ اجتبيتها ) أى : هلا جمعتها من عند نفسك واخترعتها اختراعا بعقلك ، أو هلا ألححت فى الطلب على ربك ليعطيك إياها ويجمعها لك .قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت رداً على تهكمهم بك ( إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَيَّ مِن رَّبِّي ) أى إنما أنا متبع لا مبتدع فما يوحيه الله إلى من الآيات أنا أبلغه إليكم بدون تغيير أو تبديل .ثم أرشدهم - سبحانه - إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات ، وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات فقال : ( هذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .أى : هذا القرآن بمنزلة البصائر للقلوب ، به تبصر الحق .

وتدرك الصواب وهو هداية لكم من الضلالة ، ورحمة من العذاب لقوم يؤمنون به ، ويعملون بإرشاداته ووصاياه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى: لما بين في الآية الأولى أن شياطين الجن والإنس لا يقصرون في الإغواء والإضلال بين في هذه الآية نوعاً من أنواع الإغواء والإضلال وهو أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ ثم أعاد: أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأتيهم، فعند ذلك قالوا: ﴿ لَوْلاَ اجتبيتها ﴾ قال الفراء: تقول العرب اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك، والمعنى لولا تقولتها وافتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ مفترى  ﴾ أو يقال هلا اقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يقبل دعاءك ويجيب التماسك وعند هذا أمر رسوله أن يذكر الجواب الشافي، وهو قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَىَّ مِن رَّبِّى ﴾ ومعناه ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور، وإنما أنتظر الوحي فكل شيء أكرمني به قلته، وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح، ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدح في الغرض، لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة، فكان طلب الزيادة من باب التعنت، فذكر في وصف القرآن ألفاظاً ثلاثة: أولها: قوله: ﴿ هذا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ أصل البصيرة الإبصار، ولما كان القرآن سبباً لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، أطلق عليه لفظ البصيرة، تسمية للسبب باسم المسبب.

وثانيها: قوله: ﴿ وَهُدىً ﴾ والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف التوحيد والنبوة والمعاد قسمان: أحدهما: الذين بلغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين.

والثاني: الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين: وهم أصحاب علم اليقين، فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر، وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى، وفي حق عامة المؤمنين رحمة، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم قال: ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

اجتبى الشيء، بمعنى جباه لنفسه: أي جمعه، كقولك: اجتمعه، أو جبي إليه فاجتباه: أي أخذه، كقولك: جليت إليه العروس فاجتلاها، ومعنى ﴿ لَوْلاَ اجتبيتها ﴾ هلا اجتمعتها، افتعالا من عند نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ ﴾ [سبأ: 43] أو هلا أخذتها منزّلة عليك مقترحة؟

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحِى إِلَىَّ مّن رَّبّى ﴾ ولست بمفتعل للآيات، أو لست بمقترح لها ﴿ هذا بصائر ﴾ هذا القرآن بصائر ﴿ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي حجج بينة يعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى، أو هو بمنزلة بصائر القلوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ ﴾ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِمّا اقْتَرَحُوهُ.

﴿ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها ﴾ هَلّا جَمَعَتْها تَقَوُّلًا مِن نَفْسِكَ كَسائِرِ ما تَقْرَؤُهُ أوْ هَلّا طَلَبْتَها مِنَ اللَّهِ.

﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ لَسْتُ بِمُخْتَلِقٍ لِلْآياتِ أوْ لَسْتُ بِمُقْتَرِحٍ لَها.

﴿ هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ ﴾ هَذا القُرْآنُ بَصائِرُ لِلْقُلُوبِ بِها يُبْصَرُ الحَقُّ ويُدْرَكُ الصَّوابُ.

﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ نَزَلَتْ في الصَّلاةِ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيها فَأُمِرُوا بِاسْتِماعِ قِراءَةِ الإمامِ والإنْصاتِ لَهُ.

وظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُما حَيْثُ يُقْرَأُ القُرْآنُ مُطْلَقًا، وعامَّةُ العُلَماءِ عَلى اسْتِحْبابِهِما خارِجَ الصَّلاةِ.

واحْتَجَّ بِهِ مَن لا يَرى وُجُوبَ القِراءَةِ عَلى المَأْمُومِ وهو ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذا لم تأتهم بآية} مقترحة {قالوا لولا اجتبيتها} هلا اجتمعتها أى اختلقتها ما قبلها {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى} ولست بمقترح لها {هذا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} هذا القرآن دلائل تبصركم وجوه الحق {وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ مِنَ القُرْآنِ عِنْدَ تَراخِي الوَحْيِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والزَّجّاجِ، أوْ بِآيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والجُبّائِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ ﴿ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها ﴾ أيْ: هَلّا جَمَعْتَها ولَفَّقْتَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ افْتِراءً، أوْ هَلّا أخَذْتَها مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَلَبٍ مِنهُ، وهو تَهَكُّمٌ مِنهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّ لِ (اجْتَبى) مَعْنَيَيْنِ: جَمَعَ وأخَذَ، ويَخْتَلِفُ المُرادُ حَسْبَ الِاخْتِلافِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى أنَّ الِاجْتِباءَ في الأصْلِ الِاسْتِخْراجُ ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ، وقِيلَ: أصْلُهُ الجَمْعُ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَوْضِ جابِيَةٌ لِجَمْعِهِ الماءَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وفي الدُّرِّ المَصُونِ: جَبى الشَّيْءَ جَمَعَهُ مُخْتارًا.

ولِذا غَلَبَ اجْتَبَيْتُهُ بِمَعْنى اخْتَرْتُهُ.

وقالَ الفَرّاءُ يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ واخْتَلَقْتُهُ وارْتَجَلْتُهُ إذا افْتَعَلْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وكَذا اخْتَرَعْتُهُ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الأحْرُفُ تَقُولُها العَرَبُ لِلْكَلامِ يَبْتَدِيهِ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ أعَدَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، ومَن جَعَلَ الأصْلَ شَيْئًا لا يُنْكِرُ الِاسْتِعْمالَ في الآخَرِ مُجارًا لا يَخْفى ﴿ قُلْ ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي دَخْلٌ ما في ذَلِكَ أصْلًا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي كَلَّفُوهُ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اتِّباعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما يُوحى إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ كَما هو الشّائِعُ في مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِنهُ تَعالى دُونَ الِاخْتِلافِ والِاقْتِراحِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى.

﴿ هَذا ﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ الجَلِيلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما يُوحى إلَيَّ ﴿ بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ لِلْقُلُوبِ بِها تُبْصِرُ الحَقَّ وتُدْرِكُ الصَّوابَ، أوْ حُجَجٌ بَيِّنَةٌ وبَراهِينُ نَيِّرَةٌ تُغْنِي عَنْ غَيْرِها، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقَدْ حَقَّقْتُ ما فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ في الطِّرازِ المُذَهَّبِ، أوْ فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ حَيْثُ أطْلَقَ المُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ البَصائِرُ مُسْتَعارَةً لِإرْشادِ القُرْآنِ الخَلْقَ إلى إدْراكِ الحَقائِقِ، وهَذا مُبْتَدَأٌ، وبَصائِرُ خَبَرُهُ، وجُمِعَ خَبَرُ المُفْرَدِ لِاشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ وسُورٍ جُعِلَ كُلٌّ مِنها بَصِيرَةً، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَصائِرَ مُفِيدَةً لِفَخامَتِها أيْ: بَصائِرُ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الإيمانِ بِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وهُدًى ورَحْمَةٌ ﴾ عُطِفَ عَلى بَصائِرَ، وتَنْوِينُهُما لِلتَّفْخِيمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِما وتَعْقِيبُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَوْنَ القُرْآنِ بَصائِرَ مُتَحَقِّقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، وبِهِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلى الجَمِيعِ، وأمّا كَوْنُهُ هُدًى ورَحْمَةً فَمُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ إذْ هُمُ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ والمُقْتَطِفُونَ مِن أنْوارِهِ، وهَذا مُخالِفٌ لِما يُفْهِمُهُ كَلامُ البَعْضِ مِن أنَّ الثَّلاثَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قالَ النَّيْسابُورِيُّ في التَّفْسِيرِ: إنَّ البَصائِرَ لِأصْحابِ عَيْنِ اليَقِينِ والهُدى لِأرْبابِ عِلْمِ اليَقِينِ والرَّحْمَةَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الصّالِحِينَ المُقَلِّدِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ والجَمِيعَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الخازِنُ وادَّعى أنَّهُ مِنَ اللَّطائِفِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ بَلْ لا يَكادُ يُسَلَّمُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما يَظْهَرُ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ.

واحْتَجَّ بِالآيَةِ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الِاجْتِهادَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيهِ نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني: اتقوا الشرك والفواحش إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ يعني: ذنب تَذَكَّرُوا يعني: عرف المتقون أنها معصية فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ يعني: إذا هم على بصيرة منتهون عن المعصية.

وقال الزجاج: تَذَكَّرُوا ما أوضح الله لهم من الحجة فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي طيف بغير ألف وقرأ الباقون بالألف طائِفٌ.

وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ إذا مسهم طيف، والطيف الغضب وعن مجاهد في قوله طائِفٌ قال الغضب.

ثم ذكر حال الكفار فقال عز وجل: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ يعني: إخوان الشياطين يمدونهم أي: يدعونهم إلى المعصية.

ويقال: يلجونهم في الشرك والضلالة.

ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ عنها كما أقصر المسلمون عنها حين أبصروها.

قرأ نافع يَمُدُّونَهُمْ بضم الياء وكسر الميم من أمَدَّ يُمِدّ.

وقرأ الباقون يَمُدُّونَهُمْ بالنصب من مَدَّ يَمُدُّ.

قال بعضهم: هذا عطف على قوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ.

وقال الزجاج: معناه التقديم.

والمعنى لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ يعني: الشياطين والغي: الجهل والوقوع في الهلكة.

قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ وذلك حين أبطأ عليه جبريل حين سألوه شيئاً قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها أي: هلاّ أتاهم من تلقاء نفسه؟

وهذا كقوله: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا [يونس: 15] قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أي: قل إذا أمرت بأمر فعلت ولا أبتدع ما لم أومر هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: القرآن بيان من ربكم.

وقال بعض أهل اللغة: البصائر في اللغة: طرائق الأمر واحدتها بصيرة: ويقال: طريقة الدين معناه: ظهور الشيء وبيانه وَهُدىً وَرَحْمَةٌ أي: القرآن هدى من الضلالة ويقال: كرامة ورحمة من العذاب ونعمة لمن آمن به لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كثير «١» وغيره: «طَيْفٌ» .

قال أبو عليٍّ الطائفُ كالخاطر، والطّيف كالخطرة، وقوله: تَذَكَّرُوا: إشارة إِلى الاستعاذة المأمور بها، وإِلى ما للَّه عزَّ وجلَّ من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرُّض الشيطانِ فيها، وقرأ ابنُ الزُّبَيْر «٢» : «مِن الشَّيْطَان تَأَمَّلُوا فإِذَا هُمْ» ، وفي مُصْحَفِ «٣» أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ «إِذَا طَافَ مِنَ الشَّيْطَانِ طَائِفٌ تَأَمَّلُوا» ، وقوله: مُبْصِرُونَ: من البصيرة، أي: فإِذا هم قد تبيَّنوا الحقَّ، ومالوا إليه، والضميرُ في إِخْوانُهُمْ، عائدٌ على الشياطين، وفي يَمُدُّونَهُمْ عائدٌ على الكُفَّار، وهم المرادُ ب «الإِخوان» ، هذا قول الجمهور.

قال ع «٤» : وقرأ جميعُ السبعة «٥» غير نافع: يَمُدُّونَهُمْ من مَدَدتُّ، وقرأ نافعٌ:

«يَمِدُّونَهُمْ» ، من أَمْدَدتْ.

قال الجمهور: هما بمعنًى واحدٍ، إلا أن المستعمَلَ في المحبوب «أَمَدَّ» ، والمستعملَ في المكروه «مَدَّ» ، فقراءة الجماعةِ جارِيَةٌ على المنهَاج المستعمل، وقراءةُ نافع هي مقيَّدة بقوله: فِي الغَيِّ كما يجوز أَنّ تقيِّد البِشَارَةَ، فتقول: بَشَّرْتُهُ بشرٍّ وَمَدُّ الشياطينِ للكَفَرَةَ، أيْ: ومَنْ نَحا نحوهم: هو بالتزيين لهم، والإِغواءِ المتتابعِ، وقوله: ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ من أَقْصَرَ، والضميرُ عائدٌ على الجميع، أي: هؤلاء لا يقصرون عن الإغواء، وهؤلاء لا يُقْصِرُونَ في الطاعة للشياطين.

وقوله سبحانه: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها، سببها فيما رُوِيَ أن الوَحْيَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ يَعْنِي بِهِ المُشْرِكِينَ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ، سَألُوها تَعَنُّتًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: إذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ لَإبْطاءِ الوَحْيِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا اجْتَبَيْتَها ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: العَرَبُ تَقُولُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ، واخْتَلَقْتُهُ، وارْتَجَلْتُهُ: إذا افْتَعَلْتُهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ.

والثّانِي: هَلّا طَلَبْتَها لَنا قَبْلَ مَسْألَتِكَ؟

ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ لِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَصائِرُ بِمَعْنى الحُجَجِ والبُرْهانِ والبَيانِ، واحِدَتُها: بَصِيرَةٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى البَصائِرِ: ظُهُورُ الشَّيْءِ وبَيانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ "اتَّقَوْا" هُنا عامَّةٌ في اتِّقاءِ الشِرْكِ واتِّقاءِ المَعاصِي بِدَلِيلِ أنَّ اللَفْظَةَ إنَّما جاءَتْ في مَدْحٍ لَهُمْ، فَلا وجْهَ لِقَصْرِها عَلى اتِّقاءِ الشِرْكِ وحْدَهُ، وأيْضًا فالمُتَّقِي العائِذِ قَدْ يَمَسُّهُ طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ إذْ لَيْسَتِ العِصْمَةُ إلّا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: " طَيْفٌ "، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " طَيِّفٌ "، واللَفْظَةُ إمّا مِن طافَ يَطُوفُ، وإمّا مَن طافَ يَطِيفُ بِفَتْحِ الياءِ، وهي ثابِتَةٌ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ: أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ∗∗∗ ومَطافُهُ لَكَ ذُكْرَةٌ وشُعُوفُ فَـ "طائِفٌ" اسْمُ فاعِلٍ كَقائِلٍ مِن قالَ يَقُولُ، وكَبائِعٍ مِن باعَ يَبِيعُ، و"طَيِّفٌ" اسْمُ فاعِلٍ أيْضًا كَمَيِّتٍ مِن ماتَ، أو كَبَيِّعٍ ولَيِّنٍ مِن باعَ يَبِيعُ ولانَ يَلِينُ.

وطَيْفٌ يَكُونُ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيْتٍ مِن مَيِّتٍ، وإذا قَدَّرْنا اللَفْظَةَ مِن طافَ يَطِيفُ فَطَيْفٌ مَصْدَرٌ، وإلى هَذا مالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وجَعَلَ الطائِفَ كالخاطِرِ والطَيِّبِ كالخَطْرَةِ، وقالَ الكِسائِي: الطَيْفُ اللَمَمُ، والطائِفُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَيْفَ هَذا وقَدْ قالَ الأعْشى: وتُصْبِحُ عن غِبِّ السُرى وكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أولَقِ ومَعْنى الآيَةِ: إذا مَسَّهم غَضَبٌ وزَيَّنَ الشَيْطانُ مَعَهُ ما لا يَنْبَغِي.

وقَوْلُهُ: "تَذَكَّرُوا" إشارَةٌ إلى الِاسْتِعاذَةِ المَأْمُورِ بِها قَبْلُ، وإلى ما لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في النازِلَةِ الَّتِي يَقَعُ تَعَرُّضُ الشَيْطانِ فِيها.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "مِنَ الشَيْطانِ تَأمَّلُوا فَإذا هُمْ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذا طافَ مِنَ الشَيْطانِ طائِفٌ تَأمَّلُوا"، وقالَ النَبِيُّ  : « "إنَّ الغَضَبَ جُنْدٌ مِن جُنْدِ الجِنِّ، أما تَرَوْنَ حُمْرَةَ العَيْنِ وانْتِفاخَ العُرُوقِ؟

فَإذا كانَ ذَلِكَ فالأرْضَ الأرْضَ"،» وقَوْلُهُ: ﴿ مُبْصِرُونَ ﴾ مِنَ البَصِيرَةِ، أيْ: فَإذا هم قَدْ تَبَيَّنُوا الحَقَّ ومالُوا إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ﴾ الآيَةُ، في هَذِهِ الضَمائِرِ احْتِمالاتٌ، قالَ الزَجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الآيَةَ مُقَرَّرَةٌ في مَوْضِعِها إلّا أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإخْوانُهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ وهُمُ المُرادُ بِالإخْوانِ، والشَيْطانُ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ لِلْجِنْسِ فَلِذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ هاهُنا ضَمِيرَ جَمْعٍ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: وإخْوانٌ لِلشَّياطِينِ يَمُدُّونَهُمُ الشَياطِينُ في الغَيِّ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الضَمِيرَيْنِ في الهاءِ والمِيمِ لِلْكُفّارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَجِيءُ الآيَةُ عَلى هَذا مُعادِلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، أيْ: إنَّ المُتَّقِينَ حالُهم كَذا وكَذا، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ يَمُدُّهم إخْوانُهم مِنَ الشَياطِينِ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ التَأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنا أوَّلًا عَنِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالإخْوانِ، فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَعْوَدَ الضَمِيرانِ عَلى الكُفّارِ كَما ذَكَرْناهُ عن قَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا جَمِيعًا عَلى الشَياطِينِ، ويَكُونُ المَعْنى: وإخْوانُ الشَياطِينِ في الغَيِّ بِخِلافِ الأُخُوَّةِ في اللهِ يَمُدُّونَ الشَياطِينَ، أيْ: بِطاعَتِهِمْ لَهم وقَبُولِهِمْ مِنهُمْ، ولا يَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ بِالإمْدادِ، لِأنَّ الإنْسَ لا يُغْوُونَ الشَياطِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وصْفُ حالَةِ الكُفّارِ مَعَ الشَياطِينِ كَما وصَفَ حالَةَ المُتَّقِينَ مَعَهم قَبْلُ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ: "يَمُدُّونَهُمْ" مِن مَدَدْتُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "يُمِدُّونَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ مِن أمْدَدْتُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَدَّ الشَيْءَ إذا كانَتِ الزِيادَةُ مِن جِنْسِهِ، وأمَدَّهُ إذا كانَتْ مِن شَيْءٍ آخَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في المَحْبُوبِ "أمَدَّ"، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ  ﴾ ، والمُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ "مَدَّ"، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ  ﴾ ، ومَدُّ الشَيْطانِ لِلْكَفَرَةِ في الغَيِّ هو التَزْيِينُ لَهم والإغْواءُ المُتَتابِعُ.

فَمَن قَرَأ في هَذِهِ الآيَةِ "يَمُدُّونَهُمْ" بِضَمِّ المِيمِ فَهو عَلى المِنهاجِ المُسْتَعْمَلِ، ومَن قَرَأ "يُمِدُّونَهُمْ" فَهو مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ ، كَما يَجُوزُ أنْ تُقَيِّدَ البِشارَةَ فَتَقُولُ: "بَشَّرْتُهُ بَشَرٍّ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "يُمادُّونَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ، أيْ: هَؤُلاءِ لا يُقْصِرُونَ في الطاعَةِ لِلشَّياطِينِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُقْصِرُونَ" مِن أقْصَرَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "يَقْصُرُونَ" مِن قَصَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ .

سَبَبُها فِيما رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَتَأخَّرُ عَلى النَبِيِّ  أحْيانًا، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: "هَلّا اجْتَبَيْتَها"، ومَعْنى اللَفْظَةِ في كَلامِ العَرَبِ: تَخَيَّرْتَها واصْطَفَيْتَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمُ:المُرادُ بِهَذِهِ اللَفْظَةِ: "هَلّا اخْتَرْتَها واخْتَلَقْتَها مِن قِبَلِكَ ومِن عِنْدِ نَفْسِكَ".

والمَعْنى: إذْ كَلامُكَ كُلُّهُ كَذَلِكَ عَلى ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَزْعُمُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: المُرادُ: "هَلّا تَلَقَّيْتَها مِنَ اللهِ وتَخَيَّرْتَها عَلَيْهِ، إذْ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ وأنَّ مَنزِلَتَكَ عِنْدَهُ مَنزِلَةُ الرِسالَةِ"، فَأمَرَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُجِيبَ بِالتَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ الأمْرَ في الوَحْيِ إلَيْهِ يُنْزِلُهُ مَتى شاءَ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ ، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ: "هَذا" إلى القُرْآنِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ "بَصائِرُ" أيْ عَلاماتُ هُدًى وأنْوارٌ تُضِيءُ القُلُوبَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: هَذا ذُو بَصائِرَ، ويَصِحُّ الكَلامُ دُونَ أنْ يُقَدَّرَ حَذْفُ مُضافٍ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِـ"هَذا" إنَّما هو سُورٌ وآياتٌ وحِكَمٌ، وجازَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِـ"هَذا" مِن حَيْثُ اسْمُهُ مُذَكَّرٌ، وجازَ وصْفُهُ بِـ "بَصائِرُ" مِن حَيْثُ هو سُورٌ وآياتٌ.

﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ خاصَّةً.

قالَ الطَبَرِيُّ: وأمّا مَن لا يُؤْمِنُ فَهو عَلَيْهِ عَمًى عُقُوبَةً مِنَ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم باية قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَىَّ مِن رَّبِّى ﴾ .

معطوفة على جملة: ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ [الأعراف: 199] والمناسبة أن مقالتهم هذه من جهالتهم والآية يجوز أن يراد بها خارق العادة أي هم لا يقنعون بمعجزة القرآن فيسألون آيات كما يشاءون مثل قولهم (فجر لنا من الأرض ينبوعاً) وهذا المعنى هو الذي شرحناه عند قوله تعالى: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آيةٌ ليؤمنن بها ﴾ في سورة الأنعام (109).

وروي هذا المعنى عن مجاهد، والسُدي، والكُلبي ويجوز أن يراد بآية ءاية من القرآن يقترحون فيها مدحاً لهُم ولأصنامهم، كما قال الله عنهم: ﴿ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائْتتِ بقرآن غير هذا أو بَدلْه ﴾ [يونس: 15] روي عن جابر بن زيد وقتادة: كان المشركون إذا تأخر الوحي يقولون للنبيء هلا أتيت بقرآن من عندك يريدون التهكم.

و ﴿ لولا ﴾ حرف تحْضيض مثل (هلا).

والاجتباء الاختيار، والمعنى: هلاّ اخترت آية وسألت ربك أن يعطيكها، أي هلا أتيتنا بما سألناك غير آية القرآن فيجيبك الله إلى ما اجتبيتَ، ومقصدهم من ذلك نصب الدليل على أنه بخلاف ما يقول لهم إنه رسول الله، وهذا من الضلال الذي يعتري أهل العقول السخيفة في فهم الأشياء على خلاف حقائقها وبحسب من يتخيلون لها ويفرضون.

والجواب الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به وهو قوله: ﴿ قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ﴾ صالح للمعنيين، فالاتباع مستعمل في معنى الاقتصار والوقوف عند الحد، أي لا أطلب آية غير ما أوحى الله إلي، ويعضد هذا ما في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا من الأنبياء إلا أوتي من الآيات مَا مثلُه آمنَ عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» ويكون المعنى: إنما انتظر ما يوحى إلى ولا أستعجل نزول القرآن إذا تأخر نزوله فيكون الاتباع متعلقاً بالزمان.

مستأنفة لابتداء كلام في التنويه بشأن القرآن منقطعه عن المقول للانتقال من غرض إلى غرض بمنزلة التذييل لمجموع أغراض السورة، والخطاب للمسلمين.

ويجوز أن تكون من تمام القول المأمور بأن يجيبهم به، فيكون الخطاب للمشركين ثم وقع التخلص لذكر المؤمنين بقوله: ﴿ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ .

والإشارة ب ﴿ بهذا بصائر ﴾ إلى القرآن، ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من السورة أو من المحاجة الأخيرة منها، وإفراد اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالمذكور.

والبصائر جمع بصيرة وهي ما به اتضاح الحق وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم ﴾ في سورة الأنعام (104)، وهذا تنويه بشأن القرآن وأنه خير من الآيات التي يسألونها، لأنه يجمع بين الدلالة على صدق الرسول بواسطة دلالة الإعجاز وصدوره عن الأمي، وبين الهداية والتعليم والإرشاد، والبقاء على العصور.

وإنما جمع «البصائر» لأن القرآن أنواعاً من الهدى على حسب النواحي التي يهدي إليها، من تنوير العقل في إصلاح الاعتقاد، وتسديد الفهم في الدين، ووضع القوانين للمعاملات والمعاشرة بين الناس، والدلالة على طرق النجاح والنجاة في الدنيا، والتحذير من مهاوي الخسران.

وأفرد الهدى والرحمة؛ لأنهما جنسان عامان يشملان أنواع البصائِر فالهدى يقارن البصائِر والرحمة غاية للبصائر، والمراد بالرحمة ما يشمل رحمة الدنيا وهي استقامة أحوال الجماعة وانتظام المدنية ورحمة الآخرة وهي الفوز بالنعيم الدائم كقوله تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنلحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون ﴾ [النحل: 97].

وقولُه: ﴿ من ربكم ﴾ ترغيب للمؤمنين وتخويف للكافرين.

و ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ يتنازعه (بصائر) و(هدى) و(رحمة) لأنه إما ينتفع به المؤمنون، فالمعنى هذا بصائر لكم وللمؤمنين، و ﴿ هدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ خاصة إذ لم يهتدوا، وهو تعريض بأن غير المؤمنين ليسوا أهلاً للانتفاع به وأنهم لهواً عن هديه بطلب خوارق العادات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ هَلّا أتَيْتَنا بِها مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: مَعْناهُ هَلّا اخْتَرْتَها لِنَفْسِكَ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ هَلّا تَقَبَّلْتَها مِن رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إنَّ الذين اتقوا ﴾ قال: هم المؤمنون.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا مسهم طيف من الشيطان ﴾ قال: الغضب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الطيف: الغضب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ بالألف ﴿ تذكروا ﴾ قال: هَم بفاحشة فلم يعملها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا ﴾ يقول: إذا زلوا تابوا.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق وهب بن جرير عن أبيه قال: كنت جالساً عن الحسن إذ جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد ما تقول في العبد يذنب الذنب ثم يتوب؟

قال: لم يزدد بتوبته من الله إلا دنواً.

قال: ثم عاد في ذنبه ثم تاب؟

قال: لم يزدد بتوبته إلا شرفاً عند الله.

قال: ثم قال لي: ألم تسمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قلت: وما قال؟

قال: «مثل المؤمن مثل السنبلة تميل أحياناً وتستقيم أحياناً- وفي ذلك تكبر- فإذا حصدها صاحبها حمد أمره كما حمد صاحب السنبلة بره، ثم قرأ ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: إن الله لم يسم عبده المؤمن كافراً، ثم قرأ ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا ﴾ فقال: لم يسمه كافراً ولكن سماه متقياً.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ إذا مسهم طائف ﴾ بالألف.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش عن إبراهيم ويحيى بن وثاب قرأ أحدهما طائف، والآخر طيف.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ إذا مسهم طائف ﴾ بالألف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: الطائف اللمة من الشيطان ﴿ تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ يقول: إذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان وإخوانهم.

قال: إخوان الشياطين ﴿ يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ﴾ قال: لا الإِنس عما يعملون السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم ﴿ وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقول: لولا أحدثتها لولا تلقيتها فأنشأتها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإِنس ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ يقول: لا يسامون ﴿ وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقول: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وإخوانهم من الشياطين يمدونهم في الغي ﴾ قال: استجهالاً وفي قوله: ﴿ لولا اجتبيتها ﴾ قال: ابتدعتها.

وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيتي فقال «إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبريل آنفاً فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

قلت: أجل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما ذاك يا جبريل؟!

فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير، قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟

قال: كل ذلك سيكون.

قلت: ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله...

!

قال: بكتاب الله يضلون، وأول ذلك من قبل قرائهم وأمرائهم، يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلون، وتتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، قلت: يا جبريل فيم يسلم من سلم منهم؟

قال: بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي ﴾ قال: هذا القرآن ﴿ هذا بصائر من ربكم ﴾ أي بينات فاعقلوه ﴿ وهدى ورحمة ﴾ لمن آمن به وعمل به ثم مات عليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ ، قال الكلبي (١) ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ سألوكها، وكانوا يسألونه الآيات تعنتًا، فإذا أبطأت ﴿ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ﴾ ).

قال الفراء: (العرب تقول: اجتبيت الكلام (٢) (٣) (٤) وقال أبو زيد: (الاجتباء تقوله العرب في الكلام يبتدئه الرجل من نفسه) (٥) وقال الزجاج (٦) ﴿ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ﴾ أي: هلا اختلقتها، وأتيت بها (٧) ونحو هذا قال المفسرون، و (٨) (٩) وقال مجاهد (١٠) (١١) وقال ابن زيد (١٢) وقال قتادة (١٣) (١٤) وقال الضحاك: (افتعلتها] (١٥) (١٦) قال الزجاج: (فأعلمهم  أن الآيات من قبل الله عز وجل لقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ﴾ (١٧) (١٨) ﴿ أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ هَذَا ﴾ أي: هذا القرآن الذي أتيت به ﴿ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ .

قال ابن الأعرابي (١٩) وقال غيره: (البصيرة العبرة، يقال: أما لك بصيرة في هذا أي: عبرة تعتبر بها (٢٠) (٢١) في الذاهبين الأولين ...

من القرون لنا بصائر أي: عبر) (٢٢) وقال الفراء (٢٣) (٢٤) وقال أهل المعاني (٢٥) ﴿ هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ : (هذا القرآن، وهذا الوحي دلائل من ربكم تقود إلى الحق، وتهدي إلى الرشد من استدل بها دون من أعرض عنها متعاميًا عما فيها، ومن هذا يقال للطريقة من الدم (٢٦) وقال المفسرون (٢٧) (٢٨) (٢٩) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 292، والبغوي 3/ 318، وابن الجوزي 3/ 311، الخازن 2/ 330.

(٢) لفظ: (الكلام) ساقط من (ب).

(٣) في (ب): (وارتجلته وافتعلته)، وهو تحريف.

(٤) حكاه الطبري 9/ 161 ، عن الفراء، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 527، عن الفراء في الآية قال: (هلا اجتبيتها هلا اختلقتها وافتعلتها من قبل نفسك، وهو في كلام العرب جائز أن تقول: لقد اختار لك واجتباه وارتجله) اهـ.

وفي "معاني الفراء" 1/ 420: (يقول: هلا افتعلتها، وهو من كلام العرب جائز أن يقال: اختار الشيء وهذا اختياره) اهـ.

وأشار المحقق في الحاشية إلى وجود سقط في النسخ.

(٥) حكاه الطبري 9/ 162، عن أبي عبيدة عن أبي زيد، وذكره الثعلبي 6/ 33 ب، وانظر: "اللسان" 1/ 542 (جبى).

(٦) "معاني الزجاج" 2/ 397، ونحوه في "تفسير غريب القرآن" ص 187، و"معاني النحاس" 3/ 121.

(٧) لفظ: (بها) ساقط من (أ).

(٨) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٩) أخرجه الطبري 9/ 161 بسند جيد.

وفي رواية قال: (لولا تلقيتها)، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1643 بسند جيد عنه قال: (لولا أخذتها وتلقيتها فأنشأتها) وفي رواية بسند ضعيف قال: (هلا افتعلتها من تلقاء نفسك) وفي رواية عند الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف قال: (لولا تقبلتها من الله) اهـ.

(١٠) أخرجه الطبري 9/ 161 بسند جيد، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 254، وأخرجه ابن أبى حاتم 5/ 1643 بسند جيد قال: (لولا ابتدعتها من قبل نفسك).

(١١) في (ب): (قتضيتها)، والأولى "اقتضبتها" كما في المراجع.

واقتضب الكلام ارتجله من غير تهيئة أو إعداد له، انظر: "اللسان" 6/ 3660 (قضب).

(١٢) أخرجه الطبري 9/ 161 بسند جيد.

(١٣) ذكره الثعلبي 6/ 33/ ب، وأخرج عبد الرزاق 1/ 2/ 247، والطبري 9/ 161 بسند جيد عنه قال: (لولا جئت بها من نفسك)، وفي رواية عند الطبري بسند جيد عنه قال: (لولا تلقيتها من ربك)، وأخرج الطبري 9/ 161، وابن أبي حاتم 5/ 1644 بسند جيد عنه قال: (لولا أتيت بها من قبل نفسك، هذا قول كفار قريش) اهـ.

(١٤) في (ب): (فعلتها).

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٦) أخرج الطبري 9/ 161، وابن أبي حاتم 5/ 1643 بسند جيد عنه قال: (لولا أخذتها فجئت بها من السماء) اهـ، والمعاني متقاربة، واختار الطبري 9/ 161 أن المعنى: (هلا أحدثتها من نفسك) اهـ، واختار النحاس في "معانيه" 3/ 121: (جئت بها من عند نفسك قال: وكذلك هو في اللغة يقال: اجتبيت الشيء وارتجلته واخترعته واختلقته إذا جئت به من عند نفسك) اهـ.

وقال ابن الجوزي 3/ 312: (هلا افتعلتها من تلقاء نفسك قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد والفراء والزجاج وابن قتيبة في آخرين وهو أصح) اهـ.

وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 200، و"تفسير غريب القرآن" ص 187، والسمرقندي 1/ 591، والماوردي 2/ 290.

(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 397.

(١٨) لفظ: (أي) ساقط من (أ) (١٩) "تهذيب اللغة" 1/ 342.

(٢٠) في (أ): (تعتبرها)، وهو تحريف.

(٢١) البيت لقس بن ساعدة الإيادي في كتاب "المعمرين" لأبي حاتم السجستاني ص 96، و"العقد الفريد" 4/ 215، و"البيان" للجاحظ 1/ 294، و"الأغاني" 15/ 237، و"معجم المرزباني" ص 199، وبلا نسبة في "العين" 7/ 118، و"تهذيب اللغة" 1/ 342، و"اللسان" 1/ 291 (بصر).

(٢٢) هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 342.

(٢٣) لم أقف عليه عن الفراء.

(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 397.

(٢٥) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 162.

(٢٦) في (ب): (الذم) وهو تصحيف، والرمية، هي الطريدة التي يرميها الصائد.

انظر: "اللسان" 3/ 1740 (رمي).

(٢٧) هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 6/ 33 ب، والبغوي 3/ 318، ونحوه قال أكثرهم، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 237، و"تفسير الطبري" 9/ 162، و"نزهة القلوب" ص 140، و"تفسير السمرقندي" 1/ 591.

(٢٨) لفظ: (بها) ساقط من (ب).

(٢٩) انظر: "الجمهرة" 1/ 312، و"الصحاح" 2/ 591، و"مقاييس اللغة" 1/ 253، و"المجمل" 1/ 127، و"المفردات" ص 127 (بصر).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي ﴾ الضمير في إخوانهم للشياطين، وأريد بقوله: طائف من الشيطان: الجنس، ولذلك أعيد عليه ضمير الجماعة وإخوانهم هم الكفار، ومعنى يمدّونهم: يكونون مدداً لهم: يعضدونهم، وضمير المفعول في يمدّونهم للكفار، وضمير الفاعل للشيطان، ويحتمل أن يريد بالإخوان: الشياطين، ويكون الضمير في إخوانهم للكفار، والمعنى على الوجهين: أن الكفار يمدهم الشيطان وقرئ يمدّونهم بضم الياء وفتحها، والمعنى واحد، وفي الغيّ: يتعلق بيمدّونهم، وقيل: يتعلق بإخوانهم كما تقول إخوة في الله، أو في الشيطان ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ أي لا يقصر الشياطين عن إمداد إخوانهم الكفار، أو لا يقصر الكفار عن غيهم، وفي الآية من إدراك البيان لزوم ما لا يلزم بالتزام الصاد قبل الراء في مبصرون ولا يقصرون ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها ﴾ الضمير في لم تأتهم للكفار، ولولا هنا عوض، وفي معنى اجتبيتها قولان: أحدهما: اخترعتها من قبل نفسك، فالآية على هذا من القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأخر عنه بالوحي أحياناً، فيقول الكفار: هلا جئت بقرآن من قولك، والآخر معناه: طلبتها من الله، وتخيرتها عليه، فالآية على هذا معجزة، أي يقولون: اطلب المعجزة من الله ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي ﴾ [الجن: 20] معناه: لا أخترع القرآن على القول الأول، ولا أطلب آية من الله على القول الثاني ﴿ هذا بَصَآئِرُ ﴾ أي علامات هدى والإشارة إلى القرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طيف ﴾ بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون: ﴿ طائف ﴾ على وزن "فاعل" ﴿ يمدونهم ﴾ من الإمداد: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿ العفو وأمر ﴾ مدغماً: أبو عمرو.

وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مبصرون ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿ لا يقصرون ﴾ ه ﴿ اجتبيتها ﴾ ط ﴿ من ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ من الغافلين ﴾ ه ﴿ يسجدون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة.

واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله ﴿ خذ العفو ﴾ ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه  ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو والمعروف.

والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق.

ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله  : "يا جبرائيل ما هذا؟

فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" .

قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل.

يروى عن جعفر الصادق  : ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا ﴿ خذ العفو ﴾ أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال.

والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي.

وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ.

قال أبو زيد: لما نزل قوله ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله  : كيف يا رب والغضب؟

فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه.

عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب.

ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي  : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .

قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة.

والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه  قبل تلك الوسوسة منه؟

ولو سلم فمحمول على ترك الأولى.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنه سميع عليم ﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه  قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.

ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ﴾ قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء.

والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً.

ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين.

قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته.

ومفعول ﴿ تذكروا ﴾ محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد.

واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله  خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال  : "من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنهربما انقلب الضعيف قوياً.

وبالجملة فالمراد من قوله  ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله ﴿ تذكروا ﴾ الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والضمير المرفوع في ﴿ يمدون ﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له.

والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي.

وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له.

قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن ﴿ إخوانهم ﴾ في مقابلة ﴿ الذين اتقوا ﴾ قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله ﴿ إنما نمدهم به من مال ﴾ \[المؤمنون: 55\] ﴿ وأمددناهم بفاكهة  ﴾ ﴿ أتمدونن بمال  ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون  ﴾ فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ أما قوله ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ فالإقصار الكف عن الشيء.

قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.

ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ثم إنه  ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر.

والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟

وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿ إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي ﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها.

ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿ هذا ﴾ يعني القرآن ﴿ بصائر ﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿ هدى ﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان.

فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإنصات السكوت للاستماع.

قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر.

وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت.

وقال قتادة.

كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت.

ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.

وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه  فنزلت.

وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه.

وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع.

واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا.

والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع.

وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور.

وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز.

قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.

وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام.

هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة.

وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله ﴿ ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق.

وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه.

ثم أمر نبيه وأمته تبعيته  بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء.

والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء.

قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه.

قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة.

الثالث والرابع: ﴿ تضرعاً وخيفة ﴾ أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية.

والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة.

الخامس: قوله ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء.

قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.

السادس: قوله ﴿ بالغدو والآصال ﴾ والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته.

وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.

وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته.

إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.

وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.

السابع: قوله ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ فيداومون على ذلك ﴿ ويسبحونه ﴾ يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم ﴿ وله يسجدون ﴾ بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح.

وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح.

والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق.

التأويل: ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿ من الشيطان نزغ ﴾ في طلب غير الله ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من طلب غير الله ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال  : "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.

﴿ طائف من الشيطان ﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿ وإخوانهم ﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ أي لم تأت القلوب ﴿ بآية ﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿ قالوا ﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿ قل إنما أتبع ﴾ إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني.

﴿ فاستمعوا ﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿ وأنصتوا ﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر" فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿ تضرعاً ﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿ وخيفة ﴾ في الوسط ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ﴿ ولا تكوننَّ من الغافلين ﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿ يسبحونه ﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿ وله يسجدون ﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا ﴾ .

ظاهر الآية في سؤال أهل الكفر رسول الله الآية أنهم كانوا إذا أتى لهم بآية استهزءوا بها وتعنتوا، وإذا لم يأتهم بها سألوه الآية سؤال المستهزئين المتعنتين، وإذا لم يأتهم بها قالوا: ﴿ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا ﴾ : لولا ابتدعتها وأحدثتها وأنشأتها، وهلا أنشأتها من قبل نفسك، فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ﴾ أي: لا أفتعلها، ولا أنشئها من نفسي، إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي.

وأمكن أن يكون سؤال الآية من المؤمنين؛ فإن كان منهم فهو سؤال الاسترشاد؛ لما يزداد لهم بكل آية تنزل عليهم يقيناً وقوة في دينهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً...

﴾ الآية [التوبة: 124]، ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ الآية [التوبة: 125]، وكقوله: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ...

﴾ الآية [محمد: 20]، فإذا كان السؤال من المؤمنين فهو سؤال الاسترشاد وطلب زيادة الهدى، وإن كان من الكفار فهو سؤال الاستهزاء والتعنت، ثم أخبر أنه لا يتبع إلا ما يوحى إليه، ثم أخبر أنه ﴿ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قيل: بيان، أي: هذا القرآن [بيان] من ربكم يبصر به من لم يعاند ولم يكابر عقله كلَّ ما له وما عليه، وأنه البيان من الحق والباطل، وهدى من الضلالة ﴿ وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: ورحمة من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا جئت -أيها الرسول- بآية كذبوك وأعرضوا عنها، وإن لم تأتهم بآية قالوا: هلَّا اخترعت آية من عندك واختلقتها، قل لهم -أيها الرسول-: ليس لي أن آتي بآية من تلقاء نفسي، ولا أتبع إلا ما يوحيه الله إلي، هذا القرآن الذي أقرؤه عليكم حجج وبراهين من الله خالقكم ومدبر شؤونكم، وإرشاد ورحمة للمؤمنين من عباده، وأما غير المؤمنين فهم ضُلَّالٌ أشقياء.

<div class="verse-tafsir" id="91.35Ym7"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله