الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٠٠ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال في هذه السورة الكريمة أيضا : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) فهذه الآيات الثلاث في " الأعراف " و " المؤمنون " و " حم السجدة " ، لا رابع لهن ، فإنه تعالى يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف والتي هي أحسن ، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى ; ولهذا قال : ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان ، فإنه لا يكفه عنك الإحسان ، وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية ، فإنه عدو مبين لك ولأبيك منقبلك .
قال ابن جرير في تفسير قوله : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهلين ويحملك على مجازاتهم ( فاستعذ بالله ) يقول : فاستجر بالله من نزغه ) سميع عليم ) يقول : إن الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك ، والاستعاذة به من نزغه ، ولغير ذلك من كلام خلقه ، لا يخفى عليه منه شيء ، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان ، وغير ذلك من أمور خلقه .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما نزل : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا رب ، كيف بالغضب ؟
" فأنزل الله : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) قلت : وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمزع غضبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " .
فقيل له ، فقال : ما بي من جنون وأصل " النزغ " : الفساد ، إما بالغضب أو غيره ، قال الله تعالى : ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم ) [ الإسراء : 53 ] و " العياذ " : الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر ، وأما " الملاذ " ففي طلب الخير ، كما قال أبو الطيب [ الحسن بن هانئ ] المتنبي : يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير ، بما أغنى عن إعادته هاهنا .
القول في تأويل قوله : وَإِمَّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَـزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وإما ينـزغنك من الشيطان نـزغ)، وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدُّك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم.
=(فاستعذ بالله)، يقول: فاستجر بالله من نـزغه = (25) (إنه سميع عليم)، يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نـزع الشيطان =(سميع) لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نـزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه, لا يخفى عليه منه شيء =(عليم) بما يذهب عنك نـزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه، (26) كما: 15553 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف بالغضب يا رب؟
قال: (وإما ينـزغنك من الشيطان نـزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم).
15554 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وإما ينـزغنك من الشيطان نـزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم) قال: علم الله أن هذا العدوَّ مَنِيع ومَريد.
* * * وأصل " النـزغ ": الفساد, يقال: " نـزغ الشيطان بين القوم "، إذا أفسد بينهم وحمّل بعضهم على بعض.
ويقال منه: " نـزغ ينـزغ ", و " نغز ينغز ".
------------------ الهوامش : (25) انظر تفسير (( الاستعاذة )) فيما سلف 1: 111 / 6: 326 .
(26) انظر تفسير (( سميع )) و (( عليم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) و ( علم ) .
قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم فيه مسألتان : الأولى : لما نزل قوله تعالى : خذ العفو قال عليه السلام : كيف يا رب والغضب ؟
فنزلت : وإما ينزغنك ونزغ الشيطان : وساوسه .
وفيه لغتان : نزغ ونغز ، يقال : إياك والنزاغ والنغاز ، وهم المورشون .
الزجاج : النزغ أدنى حركة تكون ، ومن الشيطان أدنى وسوسة .
قال سعيد بن المسيب : شهدت عثمان وعليا وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئا ، ثم لم يبرحا حتى استغفر كل واحد منهما لصاحبه .ومعنى ينزغنك : يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل .
فاستعذ بالله أي اطلب النجاة من ذلك بالله .
فأمر تعالى أن تدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به ; ولله المثل الأعلى .
فلا يستعاذ من الكلاب إلا برب الكلاب .
وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا ؟
قال : أجاهده .
قال : فإن عاد ؟
قال : أجاهده .
قال : فإن عاد ؟
قال : أجاهده .
قال : هذا يطول ، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور ما تصنع ؟
قال : أكابده وأرده جهدي .
قال : هذا يطول عليك ، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك .الثانية : النغز والنزغ والهمز والوسوسة سواء ; قال الله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وقال : من شر الوسواس الخناس .
وأصل النزغ الفساد ; يقال : [ ص: 312 ] نزغ بيننا ; أي أفسد .
ومنه قوله : نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي أي أفسد .
وقيل : النزغ الإغواء والإغراء ; والمعنى متقارب .
قلت : ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته .
وفيه عن عبد الله قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال : تلك محض الإيمان .
وفي حديث أبي هريرة : ذلك صريح الإيمان والصريح : الخالص .
وهذا ليس على ظاهره ; إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان ، لأن الإيمان اليقين ، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم .
فكأنه قال جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه ; لصحة إيمانكم ، وعلمكم بفسادها .
فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها والجزع منها صادرا عن الإيمان .
وأما أمره بالاستعاذة فلكون تلك الوساوس من آثار الشيطان .
وأما الأمر بالانتهاء فعن الركون إليها والالتفات نحوها .
فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به .
وأما من خالجته الشبهة وغلب عليه الحس ولم يقدر على الانفكاك عنها فلا بد من مشافهته بالدليل العقلي ; كما قال صلى الله عليه وسلم للذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا عدوى .
وقال أعرابي : فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : فمن أعدى الأول فاستأصل الشبهة من أصلها .
فلما يئس الشيطان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقيات .
والوساوس : الترهات ; فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم فجاءوا - كما في الصحيح - فقالوا : يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به .
قال : أوقد وجدتموه ؟
قالوا : نعم .
قال : ذلك صريح الإيمان رغما للشيطان حسب ما [ ص: 313 ] نطق به القرآن في قوله : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان .
فالخواطر التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها الشبهة فهي التي تدفع بالإعراض عنها ; وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة .
والله أعلم .
وقد مضى في آخر " البقرة " هذا المعنى ، والحمد لله .
وأما ما ينبغي أن يعامل به العبد شياطين الإنس والجن، فقال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:أي: أي وقت، وفي أي حال يَنـزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نـزغٌ أي: تحس منه بوسوسة، وتثبيط عن الخير، أو حث على الشر، وإيعاز إليه.
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي: التجئ واعتصم باللّه، واحتم بحماه فإنه سَمِيعٌ لما تقول.
عَلِيمٌ بنيتك وضعفك، وقوة التجائك له، فسيحميك من فتنته، ويقيك من وسوسته، كما قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إلى آخر السورة.
قوله تعالى : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) أي : يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان نزغ نخسة ، والنزغ من الشيطان الوسوسة .
وقال الزجاج : النزغ أدنى حركة تكون من الآدمي ، ومن الشيطان أدنى وسوسة .
وقال عبد الرحمن بن زيد : لما نزلت هذه الآية : " خذ العفو " ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " كيف يا رب والغضب " ؟
فنزل : " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله " أي : استجر بالله ( إنه سميع عليم )
«وإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة «ينزغنَّك من الشيطان نَزْغٌ» أي إن يصرفك عما أمرت به صارف «فاستعذ بالله» جواب الشرط وجواب الأمر محذوف، أي يدفعه عنك «إنه سميع» للقول «عليم» بالفعل.
وإما يصيبنَّك -أيها النبي- من الشيطان غضب أو تُحِس منه بوسوسة وتثبيط عن الخير أو حث على الشرِّ، فالجأ إلى الله مستعيذًا به، إنه سميع لكل قول، عليم بكل فعل.
ثم يرشد القرآن المسلمين فى شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى ما يهدىء غضبهم ويطفىء ثورتهم فيقول : ( وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ .
.
.
) .النزغ والنخس والغرز بمعنى واحد ، وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا ونحوها فى الجلد .أى : وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك ، وتحملك على خلاف ما أمرت به من أخذ العفو الأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين ، فالتجىء إلى الله ، واستعذ بحماه ، فإنه - سبحانه - سميع لدعائك ، عليم بكل أحوالك .
وهو وحده الكفيل بصرف وسوسة الشياطين عنك ، وصيانتك من همزاتهم ونزغاتهم .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو زيد: لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف يا رب والغضب؟» فنزل قوله: ﴿ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ ﴾ .
المسألة الثانية: اعلم أن نزغ الشيطان، عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي، عن أبي زيد نزغت بين القوم إذا أفسدت ما بينهم، وقيل النزغ الازعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب، وأصله الازعاج بالحركة إلى الشر، وتقرير الكلام أنه تعالى لما أمره بالعرف فعند ذلك ربما يهيج سفيه ويظهر السفاهة فعند ذلك أمره تعالى بالسكوت عن مقابلته فقال: ﴿ وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ ولما كان من المعلوم أن عند إقدام السفيه على السفاهة يهيج الغضب والغيظ ولا يبقى الإنسان على حالة السلامة وعند تلك الحالة يجد الشيطان مجالاً في حمل ذلك الإنسان على ما لا ينبغي، لا جرم بين تعالى ما يجري مجرى العلاج لهذا الغرض فقال: ﴿ فاستعذ بالله ﴾ والكلام في تفسير الاستعاذة قد سبق في أول الكتاب على الاستقصاء.
المسألة الثالثة: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقالوا: لولا أنه يجوز من الرسول الإقدام على المعصية أو الذنب، وإلا لم يقل له ﴿ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله ﴾ والجواب عنه من وجوه: الأول: أن حاصل هذا الكلام أنه تعالى قال له: إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ، كما أنه تعالى قال: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ ولم يدل ذلك على أنه أشرك.
وقال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ ولم يدل ذلك على أنه حصل فيهما آلهة.
الثاني: هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس للرسول عليه السلام، إلا أن هذا لا يقدح في عصمته، إنما القادح في عصمته لو قبل الرسول وسوسته، والآية لا تدل على ذلك.
عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من إنسان إلا ومعه شيطان» قالوا: وأنت يا رسول الله قال: «وأنا ولكنه أسلم بعون الله»، فلقد أتاني فأخذت بحلقه، ولولا دعوة سليمان لأصبح في المسجد طريحاً، وهذا كالدلالة على أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ الثالث: هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس.
وأنه عليه الصلاة والسلام يقبل أثر وسوسته، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الأفضل والأولى.
قال عليه الصلاة والسلام: «وإنه ليغان على قلبي وإني لا أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة».
المسألة الرابعة: الاستعاذة بالله عند هذه الحالة أن يتذكر المرء عظيم نعم الله عليه وشديد عقابه فيدعوه كل واحد من هذين الأمرين إلى الإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أمر الشرع.
المسألة الخامسة: هذا الخطاب وإن خص الله به الرسول إلا أنه تأديب عام لجميع المكلفين لأن الاستعاذة بالله على السبيل الذي ذكرناه لطف مانع من تأثير وساوس الشيطان، ولذلك قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ إذا ثبت بالنص أن لهذه الاستعاذة أثراً في دفع نزع الشيطان، وجبت المواظبة عليه في أكثر الأحوال.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك، وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ ﴾ وإما ينخسنّك منه نخس، بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به ﴿ فاستعذ بالله ﴾ ولا تطعه.
النزغ والنسغ: الغرز والنخس، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي.
وجعل النزغ نازغاً، كما قيل جدّ جدّه.
وروي: أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يا رب والغضب فنزل ﴿ وإما ينزعنَّك من الشيطان نزع ﴾ ويجوز أن يراد بنزغ الشيطان اعتراء الغضب، كقول أبي بكر رضي الله عنه: إنّ لي شيطاناً يعتريني.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ أيْ خُذْ ما عَفا لَكَ مِن أفْعالِ النّاسِ وتَسْهُلُ ولا تَطْلُبْ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، مِنَ العَفْوِ الَّذِي هو ضِدُّ الجَهْدِ أوْ خُذِ العَفْوَ عَنِ المُذْنِبِينَ أوِ الفَضْلَ وما يَسْهُلُ مِن صَدَقاتِهِمْ، وذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكاةِ.
﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ المَعْرُوفُ المُسْتَحْسَنُ مِنَ الأفْعالِ.
﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ فَلا تُمارِهِمْ ولا تُكافِئْهم بِمِثْلِ أفْعالِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ آمِرَةٌ لِلرَّسُولِ بِاسْتِجْماعِها.
﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ يَنْخَسَنَّكَ مِنهُ نَخْسٌ أيْ وسْوَسَةٌ تَحْمِلُكَ عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ كاعْتِراءِ غَضَبٍ وفِكْرٍ، والنَّزْغُ والنَّسْغُ والنَّخْسُ الغَرْزُ شَبَّهَ وسْوَسَتَهُ لِلنّاسِ إغْراءً لَهم عَلى المَعاصِي وإزْعاجًا بِغَرْزِ السّائِقِ ما يَسُوقُهُ.
﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ ﴾ يَسْمَعُ اسْتِعاذَتَكَ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكَ فَيَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، أوْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ مَن آذاكَ عَلِيمٌ بِأفْعالِهِ فَيُجازِيهِ عَلَيْها مُغْنِيًا إيّاكَ عَنِ الِانْتِقامِ ومُشايَعَةِ الشَّيْطانِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ} وإما ينخسنك منه نخس أى بأن يحملك بوسوسته فلى خلافما أمرت به {فاستعذ بالله} ولا تطعه والنزغ النخس كأنه ينخس حين يغريهم على المعاصى وجعل النزغ نازغا كما قيل جدجده أو أريد بنزغ الشيطان اعتراء الغضب كقوله أبى بكر رضى الله عنه أن لى شيطانا يعترينى {إنه سميع} لنزعه {عليم} بدفعه
«قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَيْفَ يا رَبِّ والغَضَبُ؟
فَنَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ » النَّزْغُ والنَّسْغُ والنَّخْسُ بِمَعْنًى.
وهو إدْخالُ الإبْرَةِ أوْ طَرَفِ العَصا أوْ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ في الجِلْدِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: نَزَغْتُ ما بَيْنَ القَوْمِ إذا أفْسَدْتُ ما بَيْنَهُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ وسْوَسَتُهُ، والمَعْنى الأوَّلُ هو المَشْهُورُ.
وإطْلاقُهُ عَلى وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ مَجازٌ حَيْثُ شَبَّهَ وسْوَسَتَهُ إغْراءً لِلنّاسِ عَلى المَعاصِي وإزْعاجًا بِغَرْزِ السّائِقِ ما يَسُوقُهُ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ مَجازِيٌّ كَما في جَدَّ جِدُّهُ، وقِيلَ: النَّزْغُ بِمَعْنى النّازِغِ فالتَّجَوُّزُ في الطَّرَفِ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأوْلى، أيْ: إمّا يَحْمِلَنَّكَ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ وسْوَسَةٌ ما عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ اعْتِراءِ غَضَبٍ أوْ نَحْوِهِ ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ فاسْتَجِرْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في دَفْعِهِ عَنْكَ.
﴿ إنَّهُ سَمِيعٌ ﴾ يَسْمَعُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ اسْتِعاذَتَكَ قَوْلًا.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ كَذَلِكَ تَضَرُّعَكَ إلَيْهِ قَلْبًا في ضِمْنِ القَوْلِ أوْ بِدُونِهِ فَيَعْصِمُكَ مِن شَرِّهِ، أوْ سَمِيعٌ أيْ: مُجِيبٌ دُعاءَكَ بِالِاسْتِعاذَةِ، عَلِيمٌ بِما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكَ فَيَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، أوْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ مَن آذاكَ، عَلِيمٌ بِأفْعالِهِ فَيُجازِيهِ عَلَيْها.
والآيَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن بابِ: ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ فَلا حُجَّةَ فِيها لِمَن زَعَمَ عَدَمَ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وارْتِكابِ المَعاصِي.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ.
قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: وإيّايَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ؛ فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِخَيْرٍ»».
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ نَزْغَ الشَّيْطانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَجازٌ عَنِ اعْتِراءِ الغَضَبِ المُقْلِقِ لِلنَّفْسِ، وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ زِيادَةُ تَنْفِيرٍ عَنِ الغَضَبِ، وفَرْطُ تَحْذِيرٍ عَنِ العَمَلِ بِمُوجِبِهِ، ولِذا كَرَّرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النَّهْيَ عَنْهُ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وفي الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى تَهْوِيلٌ لِذَلِكَ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَوائِلِ الَّتِي لا يُتَخَلَّصُ مِن مَضَرَّتِها إلّا بِالِالتِجاءِ إلى حَرَمِ عِصْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ يعني: حافظي وناصري الله الذي نزل الكتاب.
يعني: القرآن.
ويقال: إن الذي يمنعني منكم الله الذي أنزل جبريل بالكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ يعني: المؤمنين فيحفظهم ولا يكلهم إلى غيره.
ثم قال: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: تعبدون من دون الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ أي: لا يقدرون منعكم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أي يمنعون ممن أذاها، لأن الكفار كانوا يلطخون العسل في فم الأصنام، وكان الذباب يجتمع عليه فلا تقدر دفع الذباب عن نفسها.
ثم قال تعالى: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا قال الكلبي: يعني إن دعا المشركون آلهتهم لا يسمعون أي يجيبونهم وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ يعني: الأصنام تراهم مفتحة أعينهم وهم لا يبصرون شيئاً.
قال مقاتل: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني: كفار مكة لاَ يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ الهدى.
قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ قال ابن عباس- ما- يعني: خذ ما أعطوك من الصدقة يعني: ما فضل من الأكل والعيال، ثم نسخ بآية الزكاة وهذا كقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219] يعني: الفضل وأمر بالمعروف يعني: ادعهم إلى التوحيد وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي من جهل عليك مثل أبي جهل وأصحابه، وكان ذلك قبل أن يؤمر بالقتال.
ويقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ يعني: اعف عمن ظلمك واعط من حرمك وصل من قطعك.
قال الفقيه أبو الليث: حدثنا عن الشعبي الخليل بن أحمد.
قال: حدثنا الديبلي.
قال: حدّثنا أبو عبيد الله وحدثنا سفيان عن أبي هريرة عن رسول الله قال: لما نزلت هذه الآية خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ سأل عنها جبريل.
فقال جبريل: حتى أسأل العالم، فذهب ثم أتاه، فقال: يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تَصِل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عن من ظلمك.
وقال القتبي في قول النبيّ: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ» فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر في هذه الآية كيف جمع له في هذا كل خلق عظيم، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله، وصلة الأرحام، وغض البصر، وفي الإعراض عن الجاهلين الحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه، وعن منازعة اللجوج، وإنما سمي المعروف معروفاً لأن كل نفس تعرفه وكل قلب يطمئن إليه.
قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ قال مقاتل يعني: ولا يفتننكم فتنة في أمر أبي جهل فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ قال الكلبي: أي: وإما يصيبنك من الشيطان وسوسة فاستعذ بالله وقال الزجاج: النزع أدنى حركة.
ومعناه: إن أتاك من الشيطان أدنى وسوسة فاستعذ بالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني: سميع لدعائك بوسوسة الشيطان.
<div class="verse-tafsir"
للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته في أمر الكُفَّار، والهاءُ والميمُ في قوله: «تدعوهم» للكفَّار، ووصفهم بأنهم لا يَسْمَعُونَ، ولا يبصرون إِذ لم يتحصَّل لهم عن النَّظَر والاستماع فائدةٌ قاله مجاهدٌ «١» والسدِّي «٢» .
وقال الطبريُّ «٣» : المرادُ بالضمير المذكور: الأصنامُ، ووصْفُهم بالنظر كنايةً عن المحاذاة والمقابلة ولِمَا فيها من تخييلِ النَّظَر كما تقول: دَارُ فُلاَنٍ تَنْظُر إلى دار فلان.
وقوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ...
الآية: وصيَّةٌ من اللَّه سبحانه لنبيِّه عليه السلام تعمُّ جميع أمته، وأَخْذٌ بجميع/ مكَارِم الأخلاقِ.
قال الجمهور: معنى: خُذِ الْعَفْوَ اقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عَفْواً، دون تكلُّف، فالعَفْوُ هنا: الفَضْل والصفو، قال مكِّيٌّ قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ...
الآية.
قال بعض أهْل المعاني، في هذه الآية بيان قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلَمِ» «٤» فهذه الآية قد جَمَعَتْ معاني كثيرةً، وفوائدَ عظيمةً، وجمعتْ كلَّ خُلُقٍ حَسَن لأَنَّ في أخذ العَفْوِ صلَةُ القاطعينِ، والصفْحَ عن الظالِمينَ، وإِعطاءَ المانعين، وفي الأَمر بالمعروف تَقْوَى اللَّه وطاعته، وصِلة الرحِمِ، وصَوْن الجوارحِ عن المحرِّمات، وسمَّي هذا ونحوه عُرْفاً لأن كلَّ نَفْس تعرفه، وتركَنُ إِليه، وفي الإِعراض عن الجاهلين: الصبرُ، والحِلْم، وتنزيهُ النفْس عن مخاطبةِ السفيه، ومنازعةِ اللَّجوج، وغيرُ ذلك من الأفعال المرضية.
انتهى من «الهداية» .
وقوله: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ: معناه: بكلِّ ما عرفَتْه النفوسُ ممَّا لا تردُّه الشريعة ومِنْ ذلك: «أَنْ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنَ ظلمك ...
» الحديث «٥» ،
قَوْلُهُ تَعالى: ( إذا مَسَّهم طَيْف ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "طَيْفٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ" بِألِفٍ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ: "طَيَّفٌ" بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وهَلِ الطّائِفُ والطَّيْفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ يَخْتَلِفانِ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما ما كانَ كالخَيالِ والشَّيْءِ يُلِمُّ بِكَ، حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ.
وقالَ الأخْفَشُ: الطَّيْفُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ الطّائِفِ، قالَ الشّاعِرُ: ألا بِالقَوْمِ لَطَيْفُ الخَيالِ أرَقُّ مِن نازِحٍ ذِي دَلالِ والثّانِي: أنَّ الطّائِفَ: ما يَطُوفُ حَوْلَ الشَّيْءِ، والطَّيْفُ اللَّمَّةُ والوَسْوَسَةُ والخَطِرَةُ، حُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ، والطَّيْفُ: الغَضَبُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطّائِفُ: الفاعِلُ مِنَ الطَّيْفِ؛ والطَّيْفِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: اللَّمَمُ مِنَ الشَّيْطانِ؛ وزَعَمَ مُجاهِدٌ أنَّهُ الغَضَبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَذَكَّرُوا اللَّهَ إذا هَمُّوا بِالمَعاصِي فَتَرَكُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تُفَكِّرُوا فِيما أوْضَحَ اللَّهُ لَهم مِنَ الحُجَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ؛ والمَعْنى: إذا جَرَّأهُمُ الشَّيْطانُ عَلى ما لا يَحِلُّ، تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ، أمْسَكُوا، فَإذا هم مُبْصِرُونَ لَمَواضِعِ الخَطَإ بِالتَّفَكُّرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "مِن دُونِهِ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، وهَذا الضَمِيرٌ مُصَرِّحٌ بِما ذَكَرْناهُ مَن ضَعْفِ قِراءَةِ مَن قَرَأ: "إنَّ ولِيَّ اللهِ" عَلى أنَّهُ جِبْرِيلُ ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأصْنامِ وفَسادِها وعَجْزِها عن نُصْرَةِ أنْفُسِها فَضْلًا عن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَدْعُوهُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ وأُمَّتِهِ، والهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: "تَدْعُوهُمْ" لِلْكُفّارِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ إذْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم عَنِ النَظَرِ والِاسْتِماعِ فائِدَةٌ ولا حَصَّلُوا مِنهُ بِطائِلٍ، قالَهُ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ بِالضَمِيرِ المَذْكُورِ الأصْنامُ ووَصْفُهم بِالنَظَرِ كِنايَةٌ عَنِ المُحاذاةِ والمُقابَلَةِ وما فِيها مِن تَخْيِيلِ النَظَرِ كَما تَقُولُ: دارُ فُلانٍ تَنْظُرُ إلى دارِ فُلانٍ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا تَبْيِينُ جُمُودِيَّةِ الأصْنامِ وصِغَرِ شَأْنِها، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى الِاحْتِجاجِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ولا يَرَوْنَهُ، ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ لِأنَّ النَظَرَ في الأصْنامِ مَجازٌ مَحْضٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما تَكَرَّرَ القَوْلُ في هَذا وتَرَدَّدَتِ الآياتُ فِيهِ لِأنَّ أمْرَ الأصْنامِ وتَعْظِيمِها كانَ مُتَمَكِّنًا في نُفُوسِ العَرَبِ في ذَلِكَ الزَمَنِ ومُسْتَوْلِيًا عَلى عُقُولِها فَأُوعِبَ القَوْلُ في ذَلِكَ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ الآيَةُ، وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وأمْرٌ بِجَمِيعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وقالَ الجُمْهُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ : إنَّ مَعْناهُ: اقْبَلْ مِنَ الناسِ في أخْلاقِهِمْ وأقْوالِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ما أتى عَفْوًا دُونَ تَكَلُّفٍ، فالعَفْوُ هُنا: الفَضْلُ والصَفْوُ الَّذِي تَهَيَّأ دُونَ تَحَرُّجٍ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ في مُصَنَّفِ البُخارِيِّ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعُرْوَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطائِيِّ: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ∗∗∗ ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في الأمْوالِ، وَقِيلَ: هي قَبْلَ فَرْضِ الزَكاةِ، أُمِرَ بِها رَسُولُ اللهِ أنْ يَأْخُذَ ما سَهُلَ مِن أمْوالِ الناسِ، و"عَفا" أيْ: فَضَلَ وزادَ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَفا النَباتُ والشَعْرُ" أيْ كَثُرَ، ثُمَّ نَزَلَتِ الزَكاةُ وحُدُودُها فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ، وذَكَرَ مَكِّيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ مَعْناهُ: خُذِ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا شاذٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ مَعْناهُ: بِكُلِّ ما عَرَفَتْهُ النُفُوسُ مِمّا لا تَرُدُّهُ الشَرِيعَةُ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِجِبْرِيلَ: "ما هَذا العُرْفُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؟
قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَسَألَهُ، ثُمَّ جاءَهُ فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، هو أنْ تُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا نَصْبُ غاياتٍ: والمُرادُ: فَما دُونُ هَذا مِن فِعْلِ الخَيْرِ.
وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ - "بِالعُرْفِ" بِضَمِّ الراءِ، والعُرْفُ والعُرُفُ بِمَعْنى: المَعْرُوفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ حُكْمُ مُتَرَتِّبٌ مُحْكَمٌ مُسْتَمِرٌّ في الناسِ ما بَقُوا، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ إلى ﴿ الجاهِلِينَ ﴾ : إنَّما أُمِرَ النَبِيُّ بِذَلِكَ مُداراةً لِكَفّارِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَيْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدِيثُ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ أدْخَلَ عَمَّهُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، لِأنَّ الحُرَّ احْتَجَّ بِها عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَرَّرَها ووَقَفَ عِنْدَها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ ﴾ وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، والنَزْغُ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَيْطانِ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةُ مُفْسِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدَيْهِ".» فالمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: فَإمّا تُلِمَّنَّ بِكَ لَمَّةٌ مِنَ الشَيْطانِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ.
ونَزْعُ الشَيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ التِرْمِذِيِّ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهاتانِ اللَمَّتانِ هي الخَواطِرُ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، و"سَمِيعٌ" في هَذِهِ الآيَةِ يَصْلُحُ مَعَ الِاسْتِعاذَةِ، ويَصْلُحُ أيْضًا مَعَ ما يَقُولُ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ الأقاوِيلِ فَيُغْضِبُهُ الشَيْطانُ لِذَلِكَ، و"عَلِيمٌ" كَذَلِكَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ: "أعُوذُ بِاللهِ السَمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ".
<div class="verse-tafsir"
وهذا الأمر مراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداء وهو شامل لأمته.
(إما) هذه هي (إنْ) الشرطية اتصلت بها (ما) الزايدة التي تزاد على بعض الأسماء غير أدوات الشروط فتصيرها أدواتِها، نحو (مهما) فإن أصلها مَاما، ونحو (إذما) و(أينما) و(أيانَما) و(حيثما) و(كيفما) فلا جرم أن (مَا) إذا اقترنت بما يدل على الشرط أكتسبته قوةَ شرطية فلذلك كتبت (إما) هذه على صُورة النطق بها ولم تكتب مفصولة النون عن (مَا).
والنزغ النخس والغرز، كذا فسره في «الكشاف» وهو التحقيق، وأما الراغب وابن عطية فقيداه بأنه دخول شيء في شيء لإفساده، (قلتَ: وقريبٌ منه الفسخ بالسين وهو الغرز بإبرة أو نحوها للوشْم) قال ابن عطية «وقلّما يُستعمل في غير فعل الشيطان ﴿ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ﴾ [يوسف: 100].
وإطلاق النزغ هنا على وسوسة الشيطان استعارة: شبه حدوث الوسوسه الشيطانية في النفس بنزغ الإبرة ونحوها في الجسم بجامع التأثير الخفي، وشاعت هذه الاستعارة بعد نزول القرءان حتى صارت كالحقيقة.
والمعنى أن ألقى إليك الشيطان ما يخالف هذا الأمر بأن سوّل لك الأخذ بالمعاقبة أوْ سَوّل لك تركَ أمرهم بالمعروف غضباً عليهم أو يأساً من هداهم، فاستعذ بالله منه ليدفع عنك حرجه ويشرح صدرك لمحبة العمل بما أمرت به.
والاستعاذة مصدر طَلب العوذ، فالسين والتاء فيها للطلب، والعوذ: الإلتجاء إلى شيء يدفع مكروهاً عن الملتجيء، يقال: عاذ بفلان، وعاذ بالحرَم، وأعاذه إذا منعه من الضر الذي عَاذ من أجله.
فأمرَ الله بدفع وسوسة الشيطان بالعوذ بالله، والعوذُ بالله هو الالتجاء إليه بالدعاء بالعصمة، أو استحضار ما حدده الله له من حدود الشريعة، وهذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الالتجاء إلى الله فيما عسر عليه، فإن ذلك شكر على نعمة الرسالة والعصمة، فإن العصمة من الذنوب حاصلة له، ولكنه يشكر الله بإظهار الحاجة إليه لادامتها عليه، وهذا مثل استغفار الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث «صحيح مسلم» " إنه ليُغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة " فالشيطان لا ييأس من إلقاء الوسوسة للأنبياء لأنها تنبعث عنه بطبعه، وإنما يترصد لهم مواقع خفاء مقصده طمعاً في زلة تصدر عن أحدهم، وإن كان قد علم أنه لا يستطيع إغواءهم، ولكنه لا يفارقه رجاء حملهم على التقصير في مراتبهم، ولكنه إذا ما هم بالوسوسة شعروا بها فدفعوها، ولذلك علم الله رسوله عليه الصلاة والسلام الاستعانة على دفعها بالله تعالى.
روى الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينُه من الجن وقرينُه من الملائكة " قالوا وأنت يا رسول الله، قال " وأنا ولكن الله أعانني عليه فأسلم " روي قوله: «فأسْلم» بفتح الميم بصيغة الماضي والهمزة أصلية، صار الشيطان المقارن لهُ مُسلماً، وهي خصوصية للنبيء صلى الله عليه وسلم وروي بضم الميم بصيغة المضارع، والهمزة للمتكلم: أي فأنا أسْلم من وسوسته وأحسب أن سبب الاختلاف في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نطق به موقوفاً عليه.
وهذا الأمر شامل للمؤمنين وحظ المؤمنين منه أقوى لأن نزغ الشيطان إياهم أكثر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة فليس للشيطان عليه سبيل.
وجملة: ﴿ إنه سميع عليم ﴾ في موقع العلة للأمر بالاستعاذة من الشيطان بالله على ما هو شأن حرف (إن) إذا جاء في غير مقام دَفع الشك أو الإنكارِ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك ولا يتردد فيه، والمراد: التعليل بِلازم هذا الخبر، وهو عوذه مما استعاذه منه، أي: أمرناك بذلك لأن ذلك يعصمك من وسوسته لأن الله سميع عليم.
و«السميع»: العالم بالمسموعات، وهو مراد منه معناه الكنائي، أي عليم بدعائك مستجيب قابِل للدعوة، كقول أبي ذؤيب: دَعاني إليها القلب إني لامْرِه *** سَميع فما أدْري أرُشْدٌ طِلابُها أي ممتثل، فوصفُ ﴿ سميع ﴾ كناية عن وعد بالإجابة.
وإتْباعه بوصف ﴿ عليم ﴾ زيادة في الإخبار بعموم علمه تعالى بالأحوال كلها، لأن وصف ﴿ سميع ﴾ دل على أنه يعلم استعاذة الرسول عليه الصلاة والسلام ثم أتبعه بما يدل على عموم العلم، وللإشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم بمحل عنايه الله تعالى فهو يعلم ما يريد به الشيطان عدوُه، وهذا كناية عن دفاع الله عن رسوله كقوله: ﴿ فإنك بأعْيُننا ﴾ [الطور: 48] وأن أمره بالاستعاذة وقوف عند الأدب والشكرِ وإظهارِ الحاجة إلى الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العَفْوُ مِن أخْلاقِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: خُذِ العَفْوَ مِن أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ ثُمَّ نُسِخَ بِها، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: خُذِ العَفْوَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهَذا قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ بِالمَعْرُوفِ، قالَهُ عُرْوَةُ وقَتادَةُ.
والثّانِي: ما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ لِجِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ يا جِبْرِيلُ ما هَذا؟
قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، قالَ (ثُمَّ عادَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ فَإنْ قِيلَ فَكَيْفَ أمَرَ بِالإعْراضِ مَعَ وُجُوبِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ؟
قِيلَ: إنَّما أرادَ الإعْراضَ عَنِ السُّفَهاءِ اسْتِهانَةً بِهِمْ.
وَهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو تَأْدِيبٌ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ النَّزْغَ الِانْزِعاجُ.
والثّانِي: الغَضَبُ.
والثّالِثُ: الفِتْنَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ سَمِيعٌ بِجَهْلِ مَن جَهِلَ، عَلِيمٌ بِما يُزِيلُ عَنْكَ النَّزْغَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ [ الأعراف: 199] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كيف يا رب والغضب، فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ...
﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ قال: علم الله أن هذا العدو مبتغ ومريد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه.
قال: همزه الموتة، ونفثه الشعر: ونفخه الكبرياء» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ ﴾ نزغ الشيطان وسوسته بالتشكيك في الحق والأمر بالمعاصي أو تحريك لغضب، فأمر الله بالاستعاذة منه عند ذلك، كما ورد في الحديث: «أن رجلاً اشتد غضبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما به: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ﴿ طائف مِّنَ الشيطان ﴾ معناه لمه منه، كما جاء: «إن للشيطان لمة وللملك لمة» ، ومن قرأ طائف بالألف، فهو اسم فاعل ومن قرأ طيف بياء ساكنة، فهو مصدر أو تخفيف من طيف المشدّد، كمّيت وميت ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ حذف مفعوله ليعم كل ما يذكر من خوف عقاب الله، أو رجاء ثوابه أو مراقبته والحياء منه، أو عداوة الشيطان والاستعاذة منه والنظر والاعتبار وغير ذلك ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ هو من بصيرة القلب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ طيف ﴾ بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.
الباقون: ﴿ طائف ﴾ على وزن "فاعل" ﴿ يمدونهم ﴾ من الإمداد: أبو جعفر ونافع.
الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿ العفو وأمر ﴾ مدغماً: أبو عمرو.
وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مبصرون ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿ لا يقصرون ﴾ ه ﴿ اجتبيتها ﴾ ط ﴿ من ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ من الغافلين ﴾ ه ﴿ يسجدون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة.
واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله ﴿ خذ العفو ﴾ ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو والمعروف.
والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق.
ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله : "يا جبرائيل ما هذا؟
فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" .
قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل.
يروى عن جعفر الصادق : ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا ﴿ خذ العفو ﴾ أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال.
والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي.
وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ.
قال أبو زيد: لما نزل قوله ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله : كيف يا رب والغضب؟
فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه.
عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب.
ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .
قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة.
والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه قبل تلك الوسوسة منه؟
ولو سلم فمحمول على ترك الأولى.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنه سميع عليم ﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.
ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ﴾ قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء.
والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً.
ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين.
قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته.
ومفعول ﴿ تذكروا ﴾ محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد.
واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال : "من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنهربما انقلب الضعيف قوياً.
وبالجملة فالمراد من قوله ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله ﴿ تذكروا ﴾ الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿ أولياؤهم الطاغوت ﴾ والضمير المرفوع في ﴿ يمدون ﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له.
والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي.
وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له.
قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن ﴿ إخوانهم ﴾ في مقابلة ﴿ الذين اتقوا ﴾ قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله ﴿ إنما نمدهم به من مال ﴾ \[المؤمنون: 55\] ﴿ وأمددناهم بفاكهة ﴾ ﴿ أتمدونن بمال ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ أما قوله ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ فالإقصار الكف عن الشيء.
قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.
ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ ثم إنه ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر.
والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟
وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿ إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي ﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها.
ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿ هذا ﴾ يعني القرآن ﴿ بصائر ﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿ هدى ﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان.
فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإنصات السكوت للاستماع.
قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر.
وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت.
وقال قتادة.
كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت.
ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.
وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه.
وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع.
واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا.
والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع.
وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور.
وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز.
قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.
وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام.
هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة.
وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله ﴿ ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق.
وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه.
ثم أمر نبيه وأمته تبعيته بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء.
والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء.
قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه.
قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة.
الثالث والرابع: ﴿ تضرعاً وخيفة ﴾ أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية.
والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة.
الخامس: قوله ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء.
قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.
السادس: قوله ﴿ بالغدو والآصال ﴾ والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته.
وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.
وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته.
إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.
وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.
السابع: قوله ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ فيداومون على ذلك ﴿ ويسبحونه ﴾ يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم ﴿ وله يسجدون ﴾ بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح.
وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح.
والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق.
التأويل: ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿ من الشيطان نزغ ﴾ في طلب غير الله ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من طلب غير الله ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال : "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.
﴿ طائف من الشيطان ﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿ وإخوانهم ﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ أي لم تأت القلوب ﴿ بآية ﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿ قالوا ﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿ قل إنما أتبع ﴾ إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني.
﴿ فاستمعوا ﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿ وأنصتوا ﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر" فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿ تضرعاً ﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿ وخيفة ﴾ في الوسط ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ﴿ ولا تكوننَّ من الغافلين ﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿ يسبحونه ﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿ وله يسجدون ﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.
قوله - عز وجل -: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: على حقيقة الأخذ.
والثاني: على العمل بالعفو.
فإن كان على الأخذ فهو على وجهين: [الأول:] يحتمل أن خذ الفضل الذي لا حق فيه، وهو القليل من ذلك واليسير.
والثاني: أن خذ ما يفضل من أنفسهم وحوائجهم من غير مسألة، أي: اقبل منهم ما أعطوك، ولا تلح في المسألة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ ﴾ ؛ أخبر أنه إن يسألهم أموالهم حملهم ذلك على البخل.
وإن كان على العمل فهو على وجوه: أي: اعف [عن] الظلمة، عن ظلمهم، وأعرض عن السفهاء واحلم معهم؛ أمر رسول الله أن يعامل الخلق بأشياء ثلاثة: أمر أن يعفو عن الظلمة عن ظلمهم، لا يكافئهم بظلمهم، وأمر أن يعرض عن السفهاء والجهال ويحلم معهم، وأمر أن يعامل المؤمنين باللين والرفق؛ ولذلك وصفه بالرحمة والرأفة بقوله: ﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وروي عن عبد الله بن الزبير قال: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس.
وعن قتادة: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ قال: خلق حسن أمر الله به نبيه ودعاه إليه.
إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وإلى ذلك صرف تأويل الآية.
وقال بعضهم: هو أخذ الفضل من المال على ما ذكرنا؛ فهو منسوخ بآية الزكاة.
وروي في حرف ابن مسعود وأبي: (خذ العفو وأمر بالعرف وانه عن المنكر وأعرض عن الجاهلين).
وفيه دلالة [أنه] أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمعروف: هو اسم كل خير، وأمره بأن يأخذ بالعفو عن الظلمة، على ما ذكرنا، وعلى ذلك روي عن عائشة قالت: "كان رجل يشتم رسول الله ويؤذيه، فدخل على رسول الله ، فأوسع له، وأدناه، ورحب به؛ قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس هذا كان يشتمك؟
قال: بلى يا عائشة؛ إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرورهم وألسنتهم" إلى مثل هذا دعى رسول الله بالعفو والصفح عن الظلمة وترك المكافأة.
وقوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ أي: مر الناس بالعرف، وهو ما تشهد خلقتك وتأمرك به أشياء ثلاثة، اثنان فيما بينه وبين ربه، والواحد فيما بينه وبين الناس؛ أمّا الاثنان اللذان فيما بينه وبين ربه: أحدهما: تأمر خلقته، وتشهد على وحدانية الله، والدلالة على ألوهيته.
والثاني: تشهد على نعم الله إليه فيدعوه إلى الشكر له فيما أنعم [الله] عليه.
وأما الوجه الذي تدعو خلقته فيما بينه وبين الناس: فهو ما ترغب نفسه في كل محاسن ومرغوب فيه، وتنفر نفسه عن كل أذى وسوء، فأمر رسول الله أن يعامل الخلق بما ترغب نفسه وتطمع في المحاسن، وتنفر عنه وتكره، يفعل إليهم في كل ما ترغب نفسه فيه وتطمع، ويمتنع عن كل أذى وسوء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ .
قال بعضهم: النزغة هي أدنى أفعال المعصية؛ وكذلك فسره ابن عباس - - يقول: إذا أذنبت ذنباً فاستعذ بالله.
وقال القتبي: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ أي: يستخفنك، ويقال: نزغ شيئاً: إذا أفسده.
وقال أبو عوسجة: النزغ: التحريك للفساد.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: يوسوسك الشيطان وسوسة فاستعذ بالله.
ثم في الاستعاذة وجهان: أحدهما: أمره بالفزع إلى الله عند ما يوسوسه الشيطان والالتجاء إليه؛ لما رأى نفسه عاجزة عن دفع ما يوسوس إليه، ورد ما يكون؛ فهو الدافع عنه ذلك وهو الراد.
وقال الخليل: أعوذ بالله، أي: ألجأ إلى الله - - وكذلك قوله: أستعيذ بالله، ومعاذ الله معناه: أعوذ بالله، ومنه الإعاذة والتعوذ والتعويذ.
وقال غيره: أعوذ بالله، أي: أمتنع بالله.
وقيل: أعوذ بالله، أي: أتحصن بالله.
وقيل: الاستعاذة: هي الاستغاثة بالله؛ لدفع ما اعترض له من الشيطان.
وكله قريب بعضه من بعض.
ثم الحكمة فيما جعل عدوهم من غير جنسهم من حيث لا يرونه ويراهم وجهان: أحدهما: ليكونوا أبداً على التيقظ والانتباه، غير غافلين عنه.
والثاني: ليكونوا أبداً فزعين إلى الله - - متضرعين إليه، مبتهلين؛ ليكون هو الحافظ لهم، والدافع عنهم شره ووسواسه.
وفيما أمر بالفزع إلى الله والاستعاذة به عند نزغ الشيطان نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: قد أعطاهم جميع ما يدفعون به وساوسه ونزغاته، حتى لم يبق عنده شيء يعيذه؛ فعلى قولهم يخرج طلب الإعاذة مخرج كتمان النعمة، أو مخرج الهزء به؛ [أما الهزء به] لأنه يسأله ما يعلم أنه ليس ذلك عنده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .
وقرئ: (طيف من الشيطان)؛ فمن قرأ: (طيف) قال: [أي] اللمة [و] الخطرة [و] الشيء يغشيك.
وقال: وأما الطائف فهو من الطواف.
وقيل: الطيف: الوسوسة.
وقيل: ما يأتيك من الشيطان.
وقيل: الطائف والطيف سواء.
وعن ابن عباس: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ قال: إذا أذنبوا ذنباً ﴿ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ يقول: تذكروا ذنوبهم فتابوا منها، وكذلك قال في قوله: ﴿ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ : هو أدنى ذنب يرتكبه، فإن كان على هذا فهو يخرج على النهي عن ذلك، فهو كالمخاطبات التي خاطب بها رسول الله كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، وإن كان يعلم أنه لا يشك ولا يجهل ولا يشرك غيره في أمره؛ فعلى ذلك هذا الخطاب الذي خاطبه بقوله: ﴿ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .
وإن كان ما ذكر هو من أدنى ذنب يرتكبه، فهو يخرج ذلك على تعليمه أمته أن كيف يفعلون إذا اعترض لهم ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ .
[يحتمل أن يكون قوله]: ﴿ ٱتَّقَواْ ﴾ مكائد الشيطان؛ إذا أصابهم شيء من ذلك تذكروا ذلك، فعرفوا أنه من الشيطان، ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ أي: أبصروا أنه من الشيطان.
أو أن يقال: أي: هم من أهل البصر يبصرون عما اتقوا به أنه من الشيطان.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ المعاصي، إذا أصابتهم وسوسة من الشيطان تذكروا ذلك.
وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: اتقوا الشرك، لكن لا كل من اتقى الشرك يكون كما ذكر.
وقوله: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ...
﴾ الآية.
يحتمل وجوهاً: أحدها: إذا مسهم ذلك تابوا عما كان منهم؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً...
﴾ الآية [آل عمران: 135].
والثاني: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ وجوه حيل دفع وساوسه.
والثالث: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ استعاذوا به حيث أمرهم بالاستعاذة به عند النزغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعني: إخوان الكفار الشياطين، ﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ﴾ قالوا: في الشرك والمعصية، ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ ، عنها؛ أي: لا ينتهون عنها، ولا يبصرونها كما أبصر الذين اتقوا عنها حين أبصروها.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعني: أصحاب الذين اتقوا، وهم شياطينهم من الإنس يدعونهم إلى دينهم، لكنهم لا يجيبونهم ولا يطيعونهم فيما يدعون إليه؛ إذ يجوز أن يكون لكل مؤمن شيطان من الإنس وشيطان من الجن؛ كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ ﴾ فقد دعا أولئك شياطين الجن فتذكروا فلم يجيبوهم، ثم دعاهم شياطين الإنس - أيضاً - فلا يجيبونهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإذا أحسسَت -أيها الرسول- أن الشيطان أصابك بوسوسة أو تَثْبيط عن فعل الخير فالتجئ إلى الله، واعتصم به، فإنه سميع لما تقوله، عليم بالتجائك، فسيحميك من الشيطان.
<div class="verse-tafsir" id="91.3Gy5K"