الآية ٢١ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢١ من سورة الأعراف

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وقاسمهما ) أي : حلف لهما بالله : ( إني لكما لمن الناصحين ) فإني من قبلكما هاهنا ، وأعلم بهذا المكان ، وهذا من باب المفاعلة والمراد أحد الطرفين ، كما قال خالد بن زهير ، ابن عم أبي ذؤيب : وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذ ما نشورها أي : حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن بالله ، فقال : إني خلقت قبلكما ، وأنا أعلم منكما ، فاتبعاني أرشدكما .

وكان بعض أهل العلم يقول : " من خادعنا بالله خدعنا له " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وقاسمهما)، وحلف لهما, كما قال في موضع آخر: تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ ، [سورة النمل: 49]، بمعنى تحالفوا بالله ، وكما قال خالد بن زهير[ابن] عمّ أبي ذويب: (52) وَقَاسَــمَهَا بِاللــهِ جَــهْدًا لأَنْتُــمُ ألَـذُّ مِـنَ السَّـلْوَى إِذَا مَـا نَشُـورُهَا (53) بمعنى: وحالفهما بالله ، وكما قال أعشى بني ثعلبة: رَضِيعَــيْ لِبَـانٍ, ثَـدْيَ أُمٍّ تَقَاسَـمَا بِأَسْــحَمَ دَاجٍ عَــوْضُ لا نَتَفَــرَّقُ (54) بمعنى تحالفا.

* * * وقوله: (إني لكما لمن الناصحين) أي: لممن ينصح لكما في مشورته لكما, وأمره إياكما بأكل ثمر الشجرة التي نهيتما عن أكل ثمرها، وفي خبري إياكما بما أخبركما به، من أنكما إن أكلتماه كنتما ملكين أو كنتما من الخالدين، كما:- 14396- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين)، فحلف لهما بالله حتى خدعهما, وقد يُخْدع المؤمن بالله, فقال: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما, فاتبعاني أرشدكما.

وكان بعض أهل العلم يقول: " من خادَعنا بالله خُدِعْنا ".

-------------------- الهوامش : (52) جاء في المطبوعة والمخطوطة (( خالد بن زهير عم أبي ذؤيب )) ، ولم أجد هذا القول لأحد ، بل الذي قالوه أن (( خالد بن زهير الهذلي )) ، هو ابن أخت أبي ذؤيب ، أو ابن أخيه ، أو : ابن عم أبي ذؤيب .

فالظاهر أن صواب الجملة هو ما أثبت .

انظر خزانة الأدب 2 : 320 ، 321 /3 : 597 ، 598 ، 647 ، 648 .

(53) ديوان الهذلين 1 : 158 ، من قصائده التي تقارضها هو وأبو ذؤيب في المرأة التي كانت ضصديقة عبد عمرو بن مالك ، فكان أبو ذؤيب رسوله إليها ، فلما كبر عبد عمرو احتال لها أبو ذؤيب فأخذها منه وخادنها .

وغاضبها أبو ذؤيب ، فكان رسوله إلى هذه المرأة ابن عمه خالد بن زهير ، ففعل به ما فعل هو بعبد عمرو بن مالك ، أخذ منه المرأة فخادنه ، فغاضبه أبو ذؤيب وغاضبها ، وقال لها حين جاءت تعتذر إليه : تُرِيــدينَ كَيْمَـا تَجْـمَعِينِي وَخَـالِدًا !

وَهَـلْ يُجْمَعُ السَّيْفَان وَيْحَكِ فِي غِمْدِ !

أَخَـالِدُ ، مَـا رَاعَيْـتَ مـن ذِي قَرَابَةٍ فَتَحْـفَظَنِي بِـالْغَيْبِ، أوْ بَعْضَ مَا تُبْدِي دَعَــاكَ إلَيْهَــا مُقْلَتَاهــا وَجِيدُهَـا فَمِلْـتَ كَمَـا مَـالَ المُحِـبُّ عَلَى عَمْدِ ثم قال لخالد : رَعَـي خَـالِدٌ سِـرِّي ، لَيَـالِيَ نَفْسُـهُ تَـوَالَى عـلى قَصْـدِ السَّـبِيلِ أُمُورُهَا فَلَمَّــا تَرَامَــاهُ الشَّــبَابُ وَغَيُّــهُ، وَفـي النَّفْسِ مِنْـهُ فِتْنَـةٌ وَفُجُورُهَـا لَـوَى رَأْسَـهُ عَنِّـي ، ومَــالَ بِـوُدِّه أَغَـانِيجُ خَـوْدٍ كَـانَ قِدْمًـا يَزُورُهَـا فأجابه خالد من أبيات : فَـلا تَجْـزَعَنْ مِـنْ سُـنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَها وَأَوَّلُ رَاضٍ سُــنَّةً مَــنْ يَسِـيرُهَا فَـإنَّ الَّتِـي فِينَـا زَعَمْـتَ ، ومِثْلُهَـا لَفِيــكَ ، وَلَكِــنِّي أَرَاكَ تَجُورُهَــا تَنَقَّذْتَهَـا مِـنْ عَبْـدِ عَمْـرو بن مَالِكٍ وأَنْـتَ صَفِـيُّ النَّفْسِ مِنْـهُ وَخِيرُهـا يُطِيــلُ ثَــوَاءً عِنْدَهــا لِيَرُدَّهَــا وَهَيْهَـاتَ مِنْـهُ دُورُهَــا وقُصُورهـا وَقَاسَـــمَهَا باللــه ...............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

و(( السلوى )) ، العسل .

(( شار العسل يشوره )) ، أخذ من موضعه في الخلية .

(54) ديوانه : 150 ، اللسان ( عوض ) ( سحم ) من قصيدة مضت منها أبيات كثيرة .

وقد ذكرت هذا البيت في شرح بيت سالف 10 : 451 ، تعليق : 1 = و (( الأسحم )) ، الضارب إلى السواد ، و (( عوض )) لما يستقبل من الزمان بمعنى : (( أبدًا )) .

واختلفوا في معنى (( بأسحم داج )) ، وإقسامه به .

فقالوا : أراد الليل .

وقالوا : أراد سواد حلمة سدي أمه .

وقيل أراد الرحم وظلمته .

قيل : أراد الدم ، لسواده ، تغمس فيه اليد عند التحالف .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وقاسمهما إني لكما لمن الناصحينقوله تعالى وقاسمهما أي حلف لهما .

يقال : أقسم إقساما ; أي حلف .

قال الشاعر :وقاسمها بالله جهدا لأنتمألذ من السلوى إذا ما نشورهاوجاء " فاعلت " من واحد .

وهو يرد على من قال : إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين .

وقد تقدم في " المائدة "إني لكما لمن الناصحين ليس لكما داخلا في الصلة .

والتقدير : إني ناصح لكما لمن الناصحين ; قاله هشام النحوي .

وقد تقدم مثله في " البقرة " ومعنى الكلام : اتبعاني أرشدكما ; ذكره قتادة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومع قوله هذا أقسم لهما باللّه { إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } أي: من جملة الناصحين حيث قلت لكما ما قلت، فاغترا بذلك، وغلبت الشهوة في تلك الحال على العقل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) أي : وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد ، قال قتادة : حلف لهما بالله حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن بالله ، فقال : إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما ، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا ، فلما حلف ظن آدم أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا ، فاغتر به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقاسمهما» أي أقسم لهما بالله «إني لكما لمن الناصحين» في ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأقسم الشيطان لآدم وحواء بالله إنه ممن ينصح لهما في مشورته عليهما بالأكل من الشجرة، وهو كاذب في ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة أو بالقول المجرد ، وإنما أضاف إلى ذلك القسم المؤكد فقال : ( وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ) أى : أقسم لهما بالله إنه لهما لمن الناصحين المخلصين الذين يسعون لما فيه منفعتهما .قال الآلوسى : إنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة ، لأن من يبارى أحداً فى فعل يجد فيه .

وقيل المفاعلة على بابها ، والقسم وقع من الجانبين ، لكنه اختلف متعلقه ، فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يقال: وسوس إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره، وبه سمي صوت الحلي وسواساً وهو فعل غيرمتعد كقولنا: ولولوت المرأة، وقولنا: وعوع الذئب، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح، ولكن موسوس له وموسوس إليه، وهو الذي يلقي إليه الوسوسة، ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: كيف وسوس إليه وآدم كان في الجنة وإبليس أخرج منها.

والجواب: قال الحسن: كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له، وقال أبو مسلم الأصفهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة، وقال آخرون: إن آدم وحواء ربما قرباً من باب الجنة، وكان إبليس واقفاً من خارج الجنة على بابها، فيقرب فيقرب أحدهما من الآخر وتحصل الوسوسة هناك.

السؤال الثاني: أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله.

والجواب: لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مراراً كثيرة ورغبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم عليه السلام.

السؤال الثالث: لم قال: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان ﴾ .

والجواب: معنى وسوس له أي فعل الوسوسة لأجله والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا ﴾ في هذا اللام قولان: أحدهما: أنه لام العاقبة كما في قوله: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عوراتهما، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط.

الثاني: لا يبعد أيضاً أن يقال: إنه لام الغرض ثم فيه وجهان: أحدهما: أن يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه، والمعنى: أن غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم زوال حرمته وذهاب منصبه.

والثاني: لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته، وذلك يدل على نهاية الضرر وسقوط الحرمة، فكان يوسوس إليه لحصول هذا الغرض، وقوله: ﴿ مَا ووري عنهما من سوءَاتهما ﴾ فيه مباحث: البحث الأول: ما وري مأخوذ من المواراة يقال: واريته أي سترته.

قال تعالى: ﴿ يواري سوأة أخيه  ﴾ .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لما أخبره بوفاة أبيه: اذهب فواره.

البحث الثاني: السوأة فرج الرجل والمرأة، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان.

قال ابن عباس رضي الله عنهما كأنهما قد ألبسا ثوباً يستر عورتهما، فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُما ﴾ .

البحث الثالث: دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول وقوله: ﴿ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴾ يمكن أن يكون هذا الكلام ذكره إبليس بحيث خاطب به آدم وحواء، ويمكن أيضاً أن يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما، والأمران مرويان إلا أن الأغلب أنه كان ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ ومعنى الكلام أن إبليس قال لهما في الوسوسة: إلا أن تكون ملكين وأراد به أن تكونا بمنزلة الملائكة إن أكلتما منها أو تكونا من الخالدين إن أكلتما، فرغبهما بأن أوهمهما أن من أكلها صار كذلك وأنه تعالى إنما نهاهما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ولا يخلدا، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف أطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله.

والجواب: من وجوه: الأول: أن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض.

أما ملائكة السموات وسكان العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبتة لآدم، ولو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع فاسداً مختلاً.

وثانيها: نقل الواحدي عن بعضهم أنه قال: إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أن يصير مثل الملك في البقاء، وأقول: هذا الجواب ضعيف، لأن على هذا التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود وحينئذ لا يبقى فرق بين قوله: ﴿ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ وبين قوله: ﴿ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴾ .

والوجه الثاني: قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ملكين ويقول: ما طمعا في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ملكين، وإنما أتاهما الملعون من جهة الملك، ويدل على هذا قوله: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى  ﴾ وأقول هذا الجواب أيضاً ضعيف، وبيانه من وجهين: الأول: هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة: فهل يقول ابن عباس إن تلك القراءة المشهورة باطلة أو لا يقول ذلك؟

والأول باطل، لأن تلك القراءة قراءة متواترة، فكيف يمكن الطعن فيها، وأما الثاني: فعلى هذا التقدير الإشكال باق.

لأن على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة وحينئذ يعود السؤال.

والوجه الثاني: أنه تعالى جعل سجود الملائكة والخلق له في أن يسكن الجنة، وأن يأكل منها رغداً كيف شاء وأراد، ولا مزيد في الملك على هذه الدرجة.

السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النبوة.

والجواب من وجوه: الأول: أنا إذا قلنا إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم يدل على ذلك ولأن آدم حين طلب الوصول إلى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء، وعلى هذا التقدير فزال الاستدلال.

والثاني: أن بتقدير أن تكون هذه الواقعة وقعت في زمان النبوة فلعل آدم عليه السلام رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والشدة أو في خلقة الذات بأن يصير جوهراً نورانياً، وفي أن يصير من سكان العرش والكرسي، وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال.

السؤال الثالث: نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله: ﴿ إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾ وفي قوله: ﴿ وقاسمهما ﴾ قال عمرو وقلت للحسن: فهل صدقاه في ذلك.

فقال الحسن معاذ الله لو صدقاه لكانا من الكافرين ووجه السؤال: أنه كيف يلزم هذا التكفير بتقدير: أن يصدقا إبليس في ذلك القول.

والجواب: ذكروا في تقرير ذلك التكفير أنه عليه السلام لو صدق إبليس في الخلود لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة، وأنه كفر.

ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من ذلك التصديق حصول الكفر؟

وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على الدوام، وعلى هذا الوجه يندفع ما ذكروه.

الوجه الثاني: هب أن الخلود مفسر بالدوام، إلا أنا نسلم أن اعتقاد الدوام يوجب الكفر وتقريره أن العلم بأنه تعالى هل يميت هذا المكلف أو لا يميته، علم لا يحصل إلا من دليل السمع فلعله تعالى ما بين في وقت آدم عليه السلام أنه يميت الخلق، ولما لم يوجد ذلك الدليل السمعي كان آدم عليه السلام يجوز دوام البقاء، فلهذا السبب رغب فيه، وعلى هذا التقدير: فالتكفير غير لازم.

السؤال الرابع: ثبت بما سبق أن آدم وحواء لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكفيرهما، فهل يقولون إنهما صدقاه فيه قطعاً؟

وإن لم يحصل القطع فهل يقولون إنهما ظنا أن الأمر كما قال؟

أو ينكرون هذا الظن أيضاً.

والجواب: أن المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعاً وظناً، بل الصواب أنهما إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة، لا أنهما صدقاه علماً أو ظناً كما نجد أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.

السؤال الخامس: قوله: ﴿ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴾ هذا الترغيب والتطميع وقع في مجموع الأمرين أو في أحدهما.

والجواب: قال بعضهم: الترغيب كان في مجموع الأمرين، لأنه أدخل في الترغيب.

وقيل: بل هو على ظاهره على طريقة التخيير.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ أي وأقسم لهما إني لكما لمن الناصحين.

فإن قيل: المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك.

تقول: قاسمت فلاناً أي حالفته، وتقاسما تحالفاً ومنه قوله تعالى: ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ  ﴾ .

قلنا: فيه وجوه: الأول: التقدير أنه قال: أقسم لكما إني لكما لمن الناصحين.

وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين؟

فجعل ذلك مقاسمة بينهم.

والثاني: أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها.

الثالث: أنه أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم.

إذا عرفت هذا فنقول: قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، وقوله: ﴿ إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ أي قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم أحوالاً كثيرة من المصالح والمفاسد لا تعرفانها فامتثلا قولي أرشدكما.

ثم قال تعالى: ﴿ فدلاهما بِغُرُورٍ ﴾ وذكر أبو منصور الأزهري لهذه الكلمة أصلين: أحدهما: أصل الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.

فيقال: دلاه إذا أطمعه.

الثاني: ﴿ فدلاهما بِغُرُورٍ ﴾ أي أجرأهما إبليس على أكل الشجرة بغرور، والأصل فيه دللهما من الدل، والدالة وهي الجرأة.

إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: ﴿ فدلاهما بِغُرُورٍ ﴾ أي غرهما باليمين، وكان آدم يظن أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً.

وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق.

فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ ﴾ وذلك يدل على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه، ولولا أنه تعالى ذكر في آية أخرى أنهما أكلا منها، لكان ما في هذه الآية لا يدل على الأكل، لأن الذائق قد يكون ذائقاً من دون أكل.

ثم قال تعالى: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا ﴾ أي ظهرت عوراتهما، وزال النور عنهما ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ ﴾ قال الزجاج: معنى طفق: أخذ في الفعل ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ أي يجعلان ورقة على ورقة.

ومنه قيل للذي يرقع النعل خصاف، وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم، ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا ﴾ قال عطاء: بلغني أن الله ناداهما أفراراً مني يا آدم قال بل حياء منك يا رب ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، ثم ناداه ربه أما خلقتك بيدي، أما نفخت فيك من روحي، أما أسجدت لك ملائكتي، أما أسكنتك في جنتي في جواري!

ثم قال: ﴿ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ قال ابن عباس: بين العداوة حيث أبى السجود وقال: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ ﴾ وقلنا: يا آدم.

وقرئ: ﴿ هذي الشجرة ﴾ والأصل الياء، والهاء بدل منها، ويقال: وسوس، إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره.

ومنه وسوس الحليّ، وهو فعل غير متعدّ، كولولت المرأة ووعوع الذئب، ورجل موسوس- بكسر الواو- ولا يقال موسوس بالفتح، ولكن موسوس له، وموسوس إليه، وهو الذي تلقى إليه الوسوسة.

ومعنى وسوس له: فعل الوسوسة لأجله، ووسوس إليه: ألقاها إليه ﴿ لِيُبْدِيَ ﴾ جعل ذلك غرضاً له ليسوءهما إذا رأيا ما يؤثران ستره، وأن لا يطلع عليه مكشوفاً.

وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول.

فإن قلت: ما للواو المضمومة في ﴿ وُورِيَ ﴾ لم تقلب همزة كما قلبت في أو يصل؟

قلت: لأن الثانية مدّة كألف وارى.

وقد جاء في قراءة عبد الله: ﴿ أورى ﴾ بالقلب ﴿ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ إلاّ كراهة أن تكونا ملكين.

وفيه دليل على أن الملكية بالمنظر الأعلى، وأن البشرية تلمح مرتبتها كلا ولا.

وقرئ: ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام، كقوله ﴿ وَمُلْكٍ لاَّ يبلى ﴾ [طه: 120] .

﴿ مِنَ الخالدين ﴾ من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين.

وقرئ: ﴿ من سوأتهما ﴾ ، بالتوحيد، ﴿ وسوَّاتهما ﴾ ، بالواو المشددة ﴿ وَقَاسَمَهُمَا ﴾ وأقسم لهما ﴿ إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ .

فإن قلت: المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك تقول: قاسمت فلاناً حالفته، وتقاسما تحالفا.

ومنه قوله تعالى: ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيّتَنَّهُ ﴾ [النمل: 49] .

قلت: كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين، وقالا له أتقسم بالله إنك لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمة بينهم.

أو أقسم لهما بالنصحية وأقسما له بقبولها.

أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما ﴾ فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ بما غرّهما به من القسم بالله.

وعن قتادة: وإنما يخدع المؤمن بالله.

وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة ﴾ وجدا طعمها آخذين في الأكل منها.

وقيل: الشجرة هي السنبلة.

وقيل: شجرة الكرم ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما ﴾ أي تهافت عنهما اللباس فظهرت لهما عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر.

وعن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت منه ولا رأى مني.

وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.

وعن وهب: كان لباسهما نوراً يحول بينهما وبين النظر.

ويقال: طفق يفعل كذا، بمعنى جعل يفعل كذا.

وقرأ أبو السَّمَّال: ﴿ وطفقا ﴾ بالفتح ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ ورقة فوق ورقة على عوراتهما ليستترا بها، كما يخصف النعل، بأن تجعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.

وقرأ الحسن: ﴿ يخصفان ﴾ بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان.

وقرأ الزهري: ﴿ يُخصفان ﴾ ، من أخصف، وهو منقول من خصف أي يخصفان أنفسهما وقرئ: ﴿ يخصفان ﴾ من خصف بالتشديد ﴿ مِن وَرَقِ الجنة ﴾ قيل: كان ورق التين ﴿ أَلَمْ أَنْهَكُمَا ﴾ عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس وروي: أنه قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟

فقال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً.

قال: فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلاّ كدّاً.

فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

وَقِيلَ أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ.

وقِيلَ أقْسَما عَلَيْهِ بِاللَّهِ أنَّهُ لِمَنِ النّاصِحِينَ فَأقْسَمَ لَهُما فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً.

﴿ فَدَلاهُما ﴾ فَنَزَلَهُما إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِن دَرَجَةٍ عالِيَةٍ إلى رُتْبَةٍ سافِلَةٍ، فَإنَّ التَّدْلِيَةَ والإدْلاءَ إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ.

﴿ بِغُرُورٍ ﴾ بِما غَرَّهُما بِهِ مِنَ القَسَمِ فَإنَّهُما ظَنّا أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا، أوْ مُلْتَبِسَيْنِ بِغُرُورٍ.

﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ﴾ أيْ فَلَمّا وجَدا طَعْمَها آخِذَيْنِ في الأكْلِ مِنها أخَذَتْهُما العُقُوبَةُ وشُؤْمُ المَعْصِيَةِ، فَتَهافَتَ عَنْهُما لِباسُهُما وظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما.

واخْتُلِفَ في أنَّ الشَّجَرَةَ كانَتِ السُّنْبُلَةَ أوِ الكَرْمَ أوْ غَيْرَهُما، وأنَّ اللِّباسَ كانَ نُورًا أوْ حُلَّةً أوْ ظُفْرًا.

﴿ وَطَفِقا ﴾ يَخْصِفانِ أخَذا يُرَقِّعانِ ويَلْزَقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ.

﴿ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ ﴾ قِيلَ كانَ ورَقَ التِّينِ، وقُرِئَ « يَخْصِفانِ» مِن أخْصَفَ أيْ يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما ويَخْصِفانِ مِن خَصَفَ ويَخْصِفانِ وأصْلُهُ يَخْتَصِفانِ.

﴿ وَناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ عِتابٌ عَلى مُخالَفَةِ النَّهْيِ، وتَوْبِيخٌ عَلى الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ العَدُوِّ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَاسَمَهُمَا} وأقسم لهما {إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين} وأخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه لما كان منه القسم ومنهما التصديق فكانها من اثنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ ﴾ (21) أقْسَمَ لَهُما وإنَّما عَبَّرَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ مَن يُبارِي أحَدًا في فِعْلٍ يَجِدُّ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في لازِمِهِ وقِيلَ: المُفاعَلَةُ عَلى بابِها والقَسَمُ وقَعَ مِنَ الجانِبَيْنِ لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُهُ فَهو أقْسَمَ لَهُما عَلى النُّصْحِ وهُما أقْسَما لَهُ عَلى القَبُولِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لِوُجُودِ المُقاسَمَةِ عَنْ ذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو النَّصِيحَةُ أمّا حَيْثُ ذُكِرَ فَلا يَتِمُّ إلّا أنْ يُقالَ: سُمِّيَ قَبُولُ النَّصِيحَةِ نَصِيحَةٌ لِلْمُشاكَلَةِ والمُقابَلَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وواعَدْنا مُوسى ﴾ أنَّهُ سَمّى التِزامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الوَفاءَ والحُضُورَ لِلْمِيعادِ مِيعادًا فَأسْنَدَ التَّعْبِيرُ بِالمُفاعَلَةِ وقِيلَ: قالا لَهُ أتُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ وأقْسَمَ لَهُما فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً وعَلى هَذا فَيَكُونُ كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ في الكَلامِ لَفٌّ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ لا يُقْسِمانِ بِلَفْظِ التَّكَلُّمِ بَلْ بِلَفْظِ الخِطابِ وقِيلَ: إنَّهُ إلى التَّغْلِيبِ أقْرَبُ وقِيلَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى حَلِفًا عَلَيْهِ بِأنْ يَقُولَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ ﴿ فَدَلاهُما ﴾ أيْ حَطَّهُما عَلى دَرَجَتِهِما وأنْزَلَهُما عَنْ رُتْبَةِ الطّاعَةِ إلى رُتْبَةِ المَعْصِيَةِ فَهو مِن دَلّى الدَّلْوَ في البِئْرِ كَما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ مَعْناهُ أطْمَعَهُما وأصْلُهُ مِن تَدْلِيَةِ العَطْشانِ شَيْئًا في البِئْرِ فَلا يَجِدُ ما يَشْفِي غَلِيلَهُ وقِيلَ هو مِنَ الدّالَّةِ وهي الجُرْأةُ في فَجَرَّأهُما كَما قالَ.

أظُنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلى قَوْمِي وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ فَأبْدَلَ أحَدَ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ ياءً ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ أيْ بِما غَرَّهُما بِهِ مِنَ القَسَمِ أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الغُرُورَ مَجازًا عَنِ القَسَمِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وسَبَبُ غُرُورِهِما عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُما ظَنّا أنَّ أحَدًا لا يُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى كاذِبًا ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا وظاهِرُ هَذا أنَّهُما صَدَّقا ما قالَهُ فَأقْدَما عَلى ما نُهِيا عَنْهُ.

وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّصْدِيقَ لَمْ يُوجَدْ مِنهُما لا قَطْعًا ولا ظَنًّا وإنَّما أقْدَما عَلى المَنهِيِّ عَنْهُ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ كَما نَجِدُ مِن أنْفُسِنا أنْ نُقْدِمَ عَلى الفِعْلِ إذا زَيَّنَ لَنا الغَيْرُ ما نَشْتَهِيهِ وإنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أنَّ الأمْرَ كَما قالَ ولَعَلَّ كَلامَ اللَّعِينِ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ المُقَدِّماتِ الشِّعْرِيَّةِ أثارَ الشَّهْوَةَ حَتّى غَلَبَتْ ونَسِيَ مَعَها النَّهْيَ فَوَقَعَ الإقْدامُ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وقالَ القُطْبُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالُ إنَّ اللَّعِينَ لَمّا وسْوَسَ لَهُما بِقَوْلِهِ ﴿ ما نَهاكُما ﴾ ..

إلَخْ.

فَلَمْ يَقْبَلا مِنهُ عَدَلَ إلى اليَمِينِ عَلى ما قالَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وقاسَمَهُما ﴾ فَلَمْ يُصَدِّقاهُ أيْضًا فَعَدَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ وكَأنَّهُ أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ يعني: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما أي: من حيث أحببتما موسعاً عليكما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني: لا تأكلا من هذه الشجرة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فتصيرا من الضارين بأنفسكما.

قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي: زيّن لهما الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما يعني: أراد إبليس لعنه الله بالوسوسة ليظهر ما سترا من عوراتهما، والسوأة كناية عن العورة.

وذلك أن إبليس لما رأى محسوده في الجنة ورأى نفسه طريداً لم يصبر، واحتال لإخراجهما فأتاهما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ يعني: أنكما لو أكلتما تصيران كالملكين تموتان أبداً أو تكونا كالملائكة وتعلمان الخير والشر.

أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ يعني: إن لم تكونا مَلَكَيْنِ فتكونا من الخالدين لا تموتان.

وقرأ بعضهم مَلِكَيْنِ بالكسر كما قال: في آية أخرى وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى [طه: 120] وهي قراءة يحيى بن كثير وهي قراءة شاذة.

قوله: وَقاسَمَهُما أي حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ بأنها شَجَرَةِ الخلد من أكل منها لم يمت.

وكان آدم لم يعلم أن أحداً يحلف بالله كاذباً فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي: غرّهما بباطل ويقال: زَيَّنَ لهما.

وأصله في اللغة من التقريب يعني: قربهما إلى الشجرة فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ يقول: فلما أكلا من الشجرة ووصل إلى بطونهما تهافت لباسهما عنهما بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي ظهرت عوراتهما، وإنما سميت العورة سوأة لأن كشف العورة قبيح.

قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر.

قال: حدثنا أبو القاسم أحمد بن حم قد ذكر بإسناده عن أبَيّ بن كعب عن النبي  : «إنَّ آدَمَ كَانَ رَجُلاً طَوِيلاً كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمَّا وَقَعَ في الخَطِيئَةِ بَدَتْ لَهُ سَوْأَتهُ، وَكَانَ لاَ يَرَاها قَبْلَ ذلك، فَانْطَلَقَ هَارِباً فِي الجَنَّةِ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الجَنَّةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ أَتَفِرُّ مِنِّي؟

قَالَ: يَا رَبّ إِنِّي أَسْتَحِي» .

وفيه دليل أن ستر العورة كان واجباً من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي أقبلا وعمدا يلصقان عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة يعني: من ورق التين يطبقان على أبدانهما ورقة ورقة منه.

يقال: خصف نعله وهو إطباق طاق على طاق وأصل الخصف الضم والجمع.

والخصف إنما هو إلصاق الشيء بالشيء ولهذا قيل: خصاف.

وقرأ بعضهم وطفَقَا بالنصب وهما لغتان طَفِقَ يَطْفَقُ وطَفَق يَطْفِقُ وَناداهُما رَبُّهُما أي قال: لهما ربهما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ أي عن أكل تلك الشجرة وَأَقُلْ لَكُما يعني: ألم أقل لكما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.

قوله عز وجل: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا بأكلنا الشجرة فاغفر لنا وتجاوز عن معصيتنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا يعني: إن لم تتجاوز عن ذنوبنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة فهذه لام القسم كأنهما قالا: والله لنكونن من الخاسرين إن لم تغفر لنا وترحمنا.

وقد ذكر الله تعالى قبول توبتهما في سورة البقرة.

وهو قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37] أي قبل توبته.

وفي الآية دليل أن الله تعالى يعذب عباده إذا أصروا على الذنوب ويتجاوز عنهم إذا تابوا، لأن إبليس لم يتب، وسأل النظرة، فجعل مأواه جهنم.

وتاب آدم ورجع عن ذنبه فقبل توبته.

قوله: قالَ اهْبِطُوا يعني: آدم وحواء عليهما السلام وإبليس لعنه الله بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يعني: إبليس عدوّ لآدم وحواء وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي: منزل وموضع القرار وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ أي: معاش إلى وقت الموت.

قوله تعالى: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ أي: في الأرض تعيشون وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ من الأرض من قبوركم يوم القيامة.

قرأ الكسائي وابن عامر يَخْرُجُونَ بنصب الياء وضم الراء وقرأ الباقون بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال أبو حيان «١» : الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ «٢» ، و «من» شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، و «من» موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو «لأملأن» في موضع خبرها.

انتهى.

وقال الفخر «٣» : وقيل/: مَذْؤُماً، أي: محقوراً فالمَذْؤومُ المحتقر.

قاله الليث.

وقال ابن الأنباري «٤» : المذءوم المذموم.

وقال الفَرّاءُ: أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ.

انتهى.

وباقي الآية بَيِّنٌ.

اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشماتة الأعداء.

وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)

وقوله جل وعلا: وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ إذا أُمِرَ الإنسان بِشَيْءٍ، وهو متلبس به، فإنما المقصد من ذلك أن يستمر على حاله، ويتمادى في هَيْئَتِهِ.

وقوله سبحانه لآدم: اسْكُنْ هو من هذا البَابِ، وقد تَقَدَّمَ الكلام في «سورة البقرة» على «الشَّجَرَةِ» وتعيينها، وقوله سبحانه: «هذه» قال (م) : الأَصْلُ هَذِي، وَالهَاءُ بَدَلٌ من الياء، ولذلك كسرت الذال، إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة انتهى.

وقوله عز وجل: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما الوَسْوَسَةُ الحديث في إخفاء همساً وإسْرَاراً من الصوت، والوسواس صَوْتُ الحُلِيِّ، فشبه الهمس به، وسمى إِلْقَاءُ الشيطان في نَفْسِ ابن آدم وَسْوَسَةً، إذ هي أَبْلَغُ الإسرار وأخفاه.

هذا في حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم، فممكن أن تكون وَسْوَسَة بمُحَاوَرَةٍ خفية، أو بإلقاء في نَفْسٍ، واللام في «ليبدي» هي في قول الأكثرين لام الصَّيْرُورَةِ والعاقبة، ويمكن أن تكون لام «كي» على بابها «١» .

وما وُورِيَ معناه ما ستر من قولك: وارى يُوَارِي إذا ستر، والسَّوْأَةُ الفَرْجُ والدُّبر، ويشبه أن يسمى بذلك لأن منظره يسوء.

وقالت طائفة: إن هذه العِبَارَةَ إنما قصد بها أنها كُشِفَتْ لهما مَعَائِبهما، وما يسوءهما، ولم يقصد بها العورة، وهذا القَوْلُ محتمل، إلا أن ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ إلا أن يُقَدَّرَ الضمير في عَلَيْهِما عائد على بدنيهما فيصحّ.

وقوله سبحانه: وَقالَ مَا نَهاكُما ...

الآية، هذا القول المَحْكِيُّ عن إبليس يدخله من التأويل ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ، فممكن أن يقول هذا مخاطبةً وحِوَاراً، وممكن أن يقولها إلْقَاءً في النفس، ووحيا.

وإِلَّا أَنْ تقديره عند سيبويه والبصريين: إلا كراهِيَة أن، وتقديره عند الكوفيين: «٢» «إلا أن لا» على إضمار «لا» ، ويرجح قَوْلُ البصريين أن إضمار الأسماء أَحْسَنُ من إِضْمَارِ الحروف.

وقرأ جمهور الناس «مَلَكَيْنِ» بفتح اللام.

وقرأ ابن عباس: «مَلِكَيْنِ «٣» » بكسرها، ويؤيده قوله: وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: ١٢٠]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاسَمَهُما ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: حَلَفَ لَهُما، ﴿ فَدَلاهُما ﴾ في المَعْصِيَةِ بِأنْ غَرَّهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آَدَمُ لا يَظُنُّ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ ﴾ أيْ: فَلَمّا ذاقا ثَمَرَ الشَّجَرَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما ذاقاها ذَواقًا، ولَمْ يُبالِغا في الأكْلِ.

والسَّوْأةُ كِنايَةٌ عَنِ الفَرَجِ، لا أصِلَ لَهُ في تَسْمِيَتِهِ.

ومَعْنى (طَفِقا) أخَذا في الفِعْلِ؛ والأكْثَرُ: طَفِقَ يَطْفُقُ؛ وقَدْ رُوِيَتْ: طَفِقَ يَطْفِقُ، بِكَسْرِ الفاءِ، ومَعْنى (يَخْصِفانِ) يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ، ومِنهُ قِيلٌ لَلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خِصافٌ.

وَفِي الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إظْهارَ السَّوْأةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آَدَمَ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما ﴾ فَإنَّهُما بادَرا يَسْتَتِرانِ لَقُبْحِ التَّكَشُّفِ.

وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ السَّوْأةُ سَوْأةً، لِأنَّ كَشْفَها يَسُوءُ صاحِبَها.

قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ لِباسَهُما نُورًا عَلى فُرُوجِهِما، لا يَرى أحَدُهُما عَوْرَةَ الآَخَرِ؛ فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ، بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما.

وقَرَأ الحَسَنُ: "سَوْأتُهُما" عَلى التَّوْحِيدِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ: "يَخْصِفانِ" بِكَسْرِ الياءِ والخاءِ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ.

وفي الوَرَقِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ورَقُ التِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ورَقُ المَوْزِ، ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ ﴾ يَعْنِي الأرْضَ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في تاءِ "تَخْرُجُونَ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ هاهُنا؛ وفي الرُّومِ: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ  ﴾ .

وفي الزُّخْرُفِ: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ  ﴾ .

وفي الجاثِيَةِ: ﴿ لا يُخْرَجُونَ مِنها  ﴾ .

وقَرَأهُنَّ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ.

وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التّاءَ في (الأعْرافِ) فَقَطْ فَأمّا الَّتِي في (الرُّومِ) ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ  ﴾ ، وفي ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ  ﴾ فَمَفْتُوحَتانِ مِن غَيْرِ خِلافٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُما الشَيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عنهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عن هَذِهِ الشَجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أو تَكُونا مِن الخالِدِينَ ﴾ ﴿ وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ الناصِحِينَ ﴾ "اَلْوَسْوَسَةُ": اَلْحَدِيثُ في اخْتِفاءٍ؛ هَمْسًا؛ وسِرارًا مِنَ الصَوْتِ؛ و"اَلْوَسْواسُ": صَوْتُ الحُلِيِّ؛ فَشُبِّهَ الهَمْسُ بِهِ؛ وسُمِّيَ إلْقاءُ الشَيْطانِ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ "وَسْوَسَةً"؛ إذْ هي أبْلَغُ السِرارِ؛ وأخْفاهُ؛ هَذا حالُ الشَيْطانِ مَعَنا الآنَ؛ وأمّا مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فَمُمْكِنٌ أنْ تَكُونَ وسْوَسَةً بِمُجاوَرَةٍ؛ خُفْيَةً؛ أو بِإلْقاءٍ في نَفْسٍ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ: وسْوَسَ يَدْعُو جاهِدًا رَبَّ الفَلَقْ ∗∗∗.................

فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن كَلامٍ خَفِيٍّ؛ و"اَلشَّيْطانُ"؛ يُرادُ بِهِ إبْلِيسُ نَفْسُهُ؛ واخْتَلَفَ نَقَلَةُ القَصَصِ في صُورَةِ وسْوَسَتِهِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدْخُلُ إلى الجَنَّةِ في فَمِ الحَيَّةِ؛ مُسْتَخْفِيًا - بِزَعْمِهِ - فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ كانا يَخْرُجانِ خارِجَ الجَنَّةِ؛ فَيَتَمَكَّنُ إبْلِيسُ مِنهُما؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أقْدَرَهُ عَلى الإلْقاءِ في أنْفُسِهِما؛ فَأغْواهُما؛ وهو في الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لِيُبْدِيَ"؛ هي - عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ المُؤَلِّفِينَ - لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ؛ وهَذا بِحَسَبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ وبِحَسَبِ إبْلِيسَ؛ في هَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِها فَيَقْصِدَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لامَ "كَيْ"؛ عَلى بابِها؛ بِحَسَبِ قَصْدِ إبْلِيسَ إلى حَطِّ مَرْتَبَتِهِما؛ وإلْقائِهِما في العُقُوبَةِ غَيْرِ المَخْصُوصَةِ؛ و"ما وُورِيَ"؛ مَعْناهُ: "ما سُتِرَ"؛ مِن قَوْلِكَ: "وارى؛ يُوارِي"؛ إذا سَتَرَ؛ وظاهِرُ هَذا اللَفْظِ أنَّها "مُفاعَلَةٌ"؛ مِن واحِدٍ؛ ويُمْكِنُ أنْ تُقَدَّرَ مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الشَيْءَ الَّذِي يُوارى [يُوارِي] هو أيْضًا مِن جِهَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما وُرِيَ"؛ بِواوٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن "وَراءَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو قَوْلٌ يُوهِنُهُ التَصْرِيفُ.

و"اَلسَّوْأةُ": اَلْفَرْجُ؛ والدُبُرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّ مَنظَرَهُ يَسُوءُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ: "مِن سَوَّتِهِما"؛ بِالإفْرادِ؛ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وشَدِّ الواوِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَسَنُ ؛ والزُهْرِيُّ: "مِن سَوّاتِهِما"؛ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ الواوِ؛ وحَكاها سِيبَوَيْهِ لُغَةً؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجْهُها حَذْفُ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى الواوِ فَيَقُولُونَ: "سَوَةٌ"؛ ومِنهم مَن يُشَدِّدُ الواوَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ العِبارَةَ إنَّما قُصِدَ بِها أنَّهُما كُشِفَتْ لَهُما مَعانِيهِما؛ وما يَسُوؤُهُما؛ ولَمْ يُقْصَدْ بِها العَوْرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ كانَ اللَفْظُ يَحْتَمِلُهُ؛ إلّا أنَّ ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ؛ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِما"؛ عائِدًا عَلى بَدَنَيْهِما؛ إذْ تَمَزَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ فَيَصِحَّ القَوْلُ المَذْكُورُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَقالَ ما نَهاكُما ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا القَوْلُ الَّذِي حُكِيَ عن إبْلِيسَ يَدْخُلُهُ مِن هَذا التَأْوِيلِ ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ؛ فَمُمْكِنٌ أنْ يَقُولَ هَذا مُخاطَبَةً وحِوارًا؛ ومُمْكِنٌ أنْ يَقُولَها إلْقاءً في النَفْسِ؛ ووَحْيًا.

و"إلّا أنْ"؛ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ والبَصْرِيِّينَ: إلّا كَراهِيَةَ أنْ؛ وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إلّا ألّا؛ عَلى إضْمارِ "لا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُرَجِّحُ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ أنَّ إضْمارَ الأسْماءِ أحْسَنُ مِن إضْمارِ الحُرُوفِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَلَكَيْنِ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ؛ والضَحّاكُ: "مَلِكَيْنِ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ وَمُلْكٍ لا يَبْلى  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَخْرُجُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ وهي مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ الناسُ فِيها؛ وتَمَسَّكَ كُلُّ فَرِيقٍ بِظَواهِرَ مِنَ الشَرِيعَةِ؛ والفَضْلُ بِيَدِ اللهِ تَعالى ؛ وَقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ "مَلَكَيْنِ"؛ في ألّا تَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في طَعامٍ.

﴿ "وَقاسَمَهُما"؛ ﴾ أيْ: حَلَفَ لَهُما بِاللهِ تَعالى ؛ وهي "مُفاعَلَةٌ"؛ إذْ قَبُولُ المَحْلُوفِ لَهُ وإقْبالُهُ عَلى مَعْنى اليَمِينِ؛ كالقَسَمِ؛ وتَقْرِيرِهِ؛ وإنْ كانَ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّها مِن واحِدٍ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُزَلِيِّ: وقاسَمَهُما بِاللهِ جَهْدًا لَأنْتُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما تَشُورُها ورُوِيَ في القَصَصِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ - في جُمْلَةِ اعْتِذارِهِ -: "ما ظَنَنْتُ يا رَبِّ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ حانِثًا"؛ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَدَعَ الشَيْطانُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ - فانْخَدَعَ؛ ونَحْنُ مَن خَدَعَنا بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ - انْخَدَعْنا لَهُ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن قَتادَةَ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَكُما"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اَلنّاصِحِينَ"؛ فَقالَ بَعْضُ الناسِ - مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ -: ذَلِكَ عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ؛ لا بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ لِأنَّها إذا كانَتْ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ كانَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: "لَكُما"؛ داخِلًا في الصِلَةِ؛ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ؛ وأظُنُّ أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ خَرَّجَ جَوازَ تَقْدِيمِهِ؛ وهي بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والظاهِرُ أنَّهُ إنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ كانَتِ اللامُ في قَوْلِهِ "لَكُما"؛ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "إنِّي ناصِحٌ لَكُما مِنَ الناصِحِينَ"؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ - في بَعْضِ القِراءَةِ -: "وَقاسَمَهُما بِاللهِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كانت وسوسة الشّيطان بقرب نهي آدم عن الأكل من الشّجرة، فعبّر عن القرب بحرف التّعقيب إشارة إلى أنّه قرب قريب، لأنّ تعقيب كلّ شيء بحسبه.

والوسوسة الكلام الخفي الذي لا يسمعه إلاّ المُداني للمتكلّم، قال رؤبة يصف صائداً: وَسْوَسَ يَدعُو جاهداً ربّ الفلق *** سِرّاً وقد أوّنَ تَأوِينُ العُقق وسمي إلقاء الشيطان وسوسة: لأنّه ألقَى إليهما تسويلاً خفياً من كلاممٍ كلمهما أو انفعاللٍ في أنفسهما.

كهيئة الغاش الماكر إذْ يُخفِي كلاماً عَن الحاضرين كيلا يفسدوا عليه غشّه بفضح مضاره فألقى لهما كلاماً في صورة التّخافت ليوهمهما أنّه ناصح لهما وأنّه يخافت الكلام، وقد وقع في الآية الأخرى التّعبير عن تسويل الشّيطان بالقول: ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلّك على شجرة الخُلْد وملك لا يبلى ﴾ [طه: 120] ثمّ درج اصطلاح القرآن وكلام الرّسول عليه الصّلاة والسّلام على تسمية إلقاء الشّيطان في نفوس النّاس خواطرَ فاسدة، وسوسة تقريباً لمعنى ذلك الإلقاء للأفهام كما في قوله: ﴿ من شر الوسواس الخنّاس ﴾ [الناس: 4] وهذا التّفصيل لإلقاء الشّيطان كيده انفردت به هذه الآية عن آية سورة البقرة لأنّ هذه خطاب شامل للمشركين وهم أخلياء عن العلم بذلك فناسب تفظيع أعمال الشّيطان بمسمع منهم.

واللاّم في: ﴿ ليبدي ﴾ لام العاقبة إذا كان الشّيطان لا يعلم أنّ العصيان يفضي بهما إلى حدوث خاطر الشرّ في النّفوس وظهور السوآت، فشبّه حصول الأثر عقب الفعل بحصول المعلول بعد العلّة كقوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8] وإنّما التقطوه ليكون لهم قرّة عين، وحسن ذلك أن بدوّ سوآتهما ممّا يرضي الشّيطان.

ويجوز أن تكون لام العلّة الباعثة إذا كان الشيطان يعلم ذلك بالإلهام أو بالنّظر، فالشّيطان وسوس لآدم وزوجه لغرض إيقاعهما في المعصية ابتداء، لأنّ ذلك طبعه الذي جبل على عمله، ثم لغرض الإضرار بهما، إذ كان يعلم أنّهما يعصيان الله بالأكل من الشّجرة، ولمّا كان عدُوّاً لهما كان يسعى إلى مَا يؤذيهما، ويحسدهما على رضَى الله عنهما، ويعلم أنّ العصيان يُفضي بهما إلى سوء الحال على الإجمال، فكان مظهر ذلك السوء إبداءَ السوْآت، فجُعل مفصِّلُ العلّة المجملة عند الفاعل هو العلّةَ، وإن لم تخطر بباله، ويحتمل أن يكون الشّيطان قد علم ذلك بعلم حصل له من قبل.

والحاصلُ أنّه أراد الإضْرار، لأنّه قد استقرّ في طبعه عداوة البشر، كما سيصرّح به فيما بعدُ، وفي قوله تعالى: ﴿ إن الشّيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ﴾ [فاطر: 6].

والإبداء ضدّ الإخفاء، فالإبداء كشف الشّيء وإظهاره، ويطلق مجازاً على معرفة الشّيء بعد جهله يقال: بدَا لي أنْ أفعل كذا.

وأسند إبداءُ السوْآت إلى الشّيطان لأنّه المتسبّب فيه على طريقة المجاز العقلي والسوآت جمعُ سوْأة وهي اسم لما يسوء ويتعيّر به من النّقايص، ومِن سَب العرب قولهم: سوأةً لك، ومن تلهّفهم: يا سوْأتَا.

ويكنّى بالسوأة عن العورة.

ومعنى ووُري عنهما حجب عنهما وأخفي، مشتقاً من المواراة وهي التّغطيّة والإخفاء وتطلق المواراة مجازاً على صرف المرء عن علم شيء بالكتمان أو التّلبيس.

والسّوآت هنا يجوز أن تكون جمع السوأة للخصلة الذّميمة كما في قول أبي زبيد: لَم يَهْب حُرمة النّديم وحُقَّت *** يا لَقَوْمي للسوأةِ السوآءِ فتكون صيغة الجمع على حقيقتها، والسّوآت حينئذٍ مستعمل في صريحه، ويجوز أن تكون جمع السوأة، المكنى بها عن العورة، وقد روي تفسيرها بذلك عن ابن عبّاس كقوله تعالى: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم ﴾ [الأعراف: 26] وعلى هذا فصيغة الجمع مستعملة في الاثنين للتّخفيف كقوله تعالى: ﴿ فقد صَغَت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4].

وسيجيء تحقيق معنى هذا الإبداء عند قوله تعالى بعد هذا: ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ﴾ [الأعراف: 22].

وعطفُ جملة: ﴿ وقال ما نهاكما ربكما ﴾ على جملة ﴿ فوسوس ﴾ يدلّ على أنّ الشّيطان وسوس لهما وسوسة غيرَ قوله: ﴿ ما نهاكما ﴾ إلخ ثمّ ثنى وسوسته بأن قال مَا نهاكما، ولو كانت جملة: ﴿ ما نهاكما ﴾ إلى آخرها بياناً لجملة ﴿ فوسوس ﴾ لكانت جملة: ﴿ وقال ما نهاكما ﴾ بدون عاطف، لأنّ البيان لا يعطف على المبيَّن.

وفي هذا العطف إشعار بأنّ آدم وزوجه تردّدا في الأخذ بوسوسة الشّيطان فأخذ الشيطان يراودهما.

ألا ترى أنّه لم يعطف قوله، في سورة طه (120): ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ فإنّ ذلك حكاية لابتداء وسوسته فابتدأ الوسوسة بالإجمال فلم يعيّن لآدم الشّجرة المنهي عن الأكل منها استنزالاً لطاعته، واستزلالاً لقدمه، ثمّ أخذ في تأويل نهي الله إياهما عن الأكل منها فقال ما حكي عنه في سورة الأعراف: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } الآية فأشار إلى الشّجرة بعد أن صارت معروفة لهما زيادة في إغرائِهما بالمعصية بالأكل من الشّجرة، فقد وزّعت الوسوسة وتذييلها على السّورتين على عادة القرآن في الاختصار في سوْق القصص اكتفاء بالمقصود من مغزى القصّة لئلا يصير القصصُ مقصداً أصلياً للتنزيل.

والإشارة بقوله: ﴿ عن هذه لشجرة ﴾ إلى شجرة معيّنة قد تبيّن لآدم بعد أن وسوس إليه الشّيطان أنّها الشّجرة التي نهاه الله عنها، فأراد إبليس إقدامه على المعصية وإزالة خوفه بإساءة ظنّه في مراد الله تعالى من النّهي.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ استثناء من علل، أي ما نهاكما لعلّة وغرض إلاّ لغرض أن تكونا مَلكين، فتعين تقدير لام التّعليل قبل (أنْ) وحذف حروف الجرّ الدّاخلة على (أنْ) مطرد في كلام العرب عند أمن اللّبس.

وكونُهما مَلكين أو خالدَيْن علّة للنّهي: أي كونكما ملَكين هو باعث النّهي، إلاّ أنّه باعث باعتبار نفي حصوله لا باعتبار حصوله، أي هو علّة في الجملة، ولذلك تأوّله سيبويه والزمخشري بتقدير: كراهة أن تكونا.

وهو تقدير معنى لا تقدير إعراب، كما تقدّم في سورة الأنعام، وقيل حذفت (لا) بعد (أن) وحذفها موجود، وبذلك تأوّل الكوفيون وقد تقدم القول فيه.

وقد أوهم إبليس آدم وزوجه أنّهما متمكّنان أن يصيرا ملكين من الملائكة، إذا أكلا من الشّجرة، وهذا من تدجيله وتلبيسه إذْ ألفى آدم وزوجه غير متبصّريْن في حقائق الأشياء، ولا عالِمَيْن المقدار الممكن في انقلاب الأعيان وتطوّرِ الموجودات، وكانا يشاهدان تفضيل الملائكة عند الله تعالى وزلفاهم وسعة مقدرتهم، فأطمعهما إبليس أن يصيرا من الملائكة إذا أكلا من الشّجرة، وقيل المراد التشبيهُ البليغ أي إلاّ أن تكونا في القرب والزلفى كالمَلكين، وقد مثل لهما بما يعرفان من كمال الملائكة.

وقوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ عطف على: ﴿ أن تكونا ملكين ﴾ وأصل (أو) الدّلالة على التّرْديد بين أحد الشّيئين أو الأشياء، سواء كان مع تجويز حصول المتعاطفات كلّها فتكون للإباحة بعد الطّلب، وللتّجويز بعد الخبر أو للشكّ؛ أم كان مع منع البعض عند تجويز البعض فتكون للتّخيير بعد الطّلب وللشكّ أو التّرْديد بعد الخبر، والتّرديدُ لا ينافي الجزم بأن أحد الأمرين واقع لا محالة كما هنا، فمعنى الكلام أن الآكل من هذه الشّجرة يكون مَلَكاً وخالداً، كما قال عنه في سورة طه (120): ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ فجعل نهي الله لهما عن الأكل لاَ يَعدو إرادة أحد الأمرين، ويستفاد من المقام أنّه قد يريد حرمانهما من الأمرين جميعاً بدلالة الفحوى، ولم يكن آدم قد علم حينئذ أنّ الخلود متعذر، وأنّ الموت والحشر والبعث مكتوب على النّاس، فإنّ ذلك يتلقّى من الوحي كما في قوله تعالى لهما في الآية الأخرى: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ [البقرة: 36].

﴿ وقاسمهما ﴾ أي حلف لهما بما يوهم صدقه، والمقاسمة مفاعلة من أقسم إذا حلف، حذفت منه الهمزة عند صوغ المفاعلة، كما حذفت في المكارمة، والمفاعلةُ هنا للمبالغة في الفعل، وليست لحصول الفعل من الجانبين، ونظيرها: عافاه الله، وجعله في «الكشاف»: كأنّهما قالا له تُقسم بالله إنّك لمن النّاصحين فَأقْسم فجُعل طلبُهما القسمَ بمنزلة القسم، أي فتكون المفاعلة مجازاً، قال أو أقسم لهما بالنّصيحة وأقسما له بقبولها، فتكون المفاعلة على بابها، وتأكيد إخباره عن نفسه بالنّصح لهما بثلاث مؤكدَات دليل على مبلغ شكّ آدم وزوجه في نصحه لهما، وما رأى عليهما من مخائل التّردّد في صدقه، وإنّما شكّا في نصحه لأنّهما وَجدا ما يأمرهما مخالفاً لما أمرهما الله الذي يعلمان إرادتَه بهما الخير علماً حاصلاً بالفطرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ يَعْنِي حَوّاءَ، وفي الجَنَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِسُكْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: في جَنَّةِ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ، وجازَ الخُرُوجُ مِنها لِأنَّها لَمْ تُجْعَلْ ثَوابًا فَيَخْلُدُ فِيها ولا يَخْرُجُ مِنها.

والثّانِي: أنَّها جَنَّةٌ مِن جَنّاتِ الدُّنْيا لا تَكْلِيفَ فِيها وقَدْ كانَ مُكَلَّفًا.

﴿ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن حَيْثُ شِئْتُما مِنَ الجَنَّةِ كُلِّها.

والثّانِي: ما شِئْتُما مِنَ الثِّمارِ كُلِّها لِأنَّ المُسْتَثْنى بِالنَّهْيِ لَمّا كانَ ثَمَرًا كانَ المَأْمُورُ بِهِ ثَمَرًا.

﴿ وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ فِيها عَلى سِتَّةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ البُرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الكَرْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: التِّينُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: شَجَرَةُ الكافُورِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

والخامِسُ: شَجَرَةُ العِلْمِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والسّادِسُ: أنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ الَّتِي كانَتْ تَأْكُلُ مِنها المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ جُدْعانَ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ أهْلِ الكِتابَيْنِ أنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ ولا أعْرِفُ لِهَذا وجْهًا.

فَإذا قِيلَ: فَما وجْهُ نَهْيِهِما عَنْ ذَلِكَ مَعَ كَمالِ مَعْرِفَتِهِما؟

قِيلَ: المَصْلَحَةُ في اسْتِدامَةِ المَعْرِفَةِ، والِابْتِلاءُ بِما يَجِبُ فِيهِ الجَزاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ﴾ أمّا الوَسْوَسَةُ فَهي إخْفاءُ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ، يُقالُ وسْوَسَ لَهُ إذا أوْهَمَهُ النَّصِيحَةَ، ووَسْوَسَ إلَيْهِ إذا ألْقى إلَيْهِ المَعْنى، وفي ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقِ سِرًّا وقَدْ أوَّنَ تَأْوِينَ العَقَقِ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ وسْوَسَ لَهُما وهُما في الجَنَّةِ وهو خارِجٌ عَنْها؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ هي أقاوِيلُ اخْتَلَفَ فِيها أهْلُ التَّأْوِيلِ: أحَدُها: أنَّهُ وسْوَسَ إلَيْهِما وهُما في الجَنَّةِ في السَّماءِ، وهو في الأرْضِ، فَوَصَلَتْ وسْوَسَتُهُ بِالقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَهُ إلى السَّماءِ ثُمَّ الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ في السَّماءِ وكانا يَخْرُجانِ إلَيْهِ فَيَلْقاهُما هُناكَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خاطَبَهُما مِن بابِ الجَنَّةِ وهُما فِيها.

﴿ وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ ﴾ وهَذا هو الَّذِي ألْقى بِهِ مِنَ الوَسْوَسَةِ إلَيْهِما اسْتِغْواءً لَهُما بِالتَّرْغِيبِ في فَضْلِ المَنزِلَةِ ونَعِيمِ الخُلُودِ.

فَإنْ قِيلَ: هَلْ تَصَوَّرا ذَلِكَ مَعَ كَمالِ مَعْرِفَتِهِما؟

قِيلَ: إنَّما كَمُلَتْ مَعْرِفَتُهُما بِاللَّهِ تَعالى لا بِأحْكامِهِ.

وَفي قَوْلِ إبْلِيسَ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أوْهَمَهُما أنَّ ذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ جائِزٌ أنْ يَقْلِبَ صُورَتَهُما إلى صُوَرِ المَلائِكَةِ وأنْ يُخَلِّدَهُما في الجَنَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ أوْهَمَهُما أنَّهُما يَصِيرانِ بِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ في عُلُوِّ المَنزِلَةِ مَعَ عِلْمِهِما بِأنَّ قَلْبَ الصُّوَرِ لا يَجُوزُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما عَلى صِدْقِهِ في خَبَرِهِ ونُصْحِهِ في مَشُورَتِهِ، فَقَبِلا قَوْلَهُ وتَصَوَّرا صِدْقَهُ لِأنَّهُما لَمْ يَعْلَما أنَّ أحَدًا يَجْتَرِئُ عَلى الحَلِفِ بِاللَّهِ كاذِبًا.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَقاسَمَهُما ﴾ أيْ قالَ لَهُما: إنْ كانَ ما قُلْتُهُ خَيْرًا فَهو لَكُما دُونِي وإنْ كانَ شَرًّا فَهو عَلَيَّ دُونَكُما ومَن فَعَلَ ذَلِكَ مَعَكُما فَهو مِنَ النّاصِحِينَ لَكُما، فَكانَتْ هَذِهِ مُقاسَمَتَهُما أنَّ قَسَمَ الخَيْرِ لَهُما والشَّرِّ لَهُ عَلى وجْهِ الغُرُورِ لِتَنْتَفِيَ عَنْهُ التُّهْمَةُ ويُسْرِعُ إلَيْهِ القَبُولَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: نهى الله آدم وحوّاء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حوّاء ووسوس إلى آدم فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، فقطعت حوّاء الشجرة فدميت الشجرة وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ، لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟

قال: يا رب أطعمتني حواء.

قال لحوّاء: لم أطعمتيه؟

قالت: أمرتني الحية.

قال للحية: لم أمرتها؟

قالت: أمرني إبليس.

قال: ملعون مدحور، أما أنت ياحوّاء كما أدميت الشجرة تدمين في كل هلال، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جراً على وجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ.

وأخرج ابن المنذر عن أبي غنيم سعيد بن حدين الحضرمي قال: لما أسكن الله آدم وحوّاء الجنة خرج آدم يطوف في الجنة، فاغتنم إبليس غيبته فأقبل حتى بلغ المكان الذي فيه حوّاء، فصفر بقصبة معه صفيراً سمعته حواء، وبينها وبينه سبعون قبة بعضها في جوف بعض، فأشرفت حواء عليه فجعل يصفر صفيراً لم يسمع السامعون بمثله من اللذة والشهوة والسماع حتى ما بقي من حواء عضو مع آخر إلا تخلج، فقالت: أنشدك بالله العظيم لما أقصرت عني فإنك قد أهلكتني، فنزع القصبة ثم قلبها فصفر صفيراً آخر، فجاش البكاء والنوح والحزن بشيء لم يسمع السامعون بمثله حتى قطع فؤادها بالحزن والبكاء، فقالت: أنشدك بالله العظيم لما أقصرت عني، ففعل فقالت له: ما هذا الذي جئت به؟

أخذتني بأمر الفرح وأخذتني بأمر الحزن.

قال: ذكرت منزلتكما من الجنة وكرامة الله إياكما ففرحت لكما بمكانكما، وذكرت إنكما تخرجان منها فبكيت لكما وحزنت عليكما، ألم يقل لكما ربكما متى تأكلان من هذه الشجرة تموتان وتخرجان منها؟

أنظري إليّ يا حواء، فإذا أنا أكلتها فإن أنا مت أو تغير من خلقي شيء فلا تأكلا منها، أقسم لكما بالله إني لكما من الناصحين.

فانطلق إبليس حتى تناول من تلك الشجرة فأكل منها، وجعل يقول: يا حواء انظري هل تغير من خلقي شيء أم هل مت قد أخبرتك ما أخبرتك.

ثم أدبر منطلقاً.

وأقبل آدم من مكانه الذي كان يطوف به من الجنة فوجدها منكبة على وجهها حزينة، فقال لها آدم: ما شأنك...؟!

قالت أتاني الناصح المشفق قال: ويحك...

!

لعله إبليس الذي حذرناه الله؟

قالت: يا آدم والله لقد مضى إلى الشجرة فأكل منها وأنا أنظر فما مات ولا تغير من جسده شيء، فلم تزل به تدليه بالغرور حتى مضى آدم وحواء إلى الشجرة، فأهوى آدم بيده إلى الثمرة ليأخذها، فناداه جميع شجر الجنة: يا آدم لا تأكلها فإنك إن أكلتها تخرج منها، فعزم آدم على المعصية فأخذ ليتناول الشجرة، فجعلت الشجرة تتطاول ثم جعل يمدّ يده ليأخذها، فلما وضع يده على الثمرة اشتدت، فلما رأى الله منه العزم على المعصية أخذها وأكل منها، وناول حواء فأكلت، فسقط منها لباس الجمال الذي كان عليها في الجنة، وبدت لهما سوءاتهما، وابتدرا يستكنان بورق الجنة يخصفان عليهما من ورق الجنة ويعلم الله يُنظر أيهما.

فأقبل الرب في الجنة فقال: يا آدم أين أنت أخرج؟

قال: يا رب أنا ذا أستحي أخرج إليك.

قال: فلعلك أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟

قال: يا رب هذه التي جعلتها معي أغوتني.

قال: فمتى تختبئ يا آدم؟

أو لم تعلم أن كل شيء لم يا آدم، وأنه لا يخفى عليّ شيء في ظلمة ولا في نهار؟

قال: فبعث إليهما ملائكة يدفعان في رقابهما حتى أخرجوهما من الجنة، فأوقفا عريانين وإبليس معهما بين يدي الله، فعند ذلك قضى عليهما وعلى إبليس ما قضى، وعند ذلك أهبط إبليس معهما، وتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، وأهبطوا جميعاً.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن وهب بن منبه في قوله: ﴿ ليبدي لهما ما وُوريَ عنهما من سوءاتهما ﴾ قال: كان على كل واحد منهما نور لا يبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع منهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ليهتك لباسهما وكان قد علم أن لهما سوءة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظفر.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتاهما إبليس قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين تكونا مثله يعني مثل الله عز وجل فلم يصدقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ بكسر اللام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ الا أن تكونا ملكين ﴾ بنصب اللام من الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ قال: ذكر تفضيل الملائكة فضلوا بالصور، وفضلوا بالأجنحة، وفضلوا بالكرامة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: إن في الجنة شجرة لها غصنان أحدهما تطوف به الملائكة، والآخر قوله: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ يعني الملائكة الذين يطوفون بذلك الغصن.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس.

أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ فإن أخطأكما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين، فلا تموتان فيها أبداً ﴿ وقاسمهما ﴾ قال: حلف لهما ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

وأخرج بن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ يقول: لا تموتون أبداً.

وفي قوله: ﴿ وقاسمهما ﴾ قال: حلف لهما بالله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ﴾ قال: حلف لهما بالله حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله.

قال لهما: إني خلقت قبلكما وأعلم منكما فاتبعاني أرشدكما قال قتادة: وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: في بعض القراءة ﴿ وقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ قال: مناهما بغرور.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ﴾ وكانا قبل ذلك لا يريانها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال: لباس كل دابة منها ولباس الإِنسان الظفر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوءاتهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقي في أطراف أصابعه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان لباس آدم الظفر بمنزلة الريش على الطير، فلما عصى سقط عنه لباسه وتركت الأظفار زينة ومنافع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: كان لباس آدم في الجنة الياقوت فلما عصى تقلص فصار الظفر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان آدم طوله ستون ذراعاً، فكساه الله هذا الجلد وأعانه بالظفر يحتك به.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ قال: يرقعان كهيئة الثوب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان عليهما ﴾ قال: أقبلا يغطيان عليهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: يوصلان عليهما من ورق الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: يأخذان ما يواريان به عورتهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ قال: آدم: رب انه حلف لي بك، ولم أكن أظن أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالا ﴾ قال: آدم وحواء ﴿ رَبنا ظلمنا أنفسنا ﴾ يعني ذنباً أذنبناه فغفره لهما.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا...

﴾ الآية.

قال: هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك.

مثله.

وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن قتادة قال: إن المؤمن ليستحي ربه من الذنب إذا وقع به، ثم يعلم بحمد الله أين المخرج يعلم أن المخرج في الاستغفار والتوبة إلى الله عز وجل، فلا يحتشمن رجل من التوبة، فإنه لولا التوبة لم يخلص أحد من عباد الله، وبالتوبة أدرك الله أباكم الرئيس في الخير من الذنب حين وقع به.

وأخرج أبو الشيخ عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله إلى فلان حبر تيما حدثني عن قوله: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ فقال: هو مستقره فوق الأرض، ومستقره في الرحم، ومستقره تحت الأرض، ومستقره حيث يصير إلى الجنة أو النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا ﴾ .

قال ابن عباس: (حلف لهما) (١) (٢) (٣) قال خالد بن زهير (٤) وَقَاسَمهُمَا بالله جَهْدًا لأَنْتُمُ ...

أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذاَ مَا نَشُورُهَا (٥) قال قتادة: (حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله) (٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ ، قال قتادة: (قال لهما إبليس: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما) (٧) قال أبو علي: (الجار في قوله ﴿ لَكُمَا ﴾ يتعلق بما بعدها، لأن التقدير إني لمن الناصحين لكما) (٨) (٩) ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ (١٠) (١) "تنوير المقباس" 2/ 85، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 166.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2961، و"الصحاح" 5/ 2010، و"مجمل اللغة" 3/ 752، و"المفردات" ص 670، و"اللسان" 6/ 3630 (قسم).

(٣) قال البغوي في "تفسيره" 3/ 219: (أي: وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد) اهـ.

وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 179: (وجاء فاعلت من واحد، وهو يرد على من == قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين) اهـ.

وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 72، وابن عطية 5/ 459، و"البحر المحيط" 4/ 279، و"الدر المصون" 5/ 279.

(٤) خالد بن زهير الهذلي، شاعر أموي، مشهور، جرت بينه وبين خاله أبي ذؤيب الهذلي أشعار وخصومة.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 435، و"شرح أشعار الهذلين" للسكري 1/ 207، و"الخزانة" للبغدادي 5/ 76.

(٥) "شرح ديوان الهذليين" 1/ 215، و"تفسير الطبري" 8/ 141، و"تهذيب اللغة" 2/ 1726 (سلا)، و"تفسير ابن عطية" 5/ 459، و"اللسان" 4/ 2086 (سلا)، و"البحر المحيط" 4/ 279، و"الدر المصون" 5/ 279، والسَّلْوى هنا العسل، والشور أخذ العسل من الخلية، أفاده السكري والأزهري.

(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 141، وابن أبي حاتم 5/ 1451 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 139.

(٧) هذا تابع للأثر السابق الذي سبق تخريجه.

(٨) "الحجة" لأبي علي الفارسي 4/ 343 - 344، وزاد فيه: (يتعلق بما يدل عليه النصح المظهر، وإن لم يسلط عليه والتقدير: إني ناصح لكما من الناصحين) اهـ.

وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 604، و"المشكل" 1/ 285، و"الدر المصون" 5/ 279.

(٩) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 32 أ.

(١٠) لفظ: ﴿ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ساقط من (ب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ ﴾ أي حلف لهما: إنه لمن الناصحين وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما: وأقسما له أن يقبلا نصيحته ﴿ فدلاهما ﴾ أي أنزلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ أي غرّهما بحلفه لهما لأنهما ظنا أنه لا يحلف كاذباً ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما ﴾ أي زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل: كان لباسهما نور يحول بينهما وبين النظر ﴿ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ﴾ أي يصلان بعضه ببعض ليستترا به ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير واسطة ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ اعتراف وطلب للمغفرة والرحمة، وتلك هي الكلمات التي تاب الله عليه بها ﴿ اهبطوا ﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾ أي في الأرض ﴿ لِبَاساً ﴾ أي الثياب التي تستر، ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل: المراد أنزلا ما يكون عنه اللباس وهو المطر، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة ﴿ وَرِيشاً ﴾ أي لباس الزينة وهو مستعار من ريش الطائر ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ لباساً كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه، وقيل: لباس التقوى ما يتقي به في الحرب من الدروع وشبهها، وقرئ بالرفع على الابتداء أو خبره الجملة، وهي: ذلك خير ﴿ ذلك مِنْ آيَاتِ الله ﴾ الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه الآية واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت وخصف الورق عليها ليبين إنعامه على ما خلق من اللباس و ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ أي كان سبباً في نزع لباسهما عنهما ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ يعني غالب الأمر، وقد استدل به من قال: إن الجن لا يُرَوْن وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر؛ جمعا بينها وبين الأحاديث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأملأن ﴾ بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: ﴿ تخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم.

الوقوف: ﴿ إلا إبليس ﴾ ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له.

﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ إذ أمرتك ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول.

﴿ طين ﴾ ه ﴿ الصاغرين ﴾ ه.

﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ه لا للعطف ﴿ شمائلهم ﴾ ط ﴿ شاكرين ﴾ ه ﴿ مدحوراً ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الخالدين ﴾ ه ﴿ الناصحين ﴾ ه ﴿ بغرور ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء ﴿ ورق الجنة ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أنفسنا ﴾ سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ عدو ﴾ ط لعطف المختلفين ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ تخرجون ﴾ ه.

التفسير: من جملة نعم الله  علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ منع من المعصية بقوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام.

وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله  .

وههنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا ﴾ يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس.

وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا.

وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم  أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور  ﴾ أي ميثاق أسلافكم.

وقال  : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل.

وإنما قتله أحدهم.

ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد.

ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة.

ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله  عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له.

فقوله: ﴿ خلقناكم ﴾ إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم.

وقوله: ﴿ صورناكم ﴾ إشارة إلى أنه  أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".

ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله  آدم وأمر الملائكة بالسجود له.

قال الإمام فخر الدين  .

وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية.

وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته.

أما قوله  .

﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ فظاهره يقتضي أنه  طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي  ﴾ فلهذا الإشكال حصل للمفسرين  م أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في ﴿ لا أقسم  ﴾ وكما في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب  ﴾ أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين.

قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ﴿ لئلا يعلم ﴾ ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك.

قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور.

وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله  خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟

والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي.

وثالثها قال القاضي: ذكر الله  المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله  حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.

وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه.

وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟

وقيل: معناه من قال لك لا تسجد.

وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: ﴿ أن لا تسجد ﴾ بقوله: ﴿ ما منعك ﴾ وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال.

والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟

﴿ إذ أمرتك ﴾ أمر إيجاب.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده.

واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال.

ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ ثم بين هذه المقدمة بقوله ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال.

وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت.

وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع.

وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل.

ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله   : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً.

ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله  ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل.

فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال  : "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ باطلة.

ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟

ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟

قالت العلماء ههنا: إن قوله  للملائكة ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس.

وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله  مع إبليس.

ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً.

وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى.

ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك.

ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا.

﴿ قال ﴾ أي الله  كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته ﴿ فاهبط ﴾ يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط ﴿ منها ﴾ .

قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.

وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فما يكون ﴾ فما يصح ﴿ لك أن تتكبر فيها ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان.

يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين.

وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله  ذلك بل ﴿ قال ﴾ مطلقاً ﴿ إنك من المنظرين ﴾ قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله  له أجلاً.

والمراد الوقت المعلوم في علم الله  والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً.

أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن.

ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: ﴿ لأقعدن ﴾ لأن لام القسم تأبى ذلك.

لا يقال: والله يريد لأمرنّ.

لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها.

وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم.

ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن.

ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن.

وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال.

قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً.

ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب.

وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: ﴿ لأقعدن ﴾ ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل.

قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله: ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة.

أجابت المعتزلة عن قوله: ﴿ فبما إغويتني ﴾ بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه  لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله.

وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن.

وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود.

أما قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ فانتصابه على الظرف كقوله: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.

والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ﴾ على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.

واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل.

فمن قائل بالأول لقوله: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.

ومن قائل بالثاني لقوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.

قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض.

إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله  : ﴿ فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم  ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.

وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب.

وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق.

وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه  لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب.

فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها.

أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها ﴿ من بين أيديهم ﴾ أي أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ ومن خلفهم ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.

وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي ﴿ من بين أيديهم ﴾ يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك.

وأما قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في أنواع المعاصي.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في الترغيب في الباطل.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ افترهم عن الحسنات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين.

وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس.

وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: ﴿ من بين أيديهم ﴾ وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ﴿ ومن خلفهم ﴾ وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن.

ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر.

فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة.

وقيل: ﴿ من بين أيديهم ﴾ الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد ﴿ ومن خلفهم ﴾ شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ﴿ وعن إيمانهم ﴾ الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.

وعن شقيق  ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون  ﴾ وعن رسول الله  " "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام.

فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك  ﴾ وبقي ههنا بحث وهو أنه  كيف قال: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ بحرف المجاورة؟

قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع.

يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف.

وقالت الحكماء ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية.

وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.

وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟

فأوحى الله  إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.

قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق.

قلت: هذا منافٍ لما في الحديث "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" .

أما قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟

وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين.

وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه  ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ .

وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم.

وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ﴿ قال ﴾ الله  في جوابه إذا كان هذا عزمك ﴿ اخرج منها مذؤماً مدحوراً ﴾ الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً.

واللام في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم و ﴿ لأملأن ﴾ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط.

وعن عصام ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون  ﴾ أي إنكم وإنهم على هذا.

فقوله: ﴿ لأملأن ﴾ في محل الابتداء ﴿ ولمن تبعك ﴾ خبره.

قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار.

وأجيب بشرط عدم العفو.

قوله: ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ الآية.

فيها من المسائل أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.

وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.

وأن قوله ﴿ وكلا ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.

وأن قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.

وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت.

وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.

وأن الظلم في قوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ بأي معنى هو؟

وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟

ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال.

ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى.

فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته.

وقوله: ﴿ ووري ﴾ مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة.

ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟

والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً.

وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ .

قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله: ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة.

ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي.

نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟

فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين.

أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر.

ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ.

ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.

ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير.

سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟

والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح.

أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.

وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده.

قال ابن عباس: غرهما باليمين.

وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً.

وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.

﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى ﴿ فأكلا منها  ﴾ لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل.

﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل ﴿ صغت قلوبكما  ﴾ مكان قلباكما ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد.

قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.

والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟

﴿ ألم أنهكما ﴾ عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة.

عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك.

فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.

وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها.

قوله: ﴿ ما منعك ﴾ وفي ص ﴿ يا إبليس ما منعك  ﴾ وفي الحجر ﴿ يا إبليس ما لك  ﴾ حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء.

قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ وفي ص ﴿ ما منعك أن تسجد  ﴾ جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس.

وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ و ﴿ مالك أن لا تسجد ﴾ وحذف ﴿ أن تسجد ﴾ وحذف ﴿ مالك ﴾ لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ .

قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ الآية في ص مثله كلاهما في جواب ﴿ ما منعك ﴾ ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال: ﴿ لم أكن لأسجد  ﴾ ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين.

قوله: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ وفي ص وفي الحجر ﴿ رب فانظرني  ﴾ لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين.

وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ﴿ ربنا فاغفر  ﴾ أي أدعوك فاغفر.

فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء.

وكذلك من قوله: ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ليطابق الجواب السؤال.

قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ وفي الحجر ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ بزيادة النداء ليوافق ما قبله.

وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص" ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ لزيادة الربط.

ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب.

﴿ قال اخرج منها مذؤماً ﴾ ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: ﴿ لأقعدن لهم ﴾ إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم.

قوله: ﴿ فكلا ﴾ بالفاء وفي البقرة ﴿ وكلا  ﴾ لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة.

وإنما زاد في البقرة ﴿ رغداً ﴾ لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: ﴿ وقلنا ﴾ قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود.

وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد خلقنا ﴾ أرواحكم ﴿ ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم  ﴾ فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿ فسجدوا ﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿ إلا إبليس لم يكن ﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿ قال ما منعك ﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف.

وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية.

فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: ﴿ أنظرني ﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: ﴿ لأغوينهم  ﴾ ﴿ لأقعدن ﴾ ﴿ ثم لآتينهم ﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين.

﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين.

أو المراد ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ ومن خلفهم ﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع.

ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿ وقاسمهما ﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿ وطفقا ﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.

فبينما نحن في لهو وفي طرب *** بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته *** مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل *** والدمع منهمل والقلب مشتعل ﴿ وناداهما ربهما ﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿ إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: واخجلتا من وقوفي باب دارهم *** لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿ وإن لم تغفر لنا ﴾ بنوال الوصال ﴿ وترحمنا ﴾ بتجلي الجمال ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى.

فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ ولكم ﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.

إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.

﴿ قال فيها ﴾ أي في المحبة ﴿ تحيون ﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿ وفيها تموتون ﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ ومنها تخرجون ﴾ إلى عالم الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ .

يحتمل ﴿ مِنْهَا ﴾ : من السماء.

ويحتمل من الأرض.

ويحتمل من الصورة التي كان فيها على ما قلنا في قوله: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ .

وقيل: الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَذْءُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .

قيل: مذموماً مدحوراً، أي: مذموماً ملوماً عند الخلق جميعاً.

مدحوراً قيل: مقصيّاً مبعداً عن كل خير.

قال أبو عوسجة: مذءوم ومذموم ومدحور واحد مباعد مطرود.

وقوله: ﴿ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

أخبر - عز وجل - أنه يملأ جهنم من إبليس ومن تبعه وأطاعه؛ لأنهم [إنما] يتبعونه ويطيعونه في الكفر والشرك بالله.

تعلق الخوارج بظاهر قوله: ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ ، وكل مرتكب معصية تابع له؛ لذلك استوجب الخلود.

وقالت المعتزلة: كل مرتكب كبيرة بوعيد هذه الآية؛ لأنه تابع له.

وعندنا: ليس لهم في الآية حجة في تخليد من ذكروا في النار؛ لأنه إنما ذكرت على أثر نقض الدين ورد التوحيد؛ فكأنه قال: لمن تبعك في نقض الدين وردّ التوحيد لأملأن جهنم منكم أجمعين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ .

كان السكون في موضع من القرار فيه والأمن؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ  ﴾ ؛ لتقروا فيه وتأمنوا؛ فقوله لآدم: ﴿ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ أسكنهما عز وجل ليقروا فيها ويأمنوا من [كل ما] ينقصهما من تلك النعم التي أنعم عليهما؛ لأن الخوف، مما ينقص النعم ويذهب بلذتها، فلما أسكنهما عز وجل الجنة أمنهما عن ذلك كله.

ثم فيه أن أول المحنة والابتلاء من الله لعباده إنما يكون بالإنعام والإفضال عليهم، ثم بالجزاء والعدل بسوء ما ارتكبوا؛ لأنه عز وجل امتحن آدم أولاً بالإفضال والإنعام عليه؛ حيث أسجد [له ملائكته]، وأسكنه جنته، ووسع عليه نعمه، ثم امتحنه بالشدائد وأنواع المشقة؛ جزاء ما ارتكبوا من التناول من الشجرة التي نهاه عن قربانها، فهو ما ذكرنا أن [شرط] امتحانه عباده في الابتداء يكون بالإفضال والإنعام، ثم بالعدل والجزاء لسوء صنيعهم.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ أخبر أن ما يصيبنا هو من كسب أيدينا وهو جزاء ما كسبنا.

[وفيها وفي غيرها من القصص والذكر دليل إثبات] رسالة محمد  ونبوته؛ لأنه [أخبر عما كان] من غير أن اختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك ولا نظر في الكتب التي فيها [ذكرها] دل أنه إنما عرف ذلك بالله  .

ثم اختلف أهل التأويل في الجنة التي أسكن عز وجل آدم فيها وزوجته: قال بعضهم: [هي] الجنة التي يكون عود أهل الإسلام إليها في الآخرة، ولهم وعد عز وجل تلك.

وقال بعضهم: هي جنة أنشأها لآدم ليسكن فيها في السماء، ولكن لا ندري ما تلك الجنة، وليس لنا إلى معرفة تلك الجنة حاجة، إنما الحاجة إلى ما ذكر من المحن.

واختلف - أيضاً - في الشجرة التي نهي آدم عن قربانها: قال بعضهم: هي شجرة العلم.

وقال بعضهم: هي شجرة الحنطة.

وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل واختلافهم في صدر الكتاب قدر ما حفظناه.

وكذلك اختلفوا في وسوسة الشيطان لآدم وحواء: أنه كيف وسوس إليه ومن أين كان، وهذا - أيضاً - قد ذكرناه في تلك القصة.

والحسن يقول: إنما وسوس إليهما من الدنيا لا أن كان دخل الجنة.

وقال بعضهم: وسوس إليهما من رأس الجنة ومن فيها بكلمتهما.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

لم يرد [به] الدنو منها، ولكن أراد الذوق والأكل منها؛ لأنه قال: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ  ﴾ ، دل أن النهي لم يكن للدنو منها، ولكن للذوق والأكل منها.

وفيه: أن الامتحان من الله مرة يكون بالحل، ومرة يكون بالحرمة؛ لأنه أذن [له] التناول مما فيها من أنواع النعم، وحرم عليه التناول من واحدة منها؛ فذلك محنة منه، ثم النهي عن التناول من الشيء يخرج على وجوه: أحدها: ينهى بحق الحرمة لنفسه، وينهى بحق إيثار الغير عليه، وينهى عن التناول منه لداء فيه وآفة، وينهى لما يخرج التناول منها بحق الجزاء فلم يكن بعد وقت الجزاء له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ﴾ .

قوله: ﴿ مَا وُورِيَ ﴾ أي: ستر وغطي، وسوءاتهما: عورتهما، والسوءة: العورة في اللغة.

وفيه أنه يجب أن نكون على حذر من شر إبليس اللعين؛ لئلا يجد فرصة علينا؛ فإنه أبداً على [سلب] النعم [التي] أنعمها الله على عباده، حيث احتال كل حيلة؛ حتى أبدى لهما ما ووري وستر عنهما من العورة وعمل في إخراجهما من النعم واللذات؛ وأوقعهما في الشدائد والمشقة.

وفيه أنه ليس [حال] عليه أشد من أن رأى أحداً في النعم والسعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ ﴾ .

قد ذكرنا معنى هذا - أيضاً - في صدر الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ ﴾ .

قال الحسن قاسمهما في وسوسته إياهما إني لكما لمن الناصحين وهذا الذي يقول الحسن يومئ إلى أن آدم قد علم أنه الشيطان.

وقال أبو بكر الكيساني: إنه قد وقع عند آدم أن الشجرة التي نهاه ربه أن يتناول منها هي المفضلة على جميع الشجر، فلمّا وسوس إليه الشيطان، وقال له ما قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ  ﴾ ؛ فوافق ظنُّه قول اللعين وما دعاهما إليه، ثم اشتغل فنسي ذلك؛ فتناول على النسيان [والنسيان] على وجهين: نسيان الترك على العهد، ونسيان السهو، ولا يحتمل أن يكون آدم ترك [ذلك] عمداً؛ فهو على نسيان السهو، إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم أو كلام نحوه.

وقرأ بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ ، بكسر اللام من الملك؛ ذهب في ذلك إلى ما قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ  ﴾ .

وقراءة العامة الظاهرة: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ ، بنصب اللام من الملائكة، وقد ذكرنا جهة رغبة آدم في أن يصير ملكاً؛ حيث تناول منها، في صدر الكتاب على قدر ما حفظنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وحلف لهما بالله: إني لكما -يا آدم وحواء- لمن الناصحين فيما أشرت عليكما به.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZA9zr"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله