الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٢ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 124 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، قال : كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق ، كثير شعر الرأس .
فلما وقع بما وقع به من الخطيئة ، بدت له عورته عند ذلك ، وكان لا يراها .
فانطلق هاربا في الجنة فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة ، فقال لها : أرسليني .
فقالت : إني غير مرسلتك .
فناداه ربه ، عز وجل : يا آدم ، أمني تفر؟
قال : رب إني استحييتك .
وقد رواه ابن جرير ، وابن مردويه من طرق ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والموقوف أصح إسنادا .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا سفيان بن عيينة وابن المبارك ، عن الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته ، السنبلة .
فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما ، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ورق التين ، يلزقان بعضه إلى بعض .
فانطلق آدم ، عليه السلام ، موليا في الجنة ، فعلقت برأسه شجرة من الجنة ، فناداه : يا آدم ، أمني تفر؟
قال : لا ولكني استحييتك يا رب .
قال : أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة ، عما حرمت عليك .
قال : بلى يا رب ، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا .
قال : وهو قوله ، عز وجل ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) قال : فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ، ثم لا تنال العيش إلا كدا .
قال : فأهبط من الجنة ، وكانا يأكلان منها رغدا ، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب ، فعلم صنعة الحديد ، وأمر بالحرث ، فحرث وزرع ثم سقى ، حتى إذا بلغ حصد ، ثم داسه ، ثم ذراه ، ثم طحنه ، ثم عجنه ، ثم خبزه ، ثم أكله ، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ وقال الثوري ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) قال : ورق التين .
صحيح إليه .
وقال مجاهد : جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة كهيئة الثوب .
وقال وهب بن منبه في قوله : ( ينزع عنهما لباسهما ) قال : كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما ، لا يرى هذا عورة هذه ، ولا هذه عورة هذا .
فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما .
رواه ابن جرير بإسناد صحيح إليه .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : قال آدم : أي رب ، أرأيت إن تبت واستغفرت؟
قال : إذا أدخلك الجنة .
وأما إبليس فلم يسأله التوبة ، وسأله النظرة ، فأعطي كل واحد منهما الذي سأله .
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أكل آدم من الشجرة قيل له : لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها .
قال : حواء أمرتني .
قال : فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ، ولا تضع إلا كرها .
قال : فرنت عند ذلك حواء .
فقيل لها : الرنة عليك وعلى ولدك .
القول في تأويل قوله : فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (فدلاهما بغرور)، فخدعهما بغرور.
* * * يقال منه: " ما زال فلان يدلّي فلانًا بغرور ", بمعنى: ما زال يخدعه بغرور، ويكلمه بزخرف من القول باطل.
(55) * * * =(فلما ذاقا الشجرة)، يقول: فلما ذاق آدم وحواء ثمر الشجرة, يقول: طعماه (56) =(بدت لهما سوآتهما) يقول: انكشفت لهما سوءاتهما, لأن الله أعراهما من الكسوة التي كان كساهما قبل الذنب والخطيئة, فسلبهما ذلك بالخطيئة التي أخطآ والمعصية التي ركبا (57) =(وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة)، يقول: أقبلا وجعلا يشدَّان عليهما من ورق الجنة، ليواريا سوءاتهما، كما:- 14397- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة)، قال: جعلا يأخذان من ورق الجنة، فيجعلان على سوءاتهما.
14398- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر, عن الحسن, عن أبي بن كعب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان آدم كأنه نخلةٌ سَحُوق، (58) كثيرُ شعر الرأس, فلما وقع بالخطيئة بدت له عورته، وكان لا يراها, فانطلق فارًّا, فتعرضت له شجرة فحبسته بشعره, فقال لها: أرسليني!
فقالت: لست بمرسلتك!
فناداه ربه: يا آدم, أمنِّي تفرّ؟
قال: لا ولكني استحييتك.
(59) 14399- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا سفيان بن عيينة وابن مبارك, عن الحسن, عن عمارة, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال، كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، السنبلة .
فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما, وكان الذي وَارى عنهما من سوءاتهما أظفارُهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ورق التين، يلصقان بعضها إلى بعض.
فانطلق آدم مولّيًا في الجنة, فأخذت برأسه شجرة من الجنة, فناداه: أي آدم أمني تفرّ؟
قال: لا ولكني استحييتك يا رب !
قال: أما كان لك فيما منحتُك من الجنة وأبحتُك منها مندوحةٌ عما حرمت عليك؟
قال: بلى يا رب, ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا.
قال: وهو قول الله: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ .
قال: فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض, ثم لا تنال العيش إلا كدًّا.
قال: فأهبط من الجنة, وكانا يأكلان فيها رغدًا, فأهبطا في غير رغد من طعام وشراب, فعُلّم صنعة الحديد, وأُمر بالحرث, فحرث وزرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم داسَه, ثم ذرّاه, ثم طحنه, ثم عجنه, ثم خبزه, ثم أكله, فلم يبلعْه حتى بُلِّعَ منه ما شاء الله أن يبلعَ.
(60) 14400- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (يخصفان)، قال: يرقعان، كهيئة الثوب.
14401- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: يخصفان عليهما من الورق كهيئة الثوب.
14402- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما) وكانا قبل ذلك لا يريانها =(وطفقا يخصفان)، الآية.
14403- .
.
.
.
قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال، حدثنا الحسن, عن أبي بن كعب: أن آدم عليه السلام كان رجلا طُوالا كأنه نخلة سَحُوق, كثير شعر الرأس .
فلما وقع بما وقع به من الخطيئة, بدت له عورته عند ذلك، وكان لا يراها.
فانطلق هاربًا في الجنة, فعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة, فقال لها: أرسليني !
قالت: إني غير مرسلتك!
فناداه ربه: يا آدم, أمنّي تفرّ؟
قال: رب إني استحييتك.
(61) 14404- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جعفر بن عون, عن سفيان الثوري, عن ابن أبي ليلى, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة)، قال: ورق التين.
14405- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن ابن أبي ليلى, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة)، قال: ورق التين.
14406- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن حسام بن مِصَكّ، عن قتادة = وأبي بكر، عن غير قتادة = قال: كان لباس آدم في الجنة ظُفُرًا كله, فلما وقع بالذنب، كُشِط عنه وبدت سوءته = قال أبو بكر: قال غير قتادة: (فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة)، قال: ورق التين.
(62) 14407- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: (بدت لهما سوءاتهما)، قال: كانا لا يريان سوءاتهما.
14408- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو قال، سمعت وهب بن منبه يقول: يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، [سورة الأعراف: 27].
قال: كان لباس آدم وحواء عليهما السلام نورًا على فروجهما, لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا.
فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوءاتهما.
(63) * * * القول في تأويل قوله : وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونادى آدمَ وحواءَ ربُّهما: ألم أنهكما عن أكل ثمرة الشجرة التي أكلتما ثمرها, وأعلمكما أن إبليس لكما عدو مبين = يقول: قد أبان عداوته لكما، بترك السجود لآدم حسدًا وبغيًا، (64) كما:- 14409- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن قيس قوله: (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين)، لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟
قال: يا رب، أطعمتني حواء !
قال لحواء: لم أطعمته؟
قالت: أمرتني الحية!
قال للحية: لم أمرتها؟
قالت: أمرني إبليس!
قال: ملعون مدحور !
أما أنت يا حواء فكما دمَّيت الشجرة تَدْمَيْن كل شهر.
وأما أنت يا حية، فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك, وسيشدخُ رأسك من لقيك ، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ.
(65) 14410- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا عباد بن العوّام, عن سفيان بن حسين, عن يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟
قال: حواء أمرتني!
قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كَرْهًا، ولا تضع إلا كرها.
قال: فرنَّت حواء عند ذلك, فقيل لها: الرنّة عليك وعلى ولدك.
(66) ------------------ الهوامش: (55) انظر تفسير (( الغرور )) فيما سلف ص : 123 ، تعليق : 2 والمراجع هناك .
(56) انظر تفسير (( ذاق )) فيما سلف ص : 209 ، تعليق : 1 ، والمراجع .
(57) انظر تفسير (( بدا )) فيما سلف 5 : 582 /9 : 350 .
= وتفسير (( السوأة )) فيما سلف 10 : 229 ، وما سيأتي ص : 361 ، تعليق : 3 .
(58) (( نخلة سحوق )) هي الطويلة المفرطة التي تبعد ثمرها على المجتنى .
(59) الأثر : 14398 - (( الحجاج )) هو : (( الحجاج بن المنهال )) ، مضى مرارًا .
و(( أبو بكر )) هو (( أبو بكر الهذلي )) ، مضى برقم : 597 ، 8376 ، 13054 ، وهو ضعيف ليس بثقة .
وهذا الخبر ، ذكره ، ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 458 ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب موقوفًا غير مرفوع .
ثم قال ابن كثير : (( وقد رواه ابن جرير وابن مردويه ، من طرق ، عن الحسن عن أبي كعب مرفوعًا ، والموقوف أصح إسنادًا )) .
وهو كما قال .
وسيأتي برقم : 14403 ، من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، موقوفًا .
(60) الأثر : 14399 - (( الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي )) ، كان على قضاء بغداد في ولاية المنصور .
قال أحمد : (( متروك الحديث ، كان منكر الحديث ، وأحاديثه موضوعة ، لا يكتب حديثه )) .
والقول فيه أشد من هذا .
مترجم في التهذيب ، والكبير 1 /2 / 300 ، وابن أبي حاتم 1 /2 / 27 .
وكان في المطبوعة : (( عن الحسن عن عمارة )) ، وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت من المخطوطة ، وابن كثير في تفسيره 3 : 459 .
وفي المطبوعة وابن كثير : (( فلم يبلغه ، حتى بلغ ...
)) كل ذلك بالغين المعجمة ، والذي في المخطوطة مهمل ، وظني أنه الصواب المطابق للسياق .
(61) الأثر : 14403 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : 14398 ، فهذا هو الخبر الموقوف ، وهو أصح إسنادًا من ذاك المرفوع .
(62) الأثر : 14406 - (( حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي )) ، ضعيف فاحش الخطأ والوهم .
مضى برقم : 11720 .
وكان في المطبوعة : (( حسام بن معبد )) لم يحسن قراءة المخطوطة .
و (( أبو بكر )) ، هو ( أبو بكر الهذلي )) ، ضعيف أيضًا ، مضى قريبًا برقم : 14398 .
(63) الأثر : 14408 - قال ابن كثير في تفسيره 3 : 460 : (( رواه ابن جرير بسند صحيح إليه )) .
(64) انظر تفسير (( مبين )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(65) الأثر : 14409 - مضى الخبر مطولا بهذا الإسناد رقم : 752 ، مع اختلاف يسير في لفظه .
وانظر تخريجه هناك .
(66) (( رنت المرأة ترن رنينًا )) : أي صوتت وصاحت من الحزن والجزع .
و (( الرنة )) : الصيحة الحزينة عند البكاء .
قوله تعالى فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قوله تعالى فدلاهما بغرور أوقعهما في الهلاك .
قال ابن عباس : غرهما باليمين .
وكان يظن آدم أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا ، فغرهما بوسوسته وقسمه لهما .
وقال قتادة : حلف [ ص: 162 ] بالله لهما حتى خدعهما .
وقد يخدع المؤمن بالله .
كان بعض العلماء يقول : من خادعنا بالله خدعنا .
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم .
وأنشد نفطويه :إن الكريم إذا تشاء خدعتهوترى اللئيم مجربا لا يخدعفدلاهما يقال : أدلى دلوه : أرسلها .
ودلاها : أخرجها .
وقيل : دلاهما أي دللهما ; من الدالة ، وهي الجرأة .
أي جرأهما على المعصية فخرجا من الجنة .قوله تعالى فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنةفيه ثلاث مسائل :الأولى قوله تعالى فلما ذاقا الشجرة أي أكلا منها .
وقد مضى في " البقرة " الخلاف في هذه الشجرة ، وكيف أكل آدم منهابدت لهما سوآتهما أكلت حواء أولا فلم يصبها شيء ; فلما أكل آدم حلت العقوبة ; لأن النهي ورد عليهما كما تقدم في " البقرة " .
قال ابن عباس : تقلص النور الذي كان لباسهما فصار أظفارا في الأيدي والأرجل .
الثانية : وطفقا ويجوز إسكان الفاء .
وحكى الأخفش طفق يطفق ; مثل ضرب يضرب .
يقال : طفق ، أي أخذ في الفعل .
يخصفان وقرأ الحسن بكسر الخاء وشد الصاد .
والأصل " يختصفان " فأدغم ، وكسر الخاء لالتقاء الساكنين .
وقرأ ابن بريدة ويعقوب بفتح الخاء ، ألقيا حركة التاء عليها .
ويجوز " يخصفان " بضم الياء ، من خصف يخصف .
وقرأ الزهري ( يخصفان ) من أخصف .
وكلاهما منقول بالهمزة أو التضعيف والمعنى : يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ، ومنه خصف النعل .
والخصاف الذي يرقعها .
والمخصف المثقب .
قال ابن عباس : هو ورق التين .
ويروى أن آدم عليه السلام لما بدت سوأته وظهرت عورته طاف على أشجار الجنة يسل منها ورقة يغطي بها عورته ; فزجرته أشجار الجنة حتى رحمته شجرة التين فأعطته ورقة .
ف طفقا يعني آدم وحواء يخصفان عليهما من ورق الجنة فكافأ الله [ ص: 163 ] التين بأن سوى ظاهره وباطنه في الحلاوة والمنفعة وأعطاه ثمرتين في عام واحد مرتين .
الثالثة : وفي الآية دليل على قبح كشف العورة ، وأن الله أوجب عليهما الستر ; ولذلك ابتدرا إلى سترها ، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة ; كما قيل لهما : ولا تقربا هذه الشجرة .
وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك ; لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها ; كما فعل آدم في الجنة .
والله أعلم .قوله تعالى وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين أي قال لهما : ألم أنهكما .
قالا ربنا نداء مضاف .
والأصل : يا ربنا .
وقيل .
إن في حذف " يا " معنى التعظيم .
فاعترفا بالخطيئة وتابا صلى الله عليهما وسلم .وقد مضى في " البقرة "
{ فَدَلَّاهُمَا } أي: نزَّلهما عن رتبتهما العالية، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها، فأقدما على أكلها.
{ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا } أي: ظهرت عورة كل منهما بعد ما كانت مستورة، فصار للعري الباطن من التقوى في هذه الحال أثر في اللباس الظاهر، حتى انخلع فظهرت عوراتهما، ولما ظهرت عوراتهما خَجِلا وجَعَلا يخصفان على عوراتهما من أوراق شجر الجنة، ليستترا بذلك.
{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } وهما بتلك الحال موبخا ومعاتبا: { أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ } فلم اقترفتما المنهي، وأطعتما عدوَّكُما؟
( فدلاهما بغرور ) أي : خدعهما ، يقال : ما زال فلان يدلي لفلان بغرور ، يعني : ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف باطل من القول .
وقيل : حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية ، ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل ، والتدلية : إرسال الدلو في البئر ، يقال : تدلى بنفسه ودلى غيره .
قال الأزهري : أصله : تدلية العطشان البئر ليروى من الماء ولا يجد الماء فيكون مدلى بغرور ، والغرور : إظهار النصح مع إبطان الغش .
( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ) قال الكلبي : فلما أكلا منها ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة ، والعقوبة أن " بدت " ظهرت لهما " سوآتهما " عوراتهما ، وتهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه ، وكانا لا يريان ذلك .
قال وهب : كان لباسهما من النور .
وقال قتادة : كان ظفرا ، ألبسهما الله من الظفر لباسا فلما وقعا في الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا ، ( وطفقا ) أقبلا وجعلا ( يخصفان ) يرقعان ويلزقان ويصلان ، ( عليهما من ورق الجنة ) وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب .
قال الزجاج : يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما ، وروي عن أبي بن كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس ، فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته ، وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنة ، فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره ، فقال لها : أرسليني ، قالت : لست بمرسلتك ، فناداه ربه : يا آدم أمني تفر ؟
قال : لا يا رب ، ولكن استحييتك " .
( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) يعني : الأكل منها ، ( وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ) أي : بين العداوة .
قال محمد بن قيس : ناداه ربه يا آدم أكلت منها وقد نهيتك ؟
قال : رب أطعمتني حواء .
قال لحواء : لم أطعمتيه ؟
قالت : أمرتني الحية ، قال للحية : لم أمرتيها ؟
قالت : أمرني إبليس .
فقال الله تعالى : أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة فتدمين كل شهر ، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على بطنك ووجهك ، وسيشدخ رأسك من لقيك ، وأما أنت يا إبليس فملعون مدحور .
«فدلاهما» حطهما عن منزلتهما «بغرور» منه «فلما ذاقا الشجرة» أي أكلا منها «بدت لهما سوآتهما» أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره وسمي كل منها سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه «وطفقا يخصفان» أخذ يلزقان «عليهما من ورق الجنة» ليستترا به «وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين» بيِّن العداوة والاستفهام للتقرير.
فجرَّأهما وغرَّهما، فأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الاقتراب منها، فلما أكلا منها انكشفت لهما عوراتهما، وزال ما سترهما الله به قبل المخالفة، فأخذا يلزقان بعض ورق الجنة على عوراتهما، وناداهما ربهما جل وعلا ألم أنهكما عن الأكل من تلك الشجرة، وأقل لكما: إن الشيطان لكما عدو ظاهر العداوة؟
وفي هذه الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه كان ولم يزل مستهجَنًا في الطباع، مستقبَحًا في العقول.
ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس فى خداع آدم وحواء فقال : ( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ) .
أى : فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية ، وأطمعهما فى غير مطمع بسبب ما غرهما به من القسم .ودلاهما مأخوذ من التدلي ، وأصله أن الرجل العطشان يدلى فى البئر بدلون ليشرب من مائها ، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء ، فيكون مدليا فيها بغرور .
والغرور إظهار النصح مع إضمار الغش ، وأصله من غررت فلانا أى أصبت غرته وغفلته ونلت منه ما أريد .ثم بين القرآن الآثار التى ترتبت على هذه الخديعة من إبليس لهما فقال : ( فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ) .أى : فلما خالفا أمر الله - تعالى - بأن أكلا من الشجرة التى نهاهما الله عن الأكل منها ، أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية ، فتساقط عنهما لباسهما ، وظهرت لهما عوراتهما .وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما لسترها .ويخصفان : مأخوذ من الخصف ، وهو خرز طاقات النعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض ، وفعله من باب ضرب .قال بعض العلماء : " ولعل المعنى - والله أعلم - أنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا ، وخلعا ثوب الطاعة ، وبدت منهما سوأة المعصية ، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما ، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخافء حتى لا يرى ، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها ، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك .
فلما سمعا النداء الربانى بتقريعهما ولومهما ألهما أن يتوبا إلى الله ويستغفرا من ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإلهية ، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم ، وقال لهما فقط أولهما ولذرتيهما ، أو لهما ولإبليس : اهبطوا من الجنة إلى الأرض ، لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم وذريته فى الأرض ، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى .
ومنازعة عدوهم لهم فيها ، ( إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) ثم بين القرآن ما قاله الله - تعالى - لهما بعد أن خالفا أمره .
فقال : ( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ ) بطريق العتاب والتوبيخ ( أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة ) .
أى عن الأكل منها ( وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ ) أى : ظاهر العداوة لا يفتر عن إيذائكما وإيقاع الشر بكما .
يقال: وسوس إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره، وبه سمي صوت الحلي وسواساً وهو فعل غيرمتعد كقولنا: ولولوت المرأة، وقولنا: وعوع الذئب، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح، ولكن موسوس له وموسوس إليه، وهو الذي يلقي إليه الوسوسة، ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: كيف وسوس إليه وآدم كان في الجنة وإبليس أخرج منها.
والجواب: قال الحسن: كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له، وقال أبو مسلم الأصفهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة، وقال آخرون: إن آدم وحواء ربما قرباً من باب الجنة، وكان إبليس واقفاً من خارج الجنة على بابها، فيقرب فيقرب أحدهما من الآخر وتحصل الوسوسة هناك.
السؤال الثاني: أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله.
والجواب: لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مراراً كثيرة ورغبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم عليه السلام.
السؤال الثالث: لم قال: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان ﴾ .
والجواب: معنى وسوس له أي فعل الوسوسة لأجله والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا ﴾ في هذا اللام قولان: أحدهما: أنه لام العاقبة كما في قوله: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عوراتهما، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط.
الثاني: لا يبعد أيضاً أن يقال: إنه لام الغرض ثم فيه وجهان: أحدهما: أن يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه، والمعنى: أن غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم زوال حرمته وذهاب منصبه.
والثاني: لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته، وذلك يدل على نهاية الضرر وسقوط الحرمة، فكان يوسوس إليه لحصول هذا الغرض، وقوله: ﴿ مَا ووري عنهما من سوءَاتهما ﴾ فيه مباحث: البحث الأول: ما وري مأخوذ من المواراة يقال: واريته أي سترته.
قال تعالى: ﴿ يواري سوأة أخيه ﴾ .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لما أخبره بوفاة أبيه: اذهب فواره.
البحث الثاني: السوأة فرج الرجل والمرأة، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان.
قال ابن عباس رضي الله عنهما كأنهما قد ألبسا ثوباً يستر عورتهما، فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُما ﴾ .
البحث الثالث: دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول وقوله: ﴿ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴾ يمكن أن يكون هذا الكلام ذكره إبليس بحيث خاطب به آدم وحواء، ويمكن أيضاً أن يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما، والأمران مرويان إلا أن الأغلب أنه كان ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ ومعنى الكلام أن إبليس قال لهما في الوسوسة: إلا أن تكون ملكين وأراد به أن تكونا بمنزلة الملائكة إن أكلتما منها أو تكونا من الخالدين إن أكلتما، فرغبهما بأن أوهمهما أن من أكلها صار كذلك وأنه تعالى إنما نهاهما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ولا يخلدا، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف أطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله.
والجواب: من وجوه: الأول: أن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض.
أما ملائكة السموات وسكان العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبتة لآدم، ولو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع فاسداً مختلاً.
وثانيها: نقل الواحدي عن بعضهم أنه قال: إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أن يصير مثل الملك في البقاء، وأقول: هذا الجواب ضعيف، لأن على هذا التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود وحينئذ لا يبقى فرق بين قوله: ﴿ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ وبين قوله: ﴿ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴾ .
والوجه الثاني: قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ملكين ويقول: ما طمعا في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ملكين، وإنما أتاهما الملعون من جهة الملك، ويدل على هذا قوله: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى ﴾ وأقول هذا الجواب أيضاً ضعيف، وبيانه من وجهين: الأول: هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة: فهل يقول ابن عباس إن تلك القراءة المشهورة باطلة أو لا يقول ذلك؟
والأول باطل، لأن تلك القراءة قراءة متواترة، فكيف يمكن الطعن فيها، وأما الثاني: فعلى هذا التقدير الإشكال باق.
لأن على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة وحينئذ يعود السؤال.
والوجه الثاني: أنه تعالى جعل سجود الملائكة والخلق له في أن يسكن الجنة، وأن يأكل منها رغداً كيف شاء وأراد، ولا مزيد في الملك على هذه الدرجة.
السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النبوة.
والجواب من وجوه: الأول: أنا إذا قلنا إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم يدل على ذلك ولأن آدم حين طلب الوصول إلى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء، وعلى هذا التقدير فزال الاستدلال.
والثاني: أن بتقدير أن تكون هذه الواقعة وقعت في زمان النبوة فلعل آدم عليه السلام رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والشدة أو في خلقة الذات بأن يصير جوهراً نورانياً، وفي أن يصير من سكان العرش والكرسي، وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال.
السؤال الثالث: نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله: ﴿ إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾ وفي قوله: ﴿ وقاسمهما ﴾ قال عمرو وقلت للحسن: فهل صدقاه في ذلك.
فقال الحسن معاذ الله لو صدقاه لكانا من الكافرين ووجه السؤال: أنه كيف يلزم هذا التكفير بتقدير: أن يصدقا إبليس في ذلك القول.
والجواب: ذكروا في تقرير ذلك التكفير أنه عليه السلام لو صدق إبليس في الخلود لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة، وأنه كفر.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من ذلك التصديق حصول الكفر؟
وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على الدوام، وعلى هذا الوجه يندفع ما ذكروه.
الوجه الثاني: هب أن الخلود مفسر بالدوام، إلا أنا نسلم أن اعتقاد الدوام يوجب الكفر وتقريره أن العلم بأنه تعالى هل يميت هذا المكلف أو لا يميته، علم لا يحصل إلا من دليل السمع فلعله تعالى ما بين في وقت آدم عليه السلام أنه يميت الخلق، ولما لم يوجد ذلك الدليل السمعي كان آدم عليه السلام يجوز دوام البقاء، فلهذا السبب رغب فيه، وعلى هذا التقدير: فالتكفير غير لازم.
السؤال الرابع: ثبت بما سبق أن آدم وحواء لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكفيرهما، فهل يقولون إنهما صدقاه فيه قطعاً؟
وإن لم يحصل القطع فهل يقولون إنهما ظنا أن الأمر كما قال؟
أو ينكرون هذا الظن أيضاً.
والجواب: أن المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعاً وظناً، بل الصواب أنهما إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة، لا أنهما صدقاه علماً أو ظناً كما نجد أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.
السؤال الخامس: قوله: ﴿ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴾ هذا الترغيب والتطميع وقع في مجموع الأمرين أو في أحدهما.
والجواب: قال بعضهم: الترغيب كان في مجموع الأمرين، لأنه أدخل في الترغيب.
وقيل: بل هو على ظاهره على طريقة التخيير.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ أي وأقسم لهما إني لكما لمن الناصحين.
فإن قيل: المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك.
تقول: قاسمت فلاناً أي حالفته، وتقاسما تحالفاً ومنه قوله تعالى: ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ .
قلنا: فيه وجوه: الأول: التقدير أنه قال: أقسم لكما إني لكما لمن الناصحين.
وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين؟
فجعل ذلك مقاسمة بينهم.
والثاني: أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها.
الثالث: أنه أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم.
إذا عرفت هذا فنقول: قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، وقوله: ﴿ إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ أي قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم أحوالاً كثيرة من المصالح والمفاسد لا تعرفانها فامتثلا قولي أرشدكما.
ثم قال تعالى: ﴿ فدلاهما بِغُرُورٍ ﴾ وذكر أبو منصور الأزهري لهذه الكلمة أصلين: أحدهما: أصل الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.
فيقال: دلاه إذا أطمعه.
الثاني: ﴿ فدلاهما بِغُرُورٍ ﴾ أي أجرأهما إبليس على أكل الشجرة بغرور، والأصل فيه دللهما من الدل، والدالة وهي الجرأة.
إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: ﴿ فدلاهما بِغُرُورٍ ﴾ أي غرهما باليمين، وكان آدم يظن أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً.
وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق.
فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ ﴾ وذلك يدل على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه، ولولا أنه تعالى ذكر في آية أخرى أنهما أكلا منها، لكان ما في هذه الآية لا يدل على الأكل، لأن الذائق قد يكون ذائقاً من دون أكل.
ثم قال تعالى: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا ﴾ أي ظهرت عوراتهما، وزال النور عنهما ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ ﴾ قال الزجاج: معنى طفق: أخذ في الفعل ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ أي يجعلان ورقة على ورقة.
ومنه قيل للذي يرقع النعل خصاف، وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم، ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا ﴾ قال عطاء: بلغني أن الله ناداهما أفراراً مني يا آدم قال بل حياء منك يا رب ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، ثم ناداه ربه أما خلقتك بيدي، أما نفخت فيك من روحي، أما أسجدت لك ملائكتي، أما أسكنتك في جنتي في جواري!
ثم قال: ﴿ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ قال ابن عباس: بين العداوة حيث أبى السجود وقال: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ ﴾ وقلنا: يا آدم.
وقرئ: ﴿ هذي الشجرة ﴾ والأصل الياء، والهاء بدل منها، ويقال: وسوس، إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره.
ومنه وسوس الحليّ، وهو فعل غير متعدّ، كولولت المرأة ووعوع الذئب، ورجل موسوس- بكسر الواو- ولا يقال موسوس بالفتح، ولكن موسوس له، وموسوس إليه، وهو الذي تلقى إليه الوسوسة.
ومعنى وسوس له: فعل الوسوسة لأجله، ووسوس إليه: ألقاها إليه ﴿ لِيُبْدِيَ ﴾ جعل ذلك غرضاً له ليسوءهما إذا رأيا ما يؤثران ستره، وأن لا يطلع عليه مكشوفاً.
وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول.
فإن قلت: ما للواو المضمومة في ﴿ وُورِيَ ﴾ لم تقلب همزة كما قلبت في أو يصل؟
قلت: لأن الثانية مدّة كألف وارى.
وقد جاء في قراءة عبد الله: ﴿ أورى ﴾ بالقلب ﴿ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ إلاّ كراهة أن تكونا ملكين.
وفيه دليل على أن الملكية بالمنظر الأعلى، وأن البشرية تلمح مرتبتها كلا ولا.
وقرئ: ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام، كقوله ﴿ وَمُلْكٍ لاَّ يبلى ﴾ [طه: 120] .
﴿ مِنَ الخالدين ﴾ من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين.
وقرئ: ﴿ من سوأتهما ﴾ ، بالتوحيد، ﴿ وسوَّاتهما ﴾ ، بالواو المشددة ﴿ وَقَاسَمَهُمَا ﴾ وأقسم لهما ﴿ إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين ﴾ .
فإن قلت: المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك تقول: قاسمت فلاناً حالفته، وتقاسما تحالفا.
ومنه قوله تعالى: ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيّتَنَّهُ ﴾ [النمل: 49] .
قلت: كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين، وقالا له أتقسم بالله إنك لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمة بينهم.
أو أقسم لهما بالنصحية وأقسما له بقبولها.
أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما ﴾ فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ بما غرّهما به من القسم بالله.
وعن قتادة: وإنما يخدع المؤمن بالله.
وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة ﴾ وجدا طعمها آخذين في الأكل منها.
وقيل: الشجرة هي السنبلة.
وقيل: شجرة الكرم ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما ﴾ أي تهافت عنهما اللباس فظهرت لهما عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر.
وعن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت منه ولا رأى مني.
وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.
وعن وهب: كان لباسهما نوراً يحول بينهما وبين النظر.
ويقال: طفق يفعل كذا، بمعنى جعل يفعل كذا.
وقرأ أبو السَّمَّال: ﴿ وطفقا ﴾ بالفتح ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ ورقة فوق ورقة على عوراتهما ليستترا بها، كما يخصف النعل، بأن تجعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.
وقرأ الحسن: ﴿ يخصفان ﴾ بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان.
وقرأ الزهري: ﴿ يُخصفان ﴾ ، من أخصف، وهو منقول من خصف أي يخصفان أنفسهما وقرئ: ﴿ يخصفان ﴾ من خصف بالتشديد ﴿ مِن وَرَقِ الجنة ﴾ قيل: كان ورق التين ﴿ أَلَمْ أَنْهَكُمَا ﴾ عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس وروي: أنه قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟
فقال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً.
قال: فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلاّ كدّاً.
فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز.
<div class="verse-tafsir"
وَقِيلَ أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ.
وقِيلَ أقْسَما عَلَيْهِ بِاللَّهِ أنَّهُ لِمَنِ النّاصِحِينَ فَأقْسَمَ لَهُما فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً.
﴿ فَدَلاهُما ﴾ فَنَزَلَهُما إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِن دَرَجَةٍ عالِيَةٍ إلى رُتْبَةٍ سافِلَةٍ، فَإنَّ التَّدْلِيَةَ والإدْلاءَ إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ.
﴿ بِغُرُورٍ ﴾ بِما غَرَّهُما بِهِ مِنَ القَسَمِ فَإنَّهُما ظَنّا أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا، أوْ مُلْتَبِسَيْنِ بِغُرُورٍ.
﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ﴾ أيْ فَلَمّا وجَدا طَعْمَها آخِذَيْنِ في الأكْلِ مِنها أخَذَتْهُما العُقُوبَةُ وشُؤْمُ المَعْصِيَةِ، فَتَهافَتَ عَنْهُما لِباسُهُما وظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما.
واخْتُلِفَ في أنَّ الشَّجَرَةَ كانَتِ السُّنْبُلَةَ أوِ الكَرْمَ أوْ غَيْرَهُما، وأنَّ اللِّباسَ كانَ نُورًا أوْ حُلَّةً أوْ ظُفْرًا.
﴿ وَطَفِقا ﴾ يَخْصِفانِ أخَذا يُرَقِّعانِ ويَلْزَقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ.
﴿ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ ﴾ قِيلَ كانَ ورَقَ التِّينِ، وقُرِئَ « يَخْصِفانِ» مِن أخْصَفَ أيْ يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما ويَخْصِفانِ مِن خَصَفَ ويَخْصِفانِ وأصْلُهُ يَخْتَصِفانِ.
﴿ وَناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ عِتابٌ عَلى مُخالَفَةِ النَّهْيِ، وتَوْبِيخٌ عَلى الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ العَدُوِّ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)
{فدلاهما} فنزلهما إلى الأكل من الشجرة {بِغُرُورٍ} بما غرهما به من القسم بالله وإنما يخدع المؤمن بالله وعن ابن عمر رضى الله عنهما من خدعنا بالله انخدعنا {فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة} وجدا طعمها آخذين في الأكل منها وهي السنبلة أو الكرم {بَدَتْ لهما سوآتهما} ظهرت لهما عوراتهما لتهافت اللباس عنهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وقيل كان لباسهما من جنس الأظفار أي كالظفر بياضاً في غاية اللطف
واللين فبقي عند الأظفار تذكيراً للنعم وتجديداً للندم {وَطَفِقَا} وجعلا يقال طفق يفعل كذا أي جعل {يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة} يجعلان على عورتهما من ورق التين أو الموز ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف النعل {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة} هذا عتاب من الله وتنبيه على الخطأ وروي أنه قال لآدم عليه السلام ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة فقال بلى ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا بكد يمين وعرق جبين فأهبط وعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد ودرس وذرى وعجن وطحن وخبر {وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}
﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ ﴾ وهو أنَّهُ شَغَلَهُما بِاسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ حَتّى صارا مُسْتَغْرِقَيْنِ بِها فَنَسِيَ النَّهْيَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ وجَعَلَ العِتابَ الآتِيَ عَلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ فَتَدَبَّرْ ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ ﴾ أيْ أكَلا مِنها أكْلًا يَسِيرًا ﴿ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: تَهافَتَ عَنْهُما لِباسُهُما فَأبْصَرَ كُلٌّ مِنهُما عَوْرَةَ صاحِبِهِ فاسْتَحْيا ﴿ وطَفِقا ﴾ أخَذا وجَعَلا فَهو مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ وكَسْرُ الفاءِ فِيهِ أفْصَحُ مِن فَتْحِها وبِهِ قَرَأ أبُو السَّمالِ ( يَخْصِفانِ ) أيْ يُرَقِّعانِ ويَلْزِقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ وأصْلُ مَعْنى الخَصْفِ الخَرْزُ في طاقاتِ النِّعالِ ونَحْوِها بِإلْصاقِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وقِيلَ أصْلُهُ الضَّمُّ والجَمْعُ ﴿ عَلَيْهِما ﴾ أيْ عَلى سَوْآتِهِما أوْ عَلى بَدَنِهِما فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى سَوْآتِهِما.
﴿ مِن ورَقِ الجَنَّةِ ﴾ وكانَ ذَلِكَ بَعْضُ ورَقِ التِّينِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وقِيلَ: المَوْزُ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( يَخْصِفانِ ) مِن أخْصَفَ وأصْلُهُ خَصَفَ إلّا أنَّهُ كَما قالَ الجارَبَرْدِيُّ نُقِلَ إلى أخْصَفَ لِلتَّعْدِيَةِ وضُمِّنَ الفِعْلُ لِذَلِكَ مَعْنى التَّصْيِيرِ فَصارَ الفاعِلُ في المَعْنى مَفْعُولًا لِلتَّصْيِيرِ عُلًا لِأصْلِ الفِعْلِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما أيْ يَجْعَلانِ أنْفُسَهُما خاصِفِينَ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ فَحُذِفَ مَفْعُولُ التَّصْيِيرِ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ خَصَفَ وأخْصَفَ بِمَعْنًى وقَرَأ الحَسَنُ يَخْصِفانِ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ الِافْتِعالِ وأصْلُهُ يَخْتَصِفانِ سُكِّنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِها وقُرِئَ ( يُخَصِّفانِ ) مِن خَصَّفَ المُشَدَّدِ بِفَتْحِ الخاءِ وقَدْ ضُمَّتْ إتْباعًا لِلْياءِ وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ النُّطْقِ ﴿ وناداهُما رَبُّهُما ﴾ بِطَرِيقِ العِتابِ والتَّوْبِيخِ ﴿ ألَمْ أنْهَكُما ﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مَنِ الإعْرابِ أوْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وقالَ أوْ قائِلًا: ألَمْ أنْهَكُما ﴿ عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيا عَنْ قُرْبانِها والتَّثْنِيَةُ لِتَثْنِيَةِ المُخاطَبِ.
﴿ وأقُلْ لَكُما ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أنْهَكُما ) أيْ ألَمْ أقُلْ لَكُما ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ (22) أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ وهَذا عَلى ما قِيلَ: عِتابٌ وتَوْبِيخٌ عَلى الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ العَدُوِّ كَما أنَّ الأوَّلَ عِتابٌ عَلى مُخالَفَةِ النَّهْيِ ولَمْ يُحْكَ هَذا القَوْلُ ها هُنا وقَدْ حُكِيَ في سُورَةِ طَهَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ ﴾ الآيَةَ و( لَكُما ) مُتَعَلِّقٌ بِعَدُوٍّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ لِما فِيها مِنَ اللَّوْمِ الشَّدِيدِ مَعَ النَّدَمِ والِاسْتِغْفارِ المَفْهُومِ مِمّا يَأْتِي والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ النَّهْيَ هُنا لِلتَّنْزِيهِ ونَدَمُهُما واسْتِغْفارُهُما عَلى تَرْكِ الأوْلى وهو في نَظَرِهِما عَظِيمٌ وقَدْ يُلامُ عَلَيْهِ أشَدُّ اللَّوْمِ إذا كانَ فاعِلُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ يعني: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما أي: من حيث أحببتما موسعاً عليكما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني: لا تأكلا من هذه الشجرة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فتصيرا من الضارين بأنفسكما.
قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي: زيّن لهما الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما يعني: أراد إبليس لعنه الله بالوسوسة ليظهر ما سترا من عوراتهما، والسوأة كناية عن العورة.
وذلك أن إبليس لما رأى محسوده في الجنة ورأى نفسه طريداً لم يصبر، واحتال لإخراجهما فأتاهما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ يعني: أنكما لو أكلتما تصيران كالملكين تموتان أبداً أو تكونا كالملائكة وتعلمان الخير والشر.
أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ يعني: إن لم تكونا مَلَكَيْنِ فتكونا من الخالدين لا تموتان.
وقرأ بعضهم مَلِكَيْنِ بالكسر كما قال: في آية أخرى وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى [طه: 120] وهي قراءة يحيى بن كثير وهي قراءة شاذة.
قوله: وَقاسَمَهُما أي حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ بأنها شَجَرَةِ الخلد من أكل منها لم يمت.
وكان آدم لم يعلم أن أحداً يحلف بالله كاذباً فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي: غرّهما بباطل ويقال: زَيَّنَ لهما.
وأصله في اللغة من التقريب يعني: قربهما إلى الشجرة فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ يقول: فلما أكلا من الشجرة ووصل إلى بطونهما تهافت لباسهما عنهما بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي ظهرت عوراتهما، وإنما سميت العورة سوأة لأن كشف العورة قبيح.
قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر.
قال: حدثنا أبو القاسم أحمد بن حم قد ذكر بإسناده عن أبَيّ بن كعب عن النبي : «إنَّ آدَمَ كَانَ رَجُلاً طَوِيلاً كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمَّا وَقَعَ في الخَطِيئَةِ بَدَتْ لَهُ سَوْأَتهُ، وَكَانَ لاَ يَرَاها قَبْلَ ذلك، فَانْطَلَقَ هَارِباً فِي الجَنَّةِ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الجَنَّةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ أَتَفِرُّ مِنِّي؟
قَالَ: يَا رَبّ إِنِّي أَسْتَحِي» .
وفيه دليل أن ستر العورة كان واجباً من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي أقبلا وعمدا يلصقان عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة يعني: من ورق التين يطبقان على أبدانهما ورقة ورقة منه.
يقال: خصف نعله وهو إطباق طاق على طاق وأصل الخصف الضم والجمع.
والخصف إنما هو إلصاق الشيء بالشيء ولهذا قيل: خصاف.
وقرأ بعضهم وطفَقَا بالنصب وهما لغتان طَفِقَ يَطْفَقُ وطَفَق يَطْفِقُ وَناداهُما رَبُّهُما أي قال: لهما ربهما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ أي عن أكل تلك الشجرة وَأَقُلْ لَكُما يعني: ألم أقل لكما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.
قوله عز وجل: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا بأكلنا الشجرة فاغفر لنا وتجاوز عن معصيتنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا يعني: إن لم تتجاوز عن ذنوبنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة فهذه لام القسم كأنهما قالا: والله لنكونن من الخاسرين إن لم تغفر لنا وترحمنا.
وقد ذكر الله تعالى قبول توبتهما في سورة البقرة.
وهو قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37] أي قبل توبته.
وفي الآية دليل أن الله تعالى يعذب عباده إذا أصروا على الذنوب ويتجاوز عنهم إذا تابوا، لأن إبليس لم يتب، وسأل النظرة، فجعل مأواه جهنم.
وتاب آدم ورجع عن ذنبه فقبل توبته.
قوله: قالَ اهْبِطُوا يعني: آدم وحواء عليهما السلام وإبليس لعنه الله بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يعني: إبليس عدوّ لآدم وحواء وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي: منزل وموضع القرار وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ أي: معاش إلى وقت الموت.
قوله تعالى: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ أي: في الأرض تعيشون وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ من الأرض من قبوركم يوم القيامة.
قرأ الكسائي وابن عامر يَخْرُجُونَ بنصب الياء وضم الراء وقرأ الباقون بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقال بعض الناس: يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أَفْضَلُ من البَشَرِ، وهي مسألة اختلف النَّاسُ فيها، وتمسَّكَ كل فريق بِظَوَاهِرَ من الشريعة، والفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يشاء.
وقاسَمَهُما أي: حلف لهما باللَّه، وهي مُفَاعلة، إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم.
فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)
وقوله عز وجل: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ قال: ع»
: يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف.
وقوله سبحانه: بَدَتْ قيل: تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وتطايرت تبرّيا منهما، ويَخْصِفانِ معناه: يلصقانها، والمخصف الأشفى «٢» وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة.
قال البخاري: يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض/ انتهى.
وهو معنى ما تقدم.
وروى أبيٌّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن آدم عليه السلام كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ «٣» فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها: «أرسليني» فقالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم؟
فقال: لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال: أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك.
قال: بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحداً يَحْلِفُ بك كاذبا، قال:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاسَمَهُما ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: حَلَفَ لَهُما، ﴿ فَدَلاهُما ﴾ في المَعْصِيَةِ بِأنْ غَرَّهُما.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آَدَمُ لا يَظُنُّ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ ﴾ أيْ: فَلَمّا ذاقا ثَمَرَ الشَّجَرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما ذاقاها ذَواقًا، ولَمْ يُبالِغا في الأكْلِ.
والسَّوْأةُ كِنايَةٌ عَنِ الفَرَجِ، لا أصِلَ لَهُ في تَسْمِيَتِهِ.
ومَعْنى (طَفِقا) أخَذا في الفِعْلِ؛ والأكْثَرُ: طَفِقَ يَطْفُقُ؛ وقَدْ رُوِيَتْ: طَفِقَ يَطْفِقُ، بِكَسْرِ الفاءِ، ومَعْنى (يَخْصِفانِ) يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ، ومِنهُ قِيلٌ لَلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خِصافٌ.
وَفِي الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إظْهارَ السَّوْأةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آَدَمَ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما ﴾ فَإنَّهُما بادَرا يَسْتَتِرانِ لَقُبْحِ التَّكَشُّفِ.
وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ السَّوْأةُ سَوْأةً، لِأنَّ كَشْفَها يَسُوءُ صاحِبَها.
قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ لِباسَهُما نُورًا عَلى فُرُوجِهِما، لا يَرى أحَدُهُما عَوْرَةَ الآَخَرِ؛ فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ، بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما.
وقَرَأ الحَسَنُ: "سَوْأتُهُما" عَلى التَّوْحِيدِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ: "يَخْصِفانِ" بِكَسْرِ الياءِ والخاءِ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ.
وفي الوَرَقِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ورَقُ التِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ورَقُ المَوْزِ، ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ ﴾ يَعْنِي الأرْضَ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في تاءِ "تَخْرُجُونَ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ هاهُنا؛ وفي الرُّومِ: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ .
وفي الزُّخْرُفِ: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ .
وفي الجاثِيَةِ: ﴿ لا يُخْرَجُونَ مِنها ﴾ .
وقَرَأهُنَّ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ.
وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التّاءَ في (الأعْرافِ) فَقَطْ فَأمّا الَّتِي في (الرُّومِ) ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ ، وفي ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ ﴾ فَمَفْتُوحَتانِ مِن غَيْرِ خِلافٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عن تِلْكُما الشَجَرَةَ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ ﴾ ؛ يُرِيدُ: فَغَرَّهُما بِقَوْلِهِ؛ وخَدَعَهُما بِمَكْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِعارَةً مِن "اَلرَّجُلُ يُدْلِي آخَرَ مِن هُوَّةٍ بِحَبْلٍ قَدْ أرِمَ؛ أو بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ يَغْتَرُّ بِهِ؛ فَإذا تَدَلّى بِهِ وتَوَرَّكَ عَلَيْهِ؛ انْقَطَعَ بِهِ؛ فَهَلَكَ"؛ فَيُشَبَّهُ الَّذِي يُغَرُّ بِالكَلامِ حَتّى يُصَدِّقَهُ؛ فَيَقَعُ في مُصِيبَةٍ؛ بِالَّذِي يُدْلّى في هُوَّةٍ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ.
وعُلِّقَ حُكْمُ العُقُوبَةِ بِالذَوْقِ؛ إذْ هو أوَّلُ الأكْلِ؛ وبِهِ يُرْتَكَبُ النَهْيُ؛ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ فَأكَلا مِنها ﴾ .
؛ وقَوْلُهُ تَعالى "بَدَتْ"؛ قِيلَ: تَخَرَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ ومَلابِسُها؛ وتَطايَرَتْ تَبَرِّيًا مِنهُما؛ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ فانْقَشَعَ بِالمَعْصِيَةِ ذَلِكَ النُورُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: كانَ عَلَيْهِما ظُفْرٌ كاسٍ؛ فَلَمّا عَصَيا تَقَلَّصَ عنهُما؛ فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما؛ وبَقِيَ مِنهُ عَلى الأصابِعِ قَدْرَ ما يَتَذَكَّرانِ بِهِ المَعْصِيَةَ؛ فَيُجَدِّدانِ النَدَمَ.
"وَطَفِقا"؛ مَعْناهُ: أخَذا؛ وجَعَلا؛ وهو فِعْلٌ لا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ؛ كَـ "باتَ"؛ و"ظَلَّ".
و"يَخْصِفانِ"؛ مَعْناهُ: يُلْصِقانِها؛ ويَضُمّانِ بَعْضَها إلى بَعْضٍ؛ و"اَلْمِخْصَفُ": اَلْإشْفى؛ وضَمُّ الوَرَقِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ أشْبَهُ بِالخَرْزِ مِنهُ بِالخِياطَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَخْصِفانِ"؛ مِن "خَصَفَ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: "يَخَصِّفانِ"؛ بِشَدِّ الصادِ؛ وَقَرَأ الزُهْرِيُّ: "يُخْصِفانِ"؛ مِن "أخْصَفَ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ - فِيما رَوى عنهُ مَحْبُوبٌ: "يَخَصِّفانِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والخاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وشَدِّها؛ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ؛ وعن يَعْقُوبَ؛ وأصْلُها "يَخْتَصِفانِ"؛ كَما تَقُولُ: "سَمِعْتُ الحَدِيثَ"؛ و"اِسْتَمَعْتُهُ"؛ فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الصادِ؛ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الخاءِ؛ وكَذَلِكَ الأصْلُ في القِراءَةِ بِكَسْرِ الخاءِ بَعْدَ هَذِهِ؛ لَكِنْ لَمّا سُكِّنَتِ التاءُ؛ وأُدْغِمَتْ في الصادِ؛ اجْتَمَعَ ساكِنانِ؛ فَكُسِرَتِ الخاءُ؛ عَلى عُرْفِ التِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْرَجُ ؛ ومُجاهِدٌ: "يَخِصِّفانِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وشَدِّها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ الوَرَقَ الَّذِي خُصِفَ مِنهُ ورَقُ التِينِ؛ ورَوى أُبَيٌّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - «أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَمْشِي في الجَنَّةِ كَأنَّهُ نَخْلَةٌ سَمُوقٌ؛ فَلَمّا واقَعَ المَعْصِيَةَ وبَدَتْ لَهُ حالُهُ فَرَّ عَلى وجْهِهِ؛ فَأخَذَتْ شَجَرَةٌ بِشَعْرِ رَأْسِهِ؛ يُقالُ: إنَّها الزَيْتُونَةُ؛ فَقالَ لَها: "أرْسِلِينِي"؛ فَقالَتْ: ما أنا بِمُرْسِلَتِكَ؛ فَناداهُ رَبُّهُ: (أمِنِّي تَفِرُّ يا آدَمُ؟)؛ قالَ: "لا يا رَبُّ؛ ولَكِنِّي اسْتَحَيْتُكَ"؛ قالَ: (أما كانَ لَكَ فِيما مَنَحْتُكَ مِنَ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ؟)؛ قالَ: "بَلى يا رَبُّ؛ ولَكِنْ وعِزَّتِكَ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كاذِبًا"؛ قالَ: (فَبِعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إلى الأرْضِ؛ ثُمَّ لا تَنالُ العَيْشَ إلّا كَدًّا).» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَناداهُما"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذا النِداءَ نِداءُ وحْيٍ؛ بِواسِطَةٍ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنّا نَتَلَقّى مِنَ الشَرْعِ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - هو الَّذِي خُصِّصَ بَيْنَ العالَمِ بِالكَلامِ؛ وأيْضًا فَفي حَدِيثِ الشَفاعَةِ «أنَّ بَنِي آدَمَ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - يَوْمَ القِيامَةِ: "أنْتَ خَصَّكَ اللهُ بِكَلامِهِ؛ واصْطَفاكَ بِرِسالَتِهِ؛ اذْهَبْ فاشْفَعْ لِلنّاسِ"؛» وهَذا ظاهِرُهُ أنَّهُ مُخَصَّصٌ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو نِداءُ تَكْلِيمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحُجَّةُ هَذا المَذْهَبِ أنَّهُ وقَعَ في أوَّلِ ورَقَةٍ مِن تارِيخِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عن آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَقالَ: "نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"؛» وأيْضًا فَإنَّ مُوسى خُصِّصَ بَيْنَ البَشَرِ الساكِنِينَ في الأرْضِ؛ وأمّا آدَمُ إذْ كانَ في الجَنَّةِ فَكانَ في غَيْرِ رُتْبَةِ سُكّانِ الأرْضِ؛ فَلَيْسَ في تَكْلِيمِهِ ما يُفْسِدُ تَخْصِيصَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُؤَيِّدُ أنَّهُ نِداءُ وحْيٍ؛ اشْتِراكُ حَوّاءَ فِيهِ؛ ولَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَلَّمَ حَوّاءَ؛ ويُتَأوَّلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ « "نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"؛» أنَّهُ بِمَعْنى: مُوصَلٌ إلَيْهِ كَلامُ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ألَمْ أنْهَكُما ﴾ ؛ سُؤالُ تَقْرِيرٍ؛ يَتَضَمَّنُ التَوْبِيخَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تِلْكُما"؛ ﴾ يُؤَيِّدُ - بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَفْظِ - أنَّهُ إنَّما أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ؛ ﴿ وَأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ "طـه"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو العَهْدُ الَّذِي نَسِيَهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ النِسْيانَ عَلى بابِهِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "ألَمْ تُنْهَيا عن تِلْكُما الشَجَرَةِ وقِيلَ لَكُما"؛ وقَوْلُهُما: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ﴾ ؛ اِعْتِرافٌ مِن آدَمَ؛ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ؛ والسَتْرِ؛ والتَغَمُّدِ بِالرَحْمَةِ؛ فَطَلَبَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هَذا؛ وطَلَبَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ؛ ولَمْ يَطْلُبِ التَوْبَةَ؛ فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ؛ قالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن رَبِّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فدلاهما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ﴾ .
تفريع على جملة: ﴿ فوسوس لهما الشّيطان ﴾ [الأعراف: 20] وما عطف عليها.
ومعنى ﴿ فدلاّهما ﴾ أقدمهما ففَعلا فِعلاً يطمعان به في نفع فخابَا فيه، وأصل دلَّى، تمثيل حال من يطلب شيئاً من مظنّته فلا يجده بحال من يُدَلِّي دَلوه أو رجليه في البئر ليسْتقي من مائها فلا يجد فيها ماء فيقال: دَلَّى فلانٌ، يقال دلّى كما يقال أدلى.
والباء للملابسة أي دلاهما ملابِساً للغُرور أي لاستيلاء الغرور عليه إذ الغرور هو اعتقاد الشيء نافعاً بحسب ظاهر حاله ولا نفع فيه عند تجربته، وعلى هذا القياس يقال دَلاّه بغرور إذا أوقعه في الطّمع فيما لا نفع فيه، كما في هذه الآية وقول أبي جُندب الهُذلي (هو ابن مُرّة ولم أقف على تعريفه فإن كان إسلامياً كان قد أخذ قوله كمن يدلّى بالغرور من القرآن، وإلاّ كان مثلاً مستعملاً من قبل): أحُصّ فلا أجيرُ ومَنْ أجِرْه *** فليس كمَنْ يدلّى بالغرور وعلى هذا الاستعمال ففعل دَلّى يستعمل قاصراً، ويستعمل متعدّياً إذا جعل غيره مدَلِّيَاً، هذا ما يؤخذ من كلام أهل اللّغة في هذا اللّفظ، وفيه تفسيرات أخرى لا جدوى في ذكرها.
ودلّ قوله: ﴿ فدلهما بغرور ﴾ على أنّهما فعلا ما وسوس لهما الشّيطان، فأكلا من الشّجرة، فقوله: ﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ ترتيب على دَلاَهما بغرور فحذفت الجملة واستُغني عنها بإيراد الاسم الظّاهر في جملة شرط لَمَّا، والتّقدير: فأكلا منها، كما ورد مصرّحاً به في سورة البقرة، فلمّا ذاقاها بدت لهما سوآتهما.
والذّوق إدراك طعم المأكول أو المشروب باللّسان، وهو يحصل عند ابتداء الأكل أو الشّرب، ودلت هذه الآية على أن بُدُوّ سوآتهما حصل عند أوّل إدراك طعم الشّجرة، دلالة على سرعة ترتّب الأمر المحذور عند أوّل المخالفة، فزادت هذه الآية على آية البقرة.
وهذه أوّلُ وسوسة صدرت عن الشّيطان.
وأوّل تضليل منه للإنسان.
وقد أفادت (لما) توقيت بدوّ سوآتهما بوقت ذوقهما الشّجرة، لأنّ (لما) حرف يدل على وجود شيء عند وجود غيره، فهي لمجرّد توقيت مضمون جوابها بزمان وجود شرطها، وهذا مَعنى قولهم: حرف وُجودٍ لِوُجُودٍ (فاللاّم في قولهم لوجود بمعنى (عند) ولذلك قال بعضهم هي ظرف بمعنى حين، يريد باعتبار أصلها، وإذ قد التزموا فيها تقديم ما يدل على الوقت لا على الموقت، شابهت أدوات الشّرط فقالوا حرف وجود لوجود كما قالوا في (لو) حرف امتناععٍ لامْتناععٍ، وفي (لَولا) حرف امتناع لوجود، ولكن اللاّم في عبارة النّحاة في تفسير معنى لو ولولا، هي لام التّعليل، بخلافها في عبارتهم في (لما) لأنّ (لما) لا دلالة لها على سَبَب، ألا ترى قوله تعالى: ﴿ فلما نَجّاكم إلى البر أعرضتم ﴾ [الإسراء: 67] إذ ليس الإنجاء بسبب للإعراض، ولكن لَمَّا كان بين السّبب والمسبّب تقارن كثر في شرط (لما) وجوابها معنى السَّببية دون اطراد، فقوله تعالى: ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ﴾ لا يدلّ على أكثر من حصول ظهور السوْآت عند ذوق الشّجرة، أي أنّ الله جعل الأمرين مقترنين في الوقت، ولكن هذا التّقارن هو لكون الأمرين مسبّبين عن سبب واحد، وهو خاطر السوء الذي نفثه الشّيطان فيهما، فسبب الإقدام على المخالفة للتّعاليم الصّالحة، والشّعورَ بالنقيصة: فقد كان آدم وزوجه في طور سذاجة العلم، وسلامة الفطرة، شبيهين بالملائكة لا يُقدمان على مفسدة ولا مَضرة، ولا يُعرضان عن نصح ناصح عَلِمَا صدقَه، إلى خبر مخبر يشكّان في صدقه، ويتوقّعان غروره، ولا يشعران بالسوء في الأفعال، ولا في ذَرائِعها ومقارناتها.
لأنّ الله خلقهما في عالم ملَكي.
ثمّ تطوّرت عقليَّتهما إلى طور التّصرّف في تغيير الوجدان.
فتكّون فيهما فعل ما نُهيا عنه.
ونشأ من ذلك التّطوّر الشّعورُ بالسّوء للغير، وبالسوء للنّفس، والشّعور بالأشياء التي تؤدي إلى السوء.
وتقارن السوء وتلازمه.
ثمّ إن كان «السَّوآت» بمعنى ما يسوء من النّقائص، أو كان بمعنى العَورات كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ليبدي لهما ما وُوري عنهما من سوآتهما ﴾ [الأعراف: 20] فبُدوّ ذلك لهما مقارن ذوق الشّجرة الذي هو أثر الإقدام على المعصية ونبذِ النّصيحة إلى الاقتداء بالغَرور والاغترار بقَسَمه، فإنَّهما لما نشأت فيهما فكرة السوء في العمل، وإرادة الإقدام عليه، قارنت تلك الكيفيةَ الباعثةَ على الفعل نَشْأةُ الانفعال بالأشياء السيّئة، وهي الأشياء التي تظهر بها الأفعال السيّئة، أو تكون ذريعة إليها، كما تنشأ معرفة آلة القطع عند العزم على القتل، ومن فكرة السّرقة معرفةُ المكان الذي يختفَى فيه، وكذلك تنشأ معرفة الأشياء التي تلازم السوء وتقارنه، وإن لم تكن سيّئة في ذاتها، كما تنشأ معرفة اللّيل من فكرة السّرقة أو الفرارِ، فتنشأ في نفوسسِ النّاسسِ كراهيته ونسبته إلى إصدار الشّرور، فالسوآت إن كان معناه مطلق ما يسوء منهما ونقائصِهما فهي من قبيل القسمين، وإن كان معناه العورة فهي من قبيل القسم الثّاني، أعني الشّيء المقارن لما يسوء، لأنّ العورة تقارن فعلا سيّئاً من النّقائص المحسوسة، والله أوجدها سببَ مصالح، فلم يَشعر آدمُ وزوجه بشيء ممّا خلقت لأجله، وإنّما شعرا بمقارنة شيء مكروه لذلك وكلّ ذلك نشأ بإلْهام من الله تعالى، وهذا التّطوّر، الذي أشارت إليه الآية، قد جعله الله تطوّراً فطرياً في ذرّية آدم، فالطّفل في أوّل عمره يكون بريئاً من خواطر السّوء فلا يستاء من تلقاء نفسه إلاّ إذا لحق به مؤلم خارجي، ثمّ إذا ترعرع أخذت خواطر السوء تنتابه في باطن نفسه فيفرضها ويولِّدها، وينفعل بها أو يفعل بما تشير به عليه.
وقوله: ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ حكاية لابتداء عمل الإنسان لستر نقائصه، وتحيُّلِه على تجنّب ما يكرهه، وعلى تحسين حاله بحسب ما يُخيِّل إليه خيالُه، وهذا أوّل مظهر من مظاهر الحَضارة أنشأه الله في عقلي أصلَي البشر، فإنّهما لما شعرا بسَوآتهما بكلا المعنيين، عَرفا بعض جزئياتها، وهي العورة وحدث في نفوسهما الشّعور بقبح بروزها، فشرعا يخفيانها عن أنظارهما استبشاعاً وكراهيةً، وإذ قد شعرا بذلك بالإلهام الفطري، حيث لا ملقّن يلقنّهما ذلك، ولا تعليم يعلمهما، تَقرّر في نفوس النّاس أنّ كشف العورة قبيح في الفطرة، وأنّ سترها متعيّن، وهذا من حكم القوّة الواهمة الذي قارَن البشر في نشأته، فدلّ على أنّه وَهْم فطري متأصّل، فلذلك جاء دين الفطرة بتقرير ستر العورة، مشايعة لما استقرّ في نفوس البشر، وقد جعل الله للقوّة الواهمة سلطاناً على نفوس البشر في عصور طويلة، لأنّ في اتّباعها عونا على تهذيب طباعه، ونزْععِ الجلافة الحيوانية من النّوع، لأنّ الواهمة لا توجد في الحيوان، ثمّ أخذت الشّرائع، ووصايا الحكماء، وآداب المربِّينَ، تزيل من عقول البشر متابعة الأوهام تدريجاً مع الزّمان، ولا يُبقون منها إلاّ ما لا بد منه لاستبقاء الفضيلة في العادة بين البشر، حتّى جاء الإسلام وهو الشّريعة الخاتمة فكان نوط الأحكام في دين الإسلام بالأمور الوهْميّة ملغى في غالب الأحكام، كما فصّلتُه في كتاب «مقاصد الشّريعة» وكتاب «أصول نظام الاجتماع في الإسلام».
والخصف حقيقته تقوية الطّبقة من النّعل بطبقة أخرى لتشتدّ، ويستعمل مجازاً مرسلاً في مطلق التّقوية للخِرقة والثّوب، ومنه ثوب خَصيف أي مخصوف أي غليظ النّسج لا يَشف عمّا تحته، فمعنى يخصفان يضعان على عوراتهما الورَق بعضه على بعض كفعل الخاصف، وضعا مُلزقاً متمكّناً، وهذا هو الظّاهر هنا إذ لم يقل يخصفان وَرَق الجنّة.
و (من) في قوله: ﴿ من ورق الجنة ﴾ يجوز كونها اسماً بمعنى بعضَ في موضع مفعول ﴿ يخصفان ﴾ أي يخصفان بعض ورق الجنة، كما في قوله: ﴿ من الذين هادوا يحرفون ﴾ ، ويجوز كونها بيانيّة لمفعول محذوف يقتضيه: « ﴿ يخصفان ﴾ والتقدير: يخصفان خِصْفاً من ورق الجنة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ ﴾ مَعْناهُ فَحَطَّهُما بِغُرُورٍ مِن مَنزِلَةِ الطّاعَةِ إلى حالِ المَعْصِيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ عَلِما عِنْدَ أكْلِهِما أنَّها مَعْصِيَةٌ؟
قِيلَ: لا، لِأنَّ إقْدامَهُما عَلَيْها مَعَ العِلْمِ بِأنَّها مَعْصِيَةٌ يَجْعَلُها كَبِيرَةً، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، وإنَّما أقْدَما عَلَيْها لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِما بِالغُرُورِ.
﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ولَمْ تَكُنْ بادِيَةً لَهُما مِن قَبْلُ؟
فَفي ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُما كانا مَسْتُورَيْنِ بِالطّاعَةِ فانْكَشَفَ السِّتْرُ عَنْهُما بِالمَعْصِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُما كانا مَسْتُورَيْنِ بِنُورِ الكَرامَةِ فَزالَ عَنْهُما بِذَلِكَ المَهانَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُما خَرَجا بِالمَعْصِيَةِ مِن أنْ يَكُونا مِن ساكِنِي الجَنَّةِ، فَزالَ عَنْهُما ما كانا فِيهِ مِنَ الصِّيانَةِ.
﴿ وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ ﴾ في ﴿ وَطَفِقا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قاما يَخْصِفانِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّانِي: جَعَلا يَخْصِفانِ، أيْ يَقْطَعانِ.
﴿ مِن ورَقِ الجَنَّةِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ورَقُ المَوْزِ.
والثّانِي: ورَقُ التِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: نهى الله آدم وحوّاء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حوّاء ووسوس إلى آدم فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، فقطعت حوّاء الشجرة فدميت الشجرة وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ، لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟
قال: يا رب أطعمتني حواء.
قال لحوّاء: لم أطعمتيه؟
قالت: أمرتني الحية.
قال للحية: لم أمرتها؟
قالت: أمرني إبليس.
قال: ملعون مدحور، أما أنت ياحوّاء كما أدميت الشجرة تدمين في كل هلال، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جراً على وجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ.
وأخرج ابن المنذر عن أبي غنيم سعيد بن حدين الحضرمي قال: لما أسكن الله آدم وحوّاء الجنة خرج آدم يطوف في الجنة، فاغتنم إبليس غيبته فأقبل حتى بلغ المكان الذي فيه حوّاء، فصفر بقصبة معه صفيراً سمعته حواء، وبينها وبينه سبعون قبة بعضها في جوف بعض، فأشرفت حواء عليه فجعل يصفر صفيراً لم يسمع السامعون بمثله من اللذة والشهوة والسماع حتى ما بقي من حواء عضو مع آخر إلا تخلج، فقالت: أنشدك بالله العظيم لما أقصرت عني فإنك قد أهلكتني، فنزع القصبة ثم قلبها فصفر صفيراً آخر، فجاش البكاء والنوح والحزن بشيء لم يسمع السامعون بمثله حتى قطع فؤادها بالحزن والبكاء، فقالت: أنشدك بالله العظيم لما أقصرت عني، ففعل فقالت له: ما هذا الذي جئت به؟
أخذتني بأمر الفرح وأخذتني بأمر الحزن.
قال: ذكرت منزلتكما من الجنة وكرامة الله إياكما ففرحت لكما بمكانكما، وذكرت إنكما تخرجان منها فبكيت لكما وحزنت عليكما، ألم يقل لكما ربكما متى تأكلان من هذه الشجرة تموتان وتخرجان منها؟
أنظري إليّ يا حواء، فإذا أنا أكلتها فإن أنا مت أو تغير من خلقي شيء فلا تأكلا منها، أقسم لكما بالله إني لكما من الناصحين.
فانطلق إبليس حتى تناول من تلك الشجرة فأكل منها، وجعل يقول: يا حواء انظري هل تغير من خلقي شيء أم هل مت قد أخبرتك ما أخبرتك.
ثم أدبر منطلقاً.
وأقبل آدم من مكانه الذي كان يطوف به من الجنة فوجدها منكبة على وجهها حزينة، فقال لها آدم: ما شأنك...؟!
قالت أتاني الناصح المشفق قال: ويحك...
!
لعله إبليس الذي حذرناه الله؟
قالت: يا آدم والله لقد مضى إلى الشجرة فأكل منها وأنا أنظر فما مات ولا تغير من جسده شيء، فلم تزل به تدليه بالغرور حتى مضى آدم وحواء إلى الشجرة، فأهوى آدم بيده إلى الثمرة ليأخذها، فناداه جميع شجر الجنة: يا آدم لا تأكلها فإنك إن أكلتها تخرج منها، فعزم آدم على المعصية فأخذ ليتناول الشجرة، فجعلت الشجرة تتطاول ثم جعل يمدّ يده ليأخذها، فلما وضع يده على الثمرة اشتدت، فلما رأى الله منه العزم على المعصية أخذها وأكل منها، وناول حواء فأكلت، فسقط منها لباس الجمال الذي كان عليها في الجنة، وبدت لهما سوءاتهما، وابتدرا يستكنان بورق الجنة يخصفان عليهما من ورق الجنة ويعلم الله يُنظر أيهما.
فأقبل الرب في الجنة فقال: يا آدم أين أنت أخرج؟
قال: يا رب أنا ذا أستحي أخرج إليك.
قال: فلعلك أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟
قال: يا رب هذه التي جعلتها معي أغوتني.
قال: فمتى تختبئ يا آدم؟
أو لم تعلم أن كل شيء لم يا آدم، وأنه لا يخفى عليّ شيء في ظلمة ولا في نهار؟
قال: فبعث إليهما ملائكة يدفعان في رقابهما حتى أخرجوهما من الجنة، فأوقفا عريانين وإبليس معهما بين يدي الله، فعند ذلك قضى عليهما وعلى إبليس ما قضى، وعند ذلك أهبط إبليس معهما، وتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، وأهبطوا جميعاً.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن وهب بن منبه في قوله: ﴿ ليبدي لهما ما وُوريَ عنهما من سوءاتهما ﴾ قال: كان على كل واحد منهما نور لا يبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع منهما.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ليهتك لباسهما وكان قد علم أن لهما سوءة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظفر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتاهما إبليس قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين تكونا مثله يعني مثل الله عز وجل فلم يصدقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ بكسر اللام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ الا أن تكونا ملكين ﴾ بنصب اللام من الملائكة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ قال: ذكر تفضيل الملائكة فضلوا بالصور، وفضلوا بالأجنحة، وفضلوا بالكرامة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: إن في الجنة شجرة لها غصنان أحدهما تطوف به الملائكة، والآخر قوله: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ يعني الملائكة الذين يطوفون بذلك الغصن.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس.
أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ فإن أخطأكما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين، فلا تموتان فيها أبداً ﴿ وقاسمهما ﴾ قال: حلف لهما ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .
وأخرج بن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ يقول: لا تموتون أبداً.
وفي قوله: ﴿ وقاسمهما ﴾ قال: حلف لهما بالله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ﴾ قال: حلف لهما بالله حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله.
قال لهما: إني خلقت قبلكما وأعلم منكما فاتبعاني أرشدكما قال قتادة: وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: في بعض القراءة ﴿ وقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ قال: مناهما بغرور.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ﴾ وكانا قبل ذلك لا يريانها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال: لباس كل دابة منها ولباس الإِنسان الظفر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوءاتهما.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقي في أطراف أصابعه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان لباس آدم الظفر بمنزلة الريش على الطير، فلما عصى سقط عنه لباسه وتركت الأظفار زينة ومنافع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: كان لباس آدم في الجنة الياقوت فلما عصى تقلص فصار الظفر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان آدم طوله ستون ذراعاً، فكساه الله هذا الجلد وأعانه بالظفر يحتك به.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ قال: يرقعان كهيئة الثوب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان عليهما ﴾ قال: أقبلا يغطيان عليهما.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: يوصلان عليهما من ورق الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: يأخذان ما يواريان به عورتهما.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ قال: آدم: رب انه حلف لي بك، ولم أكن أظن أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالا ﴾ قال: آدم وحواء ﴿ رَبنا ظلمنا أنفسنا ﴾ يعني ذنباً أذنبناه فغفره لهما.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا...
﴾ الآية.
قال: هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك.
مثله.
وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن قتادة قال: إن المؤمن ليستحي ربه من الذنب إذا وقع به، ثم يعلم بحمد الله أين المخرج يعلم أن المخرج في الاستغفار والتوبة إلى الله عز وجل، فلا يحتشمن رجل من التوبة، فإنه لولا التوبة لم يخلص أحد من عباد الله، وبالتوبة أدرك الله أباكم الرئيس في الخير من الذنب حين وقع به.
وأخرج أبو الشيخ عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله إلى فلان حبر تيما حدثني عن قوله: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ فقال: هو مستقره فوق الأرض، ومستقره في الرحم، ومستقره تحت الأرض، ومستقره حيث يصير إلى الجنة أو النار.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ الآية، معنى التدلية (١) قال أبو عبيدة: (دلاهما: خذلاهما وخلاهما من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر) (٢) وقال أبو إسحاق: (دلاهما في المعصية (٣) (٤) وذكر أبو منصور الأزهري -رحمه الله- لهذه الكلمة أصلين: أحدهما: قال: (أصله الرجل العطشان يدلي في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء، فيكون مدلس فيها بالغرور، فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعًا، فيقال: دلاه إذا أطمعه (٥) (٦) (٧) أحص: أقطع.
والثاني: ﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ ، أي جرأهما (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قال شمر: (يقال: ما دَلَّك علي، أي: ما جَرَّأك علي) (١٤) (١٥) أظُنُّ الحِلْمَ دَلَّ عليَّ قْومِي ...
وقد يسْتَجْهَلُ الرجلُ الحَليمُ (١٦) (١٧) (١٨) قال ابن عباس: (يريد: غرهما باليمين، وكان آدم يظن أنه لا أحد يحلف بالله كاذبًا) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: ظهرت عورتهما وتقلص ذلك النور عنهما، فصار أظفارًا (٢٠) (٢١) قال وهب (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال قتادة: (كان لباس آدم وحواء في الجنة ظفرًا (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال الكلبي: (فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه فاستحيا) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾ ، قال الليث: (طَفِق بمعنى علق يفعل كذا، وهو يجمع ظل وبات) (٢٩) (٣٠) وقال ابن قتيبة ﴿ وَطَفِقَا ﴾ أي: علقا وأقبلا، يقال: طفِقْت أفعل كذا) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ أي: يطبقان (٣٢) ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ : يجعلان ورقة على ورقة، ومنه قيل للذي يرقع النعل: خَصَّاف وهو يخصِفُ) (٣٣) (٣٤) .....
رَوْثَةُ أنْفِها كالمِخْصَفِ (٣٥) (٣٦) وقال الأزهري: ( ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ أي: يطابقان بعض الورق على بعض.
كما يخصف طرائق النعل بعضها على بعض) (٣٧) ومنه قول العباس يمدح رسول الله : ......
طِبْتَ في الظّلال وفي ...
مُسْتَودَع حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ (٣٨) يعني: في الجنة حيث خصف آدم وحواء الورق.
قال مجاهد: ( ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ يرقعان كهيئة الثوب) (٣٩) وقال الكلبي: (يخرزان بعضه إلى بعض) (٤٠) وقال قتادة: (أقبلا وجعلا يرقعان ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب) (٤١) قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل على أن أمر التكشف وإظهار السوءة قبيح من لدن آدم، ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى التستر لقبح التكشف) (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ﴾ .
قال عطاء: (بلغني أن الله ناداهما أفرارًا مني يا آدم؟
قال: بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدًا يقسم باسمك كاذبًا، ثم ناداه ربه: أما خلقتك بيدي، أما نفخت فيك من روحي، أما أسجدت لك ملائكتي، أما أسكنتك جنتي في جواري، اخرج من جواري، فإنه لا يجاورني من عصاني) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ، قال ابن عباس: (بين العداوة حيث أبى السجود وقال: ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ) (٤٤) (١) انظر: "العين" 8/ 69، و"الجمهرة" 2/ 682، و"الصحاح" 6/ 2339، و"المفردات" ص 317 (دلو).
(٢) ذكر الثعلبي في "الكشف" 188ب، ولم أقف عليه في "مجاز القرآن".
(٣) في (ب): (دلاهما في المعصية غرهما بأن غرهما)، وهو تحريف.
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 327.
انظر: "معاني النحاس" 3/ 21.
(٥) في (ب): (إذا أطعمه)، وفي (أ): (إذا طعمه)، وهو تحريف.
(٦) أبو جُنْدَب بن مُرَّة بن قرد الهذلي، شاعر جاهلي، وهو أحد عشر إخوة كانوا جميعًا شعراء دهاة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 440، و"شرح ديوان الهذليين" 1/ 345، و"الأغاني" 22/ 221، 228، 230.
(٧) "شرح ديوان الهذليين" 1/ 355، و"اللسان" 3/ 1418 (دلا)، و"الدر المصون" 5/ 281، وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1214 في شرح البيت: (أحص: أمنع، وقيل: أقطع ذلك، وقوله: كمن يدلي أي: يُطمع) اهـ.
(٨) في (أ): (أي أخبرهما)، وهو تحريف.
(٩) في (ب): (بغرور).
(١٠) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(١١) في (ب): (فيهما).
(١٢) في (ب): (من الدلال)، وهو تحريف.
(١٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1214.
(١٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1221.
(١٥) قَيْس بن زُهَيْر بن جَذيِمة العَبْسي، شاعر جاهلي، وفارس عبس وسيدها، ومعدود في الأمراء والدهاة والشجعان والخطباء والشعراء، وهو صاحب الفرسين داحس والغبراء، وكان شريفًا، حازمًا ذا رأي، يضرب بدهائه المثل.
انظر: "معجم المرزباني" ص 178، و"الإصابة" 3/ 282 ، و"الأعلام" 5/ 206.
(١٦) الشاهد في "تهذيب اللغة" 2/ 1221، و"اللسان" 3/ 1413 (دليل) ، و"الدر المصون" 5/ 281، وقال المرزباني في "معجمه" ص 178 في شرح البيت: (ليس قوله: وقد يستجهل الرجل الحليم بمعنى ينسب إلى الجهل، وإنما هو بمعنى == يستخرج الجهل من الحليم، يريد أن حلمه جرأ عليه قومه فتوعدهم بقوله: وقد يستدعى الجهل من الحليم) اهـ.
(١٧) محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو الهاشمي -مولاهم- أبو جعفر البغدادي، علامة بالإنساب والأخبار واللغة والشعر، له عدة مصنفات منها المحبر، والمؤتلف والمخلف في النسب، والمنمق، وغيرها، توفي سنة 245 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 277، و"إنباه الرواة" 3/ 119، و"معجم الأدباء" 18/ 112، و"البغية" 1/ 73، و"الأعلام" 6/ 78.
(١٨) "تهذيب اللغة" 2/ 1221، وفيه: (دل على قومي أي: جرأهم) اهـ.
(١٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 180، والرازي 14/ 49، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 534، والبغوي 3/ 219، و"بدائع التفسير" 2/ 201.
(٢٠) في (ب): (أظفرًا).
(٢١) أخرجه الطبري 8/ 143 بسند ضعيف عنه نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 139، وأخرج الحاكم في "المستدرك" 2/ 319، عن ابن عباس قال: (كان لباس آدم وحواء مثل الظفر، فلما ذاقا الشجرة، جعلا يخصفان عليهما من روق الجنة، قال: وهو ورق التين) اهـ.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) اهـ.
ووافقه الذهبي في "التلخيص".
(٢٢) وهب بن مُنبه بن كامل اليماني، تقدمت ترجمته.
(٢٣) في (ب): (ولا يبصره).
(٢٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 143، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 231، وقال: (رواه ابن جرير بسند صحيح إليه).
(٢٥) قال ابن الأثير في "النهاية" 3/ 158: (وفي الحديث: "كان لباس آدم الظُّفُر" بتشديد الظاء والضم، أي شيء يشبه الظُّفُر في بياضه وصفائه وكثافته) اهـ.
انظر "اللسان" 5/ 2750 (ظفر).
(٢٦) الكشط: القلع والنزع والكشف.
انظر: "اللسان" 7/ 3883 (كشط).
(٢٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 143 بسند ضعيف.
وذكره الثعلبي في "الكشف" 188 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 220.
(٢٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، والبغوي في "تفسيره" 3/ 220.
(٢٩) "تهذيب اللغة" 3/ 2200، وفيه: (وهو يجمع معنى ظل وبات) اهـ.
وانظر: "العين" 5/ 106، و"الجمهرة" 2/ 915، و"الصحاح" 4/ 1517، و"مقاييس اللغة" 3/ 413، و"المفردات" ص 521، و"اللسان" 5/ 2681 (طفق).
(٣٠) "معاني القرآن" 2/ 327، ونحوه ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 22.
(٣١) "تفسير غريب القرآن" ص 176، وفيه (أي: جعلا وأقبلا ...).
ونحوه ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 142، ومكي في "تفسير المشكل" ص 84.
(٣٢) الخصف، بفتح فسكون: الجمع والضم، وكل ما طورق بعضه على بعض، فقد خُصِف.
انظر: "الجمهرة" 1/ 604، و"الصحاح" 4/ 1350، و"المجمل" 2/ 290، و"المفردات" ص 284 (خصف).
(٣٣) "معاني القرآن" 2/ 327، ونحوه في "مجاز القرآن" 1/ 212، و"غريب اليزيدي" ص 144، و"تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 166، و"تفسير الطبري" 8/ 142، و"نزهة القلوب" ص 311، و"معاني النحاس" 3/ 22، و"تفسير المشكل" لمكي ص 84.
(٣٤) هو عامر بن الحليس الهُذلي أبو كَبير، تقدمت ترجمته.
(٣٥) "شرح ديوان الهذليين" 3/ 1089، و"تهذيب اللغة" 1/ 1039، و"مقاييس اللغة" 2/ 186، و"اللسان" 2/ 1174 (خصف)، و"الدر المصون" 5/ 283، وهو يصف العقاب وتمامه: حَتَّى انْتَهَيْتُ إلى فِرَاشِ عَزِيزِةٍ ...
سَوْدَاءَ .................
وفراش العزيزة يعني: عش العقاب، والروثة: طرف الأنف، المنقار.
والمخصف هو: الذي تخصف به أخفاف الإبل يريد أن منقارها حديد دقيق كأنه مِخْصَفُ.
(٣٦) "تهذيب اللغة" 1/ 1040، وانظر: "العين" 4/ 189، وفيهما: (الاختِصَاف أن يأخذ العريان ورقًا عراضًا فَيَخْصِفُ بعضها على بعض ويستتر بها) اهـ.
(٣٧) "تهذيب اللغة" 1/ 1039، وقوله: (كما يخصف النعل ..) لا يوجد فيه، وانظر: " الزاهر" 1/ 376.
(٣٨) تمامه: (مَنْ قَبْلها طبت ..) وهو في "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة ص 88، و"أمالي الزجاجي" ص 44، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 231، و"تهذيب اللغة" 1/ 1039، و"أمالي ابن الشجري" 3/ 114، و"اللسان" 2/ 1174 (خصف)، و"الدر المصون" 5/ 283.
(٣٩) "تفسير مجاهد" 1/ 233، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 142، وابن أبي حاتم 5/ 1452 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 140.
(٤٠) في "تنوير المقباس" 2/ 85 نحوه.
(٤١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، والبغوي في "تفسيره" 3/ 220، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1453 بسند جيد عن قتادة قال: (يوصلان عليهما من ورق الجنة) اهـ.
(٤٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 327 - 328، ومثله ذكر السمرقندي في "تفسيره" 1/ 534، وابن الجوزي 3/ 180، والقرطبي 7/ 181.
(٤٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، والرازي في "تفسيره" 14/ 49.
(٤٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، والرازي في "تفسيره" 14/ 50.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَاسَمَهُمَآ ﴾ أي حلف لهما: إنه لمن الناصحين وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما: وأقسما له أن يقبلا نصيحته ﴿ فدلاهما ﴾ أي أنزلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ أي غرّهما بحلفه لهما لأنهما ظنا أنه لا يحلف كاذباً ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما ﴾ أي زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل: كان لباسهما نور يحول بينهما وبين النظر ﴿ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ﴾ أي يصلان بعضه ببعض ليستترا به ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير واسطة ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ اعتراف وطلب للمغفرة والرحمة، وتلك هي الكلمات التي تاب الله عليه بها ﴿ اهبطوا ﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾ أي في الأرض ﴿ لِبَاساً ﴾ أي الثياب التي تستر، ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل: المراد أنزلا ما يكون عنه اللباس وهو المطر، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة ﴿ وَرِيشاً ﴾ أي لباس الزينة وهو مستعار من ريش الطائر ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ لباساً كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه، وقيل: لباس التقوى ما يتقي به في الحرب من الدروع وشبهها، وقرئ بالرفع على الابتداء أو خبره الجملة، وهي: ذلك خير ﴿ ذلك مِنْ آيَاتِ الله ﴾ الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه الآية واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت وخصف الورق عليها ليبين إنعامه على ما خلق من اللباس و ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ أي كان سبباً في نزع لباسهما عنهما ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ يعني غالب الأمر، وقد استدل به من قال: إن الجن لا يُرَوْن وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر؛ جمعا بينها وبين الأحاديث.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لأملأن ﴾ بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: ﴿ تخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم.
الوقوف: ﴿ إلا إبليس ﴾ ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له.
﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ إذ أمرتك ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول.
﴿ طين ﴾ ه ﴿ الصاغرين ﴾ ه.
﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ه لا للعطف ﴿ شمائلهم ﴾ ط ﴿ شاكرين ﴾ ه ﴿ مدحوراً ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف.
﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الخالدين ﴾ ه ﴿ الناصحين ﴾ ه ﴿ بغرور ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء ﴿ ورق الجنة ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أنفسنا ﴾ سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ عدو ﴾ ط لعطف المختلفين ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ تخرجون ﴾ ه.
التفسير: من جملة نعم الله علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ منع من المعصية بقوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام.
وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله .
وههنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا ﴾ يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس.
وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا.
وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ﴾ أي ميثاق أسلافكم.
وقال : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل.
وإنما قتله أحدهم.
ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد.
ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة.
ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له.
فقوله: ﴿ خلقناكم ﴾ إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم.
وقوله: ﴿ صورناكم ﴾ إشارة إلى أنه أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".
ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله آدم وأمر الملائكة بالسجود له.
قال الإمام فخر الدين .
وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية.
وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته.
أما قوله .
﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ فظاهره يقتضي أنه طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ﴾ فلهذا الإشكال حصل للمفسرين م أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في ﴿ لا أقسم ﴾ وكما في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ﴾ أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين.
قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ﴿ لئلا يعلم ﴾ ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك.
قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور.
وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟
والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي.
وثالثها قال القاضي: ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.
وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه.
وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟
وقيل: معناه من قال لك لا تسجد.
وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: ﴿ أن لا تسجد ﴾ بقوله: ﴿ ما منعك ﴾ وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال.
والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟
﴿ إذ أمرتك ﴾ أمر إيجاب.
وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده.
واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال.
ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ ثم بين هذه المقدمة بقوله ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال.
وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت.
وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع.
وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل.
ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً.
ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل.
فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال : "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ باطلة.
ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟
ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟
قالت العلماء ههنا: إن قوله للملائكة ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس.
وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس.
ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً.
وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى.
ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك.
ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا.
﴿ قال ﴾ أي الله كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته ﴿ فاهبط ﴾ يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط ﴿ منها ﴾ .
قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.
وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فما يكون ﴾ فما يصح ﴿ لك أن تتكبر فيها ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان.
يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين.
وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله ذلك بل ﴿ قال ﴾ مطلقاً ﴿ إنك من المنظرين ﴾ قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله له أجلاً.
والمراد الوقت المعلوم في علم الله والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً.
أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن.
ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: ﴿ لأقعدن ﴾ لأن لام القسم تأبى ذلك.
لا يقال: والله يريد لأمرنّ.
لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها.
وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم.
ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن.
ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن.
وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال.
قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً.
ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب.
وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: ﴿ لأقعدن ﴾ ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل.
قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله: ﴿ فبعزتك لأغوينهم ﴾ أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة.
أجابت المعتزلة عن قوله: ﴿ فبما إغويتني ﴾ بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله.
وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن.
وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود.
أما قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ فانتصابه على الظرف كقوله: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.
والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ﴾ على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل.
فمن قائل بالأول لقوله: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.
ومن قائل بالثاني لقوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.
قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض.
إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله : ﴿ فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.
وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب.
وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق.
وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب.
فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها.
أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها ﴿ من بين أيديهم ﴾ أي أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ ومن خلفهم ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.
وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي ﴿ من بين أيديهم ﴾ يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك.
وأما قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في أنواع المعاصي.
وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في الترغيب في الباطل.
وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ افترهم عن الحسنات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين.
وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس.
وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: ﴿ من بين أيديهم ﴾ وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ﴿ ومن خلفهم ﴾ وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن.
ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر.
فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة.
وقيل: ﴿ من بين أيديهم ﴾ الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد ﴿ ومن خلفهم ﴾ شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ﴿ وعن إيمانهم ﴾ الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.
وعن شقيق ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ﴾ وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ وعن رسول الله " "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام.
فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ وبقي ههنا بحث وهو أنه كيف قال: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ بحرف المجاورة؟
قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع.
يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف.
وقالت الحكماء ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية.
وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.
وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟
فأوحى الله إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.
قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق.
قلت: هذا منافٍ لما في الحديث "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" .
أما قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟
وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين.
وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ .
وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم.
وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ﴿ قال ﴾ الله في جوابه إذا كان هذا عزمك ﴿ اخرج منها مذؤماً مدحوراً ﴾ الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً.
واللام في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم و ﴿ لأملأن ﴾ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط.
وعن عصام ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ أي إنكم وإنهم على هذا.
فقوله: ﴿ لأملأن ﴾ في محل الابتداء ﴿ ولمن تبعك ﴾ خبره.
قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار.
وأجيب بشرط عدم العفو.
قوله: ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ الآية.
فيها من المسائل أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.
وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.
وأن قوله ﴿ وكلا ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.
وأن قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.
وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت.
وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.
وأن الظلم في قوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ بأي معنى هو؟
وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟
ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال.
ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى.
فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته.
وقوله: ﴿ ووري ﴾ مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة.
ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .
سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟
والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً.
وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ .
قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله: ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة.
ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي.
نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟
فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين.
أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر.
ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ.
ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.
ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير.
سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟
والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح.
أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.
وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده.
قال ابن عباس: غرهما باليمين.
وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً.
وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.
﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى ﴿ فأكلا منها ﴾ لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل.
﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل ﴿ صغت قلوبكما ﴾ مكان قلباكما ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد.
قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.
والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟
﴿ ألم أنهكما ﴾ عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة.
عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك.
فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.
وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها.
قوله: ﴿ ما منعك ﴾ وفي ص ﴿ يا إبليس ما منعك ﴾ وفي الحجر ﴿ يا إبليس ما لك ﴾ حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء.
قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ وفي ص ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس.
وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ و ﴿ مالك أن لا تسجد ﴾ وحذف ﴿ أن تسجد ﴾ وحذف ﴿ مالك ﴾ لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ .
قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ الآية في ص مثله كلاهما في جواب ﴿ ما منعك ﴾ ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال: ﴿ لم أكن لأسجد ﴾ ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين.
قوله: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ وفي ص وفي الحجر ﴿ رب فانظرني ﴾ لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين.
وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ﴿ ربنا فاغفر ﴾ أي أدعوك فاغفر.
فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء.
وكذلك من قوله: ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ليطابق الجواب السؤال.
قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ وفي الحجر ﴿ رب بما أغويتني ﴾ بزيادة النداء ليوافق ما قبله.
وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص" ﴿ فبعزتك لأغوينهم ﴾ لزيادة الربط.
ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب.
﴿ قال اخرج منها مذؤماً ﴾ ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: ﴿ لأقعدن لهم ﴾ إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم.
قوله: ﴿ فكلا ﴾ بالفاء وفي البقرة ﴿ وكلا ﴾ لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة.
وإنما زاد في البقرة ﴿ رغداً ﴾ لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: ﴿ وقلنا ﴾ قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود.
وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولقد خلقنا ﴾ أرواحكم ﴿ ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ﴾ فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿ فسجدوا ﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿ إلا إبليس لم يكن ﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿ قال ما منعك ﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف.
وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية.
فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: ﴿ أنظرني ﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: ﴿ لأغوينهم ﴾ ﴿ لأقعدن ﴾ ﴿ ثم لآتينهم ﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين.
﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين.
أو المراد ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال.
أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول.
أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ ومن خلفهم ﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم.
﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع.
ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿ وقاسمهما ﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿ وطفقا ﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.
فبينما نحن في لهو وفي طرب *** بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته *** مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل *** والدمع منهمل والقلب مشتعل ﴿ وناداهما ربهما ﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿ إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: واخجلتا من وقوفي باب دارهم *** لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿ وإن لم تغفر لنا ﴾ بنوال الوصال ﴿ وترحمنا ﴾ بتجلي الجمال ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى.
فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ ولكم ﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.
إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.
﴿ قال فيها ﴾ أي في المحبة ﴿ تحيون ﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿ وفيها تموتون ﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ ومنها تخرجون ﴾ إلى عالم الحقيقة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ .
قال أبو عوسجة: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ ، أي: أوردهما، يقال: دلاني فلان بحبل غرور، أي: أنه زين [لك] القبيح حتى يرتكبه، وأصل التدليه من الدلو، وهو من الدعاء، أي: دعاهما بغرور، ودعاؤه إياهما بغرور، هو قوله: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ﴾ .
فإن قيل: كيف خصّ السوءة بالذكر، ومنته في اللباس في كل البدن لا في السوءة خاصة؟
وكذلك قوله: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ﴾ ذكر منته فيما أنعم علينا من ستر العورة [وذلك في العورة]، وفي غيرها من البدن في دفع البرد والحرّ وغير ذلك؟!
قيل: لأن كشف العورة مستقبح في الطبع والعقل جميعاً، وأما كشف غيرها من البدن فليس هو بمستقبح في الطبع ولا في العقل، وربما يبدي المرء لغيره من البدن سوى العورة عند الحاجة، ويستر عند غير الحاجة، وأما العورة فإنه لا يبديها إلا في حال الضرورة؛ لذلك كان ما ذكر.
أو أن يقال: إن المفروض من الستر هو قدر الضرورة، والآخر يلبسه: إما بحق التجمل، وإما بحق دفع البرد والحرّ والأذى؛ لذلك [كان] تخصيصه بالذكر، وإلا المنة والنعمة عظيمة في لباس غيره من البدن.
فإن قيل: إن الله كنى عن الجماع مرة باللمس ومرة بالغشيان، وعن الخلاء بالغائط، وهو المكان الذي تقضى فيه الحوائج، وكذلك جميع ما لا يستحسن ذكره مصرحاً فإنما ذكره بالكناية، وهاهنا ذكر السوءة في العورة؟!
قيل: السوءة والعورة هما كناية، لم يذكر الفرج ولا الذكر والدبر؛ فهو كناية.
والثاني: في ذكر تخصيص السوءة؛ وذلك أن قصد الشيطان إنما كان إلى إبداء عورتهما لا غير.
ألا ترى أن ذلك لم يجعل لغير البشر عورة تستر؛ ولذلك خصّ الستر بالقبر إذا مات يقبر؛ لأجل عورته، ولا يقبر غيره من الدواب إذا هلك، ولا يستر في حال حياته؛ فخرج ذكر تخصيص السوءة لما ذكرنا أن اللعين قصد بذلك قصد إبداء عورتهما لا غير.
ألا ترى أنه قال: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ﴾ كان قصده إلى ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ ﴾ .
قال أبو عوسجة: طفقا، أي: أخذا، تقول طفقت أفعل كذا، أي: أخذت، والخصف: الخياطة في النعل والخف، وهو مستعار هاهنا.
وقال مجاهد: يخصفان، أي: يرفعان كهيئة الثوب.
وقيل: يخصفان: يغطيان.
ثم قوله: ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ﴾ .
إما حياء أحدهما من الآخر أو حياء من الله ؛ ولهذا نقول: إنه يكره للرجل في الخلوة أن يكشف عورته ويبديها، وعلى ذلك روي في الخبر أنه قال: "فالله أحق أن يُسْتَحيا منه" أو حياء أحدهما من الآخر؛ لما بدت لكل واحد منهما عورة صاحبه؛ ولهذا كره أبو حنيفة - رحمه الله - أن ينظر الرجل إلى فرج زوجته، والمرأة إلى فرج زوجها.
أو لما وقع بصر كل واحد منهما على عورته؛ فذلك يكره - أيضاً - أن ينظر المرء إلى فرجه.
ألا ترى أنه قال: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا ﴾ ولم يقل: ليبديهما؛ فهذا يدل على أنه لا ينبغي أن ينظر إلى فرج زوجته، ولا الزوجة إلى فرجه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ...
﴾ الآية.
يحتمل قوله: ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ ﴾ وحيا أوحى إليهما على يدي ملك؛ كقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ أضاف إلى نفسه؛ لما ينفخ فيه بأمره؛ فعلى ذلك هذا.
أو إلهاماً؛ ألهمهما كقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ .
[وكقوله]: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ ونحوه؛ وإنما هو إلهام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ .
حيث أوقعناها في الشدائد وكد العيش.
والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ ، قال الحسن هن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه؛ بقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ ، قال آدم ما ذكر في الآية، وكذلك [قال نوح]: ﴿ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وقال إبراهيم: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقال نوح: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ﴾ ، بعضه خرج على الأمر، وبعضه على السؤال، وكله على الدعاء والسؤال ليس على الأمر، وإن خرج ظاهره مخرج الأمر؛ لأن الأمر ممن هو دونه لمن فوقه [دعاء وسؤال، وممن هو فوقه لمن دونه] أمر، لو أن ملكاً من الملوك [إذا أمر بعض خدمه بأمر أو بعض رعيته فهو أمر] وإذا أمره بعضُ خدمه أو رعيته - الأميرَ - شيئاً، فهو ليس بأمر، ولكنه سؤال ودعاء؛ فعلى ذلك دعاء الأنبياء - عليهم السلام - ربهم.
فإن قيل: إن الرسل سألوا ربهم المغفرة لزلاتهم، فلا يخلو: إما أن أجيبوا في ذلك، أو لم يجابوا؛ فإن لم يجابوا فيما سألوا، فهو عظيم، وإن أجيبوا في ذلك - والمغفرة في اللغة: الستر - كيف ذكرت زلاتهم في الملأ إلى يوم القيامة؟
قيل: لوجوه: أحدها: [أنهم] لما ارتكبوا تلك الزلات عظم ذلك عليهم، واشتغلت قلوبهم بذلك؛ لعظيم ما ارتكبوا عندهم، لم يخطر ببالهم عند سؤالهم المغفرة ستر ذلك على الناس، وكتمانها عنهم بعد أن أجاب الله بالتجاوز عنهم في ذلك.
أو أن يقال: أراد بإفشاء ذلك وإظهاره إيقاظ غيرهم وتنبيههم في ذلك؛ ليعلموا أن الرسل مع جليل قدرهم، وعظيم منزلتهم عند الله لم يحابهم في العتاب والتوبيخ بما ارتكبوا؛ فمن دونهم أحق في ذلك.
أو أن ذكر ذلك؛ ليعلموا أنه ليس بغافل عن ذلك، ولا يخفى عليه شيء، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ ، وقال: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ ، وقال: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ ، فأعلمنا الله - عز وجل - أن آدم نسي أمر ربّه؛ فقال قوم من أهل العلم: أكل آدم من الشجرة وهو ناس لنهي الله أياه عن أكلها، وكان أكله منها ظلماً منه لنفسه وعصياناً لربّه، وإن كان فعل ذلك ناسياً.
ثم إن الله تفضل على أمة محمد؛ فرفع عنهم في الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
وقال قوم يعني قوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ أي: ترك أمر ربه من غير نسيان، وقالوا: هذا كقول الله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ .
ولا ندري كيف كان ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن الخطأ والنسيان في الأحكام موضوع بهذا الحديث، فيقال: فما تقولون في قتل الخطأ: هل فيه الدية والكفارة؟
وما تقولون في رجل أفسد متاع رجل وأحرقه ناسياً أو مخطئاً؟
فإن قالوا: ذلك لازم عليه؛ قيل فكيف قلتم: إن الحديث جاء في الأحكام، وأنتم توجبون الضمان؟
وقال بعضهم وجه الحديث عندنا: أن الأمم قبل أمتنا كانت مأخوذة بالخطأ والنسيان فيما بينها وبين ربها، فرفع الله الحرج عن هذه الأمة في ذلك؛ تفضلاً منه علينا من بين الأمم، فأما الغرامات والضمانات في الأحكام التي بين الناس [فهي لازمة لهم] خطأ فعلوا أو عمداً، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ دلالة النقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر.
ثم من قوله: إن الرسل والأنبياء معصومون عن الكبائر، فزلة آدم [لا شك أنها صغيرة لما ذكرنا، ثم قال: إن لم يغفر لكان من الخاسرين فإذا لم يكن له أن يعذبه فيصير وكأنه قال أجرمت وخطئت علينا لتكونن من الخاسرين، وفائدة تقدير آدم] وحواء أن يكونا من الملائكة لأن المَلَكَ [كما ذكرنا أنه] لا يفتر عن العبادة، ولا يعصي ...
ربه، ولا يحتاج إلى شيء من المؤنة، ومن قرأ: ملكين؛ لأن الملك يكون نافذ الأمر والنهي في مملكته، وذلك مما يرغب فيه.
أو أن يكون [أراد] بذلك؛ ليشغلهما عن نهي ربهما؛ حتى ينسيا ذلك فيتناولا من تلك الشجرة على ما فعلا وفيما ذكر الخلود لأنه ليس بشيء ألذ ولا أشهى من الحياة.
والأشبه أن يقال: إنه لم ينسيا نهي الله إياهما عن التناول منها ولكن نسيا قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ؛ لذلك تناولا، ولو ذكرا قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ما تناولا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .
عن ابن عباس - ما - قال: آدم وحواء وإبليس والحية.
وقال الحسن: آدم ووسوسة الشيطان لأن من قوله: إن الشيطان لم يكن في السماء، إنما وسوس آدم وحواء من بعد؛ فالأمر بالهبوط [لوسوسة الشيطان]؛ ولذلك بقيت في أولاده إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: دل قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ على أن الأمر بالهبوط إنما كان من السماء وكانوا في السماء.
ثم قوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ كأن الأمر بالهبوط لم يكن معاً؛ لأن إبليس أمر بالهبوط حين أبى السجود وآدم وحواء حين تناولا من الشجرة، ثم جمعهم في الأمر بالهبوط؛ ليعلم أن ليس في الجمع بالذكر دلالة وجوب الحكم والأمر مجموعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْبِطُواْ ﴾ لا يفهم منه الهبوط من الأعلى.
ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً ﴾ أي انزلوا فيه.
وقوله: ﴿ عَدُوٌّ ﴾ ، وهو عدو لنا إما بالكفر، وإما بالسعي في هلاكنا، وكل من يسعى في هلاكنا فهو عدو لنا ونحن عدو له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .
قيل: إلى منتهى آجالكم، وإبليس: إلى النفخة الأولى.
ويشبه أن يكون هذا ليس على التوقيت، ولكن على الدوام والقرار فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾ .
قيل: الأرض [فيها] تعيشون، وفيها تموتون عند انقضاء آجالكم، ومنها تخرجون في القيامة.
<div class="verse-tafsir"
فَحَطَّهما من المنزلة التي كانا فيها بخداع منه وغرور، فلما أكلا من الشجرة التي نُهِيا عن الأكل منها ظهرت لهما عوراتهما مكشوفة، فأخذا يُلْزِقان عليهما من ورق الجنة؛ ليسترا عوراتهما، وناداهما ربهما قائلًا: ألم أنهكما عن الأكل من هذه الشجرة، وأقل لكما محذرًا لكما: إن الشيطان عدو لكما بيِّن العداوة؟!
من فوائد الآيات دلَّت الآيات على أن من عصى مولاه فهو ذليل.
أعلن الشيطان عداوته لبني آدم، وتوعد أن يصدهم عن الصراط المستقيم بكل أنواع الوسائل والأساليب.
خطورة المعصية وأنها سبب لعقوبات الله الدنيوية والأخروية.
<div class="verse-tafsir" id="91.a5j0L"