الآية ٢٠٢ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٠٢ من سورة الأعراف

وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ٢٠٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠٢ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإخوانهم ) أي : وإخوان الشياطين من الإنس ، كقوله : ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) [ الإسراء : 27 ] وهم أتباعهم والمستمعون لهم القابلون لأوامرهم ( يمدونهم في الغي ) أي : تساعدهم الشياطين على [ فعل ] المعاصي ، وتسهلها عليهم وتحسنها لهم .

وقال ابن كثير : المد : الزيادة .

يعني : يزيدونهم في الغي ، يعني الجهل والسفه .

( ثم لا يقصرون ) قيل : معناه إن الشياطين تمد ، والإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك .

كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) قال : لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ، ولا الشياطين تمسك عنهم .

قيل : معناه كما رواه العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) قال : هم الجن ، يوحون إلى أوليائهم من الإنس ) ثم لا يقصرون ) يقول : لا يسأمون .

وكذا قال السدي وغيره : يعني إن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر ; لأن ذلك طبيعة لهم وسجية ، لا تفتر فيه ولا تبطل عنه ، كما قال تعالى : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) [ مريم : 83 ] قال ابن عباس وغيره : تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي.

(38) يعني بقوله: (يمدونهم)، يزيدونهم، ثم لا ينقصون عما نقص عنه الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان.

(39) وإنما هذا خبرٌ من الله عن فريقي الإيمان والكفر, بأن فريق الإيمان وأهل تقوى الله إذا استزلهم الشيطان تذكروا عظمة الله وعقابه, فكفَّتهم رهبته عن معاصيه، وردّتهم إلى التوبة والإنابة إلى الله مما كان منهم زلَّةً = وأن فريق الكافرين يزيدهم الشيطان غيًّا إلى غيهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله, ولا يحجزهم تقوى الله، ولا خوف المعاد إليه عن التمادي فيها والزيادة منها, فهو أبدًا في زيادة من ركوب الإثم, والشيطان يزيده أبدًا, لا يقصر الإنسي عن شيء من ركوب الفواحش، ولا الشيطان من مدِّه منه، (40) كما: - 15564 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (وإخوانهم يمدونهم في الغيّ ثم لا يقصرون) قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات, ولا الشياطين تُمْسك عنهم.

15565 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون)، يقول: هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس =(ثم لا يقصرون), يقول: لا يسأمون.

15566 - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (وإخوانهم يمدونهم في الغيّ)، إخوان الشياطين من المشركين, يمدهم الشيطان في الغيّ =(ثم لا يقصرون)، 15567 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج قال عبد الله بن كثير: وإخوانهم من الجن, يمدون إخوانهم من الإنس =(ثم لا يقصرون) ، يقول لا يقصر الإنسان.

قال: و " المد " الزيادة, يعني: أهل الشرك, يقول: لا يُقصر أهل الشرك, كما يقصر الذين اتقوا، لا يرعَوُون، لا يحجزهم الإيمان (41) = قال ابن جريج قال مجاهد (وإخوانهم)، من الشياطين =(يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون)، استجهالا يمدون أهل الشرك = قال ابن جريج: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ، [سورة الأعراف: 179].

قال: فهؤلاء الإنس.

يقول الله: (وإخوانهم يمدونهم في الغي).

15568 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثني محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) قال: إخوان الشياطين، يمدهم الشياطين في الغيّ =(ثمّ لا يقصرون).

15569 - حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد =(وإخوانهم)، من الشياطين.(يمدونهم في الغي)، استجهالا.

* * * وكان بعضهم يتأول قوله: (ثم لا يقصرون)، بمعنى: ولا الشياطين يقصرون في مدِّهم إخوانَهم من الغيّ.

* ذكر من قال ذلك: 15570 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون)، عنهم, ولا يرحمونهم.

* * * قال أبو جعفر: وقد بينا أولى التأويلين عندنا بالصواب.

وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك على ما بيناه; لأن الله وصفَ في الآية قبلها أهل الإيمان به، وارتداعَهم عن معصيته وما يكرهه إلى محبته عند تذكرهم عظمته, ثم أتبع ذلك الخبرَ عن إخوان الشياطين وركوبهم معاصيه, فكان الأولى وصفهم بتماديهم فيها, (42) إذ كان عَقِيب الخبر عن تقصير المؤمنين عنها.

* * * وأما قوله: (يمدونهم)، فإنَّ القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأه بعض المدنيين: " يُمِدُّونَهُمْ" بضم الياء من " أمددت ".

* * * وقرأته عامة قرأة الكوفيين والبصريين: (يَمُدُّونَهُمْ)، بفتح الياء من " مددت ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: (يَمُدُّونَهُمْ)، بفتح الياء, لأن الذي يمد الشياطينُ إخوانَهم من المشركين، إنما هو زيادة من جنس الممدود, وإذا كان الذي مد من جنس الممدود، كان كلام العرب " مددت " لا " أمددت ".

(43) * * * وأما قوله: (يقصرون)، فإن القرأة على لغة من قال: " أقصَرْت أقْصِر ".

وللعرب فيه لغتان: " قَصَرت عن الشيء " و " أقصرت عنه ".

(44) ---------------- الهوامش : (38) انظر تفسير (( الغي )) فيما سلف ص : 261 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(39) في المطبوعة : (( ثم لا يقصرون عما قصر عنه الذي اتقوا )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وبنحو المعنى ذكره أبو حيان في تفسيره 4 : 451 ، قال : (( ثم لا ينقصون من إمدادهم وغوايتهم )) .

فلذلك أبقيت ما في المخطوطة على حاله ، وإن كنت في شك من جودته .

(40) هكذا فعل الطبري ، أتى بالضمائر مفردة بعد الجمع ، وقد تكرر ذلك في مواضع كثيرة من تفسيره ، أقربها ما أشرت إليه في ص 286 ، ، تعليق : 2 .

(41) في المطبوعة مكان (( لا يرعوون )) .

(( لأنهم لا يحجزهم )) ...

)) .

لم يحسن قراءتها ، لأنها كانت في المخطوطة : (( لا يرعون )) .

والصواب ما أثبت (( ارعوى عن القبيح )) .

ندم .

فانصرف عنه وكف .

(42) في المطبوعة والمخطوطة : (( وكان الأولى )) بالواو ، والسياق يقتضى الفاء .

(43) انظر تفسير (( مد )) و (( أمد )) فيما سلف 1 : 306 - 308 / 7 : 181 .

(44) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 402 ، وصحح الخطأ هناك ، فإنه ضبط (( قصر )) بضم الصاد ، والصواب فتحها لا صواب غيره .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون قيل : المعنى وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس تمدهم الشياطين في الغي .

وقيل للفجار إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم .

وقد سبق في هذه الآية ذكر الشيطان .

هذا أحسن ما قيل فيه ; وهو قول قتادة والحسن والضحاك .

ومعنى لا يقصرون أي لا يتوبون ولا يرجعون .

وقال الزجاج : في الكلام تقديم وتأخير ; والمعنى : والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ، وإخوانهم يمدونهم في الغي ; لأن الكفار إخوان الشياطين .

ومعنى الآية : إن المؤمن إذا مسه طيف من الشيطان تنبه عن قرب ; فأما المشركون فيمدهم الشيطان و لا يقصرون .

قيل : يرجع إلى الكفار على القولين جميعا .

وقيل : يجوز أن يرجع إلى الشيطان .

قال قتادة : المعنى ثم لا يقصرون عنهم ولا يرحمونهم .

والإقصار : الانتهاء عن الشيء ، أي لا تقصر الشياطين في مدهم الكفار بالغي .

وقوله : في الغي يجوز أن يكون متصلا بقوله : يمدونهم ويجوز أن يكون متصلا بالإخوان .

والغي : الجهل .

وقرأ نافع " يمدونهم " بضم الياء وكسر الميم .

والباقون بفتح الياء وضم الميم .

وهما لغتان مد وأمد .

[ ص: 315 ] ومد أكثر ، بغير الألف ; قاله مكي .

النحاس وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة ; منهم أبو حاتم وأبو عبيد ، قال أبو حاتم : لا أعرف لها وجها ، إلا أن يكون المعنى يزيدونهم في الغي .

وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا كثر شيء شيئا بنفسه مده ، وإذا كثره بغيره قيل أمده ; نحو يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين .

وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة قال : يقال مددت له في كذا أي زينته له واستدعيته أن يفعله .

وأمددته في كذا أي أعنته برأي أو غير ذلك .

قال مكي : والاختيار الفتح ; لأنه يقال : مددت في الشر ، وأمددت في الخير ; قال الله تعالى : ويمدهم في طغيانهم يعمهون .

فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف ; لأنه في الشر ، والغي هو الشر ، ولأن الجماعة عليه .

وقرأ عاصم الجحدري " يمادونهم في الغي " .

وقرأ عيسى بن عمر " يقصرون " بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف .

الباقون يقصرون بضمه ، وهما لغتان .

قال امرؤ القيس :سما لك شوق بعد ما كان أقصرا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم، فإنهم إذا وقعوا في الذنوب، لا يزالون يمدونهم في الغي ذنبا بعد ذنب، ولا يقصرون عن ذلك، فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء، لأنها طمعت فيهم، حين رأتهم سلسي القياد لها، وهم لا يقصرون عن فعل الشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله : ( وإخوانهم يمدونهم ) يعني إخوان الشياطين من المشركين يمدونهم ، أي : يمدهم الشيطان .

قال الكلبي : لكل كافر أخ من الشياطين .

( في الغي ) أي : يطلبون هم الإغواء حتى يستمروا عليه .

وقيل : يزيدونهم في الضلالة .

وقرأ أهل المدينة : " يمدونهم " بضم الياء وكسر الميم ، من الإمداد ، والآخرون : بفتح الياء وضم الميم وهما لغتان بمعنى واحد .

( ثم لا يقصرون ) أي : لا يكفون .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ، ولا الشياطين يمسكون عنهم ، فعلى هذا قوله : " ثم لا يقصرون " من فعل المشركين والشياطين جميعا .

قال الضحاك ومقاتل : يعني المشركين لا يقصرون عن الضلالة ولا يبصرونها ، بخلاف ما قال في المؤمنين : " تذكروا فإذا هم مبصرون " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإخوانهم» أي إخوان الشياطين من الكفار «يَمدُّونَهُمْ» أي الشياطين «في الغي ثم» هم «لا يُقْصِرُونَ» يكفون عنه بالتبصر كما تبصَّر المتقون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإخوان الشياطين، وهم الفجَّار من ضلال الإنس تمدهم الشياطين من الجن في الضلالة والغَواية، ولا تدَّخر شياطين الجن وُسْعًا في مدِّهم شياطين الإنس في الغيِّ، ولا تدَّخر شياطين الإنس وُسْعًا في عمل ما توحي به شياطين الجن.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أما الذين لم يتقوا الله ، ولم يلجأوا إلى حماه ، ولم يخالفوا الشيطان فقد عبر عنهم القرآن بقوله : ( وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ) .يمدونهم من المد ، وهو الزيادة يقال : مده يمده أى : زاده .

والغى : الضلال ، مصدر غوى يغوى غيا وغواية .أى : وإخوان الشياطين من المشركين والغافلين تزيدهم الشياطين من الضلال عن طريق الوسوسة والإغراء بأرتكاب المعاصى والموبقات ( ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ) أى : ثم لا يكف هؤلاء الشياطين عن إمداد أوليائهم من الإنس بألوان الشرور والآثام حتى يهلكوهم .

ويجوز أن يعود الضمير لإخوانهم : أى ثم لا يكف هؤلاء الناس عن الغى والضلال مهما وعظهم الواعظون وأرشدهم المرشدون .و ( يُقْصِرُونَ ) من أقصر عن الشىء إذا كف عنه ونزع مع القدرة عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ينزغه الشيطان وبين أن علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله، ثم بين في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب، لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو كالابتداء في الوسوسة، وجوز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطان، وهذا المس يكون لامحالة أبلغ من النزغ.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ﴿ طيف ﴾ بغير ألف، والباقون ﴿ مَسَّهُمْ طَئِفٌ ﴾ بالألف.

قال الواحدي رحمه الله: اختلفوا في الطيف فقيل إنه مصد، وقال أبو زيد يقال: طاف يطوف طوفاً وطوافاً إذا أقبل وأدبر.

وأطاف يطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطيف طيفاً إذا ألم في المنام.

قال ابن الأنباري: وجائز أن يكون طيف أصله طيف.

إلا أنهم استثقلوا التشديد، فحذفوا إحدى الياءين وأبقوا ياء ساكنة، فعلى القول الأول هو مصدر، وعلى ما قاله ابن الأنباري هو من باب هين وهين وميت وميت، ويشهد لصحة قول ابن الأنباري قراءة سعيد بن جبير ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طيف ﴾ بالتشديد.

هذا هو الأصل في الطيف، ثم سمى الجنون والغضب والوسوسة طيفاً، لأنه لمة من لمة الشيطان تشبه لمة الخيال.

قال الأزهري: الطيف في كلام العرب الجنون، ثم قيل للغضب طيف، لأن الغضبان يشبه المجنون.

وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى الطيف، مثل العافية والعاقبة ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة.

قال الفراء في هذه الآية: الطائف والطيف سواء، وهو ما كان كالخيال الذي يلم بالإنسان، ومنهم من قال: الطيف كالخطرة والطائف كالخاطر.

المسألة الثالثة: اعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال، ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزاً عن الدفع، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة إذا كان واقعاً في ظلمات عالم الأجسام فيغتروا بظواهر الأمور، فأما إذا انكشف له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات كثيرة.

أما الاعتقاد الأول: وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه، فإذا انكشف له أنه إنما أقدم على ذلك العمل، لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة، ومتى خلق الله فيه تلك الداعية امتنع منه أن لا يقدم على ذلك العمل، فإذا تجلى هذا المعنى زال الغضب، وأيضاً فقد يخطر ببال الإنسان أن الله تعالى علم منه هذه الحالة، ومتى كان كذلك فلا سبيل له إلى تركها، فعند ذلك يفر غضبه، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب وأما الاعتقاد الثاني والثالث: وهو اعتقاده في نفسه كونه قادراً، وكون المغضوب عليه عاجزاً، فهذان الاعتقادان أيضاً فاسدان من وجوه: أحدها: أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل، والله كان قادراً عليه، وهو كان أسيراً في قبضة قدرة الله تعالى، ثم إنه تجاوز عنه.

وثانيها: أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة إلى قدرة الله.

وثالثها: أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش.

ورابعها: أن يتذكر أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكاً للسباع المؤذية والحياة القاتلة، وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكاً لأكابر الأنبياء والأولياء.

وخامسها: أن يتذكر أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قوياً قادراً عليه، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه، أما إذا عفا كان ذلك إحساناً منه إليه، وبالجملة فالمراد من قوله تعالى: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ ﴾ ما ذكرناه من الاعتقادات الثلاثة، والمراد من قوله: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ ما ذكرناه من الوجوه التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات وقوله: ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ معناه أنه إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم، ففي الحال يزول مس طائف الشيطان، ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ معنى (إِذَا) هاهنا للمفاجأة، كقولك خرجت فإذا زيد وإذا في قوله: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ يستدعي جزاء، كقولك آتيك إذا احمر البسر.

أما قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الكناية في قوله: ﴿ وإخوانهم ﴾ إلى ماذا تعود على قولين.

القول الأول: وهو الأظهر أن المعنى: وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في الغي، وذلك لأن شياطين الأنس إخوان لشياطين الجن، فشياطين الإنس يغوون الناس، فيكون ذلك إمداداً منهم لشياطين الجن على الإغواء والإضلال.

والقول الثاني: أن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين، فإن الشياطين يكونون مدداً لهم فيه، والقولان مبنيان على أن لكل كافر أخاً من الشياطين.

المسألة الثانية: تفسير الإمداد تقوية تلك الوسوسة والإقامة عليها وشغل النفس عن الوقوف على قبائحها ومعايبها.

المسألة الثالثة: قرأ نافع ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ بضم الياء وكسر الميم من الإمداد، والباقون ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ بفتح الياء وضم الميم، وهما لغتان مد يمد وأمد يمد، وقيل مد معناه جذب، وأمد معناه من الإمداد.

قال الواحدي، عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت، كقوله: ﴿ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ وأمددناهم بفاكهة  ﴾ وقوله: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ  ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ  ﴾ فالوجه هاهنا قراءة العامة وهي فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ قال الليث: الإقصار الكف عن الشيء قال أبو زيد: أقصر فلان عن الشر يقصر إقصاراً إذا كف عنه وانتهى قال ابن عباس: ثم لا يقصرون عن الضلال والإضلال، أما الغاوي ففي الضلال وأما المغوي ففي الإضلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ طائف مِنَ الشيطان ﴾ لمة منه مصدر، من قولهم: طاف به الخيال يطيف طيفاً قال: أنَّي ألَمَّ بِكَ الْخَيَالُ يِطيفُ أو هو تخفيف طيف فيعل، من طاف يطيف كلين أو من طاف يطوف كهين.

وقرئ: ﴿ طائف ﴾ ، وهو يحتمل الأمرين أيضاً.

وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأنّ المتقين هذه عادتهم: إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ ما أمر الله به ونهى عنه، فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يتبعوه أنفسهم.

وأما إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين، فإن الشياطين يمدونهم في الغيِّ، أي يكونون مدداً لهم فيه ويعضدونهم.

وقرئ: ﴿ يُمدّونهم ﴾ من الإِمداد.

ويمادّونهم، بمعنى يعاونونهم ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا.

قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ كقوله: قَوْم إذَا الْخَيْلُ جَالُوا في كَوَاثِبِهَا في أنّ الخبر جار على ما هو له.

ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين، فيكون الخبر جارياً على ما هو له، والأوّل أوجه، لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا.

فإن قلت: لم جمع الضمير في إخوانهم والشيطان مفرد؟

قلت: المراد به الجنس، كقوله: ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت ﴾ [البقرة: 257] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ لُمَّةٌ مِنهُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن طافَ يَطُوفُ كَأنَّها طافَتْ بِهِمْ ودارَتْ حَوْلَهم فَلَمْ تَقْدِرْ أنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ، أوْ مِن طافَ بِهِ الخَيالُ يُطِيفُ طَيْفًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ « طَيْفٌ» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ تَخْفِيفُ طَيِّفٍ كَلَيِّنٍ وهَيِّنٍ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ الجِنْسُ ولِذَلِكَ جَمَعَ ضَمِيرَهُ.

﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ.

﴿ فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ مَواقِعَ الخَطَإ ومَكايِدَ الشَّيْطانِ فَيَتَحَرَّزُونَ عَنْها ولا يَتْبَعُونَهُ فِيها، والآيَةُ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ أيْ وإخْوانُ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّقُوا بِمَدِّهِمُ الشَّياطِينَ.

﴿ فِي الغَيِّ ﴾ بِالتَّزْيِينِ والحَمْلِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ « يَمْدُونَهم» مِن أمَدَ و « يُمادُونَهم» كَأنَّهم يُعِينُونَهم بِالتَّسْهِيلِ والإغْراءِ وهَؤُلاءِ يُعِينُونَهم بِالِاتِّباعِ والِامْتِثالِ.

﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ ثُمَّ لا يُمْسِكُونَ عَنِ إغْوائِهِمْ حَتّى يُرْدُوهم، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإخْوانِ أيْ لا يَكُفُّونَ عَنِ الغَيِّ ولا يُقْصِرُونَ كالمُتَّقِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالـ« الإخْوانِ» الشَّياطِينُ ويَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلى الجاهِلِينَ فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى ما هو لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإخوانهم} وأما إخوان الشياطين الإنس فإن الشياطين {يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى} أي يكونون مددا لهم فهي ويعضدونهم يَمُدُّونَهُمْ من الإمداد مدني {ثُمَّ لاَ يقصرون} ثم لا يسمكون عن اغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا وجازان يراد الغخوان الشياطين ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين والاول أوجه لأن غخوانهم في مقابلة الذين اتقوا وإنما جمع الضمير في إخوانهم والشيطان مفرد لأن المراد به الجنس

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإخْوانُهُمْ ﴾ أيْ: إخْوانُ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّقُوا.

وذَلِكَ مَعْنى الأُخُوَّةِ بَيْنَهُمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ﴾ خَبَرُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلشَّياطِينِ والمَنصُوبُ لِلْمُبْتَدَأِ، أيْ: تُعاوِنُهم الشَّياطِينُ في الضَّلالِ؛ وذَلِكَ بِأنْ يُزَيِّنُوهُ لَهم ويَحْمِلُوهم عَلَيْهِ، والخَبَرُ عَلى هَذا جارٍ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ وفي أنَّهُ: هَلْ يَجِبُ إبْرازُ الضَّمِيرِ أوَّلًا يَجِبُ في مِثْلِ ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنِ أهْلِ القَرْيَتَيْنِ كالصِّفَةِ المُخْتَلَفِ فِيها بَيْنَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلْإخْوانِ والثّانِيَ لِلشَّياطِينِ، والمَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَ الشَّياطِينَ بِالِاتِّباعِ والِامْتِثالِ، وعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ.

وقَرَأ نافِعٌ: (يُمِدُّونَهُمْ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مَنِ الإمْدادِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ بَعْدَ نَقْلِ ذِكْرِ ذَلِكَ: وعامَّةُ ما جاءَ في التَّنْزِيلِ مِمّا يُحْمَدُ ويُسْتَحَبُّ أمْدَدْتُ عَلى أفْعَلْتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ﴾ و ﴿ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ ﴾ وما كانَ بِخِلافِهِ عَلى مَدَدْتُ قالَ تَعالى: ﴿ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ وهَكَذا يَتَكَلَّمُونَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَجْهَ فَتْحُ الياءِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ مِثْلُ: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ و ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ﴾ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (يُمادُّونَهُمْ) مِن بابِ المُفاعَلَةِ وهي هُنا مَجازِيَّةٌ كَأنَّهم كانَ الشَّياطِينُ يُعِينُونَهم بِالإغْراءِ وتَهْوِينِ المَعاصِي عَلَيْهِمْ وهَؤُلاءِ يُعِينُونَ الشَّياطِينَ بِالِاتِّباعِ والِامْتِثالِ ﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ أيْ: لا يُمْسِكُونَ ولا يَكُفُّونَ عَنْ إغْوائِهِمْ حَتّى يَرُدُّوهم بِالكُلِّيَّةِ فَهو مِن أقْصَرَ إذا أقْلَعَ وأمْسَكَ كَما في قَوْلِهِ: سَما لَكَ شَوْقٌ بَعْدَ ما كانَ أقْصَرا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإخْوانِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، أيْ: ثُمَّ لا يَكُفُّ هَؤُلاءِ عَنِ الغَيِّ ولا يُقْصِرُونَ كالمُتَّقِينَ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ وضَمِيرُ الجَمْعِ المُضافُ إلَيْهِ أوَّلًا والمَفْعُولُ ثانِيًا والفاعِلُ ثالِثًا يَعُودُ إلى الجاهِلِينَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ أيْ: وإخْوانُ الجاهِلِينَ وهُمُ الشَّياطِينُ يَمُدُّونَ الجاهِلِينَ في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُ الجاهِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، والخَبَرُ عَلى هَذا أيْضًا جارٍ عَلى ما هو لَهُ كَما في بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ، والأوَّلُ أوْلى رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (يَقْصُرُونَ) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِّ مِن قَصَرَ وهو مَجازٌ عَنِ الإمْساكِ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني: اتقوا الشرك والفواحش إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ يعني: ذنب تَذَكَّرُوا يعني: عرف المتقون أنها معصية فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ يعني: إذا هم على بصيرة منتهون عن المعصية.

وقال الزجاج: تَذَكَّرُوا ما أوضح الله لهم من الحجة فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي طيف بغير ألف وقرأ الباقون بالألف طائِفٌ.

وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ إذا مسهم طيف، والطيف الغضب وعن مجاهد في قوله طائِفٌ قال الغضب.

ثم ذكر حال الكفار فقال عز وجل: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ يعني: إخوان الشياطين يمدونهم أي: يدعونهم إلى المعصية.

ويقال: يلجونهم في الشرك والضلالة.

ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ عنها كما أقصر المسلمون عنها حين أبصروها.

قرأ نافع يَمُدُّونَهُمْ بضم الياء وكسر الميم من أمَدَّ يُمِدّ.

وقرأ الباقون يَمُدُّونَهُمْ بالنصب من مَدَّ يَمُدُّ.

قال بعضهم: هذا عطف على قوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ.

وقال الزجاج: معناه التقديم.

والمعنى لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ يعني: الشياطين والغي: الجهل والوقوع في الهلكة.

قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ وذلك حين أبطأ عليه جبريل حين سألوه شيئاً قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها أي: هلاّ أتاهم من تلقاء نفسه؟

وهذا كقوله: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا [يونس: 15] قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أي: قل إذا أمرت بأمر فعلت ولا أبتدع ما لم أومر هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: القرآن بيان من ربكم.

وقال بعض أهل اللغة: البصائر في اللغة: طرائق الأمر واحدتها بصيرة: ويقال: طريقة الدين معناه: ظهور الشيء وبيانه وَهُدىً وَرَحْمَةٌ أي: القرآن هدى من الضلالة ويقال: كرامة ورحمة من العذاب ونعمة لمن آمن به لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فالعرف بمعنى المعروف.

وقوله عز وجل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، هذه الآية وصِيَّة من الله سبحانه لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم تعمُّ أمته رجُلاً رجلاً، والنَّزْغ: حركةٌ فيها فسادٌ قلَّما تستعملُ إِلا في فَعْلِ الشيطان لأن حركته مسرِعَةٌ مفسدة ومنه قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغِ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ» ، فالمعنى في هذه الآية: فإِمَّا تَلُمَّنَّ بك لَمَّةٌ من الشيطان، فاستعذ باللَّه، وعبارة البخاريِّ: يَنْزَغَنَّكَ: يستَخِفَنَّكَ.

انتهى.

وَنَزْغُ الشيطان عامٌّ في الغَضَبِ، وتحسينِ المعاصِي، واكتساب الغوائل، وغير ذلك وفي «جامع الترمذيِّ» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قالَ: «إِن لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وللشَّيْطَانِ لَمَّةً ...

» «١»

الحديث.

قال ع «٢» : عن هاتين اللَّمّتَيْنِ: هي الخواطِرُ من الخير والشر، فالآخِذُ بالواجبِ يلقى لَمَّةَ المَلَك بالامتثال والاستدامة، وَلَمَّةَ الشيطانِ بالرفْضِ والاستعاذة، واستعاذ: معناه:

طَلَب أَنْ يُعَاذَ، وعَاذَ: معناه: لاذ، وانضوى، واستجار.

قال الفَخْر «٣» : قال ابنُ زيد: لما نَزَل قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كَيْفَ يَا رَبِّ، والغَضَبُ؟

فَنَزَل قولُه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ» «٤» ، وقوله: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يدلُّ علَى أن الاستعاذة لا تفيدُ إِلاَّ إِذا حضر في القَلْبِ العِلْمُ بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالَى قال: اذكر لَفْظَ الاستعاذة بلسانك فإن سميعٌ، واستحضر معاني الاستعاذة بِعَقْلِكَ وقَلْبِك فإِني عَليمٌ بما في ضَمِيركَ، وفي الحقيقة: القوْلُ اللسانيُّ دون المعارفِ العقليَّة، عديمُ الفائدة والأثر.

انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ...

الآية خرَجَتْ مَخْرَجَ المدح للمتقين، والتقوى هاهنا عامَّة في اتقاء/ الشِّرْك والمعاصِي، وقرأ ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإخْوانُهُمْ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ والمِيمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها عائِدَةٌ عَلى المُشْرِكِينَ؛ فَتَكُونُ هَذِهِ الآَيَةُ مُقَدَّمَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ، وإخْوانُ الجاهِلِينَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ﴾ قَرَأ نافِعٌ: "يَمُدُّونَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.

والباقُونَ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: عامَّةٌ ما جاءَ في التَّنْزِيلِ فِيما يُحْمَدُ ويُسْتَحَبُّ: أُمْدِدْتُ، عَلى أُفْعِلْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ  ﴾ ﴿ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ  ﴾ ﴿ وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ  ﴾ ، وما كانَ عَلى خِلافٍ يَجِيءُ عَلى: مَدَدْتُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ  ﴾ ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَجْهَ فَتْحُ الياءِ، إلّا أنَّ وجْهَ قِراءَةِ نافِعٍ بِمَنزِلَةِ ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "يَمُدُّونَهم في الغَيِّ" أيْ: يُزَيِّنُونَهُ لَهم، وَيُرِيدُونَ مِنهم لُزُومَهُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: أنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا جَرَّهُمُ الشَّيْطانُ إلى خَطِيئَةٍ، تابُوا مِنها، وإخْوانُ الجاهِلِينَ، وهُمُ الشَّياطِينُ، يَمُدُّونَهم في الغَيِّ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِنَ العُلَماءِ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الهاءُ والمِيمُ تَرْجِعُ إلى الشَّياطِينِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهم لَقَوْلِهِ: "مِنَ الشَّيْطانِ "فالمَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهم.

والثّانِي: أنَّ الهاءَ والمِيمَ تَرْجِعُ إلى المُتَّقِينَ؛ فالمَعْنى: وإخْوانُ المُتَّقِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: مِنَ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهم في الغَيِّ، أيْ: يُرِيدُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَدْخُلُوا مَعَهم في الكُفْرِ، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: "وَإخْوانُهُمْ" ولَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ؟

فالجَوابُ: أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونُوا إخْوانَهم في النَّسَبِ، أوْ في كَوْنِهِمْ مِن بَنِي آَدَمَ، أوْ لَكَوْنِهِمْ يُظْهِرُونَ النُّصْحَ كالإخْوانِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ الشَّياطِينُ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونُوا لِكَوْنِهِمْ مُصاحِبِينَ لَهم، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَقْصُرُونَ" بِالتَّشْدِيدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أقْصَرَ يُقَصِّرُ، وقَصَرَ يُقَصِّرُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا الإنْسُ يُقْصِرُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُقَصِّرُ عَنْهُمْ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: "يُقْصِرُونَ" مِن فِعْلِ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ؛ ويَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الثّانِي أنْ يَكُونَ هَذا وصْفًا لِلْإخْوانِ فَقَطْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ "اتَّقَوْا" هُنا عامَّةٌ في اتِّقاءِ الشِرْكِ واتِّقاءِ المَعاصِي بِدَلِيلِ أنَّ اللَفْظَةَ إنَّما جاءَتْ في مَدْحٍ لَهُمْ، فَلا وجْهَ لِقَصْرِها عَلى اتِّقاءِ الشِرْكِ وحْدَهُ، وأيْضًا فالمُتَّقِي العائِذِ قَدْ يَمَسُّهُ طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ إذْ لَيْسَتِ العِصْمَةُ إلّا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: " طَيْفٌ "، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " طَيِّفٌ "، واللَفْظَةُ إمّا مِن طافَ يَطُوفُ، وإمّا مَن طافَ يَطِيفُ بِفَتْحِ الياءِ، وهي ثابِتَةٌ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ: أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ∗∗∗ ومَطافُهُ لَكَ ذُكْرَةٌ وشُعُوفُ فَـ "طائِفٌ" اسْمُ فاعِلٍ كَقائِلٍ مِن قالَ يَقُولُ، وكَبائِعٍ مِن باعَ يَبِيعُ، و"طَيِّفٌ" اسْمُ فاعِلٍ أيْضًا كَمَيِّتٍ مِن ماتَ، أو كَبَيِّعٍ ولَيِّنٍ مِن باعَ يَبِيعُ ولانَ يَلِينُ.

وطَيْفٌ يَكُونُ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيْتٍ مِن مَيِّتٍ، وإذا قَدَّرْنا اللَفْظَةَ مِن طافَ يَطِيفُ فَطَيْفٌ مَصْدَرٌ، وإلى هَذا مالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وجَعَلَ الطائِفَ كالخاطِرِ والطَيِّبِ كالخَطْرَةِ، وقالَ الكِسائِي: الطَيْفُ اللَمَمُ، والطائِفُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَيْفَ هَذا وقَدْ قالَ الأعْشى: وتُصْبِحُ عن غِبِّ السُرى وكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أولَقِ ومَعْنى الآيَةِ: إذا مَسَّهم غَضَبٌ وزَيَّنَ الشَيْطانُ مَعَهُ ما لا يَنْبَغِي.

وقَوْلُهُ: "تَذَكَّرُوا" إشارَةٌ إلى الِاسْتِعاذَةِ المَأْمُورِ بِها قَبْلُ، وإلى ما لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في النازِلَةِ الَّتِي يَقَعُ تَعَرُّضُ الشَيْطانِ فِيها.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "مِنَ الشَيْطانِ تَأمَّلُوا فَإذا هُمْ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذا طافَ مِنَ الشَيْطانِ طائِفٌ تَأمَّلُوا"، وقالَ النَبِيُّ  : « "إنَّ الغَضَبَ جُنْدٌ مِن جُنْدِ الجِنِّ، أما تَرَوْنَ حُمْرَةَ العَيْنِ وانْتِفاخَ العُرُوقِ؟

فَإذا كانَ ذَلِكَ فالأرْضَ الأرْضَ"،» وقَوْلُهُ: ﴿ مُبْصِرُونَ ﴾ مِنَ البَصِيرَةِ، أيْ: فَإذا هم قَدْ تَبَيَّنُوا الحَقَّ ومالُوا إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ﴾ الآيَةُ، في هَذِهِ الضَمائِرِ احْتِمالاتٌ، قالَ الزَجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الآيَةَ مُقَرَّرَةٌ في مَوْضِعِها إلّا أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإخْوانُهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ وهُمُ المُرادُ بِالإخْوانِ، والشَيْطانُ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ لِلْجِنْسِ فَلِذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ هاهُنا ضَمِيرَ جَمْعٍ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: وإخْوانٌ لِلشَّياطِينِ يَمُدُّونَهُمُ الشَياطِينُ في الغَيِّ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الضَمِيرَيْنِ في الهاءِ والمِيمِ لِلْكُفّارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَجِيءُ الآيَةُ عَلى هَذا مُعادِلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، أيْ: إنَّ المُتَّقِينَ حالُهم كَذا وكَذا، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ يَمُدُّهم إخْوانُهم مِنَ الشَياطِينِ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ التَأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنا أوَّلًا عَنِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالإخْوانِ، فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَعْوَدَ الضَمِيرانِ عَلى الكُفّارِ كَما ذَكَرْناهُ عن قَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا جَمِيعًا عَلى الشَياطِينِ، ويَكُونُ المَعْنى: وإخْوانُ الشَياطِينِ في الغَيِّ بِخِلافِ الأُخُوَّةِ في اللهِ يَمُدُّونَ الشَياطِينَ، أيْ: بِطاعَتِهِمْ لَهم وقَبُولِهِمْ مِنهُمْ، ولا يَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ بِالإمْدادِ، لِأنَّ الإنْسَ لا يُغْوُونَ الشَياطِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وصْفُ حالَةِ الكُفّارِ مَعَ الشَياطِينِ كَما وصَفَ حالَةَ المُتَّقِينَ مَعَهم قَبْلُ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ: "يَمُدُّونَهُمْ" مِن مَدَدْتُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "يُمِدُّونَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ مِن أمْدَدْتُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَدَّ الشَيْءَ إذا كانَتِ الزِيادَةُ مِن جِنْسِهِ، وأمَدَّهُ إذا كانَتْ مِن شَيْءٍ آخَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في المَحْبُوبِ "أمَدَّ"، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ  ﴾ ، والمُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ "مَدَّ"، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ  ﴾ ، ومَدُّ الشَيْطانِ لِلْكَفَرَةِ في الغَيِّ هو التَزْيِينُ لَهم والإغْواءُ المُتَتابِعُ.

فَمَن قَرَأ في هَذِهِ الآيَةِ "يَمُدُّونَهُمْ" بِضَمِّ المِيمِ فَهو عَلى المِنهاجِ المُسْتَعْمَلِ، ومَن قَرَأ "يُمِدُّونَهُمْ" فَهو مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ ، كَما يَجُوزُ أنْ تُقَيِّدَ البِشارَةَ فَتَقُولُ: "بَشَّرْتُهُ بَشَرٍّ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "يُمادُّونَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ، أيْ: هَؤُلاءِ لا يُقْصِرُونَ في الطاعَةِ لِلشَّياطِينِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُقْصِرُونَ" مِن أقْصَرَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "يَقْصُرُونَ" مِن قَصَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ .

سَبَبُها فِيما رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَتَأخَّرُ عَلى النَبِيِّ  أحْيانًا، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: "هَلّا اجْتَبَيْتَها"، ومَعْنى اللَفْظَةِ في كَلامِ العَرَبِ: تَخَيَّرْتَها واصْطَفَيْتَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمُ:المُرادُ بِهَذِهِ اللَفْظَةِ: "هَلّا اخْتَرْتَها واخْتَلَقْتَها مِن قِبَلِكَ ومِن عِنْدِ نَفْسِكَ".

والمَعْنى: إذْ كَلامُكَ كُلُّهُ كَذَلِكَ عَلى ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَزْعُمُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: المُرادُ: "هَلّا تَلَقَّيْتَها مِنَ اللهِ وتَخَيَّرْتَها عَلَيْهِ، إذْ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ وأنَّ مَنزِلَتَكَ عِنْدَهُ مَنزِلَةُ الرِسالَةِ"، فَأمَرَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُجِيبَ بِالتَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ الأمْرَ في الوَحْيِ إلَيْهِ يُنْزِلُهُ مَتى شاءَ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ ، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ: "هَذا" إلى القُرْآنِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ "بَصائِرُ" أيْ عَلاماتُ هُدًى وأنْوارٌ تُضِيءُ القُلُوبَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: هَذا ذُو بَصائِرَ، ويَصِحُّ الكَلامُ دُونَ أنْ يُقَدَّرَ حَذْفُ مُضافٍ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِـ"هَذا" إنَّما هو سُورٌ وآياتٌ وحِكَمٌ، وجازَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِـ"هَذا" مِن حَيْثُ اسْمُهُ مُذَكَّرٌ، وجازَ وصْفُهُ بِـ "بَصائِرُ" مِن حَيْثُ هو سُورٌ وآياتٌ.

﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ خاصَّةً.

قالَ الطَبَرِيُّ: وأمّا مَن لا يُؤْمِنُ فَهو عَلَيْهِ عَمًى عُقُوبَةً مِنَ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا ﴾ [الأعراف: 201] عطفَ الضد على ضده، فإن الضدية مناسبة يحسن بها عطف حال الضد على ضده، فلما ذكر شان المتقين في دفعهم طائِف الشياطين، ذُكر شان اضدادهم من أهل الشرك والضلال، كما وقعت جملة: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ [البقرة: 6] من جملة ﴿ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ﴾ في سورة البقرة (2، 3).

وجعلها الزّجاج عطفاً على جملة ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ولا لأنفسهم ينصرون ﴾ [الأعراف: 192] أي ويمدونهم في الغي، يريد أن شركاءهم لا ينفعونهم بل يضرونهم بزيادة الغي.

والإخوان جمع أخ على وزن فعلان مثل جمع خَرَب ووهو ذكر بزيادة الغي.

والإخوان جمع أخ على وزن فعلان مثل جمع خَرَب وهو ذكر الحُبارَى على خربان.

وحقيقة الأخ المشارك في بنوة الأم والأب أو في بنوة أحدهما ويطلق الأخ مجازاً على الصديق الودود ومنه ما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وقول أبي بكر للنبيء صلى الله عليه وسلم لما خطب النبي منه عائشة «إنما أنا أخوك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت أخي وهي حلال لي» ويطلق الأخ على القرين كقولهم أخو الحرب، وعلى التابع الملازم كقول عبد بني الحسحاس: أخُوكم ومولى خَيْركم وحليفُكم *** ومن قد ثَوى فيكم وعاشركم دَهْراً أراد أنه عبدهم، وعلى النسب والقرب كقولهم: أخو العرب وأخو بني فلان.

فضمير ﴿ وإخوانهم ﴾ عائِد إلى غير مذكور في الكلام، إذ لا يصح أن يعود إلى المذكور قبله قريباً: لأن الذي ذكر قبله ﴿ الذين اتقوا ﴾ فلا يصح أن يكون الخبر، وهو ﴿ يمدونهم في الغي ﴾ متعلقاً بضمير يعود إلى ﴿ المتقين ﴾ ، فتعين أن يتطلب السامع لضمير ﴿ وإخوانهم ﴾ معادا غير ما هو مذكور في الكلام بقربه، فيحتمل أن يكون الضمير عائداً على معلوم من السياق وهم الجماعة المتحدث عنهم في هذه الآيات أعني المشركين المعنيين بقوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ [الأعراف: 190 192] فيرد السامع الضمير إلى ما دل عليه السياق بقرينة تقدم نظيره في أصل الكلام، ولهذا قال الزجاج: هذه الآية متصلة في المعنى بقوله: ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون ﴾ [الأعراف: 192]، أي وإخوان المشركين، أي أقاربهم ومن هو من قبيلتهم وجماعة دينهم، كقوله تعالى: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ﴾ [آل عمران: 156] أي يُمد المشركون بعضهم بعضاً في الغي ويتعاونون عليه فلا مخلص لهم من الغي.

ويجوز أن يعود الضميران إلى الشيطان المذكور آنفاً باعتبار إرادة الجنس أو الأتباع، كما تقدم، فالمعنى وإخوان الشياطين أي أتباعهم كقوله: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ [الإسراء: 27] أما الضميران المرفوعان في قوله: ﴿ يُمدونهم ﴾ وقوله: ﴿ لا يُقصرون ﴾ فهما عائدان إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ إخوانهم ﴾ أي الشياطين، وإلى هذا مال الجمهور من المفسرين، والمعنى: وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين في الغي، فجملة يمدونهم خبر عن ﴿ إخوانهم ﴾ وقد جرى الخبر على غير من هو له ولم يُبرَز فيه ضميرُ من هو له حيث كان اللبس ما مونا وهذا كقول يزيد بن منقذ: وهُم إذا الخيلُ جالوا في كواثبها فَوارسُ الخيل لا مِيلٌ ولا قَزَم فجملة «جالوا» خبر عن الخيل وضمير «جالوا» عائد على ما عاد عليه ضمير «وهم» لا على الخيل.

وقوله فوارس خبر ضمير الجمع.

ويجوز أن يكون المراد من الإخوان الأولياء ويكون الضميران للمشركين أيضاً، أي وإخوانُ المشركين وأولياؤُهم، فيكون «الإخوان» صادقاً بالشياطين كما فسر قتادة، لأنه إذا كان المشركون إخوان الشياطين، كما هو معلوم، كان الشياطين إخواناً للمشركين لأن نسبة الأخوة تقتضي جانبين، وصادقاً بعظماء المشركين، فالخبر جار على من هو له، وقد كانت هذه المعاني مجتمعة في هذه الآيات بسبب هذا النظم البديع.

وقرأ نافع، وأبو جعفر: ﴿ يُمدونهم ﴾ بضم الياء وكسر الميم من الامداد وهو تقوية الشيء بالمدد والنجدة كقوله: ﴿ أمدكم بأنعام وبنين ﴾ [الشعراء: 133]، وقرأه البقية: ﴿ يَمُدونهم ﴾ بفتح الياء وضم الميم من مد الحبل يمده إذا طوله، فيقال: مد له إذا أرخى له كقولهم: (مد الله في عُمرك) وقال أبو علي الفارسي في كتاب «الحجة» «عامة ما جاء في التنزيل مما يستحب أمددتُ على أفعلت كقوله: ﴿ أن ما نُمدهم به من ماللٍ وبنين ﴾ [المؤمنون: 55] ﴿ وأمددناهم بفاكهة ﴾ [الطور: 22] و ﴿ أتمدونن بمال ﴾ [النمل: 36]، ومَا كان بخلافه يجيء على مَدَدْت قال تعالى: ﴿ ويَمُدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ [البقرة: 15] فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء كما ذهب إليه الأكثر من القراء والوجه في قراءة من قرأ يُمدونهم أي بضم الياء أنه مثل ﴿ فبشرهم بعذاب اليم ﴾ [آل عمران: 21] (أي هو استعارة تهكمية والقرينه قوله في الغي كما أن القرينة في الآية الأخرى قوله بعذاب) وقد علمت أن وقوع أحد الفعلين أكثر في أحد المعنيين لا يقتضي قصر إطلاقه على ما غلب إطلاقه فيه عند البلغاء وقراءة الجمهور ﴿ يمدونهم ﴾ بفتح التحتية تقتضي أن يعدى فعل ﴿ يمدونهم ﴾ إلى المفعول باللام، يقال مد له إلا أنه كثرت تعديته بنفسه على نزع الخافض كقوله تعالى: ﴿ ويَمدّهم في طغيانهم ﴾ وقد تقدم في سورة البقرة (15) والغي الضلال وقد تقدم آنفاً.

و (في) من قوله: ﴿ يمدونهم في الغي ﴾ على قراءة نافع وأبي جعفر استعارة تبعيه بتشبيه الغي بمكان المحاربة، وأما على قراءة الجمهور فالمعنى: وإخوانهم يمدون لهم في الغي من مَد للبعير في الطول.

أي يطيلون لهم الحبْل في الغي، تشبيهاً لحال أهل الغواية وازديادهم فيها بحال النعم المطال لها الطول في المرعى وهو الغي، وهو تمثيل صالح لاعتبار تفريق التشبيه في أجزاء الهيئة المركبة، وهو أعلى أحوال التمثيل ويقرب من هذا التمثيل قول طرفة: لعمرك أن الموت ما أخطأ الفتى *** لكالطِوَل المُرْخَى وثنْياه باليد وعليه جرى قولهم: مد الله لفلان في عمره، أو في أجله، أو في حياته والإقصار الامساك عن الفعل مع قدره الممسك على أن يزيد.

و ﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي أي وأعظم من الإمداد لهم في الغي أنهم لا يألونهم جهداً في الازدياد من الإغواء، فلذلك تجد إخوانهم أكبر الغاوين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ﴿ طائِفٌ ﴾ ، وقَرَأ الباقُونَ (طَيْفٌ) واخْتُلِفَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ، فَعَلى هَذا اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الطَّيْفَ اللَّمَمُ كالخَيالِ يُلِمُّ بِالإنْسانِ.

والثّانِي: أنَّهُ الوَسْوَسَةُ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ، أنَّهُ الفَزَعُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الطَّيْفِ والطّائِفِ مُخْتَلِفانِ، فالطَّيْفُ اللَّمَمُ، والطّائِفُ كُلُّ شَيْءٍ طافَ بِالإنْسانِ.

﴿ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلِمُوا فَإذا هم مُنْتَهُونَ.

والثّانِي: اعْتَبَرُوا فَإذا هم مُهْتَدُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إنَّ الذين اتقوا ﴾ قال: هم المؤمنون.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا مسهم طيف من الشيطان ﴾ قال: الغضب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الطيف: الغضب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ بالألف ﴿ تذكروا ﴾ قال: هَم بفاحشة فلم يعملها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا ﴾ يقول: إذا زلوا تابوا.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق وهب بن جرير عن أبيه قال: كنت جالساً عن الحسن إذ جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد ما تقول في العبد يذنب الذنب ثم يتوب؟

قال: لم يزدد بتوبته من الله إلا دنواً.

قال: ثم عاد في ذنبه ثم تاب؟

قال: لم يزدد بتوبته إلا شرفاً عند الله.

قال: ثم قال لي: ألم تسمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قلت: وما قال؟

قال: «مثل المؤمن مثل السنبلة تميل أحياناً وتستقيم أحياناً- وفي ذلك تكبر- فإذا حصدها صاحبها حمد أمره كما حمد صاحب السنبلة بره، ثم قرأ ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: إن الله لم يسم عبده المؤمن كافراً، ثم قرأ ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا ﴾ فقال: لم يسمه كافراً ولكن سماه متقياً.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ إذا مسهم طائف ﴾ بالألف.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش عن إبراهيم ويحيى بن وثاب قرأ أحدهما طائف، والآخر طيف.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ إذا مسهم طائف ﴾ بالألف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: الطائف اللمة من الشيطان ﴿ تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ يقول: إذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان وإخوانهم.

قال: إخوان الشياطين ﴿ يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ﴾ قال: لا الإِنس عما يعملون السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم ﴿ وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقول: لولا أحدثتها لولا تلقيتها فأنشأتها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإِنس ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ يقول: لا يسامون ﴿ وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقول: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وإخوانهم من الشياطين يمدونهم في الغي ﴾ قال: استجهالاً وفي قوله: ﴿ لولا اجتبيتها ﴾ قال: ابتدعتها.

وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيتي فقال «إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبريل آنفاً فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

قلت: أجل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما ذاك يا جبريل؟!

فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير، قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟

قال: كل ذلك سيكون.

قلت: ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله...

!

قال: بكتاب الله يضلون، وأول ذلك من قبل قرائهم وأمرائهم، يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلون، وتتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، قلت: يا جبريل فيم يسلم من سلم منهم؟

قال: بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي ﴾ قال: هذا القرآن ﴿ هذا بصائر من ربكم ﴾ أي بينات فاعقلوه ﴿ وهدى ورحمة ﴾ لمن آمن به وعمل به ثم مات عليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ ، اختلفوا في هذه الكناية، فالأكثرون على أن المراد بها: الشياطين، وهو قول الحسن (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ  ﴾ ، و (٨) وقال آخرون: المراد بالإخوان: الشياطين، فقوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ ، أي: إخوان المشركين من الشياطين، وهذا قول ابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ  ﴾ ، وهم المشركون، ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ وهم الشياطين) (١٦) و (١٧) ﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ﴾ .

هذا من فعل الشياطين على القولين جميعًا، قال مقاتل: (يدعونهم إلى المعصية) (١٨) (١٩) وقال أهل المعاني: (يطولون لهم الإغواء حتى يستمروا عليه) (٢٠) ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ واختلف القراء (٢١) ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ فقرءوا من المدّ والإمداد جميعًا، وعامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ  ﴾ وما كان خلافه يجيء على مددت قال: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ ، فالوجه هاهنا قراءة العامة وهو فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو للخير في ضده كقوله تعالى: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى  ﴾ (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ ، قال الليث: (الإقصار الكف عن الشيء) (٢٣) (٢٤) قال ابن عباس: (يريد: لا يألون في ضلالتهم) (٢٥) وقال ابن زيد: (لا يسأمون ولا يفترون) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ .

يعني: المشركين، بخلاف ما قال في المؤمنين ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  ﴾ ) ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان: ( ﴿ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ عن الضلالة، ولا يبصرونها كما أقصر المتقي عنها حين أبصرها) (٢٩) وهو قول ابن جريج: (لا يقصر الإنسان من أهل الشرك كما يقصر الذين اتقوا) (٣٠) فعلى قول ابن عباس قوله: ﴿ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ من (٣١) قال مقاتل (٣٢) ﴿ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ عن المعصية هؤلاء وهؤلاء) (٣٣) وقال الفراء: ( ﴿ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ يعني: المشركين وشياطينهم) (٣٤) وروي مثل هذا عن ابن عباس قال: (لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين يمسكون عنهم) (٣٥) (١) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 68، وذكره القرطبي 7/ 315 عن الحسن وقتادة والضحاك.

(٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 245 - 246، والطبري 9/ 160، بسند جيد.

(٣) أخرجه الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1641 بسند جيد.

(٤) ذكره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 661.

(٥) الكناني: هو الإِمام عبد العزيز بن يحيى المكي، ولم أقف على قوله.

(٦) "معاني الزجاج" 2/ 397.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٨) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٩) أخرجه الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1642 بسند ضعيف، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1641 بسند جيد عنه قال: (إخوان الشياطين يمدونهم في الغي).

(١٠) "تفسير مجاهد" 1/ 254، وأخرجه الطبري 9/ 160 بسند جيد.

(١١) "تفسير غريب القرآن" ص 187، ونحوه قال مكي في "تفسير المشكل" ص 89.

(١٢) أخرجه الطبري 9/ 159 بسند جيد.

(١٣) "تفسير مقاتل" 2/ 82 (١٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 291، والبغوي 3/ 318، والخازن 2/ 329.

(١٥) "معاني الفراء" 1/ 402.

(١٦) ذكره ابن الجوزي 3/ 311، وقال النحاس في "إعرابه" 1/ 661: (أحسن ما قيل في هذا قول الضحاك ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ أي: إخوان الشياطين وهم الفجار، وعلى هذا يكون الضمير متصلاً، فهذا أولى في العربية، وقيل للفجار: إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم) اهـ.

ونحو قال القرطبي 7/ 351، وقال السمين في "الدر" 5/ 548: (الضمير في ( ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعود على الشياطين لدلالة لفظ الشيطان عليهم، والضمير المنصوب في (يمدوهم) يعود على الكفار والتقدير: وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين، وهذا قول الجمهور وعليه عامة المفسرين) اهـ.

وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 590، وابن عطية 6/ 192 - 193، وابن الجوزي 3/ 310، والرازي 15/ 100.

(١٧) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(١٨) "تفسير مقاتل" 2/ 82.

(١٩) ذكره ابن الجوزي 3/ 310 - 311 بلا نسبة.

(٢٠) هذا قول ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 187، الثعلبي 6/ 33 ب، ومكي في "تفسير المشكل" ص 89، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 237، و"غريب القرآن" ص 156، و"معاني النحاس" 3/ 121.

(٢١) قرأ نافع ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ بضم الياء وكسر الميم من أمدَّ، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الميم من مدَّ، انظر: "السبعة" ص 301، و"المبسوط" ص 188، و"التذكرة" 2/ 340، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 275.

(٢٢) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 122 - 123، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 661، و"معاني القراءات" 1/ 434، و"الحجة" لابن زنجلة ص 306، و"الكشف" 1/ 487.

(٢٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2972: وانظر: "العين" 5/ 57 (قصر).

(٢٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2972: وانظر: "الجمهرة" 2/ 742، و"الصحاح" 2/ 792، و"المجمل" 3/ 756، و"مقاييس اللغة" 5/ 96، و"المفردات" ص 672، و"اللسان" 6/ 3645 (قصر).

(٢٥) لم أقف عليه، وأخرج الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1643 بسند ضعيف عنه قال: (لا يسأمون) اهـ.

(٢٦) ذكره الثعلبي 6/ 33 أ.

(٢٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 292، والبغوي 3/ 318 عن الضحاك ومقاتل، وذكر النحاس في "إعرابه" 1/ 661، عن الضحاك قال: (أي: إخوان الشياطين وهم الفجار: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ أي: لا يتوبون ولا يرجعون) اهـ.

(٢٨) في (ب): (يمدون المشركين والضلالة)، وهو تحريف.

(٢٩) "تفسير مقاتل" 2/ 82.

(٣٠) أخرجه الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1643 بسند جيد عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير المكي.

(٣١) لفظ: (من) ساقط من (ب).

(٣٢) في: (أ) تكرار لفظ: (مقاتل).

(٣٣) لم أقف عليه.

(٣٤) "معاني الفراء" 1/ 402.

(٣٥) أخرجه الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1642 بسند جيد، وذكره ابن الجوزي 3/ 311 وقال: (وعليه يكون قوله: ﴿ يُقْصِرُونَ ﴾ من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور) اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي ﴾ الضمير في إخوانهم للشياطين، وأريد بقوله: طائف من الشيطان: الجنس، ولذلك أعيد عليه ضمير الجماعة وإخوانهم هم الكفار، ومعنى يمدّونهم: يكونون مدداً لهم: يعضدونهم، وضمير المفعول في يمدّونهم للكفار، وضمير الفاعل للشيطان، ويحتمل أن يريد بالإخوان: الشياطين، ويكون الضمير في إخوانهم للكفار، والمعنى على الوجهين: أن الكفار يمدهم الشيطان وقرئ يمدّونهم بضم الياء وفتحها، والمعنى واحد، وفي الغيّ: يتعلق بيمدّونهم، وقيل: يتعلق بإخوانهم كما تقول إخوة في الله، أو في الشيطان ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ أي لا يقصر الشياطين عن إمداد إخوانهم الكفار، أو لا يقصر الكفار عن غيهم، وفي الآية من إدراك البيان لزوم ما لا يلزم بالتزام الصاد قبل الراء في مبصرون ولا يقصرون ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها ﴾ الضمير في لم تأتهم للكفار، ولولا هنا عوض، وفي معنى اجتبيتها قولان: أحدهما: اخترعتها من قبل نفسك، فالآية على هذا من القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأخر عنه بالوحي أحياناً، فيقول الكفار: هلا جئت بقرآن من قولك، والآخر معناه: طلبتها من الله، وتخيرتها عليه، فالآية على هذا معجزة، أي يقولون: اطلب المعجزة من الله ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي ﴾ [الجن: 20] معناه: لا أخترع القرآن على القول الأول، ولا أطلب آية من الله على القول الثاني ﴿ هذا بَصَآئِرُ ﴾ أي علامات هدى والإشارة إلى القرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طيف ﴾ بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون: ﴿ طائف ﴾ على وزن "فاعل" ﴿ يمدونهم ﴾ من الإمداد: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿ العفو وأمر ﴾ مدغماً: أبو عمرو.

وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مبصرون ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿ لا يقصرون ﴾ ه ﴿ اجتبيتها ﴾ ط ﴿ من ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ من الغافلين ﴾ ه ﴿ يسجدون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة.

واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله ﴿ خذ العفو ﴾ ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه  ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو والمعروف.

والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق.

ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله  : "يا جبرائيل ما هذا؟

فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" .

قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل.

يروى عن جعفر الصادق  : ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا ﴿ خذ العفو ﴾ أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال.

والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي.

وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ.

قال أبو زيد: لما نزل قوله ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله  : كيف يا رب والغضب؟

فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه.

عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب.

ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي  : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .

قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة.

والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه  قبل تلك الوسوسة منه؟

ولو سلم فمحمول على ترك الأولى.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنه سميع عليم ﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه  قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.

ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ﴾ قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء.

والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً.

ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين.

قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته.

ومفعول ﴿ تذكروا ﴾ محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد.

واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله  خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال  : "من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنهربما انقلب الضعيف قوياً.

وبالجملة فالمراد من قوله  ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله ﴿ تذكروا ﴾ الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والضمير المرفوع في ﴿ يمدون ﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له.

والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي.

وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له.

قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن ﴿ إخوانهم ﴾ في مقابلة ﴿ الذين اتقوا ﴾ قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله ﴿ إنما نمدهم به من مال ﴾ \[المؤمنون: 55\] ﴿ وأمددناهم بفاكهة  ﴾ ﴿ أتمدونن بمال  ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون  ﴾ فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ أما قوله ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ فالإقصار الكف عن الشيء.

قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.

ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ثم إنه  ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر.

والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟

وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿ إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي ﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها.

ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿ هذا ﴾ يعني القرآن ﴿ بصائر ﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿ هدى ﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان.

فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإنصات السكوت للاستماع.

قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر.

وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت.

وقال قتادة.

كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت.

ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.

وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه  فنزلت.

وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه.

وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع.

واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا.

والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع.

وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور.

وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز.

قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.

وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام.

هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة.

وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله ﴿ ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق.

وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه.

ثم أمر نبيه وأمته تبعيته  بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء.

والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء.

قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه.

قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة.

الثالث والرابع: ﴿ تضرعاً وخيفة ﴾ أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية.

والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة.

الخامس: قوله ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء.

قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.

السادس: قوله ﴿ بالغدو والآصال ﴾ والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته.

وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.

وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته.

إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.

وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.

السابع: قوله ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ فيداومون على ذلك ﴿ ويسبحونه ﴾ يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم ﴿ وله يسجدون ﴾ بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح.

وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح.

والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق.

التأويل: ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿ من الشيطان نزغ ﴾ في طلب غير الله ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من طلب غير الله ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال  : "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.

﴿ طائف من الشيطان ﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿ وإخوانهم ﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ أي لم تأت القلوب ﴿ بآية ﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿ قالوا ﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿ قل إنما أتبع ﴾ إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني.

﴿ فاستمعوا ﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿ وأنصتوا ﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر" فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿ تضرعاً ﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿ وخيفة ﴾ في الوسط ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ﴿ ولا تكوننَّ من الغافلين ﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿ يسبحونه ﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿ وله يسجدون ﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: على حقيقة الأخذ.

والثاني: على العمل بالعفو.

فإن كان على الأخذ فهو على وجهين: [الأول:] يحتمل أن خذ الفضل الذي لا حق فيه، وهو القليل من ذلك واليسير.

والثاني: أن خذ ما يفضل من أنفسهم وحوائجهم من غير مسألة، أي: اقبل منهم ما أعطوك، ولا تلح في المسألة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ  إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ  ﴾ ؛ أخبر أنه إن يسألهم أموالهم حملهم ذلك على البخل.

وإن كان على العمل فهو على وجوه: أي: اعف [عن] الظلمة، عن ظلمهم، وأعرض عن السفهاء واحلم معهم؛ أمر رسول الله  أن يعامل الخلق بأشياء ثلاثة: أمر أن يعفو عن الظلمة عن ظلمهم، لا يكافئهم بظلمهم، وأمر أن يعرض عن السفهاء والجهال ويحلم معهم، وأمر أن يعامل المؤمنين باللين والرفق؛ ولذلك وصفه بالرحمة والرأفة بقوله: ﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ .

وروي عن عبد الله بن الزبير قال: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس.

وعن قتادة: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ قال: خلق حسن أمر الله به نبيه ودعاه إليه.

إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وإلى ذلك صرف تأويل الآية.

وقال بعضهم: هو أخذ الفضل من المال على ما ذكرنا؛ فهو منسوخ بآية الزكاة.

وروي في حرف ابن مسعود وأبي: (خذ العفو وأمر بالعرف وانه عن المنكر وأعرض عن الجاهلين).

وفيه دلالة [أنه] أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والمعروف: هو اسم كل خير، وأمره بأن يأخذ بالعفو عن الظلمة، على ما ذكرنا، وعلى ذلك روي عن عائشة قالت: "كان رجل يشتم رسول الله  ويؤذيه، فدخل على رسول الله  ، فأوسع له، وأدناه، ورحب به؛ قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس هذا كان يشتمك؟

قال: بلى يا عائشة؛ إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرورهم وألسنتهم" إلى مثل هذا دعى رسول الله بالعفو والصفح عن الظلمة وترك المكافأة.

وقوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ أي: مر الناس بالعرف، وهو ما تشهد خلقتك وتأمرك به أشياء ثلاثة، اثنان فيما بينه وبين ربه، والواحد فيما بينه وبين الناس؛ أمّا الاثنان اللذان فيما بينه وبين ربه: أحدهما: تأمر خلقته، وتشهد على وحدانية الله، والدلالة على ألوهيته.

والثاني: تشهد على نعم الله إليه فيدعوه إلى الشكر له فيما أنعم [الله] عليه.

وأما الوجه الذي تدعو خلقته فيما بينه وبين الناس: فهو ما ترغب نفسه في كل محاسن ومرغوب فيه، وتنفر نفسه عن كل أذى وسوء، فأمر رسول الله  أن يعامل الخلق بما ترغب نفسه وتطمع في المحاسن، وتنفر عنه وتكره، يفعل إليهم في كل ما ترغب نفسه فيه وتطمع، ويمتنع عن كل أذى وسوء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ .

قال بعضهم: النزغة هي أدنى أفعال المعصية؛ وكذلك فسره ابن عباس -  - يقول: إذا أذنبت ذنباً فاستعذ بالله.

وقال القتبي: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ أي: يستخفنك، ويقال: نزغ شيئاً: إذا أفسده.

وقال أبو عوسجة: النزغ: التحريك للفساد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: يوسوسك الشيطان وسوسة فاستعذ بالله.

ثم في الاستعاذة وجهان: أحدهما: أمره بالفزع إلى الله عند ما يوسوسه الشيطان والالتجاء إليه؛ لما رأى نفسه عاجزة عن دفع ما يوسوس إليه، ورد ما يكون؛ فهو الدافع عنه ذلك وهو الراد.

وقال الخليل: أعوذ بالله، أي: ألجأ إلى الله -  - وكذلك قوله: أستعيذ بالله، ومعاذ الله معناه: أعوذ بالله، ومنه الإعاذة والتعوذ والتعويذ.

وقال غيره: أعوذ بالله، أي: أمتنع بالله.

وقيل: أعوذ بالله، أي: أتحصن بالله.

وقيل: الاستعاذة: هي الاستغاثة بالله؛ لدفع ما اعترض له من الشيطان.

وكله قريب بعضه من بعض.

ثم الحكمة فيما جعل عدوهم من غير جنسهم من حيث لا يرونه ويراهم وجهان: أحدهما: ليكونوا أبداً على التيقظ والانتباه، غير غافلين عنه.

والثاني: ليكونوا أبداً فزعين إلى الله -  - متضرعين إليه، مبتهلين؛ ليكون هو الحافظ لهم، والدافع عنهم شره ووسواسه.

وفيما أمر بالفزع إلى الله والاستعاذة به عند نزغ الشيطان نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: قد أعطاهم جميع ما يدفعون به وساوسه ونزغاته، حتى لم يبق عنده شيء يعيذه؛ فعلى قولهم يخرج طلب الإعاذة مخرج كتمان النعمة، أو مخرج الهزء به؛ [أما الهزء به] لأنه يسأله ما يعلم أنه ليس ذلك عنده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

وقرئ: (طيف من الشيطان)؛ فمن قرأ: (طيف) قال: [أي] اللمة [و] الخطرة [و] الشيء يغشيك.

وقال: وأما الطائف فهو من الطواف.

وقيل: الطيف: الوسوسة.

وقيل: ما يأتيك من الشيطان.

وقيل: الطائف والطيف سواء.

وعن ابن عباس: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ قال: إذا أذنبوا ذنباً ﴿ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ يقول: تذكروا ذنوبهم فتابوا منها، وكذلك قال في قوله: ﴿ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ : هو أدنى ذنب يرتكبه، فإن كان على هذا فهو يخرج على النهي عن ذلك، فهو كالمخاطبات التي خاطب بها رسول الله  كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ، وإن كان يعلم أنه لا يشك ولا يجهل ولا يشرك غيره في أمره؛ فعلى ذلك هذا الخطاب الذي خاطبه بقوله: ﴿ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

وإن كان ما ذكر هو من أدنى ذنب يرتكبه، فهو يخرج ذلك على تعليمه أمته أن كيف يفعلون إذا اعترض لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ .

[يحتمل أن يكون قوله]: ﴿ ٱتَّقَواْ ﴾ مكائد الشيطان؛ إذا أصابهم شيء من ذلك تذكروا ذلك، فعرفوا أنه من الشيطان، ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ أي: أبصروا أنه من الشيطان.

أو أن يقال: أي: هم من أهل البصر يبصرون عما اتقوا به أنه من الشيطان.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ المعاصي، إذا أصابتهم وسوسة من الشيطان تذكروا ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: اتقوا الشرك، لكن لا كل من اتقى الشرك يكون كما ذكر.

وقوله: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ...

﴾ الآية.

يحتمل وجوهاً: أحدها: إذا مسهم ذلك تابوا عما كان منهم؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً...

﴾ الآية [آل عمران: 135].

والثاني: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ وجوه حيل دفع وساوسه.

والثالث: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ استعاذوا به حيث أمرهم بالاستعاذة به عند النزغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعني: إخوان الكفار الشياطين، ﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ﴾ قالوا: في الشرك والمعصية، ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ ، عنها؛ أي: لا ينتهون عنها، ولا يبصرونها كما أبصر الذين اتقوا عنها حين أبصروها.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعني: أصحاب الذين اتقوا، وهم شياطينهم من الإنس يدعونهم إلى دينهم، لكنهم لا يجيبونهم ولا يطيعونهم فيما يدعون إليه؛ إذ يجوز أن يكون لكل مؤمن شيطان من الإنس وشيطان من الجن؛ كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ فقد دعا أولئك شياطين الجن فتذكروا فلم يجيبوهم، ثم دعاهم شياطين الإنس - أيضاً - فلا يجيبونهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإخوان الشياطين من الفجار والكفار لا يزال الشياطين يزيدونهم في الضلال بذنب بعد ذنب، ولا يُمْسِكُ، لا الشياطين عن الإغواء والإضلال، ولا الفجار من الإنس عن الانقياد وفعل الشر.

<div class="verse-tafsir" id="91.MoEQv"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر