الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٦ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 141 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يمتن تبارك وتعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش فاللباس المذكور هاهنا لستر العورات - وهي السوءات والرياش والريش : هو ما يتجمل به ظاهرا ، فالأول من الضروريات ، والريش من التكملات والزيادات .
قال ابن جرير : " الرياش " في كلام العرب : الأثاث ، وما ظهر من الثياب .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس - وحكاه البخاري - عنه : الرياش المال .
وكذا قال مجاهد ، وعروة بن الزبير ، والسدي والضحاك .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : " الرياش " اللباس ، والعيش ، والنعيم .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : " الرياش " الجمال .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا أصبغ ، عن أبي العلاء الشامي قال : لبس أبو أمامة ثوبا جديدا ، فلما بلغ ترقوته قال : الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي ، وأتجمل به في حياتي .
ثم قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته : الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي ، وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الذي خلق أو ألقى فتصدق به ، كان في ذمة الله ، وفي جوار الله ، وفي كنف الله حيا وميتا ، حيا وميتا ، حيا وميتا " .
ورواه الترمذي ، وابن ماجه ، من رواية يزيد بن هارون ، عن أصبغ - هو ابن زيد الجهني - وقد وثقه يحيى بن معين وغيره ، وشيخه " أبو العلاء الشامي " لا يعرف إلا بهذا الحديث ، ولكن لم يخرجه أحد ، والله أعلم .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا مختار بن نافع التمار ، عن أبي مطر ; أنه رأى عليا ، رضي الله عنه ، أتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ، ولبسه إلى ما بين الرسغين إلى الكعبين ، يقول ولبسه : الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس ، وأواري به عورتي .
فقيل : هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبي الله صلى الله عليه وسلم؟
قال : هذا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة : " الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس ، وأواري به عورتي " وقوله تعالى : ( ولباس التقوى ذلك خير ) قرأ بعضهم : " ولباس التقوى " ، بالنصب .
وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء ، ( ذلك خير ) خبره .
واختلف المفسرون في معناه ، فقال عكرمة : يقال : هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة .
رواه ابن أبي حاتم .
وقال زيد بن علي ، والسدي ، وقتادة ، وابن جريج : ( ولباس التقوى ) الإيمان .
وقال العوفي ، عن ابن عباس رضي الله عنه : ( ولباس التقوى ) العمل الصالح .
وقال زياد بن عمرو ، عن ابن عباس : هو السمت الحسن في الوجه .
وعن عروة بن الزبير : ( لباس التقوى ) خشية الله .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( لباس التقوى ) يتقي الله ، فيواري عورته ، فذاك لباس التقوى .
وكل هذه متقاربة ، ويؤيد ذلك - الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال : حدثني المثنى ، حدثنا إسحاق بن الحجاج ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، عن سليمان بن أرقم ، عن الحسن قال : رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قميص قوهي محلول الزر ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب ، وينهى عن اللعب بالحمام .
ثم قال : يا أيها الناس ، اتقوا الله في هذه السرائر ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " والذي نفس محمد بيده ، ما عمل أحد قط سرا إلا ألبسه الله رداء علانية ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر " ثم تلا هذه الآية : " ورياشا " ولم يقرأ : وريشا - ( ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله ) قال : " السمت الحسن " .
هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم وفيه ضعف .
وقد روى الأئمة : الشافعي ، وأحمد ، والبخاري في كتاب " الأدب " من طرق صحيحة ، عن الحسن البصري ; أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام ، يوم الجمعة على المنبر .
وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير - له شاهدا من وجه آخر ، حيث قال : حدثنا .
.
.
القول في تأويل قوله : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرَّون للطواف، اتباعًا منهم أمرَ الشيطان، وتركًا منهم طاعةَ الله, فعرفهم انخداعهم بغروره لهم، حتى تمكن منهم فسلبهم من ستر الله الذي أنعمَ به عليهم, حتى أبدى سوءاتهم وأظهرها من بعضهم لبعض, مع تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به, وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوءاتهما فعرّاهما منه: (يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا)، يعني بإنـزاله عليهم ذلك، خلقَه لهم, ورزقه إياهم = و " اللباس " ما يلبسون من الثياب (15) =(يواري سوآتكم) يقول: يستر عوراتكم عن أعينكم (16) = وكنى بـ" السوءات "، عن العورات.
* * * = واحدتها " سوءة ", وهي" فعلة " من " السوء ", وإنما سميت " سوءة "، لأنه يسوء صاحبها انكشافُها من جسده, (17) كما قال الشاعر: (18) خَــــرَقُوا جَـــيْبَ فَتَـــاتِهِمُ لَـــمْ يُبَــالُوا سَــوْءَةَ الرَّجُلَــهْ (19) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14418- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (لباسًا يواري سوآتكم) قال: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراةً, ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه.
14419- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.
14420- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا)، قال: أربع آيات نـزلت في قريش.
كانوا في الجاهلية لا يطوفون بالبيت إلا عراة.
14421- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عوف قال: سمعت معبدًا الجهني يقول في قوله: (يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا)، قال: اللباس الذي تلبسون.
14422- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم) قال: كانت قريش تطوف عراة, لا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه.
وقد كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة.
14423- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف, عن عوف, عن معبد الجهني: (يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم) قال: اللباس الذي يواري سوءاتكم: وهو لَبُوسكم هذه.
(20) 14424- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (لباسًا يواري سوآتكم) قال: هي الثياب.
14425- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، حدثني مَنْ سمع عروة بن الزبير يقول، اللباس: الثياب.
14426- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم) قال: يعني ثيابَ الرجل التي يلبسها.
* * * القول في تأويل قوله : وَرِيشًا قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار: (وَرِيشًا)، بغير " ألف ".
* * * وذكر عن زر بن حبيش والحسن البصري: أنهما كانا يقرآنه: " وَرِياشًا ".
14427- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, عن أبان العطار قال، حدثنا عاصم: أن زر بن حبيش قرأها: " وَرِياشًا ".
* * * قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك، قراءة من قرأ: (وَرِيشًا) بغير " ألف "، لإجماع الحجة من القرأة عليها.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ في إسناده نظر: أنه قرأه: " وَرِياشًا ".
(21) فمن قرأ ذلك: " وَرِياشًا " فإنه محتمل أن يكون أراد به جمع " الريش ", كما تجمع " الذئب "،" ذئابًا "، و " البئر "" بئارًا ".
ويحتمل أن يكون أراد به مصدرًا، من قول القائل: " راشه الله يَريشه رياشًا ورِيشًا ", (22) كما يقال: " لَبِسه يلبسه لباسًا ولِبْسًا "، وقد أنشد بعضهم: (23) فَلَمــا كَشَـفْنَ اللِّبْسَ عَنْـهُ مَسَـحْنَهُ بِـأَطْرَافِ طَفْـلٍ زَانَ غَيْـلا مُوَشَّـمَا (24) بكسر " اللام " من " اللبس ".
و " الرياش "، في كلام العرب، الأثاث، وما ظهر من الثياب من المتاع مما يلبس أو يُحْشى من فراش أو دِثَار.
و " الريش " إنما هو المتاع والأموال عندهم.
وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال.
يقولون: " أعطاه سرجًا بريشه ", و " رحْلا بريشه "، أي بكسوته وجهازه.
ويقولون: " إنه لحسن ريش الثياب "، وقد يستعمل " الرياش " في الخصب ورَفاهة العيش.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال: " الرياش "، المال: 14428- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وريشًا)، يقول: مالا.
14429- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وريشًا)، قال: المال.
14430- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
14431- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ورياشًا "، قال: أما " رياشًا "، فرياش المال.
(25) 14432- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول: " الرياش "، المال.
14433- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك قوله: " ورياشًا "، يعني، المال.
* ذكر من قال: هو اللباس ورفاهة العيش.
14434- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ورياشًا "، قال: " الرياش "، اللباس والعيش والنَّعيم.
14435- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف, عن عوف, عن معبد الجهني: " ورياشًا "، قال: " الرياش "، المعاش.
14436- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا عوف قال، قال معبد الجهني: " ورياشًا "، قال: هو المعاش.
* * * وقال آخرون: " الريش "، الجمال.
* ذكر من قال ذلك: 14437- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ورياشًا "، قال: " الريش "، الجمال.
* * * القول في تأويل قوله : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: " لباس التقوى "، هو الإيمان.
* ذكر من قال ذلك: 14438- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ولباس التقوى)، هو الإيمان.
14439- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولباس التقوى)، الإيمان.
14440- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج, عن ابن جريج: (ولباس التقوى)، الإيمان.
* * * وقال آخرون: هو الحياء.
* ذكر من قال ذلك: 14441- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف, عن عوف, عن معبد الجهني في قوله: (ولباس التقوى)، الذي ذكر الله في القرآن، هو الحياء.
14442- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا عوف قال، قال معبد الجهني, فذكر مثله.
14443- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عوف, عن معبد، بنحوه.
* * * وقال آخرون: هو العمل الصالح.
* ذكر من قال ذلك: 14444- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (ولباس التقوى ذلك خير)، قال: لباس التقوى: العمل الصالح.
* * * وقال آخرون: بل ذلك هو السَّمْت الحسن.
* ذكر من قال ذلك: 14445- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا عبد الله بن داود, عن محمد بن موسى, عن .
.
.
.
بن عمرو, عن ابن عباس: (ولباس التقوى)، قال: السمت الحسن في الوجه.
(26) 14446- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن سليمان بن أرقم, عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليه قميصٌ قُوهيّ محلول الزرّ, (27) وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام, ثم قال: يا أيها الناس، اتقوا الله في هذه السرائر, فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والذي نفس محمد بيده، ما عمل أحدٌ قط سرًّا إلا ألبسه الله رداءَ علانيةٍ, (28) إن خيرًا فخيرًا, وإن شرًّا فشرًا "، ثم تلا هذه الآية: " وَرِيَاشًا " = ولم يقرأها: وَرِيشًا =( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ )، قال: السمتُ الحسن.
(29) * * * وقال آخرون: هو خشية الله.
* ذكر من قال ذلك: 14447- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدنى قال، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول: (لباس التقوى)، خشية الله.
* * * وقال آخرون: (لباس التقوى)، في هذه المواضع، ستر العورة.
* ذكر من قال ذلك: 14448- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولباس التقوى)، يتقي الله، فيواري عورته, ذلك " لباس التقوى ".
* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المكيين والكوفيين والبصريين: ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ )، برفع " ولباس ".
* * * وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: " وَلِبَاسَ التَّقْوَى "، بنصب " اللباس ", وهي قراءة بعض قرأة الكوفيين.
* * * فمن نصب: " ولباس "، فإنه نصبه عطفًا على " الريش "، بمعنى: قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا, وأنـزلنا لباسَ التقوى.
* * * وأما الرفع, فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به " اللباس ".
فكان بعض نحويي البصرة يقول: هو مرفوع على الابتداء, وخبره في قوله: (ذلك خير) .
وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال: هذا غلط, لأنه لم يعد على " اللباس " في الجملة عائد, فيكون " اللباس " إذا رفع على الابتداء وجعل " ذلك خير " خبرًا.
* * * وقال بعض نحويي الكوفة: (ولباس)، يرفع بقوله: ولباس التقوى خير، ويجعل " ذلك " من نعته.
(30) * * * قال أبو جعفر: وهذا القول عندي أولى بالصواب في رافع " اللباس "، لأنه لا وجه للرفع إلا أن يكون مرفوعًا بـ" خير "، وإذا رفع بـ " خير " لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل " اللباس " نعتًا, لا أنه عائد على " اللباس " من ذكره في قوله: (ذلك خير)، فيكون خير مرفوعًا بـ" ذلك "، و " ذلك "، به.
فإذ، كان ذلك كذلك, فتأويل الكلام = إذا رفع " لباس التقوى " =: ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه، خير لكم يا بني آدم، من لباس الثياب التي تواري سوءاتكم, ومن الرياش التي أنـزلناها إليكم، هكذا فالبَسوه.
* * * وأما تأويل مَنْ قرأه نصبًا, فإنه: " يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى "، هذا الذي أنـزلنا عليكم من اللباس الذي يواري سوءاتكم, والريش, ولباس التقوى خير لكم من التعرِّي والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت, فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش, ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعرِّي من الثياب, فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة, كما فعل بأبويكم آدم وحواء، فخدعهما حتى جرّدهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له، في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصَياه بأكلها.
* * * قال أبو جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب, أعني نصب قوله: " وَلِبَاسَ التَّقْوَى "، لصحة معناه في التأويل على ما بيّنت, وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنـزاله اللباس الذي يواري سوءاتنا والرياش، توبيخًا للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت, ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال، مع الإيمان به واتباع طاعته = ويعلمهم أن كلّ ذلك خير من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله، وتعرِّيهم, لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنـزل إليهم خيرٌ من بعض.
وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك، الآيات التي بعد هذه الآية, وذلك قوله: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ، فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب، واستعمال اللباس وترك التجرّد والتعرّي، وبالإيمان به، واتباع أمره والعمل بطاعته, وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان ، مؤكدًا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) .
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: " ولباس التقوى "، استشعار النفوس تقوى الله، في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه، والعمل بما أمر به من طاعته ، وذلك يجمع الإيمان، والعمل الصالح، والحياء، وخشية الله، والسمتَ الحسن, لأن مَنْ اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره به عاملا ومنه خائفًا، وله مراقبًا, ومن أن يُرَى عند ما يكرهه من عباده مستحييًا.
ومَنْ كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه, فحسن سَمْته وهَدْيه، ورُئِيَتْ عليه بهجة الإيمان ونوره.
وإنما قلنا: عنى بـ" لباس التقوى "، استشعارَ النفس والقلب ذلك = لأن " اللباس "، إنما هو ادِّراع ما يلبس، واجتياب ما يكتسى, (31) أو تغطية بدنه أو بعضه به.
فكل من ادَّرع شيئًا واجتابهُ حتى يُرَى عَيْنه أو أثرُه عليه, (32) فهو له " لابس " .
ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسًا، وهن لهم لباسًا, وجعل الليل لعباده لباسًا.
(33) * * * * ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله، إذا قرئ قوله: ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى )، رفعًا.
14449- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولباس التقوى) ، الإيمان =(ذلك خير)، يقول: ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم.
14450- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولباس التقوى)، قال: لباس التقوى خير, وهو الإيمان.
* * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ذلك الذي ذكرت لكم أنّي أنـزلته إليكم، أيها الناس، من اللباس والرياش، من حجج الله وأدلته التي يعلم بها مَنْ كفر صحة توحيد الله, وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضلالة =(لعلهم يذكرون)، يقول جل ثناؤه: جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت، ليذكروا فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل, رحمة مني بعبادي.
(34) ------------------ الهوامش : (15) انظر تفسير (( اللباس )) فيما سلف 3 : 489 - 491 /5 : 480 /11 : 270 .
(16) انظر تفسير ( وارى )) فيما سلف 10 : 229 .
(17) انظر تفسير (( السوءة )) فيما سلف 10 : 229 / وهذا الجزء ص : 352 .
(18) لم أعرف قائله .
(19) الكامل 1 : 165 ، وشرح الحماسة 1 : 117 ، واللسان ( رجل ) ، وغيرهما ، وقبل البيت : كُـــلُّ جَـــارٍ ظَــلَّ مُغْتَبِطًــا غَـــيْرَ جِــيرَانِي بَنِــي جَبَلَــهْ وروايتهم : (( لم يبالوا حرمة الرجله )) .
وكنى بقوله : (( جيب فتاتهم )) ، عن عورتها وفرجها .
وانث (( الرجل )) ، فجعل المرأة : (( رجلة )) .
(20) (( اللبوس )) ، الثياب ، وهو مذكر ، فإن ذهبت به إلى (( الثياب )) جاز لك أن تؤنث ، وكان في المطبوعة : (( هو لبوسكم هذا )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(21) سيأتي هذا الخبر بإسناده رقم : 14446 .
(22) أراد هنا أن يجعل (( ريشا )) مصدرًا بكسر (( الراء )) ، كما هو بين في معاني القرآن للفراء 1 : 375 ، ولذلك ضبطتها كذلك ، والذي نص عليه أهل اللغة أن المصدر ( ريشا )) بفتح فسكون .
(23) هو حميد بن ثور الهلالي .
(24) ديوانه : 14 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 375 ، واللسان ( لبس ) ( طفل ) ، والمخصص 4 : 35 ، وغيرها .
وهذا بيت من قصيدة له طويلة في ديوانه ، أرجح أنها مختلطة الترتيب ، وهذا البيت مما اختلط .
فإنه في صفة الرجل ، فقال فيه ( كما ورد في الديوان البيت رقم : 37 ) ، بعد أن زينته الجواري ( والشعر في الديوان كثير الخطأ ، فصححته ) .
تَنَـاهَى عَلَيْـهِ الصَّانِعَـاتُ ، وَشَاكَلَتْ بِـهِ الخـيلَ حَـتَّى هَـمَّ أَنْ يَتَحَمْحَمَـا ثم قال بعد رقم : 40 .
تَخَــالُ خِـلالَ الـرَّقْم لَمَّـا سَـدَلْنَهُ حِصَانًـا تَهَـادَى سَامِيَ الطَّرْفِ مُلْجَمَا وقال قبل البيت ( وهما في ترتيب الديوان : 32 ، 33 ) : فَزَيَّنَّــهُ بِــالعِهْنِ حَـتَّى لَـوَ انَّـهُ يُقَـالُ لَـهُ : هَـابٍ ، هَلُـمَّ !
لأَقْدَمَـا جعل الهودج قد صار كأنه فرس عليه زينته وجلاله وسرجه .
وقوله : ( فلما كشفن اللبس عنه )) ، يعني الهودج .
و (( مسحنه )) يعني الجواري اللواتي صنعه وزوقنه وزينه .
و (( الطفل ) ( بفتح فسكون ) هو البنان الناعم ، وأراد : مسحنه بأطراف بنان طفل ، فجعل (( طفلا )) بدلا من (( البنان )) و (( الغيل )) ( بفتح فسكون ) الساعد الريان الممتلئ .
و (( الموشم )) ، عليه الوشم ، وكان زينة للجاهلية أبطلها الإسلام ، ولعن الله متخذها ، رجلا كان أو امرأة .
(25) حيث جاءت (( رياش )) القراءة الثانية في هذه الأخبار ، فإني تاركها على ما هي عليه لا أغيرها إلى قراءتنا .
(26) الأثر : 14445 - في هذا الإسناد في المخطوطة : (( عن الدنا بن عمرو )) ، كلمة لم أعرف كيف تقرأ ، فوضعت مكانها نقطًا ، وكان في المطبوعة : (( الزباء بن عمرو )) ، لا أدري من أين جاء بهذا الاسم !!
ووجدت في تفسير ابن كثير 3 : 462 : (( الديال بن عمرو )) ، وهذا أيضًا .
لم أعرف ما يكون .
(( محمد بن موسى )) ، لم أستطع أن أحدد من يكون .
(27) (( القميص القوهي )) ، منسوب إلى (( قوهستان )) ، وهي أرض متصلة بنواحي هراة ونيسابور ، ينسب إليها ضرب من الثياب .
(28) نص ابن كثير في تفسيره ، نقلا عن هذا الموضع من الطبري : (( ما أسر أحد سريرة إلا ألبسهما الله رداءها علانية )) ، ولا أدري من أين جاء هذا الاختلاف : وفي المطبوعة : (( رداءه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(29) الأثر : 14446 - (( إسحاق بن الحجاج الرازي الطاحوني )) ، مضى برقم : 230 ، 1614 ، 10314 .
و (( إسحاق بن إسماعيل )) لعله (( إسحاق بن لإسماعيل الرازي )) ، أبو يزيد ، حبويه .
مترجم في ابن أبي حاتم 1 /1 / 212 .
و (( سليمان بن أرقم )) ، أبو معاذ .
ضعف جدًا ، متروك الحديث ، مضى برقم : 4923 .
فمن أجل ضعف (( سليمان بن أرقم )) ، قال أبو جعفر فيما سلف ص : 363 ، تعليق : 1 ، أن في إسناد هذا الخبر نظرًا .
وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 462 ، 463 ، وضعفه ، ثم قال : (( وقد روى الأئمة ، الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب صحيحة ، عن الحسن : أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر )) .
قلت : وخبر أحمد في المسند رقم : 521 ، وخبر البخاري في الأدب المفرد ص : 332 ، 333 برقم : 1301 .
(30) هذا قول الفراء 1 : 375 (31) في المطبوعة : (( واحتباء ما يكتسى )) ، غير ما في المخطوطة ، الخطأ في نقطها ، فأساء غاية الإساءة ، كان في المخطوطة : (( واحنتاب )) ، وصواب قراءتها ما أثبت وانظر التعليق التالي ، (( اجتاب الثوب اجتيابًا )) ، لبسه ، قال لبيد : فَبِتِلْـكَ إذْ رَقَـصَ اللَّـوَامِعُ بِـالضُّحَى وَاجْتَــابَ أَرْدِيَـةَ السَّـرَابِ إكَامُهـا أَقْضِــي اللُّبَانَــةَ لا أُفَـرِّطُ رِيبَـةً أَوْ أَنْ يَلُـــومَ بِحَاجَـــةٍ لَوَّامُهـا (32) في المطبوعة : (( فكل من اردع شيئًا واحتبى به حتى يرى هو أو أثره عليه )) ، أساء كما أساء في السالف ، ولكن كان الخطأ أعذر له ، لأنه فيها (( فكل من ادرع شيئًا واحبا )) هذا آخر السطر ، ثم بدأ في السطر التالي (( به حتى يرى عنه أو أثره عليه )) .
فجاء الناشر فجعلها (( واحتبى به )) والصواب ما أثبت ، وإنما قطع الناسخ الكلمة في سطرين !!
وانظر التعليق السالف .
وأما قوله في المطبوعة : (( حتى يرى هو أو أثره عليه )) ، فقد غيره تغييرًا لا يجدي ، وصواب قراءة المخطوطة كما أثبت .
(33) شاهد الأول آية (( سورة البقرة )) : 187 : " هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ " .
وشاهد الثاني على آية (( سورة النبأ)) : 10 : " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا " .
(34) انظر تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .
= وتفسير (( يذكر )) فيما سلف منها ( ذكر ) .
قوله تعالى يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم قال كثير من العلماء : هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة ; لأنه قال : يواري سوآتكم وقال قوم : إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه ، بل فيها دلالة على الإنعام فقط .
قلت : القول الأول أصح .
ومن جملة الإنعام ستر العورة ; فبين أنه سبحانه وتعالى جعل [ ص: 164 ] لذريته ما يسترون به عوراتهم ، ودل على الأمر بالستر .
ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس .
واختلفوا في العورة ما هي ؟
فقال ابن أبي ذئب : هي من الرجل الفرج نفسه ، القبل والدبر دون غيرهما .
وهو قول داود وأهل الظاهر وابن أبي عبلة والطبري ; لقوله تعالى : لباسا يواري سوآتكم ، بدت لهما سوآتهما ، ليريهما سوآتهما .
وفي البخاري عن أنس : فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر .
وفيه : ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم .
وقال مالك : السرة ليست بعورة ، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته .
وقال أبو حنيفة : الركبة عورة .
وهو قول عطاء .
وقال الشافعي : ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح .
وحكى أبو حامد الترمذي أن للشافعي في السرة قولين .
وحجة مالك قوله عليه السلام لجرهد : غط فخذك فإن الفخذ عورة .
خرجه البخاري تعليقا وقال : حديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط حتى يخرج من اختلافهم .
وحديث جرهد هذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة .
وروي أن أبا هريرة قبل سرة الحسن بن علي وقال : أقبل منك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك .
فلو كانت السرة عورة ما قبلها أبو هريرة ، ولا مكنه الحسن منها .
وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين .
على هذا أكثر أهل العلم .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها .
ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام .
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها .
وروي عن أحمد بن حنبل نحوه .
وأما أم الولد فقال الأثرم : سمعته - يعني أحمد بن حنبل - يسأل عن أم الولد كيف تصلي ؟
فقال : تغطي رأسها وقدميها ; لأنها لا تباع ، وتصلي كما تصلي الحرة .
وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثدييها ، ولها أن تبدي رأسها ومعصميها .
وقيل : حكمها حكم الرجل .
وقيل : يكره لها كشف رأسها وصدرها .
وكان عمر رضي الله عنه يضرب الإماء على تغطيتهن رءوسهن ويقول : لا تشبهن بالحرائر .
وقال أصبغ : إن انكشف فخذها أعادت الصلاة في الوقت .
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها .
وهذا خارج [ ص: 165 ] عن أقوال الفقهاء ; لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله ، تباشر الأرض به .
فالأمة أولى ، وأم الولد أغلظ حالا من الأمة .
والصبي الصغير لا حرمة لعورته .
فإذا بلغت الجارية إلى حد تأخذها العين وتشتهى سترت عورتها .
وحجة أبي بكر بن عبد الرحمن قوله تعالى : يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن .
وحديث أم سلمة أنها سئلت : ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب ؟
فقالت : تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها .
وقد روي مرفوعا .
والذين أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ ; منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما .
قال أبو داود : ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أبو عمر : عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم ; إلا أنه قد خرج البخاري بعض حديثه .
والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر .الثانية : قوله تعالى : أنزلنا عليكم لباسا يعني المطر الذي ينبت القطن والكتان ، ويقيم البهائم الذي منها الأصواف والأوبار والأشعار ; فهو مجاز مثل وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج على ما يأتي .
وقيل : هذا الإنزال إنزال شيء من اللباس مع آدم وحواء ، ليكون مثالا لغيره .
وقال سعيد بن جبير : أنزلنا عليكم أي خلقنا لكم ; كقوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج أي خلق .
على ما يأتي .
وقيل : ألهمناكم كيفية صنعته .الثالثة : قوله تعالى : وريشا قرأ أبو عبد الرحمن والحسن وعاصم من رواية المفضل الضبي ، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجعفي ( ورياشا ) .
ولم يحكه أبو عبيد إلا عن الحسن ، ولم يفسر معناه .
وهو جمع ريش .
وهو ما كان من المال واللباس .
وقال الفراء : ريش ورياش ، كما يقال : لبس ولباس .
وريش الطائر ما ستره الله به .
وقيل : هو الخصب ورفاهية العيش .
والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة .
وأنشد سيبويه :فريشي منكم وهواي معكموإن كانت زيارتكم لماما[ ص: 166 ] وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة : وهبت له دابة بريشها ; أي بكسوتها وما عليها من اللباس .الرابعة : قوله تعالى وريشا ولباس التقوى ذلك خير بين أن التقوى خير لباس ; كما قال :إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقىتقلب عريانا وإن كان كاسياوخير لباس المرء طاعة ربهولا خير فيمن كان لله عاصياوروى قاسم بن مالك عن عوف عن معبد الجهني قال : لباس التقوى الحياء .
وقال ابن عباس : لباس التقوى هو العمل الصالح .
وعنه أيضا : السمت الحسن في الوجه .
وقيل : ما علمه عز وجل وهدى به .
وقيل : لباس التقوى لبس الصوف والخشن من الثياب ، مما يتواضع به لله تعالى ويتعبد له خير من غيره .
وقال زيد بن علي : لباس التقوى الدرع والمغفر ; والساعدان ، والساقان ، يتقى بهما في الحرب .
وقال عروة بن الزبير : هو الخشية لله .
وقيل : هو استشعار تقوى الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه .
قلت : وهو الصحيح ، وإليه يرجع قول ابن عباس وعروة .
وقول زيد بن علي حسن ، فإنه حض على الجهاد .
وقال ابن زيد : هو ستر العورة .
وهذا فيه تكرار ، إذ قال أولا : قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم .
ومن قال : إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى ; فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى ، على ما يأتي مبينا إن شاء الله تعالى .
وقرأ أهل المدينة والكسائي ( لباس ) بالنصب عطفا على لباسا الأول .
وقيل : انتصب بفعل مضمر ; أي وأنزلنا لباس التقوى .
والباقون بالرفع على الابتداء .
و ذلك نعته و خير خبر الابتداء .
والمعنى : ولباس التقوى المشار إليه ، الذي علمتموه ، خير لكم من لباس الثياب التي تواري سوآتكم ، ومن الرياش الذي أنزلنا إليكم ; فالبسوه .
وقيل : ارتفع بإضمار : " هو " أي وهو لباس التقوى ; أي هو ستر العورة .
وعليه يخرج قول ابن زيد .
وقيل : المعنى ولباس التقوى هو خير ; ف ذلك بمعنى هو .
والإعراب الأول أحسن ما قيل فيه .
وقرأ الأعمش ( ولباس التقوى خير ) ولم يقرأ ذلك وهو خلاف المصحف .ذلك من آيات الله أي مما يدل على أن له خالقا .
و ذلك رفع على الصفة ، أو على البدل ، أو عطف بيان .
ثم امتن عليهم بما يسر لهم من اللباس الضروري، واللباس الذي المقصود منه الجمال، وهكذا سائر الأشياء، كالطعام والشراب والمراكب، والمناكح ونحوها، قد يسر اللّه للعباد ضروريها، ومكمل ذلك، و[بين لهم] أن هذا ليس مقصودا بالذات، وإنما أنزله اللّه ليكون معونة لهم على عبادته وطاعته، ولهذا قال: { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } من اللباس الحسي، فإن لباس التقوى يستمر مع العبد، ولا يبلى ولا يبيد، وهو جمال القلب والروح.
وأما اللباس الظاهري، فغايته أن يستر العورة الظاهرة، في وقت من الأوقات، أو يكون جمالا للإنسان، وليس وراء ذلك منه نفع.
وأيضا، فبتقدير عدم هذا اللباس، تنكشف عورته الظاهرة، التي لا يضره كشفها، مع الضرورة، وأما بتقدير عدم لباس التقوى، فإنها تنكشف عورته الباطنة، وينال الخزي والفضيحة.
وقوله: { ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي: ذلك المذكور لكم من اللباس، مما تذكرون به ما ينفعكم ويضركم وتشبهون باللباس الظاهر على الباطن.
( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ) أي : خلقنا لكم ( لباسا ) وقيل : إنما قال : " أنزلنا " لأن اللباس إنما يكون من نبات الأرض ، والنبات يكون بما ينزل من السماء ، فمعنى قوله : ( أنزلنا ) أي : أنزلنا أسبابه .
وقيل : كل بركات الأرض منسوبة إلى بركات السماء كما قال تعالى : " وأنزلنا الحديد " ( سورة الحديد 25 ) ، وإنما يستخرج الحديد من الأرض .
وسبب نزول هذه الآية : أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة ، ويقولون : لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها ، فكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء بالليل عراة .
وقال قتادة : كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فأمر الله سبحانه بالستر فقال : ( قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ) يستر عوراتكم ، واحدتها سوأة ، سميت بها لأنه يسوء صاحبها انكشافها ، فلا تطوفوا عراة ، ( وريشا ) يعني : مالا في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي : يقال : تريش الرجل إذا تمول .
وقيل : الريش الجمال ، أي : ما يتجملون به من الثياب ، وقيل : هو اللباس .
( ولباس التقوى ذلك خير ) قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي " ولباس " بنصب السين عطفا على قوله ( لباسا ) وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره ( خير ) وجعلوا ( ذلك ) صلة في الكلام ، ولذلك قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب ( ولباس التقوى خير ) واختلفوا في ( ولباس التقوى ) قال قتادة والسدي : لباس التقوى هو الإيمان .
وقال الحسن : هو الحياء لأنه يبعث على التقوى .
وقال عطية عن ابن عباس : هو العمل الصالح .
وعن عثمان بن عفان أنه قال : السمت الحسن .
وقال عروة بن الزبير : لباس التقوى خشية الله ، وقال الكلبي : هو العفاف .
والمعنى : لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق له من اللباس للتجمل .
وقال ابن الأنباري : لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده إخبارا أن ستر العورة خير من التعري في الطواف .
وقال زيد بن علي : لباس التقوى الآلات التي يتقى بها في الحرب كالدرع والمغفر والساعد والساقين .
وقيل : لباس التقوى هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها أهل الورع .
( ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) .
«يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا» أي خلقناه لكم «يواري» يستر «سوآتكم وريشا» وهو ما يتحمل به من الثياب «ولباس التقوى» العمل الصالح والسمت الحسن بالنصب عطف على لباسا والرفع مبتدأ خبره جملة «ذلك خيرٌ ذلك من آيات الله» دلائل قدرته «لعلهم يذَّكرون» فيؤمنون فيه التفات عن الخطاب.
يا بني آدم قد جعلنا لكم لباسًا يستر عوراتكم، وهو لباس الضرورة، ولباسًا للزينة والتجمل، وهو من الكمال والتنعم.
ولباسُ تقوى الله تعالى بفعل الأوامر واجتناب النواهي هو خير لباس للمؤمن.
ذلك الذي مَنَّ الله به عليكم من الدلائل على ربوبية الله تعالى ووحدانيته وفضله ورحمته بعباده؛ لكي تتذكروا هذه النعم، فتشكروا لله عليها.
وفي ذلك امتنان من الله تعالى على خَلْقه بهذه النعم.
السوءة : العورة .
والريش : لباس الزينة ، استعير من ريش الطائر ، لأنه لباسه وزينته .
وقال الجوهرى : " الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس ، وهو اللباس الفاخر " .والمعنى : يا بنى آدم تذكروا واعتبروا واشكروا الله على ما حباكم من نعم ، فإنه - سبحانه - قد هيأ لكم سبيل الحصول على الملبس الذى تسترون به عوراتكم ، وتتزينون به فى مناسبات التجمل والتعبد .والمراد بإنزال ما ذكر أنه خلق لبنى آدم مادة هذا اللباس التى تتكون من القطن والصوف والحرير وما إليها ، وألهمهم بما خلق فيهم من غرائز طرق استنباتها وصناعتها بالغزل والنسج والخياطة .والتعبير بأنزلنا يفيد خصوصية البشر باللباس الذى يستر العورة ، وبالرباش التى يتزينون بها ، أى أنزلنا عليكم لباسين : لباسا يوارى سوآتكم ، ولباسا يزينكم ، لأن الزينة غرض صحيح وحبها من طبيعة البشر .
قال - تعالى - : ( والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ) قال الجمل : " وقوله - تعالى - : ( وَرِيشاً ) يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات .
والمعنى : أنه وصف اللباس بوصفين : مواراة السوأة ، والزينة .
ويحتمل أن يكون من باب عطف الشىء على غيره .
أى : أنزلنا عليكم لباسا موصوفا بالمواراة ، ولباسا موصوفا بالزينة " .ثم بين - سبحانه - أن هناك لباسا آخر أفضل وأكمل من كل ذلك فقال : ( وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ ) أى : أن اللباس الذى يصون النفس من الدنايا والأرجاس ، ويسترها بالإيمان والعمل الصالح هو خير من كل لباس حسى يتزين به البشر .
فاسم الإشارة هنا يعود على لباس التقوى .
وقد عبر القرآن هنا عن التقوى بأنها لباس ، وعبر عنها فى موضع آخر بأنها زاد مشاكلة للسياق الذى وردت فيه هنا أو هناك .
وذلك من باب تجسيم المعنويات وتنسيقها مع الجو العام الذى ورت فيه ، وتلك طريقة انفرد بها القرآن الكريم .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( وَلِبَاسُ التقوى ) مبتدأ ، وخبره إما الجملة التى هى ( ذلك خَيْرٌ ) كأنه قيل : ولباس التقوى هو خير ، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر .
وإما المفرد الذى هو خير ، وذلك صفة للمبتدأ ، كأنه قيل : ولباس التقوى المشار إليه خير " .وقوله - تعالى - : ( ذلك مِنْ آيَاتِ الله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) معناه : ذلك الذى أنزله الله على بنى آدم من النعم من دلائل قدرته وإحسانه عليهم ، لعلهم بعد ذلك لا يعودون إلى النسيان الذى أوقع أبويهم فى المعصية .قال صاحب الكشاف : وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر ظهور العورات وخصف الورق عليها ، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما فى العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعاراً بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى .
في نظم الآية وجهان: الوجه الأول: أنه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض، وجعل الأرض لهما مستقراً بين بعده أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا، ومن جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا.
الوجه الثاني: أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة أنه كان يخصف الورق عليها، أتبعه بأن بين أنه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عورتهم، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب أنه أقدرهم على التستر.
فإن قيل: ما معنى إنزال اللباس؟
قلنا: إنه تعالى أنزل المطر، وبالمطر تتكون الأشياء التي منها يحصل اللباس، فصار كأنه تعالى أنزل اللباس، وتحقيق القول أن الأشياء التي تحدث في الأرض لما كانت معلقة بالأمور النازلة من السماء صار كأنه تعالى أنزلها من السماء.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنزْلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ وأما قوله: ﴿ وَرِيشًا ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: الريش لباس الزينة، استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته، أي أنزلنا عليكم لباسين: لباساً يواري سوآتكم، ولباساً يزينكم، لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ .
البحث الثاني: روي عن عاصم رواية غير مشهورة ﴿ ورياشاً ﴾ وهو مروي أيضاً عن عثمان رضي الله عنه، والباقون ﴿ سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا ﴾ واختلفوا في الفرق بين الريش والرياش فقيل: رياش جمع ريش، وكذياب وذيب، وقداح وقدح، وشعاب وشعب، وقيل: هما واحد، كلباس ولبس وجلال وجل، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: كل شيء يعيش به الإنسان من متاع أو مال أو مأكول فهو ريش ورياش، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال وقوله تعالى: ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: قرأ نافع وابن عامر والكسائي ﴿ وَلِبَاسُ ﴾ بالنصب عطفاً على قوله: ﴿ لِبَاساً ﴾ والعامل فيه أنزلنا وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ خَيْرٌ ﴾ خبره والباقون بالرفع وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ ذلك ﴾ صفة أو بدل أو عطف بيان وقوله خير خبر لقوله: ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ ومعنى قولنا صفة أن قوله: ﴿ ذلك ﴾ أشير به إلى اللباس كأنه قيل ولباس التقوى المشار إليه خير.
البحث الثاني: اختلفوا في تفسير قوله: ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ والضابط فيه أن منهم من حمله على نفس الملبوس ومنهم من حمله على غيره.
أما القول الأول: ففيه وجوه: أحدها: أن المراد أن اللباس الذي أنزله الله تعالى ليواري سوآتكم هو لباس التقوى وعلى هذا التقدير فلباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده الله لأجل أن يخبر عنه بأنه خير لأن جماعة من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت فجرى هذا في التكرير مجرى قول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر، والصدق خير لك من غيره.
فيعيد ذكر الصدق ليخبر عنه بهذا المعنى.
وثانيها: أن المراد من لباس التقوى ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقي به في الحروب.
وثالثها: المراد من لباس التقوى الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلوات.
والقول الثاني: أن يحمل قوله: ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ على المجازات ثم اختلفوا فقال قتادة والسدي وابن جريج: لباس التقوى الإيمان.
وقال ابن عباس: لباس التقوى العمل الصالح، وقيل هو السمت الحسن، وقيل هو العفاف والتوحيد، لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً من الثياب.
والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً، وقال معبدهو الحياء.
وقيل هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخبات والعمل الصالح، وإنما حملنا لفظ اللباس على هذه المجازات لأن اللباس الذي يفيد التقوى، ليس إلا هذه الأشياء أما قوله: ﴿ ذلك خَيْرٌ ﴾ قال أبو علي الفارسي: معنى الآية ﴿ وَلِبَاسُ التقوى...
خَيْرٌ ﴾ لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به.
قال: وأضيف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع في قوله: ﴿ فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف ﴾ وقوله: ﴿ ذلك مِنْ آيات الله ﴾ معناه من آيات الله الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس عليهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.
<div class="verse-tafsir"
جعل ما في الأرض منزلاً من السماء، لأنه قضى ثم وكتب.
ومنه ﴿ وأَنَزلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج ﴾ [الزمر: 6] والريش لباس الزينة، استعير من ريش الطير، لأنه لباسه وزينته، أي أنزلنا عليكم لباسين: لباساً يواري سوآتكم، ولباساً يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح، كما قال: ﴿ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ .
﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ [النحل: 6] وقرأ عثمان رضي الله عنه: ﴿ ورياشاً ﴾ جمع ريش، كشعب وشعاب ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ ولباس الورع والخشية من الله تعالى، وارتفاعه عن الابتداء وخبره إمّا الجملة التي هي ﴿ ذلك خَيْرٌ ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر.
وأمّا المفرد الذي هو خير وذلك صفة للمبتدأ، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير.
ولا تخلو الإشارة من أن يراد بها تعظيم لباس التقوى، أو أن تكون إشارة إلى اللباس المواري للسوأة، لأنّ مواراة السوأة من التقوى، تفضيلاً له على لباس الزينة.
وقيل: لباس التقوى خبر مبتدأ محذوف، أي وهو لباس التقوى، ثم قيل: ذلك خير.
وفي قراءة عبد الله وأبيّ: ﴿ ولباس التقوى خير ﴾ وقيل: المراد بلباس التقوى: ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحروب وقرئ: ﴿ ولباس التقوى ﴾ ، بالنصب عطفاً على لباساً وريشاً ﴿ ذلك مِنْ ءايات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده.
يعني إنزال اللباس ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ فيعرفوا عظيم النعمة فيه وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوآت وخصف الورق عليها، إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعاراً بأنّ التستر باب عظيم من أبواب التقوى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ ﴾ لِلْجَزاءِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ ﴿ وَمِنها تُخْرَجُونَ ﴾ ، وفي « الزُّخْرُفِ» ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ.
﴿ يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا ﴾ أيْ خَلَقْناهُ لَكم بِتَدْبِيراتٍ سَماوِيَّةٍ وأسْبابٍ نازِلَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ .
﴿ يُوارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ الَّتِي قَصَدَ الشَّيْطانُ إبْداءَها، ويُغْنِيكم عَنْ خَصْفِ الوَرَقِ.
رُوِيَ: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً ويَقُولُونَ لا نَطُوفُ في ثِيابٍ عَصَيْنا اللَّهَ فِيها، فَنَزَلَتْ.
وَلَعَلَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ حَتّى يُعْلِمَ أنَّ انْكِشافَ العَوْرَةِ أوَّلُ سُوءٍ أصابَ الإنْسانَ مِنَ الشَّيْطانِ، وأنَّهُ أغْواهم في ذَلِكَ كَما أغْوى أبَوَيْهِمْ.
﴿ وَرِيشًا ﴾ ولِباسًا تَتَجَمَّلُونَ بِهِ، والرِّيشُ الجَمالُ.
وقِيلَ مالًا ومِنهُ تَرَيَّشَ الرَّجُلُ إذا تَمَوَّلَ.
وقُرِئَ « رِياشًا» وهو جَمْعُ رِيشٍ كَشُعَبٍ وشِعابٍ.
﴿ وَلِباسُ التَّقْوى ﴾ خَشْيَةُ اللَّهِ.
وَقِيلَ الإيمانُ.
وقِيلَ السَّمْتُ الحَسَنُ.
وقِيلَ لِباسُ الحَرْبِ ورَفَعَهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ذَلِكَ خَيْرٌ أوْ خَيْرٌ وذَلِكَ صِفَتُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ولِباسَ التَّقْوى بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى لِباسًا.
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ إنْزالُ اللِّباسِ.
﴿ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.
﴿ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ فَيَعْرِفُونَ نِعْمَتَهُ أوْ يَتَّعِظُونَ فَيَتَوَرَّعُونَ عَنِ القَبائِحِ.
<div class="verse-tafsir"
{يا بني آدم قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} جعل ما في الأرض منزلاً من السماء لأن أصله من الماء وهو منها {يواري سوآتكم} يستر عوراتكم {وريشا} لباس الزينة استيعر من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي انزلنا عليكم لباسين لباسا يوارى سوآتكم ولباساً يزينكم {وَلِبَاسُ التقوى} ولباس الورع الذي يقي العقاب وهو مبتدأ وخبره الجملة وهي {ذلك خَيْرٌ} كأنه قيل ولباس التقوى هو خير لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر أو ذلك صفة للمبتدا وخير خبر المتبدا كأنه قيل ولباس التقوى المشار إليه خير أو لِبَاسَ التقوى خبر مبتدأ محذوف أي وهو لباس التقوى أي ستر العورة لباس المتقين ثم قال ذلك خَيْرٌ وقيل ولباس أهل التقوى من الصوف والخشن وَلِبَاسُ التقوى مدني وشامي وعلي عطفا على لِبَاساً أي وأنزلنا عليكم لباس التقوى {ذلك من آيات الله} الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} فيعرفوا عظيم النعمة فيه وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوآت وخصف الورق عليها إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس ولما في العري من الفضيحة واشعارا بأن التستر من التقوى
﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ كافَّةً واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى دُخُولِ أوْلادِ الأوْلادِ في الوَقْفِ عَلى الأوْلادِ ولا يَخْفى سِرُّ هَذا العُنْوانِ في هَذا المَقامِ.
﴿ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا ﴾ أيْ خَلَقْنا لَكم ذَلِكَ بِأسْبابٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ كالمَطَرِ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ القُطْنُ الَّذِي يُجْعَلُ لِباسًا قالَهُ الحَسَنُ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْنى أعْطَيْناكم ذَلِكَ ووَهَبْناهُ لَكم وكُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِعَبْدِهِ فَقَدْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ عُلُوٌّ أوْ سُفْلٌ بَلْ هو جارٍ مَجْرى التَّعْظِيمِ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ حاجَتِي إلى فُلانٍ وقِصَّتِي إلى الأمِيرِ ولَيْسَ هُناكَ نَقْلٌ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ وقِيلَ المُرادُ قَضَيْنا لَكم وقَسَّمْناهُ وقَضاياهُ تَعالى وقَسْمُهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وعَلى كُلٍّ فالكَلامُ لا يَخْلُو عَنْ مَجازٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في المُسْنَدِ وهو الظّاهِرُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في اللِّباسِ أوِ الإسْنادِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُوارِي ﴾ أيْ يَسْتُرُ تَرْشِيحٌ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ مُدَّعِيًا نُزُولَ ذَلِكَ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ أُمِرا بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ ولَمْ نَقِفْ في ذَلِكَ عَلى خَبَرٍ كَسَتْهُ الصِّحَّةُ لِباسًا نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ أُهْبِطَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ عُرْيانَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِما ورَقُ الجَنَّةِ فَأصابَ آدَمَ الحَرُّ حَتّى قَعَدَ يَبْكِي ويَقُولُ لَها: يا حَوّاءُ قَدْ آذانِي الحَرُّ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقُطْنٍ وأمَرَها أنْ تَغْزِلَهُ وعَلَّمَها وعَلَّمَ آدَمَ وأمَرَهُ بِالحِياكَةِ وعَلَّمَهُ».
وجاءَ في خَبَرٍ آخَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْبِطَ ومَعَهُ البُذُورُ فَوَضَعَ إبْلِيسُ عَلَيْها يَدَهُ فَما أصابَ يَدَهُ ذَهَبَ مَنفَعَتَهُ.
وفِي آخَرَ رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْبِطَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ أزْواجٍ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ وبِأسَنَةٍ والعَلاةِ والكَلْبَتانِ وغَرِيسَةُ عِنَبٍ ورَيْحانٌ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعِي وإنْ صَلَحَ بَعْضُ ما فِيهِ لِأنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِما يُوارِي ﴿ سَوْآتِكُمْ ﴾ أيِ الَّتِي قَصَدَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إبْداءَها مِن أبَوَيْكم حَتّى اضْطَرّا إلى خَصْفِ الأوْراقِ وأنْتُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ ذَلِكَ رَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَرايا ويَقُولُونَ نَطُوفُ بِثِيابٍ عَصَيْنا اللَّهَ تَعالى فِيها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ كَذَلِكَ تَفاؤُلًا بِالتَّعَرِّي عَنِ الذُّنُوبِ والآثامِ ولَعَلَّ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ انْكِشافَ العَوْرَةِ أوَّلُ سُوءٍ أصابَ الإنْسانَ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ وأنَّهُ أغْواهم في ذَلِكَ كَما فَعَلَ بِأبَوَيْهِمْ.
وفِي الكَشّافِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ عَقِيبَ ذَكْرِ بَدْءِ السَّوْآتِ وخَصْفِ الوَرَقِ عَلَيْها إظْهارًا لِلْمِنَّةِ فِيما خُلِقَ مِنَ اللِّباسِ ولِما في العُرْيِ وكَشْفِ العَوْرَةِ مِنَ المَهانَةِ والفَضِيحَةِ وإشْعارًا بِأنَّ التَّسَتُّرَ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِ التَّقْوى ﴿ ورِيشًا ﴾ أيْ زِينَةً أخْذًا مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ زِينَةٌ لَهُ وعَطْفُهُ عَلى هَذا مِن عَطْفِ الصِّفاتِ فَيَكُونُ اللِّباسُ مَوْصُوفًا بِشَيْئَيْنِ مُواراةِ السَّوْأةِ والزِّينَةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ أنْزَلْنا لِباسَيْنِ لِباسَ مُواراةٍ ولِباسَ زِينَةٍ فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَوْصُوفُ أيْ لِباسًا رِيشًا أيْ ذا رِيشٍ وتَفْسِيرُ الرِّيشِ بِالزِّينَةِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمَصْدَرِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ المالُ ومِنهُ تَرَيَّشَ الرَّجُلُ أيْ تَمَوَّلَ وعَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ الخِصْبُ والمَعاشُ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ.
وقَرَأ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( ورِياشًا ) وهو إمّا مَصْدَرٌ كاللِّباسِ أوْ جَمْعُ رِيشٍ كَشِعْبٍ وشِعابٍ ﴿ ولِباسُ التَّقْوى ﴾ أيِ العَمَلُ الصّالِحُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى كَما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
أوِ الحَياءُ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أوِ الإيمانُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ أوْ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ وهو اللِّباسُ الأوَّلُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ لِباسُ الحَرْبِ الدِّرْعُ والمِغْفَرُ والآلاتُ الَّتِي يَتَّقِي بِها مِنَ العَدُوِّ كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ أوْ ثِيابُ النُّسُكِ والتَّواضُعِ كَلِباسِ الصُّوفِ والخَشِنِ مِنَ الثِّيابِ كَما اخْتارَهُ الجُبّائِيُّ فاللَّفْظُ إمّا مُشاكَلَةٌ وإمّا مَجازٌ وإمّا حَقِيقَةٌ ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ لِأنَّهُ يَكُونُ رابِطًا كالضَّمِيرِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿ خَيْرٌ ﴾ و ﴿ ذَلِكَ ﴾ صِفَةَ لِباسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُما واعْتُرِضَ بِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ أعْرَفُ مِنَ المُعَرَّفِ بِاللّامِ ومِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ والنَّعْتُ لا بُدَّ أنْ يُساوِيَ المَنعُوتَ في رُتْبَةِ التَّعْرِيفِ أوْ يَكُونَ أقَلَّ مِنهُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْرَفَ مِنهُ فَلِذا قِيلَ إنَّ ﴿ ذَلِكَ ﴾ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لا نَعْتٌ وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَإنَّ تَعْرِيفَ اسْمِ الإشارَةِ لِكَوْنِهِ بِالإشارَةِ الحِسِّيَّةِ الخارِجَةِ عَنِ الوَضْعِ قِيلَ: إنَّهُ أنْقَصُ مِن ذِي اللّامِ وقِيلَ: إنَّهُما في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ وعَنِ أبِي عَلِيٍّ وهو غَرِيبٌ أنَّ ذَلِكَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ وهو فَصْلٌ كالضَّمِيرِ وقُرِئَ ( ولِباسَ التَّقْوى ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( لِباسًا ) قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللِّباسُ المُنَزَّلُ ثَلاثَةً أوْ يُفَسَّرُ ( لِباسُ التَّقْوى ) بِلِباسِ الحَرْبِ أوْ يُجْعَلُ الإنْزالُ مُشاكَلَةً وذُكِرَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أنَّ ذَلِكَ إنْ كانَ إشارَةً لِلِّباسِ المُوارِي فَلِباسُ التَّقْوى حَقِيقَةٌ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وإنْ كانَ لِلِباسِ التَّقْوى فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ أوْ مِن قَبِيلِ لُجَيْنِ الماءِ وعَلى كُلٍّ تَكُونُ الإشارَةُ بِالبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ بِتَنْزِيلِ البُعْدِ الرُّتْبِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الحِسِّيِّ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ إنْزالُ اللِّباسِ المُتَقَدِّمِ كُلِّهِ أوِ الأخِيرِ ﴿ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ فَضْلِهِ وعَمِيمِ رَحْمَتِهِ ﴿ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ (26) فَيَعْرِفُونَ نِعْمَتَهُ أوْ يَتَّعِظُونَ فَيَتَوَرَّعُونَ عَنِ القَبائِحِ.
<div class="verse-tafsir"
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يقول خلقنا لكم الثياب يُوارِي سَوْآتِكُمْ يعني يستر عوراتكم، ويقال معناه أنزلنا عليكم المطر ينبت لكم القطن والكتَّان لباساً لكم وَرِيشاً قرأ الحسن البصري ورياشاً بالألف.
وقرأ غيره وريشاً بغير ألف وقال القتبي: الريش والرياش ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به.
ويقال: الرياش: المال والمعاش.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.
قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبي أمامة عن عوف بن أبي جميلة عن معبد الجهني في قوله: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً قال: هو ما تلبسون ورياشاً قال المعاش وَلِباسُ التَّقْوى هو الحياء ذلِكَ خَيْرٌ أي لباس التقوى وهو الحياء خير من الثياب، لأن الفاجر إنْ كان حسن الثياب فإنه بادي العورة ألا ترى إلى قول الشاعر حيث يقول: إني كأني أرى من لا حياء له ...
ولا أمانة وسط القوم عريانا وقال القتبي: لِباسُ التَّقْوى أي ما ظهر عليه من السكينة والوقار والعمل الصالح كما قال: لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: 112] أي ما ظهر عليهم من سوء آثارهم وتغيُّر حالهم.
ويقال: لِباسُ التَّقْوى الإيمان.
ويقال: العفة.
قرأ نافع والكسائي وابن عامر لِباسُ التَّقْوى بالنصب يعني: أنزل لباس التقوى ومعناه: ستر العورة.
وقرأ الباقون بالضم لِبَاسُ على معنى الابتداء.
ويقال: فيه مضموم يعني: هو لِباسُ التَّقْوى ومعناه: ستر العورة أي لباسُ المتقين.
وقرأ عبد الله بن مسعود وَلِباسُ التَّقْوى خير.
وقال مجاهد: كان أناس من العرب يطوفون حول البيت عراة فنزل قوله تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً يعني: من المال.
ويقال: معنى قوله: ذلِكَ خَيْرٌ يعني: اللباس خير من تركه لأنهم كانوا يطوفون عراة.
قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي من نعم الله على الناس، ويقال: من عجائب الله ودلائله.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: يتّعظون.
قوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ يقول: لا يضلّنّكم الشيطان عن طاعتي فيمنعكم من الجنة كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ حين تركا طاعتي وعصيا أمري يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما يعني: لا يفتنّنكم الشيطان عن دينكم في أمر الثياب فينزعها عنكم، فتبدو عوراتكم، كما فعل بأبويكم، نزع عنهما لباسهما وأظهر عورتهما.
وقال بعض الحكماء: إنّ المعصية شؤم تضر بصاحبها فتجعله عرياناً كما فعلت بآدم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يعني: كونوا بالحذار منه، فإنه يراكم هو أي إبليس وجنوده من الشياطين من حيث لا ترونهم.
يعني: كونوا على حذر لأنه يجري من بني آدم مجرى الدم وذكر أن إبليس لما لعن قال رب: إنّك باعث إلى بني آدم رسلاً وكتباً، فما رسلي؟
قال: الكهنة.
قال: فما كتابي؟
قال: الوشم.
قال: فما قراءتي قال: الشعر قال: فما مسجدي؟
قال: السوق.
قال: فما مؤذني؟
قال: المزامير.
قال: فما بيتي؟
قال: الحمام.
قال: فما مصائدي؟
قال النساء.
قال: فما طعامي؟
قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: فما شرابي؟
قال: كل سكر.
قوله عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ يعني: قرناء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي لا يصدقون بالآخرة وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني: المشركين حرموا على أنفسهم أشياء قد أحل الله لهم، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، قالوا: لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها وكان رجالهم يطوفون بالنهار ونساؤهم بالليل وإذا طافت المرأة بالنهار اتخذت إزاراً من سير وكانت تبدو عورتها إذا مشت وكانت تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ...
فما بدا منه فلا أحله وإذا قيل لهم لم فعلتم هكذا قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها يعني: بتحريم هذه الأشياء وبالطواف عراة قال الله تعالى لمحمد : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أي المعاصي أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي أتكذبون على الله وتقولون بغير علم؟
ثم بيّن لهم ما أمرهم الله تعالى به.
فقال عز وجل: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي بالعدل والصواب.
وكلمة التوحيد وهي شهادة ألاّ إله إلاّ الله وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ أي: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وقل: أقيموا وجوهكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي حوّلوا وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلاة.
وقال الكلبي: يعني إذا حضرت الصلاة وأنتم في مسجد فصلوا فيه، فلا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي.
وإذا لم يكن في مسجد فليأت أي مسجد شاء.
قال مقاتل: يعني: حوّلوا وجوهكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يقول: وحدوه واعبْدُوه بالإخلاص.
ويقال: أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم، ويقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فأمرهم الله أن يوحّدوه في التلبية مخلصين له الدين.
ثم قال: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي ليس كما تشركون.
فاحتج عليهم بالبعث متصلاً بقوله: فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي ليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
وقال الحسن: كما خلقكم ولم تكونوا شيئا فأحياكم كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.
ويقال: كَما بَدَأَكُمْ يوم الميثاق من التصديق والتكذيب تَعُودُونَ إلى ذلك.
حيث قال: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي» .
ويقال: كَما بَدَأَكُمْ فخلقكم من التراب تَعُودُونَ تراباً بعد الموت.
وقال ابن عباس: كَما بَدَأَكُمْ مؤمناً وكافراً وشقياً وسعيداً كذلك تموتون عليه وتبعثون عليه.
ثم قال: فَرِيقاً هَدى وهم المؤمنون فعلم الله تعالى منهم الطاعة ويكرمهم بالمعرفة وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي وجب عليهم الضلالة، فخذلهم ولم يكرمهم بالتوحيد حيث علم منهم المعصية والكفر إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ يعني: لأنهم اتخذوا الشياطين أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: اتخذوهم أولياء وأطاعوهم بالمعصية وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ أي يظنون أنهم على الهدى.
قال الزجاج: فيه دليل أن من لا يعلم أنه كافر وهو كافر يكون كافراً لأن بعضهم قال: لا يكون كافراً وهو لا يعلم.
وذلك القول باطل لأن الله تعالى قال: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27] وقال: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
فبعزَّتي لأهبطنك إِلى الأَرْضِ، ثم لا تنال العَيْشَ إلا كدًّا «١» .
وقوله: عَنْ تِلْكُمَا بِحَسَبِ اللفظ أنه إنما أشار إلى شَجَرَةٍ مخصوصة، وَأَقُلْ لَكُما: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ إشارة إلى الآية التي في «طه» في قوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [طه: ١١٧] وهذا هو العَهْد الذي نَسِيَهُ آدم على مَذْهَبِ من جعل النسيان على بابه، وقولهما: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا اعتراف من آدَمَ وحواء عليهما السلام وطَلَبٌ للتوبة، والستر، والتغمُّد بالرحمة، فطلب آدم هذا، فأجيب، وطلب إبليس النَّظِرَةَ، ولم يطلب التَّوْبَة، فوكل إلى سوء رأيه.
قال الضحاك وغيره: هذه الآية هي الكَلِمَاتُ التي تلقى آدم من ربّه، وقوله عز وجل:
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ المُخَاطَبَةُ بقوله: اهْبِطُوا.
قال: أبو صَالِحٍ، والسدي، والطبري، وغيرهم: هي لآدم، وحوّاء، وإبليس، والحية.
وقالت فرقة: هي مخاطبة لآدم وذريته، وإبليس وذريته.
قال ع «٢» : وهذا ضَعِيفٌ لعدمهم في ذلك الوَقْت.
ت: وما ضعفه رحمه اللَّه صَحَّحَهُ في «سورة البقرة» ، فتأمله هناك، وعداوة الحية معروفة.
روى قتادة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ» «٣» .
وقوله سبحانه: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ الآية خطاب لجميع الأمم وقت النبي صلّى الله عليه وسلّم والسَّبَب والمراد: قريش، ومَنْ كان مِنَ العَرَبِ يتعرّى في طوافه بالبيت.
قال مجاهد: ففيهم نَزَلَتْ هذه الأربع آيات «١» .
وقوله: أَنْزَلْنا يحتمل التَّدْرِيجَ أَي: لما أنزل المَطَر، فكان عنه جميع ما يلبس، ويحتمل أن يريد ب أَنْزَلْنا خلقنا، كقوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: ٦] ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: ٢٥] ولِباساً عام في جميع ما يلبس، ويُوارِي: يستر.
وقرأ الجمهور: «وريشاً» ، وقرأ عاصم، وأبو عمرو «ورياشاً» وهما عِبَارَتَانِ عن سَعَةِ الرزق، ورفاهة العَيْشِ، وَجَوْدَةِ الملبس والتمتع.
وقال البخاري: قال ابن عباس: وريشاً: المال انتهى «٢» .
وقرأ نافع «٣» ، وغيره: «ولباسَ» بالنصب.
وقرأ حمزة، وغيره بالرفع.
وقوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ إشارة إلى جَمِيعِ ما أنزل اللَّه من اللِّبَاسِ والرِّيشِ.
وحكى النَّقَّاشُ: أن الإِشَارَةَ إِلى لِبَاسِ التَّقوى أي: هو في العبد آية أي: علامة وأمارة من اللَّه تعالى أنه قد رَضِيَ عنه، ورحمه.
وقال ابن عَبَّاسٍ: لباس التقوى هو السَّمْتُ الحَسَنُ «٤» في الوَجْهِ.
وقاله عثمان بن عفان على المنبر.
وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً: هو العَمَلُ الصالحَ «٥» .
وقال عُرْوَةُ بن الزبير: هو خَشْيَةُ اللَّه «٦» وقيل: هو لباس الصوف، وكل ما فيه تواضع لله عز وجل.
أحَدُها: خَلَقْنا لَكم.
والثّانِي: ألْهَمْناكم كَيْفِيَّةَ صُنْعِهِ.
والثّالِثُ: أنْزَلْنا المَطَرَ الَّذِي هو سَبَبُ نَباتِ ما يُتَّخَذُ لِباسًا.
وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا: "وَرِيشًا" .
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وقَتادَةُ، والمُفَضَّلُ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "وَرِياشًا" بِألِفٍ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرِّياشُ جَمِيعَ الرِّيشِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرِّيشِ كَما قالُوا: لُبْسٌ، ولِباسٌ.
قالَ الشّاعِرُ: فَلَمّا كَشَفْنَ اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ بِأطْرافِ طِفْلٍ زانَ غَيْلًا مُوَشَّمًا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: "الرِّياشُ": المالُ؛ وقالَ عَطاءٌ: المالُ والنَّعِيمُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرِّيشُ: الجَمالُ؛ وقالَ مَعْبَدُ الجُهَنِيُّ: الرِّيشُ: الرِّزْقُ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرِّيشُ والرِّياشُ: ما ظَهَرَ مِنَ اللِّباسِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الرِّيشُ: اللِّباسُ وكُلُّ ما سَتَرَ الإنْسانَ في جِسْمِهِ ومَعِيشَتِهِ.
يُقالُ: تَرَيَّشَ فَلانٌ، أيْ: صارَ لَهُ ما يَعِيشُ بِهِ.
أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: رِياشَيْ مِنكم وهَوايَ مَعَكم ∗∗∗ وإنْ كانَتْ زِيارَتُكم لِمامًا وَعَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الرِّيشُ والرِّياشُ بِمَعْنًى.
قالَ قُطْرُبٌ: الرِّيشُ والرِّياشُ واحِدٌ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الرِّيشُ: المالُ، والرِّياشُ: الثِّيابُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِباسُ التَّقْوى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "وَلِباسُ التَّقْوى" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: بِنَصْبِ اللِّباسِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَّبَ اللِّباسَ، عَطَفَ بِهِ عَلى الرِّيشِ؛ ومَن رَفَعَهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِإضْمارِ: هُوَ؛ المَعْنى: وهو لِباسُ التَّقْوى، أيْ: وسَتْرُ العَوْرَةِ لِباسُ المُتَّقِينَ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في لِباسِ التَّقْوى عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ السَّمْتُ الحَسَنُ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ؛ ورَواهُ الذَّيّالُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: العَمَلُ الصّالِحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: الإيمانُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ؛ فَعَلى هَذا، سُمِّيَ لِباسُ التَّقْوى، لِأنَّهُ يَقِي العَذابَ.
والرّابِعُ: خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
والخامِسُ: الحَياءُ، قالَهُ مَعْبَدُ الجُهَنِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.
والسّادِسُ: سَتْرُ العَوْرَةِ لَلصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُ الدِّرْعُ، وسائِرُ آَلاتِ الحَرْبِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.
والثّامِنُ: العَفافُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ ما يُتَّقى بِهِ الحَرُّ والبَرْدُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والعاشِرُ: أنَّ المَعْنى: ما يَلْبَسُهُ المُتَّقُونَ في الآَخِرَةِ، خَيْرٌ مِمّا يَلْبَسُهُ أهْلُ الدُّنْيا، رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ مِنَ الثِّيابِ، لِأنَّ الفاجِرَ، وإنْ كانَ حَسَنَ الثَّوْبِ، فَهو بادِيَ العَوْرَةِ؛ "وَذَلِكَ" زائِدَةٌ.
قالَ الشّاعِرُ في هَذا المَعْنى: إنِّي كَأنِّي أرى مَن لا حَياءَ لَهُ ∗∗∗ ولا أمانَةَ وسْطَ القَوْمِ عُرْيانًا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: لِباسُ التَّقْوى، هو اللِّباسُ الأوَّلُ، وإنَّما أعادَهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ التَّعَرِّي، إذْ كانُوا يَتَعَبَّدُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِالتَّعَرِّي في الطَّوافِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: الثِّيابَ والمالَ مِن آَياتِ اللَّهِ وصُنْعِهِ، لَكَيْ يَذْكُرُوا، فَيُعْتَبَرُوا في صُنْعِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "اِهْبِطُوا"؛ قالَ أبُو صالِحٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي لِآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ والحَيَّةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لَعَدَمِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ فَإنْ قِيلَ: خاطَبَهم وأمَرَهم بِشَرْطِ الوُجُودِ؛ فَذَلِكَ يَبْعُدُ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِشَرْطِ الوُجُودِ إنَّما يَصِحُّ إذا تَرَتَّبَ عَلى المَأْمُورِ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ وصَحَّ مَعْناهُ عَلَيْهِ؛ كالصَلاةِ؛ والصَوْمِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وأمّا هُنا؛ فَإنَّ مَعْنى الهُبُوطِ لا يُتَصَوَّرُ في بَنِي آدَمَ بَعْدَ وُجُودِهِمْ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِهِ شَيْءٌ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى -: "اِهْبِطا"؛ فَهي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ بِدَلِيلِ بَيانِهِ العَداوَةَ بَيْنَهُما.
و"عَدُوٌّ"؛ فَرْدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ؛ تَقُولُ: "قَوْمٌ عَدُوٌّ؛ وقَوْمٌ صَدِيقٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرِي لَئِنْ كُنْتُمْ عَلى النَأْيِ والغِنى ∗∗∗ بِكم مِثْلُ ما بِي إنَّكم لَصَدِيقُ وعَداوَةُ الحَياةِ مَعْرُوفَةٌ؛ ورَوى قَتادَةُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "ما سالَمْناهُنَّ مُنْذُ حارَبْناهُنَّ"؛» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "مَن تَرَكَهُنَّ فَلَيْسَ مِنّا"؛ وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن تَرَكَ حَيَّةً خَشْيَةً مِن ثَأْرِها فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يَعْرِضُ في أمْرِهِنَّ حَدِيثُ الفَتى؛ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ جِنًّا بِالمَدِينَةِ قَدْ أسْلَمُوا؛ فَمَن رَأى مِن هَذِهِ الحَيّاتِ شَيْئًا في بَيْتِهِ فَلْيُحَرِّجْ عَلَيْهِ ثَلاثًا؛ فَإنْ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلْيَقْتُلْهُ؛ فَإنَّما هو كافِرٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "مُسْتَقَرٌّ"؛ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِزَمَنِ الحَياةِ؛ ولِزَمَنِ الإقامَةِ في القُبُورِ؛ وبِزَمَنِ الحَياةِ فَسَّرَ أبُو العالِيَةِ ؛ وقالَ: هي كَقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا ﴾ ؛ وبِالإقامَةِ في القُبُورِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما؛ فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا ﴾ ؛ وأمّا المَتاعُ فَهو بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ؛ في زَمَنِ الحَياةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدِّرَ سُكْنى القَبْرِ مَتاعًا بِوَجْهٍ ما؛ والمَتاعُ: اَلتَّمَتُّعُ؛ والنَيْلُ مِنَ الفَوائِدِ؛ و ﴿ "إلى حِينٍ"؛ ﴾ هو - بِحَسَبِ الجُمْلَةِ -: قِيامُ الساعَةِ؛ وبِحَسَبِ مُفْرَدٍ مُفْرَدٍ: بُلُوغُ الأجَلِ؛ والمَوْتِ؛ و"اَلْحِينُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْوَقْتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أُهْبِطَ بِالهِنْدِ؛ وحَوّاءَ بِجِدَّةَ؛ وتَمَنّاها بِمِنًى؛ وعَرَفَ حَقِيقَةَ أمْرِها بِعَرَفَةَ؛ ولَقِيَها بِجَمْعٍ؛ وأُهْبِطَ إبْلِيسُ بِمَيْسانَ؛ وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ؛ وَقِيلَ: بِمِصْرَ؛ فَباضَ فِيها؛ وفَرَّخَ؛ قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: وبَسَطَ إبْلِيسُ فِيها عَبْقَرِيَّهُ؛ وذَكَرَ صالِحٌ؛ مَوْلى التَوْأمَةِ؛ قالَ: في بَعْضِ الكُتُبِ: لَمّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ قالَ: رَبِّ أيْنَ مَسْكَنِي؟
قالَ: (مَسْكَنُكَ الحَمّامُ؛ ومَجْلِسُكَ الأسْواقُ؛ ولَهْوُكَ المَزامِيرُ؛ وطَعامُكَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي؛ وشَرابُكَ المُسْكِرُ؛ ورُسُلُكَ الشَهَواتُ؛ وحَبائِلُكَ النِساءُ)؛ وأُهْبِطَتِ الحَيَّةُ بِأصْبَهانَ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ ذاتَ قَوائِمَ؛ كالبَعِيرِ؛ فَعُوقِبَتْ بِأنْ رُدَّتْ تَنْسابُ عَلى بَطْنِها.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُهْبِطَ إلى شَقاءِ الدُنْيا؛ عُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ؛ ثُمَّ عُلِّمَ الحَرْثَ؛ فَحَرَثَ؛ وسَقى؛ وحَصَدَ؛ وذَرا؛ وطَحَنَ؛ وعَجَنَ؛ وخَبَزَ؛ وطَبَخَ؛ وأكَلَ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ إلى ذَلِكَ حَتّى بَلَغَ مِنَ الجَهْدِ ما شاءَ اللهُ تَعالى ؛ ورُوِيَ أنَّ حَوّاءَ قِيلَ لَها: يا حَوّاءُ؛ كَما دَمِيَتِ الشَجَرَةُ فَأنْتِ تَدْمِينَ في كُلِّ شَهْرٍ؛ وأنْتِ لا تَحْمِلِينَ إلّا كُرْهًا؛ ولا تَضَعِينَ إلّا كُرْهًا؛ قالَ: فَرَنَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَها: اَلرَّنَّةُ عَلَيْكِ وعَلى ولَدِكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الأنْباءِ كَثِيرٌ؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أمْضاهُ؛ وجَعَلَهُ حَتْمًا في رِقابِ العِبادِ؛ يَحْيَوْنَ في الأرْضِ؛ ويَمُوتُونَ فِيها؛ ويُبْعَثُونَ مِنها إلى الحَشْرِ أحْياءً؛ كَما أنْشَأ تَعالى أوَّلَ خَلْقٍ يُعِيدُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تُخْرَجُونَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ هُنا؛ وفي "اَلرُّومِ"؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ تَكَرَّرَ؛ إلّا في "اَلرُّومِ": ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ ؛ وفي "سَألَ سائِلٌ": ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ ﴾ ؛ فَإنَّ هَذَيْنِ بِفَتْحِ التاءِ؛ والياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ الناسُ فِيهِما؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في "اَلْأعْرافِ": "وَمِنها تَخْرُجُونَ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التاءَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وضَمَّها في الباقِي.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وقْتَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والسَبَبُ والمُرادُ: قُرَيْشٌ؛ ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ؛ ذَكَرَ النَقّاشُ ثَقِيفًا؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ وعامِرًا؛ والحارِثَ ابْنَيْ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّها كانَتْ عادَتَهُمْ؛ رِجالًا ونِساءً؛ وذَلِكَ غايَةٌ العارِ والعِصْيانِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الأرْبَعُ الآياتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أنْزَلْنا"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَدَرُّجَ؛ أيْ: لَمّا أنْزَلْنا المَطَرَ؛ فَكانَ عنهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ؛ قالَ عَنِ اللِباسِ: "أنْزَلْنا"؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ - يَصِفُ مَطَرًا -: أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِن سَحابِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ أيْ: بِالمالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "خَلَقْنا"؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ بِـ "أنْزَلْنا"؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ ﴾ ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ ؛ وأيْضًا فَخَلْقُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأفْعالُهُ تَعالى إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ؛ والمَنزِلَةِ؛ و"لِباسًا"؛ عامٌّ في جَمِيعِ ما يُلْبَسُ؛ و"يُوارِي"؛ يَسْتُرُ؛ وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "سَوْءاتِكم وزِينَةً ولُبْسُ التَقْوى"؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِباسُ التَقْوى خَيْرٌ ذَلِكُمْ"؛ ويُرْوى عنهُ: "ذَلِكَ"؛ وسَقَطَتْ "ذَلِكَ"؛ اَلْأُولى؛ وقَرَأ سَكَنٌ النَحْوِيُّ: "وَلَبُوسُ التَقْوى"؛ بِالواوِ؛ مَرْفُوعَةَ السِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَرِيشًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ فِيما رَوى عنهُ أبُو عَمْرٍو أيْضًا؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ؛ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ؛ وقَتادَةُ: "وَرِياشًا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: رَواها عنهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما عِبارَتانِ عن سَعَةِ الرِزْقِ؛ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ؛ ووُجُودِ المَلْبَسِ؛ والتَمَتُّعِ؛ وفَسَّرَهُ قَوْمٌ بِالأثاثِ؛ وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِالمالِ؛ وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ والضَحّاكُ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "اَلرِّيشُ": اَلْجَمالُ؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": جَمْعُ "رِيشٌ"؛ كَـ "بِيرٌ"؛ و"بِيارٌ"؛ و"ذِيبٌ"؛ و"ذِيابٌ"؛ و"لِصْبٌ"؛ و"لِصابٌ"؛ و"شِعْبٌ"؛ و"شِعابٌ"؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": مَصْدَرٌ مِن "أراشَهُ اللهُ تَعالى ؛ يَرِيشُهُ"؛ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ؛ والرِيشُ مَصْدَرٌ أيْضًا مِن ذَلِكَ؛ وفي الحَدِيثِ: « "رَجُلٌ راشَهُ اللهُ مالًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنَّ هَذا كُلَّهُ مِن مَعْنى رِيشِ الطائِرِ؛ ورِيشِ السَهْمِ؛ إذْ هو لِباسُهُ؛ وسُتْرَتُهُ؛ وعَوْنُهُ عَلى النُفُوذِ؛ و"راشَ اللهُ تَعالى "؛ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّها تُقْرَنُ بِـ "بَرى"؟
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طالَما قَدْ بَرَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وخَيْرُ المَوالِي مَن يَرِيشُ ولا يَبْرِي وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِباسَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "وَلِباسُ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَقِيلَ: هو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَهُوَ لِباسُ"؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"ذَلِكَ"؛ مُبْتَدَأٌ آخَرُ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُ "ذَلِكَ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُهُ؛ و"ذَلِكَ"؛ بَدَلٌ؛ أو عَطْفُ بَيانٍ؛ أو صِفَةٌ؛ وهَذا أنْبَلُ الأقْوالِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما أنْزَلَ؛ مِنَ اللِباسِ؛ والرِيشِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الإشارَةَ إلى ﴿ وَلِباسُ التَقْوى ﴾ ؛ أيْ: هو في العَبْدِ آيَةٌ؛ أيْ: عَلامَةٌ؛ وأمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عنهُ؛ ورَحِمَهُ؛ و"لَعَلَّهُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِهِمْ؛ ومَبْلَغِهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلْإيمانُ؛ وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: هو الحَياءُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هو العَمَلُ الصالِحُ؛ وقالَ أيْضًا: هو السَمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ؛ وقالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ عَلى المِنبَرِ؛ وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: هو خَشْيَةُ اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ؛ والسَمْتُ الحَسَنُ في الدُنْيا؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلْعِفَّةُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلسِّلاحُ؛ وآلَةُ الجِهادِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها مُثُلٌ؛ وهي مِن لِباسِ التَقْوى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُتَصَوَّرُ الصِفَةُ الَّتِي حَكاها أبُو عَلِيٍّ في قَوْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأسْماءَ تُوصَفُ بِمَعْنى الإشارَةِ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ هَذا"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "جاءَنِي زَيْدٌ المُشارُ إلَيْهِ"؛ فَعَلى هَذا الحَدِّ تُوصَفُ الأسْماءُ بِالمُبْهَماتِ؛ وأمّا قَوْلُهُ فِيهِ: عَطْفُ بَيانٍ؛ وبَدَلٌ؛ فَهُما واحِدٌ في اللَفْظِ؛ إنَّما الفارِقُ بَيْنَهُما في المَعْنى والمَقْصِدِ؛ وذَلِكَ أنَّكَ تُرِيدُ في البَدَلِ كَأنَّكَ أزَلْتَ الأوَّلَ؛ وأعْمَلْتَ العامِلَ في الثانِي؛ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ؛ وتُرِيدُ في عَطْفِ البَيانِ كَأنَّكَ أبْقَيْتَ الأوَّلَ؛ ثُمَّ ثَنَّيْتَهُ بِعَيْنِهِ في ذِكْرِ الثانِي؛ وإنَّما يَبِينُ الفارِقُ بَيْنَ البَدَلِ؛ وعَطْفِ البَيانِ؛ في مَسْألَةِ النِداءِ؛ إذا قُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدُ"؛ فالبَدَلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو عَلى هَذا الحَدِّ؛ بِرَفْعِ "زِيدُ"؛ لِأنَّكَ تُقَدِّرُ إزالَةَ " عَبْدَ اللهِ "؛ وإضافَةَ "يا"؛ إلى "زَيْدُ"؛ ولَوْ عَطَفْتَ عَطْفَ البَيانِ لَقُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدًا"؛ لِأنَّكَ أرَدْتَ بَيانَهُ؛ ولَمْ تُقَدِّرْ إزالَةَ الأوَّلِ؛ ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ: إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ ∗∗∗ لَقائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا و"نَصْرٌ"؛ اَلْأوَّلُ عَلى عَطْفِ البَيانِ؛ والثانِي عَلى البَدَلِ.
<div class="verse-tafsir"
إذا جرينا على ظاهر التّفاسير كان قوله: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ الآية استئنافاً ابتدائياً، عاد به الخطاب إلى سائر النّاس الذين خوطبوا في أوّل السّورة بقوله: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ [الأعراف: 3] الآيات، وهم أمّة الدّعوة، لأنّ الغرض من السّورة إبطال ما كان عليه مشركو العرب من الشّرك وتوابعه من أحوال دينهم الجاهلي، وكان قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ﴾ [الأعراف: 11] استطراداً بذكر منّة الله عليهم وهم يكفرون به كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولقد خلقناكم ﴾ فخاطبتْ هذه الآية جميع بني آدم بشيء من الأمور المقصودة من السّورة فهذه الآية كالمقدّمة للغرض الذي يأتي في قوله: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [الأعراف: 31] ووقوعها في أثناء آيات التّحذير من كيد الشّيطان جعلها بمنزلة الاستطراد بين تلك الآيات وإن كانت هي من الغرض الأصلي.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ وما أشبهه ممّا افتتح بقوله: ﴿ يا بني آدم ﴾ أربعَ مرّات، من جملة المقول المحكي بقوله: ﴿ قال فيها تحيون ﴾ [الأعراف: 25] فيكون ممّا خاطب الله به بني آدم في ابتداء عهدهم بعمران الأرض على لسان أبيهم آدمَ، أو بطريق من طرق الإعلام الإلهي، ولو بالإلهام، لما تَنشأ به في نفوسهم هذه الحقائق، فابتدأ فأعلمهم بمنَّته عليهم أن أنزل لهم لباساً يواري سَوْآتهم، ويتجمّلون به بمناسبة ما قصّ الله عليهم من تعري أبويهم حين بدت لهما سَوءاتُهما، ثمّ بتحذيرهم من كيد الشّيطان وفتنته بقوله: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ [الأعراف: 27] ثمّ بأن أمرهم بأخذ اللّباس وهو زينة الإنسان عند مواقع العبادة لله تعالى بقوله: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [الأعراف: 31]، ثمّ بأن أخذ عليهم العهد بأن يُصدّقوا الرّسل وينتفعوا بهديهم بقوله: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ﴾ [الأعراف: 35] الآية، واستطرد بين ذلك كلّه بمواعظ تنفع الذين قُصدوا من هذا القَصص، وهم المشركون المكذّبون محمّداً صلى الله عليه وسلم فهم المقصود من هذا الكلام كيفما تفنّنت أساليبه وتناسقَ نظمُه، وأيًّا ما كان فالمقصود الأوّل من هذه الخطابات أو من حكايتها هم مشركُو العرب ومكذّبو محمّد صلى الله عليه وسلم ولذلك تخللتْ هذه الخطاباتتِ مُستطرَدَاتٌ وتعريضاتٌ مناسبة لما وضعه المشركون من التّكاذيب في نقض أمر الفطرة.
والجُمل الثّلاث من قوله: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ وقوله ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ [الأعراف: 27] وقوله ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [الأعراف: 31] متّصلة تمام الاتّصال بقصّة فتنة الشّيطان لآدم وزوجه، أو متّصلة بالقول المحكي بجملة: ﴿ قال فيها تحيون ﴾ [الأعراف: 25] على طريقة تعداد المقول تعداداً يشبه التّكرير.
وهذا الخطاب يشمل المؤمنين والمشركين، ولكن الحظّ الأوفر منه للمشركين: لأنّ حظّ المؤمنين منه هو الشّكر على يَقينهم بأنّهم موافقون في شؤونهم لمرضاة ربّهم، وأمّا حظّ المشركين فهو الإنذار بأنّهم كافرون بنعمة ربّهم، معرّضون لسخطه وعقابه.
وابتُدئ الخطاب بالنّداء ليقع إقبالهم على ما بعده بشراشر قلوبهم، وكان لاختيار استحضارهم عند الخطاب بعنوان بني آدم مرّتين وقْع عجيب، بعد الفراغ من ذكر قصّة خلق آدم وما لقيه من وسوسة الشّيطان: وذلك أنّ شأن الذرّية أن تثأر لآبائها، وتعادي عدوّهم، وتحترس من الوقوع في شَرَكه.
ولمّا كان إلهام الله آدمَ أن يَستر نفسه بوَرق الجنّة مِنَّةٌ عليه، وقد تقلّدها بنوه، خوطب النّاس بشمول هذه المنّة لهم بعنوان يدلّ على أنّها منّةٌ موروثة، وهي أوقع وأدعى للشّكر، ولذلك سمّى تيسير اللّباس لهم وإلهامهم إياه إنزالاً، لقصد تشريف هذا المظهر، وهو أوّل مظاهر الحَضارة، بأنّه منزّل على النّاس من عند الله، أو لأنّ الذي كان مِنْهُ على آدم نزل به من الجنّة إلى الأرض التي هو فيها، فكان له في معنى الإنزال مزيد اختصاص، على أنّ مجرّد الإلهام إلى استعماله بتسخير إلهي، مع ما فيه من عظيم الجدوى على النّاس والنّفع لهم، يحسِّن استعارة فعل الإنزال إليه، تشريفاً لشأنه، وشاركه في هذا المعنى ما يكون من الملهمات عظيم النّفع، كما في قوله: ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للنّاس ﴾ [الحديد: 25] أي أنزلنا الإلهام إلى استعماله والدّفاععِ به، وكذلك قوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ [الزمر: 6] أي: خلَقها لكم في الأرض بتدبيره، وعلَّمكم استخدامها والانتفاعَ بما فيها، ولا يطرد في جميع ما أُلهم إليه البشر ممّا هو دون هذه في الجدوى، وقد كان ذلك اللّباس الذي نزل به آدم هو أصل اللّباس الذي يستعمله البشر.
وهذا تنبيه إلى أنّ اللّباس من أصل الفطرة الإنسانيّة، والفطرة أوّل أصول الإسْلام، وأنّه ممّا كرم الله به النّوع منذ ظهوره في الأرض، وفي هذا تعريض بالمشركين إذ جعلوا من قرباتهم نزع لباسهم بأن يحجّوا عُراة كما سيأتي عند قوله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ﴾ [الأعراف: 32] فخالفوا الفطرة، وقد كان الأمم يحْتفلون في أعياد أديانهم بأحسن اللّباس، كما حكى الله عن موسى عليه السّلام وأهل مصر: ﴿ قال موعدكم يوم الزينة ﴾ [طه: 59].
واللّباس اسم لما يلبَسه الإنسان أي يستُر به جزءاً من جسده، فالقميص لباس، والإزار لباس، والعمامة لباس، ويقال لبس التّاج ولبس الخاتم قال تعالى: ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ [فاطر: 12] ومصدر لبس اللّبس بضمّ اللاّم.
وجملة: ﴿ يواري سوآتكم ﴾ صفة (للباساً) وهو صنف اللّباس اللاّزم، وهذه الصّفة صفة مَدح اللّباس أي من شأنه ذلك وإن كان كثير من اللّباس ليس لمواراة السوآت مثل العمامة والبرد والقباء وفي الآيه إشارة إلى وجوب ستر العورة المغلظة، وهي السوأة، وأمّا ستر ما عداها من الرّجل والمرأة فلا تدلّ الآية عليه، وقد ثبت بعضه بالسنّة، وبعضه بالقياس والخوض في تفاصيلها وعللها من مسائل الفقه.
والرّيش لباس الزّينة الزائد على ما يستر العورة، وهو مستعار من ريش الطّير لأنّه زينته، ويقال للباس الزّينة رِياش.
وعطف (ريشاً) على: ﴿ لباساً يزارى سوآتكم ﴾ عطفَ صنف على صنف، والمعنى يَسَّرنا لكم لباساً يستركم ولباساً تتزيّنون به.
وقوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قرأه نافع، وابن عامر، والكسائي، وأبُو جعفر: بالنّصب، عطفاً على ﴿ لباساً ﴾ فيكون من اللّباس المُنْزَل أي الملهَم، فيتعيّن أنّه لباس حقيقة أي شيء يلبس.
والتّقوى، على هذه القراءة، مصدر بمعنى الوقاية، فالمراد: لَبوس الحرب، من الدّروع والجواشن والمغافر.
فيكون كقوله تعالى: ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ [النحل: 81].
والإشارة باسم الإشارة المفرد بتأويل المذكور، وهو اللّباس بأصنافه الثّلاثة، أي خير أعطاه الله بني آدم.
فالجملة مستأنفة أو حال من ﴿ لباساً ﴾ وما عطف عليه.
وقرأه ابن كثير، وعاصم، وحمزة، وأبو عمرو، ويعقوب، وخَلف: برفع ﴿ لباس التقوى ﴾ على أنّ الجملة معطوفة على جملة ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ ، فيجوز أن يكون المراد بلباس التّقوى مثل ما يرد به في قراءة النّصب، ويجوز أن يكون المراد بالتّقوى تقوى الله وخشيته، وأطلق عليها اللّباس إمّا بتخييل التّقوى بلباس يُلبس، وإمّا بتشبيه ملازمة تقوى الله بملازمة اللاّبس لباسه، كقوله تعالى: ﴿ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ [البقرة: 187] مع ما يحسِّن هذا الإطلاق من المشاكلة.
وهذا المعنى الرّفعُ أليقُ به.
ويكون استطراداً للتّحريض على تقوى الله، فإنّها خير للنّاس من منافع الزّينة، واسم الإشارة على هذه القراءة لتعظيم المشار إليه.
وجملة: ﴿ ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ﴾ استئناف ثان على قراءة: ﴿ ولباس التقوى ﴾ بالنّصب بأن استأنف.
بعد الامتنان بأصناف اللبّاس، استئنافين يؤذنان بعظيم النّعمة: الأوّل بأنّ اللّباس خير للنّاس، والثّاني بأنّ اللّباس آية من آيات الله تدلّ على علمه ولطفه، وتدلّ على وجوده، وفيها آية أخرى وهي الدّلالة على علم الله تعالى بأن ستكون أمّة يَغلب عليها الضّلال فيكونون في حجّهم عُراةً، فلذلك أكّد الوصاية به.
والمشار إليه، بالإشارة التي في الجملة الثّانية، عين المشار إليه بالإشارة التي في الجملة الأولى وللاهتمام بكلتا الجملتين جعلت الثّانية مستقلّة غير معطوفة.
وعلى قراءة رفع: ﴿ ولباس للتقوى ﴾ تكون جملة: ذلك من آيات الله استئناف واحداً والإشارة التي في الجملة الثّانية عائدة إلى المذكور قبلُ من أصناف اللّباس حتّى المجازي على تفسير لباس التّقوى بالمجازي.
وضمير الغيبة في: ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ التفات أي جعل الله ذلك آية لعلّكم تتذكّرون عظيم قدرة الله تعالى وانفراده بالخلق والتّقدير واللّطف، وفي هذا الإلتفات تعريض بمن لم يتذكر من بني آدم فكأنّه غائب عن حضرة الخطاب، على أنّ ضمائر الغيبة، في مثل هذا المقام في القرآن، كثيراً ما يقصد بها مشركو العرب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً ويَرَوْنَ أنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الطّاعَةِ وأعْظَمُ في القُرْبَةِ.
وَفي دُخُولِ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الثِّيابَ قَدْ دَنَّسَتْها المَعاصِي فَخَرَجُوا عَنْها.
والثّانِي: تَفاؤُلًا بِالتَّعَرِّي مِنَ الذُّنُوبِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا ﴾ أيُ ما تَلْبَسُونَ مِنَ الثِّيابِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنْزَلٍ مِنَ السَّماءِ.
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ يَنْبُتُ مِنَ المَطَرِ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ صارَ كالمُنْزَلِ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ هَذا مِن بَرَكاتِ اللَّهِ، والبَرَكَةُ تُنْسَبُ إلى أنَّها تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ .
ثُمَّ قالَ: ﴿ يُوارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ أيْ يَسْتُرُ عَوْراتِكم، وسُمِّيَتِ العَوْرَةُ سَوْأةً لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَها انْكِشافُها.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَرِيشًا ﴾ وهَذِهِ قِراءَةُ أهْلِ الأمْصارِ وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ: ( ورِياشًا ) وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَعاشُ، قالَهُ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ اللِّباسُ والعَيْشُ والنَّعِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الجَمالُ والزِّينَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ وجُهْدَ أعْوامٍ نَتَفْنَ رِيشِي يُرِيدُ أذْهَبْنَ جَمالِي وزِينَتِي.
والرّابِعُ: أنَّهُ المالُ: قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: فَرِيشِي مِنكم وهَوايَ مَعَكم ∗∗∗ وإنْ كانَتْ زِيارَتُكم لِمامًا وَفِي الرِّيشِ والرِّياشِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُما.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فالرِّيشُ ما بَطَنَ، والرِّياشُ ما ظَهَرَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ وفي لِباسِ التَّقْوى سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الإيمانُ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: الحَياةُ، قالَهُ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّمْتُ الحَسَنُ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ.
والخامِسُ: خَشْيَةُ اللَّهِ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
السّادِسُ: سَتْرُ العَوْرَةِ لِلصَّلاةِ الَّتِي هي التَّقْوى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: لِبْسُ ما يُتَّقى بِهِ الحَرُّ والبَرْدُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى لِباسِ التَّقْوى ومَعْنى الكَلامِ أنَّ لِباسَ التَّقْوى خَيْرٌ مِنَ الرِّياشِ واللِّباسِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن ﴿ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ( ذَلِكَ ) الَّذِي ذَكَرْتُهُ هو ( خَيْرٌ ) كُلُّهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة فلا يلبس أحدهم ثوباً طاف فيه ﴿ ورياشاً ﴾ قال: المال.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: نزلت في الحمس من قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من قبائل العرب الأنصار: الأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وبني عامر بن صعصعة، وبطون كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم، ولا يأتون البيوت إلا من أدبارها، ولا يضطربون وبراً ولا شعراً، إنما يضطربون الادم ويلبسون صبيانهم الرهاط، وكانوا يطوفون عراة إلا قريشاً، فإذا قدموا طرحوا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: هذه ثيابنا التي تطهرنا إلى ربنا فيها من الذنوب والخطايا، ثم قالوا لقريش: من يعيرنا مئزراً؟
فإن لم يجدوا طافوا عراة، فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ثيابهم التي كانوا وضعوا.
وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿ لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: الثياب ﴿ ورياشاً ﴾ قال: المال ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: خشية الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي في قوله: ﴿ لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: لباس العامة ﴿ وريشاً ﴾ قال: لباس الزينة ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: الإِسلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وريشاً ﴾ قال: المال واللباس والعيش والنعيم.
وفي قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: الإِيمان والعمل الصالح ﴿ ذلك خير ﴾ قال: الإِيمان والعمل خير من الريش واللباس.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ورياشاً ﴾ يقول: مالا.
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس ثوباً جديداً قال: «الحمد لله الذي كساني من الرياش ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الرياش: الجمال.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ وريشاً ﴾ قال: الرياش: المال قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: فرشني بخير طال ما قد ربيتني ** وخير الموالي من يريش ولا يبري وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ﴾ قال: هو اللباس ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: هو الإِيمان، وقد أنزل الله اللباس، ثم قال: خير اللباس التقوى.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد.
أنه قرأها ﴿ وريشاً ولباس التقوى ﴾ بالرفع.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وريشاً ﴾ بغير ألف ﴿ ولباس التقوى ﴾ بالرفع.
وأخرج ابن مردويه عن عثمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ ورياشاً ﴾ ولم يقل: وريشاً.
وأخرج ابن جرير عن زر بن حبيش.
إنه قرأها ﴿ ورياشاً ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن معبد الجهني في قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: هو الحياء، ألم تر أن الله قال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ﴾ فاللباس الذي يواري سوءاتكم: هو لبوسكم، والرياش المعاش، ولباس التقوى: الحياء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: يتقي الله فيواري عورته، ذلك لباس التقوى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: ما يلبس المتقون يوم القيامة ﴿ ذلك خير ﴾ من لباس أهل الدنيا.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ ولباس التقوى ذلك خير ﴾ قال: ما يلبس المتقون يوم القيامة خير مما يلبس أهل الدنيا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: السمت الحسن في الوجه.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من عبد عمل خيراً أو شراً إلا كسى رداه عمله حتى يعرفوه، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ ولباس التقوى ذلك خير...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: رأيت عثمان على المنبر قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد عملاً قط سراً إلا ألبسه الله رداه علانية إن خيراً فخير وإن شراً فشر» ثم تلا هذه الآية ﴿ ورياشاً ﴾ ولم يقل وريشاً ﴿ ولباس التقوى ذلك خير ﴾ قال: «السمت الحسن» .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: هي الثياب ﴿ ورياشاً ﴾ قال: المال ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: الإِيمان ﴿ ذلك خير ﴾ يقول: ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ قال: التقوى.
وفي قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ قال: الجن والشياطين.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن منبه ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ قال: النور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وقبيله ﴾ قال: نسله.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ﴾ قال: والله ان عدواً يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة إلا من عصم الله.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: سأل أن يرى ولا يرى، وأن يخرج من تحت الثرى، وإنه متى شاب عاد فتى فأجيب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مطرف.
أنه كان يقول: لو أن رجلاً رأى صيداً والصيد لا يراه فختله ألم يوشك أن يأخذه؟
قالوا: بلى.
قال: فإن الشيطان يرانا ونحن لا نراه، وهو يصيب منا.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: أيّما رجل منكم تخيل له الشيطان حتى يراه فلا يَصُدَّنَّ عنه، وليمضِ قدماً فإنهم منكم أشد فرقاً منكم منهم، فإنه إن صد عنه ركبه وإن مضى هرب منه.
قال مجاهد: فانا ابتليت به حتى رأيته، فذكرت قول ابن عباس، فمضيت قدماً فهرب.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن نعيم بن عمر قال: الجن لا يرون الشياطين بمنزلة الإِنس.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ الآية.
قال سعيد بن جبير: ( ﴿ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ ﴾ يعني: خلقنا لكم) (١) قال أبو علي: ( ﴿ أَنْزَلْنَا ﴾ هنا كقوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ أي: خلق) (٢) وقال صاحب النظم: (هذا من باب التدريج (٣) (٤) (٥) قال ابن عباس: ([و] (٦) ﴿ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ (٧) (٨) وقال الكلبي: (يعني: الثياب التي تستر العورة من العُري، وذلك لما ذكر من عُري آدم وحواء منّ علينا باللباس) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَرِيشًا ﴾ ، وقرئ: ﴿ وَرِياشًا ﴾ (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (كل شيء يعيش [به] (١٤) (١٥) قال ابن الأنباري: (يقال: هما المال، ويقال: هما المعاش) (١٦) وقال أبو عبيدة: (الريش (١٧) (١٨) (١٩) وقال رؤبة: إِلَيكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ ...
وَجَهد أَعْوَامٍ نَتَفْنَ ريِشي (٢٠) أي: ذهبن بخصبي وجدتي.
وقال الفراء: (يجوز أن يكون الرياش جمع الريش، ويجوز أن (٢١) (٢٢) وقال الزجاج: (الرياش: اللباس، والريش: كل ما ستر الرجل في معيشته، يقال: تريش فلان أي: صار له ما يعيش به) (٢٣) وأنشد (٢٤) فَرِيشي (٢٥) (٢٦) (٢٧) فأما المفسرون فقال ابن عباس (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ وَرِيشًا ﴾ يعني: مالًا).
وقال الكلبي: (المعيشة والمال) (٣٢) وقال ابن زيد: (الريش: الجمال) (٣٣) (٣٤) ﴿ يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ ، والريش والرياش: الذي يتجملون به من الثياب) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ قُرئ (٣٦) ﴿ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ على هذا مبتدأ وخبره ﴿ خَيْرٌ ﴾ ، ومن رفع قطع اللباس من الأول واستأنف به فجعله مبتدأ، وقوله ﴿ ذَلِكَ ﴾ على هذا صفة (٣٧) (٣٨) ﴿ خَيْرٌ ﴾ خبر اللباس (٣٩) ﴿ ذَلِكَ ﴾ أشير به إلى اللباس كأنه قيل: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ المشار إليه ﴿ خَيْرٌ ﴾ \[وقولنا: يجوز أن يكون بدلاً أو عطف بيان؛ لأن المعنى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ خير\] (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ ذَلِكَ ﴾ مترجمًا عنه وبيانًا له، وهذا كله معنى قول الزجاج (٤٣) (٤٤) (٤٥) وأما معنى ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ ، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد.
إن ستر عوراتكم بعضكم من بعض من التقوى فلا تطوفوا عراة) (٤٦) (٤٧) [قال ابن زيد: (هو ستر العورة؛ يتقي الله فيواري عورته)، وقال الزجاج: (أي] (٤٨) ﴿ لِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ أي: اللباس الذي أنزل الله تعالى ليواري سوءاتكم هو ﴿ لِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ ) (٤٩) (٥٠) ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ هو اللباس الأول، وإنما أعاده الله لما أخبر عنه بأنه خير من التعري إذ كان جماعة من أهل الجاهلية يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت، فجرى هذا في التنكير مجرى قول القائل: (قد عرَّفتُك الصدقَ وأبوابَ (٥١) (٥٢) وقال قتادة (٥٣) (٥٤) (٥٥) ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ : الإيمان).
وقال ابن عباس في رواية عطية، (٥٦) ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ : العمل الصالح) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقال الكلبي: ( ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ : العفاف والتوحيد؛ لأن المؤمن لا تبدو له عورة، وإن كان عاريًا من الثياب، والفاجر لا يزال تبدو (٦١) (٦٢) وقال معبد (٦٣) (٦٤) (٦٥) إني كأنّي أرَى مَنْ لاَ حَيَاءَ لَهُ ...
وَلاَ أَمَانَةَ بين النَّاسِ (٦٦) قال أبو علي: (معنى الآية وتأويله: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله مما خلق له من اللباس والرياش الذي يتجمل به، قال: وأضيف اللباس إلى ﴿ التَّقْوَى ﴾ ، كما أضيف إلى الجوع في قوله: ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ ﴾ (٦٧) (٦٨) ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ أي: أزكى عند الله) (٦٩) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ ، قال الكلبي: (يعني: اللباس والرياش ﴿ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ ) (٧٠) (٧١) (٧٢) وقال غيره: (أي: إنزاله اللباس وخلقه إياه مما يدل على توحيده) (٧٣) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: كي (٧٤) (٧٥) (١) ذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 184.
وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 51، و"البحر المحيط" 4/ 282.
(٢) "الحجة" لأبي علي 4/ 12.
(٣) ذكر نحوه مكي في "المشكل" 1/ 286، والماوردي 2/ 213، وابن عطية 5/ 470، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في "الفتاوى" 12/ 254 - 257: (قد تبين أنه ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول المعروف، وهذا هو اللائق بالقرآن، فإنه نزل بلغة العرب ولا تعرف العرب نزولًا إلا بهذا المعنى ولو أريد غير هذا المعنى لكان خطابًا بغير لغتها، ومما يبين هذا أنه لم يستعمل فيما خلق من السفليات، وإنما استعمل فيما يخلق في محل عال، وأنزله الله من ذلك المحل كالحديد والأنعام، وقد قيل فيه: خلقناه، وقيل: أنزلنا أسبابه، وقيل: ألهمناهم كيفية صنعته، وهذا الأقوال ضعيفة، واللباس والرياش ينزل من ظهور الأنعام، وكسوة الأنعام منزلة من الأصلاب والبطون، فهو منزل من الجهتين، فإنه على ظهور الأنعام لا ينتفع به حتى ينزل) اهـ.
ملخصًا.
(٤) في (ب): (لما كان لسبب مما ينزل).
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 168 - 169.
(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٧) ذكره أكثر أهل التفسير بدون نسبة.
انظر: "تفسير الثعلبي" 189 أ، والماوردي 2/ 213، والبغوي 3/ 221، وابن عطية 5/ 470، وسيأتي مزيد بيان له في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ .
(٨) "تفسير مجاهد" 1/ 223، وأخرجه الطبري 8/ 146، 147، وابن أبي حاتم 5/ 1456 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 140.
(٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 168، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 181 بدون نسبة.
(١٠) قرأ الجمهور (السبعة): ﴿ وَرِيشًا ﴾ بإسكان الياء من غير ألف، وقرأ جماعة منهم: عثمان وعلي وابن عباس والحسن، وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما: ﴿ ورياشا ﴾ بفتح الياء وألف بعدها، وهو إما جمع ريش، أو مصدر راش ريشًا ورياشًا.
انظر: "تفسير الطبري" 8/ 147، و"إعراب النحاس" 1/ 606، و"معاني القراءات" 1/ 402، و"إعراب القراءات" 1/ 178، و"مختصر الشواذ" ص 48، و"التذكرة" 2/ 417، و"تفسير ابن عطية" 5/ 471، و"البحر المحيط" 4/ 282، و"الدر المصون" 5/ 287.
(١١) بنو كلاب: بطن من عامر بن صعصعة، كانت ديارهم في جهات المدينة ثم انتقلوا إلى الشام.
انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 365.
(١٢) الوِثَار، بالفتح والكسر: الفراش الوطيء.
انظر: "اللسان" 8/ 4763 (وثر)، وجاء في (أ): (أو دثار)؛ والدثار، بفتح الدال المشددة: ما يتدثر به والثوب الذي == يستدفأ به فوق الشَّعار.
انظر: "اللسان" 3/ 1326 (دثر)، والنص في "تهذيب اللغة" 2/ 1147.
وانظر: "إصلاح المنطق" ص30، وذكر مثله ابن جني في "المحتسب" 1/ 246 عن أبي الحسن الأخفش.
(١٣) في (ب): (النبات)، وهو تصحيف.
(١٤) لفظ: (به) ساقط من (ب).
(١٥) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 51، وفي "مجالس ثعلب" 1/ 35، قال: (الريش والرياش: اللباس الحسن) اهـ.
وفي "تهذيب اللغة" 2/ 1318، عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (راش فلان صديقه يريشه ريشًا: إذا جمع الرَّيش وهو المال والأثاث) اهـ.
(١٦) انظر: "الزاهر" 1/ 250 - 251، وفيه قال: (الرياش في قول جماعة من المفسرين: المال، وكذلك الريش، والرياش: المعاش، ويقال: الرياش ما ستر الإنسان وواراه، وقد تريش الرجل معناه: قد صار إلى معاش ومال) اهـ.
ملخصًا.
(١٧) في "مجاز القرآن" 1/ 213: (الرياش والريش واحد وهو ..).
وأيضًا قال: (والرياش أيضًا الخصب والمعاش) اهـ.
ومثله ذكر السجستاني في "نزهة القلوب" ص 251.
(١٨) الشارة: الحُسن والهيئة واللباس، وما يلبس من عمامة ونحوهما.
انظر: "اللسان" 4/ 2357 (شور).
(١٩) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).
(٢٠) "ديوانه" ص 78، وقد تقدم تخريجه.
(٢١) في "معاني الفراء" 1/ 375، قال: (وإن شئت جعلت الرياش مصدرًا في معنى الريش) اهـ.
(٢٢) ذكر نحوه الطبري في "تفسيره" 8/ 147، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 178، وابن جني في "المحتسب" 1/ 246، والريش اسم لهذا الشيء المعروف، أو مصدر راشه يريشه ريشًا إذا جعل فيه الرَّيش.
قال السمين في "الدر" 5/ 287: (ينبغي أن يكون الريش مشتركًا بين المصدر والعين، وهذا هو التحقيق) اهـ.
(٢٣) "معاني الزجاج" 2/ 328.
(٢٤) الشاهد لجرير في "ديوانه" ص 410، وللراعي النميري، أيضًا في "ديوانه" ص 243، و"الكتاب" 3/ 187، وبلا نسبة في: "الزاهر" 1/ 250، و"معاني النحاس" 3/ 23، و"الماوردي" 2/ 214، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 375، و"ابن الجوزي" 3/ 182، و"القرطبي" 7/ 184، و"رصف المباني" ص 394، و"اللسان" 7/ 4234 (معع)، و"الدر المصون" 5/ 287، واللمَّام: الشيء اليسير، انظر: "لسان العرب" 7/ 4079 (لمم).
(٢٥) في (ب): (وريشي) بالواو وهي كذلك في "ديوان جرير"، والراعي وبعض المراجع، وفي هامش نسخة (أ): (وهواي فيكم بدل معكم)، وهو كذلك في "ديوان جرير".
(٢٦) "تفسير غريب القرآن" ص 176، ونحوه ذكر اليزيدي في "غريب القرآن" ص 145، ومكي في "تفسير المشكل" ص 84.
(٢٧) انظر: "العين" 2/ 283، و"الجمهرة" 2/ 736، و"الصحاح" 3/ 1008، و"مقاييس اللغة" 2/ 466، و"المجمل" 2/ 409، و"المفردات" ص 372، و"اللسان" 3/ 1792 (ريش).
وقال النحاس في "معانيه" 3/ 23: (الريش عند أكثر أهل اللغة ما ستر من لباس أو معيشة) اهـ.
وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 182: (على قول الأكثرين الريش والرياش بمعنى) اهـ.
وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 12/ 255: (الصحيح أن الريش هو الأثاث والمتاع) اهـ.
(٢٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند جيد، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 86، و"مسائل نافع بن الأزرق" ص 87، وذكر البخاري في "صحيحه" 5/ 195، عن ابن عباس قال: ( ﴿ ورياشا ﴾ : المال) وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1457 بسند جيد.
وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 148، وابن أبي حاتم 5/ 1457 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (الرياش: اللباس والعيش والنعيم) اهـ.
انظر: "الدر المنثور" 3/ 141، ولعله يقصد باللباس هنا لباس الزينة والجمال؛ لأن اللباس الضروري لستر العورة ذكر في الآية قبل ذلك، وهذا لا يختلف مع تفسير الريش بالمال، لأنه هو وسيلة الحصول على لباس الزينة والعيش النعيم.
(٢٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 23، وفي تفسير مجاهد 1/ 233 (الرياش المال) اهـ.
(٣٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند ضعيف، بلفظ: (رياشا)، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1457 عن مجاهد والضحاك.
(٣١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند جيد بلفظ: (رياشًا) وذكره الثعلبي في "تفسيره" 189 أ، والبغوي 3/ 222، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي == والسدي، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند ضعيف عن عروة بن الزبير، وقال سفيان الثوري في "تفسيره" ص 112: (الريش: المال، والرياش: الثياب) اهـ، وذكر هود الهواري في "تفسيره" 2/ 12 عن الحسن أنه قال: (الريش: المال والمتاع) اهـ.
(٣٢) "تنوير المقباس" 2/ 86.
(٣٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148، وابن أبي حاتم 5/ 1457 بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم: (الرياش).
(٣٤) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين المدني، إمام زاهد فقيه، فصيح، ثقة، وهو الذي ينسب إليه الزيدية، خرج في خلافة هشام بن عبد الملك فقتل بالكوفة سنة 122 هـ، وكان مولده سنة ثمانين من الهجرة.
انظر: "وفيات الأعيان" 5/ 122، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 389، و "تهذيب التهذيب" 1/ 668، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 6/ 17، و"الأعلام" 3/ 59.
(٣٥) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1456 بسند ضعيف.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 141، وفي "تفسير غريب القرآن" لزيد بن علي ص 139، قال: (الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، والرياش أيضًا: المعاش والخِصْب) اهـ.
(٣٦) قرأ نافع وابن عامر والكسائي ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ بنصب ﴿ وَلِبَاسُ ﴾ وقرأ الباقون بالرفع.
انظر: "السبعة" ص 280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 417، و"التيسير" ص 109، و"النشر" 2/ 268.
(٣٧) وأكثرهم على أنه صفة، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 375، والطبري في "تفسيره" 8/ 150، والأزهري في "معاني القراءات" 1/ 403، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 178، و"الحجة" ص 154.
وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 606: (أولى ما قيل في النصب أنه معطوف، و ﴿ ذَلِكَ ﴾ مبتدأ، وأولى ما قيل في الرفع أن ترفعه بالابتداء و ﴿ ذَلِكَ ﴾ نعته) اهـ.
(٣٨) نقل قول الواحدي السمين في "الدر" 5/ 288، وقال: (قوله: (لغو) هو قريب من القول بالفصل؛ لأن الفصل لا محل له من الإعراب على قول الجمهور) اهـ، والذي قال هو فصل الحوفي كما ذكره أبو حيان في "البحر" 4/ 283، والرماني كما ذكره الهمداني في "الفريد" 2/ 286.
وقال ابن هشام في "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 108 - 109: (وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدًا وبعضهم يسميه لَغْوا ولكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب) اهـ.
(٣٩) هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" 4/ 12 - 13، واختيار أبي حيان في "البحر" 4/ 283، والسمين في "الدر" 5/ 288، أن يكون ﴿ وَلِبَاسُ ﴾ مبتدأ، و ﴿ ذَلِكَ ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿ خَيْرٌ ﴾ خبر الثاني، والجملة خبر الأول، والرابط هنا اسم الإشارة.
قال السمين: (وهذا الوجه هو أوجه الأعاريب في هذه الآية الكريمة) اهـ، وانظر: "وضح البرهان" للغزنوي 1/ 357.
(٤٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 472.
(٤١) في (أ): (ولذلك).
(٤٢) قرأ عبد الله بن مسعود وأبى - ما-: (ولباس التقوى خير).
ذكره == الفراء في "معانيه" 1/ 375، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 178، و"مختصر الشواذ" ص 48، وذكرها النحاس في "معانيه" 3/ 24 عن الأعمش.
(٤٣) "معاني الزجاج" 2/ 328، وفيه ﴿ ذَلِكَ ﴾ صفة.
(٤٤) "الحجة" 4/ 12 - 13، وانظر "الحجة" لابن زنجلة ص280.
(٤٥) ذكره السمين في "الدر" 5/ 288 - 289، ونحوه ذكر مكي في "الكشف" 1/ 461، وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 652.
(٤٦) لم أقف عليه.
(٤٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 150، وابن أبي حاتم 5/ 1458 بسند جيد.
(٤٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤٩) "معاني القرآن" 2/ 329.
(٥٠) وعليه يكون ﴿ وَلِبَاسُ ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: هو، وقوله ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ جملة أخرى من مبتدأ وخبر، وقدره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 606، ومكي في "المشكل" 1/ 286، وستر العورة لباس المتقين، وانظر: "البيان" 1/ 358 ، و"التبيان" 1/ 371، و"الفريد" 2/ 286، و"الدر المصون" 5/ 288.
(٥١) في (ب): (واثواب).
(٥٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 169، والبغوي 3/ 222، وابن الجوزي 3/ 183، وقال القرطبي 7/ 185، وأبو حيان في "البحر" 4/ 283: (قال ابن زيد: هو ستر العورة، وهذا فيه تكرار؛ لأنه قد قال: ﴿ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ ) اهـ.
(٥٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 141.
(٥٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149 بسند جيد.
(٥٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "الكشف" 189 أ، والماوردي في "تفسيره" 2/ 214، والبغوي 3/ 222، عن قتادة والسدي، وذكره ابن الجوزي 3/ 183 عن قتادة والسدي وابن جريج.
(٥٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149، وابن أبي حاتم 5/ 1457 بسند ضعيف.
(٥٨) لم أقف عليه، وفي "الوسيط" للمؤلف 1/ 170 عن سعيد بن جبير قال: (السمت الحسن)، وجاء في أصل نسخة: (أ) سعيد بن جريج، ثم ضرب عليه وصحح إلى ابن جبير.
(٥٩) الذيال بن عمرو، تابعي روى عنه محمد بن موسى، وعبد الله بن داود الواسطي، وذكر ابن الأثير في "الكامل" 4/ 339 في حوادث سنة 71 هـ الذيال الكلبي، ولم أجد له سوى ما ذكرت.
انظر: "تهذيب الكمال" 4/ 468، وتعليق الشيخ أحمد شاكر الملحق في "تفسير الطبري" 12/ 589 (7).
(٦٠) أي عن ابن عباس - ما- كما هو ظاهر رواية الطبري في "تفسيره" 8/ 149، وذكره الثعلبي في "الكشف" ص 189، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 183، وابن كثير 2/ 323.
(٦١) في (أ): (يبدوا).
(٦٢) في "تنوير المقباس" 2/ 86، قال: (التوحيد والعفة)، وذكر الواحدي في "الوسيط" 1/ 170، والبغوي في "تفسيره" 3/ 222، وابن الجوزي 3/ 183 عنه قال: (العفاف).
(٦٣) معبد الجهني، يقال: هو معبد بن خالد، أو معبد بن عبد الله، نزيل البصرة، تابعي، صدوق مبتدع، وهو أول من أظهر القدر بالبصرة، وقد نهى جماعة من التابعين عن مجالسته وقالوا عنه: هو ضال مضل، قتل سنة 80 هـ، انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 185، و"البداية والنهاية" 9/ 34، و"تهذيب التهذيب" 4/ 115.
(٦٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149، وابن أبي حاتم 5/ 1458 من عدة طرق جيدة، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 250، والسيوطي في "الدر" 3/ 142.
(٦٥) الشاهد لسَوَّار بن مُضَرَّب في "النوادر" لأبي زيد ص 45، و"الحماسة" لأبي تمام 2/ 138، وبلا نسبة في "غريب القرآن" ص177، و"تفسير السمرقندي" 1/ 536، والثعلبي ص 189/ أ، وابن الجوزي 3/ 183.
(٦٦) في المصادر السابقة (وسط الناس) بدل (بين الناس).
(٦٧) "الحجة" لأبي علي 4/ 13.
(٦٨) هذا نص كلام ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص 165، والأحسن في معنى الآية العموم، فكل ما يحصل به الاتقاء المشروع فهو من لباس التقوى، وهو يصدق على كل ما فيه تقوى الله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال، فهي كلها مثل ومن لباس التقوى، وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 151، وابن عطية 7/ 39 - 40، والقرطبي 7/ 185، وأبو حيان 4/ 283.
(٦٩) لم أقف عليه.
(٧٠) لم أقف عليه.
(٧١) لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 87: ( ﴿ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ من عجائب الله) اهـ.
(٧٢) انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 182.
(٧٣) ذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" 2/ 33، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 151، والسمرقندي 1/ 536.
(٧٤) في (ب): (كي يتعطفوا) وهو تحريف.
(٧٥) "تنوير المقباس" 2/ 87.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَاسَمَهُمَآ ﴾ أي حلف لهما: إنه لمن الناصحين وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما: وأقسما له أن يقبلا نصيحته ﴿ فدلاهما ﴾ أي أنزلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ أي غرّهما بحلفه لهما لأنهما ظنا أنه لا يحلف كاذباً ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما ﴾ أي زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل: كان لباسهما نور يحول بينهما وبين النظر ﴿ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ﴾ أي يصلان بعضه ببعض ليستترا به ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير واسطة ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ اعتراف وطلب للمغفرة والرحمة، وتلك هي الكلمات التي تاب الله عليه بها ﴿ اهبطوا ﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾ أي في الأرض ﴿ لِبَاساً ﴾ أي الثياب التي تستر، ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل: المراد أنزلا ما يكون عنه اللباس وهو المطر، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة ﴿ وَرِيشاً ﴾ أي لباس الزينة وهو مستعار من ريش الطائر ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ لباساً كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه، وقيل: لباس التقوى ما يتقي به في الحرب من الدروع وشبهها، وقرئ بالرفع على الابتداء أو خبره الجملة، وهي: ذلك خير ﴿ ذلك مِنْ آيَاتِ الله ﴾ الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه الآية واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت وخصف الورق عليها ليبين إنعامه على ما خلق من اللباس و ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ أي كان سبباً في نزع لباسهما عنهما ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ يعني غالب الأمر، وقد استدل به من قال: إن الجن لا يُرَوْن وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر؛ جمعا بينها وبين الأحاديث.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ورياشا ﴾ أبو زيد عن المفضل.
الباقون ﴿ ريشاً ﴾ ﴿ ولباس ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ.
الباقون بالرفع.
﴿ خالصة ﴾ بالرفع: نافع.
الآخرون بالنصب ﴿ ربي الفواحش ﴾ مرسلة الباء: حمزة.
الوقوف: ﴿ وريشاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولباس ﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿ التقوى ﴾ ﴿ خير ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ سوآتهما ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أمرنا بها ﴾ ط ﴿ بالفحشاء ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ط ﴿ تعودون ﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿ الضلالة ﴾ ج ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام.
﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ من الرزق ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ أجل ﴾ ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا ﴾ وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى.
ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى.
ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ ﴿ وأنزلنا الحديد ﴾ والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال ﴾ ومن قرأ ﴿ رياشاً ﴾ فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب.
وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر.
ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش.
وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال.
أما قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي ﴿ ذلك خير ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو ﴿ خير ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير.
والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة.
ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده.
أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب.
أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة.
ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان.
وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.
وقيل: هو السمت الحسن.
وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً.
وقال معبد: هو الحياء.
وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات.
وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴾ ﴿ وذلك من آيات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.
ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.
وقال الخليل: الفتن الإحراق.
وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله : ﴿ يوم هم على النار يفتنون ﴾ من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر.
ومحل ﴿ كما أخرج ﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة.
ومحل ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما.
واللام في ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ﴿ ليبدي لهما ﴾ قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.
وعن عائشة ا ما رأيت منه ولا رأى مني.
وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم.
واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر.
وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.
وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان.
وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي.
ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً.
والقبيل بنو أب واحد.
وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده.
وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته.
﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون.
قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.
وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس.
قال بعض العلماء: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة.
ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد.
وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى.
وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.
والضمير في ﴿ إنه ﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ الآية.
واحتج أهل السنة على أنه هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟
وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب.
وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها.
ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ ؟
والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً.
وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله بذاته وأفعاله وأحكامه.
أما قوله: ﴿ وأقيموا ﴾ فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا ﴿ وجوهكم ﴾ أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ﴿ عند كل مسجد ﴾ في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي.
ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء.
وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة.
ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ وانتصاب ﴿ فريقاً ﴾ الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به.
قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة.
وأجيب بأن قوله: ﴿ هدى ﴾ و ﴿ حق ﴾ ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال.
ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.
ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين.
ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله .
*** وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد.
وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.
وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية.
قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله : ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ يعني الثياب.
وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.
والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة.
وقيل: الزينة المشط.
وقيل: الطيب.
ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ.
فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته.
قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة.
وأجيب بأن اللام في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟
أما قوله: ﴿ وكلوا ﴾ أي اللحم والدسم.
﴿ واشربوا ﴾ فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة.
وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين.
أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل.
والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.
وفي قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.
الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها.
وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله لهم.
قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي.
وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان.
فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.
قال: وما هي؟
قال: قوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة.
قال: وما هي؟
قال: قوله: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.
قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة.
وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب.
عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام.
قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات.
فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة.
فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك.
فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك.
فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة.
فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله .
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة.
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم.
قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله.
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.
قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة.
ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي.
واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام.
قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله أعلم.
ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ﴾ وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر.
قال أبو علي: أو على الخبر ﴿ والذين آمنوا ﴾ متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿ يوم القيامة ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ آمنوا ﴾ و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ خالصة ﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار.
وعلى الأول يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة.
ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.
ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والإثم ﴾ وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر.
وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم.
وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: ﴿ والبغي بغير الحق ﴾ ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة.
فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال.
ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة.
وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول.
وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال.
وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل.
ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال.
وليس المراد أنه لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً.
والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته.
قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ؟
وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى.
التأويل: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ هو لباس الشريعة ﴿ يواري ﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿ وريشاً ﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ ولباس التقوى ﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي.
فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ ذلك خير ﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.
﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿ كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ وجوار الحق ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ ليريهما سوآتها ﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿ وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني.
﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء ﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة.
﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿ قالوا إنا وجدنا آباءنا ﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿ والله أمرنا ﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ ﴿ كما بدأكم ﴾ لطفاً أو قهراً ﴿ تعودون ﴾ إليه.
فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿ خذوا زينتكم ﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في مقام العندية كما قال: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية.
﴿ زينة الله ﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ﴿ الفواحش ﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام ﴿ ما ظهر منها ﴾ ارتكاب المناهي ﴿ وما بطن ﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ ما ظهر منها ﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿ وما بطن ﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ ما ظهر منها ﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿ وما بطن ﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين.
﴿ والإثم ﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿ والبغي ﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه.
وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿ وأن تقولوا ﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿ على الله ما لا تعلمون ﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين ﴿ ولكل أمة ﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ﴾ .
قال ابن عباس - - والحسن: أنزلنا ماء القراح من السماء ليتخذ منه اللباس ما يواري عوراتهم، ويتخذ منه الطعام والأشياء التي بها قوام أنفسهم.
ويحتمل قوله: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً ﴾ أنزل الماء والأسباب التي بها يتخذ اللباس والأطعمة والأشربة، والعلم في ذلك الماء والأسباب، والعلم بذلك، وإلا ما عرف الخلق أن كيف يتخذ ذلك لباساً والأطعمة والأشربة.
وفيه دليل إثبات الرسالة؛ لأنهم لم يعرفوا ذلك إلا بوحي من السماء.
أو أن يكون قوله: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً ﴾ ، أي: جعل لكم وأنشأ لكم ما تتخذون منه اللباس والطعام والشراب ليس على الإنزال، ولكن على أن جعل لكم ذلك؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ ، أي أنشأ لكم ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ﴾ ، وهو أن خلق لنا ذلك.
وفيه دليل خلق أفعال الخلق؛ لأنه إنما صار طعاماً بفعل من العباد [لا] أنه أنزل من السماء هكذا، ثم أخبر أنه جعل ذلك لنا، دل أنه خلق فعل الخلق فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِيشاً ﴾ ، قال بعضهم.
مالاً.
وقال بعضهم: معاشا.
وقال القتبي: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، وريش ما ستر به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .
في حرف ابن مسعود - -: ﴿ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ ، بالرفع على الابتداء أي لباس التقوى خير، ومن نصبه - أيضاً - فإنما ينصبه على الجواب لما تقدم؛ وإلا الحق فيه الرفع.
ثم اختلف فيه أهل التأويل قال الحسن: لباس التقوى: الدين.
وقال أبو بكر الأصم: القرآن.
وقيل: العفاف.
وقيل: الحياء.
وقيل: الإيمان، فكله واحد، أي: كل ما ذكر من لباس التقوى خير من اللباس الذي ذكر؛ لأن الدين والإيمان والقرآن والحياء يزجره ويمنعه من المعاصي فهو خير لأنه لباس في الدنيا والآخرة؛ لأن المؤمن التقي العفيف الحيي لا يبدو له عورة، وإن كان عارياً من الثياب [وأن الفاجر لا يزال] تبدو منه عورته، وإن كان كاسياً من الثياب، لا يتحفظ في لباسه؛ [فلباس] التقوى خير، وهو كقوله ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هذا التأويل للقراءة التي تقرأ بالرفع: ﴿ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ على الابتداء.
وأمّا من قرأ بالنصب فهو رده إلى قوله: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً ﴾ ، ثم أنزلنا عليكم - أيضاً - لباساً تتقون به الحرّ والبرد والأذى؛ فيكون فيه ذكر لباس سائر البدن، وفي الأول ذكر لباس العورة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ الذي اتخذ منه اللباس والأطعمة والأشربة من آيات الرسالة؛ لأن كل ذلك إنما عرف بالرسل بوحي من السماء، وهو ما ذكرنا أن فيه دليل إثبات الرسالة.
ويحتمل ذلك من آيات الله أي: من آيات وحدانية الله وربوبيته؛ لما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما؛ دل ذلك أن منشئهما ومدبرهما واحد؛ لأنه لو كان تدبير اثنين، ما اتسق تدبيرهما؛ لاتصال منافع أحدهما بالآخر.
وقوله - عز جل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .
أي: لعلهم يوفقون للتذكير، ولعلهم يتقون، أي: لعلهم يوفقون للتقوى، ولعلهم يوفقون للشكر لأنه حرف شك هذا يحسن أن يقال، والله أعلم، أو نقول: لكي يلزمهم التذكر والتشكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ .
قال بعضهم: خاطب به أهل مكة في تكذيبهم رسول الله ومخالفتهم أمره في ألاّ يخرجكم من الأمن والسعة، كما أخرج أبويكم من دار الأمن والسعة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ أي: احذروا دعاءه إلى ما يدعوكم إليه؛ فإنه يمنع عنكم في الآخرة الكرامة والثواب؛ كما أخرج أبويكم من دار الكرامة والمنزلة.
وقال أهل التأويل ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، أي: لا يضلنكم الشيطان ويغويكم، كما فعل بأبويكم: أخرجهما من الجنة.
وقال آخرون: قوله: ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ بما تهوى أنفسكم، ومالت إلى شهواتها وأمانيها، كما أخرج أبويكم من الجنة بما [هوته أنفسهما، واشتهائهما] يحذرهم اتباع هوى النفس وشهواتها وأمانيها؛ فإن السبب الذي به كان إخراجهما هو هوى النفس وأمانيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَنزِعُ ﴾ \[أي: نزع\] عنهما لباسهما وهذا في القرآن كثير يفعل بمعنى فعل.
ويحتمل على الإضمار؛ كأنه قال: أراد أن ينزع عنهما لباسهما؛ ليريهما سوءاتهما، وقد ذكر أن المفروض من الستر هو ستر العورة لا غير، احتيج إليه أو لم يحتج، وأمّا غيره من الستر فإنما هو لدفع الأذى من الحرّ والبرد [أو للتجمل] والمفتون بالشيء هو المشغوف به والمولع به.
يقول: لا يمنعنكم عن دخول الجنة، كما أخرج أبويكم من الجنة، وكان قصده ما ذكر من نزع اللباس وإبداء العورة وهو ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ .
قيل: قبيله: جنوده وأعوانه، حذرنا إبليسَ وأعوانَه؛ بما يروننا ولا نراهم، فإن قيل: كيف كلفنا محاربته، وهو [بحيث لا نراه وهو يرانا ومثله في غيره من الأعداء لا يكلفنا محاربة من لا نراه أو لا نقدر القيام بمحاربته وليس في وسعنا القيام بمحاربة من لا نراه قيل إنه لم يكلفنا محاربة أنفسهم؛ إذ لم يجعل] له السطان على أنفسنا وإفساد مطاعمنا ومشاربنا وملابسنا، ولو جعل لهم لأهلكوا أنفسنا وأفسدوا غذاءنا، إنما جعل له السلطان في الوساوس فيما يوسوس في صدورنا، وقد جعل لنا السبيل إلى معرفة وساوسه بالنظر والتفكر، نحو قوله: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، وقوله - -: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ \[المؤمنون: 97\]، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ ﴾ علمنا ما به ندفع وساوسه وهمزاته، وجعل لنا الوصول إلى دفع وساوسه بحجج وأسباب جعلت لنا، فهذا يدل على أن الله يجوز أن يكلفنا بأشياء لم يعطنا أسباب تلك الأشياء، بعد أن جعل في وسعنا الوصول إلى تلك الأسباب، وإن لم يكن [لنا] وقت التكليف تلك الأسباب، من نحو: الأمر بالصلاة، وإن لم نكن على الطهارة؛ إذ جعل في وسعنا الوصول إلى الطهارة، ونحو الأمر بأداء الزكاة، وإن لم يكن وقت الأمر من نؤدي إليه حاضراً، أو نحو الأمر بالحج وغيره من العبادات، وإن كان لا يصل إلى أداء ما افترض عليه إلا بعد أوقات مع احتمال الشدائد، وهذا يرد - أيضاً - على من يقول: إنه لا يلزم الأوامر والمناهي من جهلها، ولا يكلف إلا بعد العلم بها؛ لأنه يتكلف حتى لا يلزمه فرض من فرائض الله وعبادة من عباداته؛ لأنه لا يكسب أسباب العلم؛ لئلا يلزمه ذلك، فهذا بعيد محال، والوجه في ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
اختلف أهل الاعتزال فيه؛ قال أبو بكر الأصم: الجعل من الله على وجوه: أحدها: السبب أي: أعطينا لهم السبب الذي به صاروا أولياء لهم، كما يقول الرجل لآخر: جعلتُ لك الدار والعبيد والمال، وهو لم يجعل له ذلك، ولكن أعطاه ما به صار ذلك، وهو إنما أعطاه سبب ذلك؛ فيضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك ما أضاف الجعل إليه؛ لما أعطاه السبب.
وقال جعفر بن حرب: "الجعل" هو التخلية، خلى بينهم وبين أولئك؛ فأضاف ذلك إليه بالجعل، كما يقال للرجل: جعلت عبدك قتالاً ضراباً، إذا خلى بينه وبين ما يفعله، وهو قادر على منعه؛ [عن ذلك] فعلى ذلك فبما أضاف الجعل إلى نفسه: هو أن خلى بينهم وبين أولئك، يعملون ما شاءوا.
وقال الحسن: من حكم الله أن من عصى يكون عدوّاً له، ومن أطاع يكون وليّاً له، ومن أطاع الشيطان فهو وليه، ومن عصاه يكون عدوّاً له؛ فكذا حكم الله - - في كل من أطاعه يكون وليّاً له، ومن عصاه يكون عدوّاً له.
وقال غيرهم من المعتزلة قوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: وجدناهم كذلك أولياء لهم.
ولكن لو جاز إضافة ذلك إلى الله - - كما ذكر هؤلاء - لجاز إضافة ذلك إلى الأنبياء؛ لأنه قد كان منهم التخلية في ذلك، والتسمية لهم بذلك، والحكم على ما قال الحسن، فإذا لم يجز إضافة ذلك إليهم؛ دل أنه قد كان من الله في ذلك صنع لم يكن ذلك من الأنبياء، وهو أن خلق منهم فعل الولاية لهم؛ لما علم منهم أنهم يختارون ولايتهم ويتولونهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ ، وبالله العصمة والنجاة.
<div class="verse-tafsir"
يا بني آدم، قد جعلنا لكم لباسًا ضروريًّا لستر عوراتكم، وجعلنا لكم لباسًا كماليًّا تتجَمَّلون به في الناس، ولباس التقوى -التي هي امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه- خير من هذا اللباس الحسي، ذلك المذكور من اللباس من آيات الله الدالة على قدرته، لعلكم تتذكرون نعمه عليكم فتشكرونها.
<div class="verse-tafsir" id="91.j2Ono"