الآية ١٩٩ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٩٩ من سورة الأعراف

خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ ١٩٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٩ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( خذ العفو ) يعني : خذ ما عفا لك من أموالهم ، وما أتوك به من شيء فخذه .

وكان هذا قبل أن تنزل " براءة " بفرائض الصدقات وتفصيلها ، وما انتهت إليه الصدقات .

قاله السدي .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( خذ العفو ) أنفق الفضل .

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : قال : الفضل .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( خذ العفو ) أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين ، ثم أمره بالغلظة عليهم .

واختار هذا القول ابن جرير .

وقال غير واحد ، عن مجاهد في قوله تعالى : ( خذ العفو ) قال : من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسس وقال هشام بن عروة ، عن أبيه : أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس .

وفي رواية قال : خذ ما عفا لك من أخلاقهم .

وفي صحيح البخاري ، عن هشام ، عن أبيه عروة ، عن أخيه عبد الله بن الزبير قال : إنما أنزل ) خذ العفو ) من أخلاق الناس وفي رواية لغيره : عن هشام ، عن أبيه ، عن ابن عمر .

وفي رواية : عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك والله أعلم .

وفي رواية سعيد بن منصور ، عن أبي معاوية ، عن هشام ، عن وهب بن كيسان ، عن ابن الزبير : ( خذ العفو ) قال : من أخلاق الناس ، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم .

وهذا أشهر الأقوال ، ويشهد له ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا : حدثنا يونس حدثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن أمي قال : لما أنزل الله ، عز وجل ، على نبيه صلى الله عليه وسلم : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما هذا يا جبريل ؟

" قال : إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك .

وقد رواه ابن أبي حاتم أيضا ، عن أبي يزيد القراطيسي كتابة ، عن أصبغ بن الفرج ، عن سفيان ، عن أمي عن الشعبي .

نحوه ، وهذا - على كل حال - مرسل ، وقد روي له شاهد من وجوه أخر ، وقد روي مرفوعا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أسندهما ابن مردويه وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا معاذ بن رفاعة ، حدثني علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن عقبة بن عامر ، رضي الله عنه ، قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته ، فأخذت بيده ، فقلت : يا رسول الله ، أخبرني بفواضل الأعمال .

فقال : " يا عقبة ، صل من قطعك ، وأعط من حرمك ، وأعرض عمن ظلمك " .

وروى الترمذي نحوه ، من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد ، به .

وقال حسن قلت : ولكن " علي بن يزيد " وشيخه " القاسم أبو عبد الرحمن " ، فيهما ضعف .

وقال البخاري قوله : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) " العرف " : المعروف .

حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن ابن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة ، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس - وكان من النفر الذين يدنيهم عمر - وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته - كهولا كانوا أو شبابا - فقال عيينة لابن أخيه : يابن أخي ، لك وجه عند هذا الأمير ، فاستأذن لي عليه .

قال : سأستأذن لك عليه .

قال ابن عباس : فاستأذن الحر لعيينة ، فأذن له عمر [ رضي الله عنه ] فلما دخل عليه قال : هي يا ابن الخطاب ، فوالله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل .

فغضب عمر حتى هم أن يوقع به ، فقال له الحر : يا أمير المؤمنين ، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وإن هذا من الجاهلين ، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب الله ، عز وجل .

انفرد بإخراجه البخاري وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني مالك بن أنس ، عن عبد الله بن نافع ; أن سالم بن عبد الله بن عمر مر على عير لأهل الشام وفيها جرس ، فقال : إن هذا منهي عنه ، فقالوا : نحن أعلم بهذا منك ، إنما يكره الجلجل الكبير ، فأما مثل هذا فلا بأس به .

فسكت سالم وقال : ( وأعرض عن الجاهلين ) وقول البخاري : " العرف : المعروف " نص عليه عروة بن الزبير ، والسدي ، وقتادة ، وابن جرير ، وغير واحد .

وحكى ابن جرير أنه يقال : أوليته عرفا ، وعارفا ، وعارفة ، كل ذلك بمعنى : " المعروف " .

قال : وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف ، ويدخل في ذلك جميع الطاعات ، وبالإعراض عن الجاهلين ، وذلك وإن كان أمرا لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم ، لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله ، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته ، وهو للمسلمين حرب .

وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) قال : هذه أخلاق أمر الله [ عز وجل ] بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، ودله عليها .

وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى ، فسبكه في بيتين فيهما جناس فقال : خذ العفو وأمر بعرف كما أمرت وأعرض عن الجاهلين ولن في الكلام لكل الأنام فمستحسن من ذوي الجاه لين وقال بعض العلماء : الناس رجلان : فرجل محسن ، فخذ ما عفا لك من إحسانه ، ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يحرجه .

وإما مسيء ، فمره بالمعروف ، فإن تمادى على ضلاله ، واستعصى عليك ، واستمر في جهله ، فأعرض عنه ، فلعل ذلك أن يرد كيده ، كما قال تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) [ المؤمنون : 96 - 98 ] وقال تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها ) أي هذه الوصية ( إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) [ فصلت : 34 - 36 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم: تأويله: (خذ العفو) من أخلاق الناس, وهو الفضل وما لا يجهدهم.

(7) * ذكر من قال ذلك: 15535 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم, عن مجاهد, في قوله: (خذ العفو) قال: من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس.

(8) 15536 - حدثنا يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد في قوله: (خذ العفو) قال: عفو أخلاق الناس, وعفوَ أمورهم.

15537 - حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني ابن أبي الزناد, عن هشام بن عروة, عن أبيه في قوله: (خذ العفو)، ..

الآية.

قال عروة: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.

(9) 15538 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن ابن الزبير قال: ما أنـزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس: (خذ العفو وأمر بالعرف)، الآية.

(10) 15539 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد: (خذ العفو)، من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس.

(11) 15540 - ....

قال: حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن وهب بن كيسان, عن ابن الزبير: (خذ العفو) قال: من أخلاق الناس, والله لآخذنَّه منهم ما صحبتم.

(12) 15541 - ....

قال: حدثنا عبدة بن سليمان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن ابن الزبير (13) قال: إنما أنـزل الله: (خذ العفو)، من أخلاق الناس.

15542 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (خذ العفو) قال: من أخلاق الناس وأعمالهم، من غير تحسس =أو تجسس, شك أبو عاصم.

(14) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: خذ العفو من أموال الناس, وهو الفضل.

قالوا: وأمر بذلك قبل نـزول الزكاة, فلما نـزلت الزكاة نُسِخ.

* ذكر من قال ذلك: 15543 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله (خذ العفو)، يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم, وما أتوك به من شيء فخذه.

فكان هذا قبل أن تنـزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت الصدقات إليه.

15544 - حدثني محمد بن الحسين.

قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (خذ العفو)، أما " العفو ": فالفضل من المال, نسختها الزكاة.

15545 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك, يقول في قوله: (خذ العفو)، يقول: خذ ما عفا من أموالهم.

وهذا قبل أن تنـزل الصدقة المفروضة.

* * * وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالعفو عن المشركين، وترك الغلظة عليهم قبل أن يفرض قتالهم عليه.

* ذكر من قال ذلك: 15546 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (خذ العفو) قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة.

قال: ثم أمره بالغلظة عليهم، وأن يقعد لهم كل مَرْصَد ، وأن يحصرهم, ثم قال: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ ، [سورة التوبة: 5 ] الآية، كلها.

وقرأ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ، [سورة التوبة: 73 / : ] قال وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم, فقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ، [سورة التوبة: 123] بعدما كان أمرهم بالعفو.

وقرأ قول الله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ، [سورة الجاثية: 14] ثم لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل, فنسخت هذه الآية العفو.

(15) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: خذ العفو من أخلاق الناس, واترك الغلظة عليهم = وقال: أُمر بذلك نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في المشركين.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك تعليمَه نبيَّه صلى الله عليه وسلم محاجَّته المشركين في الكلام, وذلك قوله: قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ، وعقَّبه بقوله: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ * وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا ، فما بين ذلك بأن يكون من تأديبه نبيَّه صلى الله عليه وسلم في عشرتهم به، (16) أشبهُ وأولى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة من المسلمين.

* * * فإن قال قائل: أفمنسوخ ذلك؟

قيل: لا دلالة عندنا على أنه منسوخ, إذ كان جائزًا أن يكون = وإن كان الله أنـزله على نبيه صلى الله عليه وسلم في تعريفه عشرةَ من لم يُؤْمَر بقتاله من المشركين = مرادًا به تأديبُ نبيّ الله والمسلمين جميعًا في عشرة الناس، وأمرهم بأخذ عفو أخلاقهم, فيكون وإن كان من أجلهم نـزل تعليمًا من الله خلقه صفةَ عشرة بعضهم بعضًا, [إذا] لم يجب استعمال الغلظة والشدة في بعضهم, (17) فإذا وجب استعمال ذلك فيهم، استعمل الواجب, فيكون قوله: (خذ العفو)، أمرًا بأخذه ما لم يجب غيرُ العفو, فإذا وجب غيره أخذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك.

فلا يحكم على الآية بأنها منسوخة، لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كتبنا.

(18) * * * وأما قوله: (وأمر بالعرف)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم بما: - 15547 - حدثني الحسن بن الزبرقان النخعي قال: حدثني حسين الجعفي, عن سفيان بن عيينة, عن رجل قد سماه قال: لما نـزلت هذه الآية: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، ما هذا؟

قال: ما أدري حتى أسأل العالِم!

قال: ثم قال جبريل: يا محمد، إن الله يأمرك أن تَصِل مَن قطعك, وتعطي من حرمك, وتعفو عمن ظلمك.

(19) 15548 - حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان, عن أمَيّ قال: لما أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جبريل؟

قال: إن الله يأمرك أن تعفوَ عمن ظلمك, وتعطيَ من حرمك, وتصل من قطعك.

(20) * * * وقال آخرون بما:- 15549 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه: {وأمر بالعرف}، يقول: بالمعروف.

15550 - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: {وأمر بالعرف} قال: أما العرف: فالمعروف.

15551 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: {وأمر بالعرف}، أي: بالمعروف.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس بالعرف =وهو المعروف في كلام العرب, مصدر في معنى: " المعروف ".

* * * يقال: " أوليته عُرْفًا، وعارفًا، وعارفةً" (21) كل ذلك بمعنى: " المعروف ".

(22) * * * فإذا كان معنى العرف ذلك, فمن " المعروف " صلة رحم من قطع, وإعطاء من حرم, والعفو عمن ظلم.

وكل ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه، فهو من العرف.

ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى; فالحق فيه أن يقال: قد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف كله، لا ببعض معانيه دون بعض.

* * * وأما قوله: (وأعرض عن الجاهلين)، فإنه أمر من الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمن جهل.

(23) وذلك وإن كان أمرًا من الله نبيَّه, فإنه تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم, (24) لا بالإعراض عمن جهل الواجبَ عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته, وهو للمسلمين حَرْبٌ.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15552 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال: أخلاقٌ أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم, ودلَّه عليها.

-------------------- الهوامش : (7) ( 1 ) انظر تفسير (( العفو )) فيما سلف 4 : 337 - 343 .

(8) ( 2 ) في المخطوطة هنا ، وفي الذي يليه رقم : 15539 (( تحسيس )) بالياء ، ولا أدرى ما هو .

و (( تحسس الشيء )) تبحثه وتطلبه ، كأنه يعني الاستقصاء في الطلب ، يؤيد هذا ما سيأتي برقم : 15542 .

(9) ( 1 ) الأثر : 15537 - رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 229 ) من طريق عبد الله بن براد ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير .

وانظر ما قاله فيه الحافظ ابن حجر .

(10) ( 2 ) الأثر : 15538 - (( هشام بن عروة بن الزبير )) ، ثقة ، معروف ، مضي مرارًا .وأبوه (( عروة بن الزبير )) ، يروى عن أخيه (( عبد الله بن الزبير )) .

وكان في المطبوعة هنا : (( عن أبي الزبير )) ، وهو خطأ، صوابه ما كان في المخطوطة .

وهذا خبر صحيح ، رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 299 ) وسيأتي برقم 15541 ، بإسناد آخر (11) انظر التعليق السالف ، ص : 326 رقم : 2 .

(12) الأثر : 15540 - (( ابن الزبير )) ، وهو (( عبد الله بن الزبير )) ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا (( أبي الزبير )) ، وهو خطأ صححناه آنفاً .

(13) في المطبوعة هنا (( عن أبي الزبير )) ، وهو خطأ كما أسلفت .

(14) ((التجسس )) ، مثل (( التحسس )) ، مع خلاف يسير ، وانظر ما سلف ص : 326 ، تعليق رقم : 2 .

(15) مضي خبر آخر برقم : 4175 ، فيه ذكر هذه الآية ، وتفسيرها بذلك عن ابن عباس .

(16) قوله : (( به )) في آخر الجملة ، متعلق بقوله في أولها (( من تأديبه )) ، كأنه قال (( من تأديبه به )) ، أي بهذا الذي بين الآيتين .

(17) في المطبوعة (( لم يجب )) ، بغير (( إذا )) ، فوضعتها بين قوسين ، فالسياق يتطلبها ، وإلا اضطرب الكلام .

(18) انظر مقالة أبي جعفر في (( النسخ )) فيما سلف من فهارس الأجزاء الماضية .

(19) الأثر : 15547 - (( الحسن بن الزبرقان النخعي )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 2995 .

والرجل الذي لم يسم في هذا الخبر هو (( أمي بن ربيعة )) ، الذي يأتي في الخبر التالي .

(20) الأثر : 15548 - (( سفيان )) هو ابن عيينة .

و (( أمي )) هو : (( أمي بن ربيعة المرادى الصيرفي )) ، سمع الشعبي، وعطاء ، وطاوس .

روى عنه سفيان بن عيينة ، وشريك .

ثقة .

مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 254 ، والكبير 1/2/ 67 ، وابن أبي حاتم 1/1/ 347 .

وكان في المخطوطة فوق (( أمى )) حرف (ط) دلالة على الخطأ ، وبالهامش( كذا ) ، ولكن الناسخ جهل الاسم فأشكل علية .

فجاء في المطبوعة فجعله (( أبى )) ، وكذلك في تفسير ابن كثير 3: 618 ، والصواب ما اثبت .

وهذا الخبر ، رواه (( أمى بن ربيعة )) ، عن الشعبي، كما يظهر ذلك من روايات الخبر في ابن كثير ، والدر المنثور 3: 153 .

(21) قولة : (( عارفا )) ، لم أجدها في المعاجم ، وهي صحيحة فيما أرجح .

(22) انظر تفسير (( المعروف )) فيما سلف ص : 165 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(23) انظر تفسير (( الإعراض )) فيما سلف 12 : 32 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

= وتفسير (( الجهل )) فيما سلف 2 : 183 / 8 : 89 - 92 / 11 : 339 ، 340 ، 393 ، 394 .

(24) يعني أن "الجهل" هنا بمعنى السفه والتمرد والعدوان ، لا بمعنى "الجهل" الذي هو ضد العلم والمعرفة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلينفيه ثلاث مسائل :الأولى : هذه الآية من ثلاث كلمات ، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات .فقوله : خذ العفو دخل فيه صلة القاطعين ، والعفو عن المذنبين ، والرفق بالمؤمنين ، وغير ذلك من أخلاق المطيعينودخل في قوله وأمر بالعرف صلة الأرحام ، وتقوى الله في الحلال والحرام ، وغض الأبصار ، والاستعداد لدار القرار .وفي قوله وأعرض عن الجاهلين الحض على التعلق بالعلم ، والإعراض عن أهل الظلم ، والتنزه عن منازعة السفهاء ، ومساواة الجهلة الأغبياء ، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة .قلت : هذه الخصال تحتاج إلى بسط ، وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم .

قال جابر بن سليم أبو جري : ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنخت قعودي بباب المسجد ، فدلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر ; فقلت : السلام عليك يا رسول الله .

فقال : وعليك السلام .

فقلت : إنا معشر أهل البادية ، قوم فينا الجفاء ; فعلمني كلمات ينفعني الله بها .

قال : ادن - ثلاثا - فدنوت فقال : أعد علي ، فأعدت عليه فقال : اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى .

قال أبو جري : فوالذي نفسي بيده ، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا .

أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه .

وروى أبو سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق .

وقال ابن الزبير : ما [ ص: 309 ] أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس .

وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله : خذ العفو وأمر بالعرف قال : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس .

وروى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما هذا يا جبريل ؟

فقال : لا أدري حتى أسأل العالم - في رواية : لا أدري حتى أسأل ربي - فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال : إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك .فنظمه بعض الشعراء فقال :مكارم الأخلاق في ثلاثة من كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل منتقطعه والعفو عمن اعتدىوقال جعفر الصادق : أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية .

وقال صلى الله عليه وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .وقال الشاعر :كل الأمور تزول عنك وتنقضي إلا الثناء فإنه لك باقيولو أنني خيرت كل فضيلة ما اخترت غير مكارم الأخلاقوقال سهل بن عبد الله : كلم الله موسى بطور سيناء .

قيل له : بأي شيء أوصاك ؟

قال : بتسعة أشياء ، الخشية في السر والعلانية ، وكلمة الحق في الرضا والغضب ، والقصد في الفقر والغنى ، وأمرني أن أصل من قطعني ، وأعطي من حرمني ، وأعفو عمن ظلمني ، وأن يكون نطقي ذكرا ، وصمتي فكرا ، ونظري عبرة .قلت : وقد روي عن نبينا محمد أنه قال أمرني ربي بتسع : الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني وأصل من [ ص: 310 ] قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عبرة .وقيل : المراد بقوله : خذ العفو أي الزكاة ; لأنها يسير من كثير .

وفيه بعد ; لأنه من " عفا " إذا درس .

وقد يقال : خذ العفو منه ، أي لا تنقص عليه وسامحه .

وسبب النزول يرده ، والله أعلم .

فإنه لما أمره بمحاجة المشركين دله على مكارم الأخلاق ، فإنها سبب جر المشركين إلى الإيمان .

أي اقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر ; تقول : أخذت حقي عفوا صفوا ، أي سهلا .الثانية : قوله تعالى : وأمر بالعرف أي بالمعروف .

وقرأ عيسى بن عمر " العرف " بضمتين ; مثل الحلم ; وهما لغتان .

والعرف والمعروف والعارفة : كل خصلة حسنة ترتضيها العقول ، وتطمئن إليها النفوس .

قال الشاعر :من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناسوقال عطاء : وأمر بالعرف يعني بلا إله إلا الله .الثالثة : قوله تعالى : وأعرض عن الجاهلين أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم ; صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن مجاوبتهم .

وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه .

وقال ابن زيد وعطاء : هي منسوخة بآية السيف .

وقال مجاهد وقتادة : هي محكمة ; وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته ، كهولا كانوا أو شبانا .

فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي ، هل لك وجه عند هذا الأمير ، فتستأذن لي عليه .

قال : سأستأذن لك عليه ; فاستأذن لعيينة .

فلما دخل قال : يا ابن الخطاب ، والله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل !

قال : فغضب عمر حتى هم بأن يقع به .

فقال الحر ; يا أمير المؤمنين ، إن الله قال لنبيه عليه السلام خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإن هذا من الجاهلين .

فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند [ ص: 311 ] كتاب الله عز وجل .

قلت : فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها محكمة لا منسوخة .

وكذلك استعملها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ; على ما يأتي بيانه .

وإذا كان الجفاء على السلطان تعمدا واستخفافا بحقه فله تعزيره .

وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصفح والعفو ; كما فعل الخليفة العدل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكر من كل أحد ما قابله به، من قول وفعل جميل أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم.

وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي: بكل قول حسن وفعل جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك، إما تعليم علم، أو حث على خير، من صلة رحم، أو بِرِّ والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية، ولما كان لا بد من أذية الجاهل، أمر اللّه تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فَصِلْهُ، ومن ظلمك فاعدل فيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( خذ العفو ) قال عبد الله بن الزبير : أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو من أخلاق الناس .

وقال مجاهد : خذ العفو يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس ، وذلك مثل قبول الاعتذار والعفو والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك .

وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل : " ما هذا؟

قال لا أدري حتى أسأله ، ثم رجع فقال : إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك " .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي والضحاك والكلبي : يعني خذ ما عفا لك من الأموال وهو الفضل عن العيال ، وذلك معنى قوله : " يسألونك ماذا ينفقون قل العفو " ( البقرة - 219 ) ، ثم نسخت هذه بالصدقات المفروضات .

قوله تعالى : ( وأمر بالعرف ) أي : بالمعروف ، وهو كل ما يعرفه الشرع .

وقال عطاء : وأمر بالعرف يعني بلا إله إلا الله .

( وأعرض عن الجاهلين ) أبي جهل وأصحابه ، نسختها آية السيف .

وقيل : إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه ، وذلك مثل قوله : " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " ( الفرقان - 63 ) ، وذلك سلام المتاركة .

قال جعفر الصادق : أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية .

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجرجاني ثنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، ثنا الهيثم بن كليب ، ثنا أبو عيسى الترمذي ، ثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الله الجدلي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : " لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح " .

ثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي ثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ ثنا عماد بن محمد البغدادي ثنا أحمد بن محمد عن سعيد الحافظ ثنا محمد بن إسماعيل ثنا عمر بن إبراهيم يعني الكوفي ثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وإتمام محاسن الأفعال " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«خذ العفو» اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها «وأمر بالعرف» بالمعروف «وأعرض عن الجاهلين» فلا تقابلهم بسفههم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اقْبَلْ -أيها النبي أنت وأمتك- الفضل من أخلاق الناس وأعمالهم، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى لا ينفروا، وأْمر بكل قول حسن وفِعْلٍ جميل، وأعرض عن منازعة السفهاء ومساواة الجهلة الأغبياء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تتجه السورة الكريمة بعد ذلك إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم فترسم له ولكل عاقل طريق معاملته للخلق على وجه يقيه شر الحرج والضيق فتقول : ( خُذِ العفو .

.

.

) .العفو : يطلق فى اللغة على خالص الشىء وجيده ، وعلى الفضل الزائد فيه ، وعل السهل الذى لا كلفة فيه .أى : خذ ما عفا وسهل وتيسر من أخلاق الناس ، وارض منهم بما تيسر من أعمالهم وتسهل من غير كلفة .

ولا تطلب منهم ما يشق عليهم ويرهقهم حتى لا ينفروا ، وكن لينا رفيقاً فى معاملة أتباعك ، فإنك ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) و ( وَأْمُرْ بالعرف ) أى : مر غيرك بالمعروف المستحسن من الأفعال ، وهو كل ما عرف حسنه فى الشرع ، فإن ذلك أجدر بالقبول من غير نكير ، فإن النفوس حين تتعود الخير الواضح الذى لا يحتاج إلى مناقشة وجدال ، يسلس قيادها ، ويسهل توجيهها .( وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين ) الذين لا يدركون قيم الأشياء والأشخاص والكلمات فيما يبدر منهم من أنواع السفاهة والإيذاء لأن الرد على أمثال هؤلاء ومناقشتهم لا تؤدى إلى خير ، ولا تنتهى إلى نتيجة .

والسكوت عنهم احتزام للنفس ، واحترام للقول ، وقد يؤدى الإعراض عنهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها .وهذه الآية على قصرها تشتمل - كما قال العلماء - على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان لأخيه الإنسان ، وهى طريق قويم لكل ما تطلبه الإنسانية الفاضلة لأبنائها الأبرار ، وقد جاءت فى أعقاب حديث طويل عن أدلة وحدانية الله - تعالى - وأبطال الشرك والشركاء ، لكى تبين للناس فى كل زمان ومكان أن التحلى بمكارم الأخلاق إنما هو نتيجة لإخلاص العبادة لله الواحد الأحد ، الفرد الصمد .قال القرطبى : هذه الآية من ثلاث كلمات ، تضمنت قواعد الشريعة فى المأمورات والمنهيات .فقوله ( خُذِ العفو ) دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين ، والرفق بالمؤمنين ، وغير ذلك من أخلاق المطيعين .

ودخل فى قوله ( وَأْمُرْ بالعرف ) صلة الأرحام ، وتقوى الله فى الحلال والحرام ، وغض الأبصار ، والاستعداد لدار القرار .وفى قوله ( وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين ) الحض على التعلق بالعلم ، والإعراض عن أهل الظلم ، والتنزه عن منازعة السفهاء ، ومساواة الجهلة الأغبياء ، وغير ذلك من الأخلاق المجيدة والأفعال الرشيدة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار، بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف ﴾ قال أهل اللغة: العفو الفضل وما أتي من غير كلفة.

إذا عرفت هذا فنقول: الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها، وإما أن لا يجوز.

أما القسم الأول: فهو المراد بقوله: ﴿ خُذِ العفو ﴾ ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية؛ ويدخل فيه أيضاً التخلق مع الناس بالخلق الطيب، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ  ﴾ ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف، كما قال تعالى: ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ .

وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف، والعرف، والعارفة، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لابد من الإتيان به، وأن وجوده خير من عدمه، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال، لكان ذلك سعياً في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه، فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية: ﴿ وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ وقال: ﴿ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ  ﴾ وقال في صفة أهل الجنة: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً  ﴾ وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير.

قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: «يا جبريل ما هذا؟

قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك».

قال أهل العلم: تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك، فقد عفوت عنه، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه: وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف ﴾ أي ما عفا لك من أموالهم، أي ما أتوك به عفواً فخذه، ولا تسأل عما وراء ذلك.

قالوا: كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت آية وجوب الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله: ﴿ وَأْمُرْ بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق، وتقرير دلائله ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين ﴾ أي المشركين قالوا: وهذا منسوخ بآية السيف فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله: ﴿ وَأْمُرْ بالعرف ﴾ .

واعلم أن تخصيص قوله: ﴿ خُذِ العفو ﴾ بما ذكره تقييد للمطلق من غير دليل، وأيضاً فهذا الكلام إذا حملناه على أداء الزكاة لم يكن إيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة منافياً لذلك، لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس ولا يشدد الأمر على المزكى فلم يكن إيجاب الزكاة سبباً لصيرورة هذه الآية منسوخة.

وأما قوله: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين ﴾ فالمقصود منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على سوء أخلاقهم، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ولا أفعالهم الخسيسة بأمثالها، وليس فيه دلالة على امتناعه من القتال، لأنه لا يمتنع أن يؤمر عليه السلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنه ليس من المتناقض أن يقال الشارع لا يقابل سفاهتهم بمثلها؟

ولكن قاتلهم وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فحينئذ لا حاجة إلى التزام النسخ، إلا أن الظاهرية من المفسرين مشغوفون بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ العفو ﴾ ضد الجهد: أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم، وتسهل من غير كلفة، ولا تداقهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا، كقوله صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا» قال: خذِي الْعَفْوَ مِني تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ** وَلاَ تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ وقيل: خذ الفضل وما تسهل من صدقاتهم، وذلك قبل نزول آية الزكاة، فلما نزلت أمر أن يأخذهم بها طوعاً أو كرهاً.

والعرف: المعروف والجميل من الأفعال ﴿ وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، وأغض على ما يسوؤك منهم.

وقيل: لما نزلت الآية سأل جبريل (ما هذا) فقال: لا أدري حتى أسأل العالم، ثم رجع فقال: «يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» .

وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ أيْ خُذْ ما عَفا لَكَ مِن أفْعالِ النّاسِ وتَسْهُلُ ولا تَطْلُبْ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، مِنَ العَفْوِ الَّذِي هو ضِدُّ الجَهْدِ أوْ خُذِ العَفْوَ عَنِ المُذْنِبِينَ أوِ الفَضْلَ وما يَسْهُلُ مِن صَدَقاتِهِمْ، وذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكاةِ.

﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ المَعْرُوفُ المُسْتَحْسَنُ مِنَ الأفْعالِ.

﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ فَلا تُمارِهِمْ ولا تُكافِئْهم بِمِثْلِ أفْعالِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ آمِرَةٌ لِلرَّسُولِ بِاسْتِجْماعِها.

﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ يَنْخَسَنَّكَ مِنهُ نَخْسٌ أيْ وسْوَسَةٌ تَحْمِلُكَ عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ كاعْتِراءِ غَضَبٍ وفِكْرٍ، والنَّزْغُ والنَّسْغُ والنَّخْسُ الغَرْزُ شَبَّهَ وسْوَسَتَهُ لِلنّاسِ إغْراءً لَهم عَلى المَعاصِي وإزْعاجًا بِغَرْزِ السّائِقِ ما يَسُوقُهُ.

﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ ﴾ يَسْمَعُ اسْتِعاذَتَكَ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكَ فَيَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، أوْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ مَن آذاكَ عَلِيمٌ بِأفْعالِهِ فَيُجازِيهِ عَلَيْها مُغْنِيًا إيّاكَ عَنِ الِانْتِقامِ ومُشايَعَةِ الشَّيْطانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{خُذِ العفو} هو ضد الجهد أي ما عفا لكم من اخلاق الناس وأفعلاهم ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لاي ينفروا كقوله عليه السلام يسروا ولا تعسروا {وَأْمُرْ بالعرف} بالمعروف والجميل من الأفعال أو هو كل خصلة يرتضيها العقل ويقبلها الشرع {وأعرض عن الجاهلين} ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم ولا تمارهم واحلم عليهم وفسرها جبريل عليه السلام

بقوله صل من قطعك واعط ن حرمك واعف عمن ظلمك وعن الصاقد أمر الله نبيه عليه السلام بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ أيْ: ما عَفا وسَهُلَ وتَيَسَّرَ مِن أخْلاقِ النّاسِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُّبَيْرِ وعائِشَةُ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وغَيْرُهُمْ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ آدَمَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

والأخْذُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ والرِّضا، أيِ ارْضَ مِنَ النّاسِ بِما تَيَسَّرَ مِن أعْمالِهِمْ وما أتى مِنهم وتَسَهَّلَ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ولا تَطْلُبْ مِنهُمُ الجُهْدَ وما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَنْفِرُوا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَفْوِ ظاهِرُهُ أيْ: خُذِ العَفْوَ عَنِ المُذْنِبِينَ والمُرادُ اعْفُ عَنْهُمْ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شَبَّهَ العَفْوَ بِأمْرٍ مَحْسُوسٍ يُطْلَبُ فَيُؤْخَذُ، وإلى هَذا جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟

قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ.

فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ زُبْدَةَ الحَدِيثِ مُفَسِّرَةٌ لِزُبْدَةِ الآيَةِ، وإلّا فالتَّطْبِيقُ مُشْكِلٌ كَما لا يَخْفى.

وتَكَلَّفَ القُطْبُ لِتَطْبِيقِ ألْفاظِهِ عَلى ألْفاظِها وفِيهِ خَفاءٌ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالعَفْوِ ما عُفِيَ مِن أمْوالِ النّاسِ، أيْ: خُذْ أيَّ شَيْءٍ أتَوْكَ بِهِ وكانَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، وقِيلَ: العَفْوُ ما فَضَلَ عَنِ النَّفَقَةِ مِنَ المالِ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الجَوْهَرِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكانَ الرَّجُلُ يُمْسِكُ مِن مالِهِ ما يَكْفِيهِ ويَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ، فَنَسَخَها اللَّهُ تَعالى بِالزَّكاةِ ﴿ وأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ أيْ: بِالمَعْرُوفِ المُسْتَحْسَنِ مِنَ الأفْعالِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى قَبُولِ النّاسِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وفي لُبابِ التَّأْوِيلِ أنَّ المُرادَ وأْمُرْ بِكُلِّ ما أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وعَرَفْتَهُ بِالوَحْيِ.

وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِالعُرْفِ كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ داعٍ.

﴿ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ أيْ: ولا تُكافِئِ السُّفَهاءَ بِمِثْلِ سَفَهِهِمْ ولا تُمارِهِمْ واحُلْمْ عَلَيْهِمْ وأغُضَّ بِما يَسُوؤُكَ مِنهم.

وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ هَذا أمْرٌ بِالكَفِّ عَنِ القِتالِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَتِهِ، ولا ضَرُورَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ في الآيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

وزُبْدَتُها كَما قالُوا: تَحَرِّي حُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَ النّاسِ وتَوَخِّي بَذْلِ المَجْهُودِ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ والمُداراةِ مِنهم والإغْضاءِ عَنْ مُساوِيهِمْ، وجَعَلُوا نَحْوَ ذَلِكَ زُبْدَةَ الخَبَرِ إلّا أنَّ القُرْآنَ مادَّتُهُ عامَّةٌ ومادَّتُهُ خاصَّةٌ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ هَذا الأمْرِ بَعْدَ ما عُدَّ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وقَبائِحِهِمْ ما لا يُطاقُ حَمْلُهُ، وإذا قِيلَ: بِأنَّ الجاهِلِينَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ ضَمِيرِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ حَيْثُ إنَّ الكَلامَ فِيهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الِارْعِواءِ وإقْناطًا كُلِّيًّا مِنهُمُ التَأمَتْ أطْرافُ الكَلامِ غايَةَ الِالتِئامِ، هَذا وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ يعني: حافظي وناصري الله الذي نزل الكتاب.

يعني: القرآن.

ويقال: إن الذي يمنعني منكم الله الذي أنزل جبريل بالكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ يعني: المؤمنين فيحفظهم ولا يكلهم إلى غيره.

ثم قال: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: تعبدون من دون الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ أي: لا يقدرون منعكم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أي يمنعون ممن أذاها، لأن الكفار كانوا يلطخون العسل في فم الأصنام، وكان الذباب يجتمع عليه فلا تقدر دفع الذباب عن نفسها.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا قال الكلبي: يعني إن دعا المشركون آلهتهم لا يسمعون أي يجيبونهم وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ يعني: الأصنام تراهم مفتحة أعينهم وهم لا يبصرون شيئاً.

قال مقاتل: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني: كفار مكة لاَ يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ الهدى.

قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ قال ابن عباس-  ما- يعني: خذ ما أعطوك من الصدقة يعني: ما فضل من الأكل والعيال، ثم نسخ بآية الزكاة وهذا كقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219] يعني: الفضل وأمر بالمعروف يعني: ادعهم إلى التوحيد وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي من جهل عليك مثل أبي جهل وأصحابه، وكان ذلك قبل أن يؤمر بالقتال.

ويقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ يعني: اعف عمن ظلمك واعط من حرمك وصل من قطعك.

قال الفقيه أبو الليث: حدثنا عن الشعبي الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا الديبلي.

قال: حدّثنا أبو عبيد الله وحدثنا سفيان عن أبي هريرة عن رسول الله  قال: لما نزلت هذه الآية خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ سأل عنها جبريل.

فقال جبريل: حتى أسأل العالم، فذهب ثم أتاه، فقال: يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تَصِل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عن من ظلمك.

وقال القتبي في قول النبيّ:  «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ» فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر في هذه الآية كيف جمع له في هذا كل خلق عظيم، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله، وصلة الأرحام، وغض البصر، وفي الإعراض عن الجاهلين الحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه، وعن منازعة اللجوج، وإنما سمي المعروف معروفاً لأن كل نفس تعرفه وكل قلب يطمئن إليه.

قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ قال مقاتل يعني: ولا يفتننكم فتنة في أمر أبي جهل فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ قال الكلبي: أي: وإما يصيبنك من الشيطان وسوسة فاستعذ بالله وقال الزجاج: النزع أدنى حركة.

ومعناه: إن أتاك من الشيطان أدنى وسوسة فاستعذ بالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني: سميع لدعائك بوسوسة الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته في أمر الكُفَّار، والهاءُ والميمُ في قوله: «تدعوهم» للكفَّار، ووصفهم بأنهم لا يَسْمَعُونَ، ولا يبصرون إِذ لم يتحصَّل لهم عن النَّظَر والاستماع فائدةٌ قاله مجاهدٌ «١» والسدِّي «٢» .

وقال الطبريُّ «٣» : المرادُ بالضمير المذكور: الأصنامُ، ووصْفُهم بالنظر كنايةً عن المحاذاة والمقابلة ولِمَا فيها من تخييلِ النَّظَر كما تقول: دَارُ فُلاَنٍ تَنْظُر إلى دار فلان.

وقوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ...

الآية: وصيَّةٌ من اللَّه سبحانه لنبيِّه عليه السلام تعمُّ جميع أمته، وأَخْذٌ بجميع/ مكَارِم الأخلاقِ.

قال الجمهور: معنى: خُذِ الْعَفْوَ اقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عَفْواً، دون تكلُّف، فالعَفْوُ هنا: الفَضْل والصفو، قال مكِّيٌّ قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ...

الآية.

قال بعض أهْل المعاني، في هذه الآية بيان قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلَمِ» «٤» فهذه الآية قد جَمَعَتْ معاني كثيرةً، وفوائدَ عظيمةً، وجمعتْ كلَّ خُلُقٍ حَسَن لأَنَّ في أخذ العَفْوِ صلَةُ القاطعينِ، والصفْحَ عن الظالِمينَ، وإِعطاءَ المانعين، وفي الأَمر بالمعروف تَقْوَى اللَّه وطاعته، وصِلة الرحِمِ، وصَوْن الجوارحِ عن المحرِّمات، وسمَّي هذا ونحوه عُرْفاً لأن كلَّ نَفْس تعرفه، وتركَنُ إِليه، وفي الإِعراض عن الجاهلين: الصبرُ، والحِلْم، وتنزيهُ النفْس عن مخاطبةِ السفيه، ومنازعةِ اللَّجوج، وغيرُ ذلك من الأفعال المرضية.

انتهى من «الهداية» .

وقوله: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ: معناه: بكلِّ ما عرفَتْه النفوسُ ممَّا لا تردُّه الشريعة ومِنْ ذلك: «أَنْ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنَ ظلمك ...

» الحديث «٥» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ العَفْوُ: المَيْسُورُ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:٢١٩] .

وفي الَّذِي أمَرَ بِأخْذِ العَفْوِ مِنهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أخْلاقُ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: أقْبَلُ المَيْسُورَ مِن أخْلاقِ النّاسِ، ولا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَتَظْهَرُ مِنهُمُ البَغْضاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ المالُ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِعَفْوِ المالِ: الزَّكاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّها صَدَقَةٌ كانَتْ تُؤْخَذُ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِ: مُساهَلَةُ المُشْرِكِينَ والعَفْوُ عَنْهم، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ أيْ: بِالمَعْرُوفِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ فِيمَن جَهِلَ، أمَرَ بِصِيانَةِ النَّفْسِ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ عَلى سَفَهِهِمْ، وإنْ وجَبَ عَلَيْهِ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ.

وهَذِهِ الآَيَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ كُلِّها مُحْكَمَةٌ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّ وسَطَها مُحْكَمٌ، وطَرَفَيْها مَنسُوخانِ عَلى ما بَيَّنّا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "مِن دُونِهِ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، وهَذا الضَمِيرٌ مُصَرِّحٌ بِما ذَكَرْناهُ مَن ضَعْفِ قِراءَةِ مَن قَرَأ: "إنَّ ولِيَّ اللهِ" عَلى أنَّهُ جِبْرِيلُ  ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأصْنامِ وفَسادِها وعَجْزِها عن نُصْرَةِ أنْفُسِها فَضْلًا عن غَيْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَدْعُوهُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ  وأُمَّتِهِ، والهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: "تَدْعُوهُمْ" لِلْكُفّارِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ إذْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم عَنِ النَظَرِ والِاسْتِماعِ فائِدَةٌ ولا حَصَّلُوا مِنهُ بِطائِلٍ، قالَهُ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ بِالضَمِيرِ المَذْكُورِ الأصْنامُ ووَصْفُهم بِالنَظَرِ كِنايَةٌ عَنِ المُحاذاةِ والمُقابَلَةِ وما فِيها مِن تَخْيِيلِ النَظَرِ كَما تَقُولُ: دارُ فُلانٍ تَنْظُرُ إلى دارِ فُلانٍ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا تَبْيِينُ جُمُودِيَّةِ الأصْنامِ وصِغَرِ شَأْنِها، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى الِاحْتِجاجِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ولا يَرَوْنَهُ، ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ لِأنَّ النَظَرَ في الأصْنامِ مَجازٌ مَحْضٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما تَكَرَّرَ القَوْلُ في هَذا وتَرَدَّدَتِ الآياتُ فِيهِ لِأنَّ أمْرَ الأصْنامِ وتَعْظِيمِها كانَ مُتَمَكِّنًا في نُفُوسِ العَرَبِ في ذَلِكَ الزَمَنِ ومُسْتَوْلِيًا عَلى عُقُولِها فَأُوعِبَ القَوْلُ في ذَلِكَ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ الآيَةُ، وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ  تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وأمْرٌ بِجَمِيعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وقالَ الجُمْهُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ : إنَّ مَعْناهُ: اقْبَلْ مِنَ الناسِ في أخْلاقِهِمْ وأقْوالِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ما أتى عَفْوًا دُونَ تَكَلُّفٍ، فالعَفْوُ هُنا: الفَضْلُ والصَفْوُ الَّذِي تَهَيَّأ دُونَ تَحَرُّجٍ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ في مُصَنَّفِ البُخارِيِّ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعُرْوَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطائِيِّ: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ∗∗∗ ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في الأمْوالِ، وَقِيلَ: هي قَبْلَ فَرْضِ الزَكاةِ، أُمِرَ بِها رَسُولُ اللهِ  أنْ يَأْخُذَ ما سَهُلَ مِن أمْوالِ الناسِ، و"عَفا" أيْ: فَضَلَ وزادَ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَفا النَباتُ والشَعْرُ" أيْ كَثُرَ، ثُمَّ نَزَلَتِ الزَكاةُ وحُدُودُها فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ، وذَكَرَ مَكِّيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ مَعْناهُ: خُذِ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا شاذٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ مَعْناهُ: بِكُلِّ ما عَرَفَتْهُ النُفُوسُ مِمّا لا تَرُدُّهُ الشَرِيعَةُ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِجِبْرِيلَ: "ما هَذا العُرْفُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؟

قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَسَألَهُ، ثُمَّ جاءَهُ فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، هو أنْ تُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا نَصْبُ غاياتٍ: والمُرادُ: فَما دُونُ هَذا مِن فِعْلِ الخَيْرِ.

وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ - "بِالعُرْفِ" بِضَمِّ الراءِ، والعُرْفُ والعُرُفُ بِمَعْنى: المَعْرُوفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ حُكْمُ مُتَرَتِّبٌ مُحْكَمٌ مُسْتَمِرٌّ في الناسِ ما بَقُوا، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ إلى ﴿ الجاهِلِينَ ﴾ : إنَّما أُمِرَ النَبِيُّ  بِذَلِكَ مُداراةً لِكَفّارِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدِيثُ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ أدْخَلَ عَمَّهُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، لِأنَّ الحُرَّ احْتَجَّ بِها عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَرَّرَها ووَقَفَ عِنْدَها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ ﴾ وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ  تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، والنَزْغُ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَيْطانِ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةُ مُفْسِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدَيْهِ".» فالمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: فَإمّا تُلِمَّنَّ بِكَ لَمَّةٌ مِنَ الشَيْطانِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ.

ونَزْعُ الشَيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ التِرْمِذِيِّ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهاتانِ اللَمَّتانِ هي الخَواطِرُ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، و"سَمِيعٌ" في هَذِهِ الآيَةِ يَصْلُحُ مَعَ الِاسْتِعاذَةِ، ويَصْلُحُ أيْضًا مَعَ ما يَقُولُ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ الأقاوِيلِ فَيُغْضِبُهُ الشَيْطانُ لِذَلِكَ، و"عَلِيمٌ" كَذَلِكَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ: "أعُوذُ بِاللهِ السَمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أشبعت هذه السورة من أفانين قوارع المشركين وعظتهم وإقامة الحجة عليهم وبعثتهم على التأمل والنظر في دلائل وحدانية الله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي دينه وكتابه وفضح ضلال المشركين وفساد معتقدهم والتشويه بشركائهم، وقد تخلل ذلك كلّه التسجيل بمكابرتهم، والتعجيبُ منهم كيف يركبون رؤوسهم، وكيف يَنأون بجانبهم، وكيف يصمون أسماعهم، ويغْمضون أبصارهم عما دعوا إلى سماعه وإلى النظر فيه، ونُظرت أحوالهم بأحوال الأمم الذين كذبوا من قبلهم، وكفروا نعمة الله فحل بهم ما حل من أصناف العذاب، وأنذر هؤلاء بأن يحل بهم ما حل بأولئك، ثم أعلن باليأس من ارعوائهم، وبانتظار ما سيحل بهم من العذاب بأيدي المؤمنين، وبتثبيت الرسول والمؤمنين وتبشيرهم والثناء على ما هم عليه من الهدى، فكان من ذلك كله عبرة للمتبصرين، ومسلاة للنبيء وللمسلمين، وتنويه بفضلهم وإذ قد كان من شأن ذلك أن يثير في أنفس المسلمين كراهية أهل الشرك وتحفزُهم للانتقام منهم ومجافاتهم والإعراض عن دعائِهم إلى الخير، لا جرم شُرع في استيناف غرض جديد، يكون ختاماً لهذا الخوض البديع، وهو غَرض أمْرِ الرسول والمؤمنين بقلة المبالاة بجفاء المشركين وصلابتهم، وبأن يَسعوهم من عفوهم والدَأب على محاولة هديهم والتبليغ إليهم بقوله: ﴿ خُذ العفو وأمر بالعرف ﴾ الآيات.

والأخذ حقيقته تناول شيء للانتفاع به أو لإضراره، كما يقال: أخذت العدو من تلابيبه، ولذلك يقال في الأسير أخيذ، ويقال للقوم إذا أسروا أخذوا واستعمل هنا مجازاً فاستعير للتلبس بالوصف والفعل من بين أفعال لو شاء لتلبس بها، فيُشبّه ذلك التلبسُ واختيارهُ على تلبس آخر بأخذ شيء من بين عدة أشياء، فمعنى (خذ العفو): عَامِل به واجْعله وصفاً ولا تتلبس بضده.

وأحسب استعارة الأخذ للعرف من مبتكرات القرآن ولذلك ارجع أن البيت المشهور وهو: خُذي العفوَ مني تَستديمي مَوَدتي *** ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي حين أغْضَبُ هو لأبي الأسود الدؤلي، وأنه اتبع استعمال القرآن، وأن نسبته إلى أسماء بن خارجة الفزاري أو إلى حاتم الطائي غير صحيحة.

والعفو الصفح عن ذنب المذنب وعدم مؤاخذته بذَنبه وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ [البقرة: 219] وقوله: ﴿ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ في سورة البقرة (109)، والمراد به هنا ما يعم العفو عن المشركين وعدم مؤاخذتهم بجفائهم ومساءتهم الرسول والمؤمنين.

وقد عمت الآية صور العفو كلها: لأن التعريف في العفو تعريف الجنس فهو مفيد للاستغراق إذا لم يصلح غيرُه من معنى الحقيقة والعهد، فأمر الرسول بأن يعفو ويصفح وذلك بعدم المؤاخذة بجفائهم وسوء خلقهم، فلا يعاقبهم ولا يقابلهم بمثل صنيعهم كما قال تعالى: ﴿ فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم ﴾ [آل عمران: 159]، ولا يخرج عن هذا العموم من أنواع العفو أزمانه وأحواله إلا ما أخرجته الأدلة الشرعية مثل العفو عن القاتل غيلة، ومثل العفو عن انتهاك حرمات الله، والرسولُ أعلم بمقدار ما يُخص من هذا العموم، وقد يبينه الكتاب والسنة وألحق به ما يقاس على ذلك المبين، وفي قوله: ﴿ وأمُر بالعُرف ﴾ ضابط عظيم لمقدَار تخصيص الأمر بالعفو.

ثم العفو عن المشركين المقصود هنا أسبقُ أفراد هذا العموم إلى الذهن من بقيتها ولم يَفهم السلف من الآية غير العموم ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس قال «قدِم عُيينة بن حصن المدينة فنزل على ابن أخيه الحُر بن قَيس، وكان الحُرُ بن قيس من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القراءُ أصحاب مجالس عمر ومشاورته، فقال عُيينةُ لابن أخيه لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه فأستأذن الحُر لعُيينة فأذِن له عمر، فلما دخل عليه قال «هِيهْ يابنَ الخطاب ما تُعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل» فغضب عمر حتى همّ أن يُوقِع به فقال له الحُر: «يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه: ﴿ خذ العفو وأمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ وإن هذا من الجاهلين، واللَّهِ ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقّافاً عند كتاب الله» وفيه عن عبد الله بن الزبير قال «ما أنزل الله ذلك إلا في أخلاق الناس» ومن قال إن هذه الآية نسختها آيات القتال فقد وهم: لأن العفو باب آخر، وأما القتال فله أسبابه ولعله أراد من النسخ ما يشمل معنى البيان أو التخصيص في اصطلاح أصول الفقه.

و ﴿ العُرف ﴾ اسم مرادف للمعروف من الأعمال وهو الفعل الذي تعرفه النفوس أي لا تنكره إذا خليت وشأنها بدون غرض لها في ضده، وقد دل على مرادفته للمعروف قول النابغة: فلا النُّكْر معروفٌ ولا العُرف ضايعُ *** فقابل النكر بالعُرف، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ في سورة آل عمران (110).

والأمر يشمل النهي عن الضد، فإن النهي عن المنكر أمر بالمعروف، والأمر بالمعروف نهي عن المنكر، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالاجتزاء بالأمر بالعرف عن النهي عن المنكر من الايجاز، وإنما اقتصر على الأمر بالعرف هنا: لأنه الأهم في دعوة المشركين لأنه يدعوهم إلى أصول المعروف واحداً بعد واحد، كما ورد في حديث معاذ بن جبل حين أرسله إلى أهل اليمن فإنه أمره أن يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ثم قال: «فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات» ولو كانت دعوة المشركين مبتدأة بالنهي عن المنكر لنفروا ولملّ الداعي، لأن المناكير غالبة عليهم ومحدقة بهم، ويدخل في الأمر بالعرف الاتسام به والتخلق بخلقه: لأن شأن الآمر بشيء أن يكون متصفاً بمثله.

وإلا فقد تعرض للاستخفاف على أن الآمر يبدأ بنفسه فيأمرها كما قال أبو الأسود: يأيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم على أن خطاب القرآن الناس بأن يأمروا بشيء يعتبر أمراً للمخاطب بذلك الشيء وهي المسألة المترجمة في أصول الفقه بأن الأمر بالأمر بالشيء هو أمر بذلك الشيء.

والتعريف في ﴿ العرف ﴾ كالتعريف في ﴿ العفو ﴾ يفيد الاستغراق.

وحُذف مفعول الأمر لافادة عموم المأمورين ﴿ واللَّهُ يَدعُو إلى دار السلام ﴾ [يونس: 25]، أمر الله رسوله بأن يأمر الناس كلهم بكل خير وصلاح فيدخل في هذا العموم المشركون دخولاً أولياً لأنهم سبب الأمر بهذا العموم أي لا يصدنك إعراضهم عن إعادة إرشادهم وهذا كقوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وعظهُم ﴾ [النساء: 63].

والإعراض: إدارة الوجه عن النظر للشيء.

مشتق من العارض وهو الخَد، فإن الذي يلتفت لا ينظر إلى الشيء وقد فسر ذلك في قوله تعالى: ﴿ أعْرَضَ ونأى بجانبه ﴾ [الإسراء: 83] وهو هنا، مستعار لعدم المؤاخذة بما يسوء من أحد، شبه عدم المؤاخذة على العمل بعدم الالتفات إليه في كونه لا يترتب عليه أثر العلم به لأن شأن العلم به أن تترتب عليه المؤاخذة.

و«الجهل» هنا ضد الحلم والرشد، وهو أشهر إطلاق الجهل في كلام العرب قبل الإسلام، فالمراد بالجاهلين السفهاء كلهم لأن التعريف فيه للاستغراق، وأعظم الجهل هو الإشراك، إذ اتخاذ الحجر إلهاً سفاهة لا تَعْدِلها سفاهة، ثم يشمل كل سفيه رأي.

وكذلك فَهم منها الحر بن قيس في الخبر المتقدم آنفاً، وأقره عمر بن الخطاب على ذلك الفهم.

وقد جمعتْ هذه الآية مكارم الأخلاق لأن فضائِل الأخلاق لا تعدُو أن تكون عفواً عن اعتداء فتدخل في ﴿ خذ العفو ﴾ ، أو إغضاءً عما لا يلائم فتدخل في ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ ، أو فعلَ خير واتساماً بفضيلة فتدخل في ﴿ وأمر بالعرف ﴾ كما تقدم من الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، وهذا معنى قول جعفر بن محمد: «في هذه الآية أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها وهي صالحة لأن يبين بعضها بعضاً، فإن الأمر يأخذ العفو يتقيد بوجوب الأمر بالعرف، وذلك في كل ما لا يقبل العفو والمسامَحة من الحقوق، وكذلك الأمر بالعرف يتقيد بأخذ العفو وذلك بأن يدعو الناس إلى الخير بلين ورفق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العَفْوُ مِن أخْلاقِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: خُذِ العَفْوَ مِن أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ ثُمَّ نُسِخَ بِها، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: خُذِ العَفْوَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهَذا قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ بِالمَعْرُوفِ، قالَهُ عُرْوَةُ وقَتادَةُ.

والثّانِي: ما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ لِجِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ يا جِبْرِيلُ ما هَذا؟

قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، قالَ (ثُمَّ عادَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ فَإنْ قِيلَ فَكَيْفَ أمَرَ بِالإعْراضِ مَعَ وُجُوبِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ؟

قِيلَ: إنَّما أرادَ الإعْراضَ عَنِ السُّفَهاءِ اسْتِهانَةً بِهِمْ.

وَهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو تَأْدِيبٌ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ النَّزْغَ الِانْزِعاجُ.

والثّانِي: الغَضَبُ.

والثّالِثُ: الفِتْنَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ سَمِيعٌ بِجَهْلِ مَن جَهِلَ، عَلِيمٌ بِما يُزِيلُ عَنْكَ النَّزْغَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن الزبير قال: ما نزلت هذه الآية إلا في أخلاق الناس ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ وفي لفظ: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عمر في قوله تعالى ﴿ خذ العفو ﴾ قال: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من اخلاق الناس.

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال: لما أنزل الله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس» .

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي قال: لما أنزل الله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما هذا يا جبريل؟

قال: لا أدري حتى أسأل العالم...

!

فذهب ثم رجع فقال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم «يا جبريل ما تأويل هذه الآية؟

قال: حتى أسأل.

فصعد ثم نزل فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تصفح عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا ادلكم على أشرف أخلاق الدنيا والآخرة؟

قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟

قال: تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» .

وأخرج ابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال: «والله لأمثلن بسبعين منهم.

فجاءه جبريل بهذه الآية ﴿ خذ الغفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ فقال: يا جبريل ما هذا؟

قال: لا أدري...

!

ثم عاد فقال: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة في قول الله: ﴿ خذ العفو ﴾ قال: ما عفى لك من مكارم الأخلاق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ خذ العفو ﴾ من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تجسيس ﴿ وأمر بالعرف ﴾ قال: بالمعروف.

وأخرج البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قدم عُيينة بن حصن بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس- وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً أكانوا أو شباباً- فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟

قال: سأستأذن لك عليه.

قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعُيينة فأذن له عمر، فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك بن أنس عن عبد الله بن نافع.

أن سالم بن عبد الله مر على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال: إن هذا ينهى عنه فقالوا: نحن أعلم بهذا منك إنما يكره الجلجل الكبير، وأما مثل هذا فلا بأس به، فبكى سالم وقال: ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال: خلق أمر الله به نبيه ودله عليه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على خير أخلاق الأوّلين والآخرين؟

قال: قلت يا رسول الله نعم.

قال: تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك» .

وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» .

وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صل من قطعك، واعف عمن ظلمك» .

وأخرج البيهقي عن عائشة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صل من قطعك، واعف عمن ظلمك» .

وأخرج البيهقي عن عائشة.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على كرائم الأخلاق للدنيا والآخرة؟

أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتجاوز عمن ظلمك» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: صل من قطعك، واعط من حرمك، واعف عمن ظلمك» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي من طريقه عن معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن ابن أبي حسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟

أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، قال البيهقي: هذا مرسل حسن» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لن ينال عبد صريح الإِيمان حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويغفر لمن شتمه، ويحسن إلى من أساء إليه» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مكارم الأخلاق عند الله أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: رضي الله بالعفو وأمر به.

وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك» .

وأخرج السلفي في الطيوريات عن نافع أن ابن عمر.

كان إذا سافر أخرج معه سفيهاً يرد عنه سفاهة السفهاء.

وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن ابن شوذب قال: كنا عند مكحول ومعنا سليمان بن موسى، فجاء رجل واستطال على سليمان وسليمان ساكت، فجاء أخ لسليمان فرد عليه، فقال مكحول: لقد ذل من لا سفيه له.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ خذ العفو ﴾ قال: خذ ما عفي لك من أموالهم ما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ خذ العفو ﴾ قال: خذ الفضل أنفق الفضل ﴿ وأمر بالعرف ﴾ يقول بالمعروف.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأرزق قال له: أخبرني ﴿ خذ العفو ﴾ قال: خذ الفضل من أموالهم، أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ لك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: يعفو عن الجهل والسوآت كما ** يدرك غيث الربيع ذو الطرد وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن السدي في قوله: ﴿ خذ العفو ﴾ قال: الفضل من المال، نسخته الزكاة.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: نزلت هذه الآية ﴿ خذ العفو ﴾ فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه ويتصدق بالفضل، فنسخها الله بالزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ قال: بالمعروف ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال: نزلت هذه الآية قبل أن تفرض الصلاة والزكاة والقتال، أمره الله بالكف ثم نسخها القتال، وأنزل ﴿ أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ [ الحج: 39] الآية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ ، قال أهل اللغة: (العفو (١) ﴿ قُلِ الْعَفْوَ  ﴾ في سورة البقرة.

قال مجاهد: (أمر أن يأخذ عفو أخلاق الناس) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ .

العرف والعارفة والمعروف واحد، وهو: كل ما تعرفه النفس من الخير (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال أهل المعاني: (المعروف ما يعرف صوابه عند (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ .

قال: لم أمره بالإعراض عنهم مع وجوب النكير عليهم بما يردعهم عن جهلهم؟

قيل: إن هذا في حال اليأس من صلاحهم، فيعمل على طريق الاستخفاف بهم، وصيانة النفس عن مقابلتهم (١٧) (١٨) قال عكرمة: (لما نزلت هذه الآية قال النبي  : "يا جبريل ما هذا؟

" قال: "لا أدري حتى أسأل"، فذهب، ثم رجع فقال: (يا محمد إن ربك يقول: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك") (١٩) (٢٠)  لهذه الآية موافق لظاهرها لأن في وصل القاطع عفوًا عن جريمة القطيعة، وإعطاء المحارم من جملة المعروف، والعفو عن الظالم إعراض عن جهله وظلمه.

قال قتادة (٢١)  ودلَّه عليها).

وقال عبد الله بن الزبير (٢٢) (٢٣) وقال الصادق (٢٤) (٢٥) وقال عبد الله بن مسلم: (جمع الله تعالى بهذه الآية لنبيه  كل خلق عظيم؛ لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالعرف (٢٦) (٢٧) (٢٨) وللمفسرين (٢٩) ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ أي: (ما (٣٠) (٣١) (٣٢) وهذا قول السدي (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال الكلبي: (هو فضل المال كان يأخذه بعد الكل والعيال، ليس فيه شيء مؤقت، ثم نزلت الزكاة المفروضة بعد ذلك فنسخت الفضل) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: بلا (٣٧) (٣٨) ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ .

قال الضحاك: (وأعرض عن المشركين) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ على قول عطاء (٤٣) (٤٤) قال ابن زيد (٤٥)  : "كيف يا رب والغضب"؟

فنزل قوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ﴾ ) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يعرض لك من الشيطان عارض) (٥٠) (٥١) (٥٢) وقال الزجاج: (المعنى: إن نالك من الشيطان أدنى وسوسة) (٥٣) وقال عبد الله بن مسلم: (وإما يستخفنك الشيطان.

قال: ويقال: نزغ بيننا فلان أي: أفسد) (٥٤) وقال بعض أهل المعاني: (معنى النزغ: الإزعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب، وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وهذه نزغة من الشيطان للخصلة الحاملة عليه) (٥٥) (٥٦) ﴿ يَنْزَغَنَّكَ ﴾ جزم بـ "إِنْ" التي للجزاء إلا أنه لا يتبين فيه الإعراب لأنه مبني مع نوع التأكيد بالفتح إذ كانت مشددة ولا بد (٥٧) (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ أي: اطلب النجاة من تلك البلية بالله، ومضى معنى (٥٩) ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لدعائك ﴿ عَلِيم ﴾ بما عرض لك.

(١) هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2489 (عما).

(٢) "تفسير مجاهد" 1/ 253، وأخرجه الطبري 9/ 153، وابن أبي حاتم 5/ 1637، والنحاس في "معانيه" 3/ 119 من طرق جيدة (٣) ذكره الماوردي 2/ 288، والواحدي في "الوسيط" 2/ 288، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 307.

(٤) عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، تقدمت ترجمته.

(٥) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 145، والطبري 9/ 153 - 154 من طرق جيدة، وذكرِه ابن أبي حاتم 5/ 1637.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2489 (عفا)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 236، و"غريب القرآن" ص 155، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 186، و"تفسير الطبري" 9/ 154 - 155.

(٨) لفظ: (من الخير) ساقط من (أ).

(٩) تبسأ به أي: تأنس به.

انظر: "اللسان" 1/ 279 (بسأ).

(١٠) هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2404 (عرف).

(١١) "تفسير مقاتل" 2/ 81 (١٢) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 155 من طرق جيدة.

(١٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 288 عن الضحاك، وأخرجه وابن أبي حاتم 5/ 1638 بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس وقال: (وروي عن عروة والسدي وسفيان الثوري نحوه) وأخرجه الطبري 9/ 156 من طرق جيدة عن السدي وقتادة.

(١٤) "تنوير المقباس" 2/ 149، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 67، وهذا قول الأكثر، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 236، تفسير سورة الأعراف "تفسير غريب القرآن" ص 186، و"تفسير الطبري" 9/ 156، و"معاني الزجاج" 2/ 396، و"نزهة القلوب" ص 336، و"معاني النحاس" 3/ 120، و"تفسير السمرقندي" 1/ 589، وقال النحاس في "ناسخه" 2/ 363: (هذا هو المعروف في اللغة).

(١٥) لفظ: (عند) ساقط من (ب).

(١٦) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 659، و"إحكام القرآن" لابن العربي 2/ 823 - 826.

(١٧) في (ب): (عن).

(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 156، و"النا سخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 364.

(١٩) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 246، والطبري 9/ 155، وابن أبي حاتم 5/ 1638 بسند جيد عن أمي بن ربيعة المرادي وهو مرسل، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 308: (هو مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر فقد رواه ابن مردويه مرفوعاً عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة) اهـ.

وقال ابن حجر في "الفتح" 8/ 306، وفي "الكافي الشاف" ص 66: (رواه الطبري مرسلًا وابن مردويه موصولاً من حديث جابر وقيس) اهـ.

وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 628، وزاد نسبته: (إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وأبي الشيخ) اهـ.

وأخرجه السمرقندي 1/ 590 عن أبي هريرة  ، وذكره الماوردي 2/ 288، عن ابن زيد، وذكره الرازي 15/ 96 عن عكرمة، وانظر مرويات الإمام أحمد في "التفسير" 2/ 228.

(٢٠) ذكره الرازي 15/ 96، عن أهل العلم.

(٢١) أخرجه الطبري 9/ 156 بسند جيد.

(٢٢) عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبو بكر القرشي المكي المدني، صحابي، إمام، عالم، عابد، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، وكان فارسًا شجاعًا له مواقف مشهودة، شهد اليرموك وفتح المغرب وغيرهما ، وله قدر كبير في العلم والعبادة والشرف والجهاد، وفضله وثناء الأئمة عليه كثير، تولى الخلافة تسع سنين، وقتل  في ذي الحجة سنة 73 هـ.

انظر: "الحلية" 1/ 329، و"الاستيعاب" 3/ 39 رقم (1553)، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 266، و"وفيات الأعيان" 3/ 71، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 363، و"الإصابة" 2/ 309، و"تهذيب التهذيب" 2/ 333.

(٢٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" 5/ 198، تفسير سورة الأعراف وأبو داود كتاب التفسير، باب: خذ العفو وأمر بالعرف رقم (4643)، والنسائي في "التفسير" 1/ 512 رقم 215، والطبري 9/ 154، ووقع في طبعتنا (أبي الزبير) والصواب: (ابن الزبير)، وابن أبي حاتم 5/ 1637 كتاب الأدب، باب: باب في التجاوز في الأمر، والنحاس في "ناسخه" 2/ 360، والواحدي في "الوسيط" 2/ 287، وفي رواية عند البخاري قال: (أمر الله نبيه  أن يأخذ العفو من أخلاق الناس) اهـ.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 25: (رواه الطبراني في "الأوسط" عن عبد الله بن عمر  ورجاله ثقات) اهـ.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 280، وقال النحاس في "ناسخه" 2/ 360 بعد الحديث: (هذا أولى ما قيل في الآية لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يخبر بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يسع أحدًا مخالفته، والمعنى عليه: خذ العفو، أي: السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم، ولا تعنف بهم، وكذا كانت أخلاقه  أنه ما لقي أحدًا قط بمكروه في وجهه، ولا ضرب أحدًا بيده) اهـ.

وانظر: شرح الحديث في "فتح البارى" 8/ 305.

(٢٤) الصادق هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، تابعي إمام عابد عالم ثقة، تقدت ترجمته.

(٢٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 32 أ، والبغوي 3/ 316، والزمخشري 2/ 139، والرازي 15/ 96، والقرطبي 7/ 345، والخازن 2/ 328.

(٢٦) في (ب): (بالمعروف).

(٢٧) "تأويل مشكل القرآن" ص 4، 5.

(٢٨) لفظ: (الآية) ساقط من (ب).

(٢٩) في (ب): (والمفسرين)، وهو تحريف.

(٣٠) في (ب): (مما عفا لك).

(٣١) الكل، بالفتح واللام: اليتيم، والكلُّ الذي هو عيال وثقل على صاحبه.

والكلُّ: الوكيل، وكلَّ الرجل إذا تعب، وكلَّ عنه نبا وضعف، انظر: "اللسان" 7/ 3919 (كلل).

(٣٢) أخرجه الطبري 9/ 154، وابن أبي حاتم 5/ 1638 بسند جيد، وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عنه بسند جيد قال: ( ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ الفضل).

(٣٣) أخرجه الطبري 9/ 154 بسند جيد.

(٣٤) "تفسير مقاتل" 2/ 81.

(٣٥) أخرجه الطبري 9/ 154 بسند ضعيف وذكره النحاس في "ناسخه" 2/ 358 - 359، والماوردي 2/ 288، عن ابن عباس والسدي والضحاك، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1638 بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس قال: (خذ الفضل: أنفق الفضل) اهـ.

(٣٦) "تنوير المقباس" 2/ 149، وذكره هود الهواري 2/ 67، عن الكلبي، وذكره الثعلبي 6/ 31/ ب، والبغوي 3/ 316، عن ابن عباس والسدي والضحاك، وهو قول أبي عبد الله محمد بن حزم في "ناسخه" ص 38، وهبة الله بن سلامة في "ناسخه" ص70، والظاهر عدم النسخ، وأن المعنى: أقبل الميسور من أخلاق الناس، وقد يدخل فيه فضل المال ومكان عن ظهر غنى فالآية محكمة وهو اختيار الجمهور، انظر: "تفسير الطبري" 9/ 155، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 360، و"الإيضاح" لمكي ص 253، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 342، و"زاد المسير" 3/ 308، و"النسخ في القرآن" للدكتور/ مصطفى زيد 2/ 732.

(٣٧) في (ب): (يريد لا إله إلا الله)، والأثر ذكره الثعلبي 6/ 31 ب، والبغوي 3/ 316، والقرطبي 7/ 346، والخازن 2/ 328، عن عطاء فقط.

(٣٨) في (ب): (الفضل) وقد سبق تخريج الأثر، والظاهر أنه في تفسير قوله: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ وليس في قوله: ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ لأنه محكم.

(٣٩) لم أقف عليه.

(٤٠) "تفسير مقاتل" 2/ 81 - 82، وهو قول ابن حزم في "ناسخه" ص 38.

(٤١) "تنوير المقباس" 2/ 149، وهو قول هبة الله بن سلامة في "ناسخه" ص70.

(٤٢) هي الآية -5 من سورة التوبة، وقد سبق ذكرها.

(٤٣) سبق تخريجه، وهو عندهم موصولًا بقوله: (يريد بلا إله إلا الله قال: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ أبي جهل وأصحابه نسخها بآية السيف، وقال القرطبي 7/ 347: (قال عطاء وابن زيد: هي منسوخة بآية السيف، وقال مجاهد وقتادة هي محكمة وهو الصحيح) اهـ.

والذين قالوا بالنسخ جماعة ذكرهم المؤلف ولم يذكر عطاء معهم.

(٤٤) أي أن الآية محكمة والمعنى: إنه عام فيمن جهل، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم وإن وجب الإنكار عليهم، وهذا هو الصحيح واختيار الجمهور.

انظر: "تفسير الطبري" 9/ 153 - 156، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 363، و"الإيضاح" لمكي ص 2536، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 3414، و"تفسير ابن عطية" 185 - 187، وابن الجوزي 3/ 308، والرازي 15/ 96 - 97، و"البحر" 4/ 448، و"النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 2/ 833.

(٤٥) أخرجه الطبري 9/ 156 - 157 بسند جيد عن عبد الرحمن بن زيد وهو مرسل، وذكره الثعلبي 6/ 32 أ ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 289، والبغوي 13/ 317 (٤٦) لفظ: (نزغ) ساقط من (ب).

(٤٧) النص في "تهذيب اللغة" 4/ 3552، وانظر: "الجمهرة" 2/ 820، و"الصحاح" 4/ 1327، و"مقاييس اللغة" 5/ 416، و"اللسان" 7/ 4397 (نزغ).

(٤٨) "تهذيب اللغة" 4/ 3552.

(٤٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3552، وانظر: "العين" 4/ 384، و"البارع" ص 330.

(٥٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 289.

(٥١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٥٢) "تفسيرمقاتل" 2/ 82.

(٥٣) "معاني الزجاج" 2/ 396، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 120.

(٥٤) "تفسير غريب القرآن" ص 186، ونحوه في "مجاز القرآن" 1/ 236، و"غريب القرآن" ص 156، و"تفسير المشكل" ص 89.

(٥٥) انظر: الرازي 15/ 97.

(٥٦) ﴿ يَنْزَغَنَّكَ ﴾ مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للتوكيد حسن تأكيده بالنون لما دخلت عليه ما، انظر: "إعراب النحاس" 1/ 660.

(٥٧) في: (أ): (مشددة أبد من تحريك) وهو تحريف.

(٥٨) انظر: "الكتاب" 3/ 514 - 519.

(٥٩) انظر: "البسيط" البقرة: 67، النسخة الأزهرية 1/ 84/ أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خُذِ العفو ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المعنى خذ من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما تيسر لا ما يشق عليهم، لئلا ينفروا فالعفو على هذا بمعنى السهل والصفح عنهم، وهو ضد الجهل والتكليف كقول الشاعر: خذي العفو مني تستديمي مودتي والآخر أن المعنى من الصدقات ما سهل على الناس في أموالهم أو ما فضل لهم، وذلك قبل فرض الزكاة، فالعفو على هذا بمعنى السهل أو بمعنى الكثرة ﴿ وَأْمُرْ بالعرف ﴾ أي المعروف وهو فعل الخير، وقيل العفو الجاري بين الناس من العوائد، واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعوائد ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين ﴾ أي لا تكافئ السفهاء بمثل قولهم أو فعلهم واحلم عنهم، ولما نزلت هذه الآية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عنها، فقال: لا أدري حتى أسأل؛ ثم رجع فقال يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بمكارم الأخلاق، وهي على هذا ثابتة الحكم وهو الصحيح، وقيل كانت مداراة للكفار، ثم نسخت بالقتال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طيف ﴾ بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون: ﴿ طائف ﴾ على وزن "فاعل" ﴿ يمدونهم ﴾ من الإمداد: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿ العفو وأمر ﴾ مدغماً: أبو عمرو.

وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مبصرون ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿ لا يقصرون ﴾ ه ﴿ اجتبيتها ﴾ ط ﴿ من ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ من الغافلين ﴾ ه ﴿ يسجدون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة.

واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله ﴿ خذ العفو ﴾ ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه  ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو والمعروف.

والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق.

ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله  : "يا جبرائيل ما هذا؟

فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" .

قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل.

يروى عن جعفر الصادق  : ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا ﴿ خذ العفو ﴾ أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة ﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال.

والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي.

وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ.

قال أبو زيد: لما نزل قوله ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال رسول الله  : كيف يا رب والغضب؟

فنزل ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه.

عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب.

ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي  : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .

قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة.

والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه  قبل تلك الوسوسة منه؟

ولو سلم فمحمول على ترك الأولى.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنه سميع عليم ﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه  قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.

ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ﴾ قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء.

والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً.

ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين.

قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته.

ومفعول ﴿ تذكروا ﴾ محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد.

واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله  خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال  : "من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنهربما انقلب الضعيف قوياً.

وبالجملة فالمراد من قوله  ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله ﴿ تذكروا ﴾ الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله ﴿ وإخوانهم ﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والضمير المرفوع في ﴿ يمدون ﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له.

والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي.

وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له.

قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن ﴿ إخوانهم ﴾ في مقابلة ﴿ الذين اتقوا ﴾ قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله ﴿ إنما نمدهم به من مال ﴾ \[المؤمنون: 55\] ﴿ وأمددناهم بفاكهة  ﴾ ﴿ أتمدونن بمال  ﴾ وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون  ﴾ فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ أما قوله ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ فالإقصار الكف عن الشيء.

قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.

ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ثم إنه  ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر.

والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟

وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿ إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي ﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها.

ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿ هذا ﴾ يعني القرآن ﴿ بصائر ﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿ هدى ﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان.

فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإنصات السكوت للاستماع.

قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر.

وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت.

وقال قتادة.

كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت.

ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن.

وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه  فنزلت.

وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه.

وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع.

واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا.

والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع.

وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور.

وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز.

قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً.

وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام.

هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة.

وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله ﴿ ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق.

وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه.

ثم أمر نبيه وأمته تبعيته  بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء.

والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء.

قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه.

قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة.

الثالث والرابع: ﴿ تضرعاً وخيفة ﴾ أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية.

والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة.

الخامس: قوله ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء.

قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.

السادس: قوله ﴿ بالغدو والآصال ﴾ والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته.

وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.

وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته.

إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.

وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.

السابع: قوله ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ فيداومون على ذلك ﴿ ويسبحونه ﴾ يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم ﴿ وله يسجدون ﴾ بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح.

وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح.

والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق.

التأويل: ﴿ وأمر بالعرف ﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿ من الشيطان نزغ ﴾ في طلب غير الله ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من طلب غير الله ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال  : "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.

﴿ طائف من الشيطان ﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿ وإخوانهم ﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿ وإذا لم تأتهم ﴾ أي لم تأت القلوب ﴿ بآية ﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿ قالوا ﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿ قل إنما أتبع ﴾ إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني.

﴿ فاستمعوا ﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿ وأنصتوا ﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر" فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿ تضرعاً ﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿ وخيفة ﴾ في الوسط ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ﴿ ولا تكوننَّ من الغافلين ﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿ يسبحونه ﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿ وله يسجدون ﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: على حقيقة الأخذ.

والثاني: على العمل بالعفو.

فإن كان على الأخذ فهو على وجهين: [الأول:] يحتمل أن خذ الفضل الذي لا حق فيه، وهو القليل من ذلك واليسير.

والثاني: أن خذ ما يفضل من أنفسهم وحوائجهم من غير مسألة، أي: اقبل منهم ما أعطوك، ولا تلح في المسألة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ  إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ  ﴾ ؛ أخبر أنه إن يسألهم أموالهم حملهم ذلك على البخل.

وإن كان على العمل فهو على وجوه: أي: اعف [عن] الظلمة، عن ظلمهم، وأعرض عن السفهاء واحلم معهم؛ أمر رسول الله  أن يعامل الخلق بأشياء ثلاثة: أمر أن يعفو عن الظلمة عن ظلمهم، لا يكافئهم بظلمهم، وأمر أن يعرض عن السفهاء والجهال ويحلم معهم، وأمر أن يعامل المؤمنين باللين والرفق؛ ولذلك وصفه بالرحمة والرأفة بقوله: ﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ .

وروي عن عبد الله بن الزبير قال: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس.

وعن قتادة: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ قال: خلق حسن أمر الله به نبيه ودعاه إليه.

إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وإلى ذلك صرف تأويل الآية.

وقال بعضهم: هو أخذ الفضل من المال على ما ذكرنا؛ فهو منسوخ بآية الزكاة.

وروي في حرف ابن مسعود وأبي: (خذ العفو وأمر بالعرف وانه عن المنكر وأعرض عن الجاهلين).

وفيه دلالة [أنه] أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والمعروف: هو اسم كل خير، وأمره بأن يأخذ بالعفو عن الظلمة، على ما ذكرنا، وعلى ذلك روي عن عائشة قالت: "كان رجل يشتم رسول الله  ويؤذيه، فدخل على رسول الله  ، فأوسع له، وأدناه، ورحب به؛ قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس هذا كان يشتمك؟

قال: بلى يا عائشة؛ إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرورهم وألسنتهم" إلى مثل هذا دعى رسول الله بالعفو والصفح عن الظلمة وترك المكافأة.

وقوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ أي: مر الناس بالعرف، وهو ما تشهد خلقتك وتأمرك به أشياء ثلاثة، اثنان فيما بينه وبين ربه، والواحد فيما بينه وبين الناس؛ أمّا الاثنان اللذان فيما بينه وبين ربه: أحدهما: تأمر خلقته، وتشهد على وحدانية الله، والدلالة على ألوهيته.

والثاني: تشهد على نعم الله إليه فيدعوه إلى الشكر له فيما أنعم [الله] عليه.

وأما الوجه الذي تدعو خلقته فيما بينه وبين الناس: فهو ما ترغب نفسه في كل محاسن ومرغوب فيه، وتنفر نفسه عن كل أذى وسوء، فأمر رسول الله  أن يعامل الخلق بما ترغب نفسه وتطمع في المحاسن، وتنفر عنه وتكره، يفعل إليهم في كل ما ترغب نفسه فيه وتطمع، ويمتنع عن كل أذى وسوء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ .

قال بعضهم: النزغة هي أدنى أفعال المعصية؛ وكذلك فسره ابن عباس -  - يقول: إذا أذنبت ذنباً فاستعذ بالله.

وقال القتبي: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ أي: يستخفنك، ويقال: نزغ شيئاً: إذا أفسده.

وقال أبو عوسجة: النزغ: التحريك للفساد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: يوسوسك الشيطان وسوسة فاستعذ بالله.

ثم في الاستعاذة وجهان: أحدهما: أمره بالفزع إلى الله عند ما يوسوسه الشيطان والالتجاء إليه؛ لما رأى نفسه عاجزة عن دفع ما يوسوس إليه، ورد ما يكون؛ فهو الدافع عنه ذلك وهو الراد.

وقال الخليل: أعوذ بالله، أي: ألجأ إلى الله -  - وكذلك قوله: أستعيذ بالله، ومعاذ الله معناه: أعوذ بالله، ومنه الإعاذة والتعوذ والتعويذ.

وقال غيره: أعوذ بالله، أي: أمتنع بالله.

وقيل: أعوذ بالله، أي: أتحصن بالله.

وقيل: الاستعاذة: هي الاستغاثة بالله؛ لدفع ما اعترض له من الشيطان.

وكله قريب بعضه من بعض.

ثم الحكمة فيما جعل عدوهم من غير جنسهم من حيث لا يرونه ويراهم وجهان: أحدهما: ليكونوا أبداً على التيقظ والانتباه، غير غافلين عنه.

والثاني: ليكونوا أبداً فزعين إلى الله -  - متضرعين إليه، مبتهلين؛ ليكون هو الحافظ لهم، والدافع عنهم شره ووسواسه.

وفيما أمر بالفزع إلى الله والاستعاذة به عند نزغ الشيطان نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: قد أعطاهم جميع ما يدفعون به وساوسه ونزغاته، حتى لم يبق عنده شيء يعيذه؛ فعلى قولهم يخرج طلب الإعاذة مخرج كتمان النعمة، أو مخرج الهزء به؛ [أما الهزء به] لأنه يسأله ما يعلم أنه ليس ذلك عنده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

وقرئ: (طيف من الشيطان)؛ فمن قرأ: (طيف) قال: [أي] اللمة [و] الخطرة [و] الشيء يغشيك.

وقال: وأما الطائف فهو من الطواف.

وقيل: الطيف: الوسوسة.

وقيل: ما يأتيك من الشيطان.

وقيل: الطائف والطيف سواء.

وعن ابن عباس: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ قال: إذا أذنبوا ذنباً ﴿ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ يقول: تذكروا ذنوبهم فتابوا منها، وكذلك قال في قوله: ﴿ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ ﴾ : هو أدنى ذنب يرتكبه، فإن كان على هذا فهو يخرج على النهي عن ذلك، فهو كالمخاطبات التي خاطب بها رسول الله  كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ، وإن كان يعلم أنه لا يشك ولا يجهل ولا يشرك غيره في أمره؛ فعلى ذلك هذا الخطاب الذي خاطبه بقوله: ﴿ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

وإن كان ما ذكر هو من أدنى ذنب يرتكبه، فهو يخرج ذلك على تعليمه أمته أن كيف يفعلون إذا اعترض لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ .

[يحتمل أن يكون قوله]: ﴿ ٱتَّقَواْ ﴾ مكائد الشيطان؛ إذا أصابهم شيء من ذلك تذكروا ذلك، فعرفوا أنه من الشيطان، ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ أي: أبصروا أنه من الشيطان.

أو أن يقال: أي: هم من أهل البصر يبصرون عما اتقوا به أنه من الشيطان.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ المعاصي، إذا أصابتهم وسوسة من الشيطان تذكروا ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: اتقوا الشرك، لكن لا كل من اتقى الشرك يكون كما ذكر.

وقوله: ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ...

﴾ الآية.

يحتمل وجوهاً: أحدها: إذا مسهم ذلك تابوا عما كان منهم؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً...

﴾ الآية [آل عمران: 135].

والثاني: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ وجوه حيل دفع وساوسه.

والثالث: ﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ استعاذوا به حيث أمرهم بالاستعاذة به عند النزغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعني: إخوان الكفار الشياطين، ﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ﴾ قالوا: في الشرك والمعصية، ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ ، عنها؛ أي: لا ينتهون عنها، ولا يبصرونها كما أبصر الذين اتقوا عنها حين أبصروها.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ يعني: أصحاب الذين اتقوا، وهم شياطينهم من الإنس يدعونهم إلى دينهم، لكنهم لا يجيبونهم ولا يطيعونهم فيما يدعون إليه؛ إذ يجوز أن يكون لكل مؤمن شيطان من الإنس وشيطان من الجن؛ كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ فقد دعا أولئك شياطين الجن فتذكروا فلم يجيبوهم، ثم دعاهم شياطين الإنس - أيضاً - فلا يجيبونهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اقبل -أيها الرسول- من الناس ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، ولا تكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، فإن ذلك ينفِّرهم، وَأْمُرْ بكل قول جميل وفعل حسن، وأعرض عن الجاهلين، فلا تقابلهم بجهلهم، فمن آذاك فلا تؤذه، ومَن حَرَمَكَ فلا تَحْرمْه.

<div class="verse-tafsir" id="91.5oXVr"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله