الآية ٢٠١ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٠١ من سورة الأعراف

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ٢٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠١ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر ، وتركوا ما عنه زجر ، أنهم ) إذا مسهم ) أي : أصابهم " طيف " وقرأ آخرون : " طائف " ، وقد جاء فيه حديث ، وهما قراءتان مشهورتان ، فقيل : بمعنى واحد .

وقيل : بينهما فرق ، ومنهم من فسر ذلك بالغضب ، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه ، ومنهم من فسره بالهم بالذنب ، ومنهم من فسره بإصابة الذنب .

وقوله : ( تذكروا ) أي : عقاب الله وجزيل ثوابه ، ووعده ووعيده ، فتابوا وأنابوا ، واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب .

( فإذا هم مبصرون ) أي : قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه .

وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها طيف فقالت : يا رسول الله ، ادع الله أن يشفيني .

فقال : " إن شئت دعوت الله فشفاك ، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك " .

فقالت : بل أصبر ، ولا حساب علي .

ورواه غير واحد من أهل السنن ، وعندهم : قالت يا رسول الله ، إني أصرع وأتكشف ، فادع الله أن يشفيني .

فقال إن شئت دعوت الله أن يشفيك ، وإن شئت صبرت ولك الجنة ؟

" فقالت : بل أصبر ، ولي الجنة ، ولكن ادع الله أن لا أتكشف ، فدعا لها ، فكانت لا تتكشف .

وأخرجه الحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة " عمرو بن جامع " من تاريخه : أن شابا كان يتعبد في المسجد ، فهويته امرأة ، فدعته إلى نفسها ، وما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل ، فذكر هذه الآية : ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) فخر مغشيا عليه ، ثم أفاق فأعادها ، فمات .

فجاء عمر فعزى فيه أباه وكان قد دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه ، ثم ناداه عمر فقال : يا فتى ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [ الرحمن : 46 ] وأجابه الفتى من داخل القبر : يا عمر ، قد أعطانيهما ربي ، عز وجل ، في الجنة مرتين

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (إن الذين اتقوا)، اللهَ من خلقه, فخافوا عقابه، بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه =(إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا)، (27) يقول: إذا ألمَّ بهم لَمَمٌ من الشيطان، (28) من غضب أو غيره مما يصدّ عن واجب حق الله عليهم, تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده, وأبصروا الحق فعملوا به, وانتهوا إلى طاعة الله فيما فرض عليهم، وتركوا فيه طاعة الشيطان.

واختلفت القرأة في قراءة قوله: " طيف ".

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (طَائِفٌ)، على مثال " فاعل ".

* * * وقرأه بعض المكيين والبصريين والكوفيين: " طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ".

(29) * * * واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين " الطائف " و " الطيف ".

فقال بعض البصريين: " الطائف " و " الطيف " سواء, وهو ما كان كالخيال والشيء يلم بك.

(30) قال: ويجوز أن يكون " الطيف " مخففًا عن " طَيِّف " مثل " مَيْت " و " مَيِّت ".

* * * وقال بعض الكوفيين: " الطائف ": ما طاف بك من وسوسة الشيطان.

وأما " الطيف ": فإنما هو من اللّمم والمسِّ.

* * * وقال أخر منهم: " الطيف ": اللّمم, و " الطائف ": كل شيء طاف بالإنسان.

* * * وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: " الطيف ": الوسوسة.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ: ( طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ )، لأن أهل التأويل تأولوا ذلك بمعنى الغضب والزلة تكون من المطيف به.

وإذا كان ذلك معناه، كان معلومًا = إذ كان " الطيف " إنما هو مصدر من قول القائل: " طاف يطيف " = أن ذلك خبر من الله عما يمس الذين اتقوا من الشيطان, وإنما يمسهم ما طاف بهم من أسبابه, وذلك كالغضب والوسوسة.

وإنما يطوف الشيطان بابن آدم ليستزلَّه عن طاعة ربه، أو ليوسوس له.

والوسوسة والاستزلال هو " الطائف من الشيطان ".

(31) * * * وأما " الطيف " فإنما هو الخيال, وهو مصدر من " طاف يطيف ", ويقول: لم أسمع في ذلك " طاف يطيف " (32) ويتأوله بأنه بمعنى " الميت " وهو من الواو.

* * * وحكى البصريون وبعض الكوفيين سماعًا من العرب: (33) " طاف يطيف ", و " طِفْتُ أطِيف ", وأنشدوا في ذلك: (34) أنَّــى أَلَــمَّ بِـكَ الخَيَـالُ يَطِيـفُ وَمَطَافُــهُ لَــكَ ذِكْــرَةٌ وَشُـعُوفُ (35) * * * وأما التأويل, فإنهم اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: ذلك " الطائف " هو الغضب.

* ذكر من قال ذلك.

15555 - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد: (إذا مسهم طائف) قال: و " الطيف ": الغضب.

15556 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد, في قوله: " إذا مسهم طيف من الشيطان " قال: هو الغضب.

(36) 15557 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عبد الله بن رجاء, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير, عن مجاهد قال: الغضب.

15558 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (إذا مسهم طَيْف من الشيطان تذكروا) قال: هو الغضب.

15559 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (طائف من الشيطان) قال: الغضب.

* * * وقال آخرون: هو اللَّمَّة والزَّلة من الشيطان.

* ذكر من قال ذلك: 15560 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا)، و " الطائف ": اللَّمَّة من الشيطان =(فإذا هم مبصرون).

15561 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان)، يقول: نـزغٌ من الشيطان =(تذكروا).

15562 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا)، يقول: إذا زلُّوا تابوا.

* * * قال أبو جعفر: وهذان التأويلان متقاربا المعنى, لأن " الغضب " من استزلال الشيطان، و " اللّمة " من الخطيئة أيضًا منه, وكل ذلك من طائف الشيطان.

(37) وإذ كان ذلك كذلك, فلا وجه لخصوص معنى منه دون معنى, بل الصواب أن يعم كما عمه جل ثناؤه, فيقال: إن الذين اتقوا إذا عرض لهم عارض من أسباب الشيطان، ما كان ذلك العارض, تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره.

* * * وأما قوله: (فإذا هم مبصرون)، فإنه يعني: فإذا هم مبصرون هدى الله وبيانه وطاعته فيه, فمنتهون عما دعاهم إليه طائف الشيطان.

كما: - 15563 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (فإذا هم مبصرون)، يقول: إذا هم منتهون عن المعصية, آخذون بأمر الله, عاصون للشيطان.

------------------- الهوامش : (27) انظر تفسير (( المس )) فيما سلف ص : 303 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(28) في المطبوعة : (( إذا ألم بهم طيف )) ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فاستبدل بما كان فيها .

(29) انظر معاني القراًن للقراء 1 : 402 .

(30) نسبها أبو جعفر إلى البصريين ، وهي في لسان العرب ( طوف ) ، منسوبة إلى الفراء ، وهو كوفي ، ولم أجدها في المطبوع من معاني القرآن .

(31) من أول قوله : (( وأما الطيف )) ، إلى آخر الفقرة الثانية المختومة بيت من الشعر ، لا أ شك أنه قد وضع في غير موضعه .

فهو يقول بعد : (( ويقول : لم أسمع في ذلك )) ، وهذا القائل غير أبي جعفر بلا شك ، ولم استطع تحديد موضعه من الأقوال السالفة .

فلذلك تركته مكانه وفصلته .

وكان حقه أن يقدم قبل قوله : (( قال أبو جعفر : وأولى القراءتين .

.

.)) .

(32) قوله : ((ولم اسمع في ذلك طاف يطيف )) ، يعنى في ((الطائف)) .

(33) هذا نص كلام أبي عبيده في مجاز القرآن 1: 237 ، إلى آخره .

(34) كعب بن زهير .

(35) ديوانه : 113 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 237 ، واللسان ( طيف ) ( شعف) ، من قصيده له طويلة .

و(( الشعوف )) مصدر من قولهم (( شعفه حب فلانة )) ، إذا أحرق قلبه ، ووجد لذة اللوعة في احتراقه ، وفي ذهاب لبه حتى لا يعقل غير الحب .

(36) تركت ما في الآثار على ما جاء في المخطوطة : (( طائف )) مرة ، و (( طيف )) أخرى ، وهما قراءتان في الآية كما سلف قبل .

(37) في المطبوعة والمخطوطة : (( وكان ذلك )) ، والصواب ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى إن الذين اتقوا يريد الشرك والمعاصي ." إذا مسهم طيف من الشيطان " هذه قراءة أهل البصرة وأهل مكة .

وقراءة أهل المدينة وأهل الكوفة طائف .

وروي عن سعيد بن جبير " طيف " بتشديد الياء .

قال النحاس : كلام العرب في مثل هذا " طيف " بالتخفيف ; على أنه مصدر من طاف يطيف .

قال الكسائي : هو مخفف من " طيف " مثل ميت وميت .

قال النحاس : ومعنى " طيف " في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم ; وكذا معنى طائف .

وقال أبو حاتم : سألت الأصمعي عن طيف ; فقال : ليس في المصادر فيعل .

قال النحاس : ليس هو بمصدر ، ولكن يكون بمعنى طائف .

والمعنى إن الذين اتقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية ; وقيل : الطيف والطائف معنيان مختلفان فالأول : التخيل .

والثاني : الشيطان نفسه .

فالأول مصدر طاف الخيال يطوف طيفا ; ولم يقولوا من هذا " طائف " في اسم الفاعل .

قال السهيلي : لأنه تخيل لا حقيقة له .

فأما قوله : فطاف عليها طائف من ربك فلا يقال فيه : طيف ; لأنه اسم فاعل حقيقة ، ويقال : إنه جبريل .

