الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٧ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 101 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى محذرا بني آدم من إبليس وقبيله ، ومبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ، عليه السلام ، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم ، إلى دار التعب والعناء - والتسبب في هتك عورته بعدما كانت مستورة عنه ، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة ، وهذا كقوله تعالى : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) [ الكهف : 50 ] .
القول في تأويل قوله : يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا بني آدم، لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوءاتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم, كما فعل بأبويكم آدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما، فأخرجهما بما سبَّب لهما من مكره وخدعه، من الجنة, ونـزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس، ليريهما سوءاتهما بكشف عورتهما، وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترةً.
* * * وقد بينا فيما مضى أن معنى " الفتنة "، الاختبار والابتلاء، بما أغنى عن إعادته.
(35) * * * وقد اختلف أهل التأويل في صفة " اللباس " الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه نـزعه عن أبوينا، وما كان.
فقال بعضهم: كان ذلك أظفارًا.
* ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك: 14451- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن عكرمة: (ينـزع عنهما لباسهما)، قال: لباس كل دابة منها, ولباس الإنسان الظُّفر, فأدركت آدم التوبة عند ظُفُره = أو قال: أظفاره.
14452- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الحميد الحماني, عن نضر أبي عمر, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: تركت أظفاره عليه زينة ومنافع، في قوله: (ينـزع عنهما لباسهما).
(36) 14453- حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال، أخبرنا مخلد بن الحسين, عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس في قوله: (ينـزع عنهما لباسهما)، قال: كان لباسهما الظفر ، فلما أصابا الخطيئة نـزع عنهما, وتركت الأظفار تذكرة وزينة.
14454- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سماك, عن عكرمة في قوله: (ينـزع عنهما لباسهما)، قال: كان لباسه الظفر, فانتهت توبته إلى أظفاره.
* * * وقال آخرون: كان لباسهما نورًا.
* ذكر من قال ذلك: 14455- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن وهب بن منبه: (ينـزع عنهما لباسهما)، النور.
14456- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو قال، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: (ينـزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما) قال: كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما, لا يرى هذا عورة هذه, ولا هذه عورة هذا.
* * * وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: (ينـزع عنهما لباسهما)، يسلبهما تقوى الله.
* ذكر من قال ذلك: 14457- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا مطلب بن زياد, عن ليث, عن مجاهد: (ينـزع عنهما لباسهما)، قال: التقوى.
(37) 14458- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن ليث, عن مجاهد: (ينـزع عنهما لباسهما)، قال: التقوى.
14459- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن ليث, عن مجاهد, مثله.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى حذر عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء, وأن يجرِّدهم من لباس الله الذي أنـزله إليهم, كما نـزع عن أبويهم لباسهما." اللباس " المطلق من الكلام بغير إضافة إلى شيء في متعارف الناس, وهو ما اجتابَ فيه اللابس من أنواع الكُسي, (38) أو غطى بدنه أو بعضه.
وإذ كان ذلك كذلك, فالحق أن يقال: إن الذي أخبر الله عن آدم وحواء من لباسهما الذي نـزعه عنهما الشيطان، هو بعض ما كانا يواريان به أبدانهما وعوْرَتهما .
وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظفرًا= ويجوز أن يكون كان ذلك نورًا = ويجوز أن يكون غير ذلك = ولا خبر عندنا بأيِّ ذلك تثبت به الحجة, فلا قول في ذلك أصوب من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه: (ينـزع عنهما لباسهما) .
* * * وأضاف جل ثناؤه إلى إبليس إخراجَ آدم وحواء من الجنة, ونـزعَ ما كان عليهما من اللباس عنهما، وإن كان الله جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهما عقوبة على معصيتهما إياه, إذ كان الذي كان منهما في ذلك عن تسْنيةِ ذلك لهما بمكره وخداعه, (39) فأضيف إليه أحيانًا بذلك المعنى, وإلى الله أحيانًا بفعله ذلك بهما.
* * * القول في تأويل قوله : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: إن الشيطان يراكم هو= و " الهاء " في" إنه " عائدة على الشيطان = و " قبيله "، يعني: وصنفه وجنسه الذي هو منه واحدٌ جمع جيلا (40) وهم الجن، كما:- 14460- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, قوله: (إنه يراكم هو وقبيله)، قال: الجن والشياطين.
14461- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إنه يراكم هو وقبيله)، قال: " قبيله "، نسله.
* * * وقوله: (من حيث لا ترونهم)، يقول: من حيث لا ترون أنتم، أيها الناس، الشيطان وقبيله =(إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون)، يقول: جعلنا الشياطين نُصراء الكفار الذين لا يوحِّدون الله ولا يصدقون رسله.
(41) ----------------- الهوامش : (35) انظر تفسير (( الفتنة )) فيما سلف 11 : 388 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(36) الأثر : 14452 - (( عبد الحميد الحماني )) هو (( عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني )) ، مضى برقم : 718 ، 7863 .
و (( نضر ، أبو عمر )) هو (( النضر بن عبد الرحمن )) ، أبو عمر الخراز ، مضى أيضًا برقم 718 ، 10373 ، وكان في المطبوعة : (( نصر بن عمر )) ، غير ما في المخطوطة ، وهو فيها : (( نصر أبي عمر )) ، غير منقوطة .
(37) الأثر : 14457 - (( مطلب بن زياد بن أبي زهير الثقفي )) ، قال ابن سعد : (( كان ضعيفًا في الحديث جدًا )) ، وقال ابن عدي : (( وله أحاديث حسان وغرائب ، ولم أر له منكرًا ، وأرجو أنه لا بأس به )) .
مترجم في التهذيب ، والبخاري في الكبير 4 / 2 / 8 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4 /1 / 360 ، وذكر أن أحمد ويحيى بن معين وثقا .
وقال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ، ولا يحتج به )) .
(38) في المطبوعة : (( هو ما اختار فيه اللابس من أنواع الكساء )) ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، فغير كما سلف قريبًا ، فرددتها إلى أصلها .
وقوله : (( اجتاب فيه اللابس )) ، أدخل (( فيه )) مع (( اجتاب )) ، وهو صحيح في قياس العربية ، لأنهم قالوا : (( اجتاب الثوب والظلام )) ، إذا دخل فيهما ، فأعطى (( اجتاب )) معنى (( دخل )) ، فألحق بها حرف الجر ، لمعنى الدخول .
(39) في المطبوعة : (( عن تسبيه ذلك لهما )) ، ولا معنى له ، وهو في المخطوطة غير منقوط ، وهذا صواب قراءته ، (( سنى له الأمر )) ، سهله ويسره وفتحه .
(40) في المطبوعة : (( الذي هو منه واحد جمعه قبل )) ، غير ما في المخطوطة ، وفي المخطوطة كما كتبتها ، إلا انه كتب (( صلا )) و (( الجيم )) بين القاف والجيم غير المنقوطة .
واستظهرت هذا من نص أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 213 ، وهو : (( أي : وجيله الذي هو منه )) ، ومن نص صاحب لسان العرب : (( ويقال لكل جمع من شيء واحد ، قبيل )) .
و (( الجيل )) كل صنف من الناس ، أو الأمة .
يقال : (( الترك جيل ، والصين جيل ، والعرب جيل ، والروم جيل )) ، وهم كل قوم يختصون بلغة ، وتنشأ من جمعهم أمة وصنف من الناس موصوف معروف .
(41) انظر تفسير (( ولي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .
قوله تعالى يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنونفيه مسألتان :الأولى قوله تعالى لا يفتننكم أي لا يصرفنكم الشيطان عن الدين ; كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة .
" أب للمذكر ، و " أبة " للمؤنث .
فعلى هذا قيل : أبوانينزع عنهما لباسهما ليريهما في موضع نصب على الحال .
ويكون مستأنفا فيوقف على من الجنة ليريهما نصب بلام كي .
وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة ; لقوله : ينزع عنهما لباسهما .
قال الآخرون : إنما فيه التحذير من زوال النعمة ; كما نزل بآدم .
هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا ، والأمر بخلاف ذلك .الثانية قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله قبيله جنوده .
قال مجاهد : يعني الجن والشياطين .
ابن زيد : قبيله نسله .
وقيل : جيله .من حيث لا ترونهم قال بعض العلماء : في هذا دليل على أن الجن لا يرون ; لقوله من حيث لا ترونهم قيل : جائز أن يروا ; لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى .
قال النحاس : من حيث لا ترونهم يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ; ليكون ذلك دلالة على نبوته ; لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه ، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم .
وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .
قال القشيري : أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم .
وفي الخبر إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .
وقال تعالى : الذي يوسوس في صدور الناس .
وقال عليه السلام : إن للملك لمة وللشيطان لمة - أي بالقلب - فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق .
وقد تقدم في " البقرة " وقد جاء في رؤيتهم أخبار [ ص: 168 ] صحيحة .
وقد خرج البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، وذكر قصة طويلة ، ذكر فيها أنه أخذ الجني الذي كان يأخذ التمر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ما فعل أسيرك البارحة .
وقد تقدم في " البقرة " وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة - في العفريت الذي تفلت عليه .
وسيأتي في " ص " إن شاء الله تعالى .إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون أي زيادة في عقوبتهم وسوينا بينهم في الذهاب عن الحق .
يقول تعالى، محذرا لبني آدم أن يفعل بهم الشيطان كما فعل بأبيهم: { يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ } بأن يزين لكم العصيان، ويدعوكم إليه، ويرغبكم فيه، فتنقادون له { كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ } وأنزلهما من المحل العالي إلى أنزل منه، فأنتم يريد أن يفعل بكم كذلك، ولا يألو جهده عنكم، حتى يفتنكم، إن استطاع، فعليكم أن تجعلوا الحذر منه في بالكم، وأن تلبسوا لَأْمَةَ الحرب بينكم وبيْنه، وأن لا تغفُلوا عن المواضع التي يدخل منها إليكم.
فـ { إِنَّهُ } يراقبكم على الدوام، و { يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ } من شياطين الجن { مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } فعدم الإيمان هو الموجب لعقد الولاية بين الإنسان والشيطان.
{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ }
( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ) لا يضلنكم الشيطان ، ( كما أخرج أبويكم ) أي : كما فتن أبويكم آدم وحواء فأخرجهما ، ( من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) ليرى كل واحد سوأة الآخر ، ( إنه يراكم ) يعني أن الشيطان يراكم يا بني آدم ، ( هو وقبيله ) جنوده .
قال ابن عباس : هو وولده .
وقال قتادة : قبيله : الجن والشياطين ، ( من حيث لا ترونهم ) قال مالك بن دينار : إن عدوا يراك ولا تراه لشديد الخصومة والمؤنة إلا من عصم الله ، ( إنا جعلنا الشياطين أولياء ) قرناء وأعوانا ، ( للذين لا يؤمنون ) وقال الزجاج : سلطانهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال : ( أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) مريم 83 .
«يا بني آدم لا يفتننَّكم» يضلكم «الشيطان» أي لا تتبعوه فتفتنوا «كما أخرج أبويكم» بفتنته «من الجنة ينزع» حال «عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه» أي الشيطان «يراكم هو وقبيله» جنوده «من حيث لا ترونهم» للطافة أجسادهم أو عدم ألوانهم «إنا جعلنا الشياطين أولياء» أعوانا وقرناء «للذين لا يؤمنون».
يا بني آدم لا يخدعنَّكم الشيطان، فيزين لكم المعصية، كما زيَّنها لأبويكم آدم وحواء، فأخرجهما بسببها من الجنة، ينزع عنهما لباسهما الذي سترهما الله به؛ لتنكشف لهما عوراتهما.
إن الشيطان يراكم هو وذريته وجنسه وأنتم لا ترونهم فاحذروهم.
إنَّا جعلنا الشياطين أولياء للكفار الذين لا يوحدون الله، ولا يصدقون رسله، ولا يعملون بهديه.
ثم أتبع القرآن النداء الأول بنداء آخر مبالغة فى وعظ بنى آدم وتذكيرهم بفضل الله عليهم ، فقال - تعالى - : ( يابني ءَادَمَ .
.
.
.
) .المعنى : يا بنى آدم لا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله ، بأن تمكنوه من أن يوقعكم فى المعاصى كما أوقع أبويكم من قبل فيها ، فكان ذلك سبباً فى خروجهما من الجنى التى كانا يتمتعان بنعيمها .وقوله : ( يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ ) جملة حالية من أبويكم .
أى أخرجهما من الجنة حال كونه نازعاً عنهما لباسهما .
وأسند النزع إلى الشيكان لأنه كان متسبباً فيه .
ثم أكد تحذيرهم من الشيطان بجملة تعليلية فقال : ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) أى : إن الشيطان وجنوده يرونكم يا بنى آدم وأنتم لا ترونهم ، فالجملة الكريمة تعليل للنهى السابق .
وهو قوله : ( لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ) وتأكيد للتحذير ، لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف ، ولذا قال مالك بن دينار : " إن عدواً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا على من عصمه الله " .وقوله : ( وَقَبِيلُهُ ) معطوف على الضمير المستتر فى قوله : ( يَرَاكُمْ ) المؤكد بقوله : ( هُوَ ) .قال الآلوسى ما ملخصه : والقضية مطلقة لا دائمة ، فلا تدل على ما ذهب إليه المعتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس أصلا ولا يتمثلون .
ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لأحدهم حين رام أن يشغله عن الصلاة فأمكنه الله منه ، وأراد أن يربطه فى سارية من سوارى المسجد ثم ذكر دعوة سليمان فى قوله : ( قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي ) فتركه .ثم بين - سبحانه - سنته فى خلقه فقال : ( إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) .
أى : إنا صيرنا الشياطين قرناء للذين لا يؤمنون ، مسلطين عليهم ، متمكنين من إغوائهم ، لأن حكمتنا اقتضت أن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن ، متجانسين مع الكافرين الذين هم شرار الإنس .وبذلك نرى أن الآية الأولى التى ورد فيها النداء الأول قد ذكرت بنى آدم بجانب من نعم الله عليهم ، ثم جاءت هذه الآية مصدرة بنداء آخر حذرتهم منه من وسوسة الشيطان ومداخله حتى لا يقعوا فيما وقع فيه أبوهم آدن من قبل .
اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم وبين فيهاشدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال: ﴿ يَذَّكَّرُونَ يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة ﴾ وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده ولطف وسوسته وشدة اهتمامه إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى.
فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان ﴾ فيترتب عليه أن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم، فترتب عليه خروجهما منها وأصل الفتون عرض الذهب على النار وتخليصه من الغش.
ثم أتى في القرآن بمعنى المحنة وهاهنا بحثان: البحث الأول: قال الكعبي: هذه الآية حجة على من نسب خروج آدم وحواء وسائر وجوه المعاصي إلى الشيطان وذلك يدل على أنه تعالى بريء منها.
فيقال له لم قلتم أن كون هذا العمل منسوباً إلى الشيطان يمنع من كونه منسوباً إلى الله تعالى؟
ولم لا يجوز أن يقال إنه تعالى لما خلق القدرة والداعية الموجبتين لذلك العمل، كان منسوباً إلى الله تعالى؟
ولما أجرى عادته بأنه يخلق تلك الداعية بعد تزيين الشيطان، وتحسينه تلك الأعمال عند ذلك الكافر، كان منسوباً إلى الشيطان.
البحث الثاني: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما أخرج آدم وحواء من الجنة، عقوبة لهما على تلك الزلة، وظاهر قوله: ﴿ إِنّى جاعل فِي الأرض خَلِيفَةً ﴾ يدل على أنه تعالى خلقهما لخلافة الأرض وأنزلهما من الجنة إلى الأرض لهذا المقصود.
فكيف الجمع بين الوجهين؟
وجواب: أنه ربما قيل حصل لمجموع الأمري، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: ﴿ الجنة يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ حال، أي أخرجهما نازعاً لباسهما وأضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأن كان بسبب منه، فأسند إليه كما تقول أنت فعلت هذا؟
لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب.
وإن لم يباشره، وكذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أسند إليه.
البحث الثاني: اللام في قوله: ﴿ لِيُرِيَهُمَا ﴾ لام العاقبة كما ذكرنا في قوله: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يرى آدم سوأة حواء وترى حواء سوأة آدم.
البحث الثالث: اختلفوا في اللباس الذي نزع منهما فقال بعضهم إنه النور، وبعضهم التقى، وبعضهم اللباس الذي هو ثياب الجنة وهذا القول أقرب لأن إطلاق اللباس يقتضيه والمقصود من هذا الكلام، تأكيد التحذير لبني آدم، لأنه لما بلغ تأثير وسوسة الشيطان في حق آدم مع جلالة قدره إلى هذا الحد فكيف يكون حال آحاد الخلق؟
ثم أكد تعالى هذا التحذير بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ ﴾ يعني إبليس ﴿ هُوَ وَقَبِيلُهُ ﴾ أعاد الكناية ليحسن العطف كقوله: ﴿ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة ﴾ .
البحث الثاني: قال أبو عبيدة عن أبي زيد: القبيل الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتي، وجمعه قبل.
والقبيلة: بنو أب واحد.
وقال ابن قتيبة، قبيله أصحابه وجنده، وقال الليث: ﴿ هُوَ وَقَبِيلُهُ ﴾ أي هو ومن كان من نسله.
البحث الثالث: قال أصحابنا: إنهم يرون الأنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس، وقالت المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن، رقة أجسام الجن ولطافتها.
والوجه في رؤية الجن للإنس، كثافة أجسام الإنس، والوجه في أن يرى بعض الجن بعضاً، أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه، ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم، فعلى هذا كون الإنس مبصراً للجن موقوف عند المعتزلة إما على زيادة كثافة أجسام الجن، أو على زيادة قوة أبصار الإنس.
البحث الرابع: قوله تعالى: ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ يدل على أن الإنس لا يرون الجن لأن قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص، قال بعض العلماء ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا وأرادوا، لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس، فلعل هذا الذي أشاهده وأحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جنى صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتي وعلى هذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص، وأيضاً فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس وإزالة العقل عنهم مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الإنس، فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشر؟
وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد، لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى، ولما لم يوجد شيء من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه.
ويتأكد هذا بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى ﴾ قال مجاهد: قال إبليس اعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فقد احتج أصحابنا بهذا النص على أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان الرجيم عليهم حتى أضلهم وأغواهم، قال الزجاج: ويتأكد هذا النص بقوله تعالى: ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين ﴾ قال القاضي: معنى قوله: ﴿ جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ هو أنا حكمنا بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن، قال ومعنى قوله: ﴿ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين ﴾ هو أنا خلينا بينهم وبينهم، كما يقال فيمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل؛ إنه أرسل عليه كلبه.
والجواب: أن القائل إذا قال: إن فلاناً جعل هذا الثوب أبيض أو أسود، لم يفهم منه أنه حكم به، بل يفهم منه أنه حصل السواد أو البياض فيه، فكذلك هاهنا وجب حمل الجعل على التأثير والتحصيل، لا على مجرد الحكم، وأيضاً فهب أنه تعالى حكم بذلك، لكن مخالفة حكم الله تعالى توجب كونه كاذباً وهو محال، فالمفضي إلى المحال محال، فكون العبد قادراً على خلاف ذلك، وجب أن يكون محالاً.
وأما قوله أن قوله تعالى: ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين ﴾ أي خلينا بينهم وبين الكافرين فهو ضعيف أيضاً، ألا ترى أن أهل السوق يؤذي بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، ثم إن زيداً وعمراً إذا لم يمنع بعضهم عن البعض.
لا يقال أنه أرسل بعضهم على البعض، بل لفظ الإرسال إنما يصدق إذا كان تسليط بعضهم على البعض بسبب من جهته، فكذا هاهنا.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان ﴾ لا يمتحننكم بأن لا تدخلوا الجنة، كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ حال، أي أخرجهما نازعاً لباسهما، بأن كان سبباً في أن نزع عنهما ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ ﴾ تعليل للنهي وتحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدوّ المداجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون.
وعن مالك بن دينار: إنّ عدواً يراك ولا تراه، لشديد المؤنة إلاَّ من عصم الله ﴿ وَقَبِيلُهُ ﴾ وجنوده من الشياطين، وفيه دليل بَيِّنٌ أن الجنّ لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن أظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدّعي رؤيتهم زور ومخرقة ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي خلينا بينهم وبينهم لم نكفهم عنهم حتى تولوهم وأطاعوهم فيما سولوا لهم من الكفر والمعاصي، وهذا تحذير آخر أبلغ من الأول.
فإن قلت: علام عطف وقبيله؟
قلت: على الضمير في يراكم المؤكد بهو، والضمير في إنه للشأن والحديث، وقرأ اليزيدي: ﴿ وقبيله ﴾ بالنصب وفيه وجهان: أن يعطفه على اسم إنّ، وأن تكون الواو بمعنى مع، وإذا عطفه على اسم إن وهو الضمير في إنه، كان راجعاً إلى إبليس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ ﴾ لا يُمْحِنَنَّكم بِأنْ يَمْنَعَكم دُخُولَ الجَنَّةِ بِإغْوائِكم.
﴿ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ ﴾ كَما مَحَنَ أبَوَيْكم بِأنْ أخْرَجَهُما مِنها، والنَّهْيُ في اللَّفْظِ لِلشَّيْطانِ، والمَعْنى نَهْيُهم عَنِ اتِّباعِهِ والِافْتِتانِ بِهِ.
﴿ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ﴾ حالٌ مِن أبَوَيْكم أوْ مِن فاعِلِ ﴿ أخْرَجَ ﴾ وإسْنادُ النَّزْعِ إلَيْهِ لِلتَّسَبُّبِ.
﴿ إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ مِن فِتْنَتِهِ، ﴿ وَقَبِيلُهُ ﴾ جُنُودُهُ ورُؤْيَتِهِمْ إيّانا مِن حَيْثُ لا نَراهم في الجُمْلَةِ لا تَقْتَضِي امْتِناعَ رُؤْيَتِهِمْ وتَمَثُّلِهِمْ لَنا.
﴿ إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بِما أوْجَدْنا بَيْنَهم مِنَ التَّناسُبِ، أوْ بِإرْسالِهِمْ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينِهِمْ مِن خِذْلانِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلى ما سَوَّلُوا لَهم.
والآيَةُ مَقْصُودُ القِصَّةِ وفَذْلَكَةُ الحِكايَةِ.
<div class="verse-tafsir"
يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
{يا بني آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة} لا يخدعنكم ولا يضلنكم بأن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} حال أي أخرجهما نازعاً لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما والنهي في الظاهر للشيطان وفي المعنى لبني آدم أي لا تتبعوا
الشيطان فيفتنكم {ليريهما سوآتهما} عوراتهما {إِنَّهُ} الضمير للشأن والحديث {يَرَاكُمْ هُوَ} تعليل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي يكيدكم من حيث لا تشعرون {وَقَبِيلُهُ} وذريته أو وجنوده من الشياطين وهو عطف على الضمير فى يراكم المؤكد بهو ولم يعطف عليه لأن معمول الفعل هو المستكن دون هذا البارز وإنما يعطف على ما هو معمول الفعل {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} قال ذو النون إن كان هو يراك من حيث لا تراه فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه وهو الله الكريم الستار الرحيم الغفار {إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} فيه دلالة خلق الافعال
﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما صَدَرَ بِهِ ﴿ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ لا يُوقِعَنَّكم في الفِتْنَةِ والمِحْنَةِ بِأنْ يُوَسْوِسَ لَكم بِما يَمْنَعُكم بِهِ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ فَتُطِيعُوهُ وقُرِئَ ( يُفْتِنَنَّكم ) بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أفْتَنَهُ حَمَلَهُ عَلى الفِتْنَةِ وقُرِئَ ( يَفْتِنُكم ) بِغَيْرِ تَوْكِيدٍ وهَذا نَهْيٌ لِلشَّيْطانِ في الصُّورَةِ والمُرادُ نَهْيُ المُخاطَبِينَ عَنْ مُتابَعَةِ وفِعْلِ ما يَقُودُ إلى الفِتْنَةِ ﴿ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ ﴾ أيْ كَما فَتَنَ أبَوَيْكم ومَحَنَهُما بِأنْ أخْرَجَهُما مِنها فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ فِتْنَةِ إخْراجِ أبَوَيْكم أوْ لا يُخْرِجَنَّكم بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ أبَوَيْكم ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ بِسَبَبِ إغْوائِهِ وكَذا نِسْبَةُ النَّزْعِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( أبَوَيْكم ) أوْ مِن فاعِلِ ( أخْرَجَ ) ولَفْظُ المُضارِعِ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِأنَّ النَّزْعَ السَّلْبُ وهو ماضٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الإخْراجِ وإنْ كانَ العُرْيُ باقِيًا.
وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ كَما هو مَعْرُوفٌ في الجُمْلَةِ المَصَدَّرَةِ بِإنَّ في أمْثالِهِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ لِأنَّ العَدُوَّ إذا أتى مِن حَيْثُ لا يُرى كانَ أشَدَّ وأخْوَفَ والضَّمِيرُ في ( إنَّهُ ) لِلشَّيْطانِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشَّأْنِ وهو تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( يَراكم ) وقَبِيلُهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ لا عَلى البارِزِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّأْكِيدِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ و( حَيْثُ ) ظَرْفٌ لِمَكانِ انْتِفاءِ الرُّؤْيَةِ وجُمْلَةُ ( لا تَرَوْنَهم ) في مَحَلِّ جَرٍّ بِالإضافَةِ: وعَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّ حَيْثُ مَوْصُولَةٌ وما بَعْدُ صِلَةٌ لَها ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ ذَلِكَ كالمَوْصُولِ وإلّا فَلا قائِلَ بِهِ غَيْرُهُ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والقَبِيلُ الجَماعَةُ فَإنْ كانُوا مِن أبٍ واحِدٍ فَهم قَبِيلَةٌ والمُرادُ بِهِمْ هُنا جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرَأ اليَزِيدِيُّ ( وقَبِيلَهُ ) بِالنَّصْبِ وهو عَطْفٌ عَلى اسْمِ إنَّ ويَتَعَيَّنُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلشَّيْطانِ ولا يَصِحُّ كَوْنُهُ لِلشَّأْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ العَطْفُ عَلَيْهِ ولا يُتْبَعُ بِتابِعٍ.
والقَضِيَّةُ مُطْلَقَةٌ لا دائِمَةٌ فَلا تَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ أصْلًا ولا يَتَمَثَّلُونَ.
ويَشْهَدُ لِما قُلْنا ما صَحَّ مِن رُؤْيَةِ النَّبِيِّ لِمَقْدَمِهِمْ حِينَ رامَ أنْ يَشْغَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ صَلاتِهِ فَأمْكَنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ وأرادَ أنْ يَرْبُطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ يَلْعَبُ بِهِ صِبْيانُ المَدِينَةِ فَذَكَرَ دَعْوَةَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَرَكَهُ ورُؤْيَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِجِنِّ نُصَيْبِينَ وما نُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ مَن زَعَمَ أنَّهُ رَآهم رُدَّتْ شَهادَتُهُ وعُزِّرَ لِمُخالَفَتِهِ القُرْآنَ مَحْمُولًا كَما قالَ البَعْضُ عَلى زاعِمِ رُؤْيَةِ صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْها إذْ رُؤْيَتُهم بَعْدَ التَّشَكُّلِ الَّذِي أقْدَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن ساداتِهِمْ وما نُوزِعَ بِهِ القَوْلُ بِقُدْرَتِهِمْ عَلى التَّشَكُّلِ مِنَ اسْتِلْزامِهِ رَفْعُ الثِّقَةِ بِشَيْءٍ فَإنَّ مَن رَأى ولَوْ ولَدَهُ يُحْتَمَلُ إنَّهُ رَأى جِنِّيًّا تَشَكَّلَ بِهِ مَرْدُودٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِعِصْمَتِها عَنْ أنْ يَقَعَ فِيها ما يُؤَدِّي لِمِثْلِ ذَلِكَ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الرِّيبَةُ في الدِّينِ ورَفْعُ الثِّقَةِ بِعالِمٍ وغَيْرِهِ فاسْتَحالَ شَرْعًا الِاسْتِلْزامُ المَذْكُورُ وقَوْلُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيُّ بَعْدَ تَعْرِيفِ الجِنِّ في سُورَتِهِمْ بِما عُرِّفَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ما رَآهم ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ وإنَّما اتَّفَقَ حُضُورُهم في بَعْضِ أوْقاتِ قِراءَتِهِ فَسَمِعُوها فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ناشِئٌ مِن عَدَمِ الاطِّلاعِ عَلى الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ المُصَرِّحَةِ بِرُؤْيَتِهِ لَهم وقِراءَتُهُ عَلَيْهِمْ وسُؤالُهم مِنهُ الزّادَ لَهم ولِدَوابِّهِمْ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وعِنْدِي أنَّهُ لا مانِعَ مِن رُؤْيَتِهِ لِلْجِنِّ عَلى صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْها فَقَدْ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ مَرَّتَيْنِ ولَيْسَتْ رُؤْيَتُهم بِأبْعَدَ مِن رُؤْيَتِهِ ورُؤْيَةُ كُلِّ مَوْجُودٍ عِنْدَنا في حَيِّزِ الإمْكانِ واللَّطافَةِ المانِعَةِ مِن رُؤْيَتِهِمْ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا تُوجِبُ الِاسْتِحالَةَ ولا تَمْنَعُ الوُقُوعَ خَرْقًا لِلْعادَةِ وكَذا تَعْلِيلُ الأشاعِرَةِ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ في عُيُونِ الإنْسِ قُوَّةَ الإدْراكِ لا يَقْتَضِي الِاسْتِحالَةَ أيْضًا لِجَوازِ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في عَيْنِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرّائِيَ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ عَلى الأصَحِّ لَيْلَةَ المِعْراجِ تِلْكَ القُوَّةَ فَيَراهم بَلْ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِرُؤْيَةِ الأوْلِياءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَهم كَذَلِكَ لَكِنْ لَمْ أجِدْ صَرِيحًا ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ وأمّا رُؤْيَةُ الأوْلِياءِ بَلْ سائِرِ النّاسِ لَهم مُتَشَكِّلِينَ فَكُتُبُ القَوْمِ مَشْحُونَةٌ بِها ودَفاتِرُ المُؤَرِّخِينَ والقُصّاصِ مَلْأى مِنها وعَلى هَذا لا يُفَسَّقُ مُدَّعِي رُؤْيَتِهِمْ في صُوَرِهِمُ الأصْلِيَّةِ إذا كانَتْ مَظِنَّةً لِلْكَرامَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن نَفْيِ رُؤْيَتِهِمْ كَذَلِكَ بِحَسَبِ العادَةِ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ خارِجَةً مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لِدَقِيقِ مَكْرِهِمْ وخَفِيِّ حِيَلِهِمْ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها نَفْيَ الرُّؤْيَةِ حَقِيقَةً ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِكُفْرِ مُدَّعِي تِلْكَ الرُّؤْيَةِ خارِجٌ عَنِ الإنْصافِ فَتَدَبَّرْ.
﴿ إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ (27) أيْ قُرَناءَ لَهم مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِن إغْوائِهِمْ بِما أوْجَدْنا بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ أوْ بِإرْسالِهِمْ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينِهِمْ مِنهم والجُمْلَةُ إمّا تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلنَّهْيِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ إثْرَ تَأْكِيدٍ وإمّا فَذْلَكَةٌ لِلْحِكايَةِ السّابِقَةِ.
<div class="verse-tafsir"
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يقول خلقنا لكم الثياب يُوارِي سَوْآتِكُمْ يعني يستر عوراتكم، ويقال معناه أنزلنا عليكم المطر ينبت لكم القطن والكتَّان لباساً لكم وَرِيشاً قرأ الحسن البصري ورياشاً بالألف.
وقرأ غيره وريشاً بغير ألف وقال القتبي: الريش والرياش ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به.
ويقال: الرياش: المال والمعاش.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.
قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبي أمامة عن عوف بن أبي جميلة عن معبد الجهني في قوله: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً قال: هو ما تلبسون ورياشاً قال المعاش وَلِباسُ التَّقْوى هو الحياء ذلِكَ خَيْرٌ أي لباس التقوى وهو الحياء خير من الثياب، لأن الفاجر إنْ كان حسن الثياب فإنه بادي العورة ألا ترى إلى قول الشاعر حيث يقول: إني كأني أرى من لا حياء له ...
ولا أمانة وسط القوم عريانا وقال القتبي: لِباسُ التَّقْوى أي ما ظهر عليه من السكينة والوقار والعمل الصالح كما قال: لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: 112] أي ما ظهر عليهم من سوء آثارهم وتغيُّر حالهم.
ويقال: لِباسُ التَّقْوى الإيمان.
ويقال: العفة.
قرأ نافع والكسائي وابن عامر لِباسُ التَّقْوى بالنصب يعني: أنزل لباس التقوى ومعناه: ستر العورة.
وقرأ الباقون بالضم لِبَاسُ على معنى الابتداء.
ويقال: فيه مضموم يعني: هو لِباسُ التَّقْوى ومعناه: ستر العورة أي لباسُ المتقين.
وقرأ عبد الله بن مسعود وَلِباسُ التَّقْوى خير.
وقال مجاهد: كان أناس من العرب يطوفون حول البيت عراة فنزل قوله تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً يعني: من المال.
ويقال: معنى قوله: ذلِكَ خَيْرٌ يعني: اللباس خير من تركه لأنهم كانوا يطوفون عراة.
قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي من نعم الله على الناس، ويقال: من عجائب الله ودلائله.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: يتّعظون.
قوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ يقول: لا يضلّنّكم الشيطان عن طاعتي فيمنعكم من الجنة كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ حين تركا طاعتي وعصيا أمري يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما يعني: لا يفتنّنكم الشيطان عن دينكم في أمر الثياب فينزعها عنكم، فتبدو عوراتكم، كما فعل بأبويكم، نزع عنهما لباسهما وأظهر عورتهما.
وقال بعض الحكماء: إنّ المعصية شؤم تضر بصاحبها فتجعله عرياناً كما فعلت بآدم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يعني: كونوا بالحذار منه، فإنه يراكم هو أي إبليس وجنوده من الشياطين من حيث لا ترونهم.
يعني: كونوا على حذر لأنه يجري من بني آدم مجرى الدم وذكر أن إبليس لما لعن قال رب: إنّك باعث إلى بني آدم رسلاً وكتباً، فما رسلي؟
قال: الكهنة.
قال: فما كتابي؟
قال: الوشم.
قال: فما قراءتي قال: الشعر قال: فما مسجدي؟
قال: السوق.
قال: فما مؤذني؟
قال: المزامير.
قال: فما بيتي؟
قال: الحمام.
قال: فما مصائدي؟
قال النساء.
قال: فما طعامي؟
قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: فما شرابي؟
قال: كل سكر.
قوله عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ يعني: قرناء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي لا يصدقون بالآخرة وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني: المشركين حرموا على أنفسهم أشياء قد أحل الله لهم، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، قالوا: لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها وكان رجالهم يطوفون بالنهار ونساؤهم بالليل وإذا طافت المرأة بالنهار اتخذت إزاراً من سير وكانت تبدو عورتها إذا مشت وكانت تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ...
فما بدا منه فلا أحله وإذا قيل لهم لم فعلتم هكذا قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها يعني: بتحريم هذه الأشياء وبالطواف عراة قال الله تعالى لمحمد : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أي المعاصي أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي أتكذبون على الله وتقولون بغير علم؟
ثم بيّن لهم ما أمرهم الله تعالى به.
فقال عز وجل: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي بالعدل والصواب.
وكلمة التوحيد وهي شهادة ألاّ إله إلاّ الله وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ أي: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وقل: أقيموا وجوهكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي حوّلوا وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلاة.
وقال الكلبي: يعني إذا حضرت الصلاة وأنتم في مسجد فصلوا فيه، فلا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي.
وإذا لم يكن في مسجد فليأت أي مسجد شاء.
قال مقاتل: يعني: حوّلوا وجوهكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يقول: وحدوه واعبْدُوه بالإخلاص.
ويقال: أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم، ويقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فأمرهم الله أن يوحّدوه في التلبية مخلصين له الدين.
ثم قال: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي ليس كما تشركون.
فاحتج عليهم بالبعث متصلاً بقوله: فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي ليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
وقال الحسن: كما خلقكم ولم تكونوا شيئا فأحياكم كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.
ويقال: كَما بَدَأَكُمْ يوم الميثاق من التصديق والتكذيب تَعُودُونَ إلى ذلك.
حيث قال: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي» .
ويقال: كَما بَدَأَكُمْ فخلقكم من التراب تَعُودُونَ تراباً بعد الموت.
وقال ابن عباس: كَما بَدَأَكُمْ مؤمناً وكافراً وشقياً وسعيداً كذلك تموتون عليه وتبعثون عليه.
ثم قال: فَرِيقاً هَدى وهم المؤمنون فعلم الله تعالى منهم الطاعة ويكرمهم بالمعرفة وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي وجب عليهم الضلالة، فخذلهم ولم يكرمهم بالتوحيد حيث علم منهم المعصية والكفر إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ يعني: لأنهم اتخذوا الشياطين أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: اتخذوهم أولياء وأطاعوهم بالمعصية وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ أي يظنون أنهم على الهدى.
قال الزجاج: فيه دليل أن من لا يعلم أنه كافر وهو كافر يكون كافراً لأن بعضهم قال: لا يكون كافراً وهو لا يعلم.
وذلك القول باطل لأن الله تعالى قال: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27] وقال: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقال الحَسَنُ «١» : هو الوَرَعُ.
وقال معبد الجهني: هو «٢» الحَيَاءُ.
وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً: لِبَاسُ التقوى العفة «٣» .
قال ع «٤» وهذه كلها مثل، وهي من لباس التقوى، ولَعَلَّهُمْ ترجّ بحسبهم، ومبلغهم من المعرفة.
يا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
وقوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ/ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الآية: خطاب لجميع العالم، والمقصود بها في ذلك الوَقْتِ مَنْ كان يطوف من العَرَبِ بالبيتِ عُرْيَاناً.
قيل: كانت العَرَبُ تَطُوفُ عُرَاةً إِلا الحُمْس «٥» ، وهم قريش، ومن وَالاَهَا، وهذا هو الصحيح، ثم نودي ب «مكة» في سنة تسع: لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان «٦» والفتنة في هذه الآية الاسْتِهْوَاءُ، والغَلَبَةُ على النفس، وأضاف الإِخْرَاجَ في هذه الآية إلى إبليس تجوُّزاً لما كان هو السَّبَب في ذلك.
قال أبو حيان «٧» : كَما أَخْرَجَ «كما» في موضع نَصْبٍ، أي: فتنة مثل فتنة إِخْرَاجِ أبويكم انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّهُ يَراكُمْ ...
الآية زيادة في التحذير، وإعلام بأن الله عز وجل قد مَكَّنَ إبليس من بَني آدَمَ في هذا القدر، وبحسب ذلك يَجِبُ أن يكون التّحرّز بطاعة الله عز وجل وقَبِيلُ الشيطانُ يُرِيدُ نوعه، وصنفه، وذريته، والشيطان مَوْجُودٌ، وهو جسم.
قال النووي «١» : وروينا في كتاب ابن السّني عن أَنَسٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«ستر ما بين أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ إِذَا أَراد أن يطرح ثِيَابَهُ:
بسم اللَّه الذي لا إله إِلاَّ هُوَ» «٢» انتهى.
وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ستر ما بين الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدَمَ إِذا دَخَلُوا الكُنُفَ أَن يقولوا: بسم اللَّه» .
رواه الترمذي، وقال: إسناده ليس بالقَوِيِّ «٣» .
قال النووي: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُسْتَحَبُّ العَمَلُ في الفَضَائِلِ، والترغيب، والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً وأما الأحكام كالحَلاَلِ، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك فلا يُعْمَلُ فيها إلا بالحديث الصحيح «٤» ، أو الحسن «٥» إلا أن يكون في احْتِيَاطٍ في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث
أحَدُها: أنَّهُ النُّورُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ كالظُّفْرِ؛ فَلَمّا أكَلا، لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما مِنهُ إلّا الظُّفْرُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ التَّقْوى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ مِن ثِيابِ الجَنَّةِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ﴾ أيْ: لَيُرِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْأةَ صاحِبِهِ.
﴿ إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: قَبِيلَهُ: الجِنُّ والشَّياطِينُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهُمُ اللهُ يَجْرُونَ مِن بَنِي آَدَمَ مَجْرى الدَّمِ، وصُدُورُ بَنِي آَدَمَ مَساكِنُ لَهم، فَهم يَرَوْنَ بَنِي آَدَمَ، وبَنُو آَدَمَ لا يَرَوْنَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، يَزِيدُونَ في غَيِّهِمْ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: جَعَلْناهم مُوالِينَ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عنهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِنَ حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَياطِينَ أولِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللهَ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ والمَقْصُودُ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ مَن كانَ يَطُوفُ مِنَ العَرَبِ بِالبَيْتِ عُرْيانًا؛ فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قُرَيْشٍ؛ وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قَبِيلَةٍ مِنَ اليَمَنِ؛ وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ عُراةً؛ إلّا الحُمْسُ وهم قُرَيْشٌ؛ ومَن والاها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَنُّوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ سَنَنًا عَظَّمُوا بِها حُرْمَتَهم كانَتْ هَذِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَكانَ العَرَبِيُّ إمّا أنْ يُعِيرَهُ أحَدٌ مِنَ الحُمْسِ ثَوْبًا؛ فَيَطُوفَ بِهِ؛ وإمّا أنْ يَطُوفَ في ثِيابِهِ؛ ثُمَّ يُلْقِيَها؛ وتَمادى الأمْرُ حَتّى صارَ عِنْدَ العَرَبِ قُرْبَةً؛ فَكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: نَطُوفُ عُراةً؛ كَما خَرَجْنا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِنا؛ ولا نَطُوفُ في ثِيابٍ قَدْ تَدَنَّسْنا فِيها بِالذُنُوبِ؛ ومَن طافَ في ثِيابِهِ فَكانَتْ سُنَّتُهم كَما ذَكَرْنا أنْ يَرْمِيَ تِلْكَ الثِيابَ؛ ولا يَنْتَفِعَ بِها؛ وتُسَمّى تِلْكَ الثِيابُ "اَللَّقى"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ لَقى بَيْنَ أيْدِي الطائِفِينَ حَرِيمُ وكانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ عُرْيانَةً؛ حَتّى كانَتْ إحْداهُنَّ تَقُولُ: اَلْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ونُودِيَ بِمَكَّةَ في سَنَةِ تِسْعٍ: "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ؛ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ".
و"اَلْفِتْنَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلِاسْتِهْواءُ والغَلَبَةُ عَلى النَفْسِ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "لا يَفْتِنَنَّكُمُ"؛ ﴾ نَهْيُ الشَيْطانِ؛ والمَعْنى: نَهْيُهم أنْفُسَهم عن الِاسْتِماعِ لَهُ؛ والطاعَةِ لِأمْرِهِ؛ كَما قالُوا: "لا أرَيَنَّكَ هَهُنا"؛ فَظاهِرُ اللَفْظِ نَهْيُ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ؛ ومَعْناهُ نَهْيُ الآخَرِ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ؛ وأضافَ الإخْراجَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى إبْلِيسَ؛ وذَلِكَ تَجَوُّزٌ؛ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ ساعِيًا في ذَلِكَ؛ ومُسَبِّبًا لَهُ؛ ويُقالُ: "أبٌ"؛ ولِلْأُمِّ: "أبَةٌ"؛ وعَلى هَذا قِيلَ: "أبَوانِ"؛ و"يَنْزِعُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "أخْرَجَ".
وتَقَدَّمَ الخِلافُ في اللِباسِ مِن قَوْلِ مَن قالَ: "اَلْأظْفارُ"؛ ومَن قالَ: "اَلنُّورُ"؛ ومَن قالَ: "ثِيابُ الجَنَّةِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: هي اسْتِعارَةٌ؛ وإنَّما أرادَ لُبْسَةَ التُقى المُنْزَلَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "إنَّهُ يَراكُمْ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ زِيادَةٌ في التَحْذِيرِ؛ وإعْلامٌ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ مَكَّنَ الشَيْطانَ مِنَ ابْنِ آدَمَ في هَذا القَدْرِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَحَذُّرُ بِطاعَةِ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والشَيْطانُ مَوْجُودٌ؛ قَدْ قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وهو جِسْمٌ؛ "وَقَبِيلُهُ"؛ يُرِيدُ: "نَوْعُهُ؛ وصِنْفُهُ؛ وذُرِّيَّتُهُ"؛ و"حَيْثُ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَمِّ؛ ومِنَ العَرَبِ مَن يَبْنِيها عَلى الفَتْحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ؛ قالَ الزَجّاجُ: ما بَعْدَها صِلَةٌ لَها؛ ولَيْسَتْ بِمُضافَةٍ إلَيْهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ ولَيْسَتْ "حَيْثُ" بِمَوْصُولَةٍ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عائِدٌ كَما في المَوْصُولاتِ؛ وهي مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها.
ثُمَّ أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ صَيَّرَ الشَياطِينَ أولِياءَ؛ أيْ: صَحابَةً ومُداخَلِينَ إلى الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا إيمانَ لَهُمْ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ "جَعَلَ"؛ هُنا؛ بِمَعْنى "وَصَفَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإذا فَعَلُوا"؛ ﴾ وما بَعْدَهُ؛ داخِلٌ في صِفَةِ "اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ"؛ لِيَقَعَ التَوْبِيخُ بِصِفَةِ قَوْمٍ جُعِلُوا مِثالًا لِلْمُوَبَّخِينَ؛ إذْ أشْبَهَ فِعْلُهم فِعْلَ المُمَثَّلُ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَقْطُوعَةً مِنَ الَّتِي قَبْلَها؛ ابْتِداءَ إخْبارٍ عن كُفّارِ العَرَبِ.
و"اَلْفاحِشَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ - وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا - هِيَ: كَشْفُ العَوْرَةِ عِنْدَ الطَوافِ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: في ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وكانَ قَوْلَ بَعْضِ الكُفّارِ: إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِهَذِهِ السُنَنِ الَّتِي لَنا؛ وشَرَعَها؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ ﴾ ؛ ثُمَّ وبَّخَهم عَلى كَذِبِهِمْ؛ ووَقَّفَهم عَلى قَوْلِهِمْ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ ولا دِرايَةَ لَهم فِيهِ؛ بَلْ هو دَعْوى؛ واخْتِلاقٌ.
<div class="verse-tafsir"
أعيد خطاب بني آدم، فهذا النّداء تكملة للآي قبله، بُني على التّحذير من متابعة الشّيطان إلى إظهار كيده للنّاس من ابتداء خلقهم، إذ كاد لأصلهم.
والنّداء بعنوان بني آدم: للوجه الذي ذكرتُه في الآية قبلها، مع زيادة التّنويه بمنّة اللّباس توكيداً للتّعريض بحماقة الذين يحجّون عُراة.
وقد نهوا عن أن يفتنهم الشّيطان، وفتون الشّيطان حصول آثار وسوسته، أي لا تمكّنوا الشّيطان من أن يفتنكم، والمعنى النّهي عن طاعته، وهذا من مبالغة النّهي، ومنه قول العرب لاَ أعْرِفَنَّك تفعل كذا: أي لا تَفْعَلَن فأعْرِفَ فعلك، لا أرَيَنَّكَ هنا: أي لا تحضرن هنا فأراك، فالمعنى لا تطيعوا الشّيطان في فتْنِهِ فيفتنَكم ومثل هذا كناية عن النّهي عن فعل والنّهي عن التّعرّض لأسبابه.
وشُبّه الفتون الصّادر من الشّيطان للنّاس بِفَتنِهِ آدمَ وزوجَه إذْ أقدمهما على الأكل من الشجّرة المنهي عنه، فأخرجهما من نعيم كانا فيه، تذكيراً للبشر بأعظم فتنة فتن الشّيطان بها نوعهم، وشملتْ كلّ أحد من النّوع، إذ حُرم من النّعيم الذي كان يتحقق له لو بقي أبواه في الجنّة وتناسلا فيها، وفي ذلك أيضاً تذكير بأنّ عداوة البشر للشّيطان موروثة، فيكون أبعث لهم على الحذر من كيده.
و (ما) في قوله: ﴿ كما أخرج ﴾ مصدريّة، والجار والمجرور في موضع الصّفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ليفتننّكم، والتّقدير: فُتوناً كإخراجه أبويكم من الجنّة، فإنّ إخراجه إياهما من الجنّة فتون عظيم يشبه به فتون الشّيطان حين يراد تقريب معناه للبشر وتخويفهم منه.
والأبوان تثنية الأب، والمراد بهما الأبُ والأمّ على التّغليب، وهو تغليب شائع في الكلام وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولأبويه ﴾ في سورة النّساء (11).
وأطلق الأب هنا عن الجدّ لأنّه أب أعلى، كما في قول النبي: أنا ابن عبدِ المطّلب.
وجملة: ينزع عنهما لباسهما } في موضع الحال المقارنة من الضّمير المستتر في: ﴿ أخرج ﴾ أو من: ﴿ أبويكم ﴾ والمقصود من هذه الحال تفظيع هيئة الإخراج بكونها حاصلة في حال انكشاف سَوْآتهما لأنّ انكشاف السوءة من أعظم الفظائع في متعارف النّاس.
والتّعبير عمّا مضى بالفعل المضارع لاستحضار الصّورة العجيبة من تمكّنه من أن يتركهما عريانين.
واللّباسُ تقدّم قريباً، ويجوز هنا أن يكون حقيقة وهو لباسٌ جلَّلهما الله به في تلك الجنّة يحجب سوآتهما، كما روي أنّه حِجاب من نور، وروي أنّه كقشر الأظفار وهي روايات غير صحيحة.
والأظهر أنّ نزع اللّباس تمثيل لحال التّسبّب في ظهور السوءة.
وكرّر التّنويه باللّباس تمكيناً للتّمهيد لقوله تعالى بعده: ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [الأعراف: 31].
وإسناد الإخراج والنّزع والإراءة إلى الشّيطان مجاز عقلي، مبني على التّسامح في الإسناد بتنزيل السّبب منزلة الفاعل، سواء اعتبر النّزع حقيقة أم تمثيلاً، فإنّ أطراف الإسناد المجازي العقلي تكون حقائق، وتكون مجازات، وتكون مختلفة، كما تقرّر في علم المعاني.
واللاّم في قوله: ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام التّعليل الادّعائي، تبعاً للمجاز العقلي، لأنّه لمّا أسند الإخراج والنّزع والإراءة إليه على وجه المجاز العقلي، فجعل كأنّه فاعل الإخراججِ ونزععِ لباسهِما وإراءتِهما سوآتِهما، ناسب أن يجعل له غرض من تلك الأفعال وهو أن يُريهما سَوآتهما ليَتِم ادّعاء كونه فاعلَ تلك الأفعال المضرّة، وكونِه قاصداً من ذلك الشّناعة والفظاعة، كشأن الفاعلين أن تكون لهم علل غائية من أفعالهم إتماماً للكيد، وإنّما الشّيطان في الواقع سبب لرؤيتهما سوآتهما، فانتظم الإسناد الادّعائي مع التّعليل الادّعائي، فكانت لام العلّة تقوية للإسناد المجازي، وترشيحاً له، ولأجل هذه النّكتة لم نجعل اللاّم هنا للعاقبة كما جعلناها في قوله: ﴿ فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووُري عنهما من سوآتهما ﴾ [الأعراف: 20] إذ لم تقارن اللاّم هنالك إسناداً مجازياً.
وفي الآية إشارة إلى أنّ الشّيطان يهتم بكشف سوأة ابن آدم لأنّه يسرّه أن يراه في حالة سوء وفظاعة.
وجملة: ﴿ إنه يريكم هو وقبيله ﴾ واقعة موقع التّعليل للنّهي عن الافتتان بفتنة الشّيطان، والتّحذير من كيده، لأنّ شأن الحَذِرِ أن يَرصد الشّيء المخوف بنظره ليحترس منه إذا رأى بَوادره، فأخبر الله النّاس بأنّ الشّياطين تَرى البشر، وأنّ البشر لا يرونها، إظهاراً للتّفاوت بين جانب كيدهم وجانب حذر النّاس منهم، فإنّ جانب كيدهم قويّ متمكّن وجانب حذر النّاس منهم ضعيف، لأنّهم يأتون المكيد من حيث لا يدري.
فليس المقصود من قوله: ﴿ إنه يركم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ﴾ تعليم حقيقة من حقائق الأجسام الخفيّة عن الحواس وهي المسمّاة بالمجرّدات في اصطلاح الحكماء ويسمّيها علماؤنا الأرواح السفليّة إذ ليس من أغراض القرآن التّصدّي لتعليم مثل هذا إلاّ ما له أثر في التّزكية النّفسية والموعظة.
والضّمير الذي اتّصلت به (إنّ) عائد إلى الشّيطان وعُطف: ﴿ وقبيله ﴾ على الضّمير المستتر في قوله: ﴿ يريكم ﴾ ولذلك فصل بالضّمير المنفصل.
وذُكر القبيل، وهو بمعنى القبيلة، للدّلالة على أنّ له أنصاراً ينصرونه على حين غفلة من النّاس، وفي هذا المعنى تقريب حال عداوةِ الشّياطين بما يعهده العرب من شدّة أخذِ العدوّ عدوّه على غرّة من المأخوذ، تقول العرب: أتَاهم العَدوّ وهم غَارّون.
وتأكيد الخبر بحرف التّوكيد لتنزيل المخاطبين في إعراضهم عن الحذر من الشّيطان وفتنته منزلة من يتردّدون في أنّ الشيطان يراهم وفي أنّهم لا يرونه.
و ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ ابتداء مكان مبهم تنتفي فيه رؤية البشر، أي من كلّ مكان لا ترونهم فيه، فيفيد: إنّه يراكم وقبيلهُ وأنتم لا ترونه قريباً كانوا أو بعيداً، فكانت الشّياطين محجوبين عن أبصار البشر، فكان ذلك هو المعتاد من الجنسين، فرؤية ذوات الشّياطين منتفية لا محالة، وقد يخول الله رؤية الشّياطين أو الجنّ متشكّلة في أشكال الجسمانيات، معجزةً للأنبياء كما ورد في الصّحيح: " إنّ عفريتاً من الجنّ تَفَلَّت عليّ اللّيلةَ في صلاتي فَهَمَمْت أن أوثقه في سارِية من المسجد " الحديث، أو كرامةً للصّالحين من الأمم كما في حديث الذي جاء يسرق من زكاة الفطر عند أبي هريرة، وقول النّبيء صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: " ذلك شيطان " كما في «الصّحيحين»، ولا يكون ذلك إلاّ على تشكل الشّيطاننِ أو الجنّ في صورة غير صورته الحقيقيّة، بتسخير الله لتتمكّن منه الرّؤية البشريّة، فالمرئيّ في الحقيقة الشّكل الذي ماهيةُ الشّيطان من ورائه، وذلك بمنزلة رؤية مكاننٍ يُعلم أنّ فيه شيطاناً، وطريق العلم بذلك هو الخبر الصّادق، فلولا الخبر لما عُلم ذلك.
وجملة: ﴿ إنا جعلنا الشيطان أولياء للذين لا يؤمنون ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً قصد منه الانتقال إلى أحوال المشركين في ائتمارهم بأمر الشّيطان، تحذيراً للمؤمنين من الانتظام في سلكهم، وتنفيراً من أحوالهم، والمناسبة هي التّحذير وليس لهذه الجملة تعلّق بجملةِ: ﴿ إنه يريكم هو وقبيله ﴾ .
وتأكيد الخبر بحرف التّأكيد للاهتمام بالخبر بالنّسبة لمن يسمعه من المؤمنين.
والجعل هنا جعل التّكوين، كما يعلم من قوله تعالى: ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ [الأعراف: 24] بمعنى خلقنا الشّياطين.
و ﴿ أولياءَ ﴾ حال من ﴿ الشياطين ﴾ وهي حال مقدرة أي خلقناهم مُقدرة وَلايتُهم للّذين لا يؤمنون، وذلك أنّ الله جبل أنواع المخلوقات وأجناسَها على طبائِع لا تنتقل عنها، ولا تقدر على التّصرّف بتغييرها: كالافتراس في الأسد، واللّسع في العقرب، وخلق للإنسان العقلَ والفكر فجعله قادراً على اكتساب ما يختار، ولما كان من جبلة الشّياطين حبّ ما هو فساد، وكان من قدرة الإنسان وكسبه أنّه قد يتطلّب الأمر العائد بالفساد، إذا كان له فيه عاجلُ شهوة أو كان يشبه الأشياء الصّالحة في بادئ النّظرة الحمقاء، كان الإنسان في هذه الحالة موافقاً لطبع الشّياطين، ومؤتمراً بما تسوله إليه، ثمّ يغلِب كسب الفساد والشرّ على الذين توغّلوا فيه وتدرّجوا إليه، حتّى صار المالكَ لإراداتهم، وتلك مَرتبَة المشركين، وتتفاوت مراتب هذه الولاية، فلا جرم نشأت بينهم وبين الشّياطين ولاية ووفاق لتقارب الدّواعي، فبذلك انقلبت العداوة التي في الجبلة التي أثبتها قوله: ﴿ إنّ الشيطان لكما عدو مبين ﴾ [الأعراف: 22] وقوله ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ [الأعراف: 24] فصارت ولاية ومحبّة عند بلوغ ابن آدم آخرَ دركات الفساد، وهو الشّرك وما فيه، فصار هذا جعلا جديداً ناسخاً للجعل الذي في قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ كما تقدّمت الإشارة إليه هنالك، فما في هذه الآية مقيّد للإطلاق الذي في الآية الأخرى تنبيها على أن من حقّ المؤمن أن لا يوالي الشّيطان.
والمراد بالذين لا يؤمنون المشركون، لأنّهم المضادون للمؤمنين في مكّة، وستجيء زيادة بيان لهذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ﴾ في هذه السورة (35).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ ﴾ وهَذا خِطابٌ تَوَجَّهَ إلى مَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانًا، فَقِيلَ لَهم لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ بِغُرُورِهِ كَما فَتَنَ أبَوَيْكم مِن قَبْلُ حَتّى أخْرَجَهُما مِنَ الجَنَّةِ، لِيَكُونَ إشْعارُهم بِذَلِكَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ مِن مُجَرَّدِ النَّهْيِ.
﴿ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ لِباسَهُما كانَ أظْفارًا تَسْتُرُ البَدَنَ فَنُزِعَتْ عَنْهُما وتُرِكَتْ زِينَةً وتَبْصِرَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ لِباسَهُما كانَ نُورًا، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَزَعَ عَنْهُما لِباسَهُما مِن تَقْوى اللَّهِ وطاعَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أجْسادُهُما مِنَ العَوْرَةِ حِينَ خَرَجا مِن لِباسِهِما، وهو مُقْتَضى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: سَوْأةُ مَعْصِيَتِهِما حَتّى خَرَجا مِن تَقْوى اللَّهِ وطاعَتِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
﴿ إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوْمُهُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: جِيلُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن حَيْثُ لا تُبْصِرُونَ أجْسادَهم.
والثّانِي: مِن حَيْثُ لا تَعْلَمُونَ مَكْرَهم وفِتْنَتَهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة فلا يلبس أحدهم ثوباً طاف فيه ﴿ ورياشاً ﴾ قال: المال.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: نزلت في الحمس من قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من قبائل العرب الأنصار: الأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وبني عامر بن صعصعة، وبطون كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم، ولا يأتون البيوت إلا من أدبارها، ولا يضطربون وبراً ولا شعراً، إنما يضطربون الادم ويلبسون صبيانهم الرهاط، وكانوا يطوفون عراة إلا قريشاً، فإذا قدموا طرحوا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: هذه ثيابنا التي تطهرنا إلى ربنا فيها من الذنوب والخطايا، ثم قالوا لقريش: من يعيرنا مئزراً؟
فإن لم يجدوا طافوا عراة، فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ثيابهم التي كانوا وضعوا.
وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿ لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: الثياب ﴿ ورياشاً ﴾ قال: المال ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: خشية الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي في قوله: ﴿ لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: لباس العامة ﴿ وريشاً ﴾ قال: لباس الزينة ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: الإِسلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وريشاً ﴾ قال: المال واللباس والعيش والنعيم.
وفي قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: الإِيمان والعمل الصالح ﴿ ذلك خير ﴾ قال: الإِيمان والعمل خير من الريش واللباس.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ورياشاً ﴾ يقول: مالا.
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس ثوباً جديداً قال: «الحمد لله الذي كساني من الرياش ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الرياش: الجمال.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ وريشاً ﴾ قال: الرياش: المال قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: فرشني بخير طال ما قد ربيتني ** وخير الموالي من يريش ولا يبري وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ﴾ قال: هو اللباس ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: هو الإِيمان، وقد أنزل الله اللباس، ثم قال: خير اللباس التقوى.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد.
أنه قرأها ﴿ وريشاً ولباس التقوى ﴾ بالرفع.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وريشاً ﴾ بغير ألف ﴿ ولباس التقوى ﴾ بالرفع.
وأخرج ابن مردويه عن عثمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ ورياشاً ﴾ ولم يقل: وريشاً.
وأخرج ابن جرير عن زر بن حبيش.
إنه قرأها ﴿ ورياشاً ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن معبد الجهني في قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: هو الحياء، ألم تر أن الله قال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ﴾ فاللباس الذي يواري سوءاتكم: هو لبوسكم، والرياش المعاش، ولباس التقوى: الحياء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: يتقي الله فيواري عورته، ذلك لباس التقوى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: ما يلبس المتقون يوم القيامة ﴿ ذلك خير ﴾ من لباس أهل الدنيا.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ ولباس التقوى ذلك خير ﴾ قال: ما يلبس المتقون يوم القيامة خير مما يلبس أهل الدنيا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: السمت الحسن في الوجه.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من عبد عمل خيراً أو شراً إلا كسى رداه عمله حتى يعرفوه، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ ولباس التقوى ذلك خير...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: رأيت عثمان على المنبر قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد عملاً قط سراً إلا ألبسه الله رداه علانية إن خيراً فخير وإن شراً فشر» ثم تلا هذه الآية ﴿ ورياشاً ﴾ ولم يقل وريشاً ﴿ ولباس التقوى ذلك خير ﴾ قال: «السمت الحسن» .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ لباساً يواري سوءاتكم ﴾ قال: هي الثياب ﴿ ورياشاً ﴾ قال: المال ﴿ ولباس التقوى ﴾ قال: الإِيمان ﴿ ذلك خير ﴾ يقول: ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ قال: التقوى.
وفي قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ قال: الجن والشياطين.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن منبه ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ قال: النور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وقبيله ﴾ قال: نسله.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ﴾ قال: والله ان عدواً يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة إلا من عصم الله.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: سأل أن يرى ولا يرى، وأن يخرج من تحت الثرى، وإنه متى شاب عاد فتى فأجيب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مطرف.
أنه كان يقول: لو أن رجلاً رأى صيداً والصيد لا يراه فختله ألم يوشك أن يأخذه؟
قالوا: بلى.
قال: فإن الشيطان يرانا ونحن لا نراه، وهو يصيب منا.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: أيّما رجل منكم تخيل له الشيطان حتى يراه فلا يَصُدَّنَّ عنه، وليمضِ قدماً فإنهم منكم أشد فرقاً منكم منهم، فإنه إن صد عنه ركبه وإن مضى هرب منه.
قال مجاهد: فانا ابتليت به حتى رأيته، فذكرت قول ابن عباس، فمضيت قدماً فهرب.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن نعيم بن عمر قال: الجن لا يرون الشياطين بمنزلة الإِنس.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: لا يخدعنكم)، وعنه أيضًا: (لا يضلنكم) (١) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ ﴾ ، المعنى: كما فتن أبويكم، لكنه ذكر معنى فتنة الأبوين وهو إخراجهما من الجنة دون لفظ الفتنة.
وقوله تعالى: ﴿ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ ، أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأنه كان بسبب منه فأسند إليه، كما تقول: أنت فعلت هذا لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب وإن لم يباشره، كذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أُسند إليه (٢) وقوله تعالى: ﴿ لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ﴾ ، قال ابن عباس: (يرى آدم سوءة حواء، وترى حواء سوءة آدم) (٣) ﴿ لِيُرِيَهُمَا ﴾ لام المصير (٤) ﴿ لِيُبْدِىَ لَهُمَا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ ﴾ يعني: إبليس ﴿ هُوَ وَقَبِيلُهُ ﴾ أعاد الكناية ليحسن العطف (٥) ﴿ اُسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ﴾ وقد مضت هذه المسألة (٦) (٧) (٨) وقال ابن قتيبة: ( ﴿ وَقَبِيلُهُ ﴾ : أصحابه وجنده) (٩) ﴿ هُوَ وَقَبِيلُهُ ﴾ أي: هو ومن كان من نسله) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال قطرب: (جموعه) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾ ، قال أبو إسحاق: (ما بعد ﴿ حَيْثُ ﴾ صلة لها ، وليست بمضاف إليه) (١٦) قال أبو علي: (هذا غير مستقيم، ولا يجوز أن يكون ما بعد ﴿ حَيْثُ ﴾ صلة لها ، لأنه إذا كان صلة له وجب أن يكون للموصول فيه ذكر كما أن في سائر صلات الموصولة (١٧) فإن قيل: نقدر العائد في هذا كما نقدر في غيره من الصلات، كما تقول: الذي ضربت زيد تريد ضربته، كذلك تقدر العائد في قولك: رأيتك حيث قام زيد.
كأنك قلت: حيث زيد قائمه، أي قائم فيه، وحيث قام عمرو (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) فأما التفسير، فقال ابن عباس في قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾ : (وذلك أن الله تعالى جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصم الله، كما قال: ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾ فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم) (٢٢) وقال مجاهد: (قال إبليس: جُعل لنا أربع: نرى، ولا نُرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، قال أبو إسحاق: (معنى هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الكفار عوقبوا بأن سلطت عليهم الشياطين تزيدهم في غيهم (٢٤) ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ الآية [مريم: 83].
والثاني: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: سوينا بين الشياطين وبين الكافرين في الذهاب عن الله عز وجل) (٢٥) قوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: الشرك) (٢٦) وقال مجاهد: (يعني: طوافهم بالبيت عُريا الرجال والنساء) (٢٧) وقال الزجاج: (الفاحشة: ما يشتد قبحه من الذنوب) (٢٨) (١) ذكرهما الواحدي في "الوسيط" 1/ 170.
(٢) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 476، وابن الجوزي 3/ 184.
(٣) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 53، وفي "تنوير المقباس" 2/ 87 نحوه.
(٤) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 607.
(٥) ذكر قول الواحدي السمين في "الدر" 5/ 292، وقال: (لا حاجة إلى التأكيد في مثل هذه الصورة لصحة العطف إذ الفاصل هنا موجود، وهو كاف في صحة العطف، فليس نظير ﴿ اُسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ﴾ ) اهـ.
(٦) انظر: "البسيط" البقرة: 35.
(٧) "تهذيب اللغة" 3/ 2876، وانظر: "الجمهرة" 1/ 372، و"المنجد" لكراع ص 303، و"الصحاح" 5/ 1797، و"المجمل" 2/ 741 (قبل).
(٨) قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" 5/ 53، وابن منظور في "اللسان" 6/ 3519 (قبل): (وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة) اهـ.
وقال الراغب في "المفردات" ص 654: (القبيل جمع قبيلة، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض) اهـ.
(٩) "تفسير غريب القرآن" ص 177، ونحوه قال مقاتل في "تفسيره" 2/ 33، والنحاس في "معانيه" 3/ 24، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 213، والبخاري في "صحيحه" 5/ 195: ( ﴿ وَقَبِيلُهُ ﴾ جيله الذي هو منه) اهـ، ونحوه ذكر السجستاني في "نزهة القلوب" ص 366.
(١٠) "تهذيب اللغة" 3/ 2876، وانظر: "العين" 5/ 167.
(١١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 170، والبغوي في "تفسيره" 3/ 223، و"الخازن" 2/ 221.
(١٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 153، وابن أبي حاتم 5/ 1460 بسند جيد.
(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٤) لم أقف عليه.
(١٥) لم أقف عليه، وقال اليزيدي في "غريب القرآن" ص 145: ( ﴿ وَقَبِيلُهُ ﴾ شيعته وأمته) اهـ.
وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 215: ( ﴿ وَقَبِيلُهُ ﴾ قومه وهو قول الجمهور) اهـ.
والمعاني متقاربة، والأظهر ولده ونسله وجنده.
انظر: "تفسير الطبري" 8/ 153، والسمرقندي 1/ 536، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 441.
(١٦) "معاني القرآن" 2/ 329، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 607، 608.
(١٧) في "الإغفال" ص 765 (الموصولات).
(١٨) في "الإغفال" ص 767: (حيث زيد قائم، وحيث قام عمرو كأنه قال: حيث زيد قائمه أي: قام فيه، وحيث قامه عمرو أي: قام فيه ...) اهـ.
(١٩) لفظ: (لكان) ساقط من (أ).
(٢٠) لفظ.
(مستعمل) ساقط من (أ).
(٢١) هذا بعض ما ذكره أبو علي في "الإغفال" ص 764 - 768، وانظر: "غرائب == الكرماني" 1/ 401، وقال السمين في "الدر" 5/ 294: (أبو إسحاق لم يعتقد كونها موصولة بمعنى (الذي) لا يقول بذلك أحد، وإنما يزعم أنها ليست مضافة للجملة بعدها فصارت كالصلة لها أي الزيادة، وهو كلام متهافت، فالرد عليه من هذه الحيثية لا من حيثية اعتقاده لكونها موصولة، ويحتمل أن يكون مراده أن الجملة لما كانت من تمام معناها بمعنى أنها مفتقرة إليها كافتقار الموصول لصلته أطلق عليها هذه العبارة، ويدل على ما قلته أن مكيًا ذكر في علة بنائها فقال: (ولأن ما بعدها من تمامها كالصلة والموصول) إلا أنه يرى أنها مضافة لما بعدها) اهـ.
وانظر: "المشكل" 1/ 287، و"البيان" 1/ 358 - 389.
(٢٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 171، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 184، وقال الخازن 2/ 221، وصديق خان 4/ 326: (حكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس أن النبي قال ذلك) وقد أخرج مسلم في "صحيحه" كتاب السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رئى خاليا بامرأة ...
إلخ، حديث رقم (2175)، عن صفية بنت حُيَيَّ أن النبي : "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" اهـ.
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في "الفتاوى" 15/ 7: (الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس وهذا حق يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها ، وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال؛ بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضًا لكن لا يرونهم في كل حال) اهـ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 477، والقرطبي 7/ 176، و"البحر المحيط" 4/ 284.
(٢٣) ذكره الثعلبي في "الكشف" 189 أ، والرازي في "تفسيره" 14/ 54، و"الخازن" 2/ 221، والسيوطي في "الدر" 3/ 142، وصديق خان في "تفسيره" 4/ 326.
(٢٤) في "معاني الزجاج" 2/ 329 (تزيدهم في غيهم عقوبة على كفرهم ...).
(٢٥) "معاني الزجاج" 2/ 329 - 330.
وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 153، والسمرقندي 1/ 536، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 477.
قال الطبري: (يقول: جعلنا الشياطين نُصراء الكفار الذين لا يوحدون الله ولا يصدقون رسله) اهـ.
(٢٦) لم أقف عليه عن ابن عباس، وأكثر المفسرين ذكروه عن عطاء والحسن.
ومنهم الماوردي 5/ 216، والواحدي في "الوسيط" 1/ 171، والبغوي 3/ 223، وابن الجوزي 3/ 185.
(٢٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 154 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسدي، وأخرجه عن ابن زيد ومحمد بن كعب القرظي، وهذا هو قول أكثر المفسرين.
انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 537، والماوردي 2/ 216، والقرطبي 7/ 187.
(٢٨) "معاني القرآن" 2/ 330، وهذا هو الظاهر فيدخل في العموم الشرك، وكشف العورة في الطواف، ويحمل ما ذكر على التمثيل.
انظر: "تفسير الطبري" 8/ 154، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 477.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَاسَمَهُمَآ ﴾ أي حلف لهما: إنه لمن الناصحين وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما: وأقسما له أن يقبلا نصيحته ﴿ فدلاهما ﴾ أي أنزلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ أي غرّهما بحلفه لهما لأنهما ظنا أنه لا يحلف كاذباً ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما ﴾ أي زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل: كان لباسهما نور يحول بينهما وبين النظر ﴿ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ﴾ أي يصلان بعضه ببعض ليستترا به ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير واسطة ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ اعتراف وطلب للمغفرة والرحمة، وتلك هي الكلمات التي تاب الله عليه بها ﴿ اهبطوا ﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾ أي في الأرض ﴿ لِبَاساً ﴾ أي الثياب التي تستر، ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل: المراد أنزلا ما يكون عنه اللباس وهو المطر، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة ﴿ وَرِيشاً ﴾ أي لباس الزينة وهو مستعار من ريش الطائر ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ لباساً كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه، وقيل: لباس التقوى ما يتقي به في الحرب من الدروع وشبهها، وقرئ بالرفع على الابتداء أو خبره الجملة، وهي: ذلك خير ﴿ ذلك مِنْ آيَاتِ الله ﴾ الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه الآية واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت وخصف الورق عليها ليبين إنعامه على ما خلق من اللباس و ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ أي كان سبباً في نزع لباسهما عنهما ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ يعني غالب الأمر، وقد استدل به من قال: إن الجن لا يُرَوْن وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر؛ جمعا بينها وبين الأحاديث.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ورياشا ﴾ أبو زيد عن المفضل.
الباقون ﴿ ريشاً ﴾ ﴿ ولباس ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ.
الباقون بالرفع.
﴿ خالصة ﴾ بالرفع: نافع.
الآخرون بالنصب ﴿ ربي الفواحش ﴾ مرسلة الباء: حمزة.
الوقوف: ﴿ وريشاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولباس ﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿ التقوى ﴾ ﴿ خير ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ سوآتهما ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أمرنا بها ﴾ ط ﴿ بالفحشاء ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ط ﴿ تعودون ﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿ الضلالة ﴾ ج ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام.
﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ من الرزق ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ أجل ﴾ ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا ﴾ وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى.
ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى.
ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ ﴿ وأنزلنا الحديد ﴾ والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال ﴾ ومن قرأ ﴿ رياشاً ﴾ فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب.
وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر.
ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش.
وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال.
أما قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي ﴿ ذلك خير ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو ﴿ خير ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير.
والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة.
ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده.
أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب.
أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة.
ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان.
وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.
وقيل: هو السمت الحسن.
وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً.
وقال معبد: هو الحياء.
وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات.
وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴾ ﴿ وذلك من آيات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.
ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.
وقال الخليل: الفتن الإحراق.
وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله : ﴿ يوم هم على النار يفتنون ﴾ من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر.
ومحل ﴿ كما أخرج ﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة.
ومحل ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما.
واللام في ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ﴿ ليبدي لهما ﴾ قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.
وعن عائشة ا ما رأيت منه ولا رأى مني.
وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم.
واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر.
وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.
وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان.
وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي.
ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً.
والقبيل بنو أب واحد.
وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده.
وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته.
﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون.
قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.
وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس.
قال بعض العلماء: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة.
ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد.
وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى.
وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.
والضمير في ﴿ إنه ﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ الآية.
واحتج أهل السنة على أنه هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟
وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب.
وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها.
ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ ؟
والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً.
وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله بذاته وأفعاله وأحكامه.
أما قوله: ﴿ وأقيموا ﴾ فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا ﴿ وجوهكم ﴾ أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ﴿ عند كل مسجد ﴾ في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي.
ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء.
وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة.
ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ وانتصاب ﴿ فريقاً ﴾ الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به.
قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة.
وأجيب بأن قوله: ﴿ هدى ﴾ و ﴿ حق ﴾ ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال.
ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.
ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين.
ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله .
*** وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد.
وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.
وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية.
قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله : ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ يعني الثياب.
وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.
والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة.
وقيل: الزينة المشط.
وقيل: الطيب.
ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ.
فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته.
قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة.
وأجيب بأن اللام في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟
أما قوله: ﴿ وكلوا ﴾ أي اللحم والدسم.
﴿ واشربوا ﴾ فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة.
وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين.
أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل.
والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.
وفي قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.
الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها.
وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله لهم.
قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي.
وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان.
فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.
قال: وما هي؟
قال: قوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة.
قال: وما هي؟
قال: قوله: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.
قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة.
وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب.
عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام.
قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات.
فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة.
فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك.
فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك.
فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة.
فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله .
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة.
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم.
قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله.
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.
قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة.
ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي.
واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام.
قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله أعلم.
ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ﴾ وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر.
قال أبو علي: أو على الخبر ﴿ والذين آمنوا ﴾ متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿ يوم القيامة ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ آمنوا ﴾ و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ خالصة ﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار.
وعلى الأول يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة.
ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.
ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والإثم ﴾ وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر.
وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم.
وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: ﴿ والبغي بغير الحق ﴾ ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة.
فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال.
ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة.
وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول.
وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال.
وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل.
ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال.
وليس المراد أنه لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً.
والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته.
قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ؟
وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى.
التأويل: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ هو لباس الشريعة ﴿ يواري ﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿ وريشاً ﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ ولباس التقوى ﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي.
فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ ذلك خير ﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.
﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿ كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ وجوار الحق ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ ليريهما سوآتها ﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿ وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني.
﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء ﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة.
﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿ قالوا إنا وجدنا آباءنا ﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿ والله أمرنا ﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ ﴿ كما بدأكم ﴾ لطفاً أو قهراً ﴿ تعودون ﴾ إليه.
فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿ خذوا زينتكم ﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في مقام العندية كما قال: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية.
﴿ زينة الله ﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ﴿ الفواحش ﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام ﴿ ما ظهر منها ﴾ ارتكاب المناهي ﴿ وما بطن ﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ ما ظهر منها ﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿ وما بطن ﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ ما ظهر منها ﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿ وما بطن ﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين.
﴿ والإثم ﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿ والبغي ﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه.
وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿ وأن تقولوا ﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿ على الله ما لا تعلمون ﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين ﴿ ولكل أمة ﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ﴾ .
قال ابن عباس - - والحسن: أنزلنا ماء القراح من السماء ليتخذ منه اللباس ما يواري عوراتهم، ويتخذ منه الطعام والأشياء التي بها قوام أنفسهم.
ويحتمل قوله: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً ﴾ أنزل الماء والأسباب التي بها يتخذ اللباس والأطعمة والأشربة، والعلم في ذلك الماء والأسباب، والعلم بذلك، وإلا ما عرف الخلق أن كيف يتخذ ذلك لباساً والأطعمة والأشربة.
وفيه دليل إثبات الرسالة؛ لأنهم لم يعرفوا ذلك إلا بوحي من السماء.
أو أن يكون قوله: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً ﴾ ، أي: جعل لكم وأنشأ لكم ما تتخذون منه اللباس والطعام والشراب ليس على الإنزال، ولكن على أن جعل لكم ذلك؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ ، أي أنشأ لكم ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ﴾ ، وهو أن خلق لنا ذلك.
وفيه دليل خلق أفعال الخلق؛ لأنه إنما صار طعاماً بفعل من العباد [لا] أنه أنزل من السماء هكذا، ثم أخبر أنه جعل ذلك لنا، دل أنه خلق فعل الخلق فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِيشاً ﴾ ، قال بعضهم.
مالاً.
وقال بعضهم: معاشا.
وقال القتبي: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، وريش ما ستر به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .
في حرف ابن مسعود - -: ﴿ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ ، بالرفع على الابتداء أي لباس التقوى خير، ومن نصبه - أيضاً - فإنما ينصبه على الجواب لما تقدم؛ وإلا الحق فيه الرفع.
ثم اختلف فيه أهل التأويل قال الحسن: لباس التقوى: الدين.
وقال أبو بكر الأصم: القرآن.
وقيل: العفاف.
وقيل: الحياء.
وقيل: الإيمان، فكله واحد، أي: كل ما ذكر من لباس التقوى خير من اللباس الذي ذكر؛ لأن الدين والإيمان والقرآن والحياء يزجره ويمنعه من المعاصي فهو خير لأنه لباس في الدنيا والآخرة؛ لأن المؤمن التقي العفيف الحيي لا يبدو له عورة، وإن كان عارياً من الثياب [وأن الفاجر لا يزال] تبدو منه عورته، وإن كان كاسياً من الثياب، لا يتحفظ في لباسه؛ [فلباس] التقوى خير، وهو كقوله ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هذا التأويل للقراءة التي تقرأ بالرفع: ﴿ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ على الابتداء.
وأمّا من قرأ بالنصب فهو رده إلى قوله: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً ﴾ ، ثم أنزلنا عليكم - أيضاً - لباساً تتقون به الحرّ والبرد والأذى؛ فيكون فيه ذكر لباس سائر البدن، وفي الأول ذكر لباس العورة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ الذي اتخذ منه اللباس والأطعمة والأشربة من آيات الرسالة؛ لأن كل ذلك إنما عرف بالرسل بوحي من السماء، وهو ما ذكرنا أن فيه دليل إثبات الرسالة.
ويحتمل ذلك من آيات الله أي: من آيات وحدانية الله وربوبيته؛ لما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما؛ دل ذلك أن منشئهما ومدبرهما واحد؛ لأنه لو كان تدبير اثنين، ما اتسق تدبيرهما؛ لاتصال منافع أحدهما بالآخر.
وقوله - عز جل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .
أي: لعلهم يوفقون للتذكير، ولعلهم يتقون، أي: لعلهم يوفقون للتقوى، ولعلهم يوفقون للشكر لأنه حرف شك هذا يحسن أن يقال، والله أعلم، أو نقول: لكي يلزمهم التذكر والتشكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ .
قال بعضهم: خاطب به أهل مكة في تكذيبهم رسول الله ومخالفتهم أمره في ألاّ يخرجكم من الأمن والسعة، كما أخرج أبويكم من دار الأمن والسعة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ أي: احذروا دعاءه إلى ما يدعوكم إليه؛ فإنه يمنع عنكم في الآخرة الكرامة والثواب؛ كما أخرج أبويكم من دار الكرامة والمنزلة.
وقال أهل التأويل ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، أي: لا يضلنكم الشيطان ويغويكم، كما فعل بأبويكم: أخرجهما من الجنة.
وقال آخرون: قوله: ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ بما تهوى أنفسكم، ومالت إلى شهواتها وأمانيها، كما أخرج أبويكم من الجنة بما [هوته أنفسهما، واشتهائهما] يحذرهم اتباع هوى النفس وشهواتها وأمانيها؛ فإن السبب الذي به كان إخراجهما هو هوى النفس وأمانيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَنزِعُ ﴾ \[أي: نزع\] عنهما لباسهما وهذا في القرآن كثير يفعل بمعنى فعل.
ويحتمل على الإضمار؛ كأنه قال: أراد أن ينزع عنهما لباسهما؛ ليريهما سوءاتهما، وقد ذكر أن المفروض من الستر هو ستر العورة لا غير، احتيج إليه أو لم يحتج، وأمّا غيره من الستر فإنما هو لدفع الأذى من الحرّ والبرد [أو للتجمل] والمفتون بالشيء هو المشغوف به والمولع به.
يقول: لا يمنعنكم عن دخول الجنة، كما أخرج أبويكم من الجنة، وكان قصده ما ذكر من نزع اللباس وإبداء العورة وهو ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ .
قيل: قبيله: جنوده وأعوانه، حذرنا إبليسَ وأعوانَه؛ بما يروننا ولا نراهم، فإن قيل: كيف كلفنا محاربته، وهو [بحيث لا نراه وهو يرانا ومثله في غيره من الأعداء لا يكلفنا محاربة من لا نراه أو لا نقدر القيام بمحاربته وليس في وسعنا القيام بمحاربة من لا نراه قيل إنه لم يكلفنا محاربة أنفسهم؛ إذ لم يجعل] له السطان على أنفسنا وإفساد مطاعمنا ومشاربنا وملابسنا، ولو جعل لهم لأهلكوا أنفسنا وأفسدوا غذاءنا، إنما جعل له السلطان في الوساوس فيما يوسوس في صدورنا، وقد جعل لنا السبيل إلى معرفة وساوسه بالنظر والتفكر، نحو قوله: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، وقوله - -: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ \[المؤمنون: 97\]، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ ﴾ علمنا ما به ندفع وساوسه وهمزاته، وجعل لنا الوصول إلى دفع وساوسه بحجج وأسباب جعلت لنا، فهذا يدل على أن الله يجوز أن يكلفنا بأشياء لم يعطنا أسباب تلك الأشياء، بعد أن جعل في وسعنا الوصول إلى تلك الأسباب، وإن لم يكن [لنا] وقت التكليف تلك الأسباب، من نحو: الأمر بالصلاة، وإن لم نكن على الطهارة؛ إذ جعل في وسعنا الوصول إلى الطهارة، ونحو الأمر بأداء الزكاة، وإن لم يكن وقت الأمر من نؤدي إليه حاضراً، أو نحو الأمر بالحج وغيره من العبادات، وإن كان لا يصل إلى أداء ما افترض عليه إلا بعد أوقات مع احتمال الشدائد، وهذا يرد - أيضاً - على من يقول: إنه لا يلزم الأوامر والمناهي من جهلها، ولا يكلف إلا بعد العلم بها؛ لأنه يتكلف حتى لا يلزمه فرض من فرائض الله وعبادة من عباداته؛ لأنه لا يكسب أسباب العلم؛ لئلا يلزمه ذلك، فهذا بعيد محال، والوجه في ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
اختلف أهل الاعتزال فيه؛ قال أبو بكر الأصم: الجعل من الله على وجوه: أحدها: السبب أي: أعطينا لهم السبب الذي به صاروا أولياء لهم، كما يقول الرجل لآخر: جعلتُ لك الدار والعبيد والمال، وهو لم يجعل له ذلك، ولكن أعطاه ما به صار ذلك، وهو إنما أعطاه سبب ذلك؛ فيضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك ما أضاف الجعل إليه؛ لما أعطاه السبب.
وقال جعفر بن حرب: "الجعل" هو التخلية، خلى بينهم وبين أولئك؛ فأضاف ذلك إليه بالجعل، كما يقال للرجل: جعلت عبدك قتالاً ضراباً، إذا خلى بينه وبين ما يفعله، وهو قادر على منعه؛ [عن ذلك] فعلى ذلك فبما أضاف الجعل إلى نفسه: هو أن خلى بينهم وبين أولئك، يعملون ما شاءوا.
وقال الحسن: من حكم الله أن من عصى يكون عدوّاً له، ومن أطاع يكون وليّاً له، ومن أطاع الشيطان فهو وليه، ومن عصاه يكون عدوّاً له؛ فكذا حكم الله - - في كل من أطاعه يكون وليّاً له، ومن عصاه يكون عدوّاً له.
وقال غيرهم من المعتزلة قوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: وجدناهم كذلك أولياء لهم.
ولكن لو جاز إضافة ذلك إلى الله - - كما ذكر هؤلاء - لجاز إضافة ذلك إلى الأنبياء؛ لأنه قد كان منهم التخلية في ذلك، والتسمية لهم بذلك، والحكم على ما قال الحسن، فإذا لم يجز إضافة ذلك إليهم؛ دل أنه قد كان من الله في ذلك صنع لم يكن ذلك من الأنبياء، وهو أن خلق منهم فعل الولاية لهم؛ لما علم منهم أنهم يختارون ولايتهم ويتولونهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ ، وبالله العصمة والنجاة.
<div class="verse-tafsir"
يا بني آدم، لا يَغُرَّنَّكم الشيطان بتزيين المعصية بترك اللباس الحسي لستر العورة أو ترك لباس التقوى، فقد خدع أبويكم بتزيين الأكل من الشجرة حتى كان مآل ذلك أن أخرجهما من الجنة، وبدت لهما عوراتهما، إن الشيطان وذريته يرونكم ويشاهدونكم وأنتم لا ترونهم ولا تشاهدونهم، فيلزمكم الحذر منه ومن ذريته، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون بالله، وأما المؤمنون الذين يعملون الصالحات فلا سبيل لهم عليهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.z5Jgp"