قال الزجاج : طفت عليهم أطوف ، وطاف الخيال يطيف .

وقال حسان :فدع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاءمجاهد : الطيف الغضب .

ويسمى الجنون والغضب والوسوسة طيفا ; لأنه لمة من الشيطان تشبه بلمة الخيال .فإذا هم مبصرون أي منتهون .

وقيل : فإذا هم على بصيرة .

وقرأ سعيد بن جبير : " تذكروا " بتشديد الذال .

ولا وجه له في العربية ; ذكره النحاس .الثانية : قال عصام بن المصطلق : دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي عليهما [ ص: 314 ] السلام ، فأعجبني سمته وحسن روائه ; فأثار مني الحسد ما كان يجنه صدري لأبيه من البغض ; فقلت : أنت ابن أبي طالب !

قال نعم .

فبالغت في شتمه وشتم أبيه ; فنظر إلي نظرة عاطف رءوف ، ثم قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فقرأ إلى قوله : فإذا هم مبصرون ثم قال لي : خفض عليك ، أستغفر الله لي ولك إنك لو استعنتنا أعناك ، ولو استرفدتنا أرفدناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك .

فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أمن أهل الشأم أنت ؟

قلت نعم .

فقال : شنشنة أعرفها من أخزم ، حياك الله وبياك ، وعافاك ، وآداك ; انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك ، تجدنا عند أفضل ظنك ، إن شاء الله .قال عصام : فضاقت علي الأرض بما رحبت ، ووددت أنها ساخت بي ; ثم تسللت منه لواذا ، وما على وجه الأرض أحب إلي منه ومن أبيه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان العبد لا بد أن يغفل وينال منه الشيطان، الذي لا يزال مرابطا ينتظر غرته وغفلته، ذكر تعالى علامة المتقين من الغاوين، وأن المتقي إذا أحس بذنب، ومسه طائف من الشيطان، فأذنب بفعل محرم أو ترك واجب - تذكر من أي باب أُتِيَ، ومن أي مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكر ما أوجب اللّه عليه، وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر واستغفر اللّه تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئا حسيرا، قد أفسد عليه كل ما أدركه منه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين اتقوا ) يعني المؤمنين ، ( إذا مسهم طائف من الشيطان ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة والكسائي : " طيف " ، وقرأ الآخرون " طائف " بالمد والهمز ، وهما لغتان كالميت والمائت ، ومعناهما : الشيء يلم بك .

وفرق قوم بينهما ، فقال أبو عمرو : الطائف ما يطوف حول الشيء والطيف : اللمة والوسوسة ، وقيل : الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان ، والطيف اللمم والمس .

( تذكروا ) عرفوا ، قال سعيد بن جبير : هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى فيكظم الغيظ .

وقال مجاهد : هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه .

( فإذا هم مبصرون ) أي يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر .

قال السدي : إذا زلوا تابوا .

وقال مقاتل : إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه معصية ، فأبصر فنزع عن مخالفة الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين اتقوا إذا مسَّهم» أصابهم «طيفٌ» وفي قراءة طائف أي شيء ألَّم بهم «من الشيطان تذكَّروا» عقاب الله وثوابه «فإذا هم مبصرون» الحق من غيره فيرجعون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين اتقوا الله مِن خلقه، فخافوا عقابه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، إذا أصابهم عارض من وسوسة الشيطان تذكَّروا ما أوجب الله عليهم من طاعته، والتوبة إليه، فإذا هم منتهون عن معصية الله على بصيرة، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حالة المتقين فقال ( إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ ) .طائف من الطواف والطواف بالشىء أى : الاستدارة به أو حوله .

يقال : طاف بالشىء إذا دار حوله .

والمراد به هنا وسوسة الشيطان وهمزاته .أى : إن الذين اتقوا الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما يغضبه إذا مسهم شىء من وسوسة الشيطان ونزغاته التى تلهيهم عن طاعة الله وماقبته ( تَذَكَّرُواْ ) أى : تذكروا أن المس إنما هو من عدوهم الشيطان فعادوا سريعا إلى طاعة الله ، وإلى خوف مقامه ونهوا أنفسهم عن اتباع همزات الشياطين .والجملة الكريمة مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر ببيان أن الاستعاذة سنة مسلوكة للمتقين ، وأن الإخلال بها من طبيعة الضالين .وفى قوله ( إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ ) إشعار بعلو منزلتهم ، وقوة إيمانهم ، وسلامة يقينهم لأنهم بمجرد أن تطوف بهم وساوس الشيطان أو بمجرد أن يمسهم شىء منه فإنهم يتذكرون عداوته ، فيرجعون سريعا إلى حمى ربهم يستجيرون به ويتوبون إليه .وفى التعبير عن الوسوسة بالطائف إشعار بأنها وإن مست هؤلاء المتقين فغنها لا تؤثر فيهم ، لأنها كأنها طافت حولهم دون أن تصل إليهم .وقوله ( فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) أى : فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ ، وخطوات الشيطان ، فينتهون عنها .وفى هذه الآية الكريمة ما يهدى العقول ، ويطب النفوس ، إذ هى تبين لنا أن مس الشيطان قد يغلق بصيرة الإنسان عن كل خير ، ولكن التقوى هى التى تفتح هذه البصيرة ، وهى التى تجعل الإنسان دائماً يقظاً متذكراً لما أمره الله به أو نهاه عنه ، فينتصر بذلك على وساوس الشيطان وهمزاته وتبقى لهم بصيرتهم على أحسن ما تكون صفاء ونقاء وكشفاً .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ينزغه الشيطان وبين أن علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله، ثم بين في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب، لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو كالابتداء في الوسوسة، وجوز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطان، وهذا المس يكون لامحالة أبلغ من النزغ.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ﴿ طيف ﴾ بغير ألف، والباقون ﴿ مَسَّهُمْ طَئِفٌ ﴾ بالألف.

قال الواحدي رحمه الله: اختلفوا في الطيف فقيل إنه مصد، وقال أبو زيد يقال: طاف يطوف طوفاً وطوافاً إذا أقبل وأدبر.

وأطاف يطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطيف طيفاً إذا ألم في المنام.

قال ابن الأنباري: وجائز أن يكون طيف أصله طيف.

إلا أنهم استثقلوا التشديد، فحذفوا إحدى الياءين وأبقوا ياء ساكنة، فعلى القول الأول هو مصدر، وعلى ما قاله ابن الأنباري هو من باب هين وهين وميت وميت، ويشهد لصحة قول ابن الأنباري قراءة سعيد بن جبير ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طيف ﴾ بالتشديد.

هذا هو الأصل في الطيف، ثم سمى الجنون والغضب والوسوسة طيفاً، لأنه لمة من لمة الشيطان تشبه لمة الخيال.

قال الأزهري: الطيف في كلام العرب الجنون، ثم قيل للغضب طيف، لأن الغضبان يشبه المجنون.

وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى الطيف، مثل العافية والعاقبة ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة.

قال الفراء في هذه الآية: الطائف والطيف سواء، وهو ما كان كالخيال الذي يلم بالإنسان، ومنهم من قال: الطيف كالخطرة والطائف كالخاطر.

المسألة الثالثة: اعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال، ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزاً عن الدفع، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة إذا كان واقعاً في ظلمات عالم الأجسام فيغتروا بظواهر الأمور، فأما إذا انكشف له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات كثيرة.

أما الاعتقاد الأول: وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه، فإذا انكشف له أنه إنما أقدم على ذلك العمل، لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة، ومتى خلق الله فيه تلك الداعية امتنع منه أن لا يقدم على ذلك العمل، فإذا تجلى هذا المعنى زال الغضب، وأيضاً فقد يخطر ببال الإنسان أن الله تعالى علم منه هذه الحالة، ومتى كان كذلك فلا سبيل له إلى تركها، فعند ذلك يفر غضبه، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب وأما الاعتقاد الثاني والثالث: وهو اعتقاده في نفسه كونه قادراً، وكون المغضوب عليه عاجزاً، فهذان الاعتقادان أيضاً فاسدان من وجوه: أحدها: أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل، والله كان قادراً عليه، وهو كان أسيراً في قبضة قدرة الله تعالى، ثم إنه تجاوز عنه.

وثانيها: أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة إلى قدرة الله.

وثالثها: أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش.

ورابعها: أن يتذكر أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكاً للسباع المؤذية والحياة القاتلة، وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكاً لأكابر الأنبياء والأولياء.

وخامسها: أن يتذكر أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قوياً قادراً عليه، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه، أما إذا عفا كان ذلك إحساناً منه إليه، وبالجملة فالمراد من قوله تعالى: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ ﴾ ما ذكرناه من الاعتقادات الثلاثة، والمراد من قوله: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ ما ذكرناه من الوجوه التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات وقوله: ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ معناه أنه إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم، ففي الحال يزول مس طائف الشيطان، ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ معنى (إِذَا) هاهنا للمفاجأة، كقولك خرجت فإذا زيد وإذا في قوله: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ يستدعي جزاء، كقولك آتيك إذا احمر البسر.

أما قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الكناية في قوله: ﴿ وإخوانهم ﴾ إلى ماذا تعود على قولين.

القول الأول: وهو الأظهر أن المعنى: وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في الغي، وذلك لأن شياطين الأنس إخوان لشياطين الجن، فشياطين الإنس يغوون الناس، فيكون ذلك إمداداً منهم لشياطين الجن على الإغواء والإضلال.

والقول الثاني: أن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين، فإن الشياطين يكونون مدداً لهم فيه، والقولان مبنيان على أن لكل كافر أخاً من الشياطين.

المسألة الثانية: تفسير الإمداد تقوية تلك الوسوسة والإقامة عليها وشغل النفس عن الوقوف على قبائحها ومعايبها.

المسألة الثالثة: قرأ نافع ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ بضم الياء وكسر الميم من الإمداد، والباقون ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ بفتح الياء وضم الميم، وهما لغتان مد يمد وأمد يمد، وقيل مد معناه جذب، وأمد معناه من الإمداد.

قال الواحدي، عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت، كقوله: ﴿ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ وأمددناهم بفاكهة  ﴾ وقوله: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ  ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ  ﴾ فالوجه هاهنا قراءة العامة وهي فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ قال الليث: الإقصار الكف عن الشيء قال أبو زيد: أقصر فلان عن الشر يقصر إقصاراً إذا كف عنه وانتهى قال ابن عباس: ثم لا يقصرون عن الضلال والإضلال، أما الغاوي ففي الضلال وأما المغوي ففي الإضلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ طائف مِنَ الشيطان ﴾ لمة منه مصدر، من قولهم: طاف به الخيال يطيف طيفاً قال: أنَّي ألَمَّ بِكَ الْخَيَالُ يِطيفُ أو هو تخفيف طيف فيعل، من طاف يطيف كلين أو من طاف يطوف كهين.

وقرئ: ﴿ طائف ﴾ ، وهو يحتمل الأمرين أيضاً.

وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأنّ المتقين هذه عادتهم: إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ ما أمر الله به ونهى عنه، فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يتبعوه أنفسهم.

وأما إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين، فإن الشياطين يمدونهم في الغيِّ، أي يكونون مدداً لهم فيه ويعضدونهم.

وقرئ: ﴿ يُمدّونهم ﴾ من الإِمداد.

ويمادّونهم، بمعنى يعاونونهم ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا.

قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ كقوله: قَوْم إذَا الْخَيْلُ جَالُوا في كَوَاثِبِهَا في أنّ الخبر جار على ما هو له.

ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين، فيكون الخبر جارياً على ما هو له، والأوّل أوجه، لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا.

فإن قلت: لم جمع الضمير في إخوانهم والشيطان مفرد؟

قلت: المراد به الجنس، كقوله: ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت ﴾ [البقرة: 257] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ لُمَّةٌ مِنهُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن طافَ يَطُوفُ كَأنَّها طافَتْ بِهِمْ ودارَتْ حَوْلَهم فَلَمْ تَقْدِرْ أنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ، أوْ مِن طافَ بِهِ الخَيالُ يُطِيفُ طَيْفًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ « طَيْفٌ» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ تَخْفِيفُ طَيِّفٍ كَلَيِّنٍ وهَيِّنٍ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ الجِنْسُ ولِذَلِكَ جَمَعَ ضَمِيرَهُ.

﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ.

﴿ فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ مَواقِعَ الخَطَإ ومَكايِدَ الشَّيْطانِ فَيَتَحَرَّزُونَ عَنْها ولا يَتْبَعُونَهُ فِيها، والآيَةُ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ أيْ وإخْوانُ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّقُوا بِمَدِّهِمُ الشَّياطِينَ.

﴿ فِي الغَيِّ ﴾ بِالتَّزْيِينِ والحَمْلِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ « يَمْدُونَهم» مِن أمَدَ و « يُمادُونَهم» كَأنَّهم يُعِينُونَهم بِالتَّسْهِيلِ والإغْراءِ وهَؤُلاءِ يُعِينُونَهم بِالِاتِّباعِ والِامْتِثالِ.

﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ ثُمَّ لا يُمْسِكُونَ عَنِ إغْوائِهِمْ حَتّى يُرْدُوهم، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإخْوانِ أيْ لا يَكُفُّونَ عَنِ الغَيِّ ولا يُقْصِرُونَ كالمُتَّقِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالـ« الإخْوانِ» الشَّياطِينُ ويَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلى الجاهِلِينَ فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى ما هو لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان} طيف مكى وبصرى

الأعراف ١٩٠ ١٩٥ وعلى أى لمة مصدر من قولهم طاف به الخيال يطيف طيفاً وعن أبي عمرو هما واحد وهي الوسوسة وهذا تأكيد لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن عادة المتقين إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته {تَذَكَّرُواْ} ما أمر الله به ونهى عنه {فإذا هم مبصرون} فابصورا السدسد ودفعوا وسوسته وحقيقته أن يفروا منه إلى الله فيزدادوا بصيرة من الله بالله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِبَيانِ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ سُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ لِلْمُتَّقِينَ والإخْلالَ بِها شَنْشَنَةُ الغاوِينَ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى ﴿ إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: لَمَّةٌ مِنهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ وسْوَسَةٌ ما، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن طافَ بِالشَّيْءِ إذا دارَ حَوْلَهُ، وجَعَلَ الوَسْوَسَةَ طائِفًا لِلْإيذانِ بِأنَّها وإنْ مَسَّتْ لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ فَكَأنَّها طافَتْ حَوْلَهم ولَمْ تَصِلْ إلَيْهِمْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن طافَ طَيْفُ الخَيالِ إذا ألَمَّ في المَنامِ فالمُرادُ بِهِ الخاطِرُ.

وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالطّائِفِ الغَضَبُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: (طَيْفٌ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ تَخْفِيفٌ مِن (طَيِّفٌ) مِنَ الواوِيِّ أوِ اليائِيِّ كَهَيِّنٍ ولَيِّنٍ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ الجِنْسُ لا إبْلِيسُ فَقَطْ؛ ولِذا جُمِعَ ضَمِيرُهُ فِيما سَيَأْتِي.

﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ أيْ: ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ونَهى عَنْهُ، أوِ الِاسْتِعاذَةَ بِهِ تَعالى والِالتِجاءَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ عَداوَةَ الشَّيْطانِ وكَيْدَهُ.

﴿ فَإذا هُمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ ﴿ مُبْصِرُونَ ﴾ مَواقِعَ الخَطَأِ ومَناهِجَ الرَّشَدِ فَيَحْتَرِزُونَ عَمّا يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ويَنْجُونَ عَمّا لا يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإمّا يَنْزَغَنَّكَ ﴾ إلَخْ إمّا أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما هو الظّاهِرُ فالمُناسِبُ أنْ يُرادَ بِالمُتَّقِينَ المُرْسَلُونَ مِن أُولِي العَزْمِ، أوْ يَكُونَ عامًّا عَلى طَرِيقَةِ: ««بَشِّرِ المَشّائِينَ إلى المَساجِدِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ»،» أوْ خاصًّا يُرادُ بِهِ العامُّ نَحْوَ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ فالمُتَّقُونَ حِينَئِذٍ الصّالِحُونَ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى.

انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ المُلازَمَةَ في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى في حَيِّزِ المَنعِ، والعُمُومُ هو المُتَبادِرُ عَلى كُلِّ حالٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمُتَّقِينَ المَنسُوبُ إلَيْهِمُ المَسُّ غَيْرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وجُعِلَ الخِطابُ فِيما سَبَقَ خاصًّا بِالسَّيِّدِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وادُّعِيَ أنَّ النَّزْغَ أوَّلُ الوَسْوَسَةِ، والمَسُّ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ، ثُمَّ قالَ: ولِذا فَصَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِ مِن سائِرِ المُتَّقِينَ فَعَبَّرَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّزْغِ وفي حَقِّهِمْ بِالمَسِّ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ اهْتِمامَ الشَّيْطانِ في الوَسْوَسَةِ لِلْكامِلِ أكْمَلُ مِنَ اهْتِمامِهِ في الوَسْوَسَةِ لِمَن دُونَهُ؛ فَلِذا عَبَّرَ أوَّلًا بِالنَّزْغِ وثانِيًا بِالمَسِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني: اتقوا الشرك والفواحش إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ يعني: ذنب تَذَكَّرُوا يعني: عرف المتقون أنها معصية فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ يعني: إذا هم على بصيرة منتهون عن المعصية.

وقال الزجاج: تَذَكَّرُوا ما أوضح الله لهم من الحجة فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي طيف بغير ألف وقرأ الباقون بالألف طائِفٌ.

وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ إذا مسهم طيف، والطيف الغضب وعن مجاهد في قوله طائِفٌ قال الغضب.

ثم ذكر حال الكفار فقال عز وجل: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ يعني: إخوان الشياطين يمدونهم أي: يدعونهم إلى المعصية.

ويقال: يلجونهم في الشرك والضلالة.

ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ عنها كما أقصر المسلمون عنها حين أبصروها.

قرأ نافع يَمُدُّونَهُمْ بضم الياء وكسر الميم من أمَدَّ يُمِدّ.

وقرأ الباقون يَمُدُّونَهُمْ بالنصب من مَدَّ يَمُدُّ.

قال بعضهم: هذا عطف على قوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ.

وقال الزجاج: معناه التقديم.

والمعنى لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ يعني: الشياطين والغي: الجهل والوقوع في الهلكة.

قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ وذلك حين أبطأ عليه جبريل حين سألوه شيئاً قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها أي: هلاّ أتاهم من تلقاء نفسه؟

وهذا كقوله: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا [يونس: 15] قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أي: قل إذا أمرت بأمر فعلت ولا أبتدع ما لم أومر هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: القرآن بيان من ربكم.

وقال بعض أهل اللغة: البصائر في اللغة: طرائق الأمر واحدتها بصيرة: ويقال: طريقة الدين معناه: ظهور الشيء وبيانه وَهُدىً وَرَحْمَةٌ أي: القرآن هدى من الضلالة ويقال: كرامة ورحمة من العذاب ونعمة لمن آمن به لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فالعرف بمعنى المعروف.

وقوله عز وجل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، هذه الآية وصِيَّة من الله سبحانه لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم تعمُّ أمته رجُلاً رجلاً، والنَّزْغ: حركةٌ فيها فسادٌ قلَّما تستعملُ إِلا في فَعْلِ الشيطان لأن حركته مسرِعَةٌ مفسدة ومنه قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغِ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ» ، فالمعنى في هذه الآية: فإِمَّا تَلُمَّنَّ بك لَمَّةٌ من الشيطان، فاستعذ باللَّه، وعبارة البخاريِّ: يَنْزَغَنَّكَ: يستَخِفَنَّكَ.

انتهى.

وَنَزْغُ الشيطان عامٌّ في الغَضَبِ، وتحسينِ المعاصِي، واكتساب الغوائل، وغير ذلك وفي «جامع الترمذيِّ» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قالَ: «إِن لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وللشَّيْطَانِ لَمَّةً ...

» «١»

الحديث.

قال ع «٢» : عن هاتين اللَّمّتَيْنِ: هي الخواطِرُ من الخير والشر، فالآخِذُ بالواجبِ يلقى لَمَّةَ المَلَك بالامتثال والاستدامة، وَلَمَّةَ الشيطانِ بالرفْضِ والاستعاذة، واستعاذ: معناه:

طَلَب أَنْ يُعَاذَ، وعَاذَ: معناه: لاذ، وانضوى، واستجار.

قال الفَخْر «٣» : قال ابنُ زيد: لما نَزَل قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كَيْفَ يَا رَبِّ، والغَضَبُ؟

فَنَزَل قولُه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ» «٤» ، وقوله: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يدلُّ علَى أن الاستعاذة لا تفيدُ إِلاَّ إِذا حضر في القَلْبِ العِلْمُ بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالَى قال: اذكر لَفْظَ الاستعاذة بلسانك فإن سميعٌ، واستحضر معاني الاستعاذة بِعَقْلِكَ وقَلْبِك فإِني عَليمٌ بما في ضَمِيركَ، وفي الحقيقة: القوْلُ اللسانيُّ دون المعارفِ العقليَّة، عديمُ الفائدة والأثر.

انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ...

الآية خرَجَتْ مَخْرَجَ المدح للمتقين، والتقوى هاهنا عامَّة في اتقاء/ الشِّرْك والمعاصِي، وقرأ ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( إذا مَسَّهم طَيْف ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "طَيْفٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ" بِألِفٍ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ: "طَيَّفٌ" بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وهَلِ الطّائِفُ والطَّيْفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ يَخْتَلِفانِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما ما كانَ كالخَيالِ والشَّيْءِ يُلِمُّ بِكَ، حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ.

وقالَ الأخْفَشُ: الطَّيْفُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ الطّائِفِ، قالَ الشّاعِرُ: ألا بِالقَوْمِ لَطَيْفُ الخَيالِ أرَقُّ مِن نازِحٍ ذِي دَلالِ والثّانِي: أنَّ الطّائِفَ: ما يَطُوفُ حَوْلَ الشَّيْءِ، والطَّيْفُ اللَّمَّةُ والوَسْوَسَةُ والخَطِرَةُ، حُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ، والطَّيْفُ: الغَضَبُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطّائِفُ: الفاعِلُ مِنَ الطَّيْفِ؛ والطَّيْفِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: اللَّمَمُ مِنَ الشَّيْطانِ؛ وزَعَمَ مُجاهِدٌ أنَّهُ الغَضَبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَذَكَّرُوا اللَّهَ إذا هَمُّوا بِالمَعاصِي فَتَرَكُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: تُفَكِّرُوا فِيما أوْضَحَ اللَّهُ لَهم مِنَ الحُجَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ؛ والمَعْنى: إذا جَرَّأهُمُ الشَّيْطانُ عَلى ما لا يَحِلُّ، تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ، أمْسَكُوا، فَإذا هم مُبْصِرُونَ لَمَواضِعِ الخَطَإ بِالتَّفَكُّرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ "اتَّقَوْا" هُنا عامَّةٌ في اتِّقاءِ الشِرْكِ واتِّقاءِ المَعاصِي بِدَلِيلِ أنَّ اللَفْظَةَ إنَّما جاءَتْ في مَدْحٍ لَهُمْ، فَلا وجْهَ لِقَصْرِها عَلى اتِّقاءِ الشِرْكِ وحْدَهُ، وأيْضًا فالمُتَّقِي العائِذِ قَدْ يَمَسُّهُ طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ إذْ لَيْسَتِ العِصْمَةُ إلّا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: " طَيْفٌ "، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " طَيِّفٌ "، واللَفْظَةُ إمّا مِن طافَ يَطُوفُ، وإمّا مَن طافَ يَطِيفُ بِفَتْحِ الياءِ، وهي ثابِتَةٌ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ: أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ∗∗∗ ومَطافُهُ لَكَ ذُكْرَةٌ وشُعُوفُ فَـ "طائِفٌ" اسْمُ فاعِلٍ كَقائِلٍ مِن قالَ يَقُولُ، وكَبائِعٍ مِن باعَ يَبِيعُ، و"طَيِّفٌ" اسْمُ فاعِلٍ أيْضًا كَمَيِّتٍ مِن ماتَ، أو كَبَيِّعٍ ولَيِّنٍ مِن باعَ يَبِيعُ ولانَ يَلِينُ.

وطَيْفٌ يَكُونُ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيْتٍ مِن مَيِّتٍ، وإذا قَدَّرْنا اللَفْظَةَ مِن طافَ يَطِيفُ فَطَيْفٌ مَصْدَرٌ، وإلى هَذا مالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وجَعَلَ الطائِفَ كالخاطِرِ والطَيِّبِ كالخَطْرَةِ، وقالَ الكِسائِي: الطَيْفُ اللَمَمُ، والطائِفُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَيْفَ هَذا وقَدْ قالَ الأعْشى: وتُصْبِحُ عن غِبِّ السُرى وكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أولَقِ ومَعْنى الآيَةِ: إذا مَسَّهم غَضَبٌ وزَيَّنَ الشَيْطانُ مَعَهُ ما لا يَنْبَغِي.

وقَوْلُهُ: "تَذَكَّرُوا" إشارَةٌ إلى الِاسْتِعاذَةِ المَأْمُورِ بِها قَبْلُ، وإلى ما لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في النازِلَةِ الَّتِي يَقَعُ تَعَرُّضُ الشَيْطانِ فِيها.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "مِنَ الشَيْطانِ تَأمَّلُوا فَإذا هُمْ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذا طافَ مِنَ الشَيْطانِ طائِفٌ تَأمَّلُوا"، وقالَ النَبِيُّ  : « "إنَّ الغَضَبَ جُنْدٌ مِن جُنْدِ الجِنِّ، أما تَرَوْنَ حُمْرَةَ العَيْنِ وانْتِفاخَ العُرُوقِ؟

فَإذا كانَ ذَلِكَ فالأرْضَ الأرْضَ"،» وقَوْلُهُ: ﴿ مُبْصِرُونَ ﴾ مِنَ البَصِيرَةِ، أيْ: فَإذا هم قَدْ تَبَيَّنُوا الحَقَّ ومالُوا إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ﴾ الآيَةُ، في هَذِهِ الضَمائِرِ احْتِمالاتٌ، قالَ الزَجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الآيَةَ مُقَرَّرَةٌ في مَوْضِعِها إلّا أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإخْوانُهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ وهُمُ المُرادُ بِالإخْوانِ، والشَيْطانُ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ لِلْجِنْسِ فَلِذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ هاهُنا ضَمِيرَ جَمْعٍ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: وإخْوانٌ لِلشَّياطِينِ يَمُدُّونَهُمُ الشَياطِينُ في الغَيِّ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الضَمِيرَيْنِ في الهاءِ والمِيمِ لِلْكُفّارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَجِيءُ الآيَةُ عَلى هَذا مُعادِلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، أيْ: إنَّ المُتَّقِينَ حالُهم كَذا وكَذا، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ يَمُدُّهم إخْوانُهم مِنَ الشَياطِينِ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ التَأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنا أوَّلًا عَنِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالإخْوانِ، فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَعْوَدَ الضَمِيرانِ عَلى الكُفّارِ كَما ذَكَرْناهُ عن قَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا جَمِيعًا عَلى الشَياطِينِ، ويَكُونُ المَعْنى: وإخْوانُ الشَياطِينِ في الغَيِّ بِخِلافِ الأُخُوَّةِ في اللهِ يَمُدُّونَ الشَياطِينَ، أيْ: بِطاعَتِهِمْ لَهم وقَبُولِهِمْ مِنهُمْ، ولا يَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ بِالإمْدادِ، لِأنَّ الإنْسَ لا يُغْوُونَ الشَياطِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وصْفُ حالَةِ الكُفّارِ مَعَ الشَياطِينِ كَما وصَفَ حالَةَ المُتَّقِينَ مَعَهم قَبْلُ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ: "يَمُدُّونَهُمْ" مِن مَدَدْتُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "يُمِدُّونَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ مِن أمْدَدْتُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَدَّ الشَيْءَ إذا كانَتِ الزِيادَةُ مِن جِنْسِهِ، وأمَدَّهُ إذا كانَتْ مِن شَيْءٍ آخَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في المَحْبُوبِ "أمَدَّ"، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ  ﴾ ، والمُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ "مَدَّ"، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ  ﴾ ، ومَدُّ الشَيْطانِ لِلْكَفَرَةِ في الغَيِّ هو التَزْيِينُ لَهم والإغْواءُ المُتَتابِعُ.

فَمَن قَرَأ في هَذِهِ الآيَةِ "يَمُدُّونَهُمْ" بِضَمِّ المِيمِ فَهو عَلى المِنهاجِ المُسْتَعْمَلِ، ومَن قَرَأ "يُمِدُّونَهُمْ" فَهو مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ ، كَما يَجُوزُ أنْ تُقَيِّدَ البِشارَةَ فَتَقُولُ: "بَشَّرْتُهُ بَشَرٍّ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "يُمادُّونَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ، أيْ: هَؤُلاءِ لا يُقْصِرُونَ في الطاعَةِ لِلشَّياطِينِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُقْصِرُونَ" مِن أقْصَرَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "يَقْصُرُونَ" مِن قَصَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ .

سَبَبُها فِيما رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَتَأخَّرُ عَلى النَبِيِّ  أحْيانًا، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: "هَلّا اجْتَبَيْتَها"، ومَعْنى اللَفْظَةِ في كَلامِ العَرَبِ: تَخَيَّرْتَها واصْطَفَيْتَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمُ:المُرادُ بِهَذِهِ اللَفْظَةِ: "هَلّا اخْتَرْتَها واخْتَلَقْتَها مِن قِبَلِكَ ومِن عِنْدِ نَفْسِكَ".

والمَعْنى: إذْ كَلامُكَ كُلُّهُ كَذَلِكَ عَلى ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَزْعُمُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: المُرادُ: "هَلّا تَلَقَّيْتَها مِنَ اللهِ وتَخَيَّرْتَها عَلَيْهِ، إذْ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ وأنَّ مَنزِلَتَكَ عِنْدَهُ مَنزِلَةُ الرِسالَةِ"، فَأمَرَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُجِيبَ بِالتَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ الأمْرَ في الوَحْيِ إلَيْهِ يُنْزِلُهُ مَتى شاءَ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ ، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ: "هَذا" إلى القُرْآنِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ "بَصائِرُ" أيْ عَلاماتُ هُدًى وأنْوارٌ تُضِيءُ القُلُوبَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: هَذا ذُو بَصائِرَ، ويَصِحُّ الكَلامُ دُونَ أنْ يُقَدَّرَ حَذْفُ مُضافٍ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِـ"هَذا" إنَّما هو سُورٌ وآياتٌ وحِكَمٌ، وجازَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِـ"هَذا" مِن حَيْثُ اسْمُهُ مُذَكَّرٌ، وجازَ وصْفُهُ بِـ "بَصائِرُ" مِن حَيْثُ هو سُورٌ وآياتٌ.

﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ خاصَّةً.

قالَ الطَبَرِيُّ: وأمّا مَن لا يُؤْمِنُ فَهو عَلَيْهِ عَمًى عُقُوبَةً مِنَ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تأكيد وتقرير للأمر بالاستعاذة من الشيطان، فتتنزل جملة: ﴿ إِنَّ الذين اتقوا ﴾ إلى آخرها منزلة التعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان إذا أحسّ بنزغ الشيطان، ولذلك افتتحت ب ﴿ إن ﴾ التي هي لمجرد الاهتمام لا لرد تردد أو إنكار، كما افتتحت بها سابقتها في قوله: ﴿ أنه سميع عليم ﴾ [الأعراف: 200] فيكون الأمر بالاستعاذة حينئذ قد علل بعلتين أولاهما أن الاستعاذة بالله منجاة للرسول عليه الصلاة والسلام من نزغ الشيطان، والثانية: أن في الاستعاذة بالله من الشيطان تذكراً الواجب مجاهدة الشيطان والتيقظِ لكيده، وأن ذلك التيقظ سنة المتقين، فالرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بمجاهدة الشيطان: لأنه متق، ولأنه يبتهج بمتابعه سيرة سلفه من المتقين كما قال تعالى: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم أقتده ﴾ [الأنعام: 90].

وقد جاءت العلة هنا أعم من المعلل: لأن التذكر أعم من الاستعاذة.

ولعل الله ادخر خصوصية الاستعاذة لهذه الأمة، فكثر في القرآن الأمر بالاستعاذة من الشيطان، وكثر ذلك في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وجعل للذين قبلهم الأمر بالتذكر، كما ادخر لنا يوم الجمعة.

و (التقوى) تقدم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ في سورة البقرة (2)، والمراد بهم: الرسل وصالحو أممهم، لأنه أريد جعلهم قدوة وأسوة حسنة.

و (المس) حقيقته وضع اليد على الجسم، واستعير للإصابة أو لأدْنى الإصابة.

والطائف هو الذي يمشي حول المكان ينتظر الإذن له، فهو النازل بالمكان قبل دخوله المكان، اطلق هنا على الخاطر الذي يخطر في النفس يبعث على فعل شيء نهى الله عن فعله شُبه ذلك الخاطر في مبدأ جولانه في النفس بحلول الطائف قبل أن يستقر.

وكانت عادة العرب أن القادم إلى أهل البيت، العائِذَ برب البيت، المستأنسَ للقرى يستانس، فيطوف بالبيت، ويستأذن، كما ورد في قصة النابغة مع النعمان بن المنذرِ حين أنشد أبياته التي أولها: أصم أمْ يسمعُ رب القُبّهْ *** وتقدمت في أول سورة الفاتحة، ومن ذلك طواف القادمين إلى مكة بالكعبة تشبها بالوافدين على المملوك، فلذلك قُدّم الطواف على جميع المناسك وختمت بالطواف أيضاً، فلعل كلمة طائف تستعمل في معنى الملم الخفي قال الأعشى: وتُصبح عن غب السُّرَي وكأنّها *** ألمَّ بها من طائِف الجن أَوْلَقُ وقال تعالى: ﴿ فطاف عليها طائفٌ من ربك وهم نائمون ﴾ [القلم: 19].

وقراءة الجمهور: ﴿ طائف ﴾ ، بألف بعد الطاء وهمزة بعد الألف، وقراءة ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب: (طيْف) بدون ألف بعد الطاء وبياء تحتية ساكنة بعد الطاء، والطيْف خيال يراك في النوم وهو شائع الذكر في الشعر.

وفي كلمة (إذا) من قوله: ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ﴾ مع التعبير بفعل ﴿ مَسهم ﴾ الدال على إصابة غير مكينة، إشارة إلى أن الفزع إلى الله من الشيطان، عند ابتداء إلمام الخواطر الشيطانية بالنفس، لأن تلك الخواطر إذا أمهلت لم تلبث أن تصير عزماً ثم عملاً.

والتعريف في ﴿ الشيطان ﴾ يجوز أن يكون تعريف الجنس: أي من الشياطين ويجوز أن يكون تعريف العهد والمراد به إبليس باعتبار أن ما يوسوس به جنده وأتباعُه، هو صادر عن أمره وسلطانه.

والتذكر استحضار المعلوم السابق، والمراد: تذكروا أوامر الله ووصاياه، كقوله: ﴿ ذَكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ﴾ [آل عمران: 135] ويشمل التذكر تذكر الاستعاذة لمن أمر بها من الأمم الماضية، إن كانت مشروعة لهم، ومن هذه الأمة، فالاقتداءُ بالذين اتقوا يعم سائر أحوال التذكر للمأمورات.

والفاء لتفريع الإبصار على التذكر.

وأكد معنى (فاء) التعقيب ب (إذا) الفجائية الدالة على حصول مضمون جملتها دَفعة بدون تريث، أي تذكروا تذكر ذويَ عزم فلم تتريث نفوسهم أن تَبين لها الحقُ الوازع عن العمل بالخواطر الشيطانية فابتعدت عنها، وتمسكت بالحق، وعملت بما تذكرت، فإذا هم ثابتون على هداهم وتقواهم.

وقد استعير الإبصار للاهتداء كما يستعار ضده العمى للضلال، أي: فإذا هم مهتدون ناجون من تضليل الشيطان، لأن الشيطان أراد إضلالهم فسلموا من ذلك ووصفُهم باسم الفاعل دون الفعل للدلالة على أن الإبصار ثابت لهم من قبلُ، وليس شيئاً متجدداً، ولذلك أخبر عنهم بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ﴿ طائِفٌ ﴾ ، وقَرَأ الباقُونَ (طَيْفٌ) واخْتُلِفَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ، فَعَلى هَذا اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الطَّيْفَ اللَّمَمُ كالخَيالِ يُلِمُّ بِالإنْسانِ.

والثّانِي: أنَّهُ الوَسْوَسَةُ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ، أنَّهُ الفَزَعُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الطَّيْفِ والطّائِفِ مُخْتَلِفانِ، فالطَّيْفُ اللَّمَمُ، والطّائِفُ كُلُّ شَيْءٍ طافَ بِالإنْسانِ.

﴿ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلِمُوا فَإذا هم مُنْتَهُونَ.

والثّانِي: اعْتَبَرُوا فَإذا هم مُهْتَدُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إنَّ الذين اتقوا ﴾ قال: هم المؤمنون.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا مسهم طيف من الشيطان ﴾ قال: الغضب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الطيف: الغضب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ بالألف ﴿ تذكروا ﴾ قال: هَم بفاحشة فلم يعملها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا ﴾ يقول: إذا زلوا تابوا.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق وهب بن جرير عن أبيه قال: كنت جالساً عن الحسن إذ جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد ما تقول في العبد يذنب الذنب ثم يتوب؟

قال: لم يزدد بتوبته من الله إلا دنواً.

قال: ثم عاد في ذنبه ثم تاب؟

قال: لم يزدد بتوبته إلا شرفاً عند الله.

قال: ثم قال لي: ألم تسمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قلت: وما قال؟

قال: «مثل المؤمن مثل السنبلة تميل أحياناً وتستقيم أحياناً- وفي ذلك تكبر- فإذا حصدها صاحبها حمد أمره كما حمد صاحب السنبلة بره، ثم قرأ ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: إن الله لم يسم عبده المؤمن كافراً، ثم قرأ ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا ﴾ فقال: لم يسمه كافراً ولكن سماه متقياً.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ إذا مسهم طائف ﴾ بالألف.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش عن إبراهيم ويحيى بن وثاب قرأ أحدهما طائف، والآخر طيف.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ إذا مسهم طائف ﴾ بالألف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: الطائف اللمة من الشيطان ﴿ تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ يقول: إذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان وإخوانهم.

قال: إخوان الشياطين ﴿ يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ﴾ قال: لا الإِنس عما يعملون السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم ﴿ وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقول: لولا أحدثتها لولا تلقيتها فأنشأتها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإِنس ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ يقول: لا يسامون ﴿ وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقول: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وإخوانهم من الشياطين يمدونهم في الغي ﴾ قال: استجهالاً وفي قوله: ﴿ لولا اجتبيتها ﴾ قال: ابتدعتها.

وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيتي فقال «إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبريل آنفاً فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

قلت: أجل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما ذاك يا جبريل؟!

فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير، قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟

قال: كل ذلك سيكون.

قلت: ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله...

!

قال: بكتاب الله يضلون، وأول ذلك من قبل قرائهم وأمرائهم، يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلون، وتتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، قلت: يا جبريل فيم يسلم من سلم منهم؟

قال: بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي ﴾ قال: هذا القرآن ﴿ هذا بصائر من ربكم ﴾ أي بينات فاعقلوه ﴿ وهدى ورحمة ﴾ لمن آمن به وعمل به ثم مات عليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: المؤمنين) (١) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الكفر والشرك والفواحش) (٢) ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ﴾ ، وقرئ (٣) ﴿ طَيْف ﴾ ، اختلفوا في الطيف، فقيل: إنه مصدر.

قال أبو زيد: (طاف يطوف طوفًا وطوافًا، إذا أقبل وأدبر، وأطاف يُطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطيف طيفًا إذا ألم في المنام) (٤) (٥) (٦) أنَّى ألمَّ بك الخيال يطيف قال ابن الأنباري: (وجائز أن يكون الطيف أصله طيِّف إلا أنهم أستثقلوا التشديد فحذفوا إحدى اليائين وأبقوا (٧) (٨) فعلى القول الأول هو مصدر، و (٩) (١٠) (١١) ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَيَّفٌ ﴾ بالتشديد، هذا هو الأصل في الطيف (١٢) (١٣) قال الأزهري: (الطَّيف في كلام العرب الجنون، رواه أبو عبيد عن الأحمر (١٤) وقال الهذلي (١٥) (١٦) وقيل للغضب: طيف لأن عقل من استفزه يعزب حتى يصير في صورة المجنون الذي زال عقله) (١٧) وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى: الطيف، مثل العافية والعاقبة، ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلةٍ، قال الأعشى (١٨) وتصبح (١٩) (٢٠) قال الفراء (٢١) وقال الليث: (طائف الشيطان، وطيف الشيطان ما يغشى الإنسان من وساوسه) (٢٢) ومنهم من قال: (الطيف كالخطرة، والطائف كالخاطرة (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) [وروي عنه (٢٨) (٢٩) وقال مجاهد (٣٠) (٣١) وروى ليث (٣٢) (٣٣) ونحو ذلك قال الكلبي (٣٤) (٣٥) (٣٦) وقال أهل المعاني: (ينبغي للعاقل إذا أحس من نفسه إفراطًا في الغضب أن يذكر غضب الله على المسرفين فلا يقدم على ما يوبقه) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: استعاذوا فأبصروا عظمة الله تعالى) (٣٨) وقال السدي: (معناه: إذا زلُّوا تابوا) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ مُبْصِرُونَ ﴾ أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر.

وقال أبو إسحاق: (أي: تفكّروا فيما أوضح الله لهم من الحجة فإذا هم على بصيرة) (٤٣) وقال الفراء: ( ﴿ فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ أي: منتهون إذا أبصروا) (٤٤) وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ ﴾ .

معنى (إذا) هاهنا: المفاجأة، كقولك: خرجت فإذا زيد، و (إذا) في قوله ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 290، وذكره الثعلبي 6/ 32/ ب، والبغوي 3/ 317 بلا نسبة.

(٢) ذكر الواحدي في "الوسيط" 2/ 290 عن ابن عباس قال: (يريد: المؤمنين الذين اتقوا الكفر والشرك والفواحش) اهـ.

وقال السمرقندي 1/ 590: (يعني: اتقوا الشرك والفواحش) اهـ.

(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (طيف) بياء ساكنة بعد الطاء من غير ألف ولا همز، وقرأ الباقون ﴿ طَائِفٌ ﴾ بألف بحد الطاء وهمزة مكسورة بعدها.

انظر: "السبعة" ص 301، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 430، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 275.

(٤) "الحجة" لأبي علي 4/ 120، وليس فيه (وطوافًا) وفي "مجمل اللغة" 2/ 589 قال: (طاف يطوف طوفًا وطوافًا).

(٥) "معاني الزجاج" 2/ 396 وفيه: (يقال: طفت أطوف وطاف الخيال يطيف).

(٦) الشاهد لكعب بن زهير في "ديوانه" ص 49، و"اللسان" 5/ 2739 (طيف) وبلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 237، و"تفسير الطبري" 9/ 157 - 158، و"نزهة القلوب" ص 312، و"إعراب القراءات" 1/ 219، و"الصحاح" 4/ 1397، و"مقاييس اللغة" 3/ 432، و"الكشاف" 2/ 139، و"تفسير ابن عطية" 6/ 190 - 191، و"الفريد" 2/ 398، و"البحر" 4/ 449، و"الدر المصون" 5/ 546 وتمامه: (ومطافة لك ذكرة وشعوف).

وأنى أي: كيف، وأم نزل والإلمام الزيارة، والذكرة -بالضم والكسر نقيض النسيان وهو حفظ الشيء أو الشيء يجري على اللسان والشعف- إحراق الحب القلب مع لذة يجدها، وشعفه الهوى إذا بلغ منه، والشعوف الولوع بالشيء حتى لا يعدل عنه، قال في "اللسان" 4/ 2285 - 2286 شعف في شرح بيت كعب: (يحتمل أن يكون جمع شعف ويحتمل أن يكون مصدرا وهو الظاهر) اهـ.

وانظر: "اللسان" 4/ 2279 (ذكر) حيث شرح فيه بيت كعب "شرح شواهد الكشاف" 4/ 457.

(٧) في (ب): (واتقوا) وهو تصحيف.

(٨) ذكره الرازي 15/ 99، عن الواحدي عن ابن الأنباري.

(٩) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(١٠) قال السمين في "الدر" 5/ 546: (طيف قيل: إنه مخفف من فيعل والأصل طيف == بتشديد الياء فحذف عين الكلمة كقولهم في ميِّت ميت وفي هين هين ثم طيف الذي هو الأصل يحتمل أن يكون من طاف يطيف أو من طاف يطوف والأصل طيوف فقلب وأدغم وهذا قول ابن الأنباري) اهـ.

وانظر: "معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 176 (طاف)، وص 252 (ميت)، وص 271 (هين).

(١١) ذكرها النحاس في "إعرابه" 1/ 660، والسمرقندي 1/ 590، والثعلبي 6/ 32 ب، ومكي في "الكشف" 1/ 487، وابن عطية 6/ 190 - 191، والرازي 15/ 99، والقرطبي 7/ 349، و"البحر" 4/ 449، وذكرها ابن خالويه في "مختصر الشواذ" ص 253، عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وذكرها ابن زنجلة في "الحجة" ص 306 عن ابن مسعود.

وذكرها ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 309 عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعاصم الجحدري والضحاك.

(١٢) لفظ: (في الطيف) مكرر في (أ).

(١٣) في (أ): (من الشيطان أن يشبه)، وهو تحريف.

(١٤) الأحمر هو خلف بن حيان، لغوي.

تقدمت ترجمته.

(١٥) الهذلي هو أبو العيال بن أبي غثير، مشهور بكنيته، شاعر مخضرم، أسلم مع من أسلم من هذيل، وعمر إلى خلافة معاوية، وهو فصيح مقدم.

انظر: "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 407، و"الشعر والشعراء" ص445، و"الأغاني" 24/ 162، و"الإصابة" 4/ 146.

(١٦) "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 415، و"معاني القراءات" 1/ 433، و"الصحاح" 4/ 1397، و"اللسان" 5/ 2739 (طيف)، وبلا نسبة في "البارع" ص 683، و"الحجة" لأبي علي 4/ 121، وصدره: ومنحتني فرضيت حين منحتني وجاء في "الأغاني" 24/ 266 (رأي) بدل (حين)، (والله) بدل (وأبيك)، وفي المراجع (فإذا) بدل (وإذا).

(١٧) "تهذيب اللغة" 3/ 2155 (طيف).

(١٨) "ديوانه" ص 118، و"مجاز القرآن" 1/ 236، و"الحجة" لأبي علي 4/ 121، و"مقاييس اللغة" 3/ 432، و"تفسير ابن عطية" 6/ 191 - 192، و"اللسان" 5/ 2722 (طوف)، و"البحر" 4/ 449، و"الدر المصون" 5/ 547، وبلا نسبة في: "الجمهرة" 1/ 1092، و"تهذيب اللغة" 1/ 184 (ألق)، و"إعراب القراءات" 1/ 218، و"الحجة" لابن خالويه ص 168، وغب الشيء: عاقبته وما يليه، والسرى: السير ليلاً، وألم به خالطه، والطائف ما يلم بالإنسان ويطوف وبه، وأولق أي: جنّ.

(١٩) في: (أ): (ويصبح)، وهو تصحيف.

(٢٠) في: (أ): (ولا نما)، وهو تحريف.

(٢١) "تهذيب اللغة" 3/ 2155، وفي "معاني الفراء" 1/ 402: ( ﴿ طَائِفٌ ﴾ ، وقرأ إبراهيم النخعي (طيف) وهو اللمم والذنب) اهـ.

(٢٢) "تهذيب اللغة" 3/ 2155، وفيه قال الليث: (كل شيء يغشى البصر من وسواس الشيطان فهو طيف والطائف العاس بالليل) اهـ.

وانظر: "العين" 7/ 459، و"الجمهرة" 1/ 922.

(٢٣) لفظ: (كالخاطرة) ساقط من (ب).

(٢٤) هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 121، وانظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 305، و"الكشف" 1/ 487.

(٢٥) أبو عمرو بن العلاء، إمام، مقرئ، لغوي.

سبقت ترجمته.

(٢٦) ذكره الثعلبي 6/ 32 ب، والماوردي 2/ 289، والواحدي في "الوسيط" 2/ 290، والبغوي 3/ 317، وابن الجوزي 3/ 309 - 310.

وفي "تفسير الطبري" 9/ 157 - 158، و"معاني النحاس" 3/ 120 عن أبي عمرو قال: (الطيف الوسوسة) اهـ.

وفي "معاني النحاس" عن الكسائي قال: (الطيف اللمم والطائف كل ما طاف حول الإنسان) اهـ.

وقال النحاس في "إعرابه" 660: (كلام العرب في مثل هذا طيف بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف، ومعناه في "اللغة": ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف) اهـ.

ونحوه قال في "معانيه" 3/ 120، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 433 - 434: (المعنى في الطيف والطائف واحد، وهو في كلام العرب له معنيان أحدهما: الجنون، وقد جعله بعض المفسرين في هذا == الموضع جنونًا لأن الغضب الشديد يعتريه شيء من الجنون، والمعنى: إذا مسهم غضب يخيل إلى من رآه في تلك الحالة بعد ما كان رآه ساكنًا أنه مجنون، والطيف في غير هذا الخيال الذي تراه في منامك، ومن قرأ: ﴿ طَائِفٌ ﴾ أراد به تغير حالة الغضبان إذا ثار ثائره فكأنما طاف به شيطان استخفه حتى تهافت فيما يتهافت فيه المجنون من سفك الدم الحرام والتقحم على الأمور العظام) اهـ.

وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 316، و"غريب القرآن" ص 156، و"الدر المصون" 5/ 545.

(٢٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 290، وأخرج الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1640 بسند جيد عنه قال: (الطائف اللَّمة من الشيطان) اهـ.

(٢٨) أخرجه الطبري 9/ 158 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 6/ 32 ب.

(٢٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 290 عن سعيد بن جبير ومجاهد، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 254.

وأخرجه الطبري 9/ 158 من طرق جيدة قال: (الغضب).

(٣١) ذكره الثعلبي 6/ 33 أ، والبغوي 3/ 318، وأخرج الطبري 9/ 158 بسند جيد عنه، قال: (الغضب)، وذكره ابن أبي حاتم 5/ 164 عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن بن زيد.

(٣٢) ليث بن أبي سليم الكوفي.

تقدمت ترجمته.

(٣٣) ذكره الثعلبي 6/ 33 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 290 ، والبغوي 3/ 318.

(٣٤) في "تنوير المقباس" 2/ 150 قال: (الطائف: الريب والوسوسة) اهـ.

وذكر الثعلبي 6/ 32 ب عن الكلبي قال: (ذنب) اهـ.

(٣٥) الحكم هو: الحكم بن أبان العدني، أبو عيسى، إمام، عابد، سيد أهل اليمن، وهو صدوق له أوهام.

توفي سنة 154 هـ وله حوالي 80 سنة.

انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 113، و"ميزان الاعتدال" 1/ 569، و"تهذيب التهذيب" 1/ 461، و"تقريب التهذيب" ص 174 رقم (1438).

(٣٦) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1640 بسند ضعيف، وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2155 (طيف).

(٣٧) هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2155 (طيف).

(٣٨) لم أقف عليه.

وأخرج الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1641 بسند ضعيف عنه في الآية قال: (إذا هم منتهون عن المعصية آخذون بأمر الله عاصون للشيطان) اهـ.

(٣٩) أخرجه الطبري 9/ 158، ابن أبي حاتم 5/ 1641، بسند جيد.

(٤٠) في (ب): (تذكروا وعرف)، وهو تحريف.

(٤١) "تفسير مقاتل" 2/ 82.

(٤٢) لفظ: (معنى) ساقط من (أ).

(٤٣) "معاني الزجاج" 2/ 396.

(٤٤) "معاني الفراء" 1/ 402، والمعاني متقاربة، والمعنى: تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره، أفاده الطبري 9/ 159، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 661، والماوردي 2/ 289، وابن الجوزي 3/ 310، و"البحر" 4/ 450.

(٤٥) في (ب): (وإذا مسهم)، وهو تحريف.

(٤٦) في (ب): (فالفرق).

(٤٧) انظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 57 وص 63، و"معاني الحروف" للرماني ص 74، وص 115، و"الصاحبي" ص 176 وص 193، و"رصف المباني" ص 186، و"المغني" لابن هشام 1/ 27 وص 87.

(٤٨) لفظ: (فيه) ساقط من (ب).

(٤٩) لفظ: (طالق) ساقط من (ب).

(٥٠) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 224 (إن)، وفي "روضة الطالبين" 6/ 121 قال: (أدوات التعليق تقتضي الفور في طرف النفي إلا لفظة (إن) فإنها للتراخي) اهـ.

وذكر في "المجموع" 17/ 188 قول الشافعي، وقال: (هذا هو الصحيح لأن == (إذا) اسم لزمان مستقبل ومعناه: أي وقت، ولهذا يجاب به عن السؤال عن الوقت فيقال: هل ألقاك فتقول: إذا شئت، كما تقول: أي وقت شئت، فكان على الفور، كما لو قال: أي وقت لم أطلقك فأنت طالق، وليس كذلك!

فإنه لا يستعمل الزمان، ولهذا لا يجوز أن يقال متى ألقاك فتقول: إن شئت، وإنما يستعمل في الفعل ويجاب بها عن السؤال عن الفعل، فيقال: هل ألقاك فتقول: إن شئت، فيصير معناه: إن فاتني أن أطلقك فأنت طالق، والفوات يكون آخر العمر) اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ ﴾ نزغ الشيطان وسوسته بالتشكيك في الحق والأمر بالمعاصي أو تحريك لغضب، فأمر الله بالاستعاذة منه عند ذلك، كما ورد في الحديث: «أن رجلاً اشتد غضبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما به: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ﴿ طائف مِّنَ الشيطان ﴾ معناه لمه منه، كما جاء: «إن للشيطان لمة وللملك لمة» ، ومن قرأ طائف بالألف، فهو اسم فاعل ومن قرأ طيف بياء ساكنة، فهو مصدر أو تخفيف من طيف المشدّد، كمّيت وميت ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ حذف مفعوله ليعم كل ما يذكر من خوف عقاب الله، أو رجاء ثوابه أو مراقبته والحياء منه، أو عداوة الشيطان والاستعاذة منه والنظر والاعتبار وغير ذلك ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ هو من بصيرة القلب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طيف ﴾ بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون: ﴿ طائف ﴾ على وزن "فاعل" ﴿ يمدونهم ﴾ من الإمداد: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿ العفو وأمر ﴾ مدغماً: أبو عمرو.

وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مبصرون ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿ لا يقصرون ﴾ ه ﴿ اجتبيتها ﴾ ط ﴿ من ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ من الغافلين ﴾ ه ﴿ يسجدون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة.

واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله ﴿ خذ العفو ﴾ ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه  ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو والمعروف.

والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق.

ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله  : "يا جبرائيل ما هذا؟

فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" .

قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل.

يروى عن جعفر الصادق  : ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا ﴿ خذ العفو ﴾ أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال.

والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي.

وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ.

قال أبو زيد: لما نزل قوله ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله  : كيف يا رب والغضب؟

فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه.

عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب.

ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي  : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .

قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة.

والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه  قبل تلك الوسوسة منه؟

ولو سلم فمحمول على ترك الأولى.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنه سميع عليم ﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه  قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.

ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ﴾ قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء.

والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً.

ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين.

قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته.

ومفعول ﴿ تذكروا ﴾ محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد.

واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله  خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال  : "من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنهربما انقلب الضعيف قوياً.

وبالجملة فالمراد من قوله  ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله ﴿ تذكروا ﴾ الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والضمير المرفوع في ﴿ يمدون ﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له.

والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي.

وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له.

قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن ﴿ إخوانهم ﴾ في مقابلة ﴿ الذين اتقوا ﴾ قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله ﴿ إنما نمدهم به من مال ﴾ \[المؤمنون: 55\] ﴿ وأمددناهم بفاكهة  ﴾ ﴿ أتمدونن بمال  ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون  ﴾ فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ أما قوله ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ فالإقصار الكف عن الشيء.

قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.

ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ثم إنه  ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر.

والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟

وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿ إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي ﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها.

ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿ هذا ﴾ يعني القرآن ﴿ بصائر ﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿ هدى ﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان.

فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإنصات السكوت للاستماع.

قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر.

وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت.

وقال قتادة.

كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت.

ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.

وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه  فنزلت.

وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه.

وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع.

واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا.

والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع.

وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور.

وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز.

قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.

وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام.

هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة.

وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله ﴿ ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق.

وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه.

ثم أمر نبيه وأمته تبعيته  بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء.

والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء.

قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه.

قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة.

الثالث والرابع: ﴿ تضرعاً وخيفة ﴾ أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية.

والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة.

الخامس: قوله ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء.

قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.

السادس: قوله ﴿ بالغدو والآصال ﴾ والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته.

وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.

وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته.

إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.

وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.

السابع: قوله ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ فيداومون على ذلك ﴿ ويسبحونه ﴾ يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم ﴿ وله يسجدون ﴾ بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح.

وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح.

والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق.

التأويل: ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿ من الشيطان نزغ ﴾ في طلب غير الله ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من طلب غير الله ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال  : "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.

﴿ طائف من الشيطان ﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿ وإخوانهم ﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ أي لم تأت القلوب ﴿ بآية ﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿ قالوا ﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿ قل إنما أتبع ﴾ إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني.

﴿ فاستمعوا ﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿ وأنصتوا ﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر" فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿ تضرعاً ﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿ وخيفة ﴾ في الوسط ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ﴿ ولا تكوننَّ من الغافلين ﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿ يسبحونه ﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿ وله يسجدون ﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: على حقيقة الأخذ.

والثاني: على العمل بالعفو.

فإن كان على الأخذ فهو على وجهين: [الأول:] يحتمل أن خذ الفضل الذي لا حق فيه، وهو القليل من ذلك واليسير.

والثاني: أن خذ ما يفضل من أنفسهم وحوائجهم من غير مسألة، أي: اقبل منهم ما أعطوك، ولا تلح في المسألة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ  إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ  ﴾ ؛ أخبر أنه إن يسألهم أموالهم حملهم ذلك على البخل.

وإن كان على العمل فهو على وجوه: أي: اعف [عن] الظلمة، عن ظلمهم، وأعرض عن السفهاء واحلم معهم؛ أمر رسول الله  أن يعامل الخلق بأشياء ثلاثة: أمر أن يعفو عن الظلمة عن ظلمهم، لا يكافئهم بظلمهم، وأمر أن يعرض عن السفهاء والجهال ويحلم معهم، وأمر أن يعامل المؤمنين باللين والرفق؛ ولذلك وصفه بالرحمة والرأفة بقوله: ﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ .

وروي عن عبد الله بن الزبير قال: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس.

وعن قتادة: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ قال: خلق حسن أمر الله به نبيه ودعاه إليه.

إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وإلى ذلك صرف تأويل الآية.

وقال بعضهم: هو أخذ الفضل من المال على ما ذكرنا؛ فهو منسوخ بآية الزكاة.

وروي في حرف ابن مسعود وأبي: (خذ العفو وأمر بالعرف وانه عن المنكر وأعرض عن الجاهلين).

وفيه دلالة [أنه] أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والمعروف: هو اسم كل خير، وأمره بأن يأخذ بالعفو عن الظلمة، على ما ذكرنا، وعلى ذلك روي عن عائشة قالت: "كان رجل يشتم رسول الله  ويؤذيه، فدخل على رسول الله  ، فأوسع له، وأدناه، ورحب به؛ قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس هذا كان يشتمك؟

قال: بلى يا عائشة؛ إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرورهم وألسنتهم" إلى مثل هذا دعى رسول الله بالعفو والصفح عن الظلمة وترك المكافأة.

وقوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ أي: مر الناس بالعرف، وهو ما تشهد خلقتك وتأمرك به أشياء ثلاثة، اثنان فيما بينه وبين ربه، والواحد فيما بينه وبين الناس؛ أمّا الاثنان اللذان فيما بينه وبين ربه: أحدهما: تأمر خلقته، وتشهد على وحدانية الله، والدلالة على ألوهيته.

والثاني: تشهد على نعم الله إليه فيدعوه إلى الشكر له فيما أنعم [الله] عليه.

وأما الوجه الذي تدعو خلقته فيما بينه وبين الناس: فهو ما ترغب نفسه في كل محاسن ومرغوب فيه، وتنفر نفسه عن كل أذى وسوء، فأمر رسول الله  أن يعامل الخلق بما ترغب نفسه وتطمع في المحاسن، وتنفر عنه وتكره، يفعل إليهم في كل ما ترغب نفسه فيه وتطمع، ويمتنع عن كل أذى وسوء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ .

قال بعضهم: النزغة هي أدنى أفعال المعصية؛ وكذلك فسره ابن عباس -  - يقول: إذا أذنبت ذنباً فاستعذ بالله.

وقال القتبي: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ أي: يستخفنك، ويقال: نزغ شيئاً: إذا أفسده.

وقال أبو عوسجة: النزغ: التحريك للفساد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: يوسوسك الشيطان وسوسة فاستعذ بالله.

ثم في الاستعاذة وجهان: أحدهما: أمره بالفزع إلى الله عند ما يوسوسه الشيطان والالتجاء إليه؛ لما رأى نفسه عاجزة عن دفع ما يوسوس إليه، ورد ما يكون؛ فهو الدافع عنه ذلك وهو الراد.

وقال الخليل: أعوذ بالله، أي: ألجأ إلى الله -  - وكذلك قوله: أستعيذ بالله، ومعاذ الله معناه: أعوذ بالله، ومنه الإعاذة والتعوذ والتعويذ.

وقال غيره: أعوذ بالله، أي: أمتنع بالله.

وقيل: أعوذ بالله، أي: أتحصن بالله.

وقيل: الاستعاذة: هي الاستغاثة بالله؛ لدفع ما اعترض له من الشيطان.

وكله قريب بعضه من بعض.

ثم الحكمة فيما جعل عدوهم من غير جنسهم من حيث لا يرونه ويراهم وجهان: أحدهما: ليكونوا أبداً على التيقظ والانتباه، غير غافلين عنه.

والثاني: ليكونوا أبداً فزعين إلى الله -  - متضرعين إليه، مبتهلين؛ ليكون هو الحافظ لهم، والدافع عنهم شره ووسواسه.

وفيما أمر بالفزع إلى الله والاستعاذة به عند نزغ الشيطان نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: قد أعطاهم جميع ما يدفعون به وساوسه ونزغاته، حتى لم يبق عنده شيء يعيذه؛ فعلى قولهم يخرج طلب الإعاذة مخرج كتمان النعمة، أو مخرج الهزء به؛ [أما الهزء به] لأنه يسأله ما يعلم أنه ليس ذلك عنده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

وقرئ: (طيف من الشيطان)؛ فمن قرأ: (طيف) قال: [أي] اللمة [و] الخطرة [و] الشيء يغشيك.

وقال: وأما الطائف فهو من الطواف.

وقيل: الطيف: الوسوسة.

وقيل: ما يأتيك من الشيطان.

وقيل: الطائف والطيف سواء.

وعن ابن عباس: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ قال: إذا أذنبوا ذنباً ﴿ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ يقول: تذكروا ذنوبهم فتابوا منها، وكذلك قال في قوله: ﴿ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ : هو أدنى ذنب يرتكبه، فإن كان على هذا فهو يخرج على النهي عن ذلك، فهو كالمخاطبات التي خاطب بها رسول الله  كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ، وإن كان يعلم أنه لا يشك ولا يجهل ولا يشرك غيره في أمره؛ فعلى ذلك هذا الخطاب الذي خاطبه بقوله: ﴿ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

وإن كان ما ذكر هو من أدنى ذنب يرتكبه، فهو يخرج ذلك على تعليمه أمته أن كيف يفعلون إذا اعترض لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ .

[يحتمل أن يكون قوله]: ﴿ ٱتَّقَواْ ﴾ مكائد الشيطان؛ إذا أصابهم شيء من ذلك تذكروا ذلك، فعرفوا أنه من الشيطان، ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ أي: أبصروا أنه من الشيطان.

أو أن يقال: أي: هم من أهل البصر يبصرون عما اتقوا به أنه من الشيطان.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ المعاصي، إذا أصابتهم وسوسة من الشيطان تذكروا ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: اتقوا الشرك، لكن لا كل من اتقى الشرك يكون كما ذكر.

وقوله: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ...

﴾ الآية.

يحتمل وجوهاً: أحدها: إذا مسهم ذلك تابوا عما كان منهم؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً...

﴾ الآية [آل عمران: 135].

والثاني: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ وجوه حيل دفع وساوسه.

والثالث: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ استعاذوا به حيث أمرهم بالاستعاذة به عند النزغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعني: إخوان الكفار الشياطين، ﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ﴾ قالوا: في الشرك والمعصية، ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ ، عنها؛ أي: لا ينتهون عنها، ولا يبصرونها كما أبصر الذين اتقوا عنها حين أبصروها.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعني: أصحاب الذين اتقوا، وهم شياطينهم من الإنس يدعونهم إلى دينهم، لكنهم لا يجيبونهم ولا يطيعونهم فيما يدعون إليه؛ إذ يجوز أن يكون لكل مؤمن شيطان من الإنس وشيطان من الجن؛ كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ فقد دعا أولئك شياطين الجن فتذكروا فلم يجيبوهم، ثم دعاهم شياطين الإنس - أيضاً - فلا يجيبونهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه إذا أصابتهم وسوسة من الشيطان فأذنبوا؛ تذكروا عظمة الله وعقابه للعصاة وثوابه للمطيعين، فتابوا من ذنوبهم، وأنابوا إلى ربهم، فإذا هم قد استقاموا على الحق، وصَحَوْا مما كانوا عليه، وانتهوا.

<div class="verse-tafsir" id="91.dlpab"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد